صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 34
  1. #1
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    أ.د. خليل أبو ذياب
    ..........................

    أولا : الحالة الشخصية :
    .................................
    1-الاسم : خليل إبراهيم أبوذياب .
    2-تاريخ ومكان الميلاد :16/ 8/ 1941م . السوافير – قضاء المجدل – فلسطين .
    3-الحالة الاجتماعية : متزوج ، عدد الاولاد : 8 .
    4-الجنسية الحالية : فلسطيني .
    5-العنوان الدائم : قطاع غزة ، فلسطين .
    6-العنوان الحالي : الرياض: ص ب 20169 – الرمز البريدي 11455- ت 4111128
    جوال / 053265171
    ***
    ثانيا : السيرة التعليمية :
    .................................
    أ- المراحل قبل الجامعة :
    1- من المرحلة الابتدائية فالمتوسطة حتى الثانوية في قطاع غزة حتى سنة 1958م.
    ب- المرحلة الجامعية :
    1- الليسانس : كلية الآداب – قسم اللغة العربية – جامعة القاهرة 1958م-1962م .
    2- الماجستير : كلية الآداب – قسم اللغة العربية – جامعة القاهرة 1968م.
    موضوع الرسالة : " أثر المتنبي في أبي العلاء المعري في ديوان " سقط الزند"
    بتقدير : جيد جداً " .
    3- الدكتوراه : قسم اللغة العربية – جامعة القاهرة 1974م . موضوع الرسالة " ديوان لزوم مالايلزم لأبي العلاء : دراسة موضوعية فنية ، مرتبة الشرف الأولى .
    ******
    ثالثا : السيرة العلمية :
    ..............................
    1- ممارسة التعليم لمدة سنة واحدة في إحدى مدارس قطاع غزة الثانوية (1962-1976) .
    2- ممارسة التعليم لمدة ثلاث عشرة سنة في مدارس الكويت المتوسطة
    والثانوية (1963-1976) .
    3- عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة العربية السعودية بالقصيم / بريدة ، والرياض منذ سنة 1976/1396هـ - 2000/1421هـ
    ولمدة أربع وعشرين سنة .

    رابعا : السيرة العلمية : الإنتاج العلمي :
    .................................................. ......
    1- الدراسات المطولة :
    .................................
    أولا : مكتبة الدراسات العلائية :

    1-النزعة الفكرية في اللزوميات . . . . مطبوع 1995
    2-المعمار الفني في اللزوميات . . . . . مطبوع 1995
    3-علوم اللغة في " رسالة الصاهل والشاحج " لأبي العلاء المعري . . مطبوع 2000
    4-الرحلة الخيالية بين أبي العلاء وابن شهيد ودانتي : دراسة تحليلية مقارنة .
    5-الاتجاهات الثقافية والأدبية عند أبي العلاء المعري . . . تحت الطبع .
    6-أثر المتنبي في أبي العلاء في ديوان " سقط الزند " . . . مخطوط .
    7-العروض في أدب أبي العلاء المعري .
    8-المعجم اللغوي لأدب أبي العلاء المعري ( تحت الإعداد ) .

    ثانيا : دراسات في الشعر الهذلي :
    ..................................................
    1-الصورة الفنية في شعر هذيل .
    2-التشكيل الاجتماعي والفني للمرأة الهذلية .
    3-ظاهرة الموت في الشعر الهذلي .
    4-أبو صخر الهذلي : حياته وشعره .
    5-أمية بن أبي عائذ : حياته وشعره .
    6-مليح بن الحكم : حياته وشعره .
    7-ساعدة بن جؤية : حياته وشعره .
    8-المعجم اللغوي لشعر هذيل ( تحت الإعداد ) .

    ثالثا : مكتبة الدراسات الأدبية :
    ...........................................
    1-النابغة الجعدي : حياته وشعره .
    2-مروان بن أبي حفصة : حياته وشعره .
    3-عمر بهاء الدين الأميري : حياته وشعره .
    4-دراسات في أدب الجاحظ .
    5-الصورة الاستدارية في الشعر العربي – مطبوع 1999
    6-التشكيل النفسي لشعر الصعاليك .

    رابعا : مكتبة الدراسات القرآنية :
    ...............................................
    1- ظاهرة التفسير العلمي للقرآن الكريم . . . . . مطبوع .
    2- منهج " المنار " في تفسير القرآن الكريم . . . . مخطوط .
    3- سورة يوسف : دراسة أدبية تحليليلة . . . . مخطوط .
    4- ظاهرة التقابل في القرآن الكريم . . . . . . تحت الإعداد .
    5- دراسات في فن القص . . . . مطبوع .
    6- دراسات في الأدب الإسلامي . . . . مخطوط .
    7- دراسات في الشعر الحديث . . . . مخطوط .
    ***
    خامسا : مكتبة الدراسات النقدية :
    ..............................................
    1- تاريخ النقد الأدبي عند العرب ( جزءان ) مخطوط .
    2- منهج ابن رشيق في النقد في كتاب " القراضة " مخطوط .
    3- المرتضى ناقدا ( تحت الإعداد ) .
    ***
    سادسا : نصوص مختارة من الأدب العربي : دراسة تحليلية :
    .................................................. ..................................
    1- الأدب الجاهلي . مطبوع .
    2- أدب عصر صدر الإسلام . مطبوع .
    3- الأدب الأموي . مخطوط .
    4- الأدب العباسي . مخطوط .
    5- الأدب الأندلسي . مخطوط .
    6- أدب الحروب الصليبية والدول المتتابعة . مخطوط .
    7- الأدب الحديث . مخطوط .

    ب- البحوث القصيرة والمقالات والمحاضرات والندوات ، وهي كثيرة نشر بعضها
    في بعض المجلات والصحف المحلية والعربية ، وألقي بعضها في بعض
    المنتديات العلمية والأدبية ، ومايزال كثير منها لم ينشر .

    ج- الإشراف على بعض الرسائل الجامعية ، والاشتراك في مناقشة بعض الرسائل
    الجامعية للماجستير والدكتوراه ، والاشتراك في تحكيم بعض البحوث
    والدراسات التي أعدت للترقية إلى درجات علمية أو نشرها في دوريا ت علمية
    جامعية .

  2. #2
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    في «بنا ت الريا ض» رجاء الصانع تفتح النار على المجتمع السعودي

    بقلم: أ.د. خليل أبو ذياب
    .................................

    " بنات الرياض " مجموعة حكايات متناثرة متشتتة تحكي أطرافا متشعثة من حكايات أربع فتيات من مدينة الرياض ـ ربما كانت الكاتبة إحداهن ، أو على الأقل الأكيد أنها مشاهدة ومتابعة لأحداثهن وأخبارهن بطريقة أو بأخرى .. أما أن تكون تلك الروايات والأخبار والمتابعات من نسج الخيال أو التصور فأمر لا يمكن قبوله بحال من الأحوال .. المهم أن الكاتبة سعت في هذا الكتاب أو الرواية كما أرادت ذلك وأطلقت عليها ، أن تطرح مكاشفة أو مفاتحة للتغيير ومعالجة مواطن التحجر والفساد في المجتمع السعودي في رأيها ، تلك التي لا ترضي نزعات التحرر والانحلال وعدم المبالاة بالتقاليد والأعراف والقيم الراسخة والمتأصلة في هذا المجتمع ، والتي تسعى إليها صواحبها بشتى الطرق والممارسات الإباحية المتحللة .. ويبدو أن الكاتبة كانت تحس أنها واقعة بين فكّي كماشة ، أو بين سندان التقاليد والأعراف السائدة في المجتمع وما يسيطر عليها من تعتيم وتكتيم ورفض لأن يطلع عليها أحد أو يعلم بها كائن من كان ، وتحرّج واسع وبالغ من الإفصاح عن شيء منها وكشف القناع عن الوجه الأسود الكالح الذي يسودهذا المجتمع ، أو قل ازدواجية القناع الذي يتقنع به وضرورة الكشف وإزاحة هذا القناع لتتكشف عن تلك السلوكيات المرفوضة وغير المقبولة والممارسات الفاسدة والمنحطة ، وبين مطرقة التحرر والانفلات والرغبة في تغييرها ؛ وقد رفضت الكاتبة ما يبدو ويشيع من قبول الناس في المجتمع لتلك السلوكيات والمواقف الكابية واقتناعهم بها والدفاع عنها بشيء من الشراسة وعدم السماح بإبداء الآراء الناقدة أو الرافضة كائنة ما تكون .. بل إن ما كان يبدو منها بين الحين والحين لم تكن لتتاح له الفرصة لتنبيه الغافلين وتوعيتهم فضلا عن المناداة بضرورة التغيير.. كل هذه التراكمات للسلبيات التي رصدتها الكاتبة في المجتمع دفعها إلى وضع هذه الحكايات ونشر ما يشيع فيها من فضائح كما تسميها الكاتبة نفسها في عنوانها الألكتروني " سيرة وانفضحت " محورة الأصل المنقول وهو " انفتحت " ؛ هكذا أرادت الكاتبة ، وهكذا جاءت حكاياتها محاولة صاخبة وحادة ، وتفكيرا بصوت عال وصاخب للدعوة إلى التغيير والمكاشفة والمجابهة مع أساسيات المجتمع السعودي .. ولذلك لم تتورع عن رصد طرف من سلوكيات الخليجيين وما يسودها من تحرر بالغ عند الخروج من نطاق المجتمع وتجاوز دائرة الوطن بحثا عن السياحة في أرض الله .. وهو ما كانت تمارسه بعض بطلاتها أو صديقاتها ورفضها أن تصنع ما يصنعه الآخرون من تغيير ملابس السياحة وارتداء ملابسهم الوطنية من ثياب وشمغ وغتر وعباءات النساء ونقاباتهن وغيرها في باحات المطارات وحماماتها ، وكانت تصرّ على ارتدائها في الطائرة لتعود إلى هيئتها القديمة قبل الهبوط .. (134) وكأنها بذلك تكرّس فكرة الازدواجية في شخصية المجتمع ؛ وهو الأمر الذي ترفضه الكاتبة بجرأة وحماس وإصرار وفقا لمنهجها في قص حكايات صواحبها الأربع ..
    ومهما يكن فهذه الازدواجية وما يتبعها من ذلك السلوك التعتيمي الذي يسود المجتمع جعل مثل هذا العمل الأدبي أو الحكايات التي احتوتها " بنات الرياض " أشبه بقنبلة فراغية زرعت في بعض أساسات هذا المجتمع أو الكيان السعودي لتزلزل أركانه التي شيدتها العادات والتقاليد وأرستها عقودا متطاولة .. وجاء هذا العمل بمثابة المطرقة التي لا تريد أن تكفّ عن الطرق على سندان التقاليد والعادات في محاولة غير يائسة للتغيير والتحرر بعد أن عجزت عن الاحتمال ، فانفتلت الكاتبة تفصح عن كل ما تعلمه وتكشف ما قدرت عليه من أسرار وخبايا ، وهي تصرخ في وجه المجتمع بكافة طوائفه : من يمارس شيئا من هذا الانحراف ، ومن يقتنع بالتعتيم والتكتيم ، ومن يؤمن بنظافة المجتمع وسلامته ونقائه من كل شر وفساد ، وزيف تلك الادعاءات المغرضة الموتورة والحاقدة .. هكذا جاءت " بنات الرياض " تشكل القنبلة الموقوتة : قبِلها من قبِل ورفضها وأنكرها من رفض وأنكر ، وسكت عنها من سكت .. وهذا ما أتاح لها فرصة الظهور والانتشار لتحدث كل هذه الضجة ! وكان من حظ الكاتبة أن قنبلتها جاءت في الوقت المناسب الذي أتاح لها الانفجار بهدوء لذيذ مع كلام النواعم ، ولو أنها سبقت بهنيهة قصيرة لما انفجرت وظلت صرخاتها مكبوتة لا سبيل إلى إطلاقها وإعلانها أو الإشارة والتلميح إليها ، ولظل الوجه المشرق البهيج يطغى ويطفو على السطح دون أن يفطن أحد أو يتنبه لما وراءه أو يخفيه من بثور وطفح وتشوهات.. ومن هنا يمكن تصنيف القراء أو النقاد لهذا العمل أو حكايات " بنات الرياض " ، أو قل تأثيرها فيهم فريقين : فمن كان يؤمن بسياسة التعيم والتكتيم والتسليم والخضوع لسيطرة العادات والتقاليد أو ما يمكن أن يعرف بسياسة " النعام " أو سياسة " العين الواحدة " ، رفضها واستنكرها وطالب بإحالة أوراقها هي إلى المفتي ، أو أوراق روايتها إلى المحرقة ؛ ومن كان يؤمن بالموقف الآخر وهو الإيمان بالمكاشفة والمواجهة والمناصحة وضرورة التغيير ، وآمن أن أهم مراحل العلاج الصحيح تحديد مواطن الداء وتشخيصه بدقة لتبدأ عملية استئصال الداء والقضاء عليه ، آمن بها وقبلها وصفق لها .. ومثل هؤلاء يؤمنون أن مبضع الجراح عندما يطال الأعضاء الحساسة والمهمة في الجسد كالقلب والكبد وغيرهما ، ليمزق من هنا ويقطع من هناك ويستأصل ، إنما يسعى لبعث الحياة واستمرارها في الجسد وطرد شبح الموت الرهيب والخلاص من الآلام المبرحة !
    وهذا ما فعلته الكاتبة وصواحبها في حكايات " بنات الرياض " ؛ ويحس القارئ لها أن شبح المجتمع المرعب لا يكاد يختفي أو يغيب من تلك الحكايات لحظة واحدة ، بل إن ما يختفي أو تغفل عنه الكاتبة لا يلبث أن يتكشف من جديد لتبدأ عملية تشريح أخرى حادة على نحو ما كانت تمارس التشريح في مشارح كلية الطب وقد اخذت رائحة الفورمالين والجثث المتفسخة تنبعث منها .. وقد يدرك القارئ أن شغلها الشاغل وهدفها الأساسي من الكتابة عن صواحبها وعن نفسها هو تحليل شخصية المجتمع السعودي وتحديد مواطن المرض أو التخلف والفساد وإبرازها بشكل مثير ومفزع ، لم يكن بغية تشخيص حالته المرضية لتحديد العلاج المناسب والدواء الناجع لتحقيق التوازن الدقيق ونشر الحياة السليمة ، بل كان بهدف التشهير والفضيحة .. ولذلك شاعت هذه الأمور بشكل لافت ومثير في جوانب الحكايات ولم تخل منها حكاية أو فصل من حكاية ..
    وإذا أردنا أن نذكر أطرافا من هذه المواقف الرافضة لسلوكيات هذا المجتمع كما صورته الكاتبة ، وجب علينا أن نذكر موقف الكاتبة ورواياتها لحكايات صواحبها واقتناعها بها وعدم استنكارها أو التنديد بها منذ البداية مع احتفال البنات بصاحبتهن " قمرة " وما شاع في أحاديثهن عن مطاردات الشباب السعودي لهن وما تمخض عنها من علاقات بهم ومغامرات ولقاءات واتصالات هاتفية متنوعة وغير ذلك مما أدارت كثيرا من أحداثها وحكاياتها عليها .. كذلك ما ساد جلسة الاحتفال تلك من رقص وغناء وشرب وما تجسد في هذا المجلس من رواسم مجتمع مغاير للمألوف المكشوف في المجتمع السعودي .. ومنها أيضا ما يتصل بـ " أم نوير" حاضنة الصبايا ومرشدتهن وملتقاهن في بيتها لتجود عليهن بنصائحها وتوجيهاتها .. " أم نوير" هذه التي تؤمن بالحب ، ولكنها تعلم أن الحب الصادق لا يجد له متنفسا في هذا البلد ، وأن أية علاقة مهما كانت عفيفة لا بد وأن تقابل بالرفض والكبت الذي قد يدفع أبطالها للوقوع في الكثير من الأخطاء " ! (104)
    كما وصفت " ميشيل " الأمريكية الأم هذا المجتمع بـ " المجتمع المتناقض " ! بل إن الكاتبة نفسها لا تتورع عن وصف هذا المجتمع بسيل من الأوصاف البالغة السوء .. كما تردّ الأغاني الباكية والأشعار الحزينة في تراثنا والقصص الحزينة وخيبات الأمل إلى هذا المجتمع بكل سلبياته وسلوكياته المنحرفة وأخطائه الفادحة .. (112) وتواصل ميشيل حديثها عن هذا المجتمع فترى أن هذا المجتمع لا يؤمن بالحب ولا يؤمن إلا بموروثاتهم وتقاليدهم ، وأنه لن يلوّث عقلها بأحكامهم ، ولن يقتل براءتها بأفكارهم السامة .. بل إنها تفصح عن سعادتهاوأنها منحظوظة لأنها ليست من هذا الوسط الفاسد ..(129) ؛ وتصف الكاتبة هذا المجتمع مرة أخرى على لسان ميشيل نفسها بأنه " يسوس أفراده كما البهائم " ! (131) .. ويبدو أن الكاتبة وجدت في " ميشيل " الأمريكية الأم نموذجا أو محكّا لرصد عيوب المجتمع السعودي وتقاليده وأعرافه وعاداته التي لا تتناسب وطموحاتها وثقافتها للتنديد بها واستنكارها والدعوة إلى الثورة عليها .. تلك الفتاة التي كان هذا هو شغلها الشاغل ، ولم تكن تتحدث إلا عن فساد المجتمع السعودي وتخلفه ورجعيته وتعقيداته .. (142)
    وفي فصل " فاطمة الشيعية " (146) نجد " قمرة " و" سديم " تحذران " لميس " من تناول أي طعام أو شراب في بيتها لأنهم ينجسونه خفية إذا عرفوا أن سُنّيّا سيأكل منه .. بل إنهم لا يتورعون عن دسّ السم فيه لينالوا ثواب قتل سنّيّ ... كما تشير إلى عادتهم في تأخير الإفطار في رمضان تحريا للدقة في الوقت ..
    كذلك وقفت الكاتبة عند حاثة إلقاء القبض على " لميس " و" عليّ " شقيق فاطمة في أحد المقاهي من قبل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستدعاء والدها لاستلامها والتوقيع على تعهد بعدم تكرار هذا الأمر ..(161) ..
    ومما يلفت النظر وقوف الكاتبة طويلا عند العلاقات التي تكوّنها الإنترنت بين الشباب والفتيات وما يجر ذلك من مشكلات لا أخلاقية لا حدود لها .. (175...)
    وتحرص الكاتبة على الوقوف عند كثير من القضايا الاجتماعية التي تجسد موقف جيل الشباب وما يريدونه ويسعون إليه من تحرر وممارسات لا أخلاقية بالغة السوء بدعوى الحرية دونما رقيب أو حسيب من المجتمع الذي يمثل في رأيها ، أو لا يعبّر إلا عن رأي الأقوى .. (188)
    وربما كانت مشكلة المرأة " المطلقة " التي صنعتها العادات والتقاليد الاجتماعية من أهم القضايا التي عُنيت بها الكاتبة بحق وصدق وموضوعية .. وهي بالفعل قضية تستحق التأمل والبحث عن علاج كامل وعادل ومناسب لها إنصافا للمرأة وتسويتها بالرجل الذي لا يطاله أذى أي أذى من مشكلة الطلاق ، بل إنه سرعان ما يجد البديلة والبدائل تترى من حوله ينتقي منهن من يشاء ليمارس بحقهن الطلاق من جديد كلما آنس من إحداهن ما لا يروقه ، أو ما يريبه غير عابئ بما يلحقها من ظلم المجتمع واضطهاده مما يسهل عليها الوقوع في الجريمة والإثم والفساد .. أو على الأقل الإحساس المرهق الحاد بالظلم مما لا يجوز ، ولا يرضاه الدين ! وهي بالفعل مشكلة اجتماعية خطيرة ، وتتطلب حالتها المثيرة والمرفوضة في مجتمعاتنا العربية حلولا جذرية وعادلة .. وتعود من جديد أوصافها السيئة للمجتمع بأنه " متناقض " ، و" متزمت " .. (207) وهذا ما جعلها تقدم تحليلا لبعض المجتمعات يأتي على لسان " ميشيل " الأمريكية الأم معقبة على قول سديم التي تعتبر السعودية الدولة الإسلامية الوحيدة في العالم التي تطبق الشريعة الإسلامية مؤكدة أن غيرها من الدول إسلامية أيضا " فالإمارات دولة إسلامية ، في نظرها ، لكنها توفر الحرية الدينية والاجتماعية لشعبها .. وتوضح سديم الأمر بقولها : " إن السعودية هي الدولة الوحيدة التي تحكم بالشرع وحده وتطبقه في جميع النطاقات ؛ أما الدول الأخرى فإنها تعمل وفق الشريعة الإسلامية في القوانين العامة ، لكنها تدع القرارات الفرعية لحكم البشر وذلك لمواكبة التطور المضطرد في شتى جوانب الحياة ... (250)
    كذلك تلتفت الكاتبة على لسان ميشيل أيضا إلى العقد النفسية التي تتحكم في الرجال في العادة وهو تحاول أن تحدد موقفها من حمدان الإماراتي الذي كانت على وشك الزواج منه .. (276)
    ووراء ذلك كثير من الأحداث والأقوال التي أعلنتها الكاتبة مؤكدة فساد المجتمع السعودي من وجهة نظرها .. ومن ذلك ما يتعلق بالزواج الثاني للمرأة وما يترتب عليه من أمور ومشكلات ..
    كما نجدها تنكر وتنقد سلوك الدولة السعودية إزاء الاحتفال بعيد الحب ، أو ما يعرف بـ" عيد فالنتاين " وما تمارسه من عقاب للطالبات اللاتي يحتفلن به .. (71) ..
    ووراء ذلك كثير من القضايا والأمور التي تتعلق بهذا الجانب وتنقد العادات والتقاليد التي يقدسها المجتمع السعودي لما تنطوي عليه من تشدد وكبت للحريات ومنع الفتيات والشباب من ممارسة ما يحلو لهم من أمور العبث والفساد .. مما كانت الكاتبة تتبنى فيها موقف المدافع عنها والمندد بمحاولات كبتها ومنعها ومعاقبة من يمارسها .. وهذا الأمر لعله أخطر ما تنطوي عليه الرواية أو الحكاية التي سردتها الكاتبة ، والتي يجب أن تراجع موقفها منها بحيدة وموضوعية تثبت منه ما يستحق البحث والتأمل ، وتشطب منه ما يدعو إلى خلافه ..
    أما ما يتعلق بالرواية باعتبارها عملا أدبيا أو روائيا أو غير ذلك ، وما توافر لها من تقنيات وما افتقدته منها في اللغة التي جنت عليها الكاتبة جناية بالغة ، وما حرصت عليه من إيداعها كثيرا جدا من الحوارات العامية بلهجات كثيرة خليجية وغير خليجية ، وما امتازت به من اقتدار فذ وعجيب على تمثل هذه اللهجات العامية ، فضلا عن الألفاظ والعبارات الأجنبية الإنجليزية التي ساقت الكثير منها بالأحرف العربية ، وساقت بعضها بالأحرف الإنجليزية فجاءت الحكايات على نمط أو أسلوب ما يسمى " بـالـ " فرانكو أراب " ؛ وهو أسلوب بدا ارتياح الكاتبة له في جوانب الحكايات بشكل لافت وخطير ..
    وكذلك ما يتصل بالحبكة والسرد والحوار والتي أخرجتها من دائرة الرواية ذات الموضوع الواحد الذي تدور أحداثه وتتردد أبعاده وعناصره على ألأسنة شخوصها إلى مجموعة متناثرة من الأجزاء التي إذا تكاملت أنتجت قصة قصيرة أو حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة التي كانت تقف شهرزاد عند مواضع التشويق عندما يدركها الصباح فتسكت عن الكلام المباح لتكملها في الليلة التالية كوسيلة من وسائل الإبقاء على حياتها من شهريار المتربص بها .. أو هي بعيارة أخرى مجموعة من الخواطر أو المذكرات أو الفضائح ـ كما يحلو لها أن تسميها ـ التي كتبتها عن الفتيات الأربع ، فقد جاء الكتاب يحوي قصة الفتيات الأربع : " قمرة " و" لميس " و" سديم " و" ميشيل " كلاًّ على حدة ، ولكن من خلال أسلوب التشتيت والتبعثر والاستطراد الذي فرضته الكاتبة عليه .. ولو أنها عمدت إلى تنسيق هذه القصص والحكايات لأخرجت كلاًّ منها على حدة ، وجعلت الكتاب في أربعة فصول فقط بدلا من الفصول الخمسين التي وزعتها عليها على طريقة المسلسلات ، والتي جاءت وفاقا للإيميلات التي كانت ترسلها إلى قرائها طوال الأسابيع الخمسين أو السنة التي استغرقتها في كتابتها .. وهنا أقول للكاتبة الفاضلة إذا أرادت أن تكون روائية جيدة ، وهو أمر متاح لها وقادرة عليه إن شاء الله ، أن تكف عن هذا الأسلوب وألا تعود إليه لأنه لا يصلح إلا لسرد الحكايات ولا يتناسب مع أسلوب الرواية الذي يعتمد على الحبكة المتقنة وتسلسل الأحداث وتصعيدها بشكل طبيعي مجرد من التمزق والتشتت والبعثرة وحكاية السواليف والدردشة والحش .. فالعمل الروائي قمين بأسلوب متميز وممارسة واعية وجهد هائل وتخطيط دقيق للأحداث وبناء الشخوص .. فضلا عن العقدة والحل أو لحظة التنوير في كل حكاية منها ما لها وما عليها .. وغير ذلك من تقنيات .. فكل ذلك مجاله القسم الثاني من هذه الدراسة ..
    وفي النهاية لا يسعنا إلا أن نؤكد أن الكاتبة الفاضلة تمتلك موهبة الكتابة والقص والقدرة على بناء الأحداث ومتابعة تطويرها وتصعيدها ، والقدرة الفائقة على رصد الأبعاد وتحليل الشخصيات والمجتمعات .. كما تمتلك ثقافة واسعة قادرة على تحقيق المجد الروائي لها .. ولكنها تحتاج مزيدا من الوعي بتقنيات الرواية والقصة ، والرقي الواسع باللغة والحرص على تنقيتها من مختلف الشوائب المفسدة لها .. وأنصحها بالقراءة الواسعة للأعمال الروائية العربية وغير العربية لتتمكن من صقل موهبتها الروائية والقصصية .. وألا تتعجل الشهرة التي سرعان ما تزول بنفس السرعة التي وقعت وتحققت لها .. وكلنا أمل أن نراها من بين روائيينا المشاهير ..
    والله الموفق.

  3. #3
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    جولــة في ديوان «مدائن الفجــر»
    للدكتور صابر عبد الدايم

    بقلم: أ.د. خليل أبو ذياب

    غبَّ الهزيع الأخير من الليل عدت من إحدى سياحاتي في عالم " الغفران الجديد " بصحبة شيخي العظيم أبي العلاء المعري ، ولما هممت أن أودعه طفح على سطح ذاكرتي هذا البيت :
    معلّقٌ بين تاريخي وأحلامي وواقعي خنجر في صدر أيامي !
    فأنشدته وأنا أودّع الشيخ فبدت على وجهه وفي يده آثار ارتياح وإعجاب ظاهرة ، فاندفع ينشد البيت مرة أخرى متسائلا عن الشاعر الذي أبدعه فأعلمته به ، وذكرت له أنه من قصيدة للشاعر بعنوان " مدائن الفجر" ، وذكرت له أيضا أنه العنوان الذي اختاره لديوانه الجديد .. ثم استزادني فزدته بعض الأبيات .. ومضى يستزيدني حتى أتيت على القصيدة كلها ، وهممت أن أخرج منها إلى غيرها لولا أن بادرني الشيخ قائلا : حسبك الليلة ما أنشدتني ، وموعدنا الليلة القادمة لنتجول في هذه المدائن الجميلة الحالمة نستنشق عبيرها الطيب ، ونلتقط جناها الشهيّ ، ونتعرف على هذا الشاعر المبدع ، ونتحسس أبعاد عبقريته الملهمة !! وودعته وانصرفت !
    وحان اللقاء المنتظر وطرقت باب الشيخ فآنست في أساريره ارتياحا عجيبا وتشوقا بالغا ، واستحثني على مواصلة الإنشاد ، واندفعت أنشد القصيدة تلو القصيدة ، يستوقفني تارة ، ويتعجلني تارة أخرى حتى أتيت على القصيدة العاشرة وهي الأخيرة .. وكنت كلما أنشدته شيئا من الشعر كان يهزّ رأسه حينا ، ويرفع حاجبيه آنا ، ويبسم طورا ، ويقطّب جبينه تارة .. حتى إذا فرغت من الإنشاد أثنى على الشاعر بما هو أهله ، وأشاد بعبقريته الشعرية وإبداعه المتميز .. ثم لمح على وجهي طيف تساؤل أو آثار رغبة في القول فبادرني : ما شأنك ؟ وماذا تريد أن تقول ؟
    فترددت قليلا ثم تلجلجت وأنا أقول له : هل يأذن الشيخ فيضمّ هذا الديوان إلى نظائره من دواوين أكابر الشعراء أمثال " المتنبي وأبي تمام والبحتري " الذين خلّد شعرهم بما وضع عليها من شروح وتعليقات في كتبه المشهورة " ذكرى حبيب " و" معجز أحمد " وعبث الوليد " !
    وبدا على وجه الشيخ ارتياح ورغبة .. ولمح على وجهي آثار تساؤل ، فبادرني بقوله : كأنك تريد أن أخبرك بالعنوان الذي سأختاره لهذا الديوان وهذا الشاعر ؛ فأومأت إليه أن : أجلْ !
    فقال : ليكن " آلام صابر" ! ومضى يحرر هذا العنوان ويحدد أبعاده ومقاصده قائلا : فأما " الصابر " فيمكن أن يكون الشاعر نفسه لكونه اسمه ، ويمكن أن يكون اسما أو وصفا ينطبق على سائر القطاعات التي تحدث عنها في الديوان وطرح همومها وآلامها وعذاباتها فصبرت عليها كما صبر هو عليها ! وقد بدا لي أن آلام هذا الصابر قد استغرقته ، وتعددت تعددا هائلا وكثرت وتكاثرت عليه حتى كادت تأخذ بتلابيبه وتمسك بخناقه .. واندفع الشيخ يعرض أطرافا من هذه الآلام والمصائب والأحزان التي عانى منها هذا الصابر ومن وراءه من الصابرين ، ويشرح همومهم .. فعلى مستوى الفرد/ الإنسان ـ عربيا كان أم مسلما ـ فقد استغرقته الآلام والأحزان لما كان يعانيه من سوء الواقع الذي قصصت عليّ شيئا منه في لقاءات سابقة ، وبالتأكيد أغفلت أشياء كثيرة منه قد حكاها هذا الشاعر وغيره من أبناء عصركم الشقيّ النكد ! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ! وقد استوقفني ما جاء في هذه القصيدة الأولى حيث يقول :
    معـلق بين تاريخي وأحلا مي وواقعي خنجر في صد ر أيامي
    أ خطو.. فيرتدّ خطوي دون غايته وما بأفـقـي سوى أ نقا ض أنغام
    تناثرت في شعاب الحلم أورد تي وفي د مائي نمت أ شجار أوهامي
    مد ا ئن ا لفجر لم تُفتح لقا فلتي والخيل .. والليل .. والبيداء قدّ امي
    والسيف والرمح في كفّيّ من زمن لكنني لم أغادر وقع أ قــد ا مي
    تشدّ ني لمد ا ر الجدي أسئلــــــة يـشبُّها سرطان الحيرة ا لد امي
    وتحتمي با ستواء الريح أ شرعتي والموج يقذ فني أشلاءَ أ نســــــا م
    أد ور منقسما في غير د ا ئرتي ولست أ بصر إلاّ ظلَّ آ لا مــي ..
    هكذا عاش الشاعر معلقا بين آلامه وأحلامه ، بين واقعه المحطوم ، وبين ماضيه الماجد الذي صنعه الآباء والأجداد وضيعه الأحفاد .. وبالتأكيد هذه هي حال الأمة التي لم تجد إلا التحسر على تلك الأمجاد الغابرة .. وانظر إلى هذا الشاعر الصابر وهو لا يرى أمامه إلا ذلك الفضاء اللانهائي المثقل بالهموم والآلام والأحزان التي تأخذ بخناقه وتكاد تقضي عليه وتمزق نفسه تمزيقا .. على أن ما يلفت النظر ما يملأ نفس هذا الصابر من أمل ضخم في المستقبل ، فإذا لم تفتح له وللأمة " مدائن الفجر" هذه ، فلا بدّ أن تفتح لا محالة في يوم آ ت إن شاء الله !
    ويلاحظ الشيخ أن آلام الشاعر الصابر تختلط بآلام الأمة وآلام الوطن ، ويعجبه رصده للأسباب والدوافع التي صنعت تلك الآلام وبذرتها في نفسه ونفوس غيره من أبناء هذا العصر حيث ضاعت هوية الوطن والإنسان في هذا الزمن الرديء ـ زمن الهزيمة والانكسار فحوّلت الجميع أشلاء أشباح ، أو بقايا أقوام انتزِعت الحياة منهم ، وجُرِّدوا من الكرامة والكبرياء التي ورثوها عن الآباء والأجداد .. وكل ما بقي له ولهم ذلك الركام الهائل من الزيف والوهم والخداع النفسي المرهق والتخلف والجبن ؛ ألا ترا ه يقول :
    وغِبْتَ يا وطناً ضا عت هويّتُه والأ رض تنبش عن أ شلاء أ قــوا م
    هذ ا لسا نُــك مسجون تـقيّــد ه موا قف الوهم من زيف وإ حـجــا م
    وذي خطـا ك بلا د رب يصاحبها وذي رؤا ك بلا لون وأ عـــــــــلا م
    وذي حد ود ك بالنيرا ن مضرمة وخلفها ا لنا س ترعى مثلَ أ عنـــا م!
    ويلتفت إلى هذا الوطن الذي تبدلت هويته وضاعت معالمه ونسي ماضيه العريق وأمجاده الغابرة مدّرعا كل هذا الركام من الزيف الذي صنعته الحضارة الاستعمارية لتبديل جلده وطمس معالم صورته الماجدة وتغيير شخصيته عبر تلك الحجج الزائفة والأباطيل الواهمة والافتراءات الخادعة ، يقول :
    غيّرت جلد ك ، لا شيءٌ أ ميّزه به سوى أ نه من صنع أ عجـــــــا م
    أعرتهم منك أُ ذ نا غيرَ واعيــة فحنّطوك ، وقالوا : الصا عد النا مـــي
    وما وعيتَ سوى ا مشاج فلسفة وكـنـت سـهـما بهـا لم يرمه را م
    وكنتَ قرد ا نمت أ ظفاره صُعدا حتى غد ا في د جاها العنصر السامي
    وكنت تخطر في الأرجاء منطلقا فصرت"عبدَ الحد ود"الحارس الحامي
    فكم رُميتَ على الشطآ ن يا وطنا ضاعت هويـّتــه في تـيـه آ كــا م
    هكذا صارت صورة الوطن بعد أن طمست معالم هويته وملامح صورته الماجدة بسيل الأكاذيب
    التي ملأت كيانه وأعمته عن الحقيقة التي ملأت كيانه المتهدم وأعمته عن الحقيقة المرة والواقع الأسود الكئيب الذي يعيشه ؛ وهكذا تحلى هذا الإنسان ـ ومن ورائه الشعب أو الأمة كلها ـ عن كل مبادئه وقيمه الرفيعة ليستبدل بها قيما حقيرة ومبادئ وضيعة تهافت على تقديسها وعبادتها من دون الله والالتزام بها والدعاية لها .. وهكذا ضاعت معالم جلده بعد أن صنع له المزيفون جلدا آخر لا يحمل بصمته الحقيقية الأصيلة ، فأغرَوْه بالشعارات الزائفة والتعاليم الجوفاء ، وأوهموه بضرورة الإيمان بها وتصديقها بعد أن عطّلوا عقله ونشروا في جوانبه الوهم والباطل .. وربما كان أسوأ ما زيّفه المزيفون من حقائق هذا الوطن عندما أقنعوه بترسيم الحدود بين أعضائه بحجة حمايتها من اعتداء المعتدين واستلاب الطامعين ، حتى غدت هذه الحدود مقدسة لا يجوز لأحد أن يرفضها أو يطعن في مصداقيتها ويتهم قداستها :
    وكنت تخطر في الأرجاء منطلقا فصرت " عبد الحد ود " الحارس الحامي
    هكذا كان هذا الوطن ، وهكذا كان أبناؤه أو شعوبه : وحدة واحدة كبيرة تجمع أقطاره ونواحيه في وحدة واحدة لا يتطرق إليها الوهن والضعف ، يخرج الفرد منهم من داره في أي مكان يجوب أقطاره ونواحيه دونما رقيب أو حسيب ما دام يستظل بظل الإسلام ويتدثر بدثار العروبة ، وهكذا صار هذا الوطن بعد ما أقنعوه بضرورة ترسيم الحدود وتمزيق هذا الكيان الكبير الموحد إلى كيانات صغيرة ضعيفة مهلهلة لتكون طعمة سائغة للمعتدين يبتلعونها متى شاءوا ، ويستنزفون خيراتها متى أرادوا دون أن يجدوا رافضا أو متذمرا من أبنائه ! وهذا ما أراده المستعمرون ولم يفطن إليه ـ أو ربما انساقت الشعوب إليه كارهة أو غافلة غير واعية لخطط هؤلاء الأشرار المعتدين .. وهذا ما أراد شاعرنا الأبي أن ينبّه إليه الغافلين ليعيدوا للوطن الكبير وحدته وكيانه المتكامل القوي .. ويلتفت الشاعر إلى تلك الطغمة الفاسدة المأجورة التي تسلقت على هذا الوطن فيعرّيها كاشفا زيفها وخيانتها وفسادها وعمالتها للمستعمرين لتحقيق غاياتهم الحقيرة التي تستهدف حرية هذا الوطن وخيراته ومصالحه ، يقول :
    وكم سقتك سلا ف الد رّ طا ئفة من المجا نين عاشوا مثلَ أ نعـا م
    هكذا بدت صور هؤلاء الحكام الفاسدين الذين شوهوا الوطن ودمروا مصادر الخير فيه فبدوا زمرا من المجانين ؛ أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون :
    لهم قلوب بلا نبض يحركهـــــا مثلَ ا لد مى سقطت في كفّ فحام
    عيونهم من زجاج لا ترى وهجا من الحقيقة يروي العالم الظا مـــي
    في حمأة الطين لا يحلو لهم نغم سوى انفجار الرزايا فوق ايتــــا م
    ودار في فلك الشيطان موكبهــم يُسقَى بفكر لقيط النبع هــــــد ا م
    على هذه الشاكلة تبدّت صورة هؤلاء الحكام المأجورين الذين استعبدهم الاستعمار واستذلهم بما أغراهم به من مصالح فانية ومناصب خاوية فباعوا أوطانهم وأذلّوا شعوبهم وفرّطوا في أعراضهم ، ومضوا يمارسون مخططات التدمير التي أعدّها المزيفون المستعمرون لهذا الوطن العزيز ، وآتت أكلها الخبيث كما أرادوه وخططوا له : تدميرا وتخريبا وموتا وميراثا ضخما لا ينتهي من الأحقاد والإحن التي ملأت الصدور وأعمت القلوب والبصائر قبل الأبصار :
    فأورقت بالمنايا الحمر ساحتنــا ولُوِّنَت بدماء الحرّ أ عـــــلا مي
    ولا يبقى أمام شاعرنا المنكوب بواقع أمته الإسلامية والعربية الماجدة غير الأمل بعودة وشيكة إلى ذلك الماضي العريق المشرق بكل أمجاده ومفاخره وقيمه الأصيلة :
    فهل نعود كما كنّا بني رحِــــم نقضي على ها تف في النفس قسّـام
    نعود من غربة في التيه تطعمنا ونرقب الفجر يأتي بعد إ ظـــــلا م
    ونحمل السيف في كفّ موحد ة تذ ود عن وطن في فكّ إ جــــرا م
    ويقرر الشاعر أن هذه العودة يجب أن تنغمر بالروح الإسلامية الأصيلة ، وتتخلق بأخلاق الإسلام القويمة وقيمه الكريمة لتواصل مسيرة أمجاد الحق والخير والعدل والسلام التي صنعها رجال الإسلام في بدر وأحد وغيرهما من مواقع مشهورة قهرت الكفر والشرك وحطمت الوثنية الضالة :
    ترنو لبدر وفجر الحق في أ حد تهفو إلى أ سد للشرك فصّـــــــا م
    فمن هنا ك تعود الآن قا فلتــي وتبصر الفجر في آ فاق إ سلامــي
    وألتفت إلى شيخي وهو يقطب جبينه مستنكرا ما آلت إليه أوضاع الأمة الإسلامية في هذا العصر النكد فأجده يترحم على أيامهم وعهدهم برغم ما شاع فيه من فرقة وانقسام وصراع مؤكدا أنه لم يكن على هذا النحو ولا على نحو قريب منه ، فقد ظلت للإسلام هيبته وسطوته ، وظل الروم متوجسين خيفة منه يحسبون له ألف حساب وحسابا قبل أن يحاولوا الإغارة عليه أو التدخل في شؤونه استجابة لبعض ضعاف النفوس من الحكام الذين استهواهم السلطان وأغرتهم العروش وكرهوا أن يذلّوا لأحد من أبناء جلدتهم .. فلم أجد إلاّ أن أبادره بقولي :
    هوِّن عليك يا شيخي العظيم ، فما آل إليه آلُ هذا الزمان لأشدّ وأعظم بلاء مما شهدته عصوركم وحتى عصور ملوك الطوائف في الأندلس ؛ فقد تكالبت قوى الشر والبغي والعدوان علينا من كل فج عميق ، ونجحوا في تعميق الفرقة والانقسام وبذر الخلاف والشقاق بين أقطاره وشعوبه ، فتحقق لهم ما لم يحلم به صليبيو عصركم ، وإذا تحقق لعصركم بطل أعاد المسجد الأقصى إلى حوزة الإسلام ، فلعل الله يمنّ على عصرنا بمن يعيده مرة أخرى إلى الإسلام والمسلمين ! فتنهّد الشيخ وهو يتمتم : " إ ن شاء الله !
    ثم أومأ إليّ أن أتابع الرحلة مع شاعرنا الصابر المحتسب ، فمضيت أرصد وقفاته الكثيرة التي تشرح أوضاع الأمة فذكرت أنه وقف مرة أخرى عند الصراع المتأجج والخلاف والشقاق الناشب بين أقطار الوطن الكبير وأمصاره المتمزقة ودويلاته المتناحرة كاشفا عن جانب واحد من جوانب التمزق الذي أحدثه ذلك الخلاف وهو ضياع المسجد الأقصى ـ أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، فيقول مخاطبا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عسى أن يجد في الأمة مجيبا تأخذه الحمية :
    يا أيها المُسْرَى به للمسجد الـــ أ قصى أ ضاع خلافُنا مسرا كــــا
    (يتبع)

  4. #4
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    على أن ضياع المسجد الأقصى لم يكن خاتمة هذا الخلاف والشقاق المستشري في الأمة الإسلامية والعربية ولا نهاية نتائجه الوخيمة في هذه المرحلة من تاريخ الإسلام ، بل كانت هناك نتائج أكبر وأقسى وأشد سوءا وخطرا من سابقاتها على نحو ما يقول مقارنا بين الماضي والحاضر ، بين عهد الرسول (ص) وبين عهود هؤلاء الجبابرة والطواغيت وما أورثوا الأمة من مهانة وضلال وخسران :
    كنت الإما م لكل صاحب دعوة واليومَ واقعنا يضلّ رؤا كــــــا
    خا رت عزائمنا وغاض يقيننا وتشعّبت أ يا منا بســـــأوا كــا
    حتى غد ونا للذ ئا ب فريســــة والغا ب شرعة كلّ من عا داكا
    هكذا صارت الأمة الإسلامية والعربية في هذا الزمن النكد الذي لم تر الأمة شبيها له ولا مثيلا على مر القرون والأدهار ؛ ولا يجد شاعرنا الصابر غير الاستنجاد بالرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه عسى أن يهديه إلى الطريق الموصلة إليه عسى أن تتخلص الأمة من شرورها وآثامها ومصائبها وتستعيد كرامتها وكبرياءها المهدورة وكيانها الممزق ..
    وهنا بادرني الشيخ الجليل مشيرا إلى إحدى قصائد الشاعر الصابر تعالج هذه الفكرة أو القضية مؤكدا أن هذه هي الدعوة التي وجهها الشاعر إلى هذه الأمة لتحقق غاياتها وتعيد أمجادها الغابرة في قصيدة " السفينة والطوفان " (65) مشيرا عليّ أن أسرد بعض أبياتها في هذا الجانب ، وقد أبدى إعجابه الشديد باستخدامه هذا الرمز الموحي حيث اتخذ السفينة رمزا لهذه الأمة الموشكة على الغرق والهلاك أمام هذا الطوفان الهائل الذي يوشك أن يجرفها ، فيدعوها لمواصلة الكفاح والجهاد للتخلص من سلبياتها ومساوئها المدمرة مسترشدة في مسيرتها الجديدة بسيرة أول سفينة للنجاة عرفها البشر وهي " سفينة نوح " التي أمره الله ببنائها لإنقاذ المؤمنين من الطوفان الآتي وما يحمل من هلاك محتوم للعصاة الكافرين الضالين ! يقول الشاعر في هذه القصيدة :
    واصلي السيــر يا سفينةَ نوح إ نّ رُبّانَك الذي غا ب حـــــيّْ
    مزّقي ظلمة الخطوب وصُدّي زحفَها ، واحمي عزَّك السرمديّْ
    وأ بيدي الطوفان في عنفوا ن يحسِرُ الموجَ عن حماك الفتــــيّْ
    إنها رحلة الكرامة فامضــــي واصرعي اللجَّ بالصمود القــويّْ
    واعصري العزمَ ثورةً واحتسيها ثـم شـقّـي طريقـَك الأ بــد يّْ
    بدّدي اليأس من خطاك وسيري نحوَ فجر الكرامة العبقـــــــريّْ
    وارتسمت على أسارير الشيخ سيماء رضا وإعجاب فاندفعت متسائلا : كأنك أُعجبت بهذا القريّ يا شيخي العظيم؟! فأومأ برأسه ثم لم يفتأ أن تمتم بكلمات لا تكاد تبين" رحم الله أيام اللزوميات "!
    ثم قال : هيه يا صاحبي ! فمضيت قائلا : لم يرض شاعرنا الصابر عن أحوال أمته ولم يحجم عن إعلان خيبة أمله في مشروع السلام الذي أعدّته قوى البغي ليسود في المنطقة العربية بين العرب وإسرائيل ! وقاطعني الشيخ : أهذا اسم الكيان الذي صنعته الدول الاستعمارية في المنطقة العربية ومنحوها فلسطين لتكون وطنهم ؟ فأجبت : أجل ؛ فعقب قائلا : إذن فقد اقترب الوعد الإلهي الذي جاء في سورة الإسراء ؟ ! فأومأت أن نعم ! هو ذاك أيها الشيخ الجليل ! فتمتم : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ! ثم أومأ لي أن أواصل الرحلة مع تلك السفينة فتابعت ، لم يرض صاحبنا الصابر عن مشروع السلام هذا مؤكدا فشل الجهود المبذولة لإنجاحه وتمريره وأن كل ذلك لن يتحقق ، وأن هؤلاء الممثلين الذين يطوفون بين أرجاء العالم ويترددون على هذه المنطقة لن يحققوا السلام ولن يبشروا به على النحو الذي بشرت به حمامة سليمان عندما رجعت إليه بغصن الزيتون البشارة بانحسار الطوفان وبلوغ الأرض المناسبة لرسوّ السفينة غبّ هذا الطوفان ؛ أما حمامة / غراب هذا العصر فلن يبصر الأرض ، ولن ينحسر الطوفان ، ولن يكون السلام ما دامت هذه أوضاع الأمة وهذه غاياتها ، ولن تحقق شيئا من مقاصدها وطموحاتها ! :
    وبشير السلام لم يأ ت بالزيـــ ــتون ، بل جاء بالخلاف العصــيّْ
    في يد يه حقيبة نا م فيهــــــا سرُّ مأ سا تنا البعيـد ا لخفــيّْ
    جاء في جولة وعا د لأخـرى ثم ذ ا بت وما قضى أيَّ شـــــيّْ
    وقد صور اليأس المطبق من كل تلك الجهود المبذولة فقال :
    وأرى في الآ فا ق أ شباح يأس وشراع ا لرجاء عنهــا قصــــــيّْ
    وكانت النتيجة المحتومة لهذه الحالة الخائبة اليائسة انبعاث جيل الصحوة الذي صمّم على الانتقام وعزم على بذل الدماء الزكية الطاهرة لتحقيق العزة والكرامة لهذه الأمة المقهورة :
    ود ماء الشهيد في كل شبـــر أ نبتت د وحة الفــد ا ا لملحميّْ
    ويلتفت مرة أخرى إلى طرف من مآسي الأمة التي تفشت فيها في هذه الحقبة السوداء من تاريخنا الحديث على يد المستعمرين / الروم الجد د فيقول :
    هذ ه الروم في السباق مع الفــر س ، وكـــلٌّ مخا دع ثعلبــــــيّْ
    كم على العُرْب صبَّ نارهـلاك ومـحـا نشوةَ ا بتهــا ج هنـــــــيّْ
    كم ببيروتَ وزّع الموتَ حتــى شا هد الطفلُ حتفَــه وهو حـــيّْ
    وفلسطينُ في يد يه تَلَــــوّ ى في قيود من الد مـــــار العتــــيّْ
    إ نها في سوق السياسة بيعت ثم مَـنَّـوهـا با نـعـتـا ق بهــــــيّْ
    ومن أطباق الظلام الدامس واليأس المطبق يبزغ فجر الأمل والخلاص والحرية الذي انتظرته الأمة طويلا ، ويلتفت إلى سفينة الإنقاذ شادّا على أيدي ربابنتها الأخيار ، مقويا من عزائمهم داعيا على تحدي مصادر الشر وقوى البغي والعدوان لتحقيق الآمال ، وتخليص المسجد الأقصى من قيوده المرهقة التي كبّلته كل هذه العقود من السنين ، وإعادة أمجاده الغابرة ، يقول :
    فغـد اً نلتقي على قبّة المعـــــ ــرا ج نجني ا نتصــا رنا ا لأ بديّْ
    ونقيم ا لصلا ةَ في المسجد الأقـ ــصى سراجِ الهدى ومسرى النبــيّْ
    وألتفت إلى الشيخ الجليل فأجده مقطّب الجبين لا يكاد يصدق ما آلت إليه أحوال هذه الأمة الماجدة ولا يكفّ عن الحوقلة أو الحولقة ، ثم تمتم بقوله : هكذا كانت السفينة التي تنتظرها هذه الأمة البائسة لتجدد مسيرة سفينة نوح القديمة فتحقق آمالها في العزة والنصر والخلاص من شرور الصهيونية الباغية !
    ثم واصل الشيخ قائلا : ثم ماذا بعد ؟ زدني من هذا الشعر الجميل ! فقلت : سأنشدك قصيدة رائعة بعنوان " الطائر الحبيب " (73) ؛ وهي تحمل صورة أخرى من صور الكفاح والجهاد والبطولة لتخليص الإنسان العربي واسترجاع الأرض السليبة وتحرير الوطن المغتصب .. وشاعرنا الصابر يفتتحها بمشهد النهاية التي آل إليها هذا الفارس المجاهد البطل الذي ضحى بروحه من أجل غاياته السامية مشيّعا بالمرارة والحزن والدموع لخيبة مساعيه وفشل جهوده وضياع تضحياته الغالية حيث يقول :
    قد مضى العمر في اصطيا د الرجاء فا سكن الآن في ضياء الفنــــاء
    عد تَ للأرض وهي تُسرَق منــــــا ذ هب العمر وا ئتلاق الد مـاء
    أ يها الطائر الحبيب تعو د ا لـــــــ آ ن شِلواً على أ كُـفّ ا لقضاء
    ما لـنـا غيرُ حِـفـنة من د مـــــوع هل يعيدُ الحبيبَ فرطُ ا لبكاء؟!
    وتصّعّد من صدر الشيخ الوقور زفرة مثقلة بالمرارة والألم وهو يردد " هل يعيد الحبيب فرط البكاء ؟! ثم أومأ إليّ لأمضي في الإنشاد فقلت : بعد هذه الإطلالة رحل شاعرنا الصابر مع ذكريات هذا البطل الشهيد ليعرض طرفا من سيرته الأولى من لدن أن كان طفلا صغيرا يطارد الفراشات في الحقول ، ويجمع في يديه نور القطن الأبيض الجميل .. حتى إذا أيفع فرض عليه الزمان القاسي أن يتناسى كل تلك الحياة الحلوة الحالمة تحت وطأة الإحساس المرهق بالقهر لضياع الوطن واستلاب الأرض فلم يجد غير البذل والتضحية بروحه فداء أمته وأرضه بعد أن تكاملت فيه أمارات الرجولة والفتوة ، وتجسدت فيه مكارم الأخلاق ، وغدا صفوة كل شيء في الوجود وإبريزه النفيس : الروح والحياة والقلب والنفس والعمر والناس ؛ يقول صاحبنا الصابر :
    صفوةَ الروح والحيا ة وأ نت الـــ ــمصطفى من حديقة الأصفيــــاء
    صفوةَ القلب .. والحنينُ ا صطفاء هل يرى العمر بعدُ لونَ الصفاء
    صفوةَ النفس .. كنت أ نقى وأ صفى من شعاع الضمير في الأ نحـاء
    صفوة العمر ؛ أيّ حزن مصفّــــى يحتويني .. يصدّ ريحَ البـــلاء ؟!
    صفوةَ النا س .. أي نا س تناسَوْا سيرةَ الصفو في صد ا ك المضاء
    وقاطعني الشيخ قائلا : إذن تكون الخسارة فادحة بفقد هذا البطل الفارس ! فقلت : هو ذاك ؛ وإن أذنت لي أن أنشدك شيئا من مأساة الأمة فيه .. فأومأ أن افعل . فأنشدت قوله فيها :
    أ يها الفارس النبيل أ تـَبـكـيـــــــ ــنا وتُـبـكينا في ا لزما ن ا لخواء
    إ رثُك ا لحبُّ ، أ ين منا نــد ا ه كـنـتَ كـنـزا يـمـوج با لآ لا ء
    في محـيّا ك ينبض العمر شوقـــا للهوى و ا لحنيـــن وا لكبريــا ء
    وا لهوى سحرُه ذ وى .. وا لمنا يا أ مطرته بوا بل من شـقـــــــا ء
    والحنين المضيء في صدرك الحا ئر أ مسى صريعَ غد ر ود ا ء
    عمرُك ا لأخضرُ ا ستحا ل هشيما وهْـوَ ما زا ل في زما ن الرو ا ء
    ورأيت الشيخ يعقب على هذه الأبيات بقوله : إذا كانت هذه صرخات الألم والمعاناة التي فجرها الواقع الأسود النكد لهذه الأمة ، فهل بعد تلك شيء يمكن أن يربطها بالحياة ؟ فقلت : أجل يا شيخي الجليل ، ثمة آمال وأمنيات امتلأت بها نفس الأمة كما امتلأت بها نفس هذا البطل المجاهد الصابر تجلت في سلوكه وتصرفاته كضرب من ضروب التنفيس عن آلامه ، والتعبير عن معاناته القاسية التي كانت نفسه تختزنها ويحسها إحساسا هائلا ولا يملك إزاءها إلا أن ينفث بها عبر طائفة من الصور الرائعة الشفافة من الأماني التي كان يحلم بتحقيقها لتستقيم أحوال الأمة وتستوي أمورها المضطربة ؛ وليأذ ن لي الشيخ الجليل أن أنشد ه بعض أبيات الآمال والأحلام التي كانت تموج بها نفسه ونفوس الأمة من بعد ومن قبل ؛ فأومأ بالإيجاب . فاندفعت أنشد قول شاعرنا الصابر من قصيدة " مدائن الفجر " حيث يقول : (ص9)
    فهل نعود كما كنّا بني رحــم نقضي على ها تف في النفس قسّـا م
    نعود من غربة للتيــه تطعمنا ونرقب ا لفجر يأ تي بعـد إ ظـــلا م
    ونحمل السيف في كفٍّ موحّدة تذ و د عن وطن في فكّ إ جـــرا م
    ترنو لبد ر وفجرُ الحق في أُحُد تهفو إلى أ سد للشرك قصــــــــا م
    وتمتم الشيخ الوقور قائلا : هكذا إ ذن كانت الفرقة والانقسام والتشرذم والصراعات الداخلية بين أقطار الأمة العربية تحكم مسيرتها ، وتحدد طبيعة العلاقات فيما بينها بعد ما كان يربط بينها من صلات الرحم ووشائج القربى ! فقلت : هو ذاك يا شيخي الجليل ، ولقد جهد شاعرنا الصابر للتعبير عن أمنياته أن تعود هذه الأمة من رحلة الفرقة والانقسام والتيه عزيزة قوية موحدة ، ذلك التيه الذي ضلت فيه عقودا طويلة بل قرونا متطاولة من الزمن وهي تنتظر بزوغ فجر الخلاص والسلام والوحدة ، وأن تقوى وتشتدّ وتصلب قناتها لتشهر سيفها في وجوه الأعداء الطغاة البغاة لتستعيد الوطن السليب وتنقذ المقدسات التي دنّسوها ، وتعيد أمجادها الغابرة وعزتها المهدورة ، تلك العزة التي صنعتها أمجاد " بدر " و" أحد " وأبطال المسلمين الأوائل الأشاوس الذين نصروا الإسلام وأعلَوْا رايته في الآفاق ، وقهروا الشرك والوثنية ! وعقّب الشيخ قائلا : لا بأس بذلك ، وقد أبدع شاعركم الصابر في كل ما قال ؛ ولكني أ لمح في نفسه أمشاجا من اليأس في إمكان تحقيق تلك الآمال والطموحات ؛ ألا تراه يحاول مغالبة نفسه وقهر يأسه وهو يقول :
    فهل أ ظلُّ كما أ قبلت من سفري معلّقا بين تا ريخي وأ حــلا مـي
    وفي شعا ب المنى تند اح أوردتي وفي د ما ئي تُرَى أشجارُ أوهامي
    والسيف والرمح في كفَّيَّ من زمن لكنني لم أُ غاد ر وقعَ أ قد ا مـــي
    فأومأت بالموافقة ؛ فأردف الشيخ متسائلا : هل هذه كل الهموم التي عانى منها شاعركم الصابر ؟ وأين كان هو عن هموم الأمة الإسلامية ؟ فقلت : لم يقف شاعرنا الصابر في هذا الديوان عند هموم وطنه الصغير أو أمته العربية وحدها ، بل تجاوزها إلى هموم الأمة الإسلامية جمعاء راصدا بقلبه الكبير ما أمكنه من تلك الهموم والآلام والمآسي والنكبات التي ألمت بها في تاريخها الطويل .. وهي مآس استقطبت الشرق والغرب وكل صقع من أصقاعها .. بيد أن تلك المآسي والآلام التي رصدها شاعرنا الصابر لم تكن أكثر من نماذج محدودة تكشف عن هذا الجانب من تاريخ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في هذا العصر حيث إن الإحاطة بها واستقصاءها أمر لا سبيل إليه في هذا الديوان ، ولا تحيط به غير الأسفار الطويلة ؛ وهذا ما جعله يختار تلك النماذج ومنها مأساة " سراييفو" ومأساة بغداد ومأساة المسجد الأقصى .. وكأنه اختار هذه النماذج لتجسد ما خلفها من مآس ونكبات .. فمأساة " سراييفو" نموذج لمآسي المسلمين في هذا العصر، ومأساة بغداد نموذج لمآسي الدول العربية المتشرذمة التي وقعت في أحابيل المستعمرين ومأساة المسجد الأقصى نموذج لمآسي المقدسات الإسلامية التي لا يني أعداء الإسلام يتحرّونها للقضاء عليها وتدميرها لئلا تقوم للإسلام والمسلمين قائمة !
    فبادرني الشيخ قائلا : لعلك تنشدني بعض أبيات صورت هذه المآسي ، ولتبدأ بمأساة " سراييفو" ! وبالمناسبة : فإني لم اسمع بهذا الاسم قبل الساعة ، فهل لك أن تعرفني به قبل أن تنشدني أبيات شاعركم الصابر ! فقلت : حبّا وكرامة ! سراييفو هذه يا شيخي الجليل هي إحدى مدن يوغوسلافيا سقطت في يد الأتراك سنة 1429 وانتشر الإسلام فيها وأصبحت من أهم المراكز الإسلامية في أوروبا ، ويدين معظم سكانها بالإسلام ، وفيها مقر رئيس العلماء المسلمين اليوغوسلاقيين ، وفيها قتل فرديناند ولي عهد النمسا سنة 1914 مما أدى إلى نشوب الحرب العالمية الأولى .. وقد اجتاحها في هذه الآونة الصرب والكروات واستباحوها واستنجدت بالمسلمين ولكن لم يستجب لها أحد .. فطفق الشيخ يحوقل ويحولق من جديد ، ثم سالني أن أنشد له شيئا مما قاله شاعرنا الصابر ، ثم ذكرت له أنه تحدث عن قضية أو مأساة سرايييفو في قصيدة بعنوان " أعراس الشفق " طرح فيها طرفا من مأساة المسلمين في هذه المنطقة إبان صراعهم مع الصرب وما ارتكبوا من جرائم وفظائع يندى لها جبين الإنسانية .. ويقف الشاعر عند اليقظة الجيدة أو الانتفاضة الإسلامية التي وقفت في وجه الصرب وقاومت طغيانهم الشرس ، وبذلت الأرواح والدماء رخيصة في سبيل الحفاظ على حريتهم وكرامتهم وعزتهم وحماية المجد الإسلامي الغابر وإحيائه .. وفي ذلك يقول شاعرنا الصابر : (17)
    صوت المآ ذ ن في سراييفو تجمّــدْ !!
    وإلى ربا الفرد وس قد صعد ت عناصر أ مة لتعود بالقرآن كونا قد توحّدْ !
    كلُّ المحاريب انتفاضة أ مة تهوَى محمد
    كلّ الد ماء حدا ئق ... تهدي عطاياها محمد !
    وما إن فرغت من الإنشاد حتى تغيّر وجه الشيخ واربدّ واستقطبه الاستغراب من هذا القري الذي استمع إليه ، ثم قال : إن هذا القريّ غريب ، وما لنا به من عهد ! فقلت : إنه من سنخ ما عُرِف في زمانكم يا شيخي الجليل مما أثبتّ شيئا منه في مصنفك العظيم " رسالة الصاهل والشاحج " ! فقال : لعلك تقصد تلك القطعة التي تقرأ شعرا ونثرا ، موزونة وغير موزونة . أما إذا كانت موزونة أي أن ينفصل بعضها من بعض بطل معناها ، فأجبت : أجل يا شيخي الجليل ، هي تلك التي جاءت على هذا النحو : (ص 698)
    (يتبع)

  5. #5
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    أ كرمك الله وأ بقا ك أ ما كا ن من ا لــــــــ
    جميل أ ن تأ تينا ا ليوم إ لى منزلنا ا لــــــــ
    خا لي لكي نُحد ث عهد ا بك يا خير ا لأخلـ
    لاءِ ، فما مثلُك من ضيّع حقّــًا أ و غفـــــلْ
    ومثله ما أحدث المولدون كقول بعضهم : (نفسه ص 537)
    أ با بكر لقد جاء تك من يحيى بن منصــــو
    رٍ ا لكأ سُ فخذ ها منه صِرفا غيرَ ممــــــزو
    جــةٍ جـنـَّبـَك الله أ با بكــــر من ا لســــــو
    فقال : هذا من عبث المولدين والسكارى ! ولكن ما علينا , فستكون لنا وقفة معها عند الحديث عن الجانب الفني أو جانب الموسيقا في الديوان ! والآن أكمل لي حديث الانتفاضة هذه التي انخرط فيها الشيوخ والأطفال وكافة طبقات المجتمع سعيا وراء الكرامة المهدورة لاستعادتها ولتحفظ عقيدتها من عدوان الصرببن .. فاندفعت أنشد قوله من هذه القصيد ة :
    ترفع في سماء الله قصة أ مة
    وهبت إلى القرآن كل زما نهــا
    سكنت هويّتها ذ را إيما نهـــــا
    د فنت نفا يا ت الهزا ئم في ضحى أ حزانها
    والخيل .. خيلُ الله تركض في صدى أ شجا نهــا
    ود ماؤها تغلي وةما يبست على جد را نهـا
    هذه الانتفاضة الباسلة التي لم يحجبها عن الإقدام لتحقيق العزة والنصر طوفان الجماجم والأشلاء والدماء التي ضحى بها الأبرياء ليشيدوا بها المساجد لتنبعث منها نداءات التوحيد ونور الإيمان والعقيدة وتحقق الوجود الكريم لهذه الأمة المسلمة وللإنسان :
    في سراييفو الجماجم شكلت سحبَ الد ماء الد ا كنهْ
    شا د ت من الأشلاء مئذ نة وقـبّـــهْ
    هي لم تزل حُبلَى بماء ا لنــا ر ...
    فيها تُستَثــا رُ أ جنّــةُ ا لشهد اء حينَ مخا ضها
    مطرُ الحيا ة يهلُّ .. يصرخ .. والوليد بحجم هذا الكون
    يحمل في اليمين شموس توحيد وميلا د العقيد هْ
    وعلى اليسار تضوع أقمار الوجود وتولد الد نيا الجد يد هْ
    وتعود تصهل في سراييفو المآ ذ ن تلتقي
    بالعا د يا ت ضبحــا
    وا لموريا ت قد حــــا
    وتثير نقعَ الفتح ... تشهد ضوء خيل الله صبحـــا
    ويطلّ " أ حمد " في يد يه الآي والذكر ا لحكيمْ
    ويبثُّ في يبس الشرايين الإرا د ةَ نبض آ يا ت الجها د
    يتلو علينا سورة المجد الكليمْ
    وعلى يد يه ا لرا ية ا لخضراء تطعن كلّ شيطا ن رجيمْ !
    أما الشهداء الأبرار ، فقد تقاطرت قوافلهم صوبَ الفردوس الأعلى لينعموا بجوار الخالق البر الرحيم :
    وإ لى ربا الفرد وس كلّ قوافل الشهد اء كالأشجا ر تصعدْ
    لتعود بالقرآ ن كونا قد توحّّــدْ
    كل المسا فا ت انتفاضة أ مة تهوَى محمّـــد
    كلّ ا لد ماء حدا ئق تُهدي عطا يا ها محمّـدْ !
    فعقّب الشيخ قائلا : لقد أجاد شاعركم الصابر ولا بأس بهذا اقريّ المولد !!
    والآن إلى مأ ساة بغداد .. لبيك وسعديك أيها الشيخ الجليل ؛
    كانت الوقفة الثانية لشاعرنا الصابر مع بغداد ذات الأمجاد الخالدة من خلال قصيد ته " غابة النار" ؛(ص 41) وجاء العنوان ليجسد فداحة المصائب التي استقطبت بغداد فغدت غابة من نار بعد أن كانت حديقة نور! وقد أفضى بحسرته القاتلة على أمجاد بغداد التي انطمرت تحت ركام هائل من المصائب والنكبات التي اجتاحتها على طول التاريخ الحديث وخاصة المرحلة الأخيرة منه التي تسنم فيها سدة الحكم " صدام " ! وآنست سؤالا يتردد على أسارير الشيخ الوقور حول هذا الصدام الذي حكم بغداد في هذه المرحلة ، فاندفعت أسرد له طرفا من سيرته ووصوله على الحكم ودوره في المنطقة .. كما أخبرته بخاتمة المطاف من سيرة هذا الحاكم العراقي الجديد وما آل إليه وضع بغداد والعراق بعد دخول القوات المتعددة الجنسيات أو قل ، القوات الأمريكية التي خططت للاستيلاء على العراق لاستغلال ثرواته النفطية واقتسامها فيما بينهم .. ولما هممت أن أعرض شيئا من أخبار هذه المرحلة آنست من الشيخ نفورا وإعراضا مشوبا بكثير من الاشمئزاز والقرف ، ولم يلبث أن أشاح لي بيده أن دعنا من هذا الحديث وارجع إلى صاحبكم الصابر وأكمل ما بدأته من حديث غابة النار ، وأنشدني شيئا من هذه القصيدة .. فقلت : سمعا وطاعة ؛ ثم واصلت حديثي وأخذت أنشد ه بعض أبياتها التي يقول فيها :
    حد يقة النور أ مست غا بة النا ر لا ظلَّ فيها ولا أ طلال آ ثــا ر
    شمس الحضا رة في أرجائها انطفأت وقصة البعث عا د ت بَوْحَ تذكار
    بغد اد أين خطى المنصور مورقة بالمجد تسحق وجهَ ا لذ لّ والعا ر
    أ ين الرشيد ، وسيف العد ل في يده يردّ نقفور عن أهلي وعن داري
    أ ين المنارات والمأمون يشعلها فكرا يفيض بجنّــا ت وأ نهــا ر
    وأ ين معتصم تختا ل قبضتــــه بصا رم من سيوف الله بتّــــا ر؟!
    فانبرى الشيخ الجليل يتمتم ويقول : حسب الشاعر الصابر هذه التساؤلات ، ليته يتوقف عنها ؛ ثم أردف متسائلا : هل خلت بغداد في عصركم ـ أو عصر صدامكم هذا من كل الأمجاد ولم يبق منها شيء تفتخرون به على نحو ما افتخر الأسلاف ، وعلى نحو ما تفتخرون أنتم بأمجاد الأسلاف أمثال المنصور والرشيد والمأمون والمعتصم وغيرهم ؟
    فأطرقت خجلا ولم أُحِرْ جوابا ! فعقّب : قاتلكم الله أنّى تؤفكون ! لم تحفظوا أمجاد الأجداد ، ولم تصنعوا شيئا من الأمجاد تفخرون به أو تفخر به الأجيال القادمة ! تبّاً لكم ! ثم اردف : لعلكم ، ولعلّ بغدادكم تنتظر أن تأتيها سفينة " نوح " جديد لينقذها من مصائبها ويخلصها من معاناتها!:
    لا عاصم اليوم من سيبل الد مار سوى سفينة ا لحق تُردي كلَّ جبّــــا ر
    ولم يلبث الشيخ أن أومأ لي أن أكمل حديث الشاعر الصابر على مآسي هذه الأمة ؛ فتابعت أسرد أطرافا من المصائب والفواجع المروعة التي ألمّت بهذه الأمة في هذه الحقبة السوداء من تاريخها على يد طوائف الحكام الذين أعمتهم مصالحهم الخاصة عن مصالح الأمة فباعوها في سوق النخاسة بدراهم معدودة أو كراسيّ مهشمة سرعان ما زجّت بهم في قعر الجحيم !
    وبادرت الشيخ الجليل قائلا : أتظن يا شيخي الجليل أن مصائب العراق المعاصرة أشدّ وطأة من مصائبها القديمة في البصرة والكوفة وكربلاء وغيرها ، ومن ورائها مصائب الأمة الإسلامية في صراعاتها الداخلية والخارجية على عهد الأمين والمأمون والصراع مع الروم والصليبيين و .. و.. وقاطعني الشيخ الجليل قائلا : لا يا بنيّ ، ليست مصائبكم بأفظع من مصائبنا ، ولكن مصائبنا كانت من تلقاء أنفسنا ومن صنعننا نحن ـ أقصد صنع خلفائنا وولاتنا الذين هم من جلدتنا ومن أنفسنا ، أما أنتم فمصائبكم مستوردة مع حكامكم ، وأنتم وبلادكم ومقدساتكم الضحية !
    ثم أردف الشيخ متسائلا : ماذا عن المسجد الأقصى الذي علمت من حديثك أنه أصبح في يد اليهود وأنهم يريدون أن يهدموه ليقيموا مكانه هيكل سليمان ؟ فقلت : حظي المسجد الأقصى من ديوان " مدائن الفجر" بقصيدة عنوانها " نقوش على جدران المسجد الأقصى " (ص 57) !
    فعقّب قائلا : يا له من عنوان طريف ! تُرَى ماذا كانت هذه النقوش التي رقمها على جدران المسجد الأقصى ؟ لعلها كانت كتلك التي علّقت على أستار الكعبة على عهد الجاهليين الذين كتبوا بعض قصائد شعرائهم المشهورة بماء الذهب في القباطي وعلقوها على الكعبة فيما يزعم بعض الرواة ـ وهمس في أذني قائلا : إياك أن تصدق هذا الأمر ؛ فما هو إلا من أوهام بعض القصّاص ورواة الأخبار ووضّاعي الرواة ! ثم عقّب : أخبرني ماذا قال الشاعر الصابر في هذه النقوش ؟
    فقلت : شُغِل شاعرنا الصابر فيها بسرد شيء يسير مما تموج به نفسه من آلام وحسرات على ضياع الأقصى وتدنيس اليهود له ومحاولتهم تدميره والأمة الإسلامية غافلة سادرة في أحلامها لا تعبأ بما يجري من حولها .. وواصلت : أما معاناة الأقصى فقد ابتدأت منذ إعلان الكيان الصهيوني " إسرائيل " سنة 1948 ، ثم تبلورت في طائفة من الأحداث المهمة المثيرة للقلق يقف على قمتها حادث إحراق المسجد الأقصى على يد صهيوني حاقد موتور يدعى .............
    وفي هذا الحريق يقول شاعرنا الصابر :
    يا قد سُ طيرُ البغي فيك يحلّـق وا لمسجد ا لأ قصى يُدَ كُّ ويحرَق
    ا لغا صبون زما نَ أمنك ما درَوْا أ ن ا لحجا رة في ا شتعا لك فَيلــق
    قد أ ضرموا النيران فيك وفي قلو بهم ا لفسـا دُ مع ا لجحود معلّـــــق
    والمسجد ا لأقصى يقا وم كيد هم وبه إ لى فـجــر الأ ما ن تشــــوُّقُ
    إ ن أ حرقوه وهدّ موا محرابــــه فبكى وهم سمعوا الأ نين فصفقـــوا
    فالثأ ر يزحف في انتفاضة أ متي وبعزمة الأ حرار قلبي يشهــــــــق
    والمنبر ا لقد سيّ كبّر ها تـفـــا وا لغرب صمّ .. وقد وعا ه المشرق
    وراح الشيخ الوقور يحوقل من جديد ؛ ثم سأل : ماذا عن موقف الأمة العربية والإسلامية وماذا فعلوا إزاء هذه الجريمة النكراء ؟ فقلت : فعلوا ما اعتادوا فعله في مثلها منذ أن استوطنت إسرائيل فلسطين : أن يُهرَعوا إلى مجلس الأمن يستجدونه قرار شجب أو رفض أو استنكار حتى لو كان قرارا جزئيا تستخدم فيه أمريكا وأذنابها من دول الغرب والشرق حق " الفيتو" ؛ وهي كلمة أجنبية لعلها يونانية تعني الرفض أو النقض ، أي رفض القرار الذي يزمع المجلس اتخاذه ؛ فقاطعني الشيخ قائلا : المهم ماذا حدث بعد ؟ فقلت : عندما لجأت الأمة العربية إلى مجلس الأمن وتعلقت بأهدابه الهشّة ، كان ذلك إيذانا بموت قضايانا وتمييعها حيث لا عدل ولا إنصاف ولا أمن ولا أمان يمكن أن يتوقع من هذا المجلس وغيره من المؤسسات الدولية أو الأممية المعاصرة ؛ وهذا ما أعلنه شاعرنا الصابر في قوله من قصيدة النقوش :
    ما تت قضايانا بمجلس أ مــنهـم وضميرُهم للزور د ومــا يلـعـــق
    لا عدل لاإنصاف في زمن يسـا مُ ا لحقّ فيه .. وبالضلال يطــوَّق
    وما دام الأمر على هذه الوتيرة فلماذا لا يتدبر العرب أمرهم ويبحثوا عن طريق أخرى للخلاص وتحقيق الغايات ؟ قال الشيخ الوقور ؛ فقلت : هذا ما أرشدهم إليه الشاعر الصابر حيث يقول :
    اللهُ أ كبرُ في الشد ا ئد مد فعي با لنصر برق ضيا ئها يتد فــــق
    فردد الشيخ الجليل : هذا هو الحل الحاسم والناجع ؛ فما ضاع حق وراءه مطالب ، وما تحقق نصر بكلام ، وإنما النصر سبيله القوة والعزيمة الصادقة والإيمان العميق !
    وأردف الشيخ قائلا : لعل المسجد الأقصى تشقق حلقه وهو يستصرخ القوم أن يهبوا لنجدته ؟! قلت : هو ذاك يا شيخي الجليل ؛ فقد مضى الأقصى يستنجد الأمتين العربية والإسلامية لإنقاذه وتحريره وتخليصه من رجس اليهود المعتدين ؛ بل إنه استنجد بالتاريخ وبالأنبياء : موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ، ولكن دون جدوى :
    لكأ ن صوت المسجد الأقصى على با ب الزما ن .. بكل عزم يطـــرق
    ويقول للتاريخ قم وابعث إ لـــيــْ ـيَ ا لأنبياءَ ، فأ مّتي تتمـــــــــزّق
    ويقول: يا موسى ائتني بعصاك واسْـ ــحـقْ جبهةَ ا لبا غين ، إ ني أُخنَق
    فلكم أ ضاء منا رتي نورُ الوصــا يا ا لعشر وهْيَ بكل حبّ تَنْـطِـــق
    ويقول يا عيسى مها دُ ك نورُه يخبو .. وكا د ت شمسُه لا تشـــرق
    كم كنت تبرئ أكمها أو أبرصا والميْتَ تحيي .. والرجاءَ تحقّــــق
    أ فلا سعيتَ اليومَ تنقذ ساحتي ليظـلَّ ذ كرُك في ا لسماء يحــلّــــق
    فحجارتي الصمّاء كم أصغت إليـ ــك ، وأنت في حضن البتول تشقشق
    ود رجت في ساحي فرا شة عفة تجني الرحيق من الضياء وتعشـــق
    ويقول يا " طه " بأولى القبلتيـــ ــن الحقُّ يُصلَب في النهار ويُشنَق
    والعد ل في أ نهار ظلم الغا دريــ ــن من المفا سد والمجا زر يغــرق
    والسلم مبتورُ اليد ين بسا حـــة فيها ا لأ ما ن مع ا لســـلا م مــؤرّق
    فعقب الشيخ على هذا المقطع الطويل قائلا : لا فُضَّ فوك أيها الشاعر الصابر ؛ لقد أمتعت وأبدعت ؛ ثم التفت إليّ وقال : ثم ماذا كان من أمر شاعركم الصابر ومن أمر مسجدكم المنتظر المقهور ؟ فقلت : واصل الشاعر الصابر الحديث عن مسيرة المجاهدين من أبناء هذا الشعب الفلسطيني البطل الذين حملوا على عاتقهم عبء إنقاذ الأقصى وتحريره من رجس الأعداء !
    إلاّ أن شاعرنا الصابر يؤكد أن راية الجهاد الحق المخوّلة بتحقيق النصر سيرفعها الأحرار المجاهدون من جميع أقطار المسلمين الذين سيبارك الله جهادهم وزحفهم ويشكر لهم تضحياتهم واستشهادهم :
    ا لمسلمون على ا لأكفّ .. ا لروحَ قد وضعوا .. وكلٌّ للفــد ا متشـــوّق
    وا لمؤمنون.. إ ليك يزحف جمعهــــم فا لموتُ د ونَك غا ية تتــحـقّـــــق
    وشها د ة التوحيد مد فعهم ود يــــــــ ــنُ الله را يته عليهم تخــــفــــــــق
    ويبا رك الرحمن زحفَهمُ إ ليـْـــــــ ــكَ ، فأ نت بالزحف المقدّ س أ خلق
    وتسير جندُ الله بين صفوفهــــــــم فالله ينصر جنـــد ه ويوفـــق !!
    فهزّ الشيخ الجليل رأسه وقال : اللهمّ نعم : ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) ، ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) ! وتابع تعقيبه : ما يزال هذا الشاعر الصابر مصلوبا على رماح آماله وأمنياته التي لا يعلم ولا يقدر على تحقيقها إلا الله سبحانه الذي لا يرضى عن استباحة مقدساته وسفك دماء المؤمنين من عباده .. وسيحقق لهم النصر عاجلا أم آجلا .., إنه سميع مجيب .. بيد أن الذي يلفت النظر أن شاعركم الصابر لم يحرص على تشريح أدواء الأمة وتشخيص عللها ليتسنى له وصف العلاج الشافي أو الدواء الناجع ؛ بل ليته انكبّ عليها مبكّتا ومقرّعا لتقاعسها ، ومحرّضا على تمزيق الشرنقة التي تغلّفها وتعيق حركتها وانطلاقتها لتتخلص من أوضار العفن الناخر في أصلابها كما قال في مكان آخر .. ليته قسا على هذه الأمة لتنهض من كبوتها وتحقق النصر وتستعيد عزتها وكرامتها .. ولسنا ندري لماذا آثر الوقوف هنا عند حدود الأمل ، ولم يجاوزها إلى ما هي أجدر به من توجيه وتبكيت ؟!
    (يتبع)

  6. #6
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    وماذا بقي من موضوعات هذا الديوان ؟ بادرني الشيخ الجليل متسائلا . فقلت : بقي شيء مهم يتعلق بالملاحم الإسلامية وملامحها التي حرص على تسجيل أطراف منها في بعض قصائده ؛ وقد حظيت هذه الملاحم بثلاث قصائد متفاوتة الطول : الأولى " أقباس من ملحمة الإيمان " وجاءت في ثمانية اقسام وعدة أبياتها مائة وثلاثون بيتا ، جاء القسم الأول أو الفاتحة في سبعة أبيات بعنوان " ابتهال " الذي أفرده لطرح أشواقه تجاه ذكرى المولد النبوي الشريف ؛ وقد خلت خلوّا تاما من أي أثر للابتهال والدعاء الذي عنونها به ؛ وكان حقه أن يغيره بعنوان آخر نحو " افتتاح ، أو فاتحة "، أو مقدمة " أو غير ذلك .. وجاء القسم الثاني بعنوان " تأمل .. ويقين" في ثلاثة عشر بيتا طرح فيه طرفا من تأملاته في واقع الأمة وأحوالها وأحداثها المفجعة ، وألفى نفسه مدفوعا إلى الابتهال والضراعة إلى الله لينقذه من معاناته القاتلة :
    فيا ربِّ أ نقذ ني فإني بلُجَّــــــة من الفكر ماجت وهي من غير شطــآ ن
    فقد كلَّ فكري في الحيا ة تنا قض يقابلني في كل شيء .. ويلقـــــا نـــي
    فمُــدَّ ت يدُ الرحمن نحوي بهالـة من النور أ ذ كت ليلَ فكري ووجد ا نـي
    ويقف وقفة خاصة عند شهر الصوم وما ينطوي عليه من خير وفضل ..
    وأفرد القسم الثالث من الملحمة للحديث عن القرآن معجزة كافة العصور في تسعة وعشرين بيتا ، حيث عدّد أطرافا يسيرة من مظاهر الإعجاز التي جسدها القرآن الكريم على طول العصور : الإعجاز البياني أو البلاغي ، الإعجاز العلمي .. إلخ وقد هال الشاعرَ ما رأى برغم كل مظاهر الإعجاز التي تجسدت في القرآن الكريم من إنكار أحمق لهذا القرآن ، مما جعله يحرص على كشف شيء من ادعاءاتهم الزائفة وأباطيلهم الملفقة في مثل قوله :
    وقد قُتِل الإنسانُ في حمأ ة الهوى ومُدَّ ت له أ يدي الغرور ببهتـــــــا ن
    فأ نكر قرآ نا .. وأ نكر ربَّـــــــه وفي أُ ذ نه عن صيحة ا لحق كفّــا ن
    كما عرض لادّعاء بعض المنكرين أن القرآن من عند محمد (ص) فقال منكرا هذا الادّ عاء :
    تسا بيحُ رحمن على قلب أ حمـــد أ فا ض بها الدّ يّا نُ عن كلّ إ حسا ن
    ولكنهم قا لوا .. كلامٌ أ تى بـــــــه وكيف لأ مّــيٍٍّ بتحبيــر قـــــــر آ ن
    تنزَّهَ عن رجس ا لخد اع محمــــدٌ وحـلَّـق في ثوب من الطهــر روحا ني
    كفى سيّدَ الأ كوا ن أن حد يثـــــه بكلّ زوا يا الكون مصباحُ عرفـــا ن
    يمزّق أ كفا نَ الجها لة والد جــى ويسكب عطرَ ا لحق في كلّ وجد ا ن
    فما كان من الشيخ الجليل إلا أن بادر بإعلان عجبه من هؤلاء المنكرين للقرآن الذين ادّعَوْا أن الرسول (ص) الأمّيّ هو الذي ألّف هذا الكتاب السماوي العظيم مؤكدا أن هذا الادعاء الزائف دليل قاطع على سفههم وجهالتهم وغبائهم وعجزهم عن فهم شيء من أسراره وإدراك إعجازه ..
    ثم انبرى يشيد بفصاحة وبلاغة الرسول النبي الأمي الذي أوتي جوامع الكلم ، والذي وصفه الله بأنه ليس من المتكلّفين ( سورة ص 86) ، كما أشاد بصدقه وأمانته في حمل هذه الرسالة إلى الناس ، ودوره في هدايتهم وإرشادهم إلى طريق الهدى والرشاد والحق ..
    ثم أومأ لي الشيخ أن أواصل عرض هذه الملحمة فقلت : ثم كان القسم الرابع الذي تناول فيه طرفا يسيرا من تاريخ الإسلام والرسول (ص) في " بدر" التي أعلنت انتصار الحق وقيام دولة الإسلام ؛ وجاء في ستة عشر بيتا .. وهنا التفت إليّ الشيخ الجليل متسائلا عما إذا كان الشاعر الصابر التفت إلى حال الرسول قبيل المعركة وإفراطه في الدعاء وإلحاحه على الله أن ينصر هذه الجماعة المؤمنة وألاّ يتخلى عنها لأنها إذا هلكت لن يعبد الله في الأرض من بعدها ، وما تبع ذلك من نزول جبريل عليه مبشرا بالنصر المبين وإمداد الله لهم بالملائكة المسومين .. فقلت : كأنك تنظر إلى شاعرنا الصابر في ظهر الغيب ، فقد تعرّض لكل هذا ولم يترك شيئا ذا بال من أحداث هذه المرحلة إلا وتناولها وإن كان تناولا مقتضبا بطبيعة الحال .. فقال : لا بأس ؛ إذن أخبرني عن القسم الخامس ماذا تناول فيه صاحبكم ! فقلت : إنه أفرد ه لتصوير بعض جوانب معركة " بد ر" من زاويتي " الوجه والقناع " كما يطلق عليها ، أو ما يمكن أن نعبر عنه بالنتائج وما يمكن أن يستفاد منها من دروس ، وما حققت من غايات سامية وقيم عظيمة تتجلّى عند المقارنة مع واقعنا السيّئ بكل سلبياته وشروره وآثامه .. وهل عرض لشيء آخر من وقائع الرسول صلى الله عليه وغزواته الأخرى التي وقعت بعد " بدر " ؟ سأل الشيخ ؛ فقلت : كنت أتوقع من الشاعر الفاضل أن يعرض شيئا من ذلك ، ولكنه فيما يبدو رغب أن يتحرر من سردية التاريخ ، ولم يشأ أن ينظمه شعرا ، واكتفى ببعض الأحداث فوقف عند أهمها وهو فتح مكة الذي كان إيذانا بانتصار الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجا ؛ وهذا ما تناوله في القسم السادس من ملحمته وكانت وقفته متأنية حيث جاء القسم في ثمانية وعشرين بيتا مركزا على نوعية الفاتحين الأوائل الذين باعوا أرواحهم بالجنة الموعودة ؛ وهي نوعية خلت من كل آثار الانحلال الخلقي الذي استشرى بكل أسف في شباب العصر الحديث .. ووجد نفسه مضطرا للمقارنة بين شباب ذلك العصر القديم وشباب هذا العصر الحديث ؛ فأما شباب الفتح فقد كانوا :
    ..... شبّا نا تسا مت نفوسهم وقد ا شرقت حبّاً وفا ضت بإيما ن
    وفي كل ميد ا ن لعزّ تنا فســوا فما قا مت ا لأ مجا د إ لاّ بفتـيــــا ن
    وليس لهم إ لاّ الفضيلةَ مـــوردٌ وصاغوا المحالَ المرَّ في ثوب إمكان
    وما سمّـمّت أرواحَهم أيُّ د عوة من الغرب هبّت كالردى فوق وسنا ن
    ولكنهم أ صغَــوْا لأ مر إلههـــم ففا زوا من الد نيا بعز ورضــــوا ن
    فعقّب الشيخ قائلا : تلك أمة قد خلت ؛ رضي الله عن هؤلاء الصحابة الأبرار ورضوا عنه ! ثم أومأ إليّ أن أكمل التجوال في هذه القصيد ة الملحمة ، فقلت : جعل شاعرنا الصابر القسم السابع لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر في تسعة أبيات ، وجعل القسم الثامن والأخير كخاتمة للقصيدة أو الملحمة في سبعة أبيات افتتحه بتحية لشهر الصوم الكريم لما ينطوي عليه من ذكريات إسلامية خالدة ، مصورا ما استبدّ به من شوق جارف إليه ، ومن أبياته فيه قوله :
    فيا ايها الشهر الكريم تحيّــــةً إلى ضوئك السا مي ، إلى خيرك الداني
    وقد ذاب لحن الشوق في عمق خاطري فطـــارت بي الأ شواق للعالـم الثــانـي
    فأفنيت ذ اتي في معابد صفوه وقد صوت روحا ترتدي ثوبَ إ نســـا ن
    وما عا د يهوى القلبُ غيرَ إ لهــه وما النفس تهوى غير د يني وقرآ نـــــي
    وإ ن كا ن وجه الله للعبد قبلــــــةً سيحظى مع الد نيا بجنّــا ت رضــــوا ن
    وأخذ الشيخ يردد هذا البيت مرة بعد مرة مؤكدا أن الله سيجزي أولئك المؤمنين الصادقين الذين يخلصون لوجهه الكريم الجنة والرضوان .. ثم التفت إليّ متسائلا عن القصيدة الثانية في هذا الجانب ؛ فقلت : جاءت القصيدة بعنوان " أين الطريق إليك ؟ " ، ووقعت في تسعة وثلاثين بيتا ؛ وقاطعني الشيخ معجبا بطول نفس الشاعر الصابر على روعة المعاني والأفكار وشدة الأسر وقوة السبك وفخامة البناء .. ثم مضى يستزيدني إيضاحا عن هذه القصيدة ؛ فقلت : إنه نظمها في مناجاة روحية للرسول صلى الله عليه وسلم في ذكرى مولده الشريف ، كما يشيد بالرسالة السماوية التي حملها إلى الناس أجمعين لهدايتهم إلى سواء السبيل .. وعلى عادته يتعرض لأحوال المسلمين اليوم بعد أن تكالبت عليهم قوى الشر والبغي ، وتداعت عليهم الأمم الضالة كما تتداعى الأكَـلَـةُ على قصعتها .. كما التقط أطرافا من سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام منها ما حدث له في حنين وثباته فيها بعد تفرق المسلمين من حوله ودعوته إياهم للعودة إليه ومواصلة الجهاد حتى يتحقق لهم النصر الموعود ، كما في قوله : (ص 47)
    وأ نا النبيّ لا كذب وأنا ابن عبــ ــد المطلب تتحد يان عد ا كــــــا
    تتحد يا ن ا لمغمضين قـلـوبهــم وا لرا فضين سبيل من قــــوّا كا
    هي صيحة لك في حنين حطّمت جيش الغرور وخلّـد ت د عوا كا
    كا نت بسيف ابن الوليد مضاءة والنصرُ ظِلُّ محا رب يهوا كــــا
    وعلى الأسنّة كا ن نور لهيبهـــا حِمَـماً تَشُلُّ طريقَ من آ ذ ا كـــــا
    وتنقّلت عبرَ القرون صوا عقـا سحقت حصونَ البغي وهي صداكا
    فعقّب السيخ قائلا : لقد أبدع شاعركم الصابر في تصوير هذا الموقف الذي بدر من النبي صلى الله عليه على أثر التصرف الذي ندّ عن المسلمين فتفرقوا عنه وانفضوا من حوله ، ولم يثبت معه إلا تلك الفئة المختارة من صحابته .. ثم أردف : كنت أتوقع من شاعركم الصابر أن يعرّج على ما سبق من أمر المسلمين قبل أن يخوضوا هذه المعركة وما خامرهم من إعجاب بكثرتهم قياسا إلى قلتهم يوم بدر فأراد الله أن يلقنهم درسا يرسخ صلتهم بالله ، وأن النصر لا يأتي من كثرة أو قلة بل من التزامهم وارتباطهم الوثيق بالله والتجائهم إليه في كل حال وعدم الاغترار بأي عرض من أعراض الدنيا ؛ فما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ؛ لقد صدق الله إذ يقول ردّأ على افتتانهم بقوتهم حيث قالوا : إنا لن نُغلَبَ اليومَ من قلّة " : ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فل تُغنِ عنكم من الله شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم ولّيتم مد برين ) التوبة 25) ليت صاحبكم التفت إلى هذا الأمر وصاغه شعرا ! ولكن لا بأس ، فقد أعجبني التجاؤه إلى النبي مستنجدا به لتخليص الأمة الإسلامية مما ألمّ بها في هذا العصر من مآس ومصائب ، وما يسودها من شقاق وخلاف ، متوسلا إليه أن يرضى عنها ، ويدعو لها أن تتبدّ ل أحوالها وتصلح أمورها ؛ ثم اندفع ينشد هذه الأبيات من القصيدة :
    فمتى رضا ؤك عن بقا يا أ مة لم تستطع أ ن تستعيد ثرا كـــا
    غابت وراء الشمس وهي حسيرة لم تستجب في بأ سها لهـــد ا كا
    حتى إذا فرغ من الإنشاد سألني عن القصيدة الثالثة في هذا الإطار فأخبرته أنها جاءت بعنوان " محمد ورحلة اليقين " ، وجاءت في خمسة وأربعين بيتا (ص 51) ؛ فعقب بقوله : إذن هي جزء آخر من الملحمة الإسلامية وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم .. فقلت : أجل ! فقال : حبذا لو عرضت ملامح هذه الملحمة الأخيرة . فقلت : حبّا وكرامة . ثم تابعت ، افتتح شاعرنا الصابر هذه القصيدة مصورا نور الهدا ية واليقين الذي انبثق في نفوس المؤمنين وقلوبهم من أثر السيرة النبوية العطرة ونقتها من الآثام والذنوب إذ يقول :
    نور الهداية في أعماقنا سُكِبـا وما ردُ الإثم عن أرواحنا غَرَبــا
    ثم يكرّ راجعا إلى عهود الحيرة والضلال والتخبط والشك والخضوع لسلطان الشيطان التي سبقت انبعاث الرسول وانبثاق نور الإيمان في النفوس والقلوب .. ذلك النور الذي هو قبس من النور الإلهي :
    كنا حيارى وموج الشك يغرقنا لا الإثم سا د ولا الإيمان قد غلبــــا
    فنورُه من سنا ا لرحمن مقتبس على مدى الد هر والأ يام ما احتجبا
    وذكره من جلال الله هيبتــــــه في الجا ه والحكم والسلطا ن ما رغبا
    ثم قلت : وقف شاعرنا الصابر أيضا عند جوانب من السيرة النبوية العطرة مركزا على ما تنطوي عليه من قيم وعبر ومكارم أخلاق حيث يقول :
    هو ا لفقير ويأ بى أن تكون له جبا ل مكةَ في د نيا الورى ذ هبــــا
    فنفسه من صفاء الخلد معد نهـا والله أغـنا ه بالقرآ ن حين أ بـــــــى
    فإن مشى كان قرآنا جوا نبــــه تفيض بالذكر للقلب الذي نضبــــــا
    وإن تحدّ ث فالآ يا ت منطقــه تردّ للكل حقــًا كا ن قد سُلِبــــــــــــا
    وفي توا ضعه أ سرارُ روعته هو النبيُّ ، ولكن يجمع الحطبـــــــا
    وفي تسا محه أ سرار هيبتــــه وا لحبُّ في الله قد أ حنَى له الشهبا
    وفي تعا طفه أ سرا ر قوتـــــه قد أ خضع العُجمَ بالإقناع والعَربــا
    فانبرى الشيخ الوقور يفصح عن إعجابه بهذه الأبيات ؛ ثم قال : لكم كان النبي صلى الله عليه عظيما ورحيما وخلوقا ومهيبا ! أبى هذا الرسول العظيم أن يلحق بركب الملوك ذوي التيجان وقد طاعت له الدنيا ، وأمكنه أن يحوز ذهبها ومالها ، بل إنه أبى أن تتحوّل له جبال مكة وكل ما في الأرض ذهبا إبريزا واختار أن يكون فقيرا يؤتى النبوة العظيمة وما تهدف إليه من هداية الناس إلى الإيمان بالله وتنقية النفوس والقلوب من أدرانها وشرورها .. وهل ثمة شيء من حطام الدنيا يساوي القرآن الكريم الذي أعطاه الله إياه معجزة خالدة على الزمان ؟! ولكم كان هذا النبي عظيما وخلوقا عندما كان خلقه القرآن كما وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ! وكم كان عظيما عندما أبى أن يخدمه المسلمون دون أن يشاركهم في أعبائهم ، فقال وهو يراهم يقسمون الأعباء فيما بينهم : وأنا أجمع الحطب ! ما أعظمك أيها النبيّ الكريم صلى الله عليك .. هكذا كان هذا النبيّ العظيم مثالا ونموذجا فذا للخلق الكريم والتواضع العظيم والتسامح الكبير والتعاطف الجمّ ! هذا النبيّ العظيم لا تنقضي عجائبه ، ولا تنتهي خلائقه ؛ ونرجو الله أن ينفعنا بشفاعته يوم القيامة ويشملنا برحمته يوم العرض عليه ، إنه سميع مجيب ؛ ثم أومأ إليّ أن واصل حديث القصيدة ، فقلت : أراد الشاعر الصابر أن يعلم الناس في هذا العصر درسا في الإيمان والاتباع ، وأن يبين لهم أن الله كما نصر عبده ورسوله في بدر وغيرها من غزواته ومعاركه بما أمدّه به من جنده الملائكة قادر على أن يمدّهم بأمثالهم في معاركهم وحروبهم ، وأن ينصرهم على عدوهم ولكن بشرط الإيمان الصادق به والالتجاء إليه ويعلمهم أن لهم في رسول الله أسوة حسنة :
    جبريل يأ تي بآلاف مسوّمـة والمصطفى لسوى الرحمن ما ا نتسبا
    أما عن أخلاقه الكريمة وصفاته العظيمة ودوره في إنقاذ البشرية الضالة الغارقة في جهالتها وغيّها وسفاهتها ، فقد عرض كل ذلك وأشار إليه في قوله :
    فجئت بالشرعة الغراء وا رفة ظلا لها فجنينا الشهـدّ والعنبـــــــــا
    وهنا تبسم الشيخ الجليل ثم زمّ شفتيه وتمتم : قاتل الله القافية ! أهذا موضع " العنب " أيها الشاعر الصابر ؟! أكان العنب ما تحتاج إليه البشرية أو العرب في ذلك الزمان وقد انتشرت كرومه الطائف وفي كل مكان حتى كانوا يعصرونه خمرا تحمل إليهم من مختلف أمصار الأرض من بُصرَى وأ ذ رعا ت وغيرهما لتعرض في أسواقهم المشهورة : عكاظ وذي المجاز ومجنّة ؟! ولكن لا بأس فستكون لنا وقفة مع هذا الشاعر في هذا الجانب وغيره بعد قليل .. ثم أومأ إليّ أن أكمل حديث القصيدة فقلت : هنا كان الختام لهذا الجانب من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما انبرى يعرض طرفا من واقع الأمة الإسلامية الأسود في هذا العصر عسى أن يشملها الله سبحانه برحمته ويخلصها من شرورها وآثامها ، ويخفف عنها آلامها ومصائبها ويهديها إلى سواء السبيل ويمنّ عليها بما منّ على سلفها الغابر من رجال عظماء أمثال عمر بن الخطاب الفاروق وأبي بكر الصديق وخال بن الوليد ـ سيف الله المسلول :
    فأ مّةُ الحق تا هت عن معالمها والد ين أصبح معزولا ومُجتَنَبـــا
    والهديُ أصبح أشلاء مبعــثرة وقد تناسا ه قومٌ أَ لَّهُوا النُّصُبـــــا
    فأد رك الأمةَ الخَيْرَى ورُدَّ لها كيانها ، وأزِلْ عن قلبها الحـجـبــا
    أَعِدْ إليها أبا الخطاب متّشحــا بالعدل والحزم حتى يُحدِث العجبا
    أعد إليها أبا بكر وخا لد هـــا ليرأبوا صدعها إ ذ أصبحت شُعَبا
    والأمل يظل في وجه الله ونوره الذي لا يخبو إذا خبا نور غيره وساد الظلام :
    وإ ن خبا النور فيها بعضَ آونة فإن نورك يا رحمان ما احتجبـــا
    وهنا عقب الشيخ الجليل قائلا : هكذا كانت إذن رحلة هذا الشاعر الصابر في " مدائن الفجر" ! فعقبت قائلا : لعلنا قد كشفنا عن مختلف الجوانب الفكرية والموضوعية التي طرحها شاعرنا الصابر في هذا الديوان ، وطوفنا معه في هذه المدائن التي كانت تنغمر بالنور الإلهي المقدس ، وتتدثر بالأخلاق الإسلامية القويمة ، وتنتشر في أرجائها ، وتعبق أجوائها بأرواح الطيب والمسك والكافور والعنبر!! ولا يسعنا إلا أن نتمنى لشاعرنا الصابر المبدع الفنان مزيدا من التوفيق والإبداع على طريق الهدى والخير والصلاح والرشاد !
    (يتبع)

  7. #7
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    ــ الرؤية ا لفنيـــة / التشكيل الفني للديوان :

    وما إن فرغت من هذا الدعاء حتى ألفيت الشيخ الجليل يهمهم ويتمتم بكلمات لم أتبينها بوضوح لثقل في سمعي ، فاستوضحته فقال : لقد وفيت وكفيت في عرض أفكار الشاعر وموضوعاته وقضاياه التي شغلته وآثر التعبير عنها والكشف عن خباياها وطرح رؤاه فيها ؛ وقد آن لي أن أمسك بالمقود فأبدي ما تراءى لي من أشياء ورؤى حول شعر صاحبكم الصابر ـ والذي أتمنى أن يتجمل بالصبر ، وأن يحتمل لأوائي ومشاكستي فيما أطرحه عليه ؛ وما أظن شاعركم بأحبّ إليّ من المتنبي وأبي تمام ، ولعله في مرتبة الوليد بن عبيد البحتري ، ولعلي أتقرى ديوانه بالطريقة التي تقريت بها ديوان الوليد في مذكراتي أو ملاحظاتي " عبث الوليد " !
    رأينا أن ديوان " مدائن الفجر" ضمّ عشر قصائد فقط ؛ ومن غير شك فقد أبدع الشاعر الكبير إبداعا يحسب له ، ووفق توفيقا بعيدا في اختيار عنواناتها ، وكذلك عنوان الديوان نفسه ، والتي جاءت غاية في الإيحاء والدلالة ؛ وأي شيء أقوى دلالة وأبين إيحاء من " مدائن الفجر" و" واإسلاماه" ، و"أعراس الشفق" و" أقباس من ملحمة الإيمان" و" غابة النار" و" أين الطريق إليك " و" محمد ورحلة اليقين " و" نقوش على جدران المسجد الأقصى" و" السفينة والطوفان " و" الطائر الحبيب" .. فكلها عنوانات باذخة شديدة الإيحاء ، وقد وفق في اختيار عنوان إحداها ليكون عنوانا للديوان " مدائن الفجر" .. وهكذا تجد العنوانات قد ترددت بين التشكيل الجمالي في القصائد : 3، 5، 8، 9، 10 ، والبناء الفكري في قصائد 1، 2، 4 ، 6 ، 7 ؛
    ثم تابع الشيخ الجليل فقال : لعلّ من أهم ما لفت انتباهي في الديوان وحاز إعجابي ورضاي ما تجسد فيه من مظاهر الجزالة والفخامة والفحولة والقوة اللغوية وشدة الأسر ودقة السبك التي سادت لغة الشاعر وسيطرت على أسلوبه وغلبت على أدائه .. وبذلك يبرز الشاعر في تقديري كقمة راسخة وشامخة من قمم الإبداع الشعري الأصيل .. وأينما يممت وجهك في قصائد الديوان ألفيت تلك المظاهر الفخمة والآثار الجزلة بادية ظاهرة للعيان بشكل لافت ومتميز .. ولعلي لست بحاجة إلى أن استشهد على هذه الظاهرة بعد أن طرحت لي أغلب جوانب الديوان فيما أسلفت من الحديث .. وبحسب القارئ أن يعيد قراءة ما سلف ، ويقلب النظر في تلك الأبيات ويتأملها ويتفحصها لتتجسد له بقوة ووضوح وجلاء كل تلك المظاهر من الفخامة والجزالة والفحولة اللغوية .. وإنني لأربأ بهذا المكان أو هذه المساحة التي نريد أن نشغلها بأمور أخرى أن نزحمها
    بما رويناه آنفا ، وبحسب القارئ أيضا ما سنورده عليه فيما يأتي من الحديث .. ونعتذر للقارئ وللشاعر أيضا .. ولعل من أهم الجوانب التي نودّ الوقوف عندها " التشكيل الجمالي والفني للصورة الشعرية في الديوان " والتي تعدّ من أبرز المظاهر التي تجسد جماليات اللغة عند هذا الشاعر.. وقد شاعت الصورة الفنية في الديوان شيوعا ظاهرا ، وتفشت فيه تفشيا ملحوظا .. والمتأمل في الصورة الفنية عند الشاعر يجدها على ضربين : الصورة السريعة الجزئية البسيطة والصورة الكلية المركبة ؛ وأدرك الشيخ الجليل أنني أهمّ بالحديث فسألني : ماذا تريد أن تقول ؟ فقلت : وأيهما يروقك ويعجبك أيها الشيخ الجليل ؟ وأيهما أبدع وأروع في تقديرك ؟ فقال : هذه وتلك تجسدان عبقرية هذا الشاعر الفذة في التصوير واقتداره البالغ في تكريس الإيحاء وتقريب المعنى وتوضيحه ؛ فقلت : لعل الشيخ الجليل يتحفنا ببعض تلك الصور لنتأملها ونتحسس مواطن الجمال وقوة الإيحاء وظهور الدلالة فيها . فقال : سأورد عليك بعض النماذج المحدودة من هاته الصور خشية الإطالة وتلافيا للاستطراد والتوسع ، معرضين عن سائرها حيث إن الوفاء بها جميعا أمر لا سبيل إليه في هذه العجالة ، وكما قيل في المثل : حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق " ! وقبل أن يأخذ في عرض النماذج المختارة من تلك الصور كشف عن شيء من منهج الشاعر في رسم الصورة وحشد الكثير منها في حيز واحد فقال : أنت ترى الشاعر في هذا الديوان وهو يرسم صوره ويدبج لوحاته الفنية يحرص على أن يثريها ويعددها لتأتي متقاطرة في نسق رائع عجيب وتستغرق طائفة من أبيات القصيدة على نحو ما نرى في هذه الأبيات من قصيدة " مدائن الفجر" :
    معلّق بين تا ريخي وأ حلامـــــي وواقعي خنجر في صد ر أ يا مــي
    أ خطو فيرتدّ خطوي د ون غايته وما بأ فقي سوى أ نقاض أ نغـــا م
    تناثرت في شعا ب الحلم أوردتي وفي د ما ئي نمت أ شجار أوهـا مي
    مد ا ئن ا لفجر لم تفتح لقا فلتــي والخيل .. والليل .. والبيداء قد ا مي
    تشدّ ني لمدا ر ا لجـدي أ سئلـــة يشبّــها سرطا نُ ا لحيرة ا لد ا مــي
    وتحتمي باستواء الريح أشرعتي وا لموج يقذ فني أ شلاء أ نســـا م
    أ د ور منقسما في غير دا ئـرتي ولست أ بصر إ لا ظلّ آ لا مـــــي
    وحين ينشب في الأيام رؤيتــــه يرى مرا يا المنى أ وها م أ قــــلا م
    وذي حد ودك بالنيران مضرمة وخلفها ا لناس ترعى مثلَ أ عنــا م
    فكم رُميت على الشطـآن يا وطنا ضاعت هويته في تيه آ كــــــــا م
    وكم سقتك سُلافَ الدرّ طا ئفــة من المجا نين عاشوا مثلَ أ نعـــــا م
    فأ ورقت بالمنا يا الحمر سا حتنا ولُوِّنت بد ماء الحرّ أ عـلا مـي ....
    ويبدو أن الشيخ أحس بالإطالة والإسراف في حشد كل هذه الأبيات من قصيدة واحدة فبادرني بالاعتذار قائلا: آثرت أن أروي لك كل هذه الأبيات ، وأحشد كل هاتيك الصور التي انتقيتها من هذه القصيدة للدلالة على ما يمتاز به هذا الشاعر المبدع من قدرة فائقة قادرة على تشكيل الصورة الشعرية وحشد مختلف العناصر الجمال والإبداع فيها محققا لها كافة المقومات الفنية .. ولك أن تتأمل أية صورة منها لتكتشف ما تعجّ به من جماليات فائقة وإبداع أخاذ .. ولك أن تتأمل على سبيل المثال الصورة الرائعة التي رسمها لنفسه في مطلع القصيدة مجسدة حالة انعدام الوزن التي كان عليها وهو يرصد تاريخه المجيد ويتأمل واقعه الأسود ، وما كان يملأ نفسه من أحلام الخلاص وآمال التحرر .. ثم تأمل كيف جعل واقعه المنكود خنجرا ينغرس في صدر أيامه .. وكل هذه المظاهر التجسيدية أو التجسيمية تكشف عن اقتدار الشاعر الفذ على تشكيل الصورة الفنية الفاتنة وحشد مختلف العناصر الجمالية فيها.. ثم تأمل كيف جعل الأنغام تغدو أنقاضا متهدمة .. كما جعل أوردته وشرايينه تتناثر في شعاب الحلم ، كما جعل أشجاره تنمو في دمائه .. وهو في كل هذه التشكيلات الفنية الجديدة يجعل الأنغام بناء شامخا ثم يغدو أنقاضا متهدمة متناثرة تتراكم طبقات بعضها فوق بعض .. وهكذا ترى الشاعر وهو يجعل الواقع الأسود الذي يعيش فيه خنجرا ، ويجعل للأيام صدرا ينغرس فيه ذلك الخنجر القاتل ، ويجعل للحلم شعابا متداخلة ، وفضاء تتناثر فيه أوردته ، كما يجعل الأوهام أشجارا تنمو في دمائه وتشربها ... ثم تأمل كيف جعل منذ البداية للفجر مدائن يجهد لولوجها ليتمتع بما تموج به من جمال وجلال وبهاء ولكنها تستعصي عليه وتتأبى فلا تتفتح له أبوابها .. ولك أن تتخيل ما ينطوي عليه من يأس مرير وقلق وإحباط وطول انتظار وترقب أملا في تغيير الواقع النكد الذي يعيشه ويعاني من ويلاته ومشكاله .. ثم تأمل هذا التمزق الذي يتجسد في صورة أخرى عبر تلك المصطلحات الجغرافية " مداري الجدي والسرطان وما يوحيان به من معاني التمزق والتشرذم التي يفيض بها واقعه وتتأذى بها نفسه وتتلون بها وجداناته ومشاعره .. وأي تشرذم وتمزق أقسى وأبعد من أن تشدّه الأسئلة المتراكمة التي تثور أمامه من جراء واقعه الأسود الكئيب وما يموج به من آلام وأحزان وآمال الخلاص والأحلام التي لا تنتهي إلى مدار الجدي عسى أن يجد ثمة ما يريحه ويبشر بالسعادة أو الراحة .. ولكنه سرعان ما ينجذب بشدة وعنف إلى ذلك المدار الآخر المصادم والمناقض وهو مدار السرطان حيث لا يجد جوابا أي جواب لتلك الأسئلة التي ثارت في أعماق نفسه ، بل لا يجد غير الحيرة القاتلة الفاتكة تمزق نفسه وتشتت وجوده .. وفي الحق أبدع الشاعر الصابر الفنان أيما إبداع في تشكيل هذه الصورة وتجسيد تلك الحيرة التي تنبعث منها وذلك التمزق الذي يفتك بصدره وهو لا يبصر إلا ظلّ ألامه بلفظة " السرطان " وإن وظفها توظيفا جغرافيا ظاهرا ، على سبيل التورية الجميلة .. ثم تأمل كيف جعل للآلام ظلاّ يرى ..

    ويواصل الشاعر الفنان تشكيل صوره الرائعة ولوحاته الفاتنة مستمدا عناصرها وملامحها وقسماتها من أشلاء نفسه الممزقة ، وأمشاج روحه المتناثرة فيرسم لوحة مركبة لذلك الطفل الذي يمضي في حياته ليلقى ما أعدّت الحياة له من آلام وكوارث ومتاعب لا تطاق ، وما أعدّه هو لملاقاتها وومجابهتها أو التعايش معها من آمال وآحلام وطموحات .. ولعلك يا صاحبي توافقني على ما ذهبت إليه من إبداعه وروعة تعبيره وتصويره وأنت تتأمل ذلك الطفل البريء الذي يتشبث بالحياة فينشب أظفاره في جسدها ليمزقها تمزيقا ذريعا عسى أن يجد فيها شيئا يقتات به ويقيم أوَدَه ويحقق له البقاء ، ولكنه لا يجد سوى طعام غريب غرابة واقعه النكد ، لا يسمن ولا يغني من جوع " طعام الآمال والأحلام والأماني الخاوية التي صنعها الوهم والخداع .. ثم تأمل يا صاحبي دقة التناسب بين " رؤيته " و" المرايا " ، كما تلحظ ما يحققه تجسيد المنى بالمرايا من جمال ظاهر عجيب ! ويلتفت الشيخ إليّ متوجسا مما أكون أحسست به من ثقل وإرهاق وعناء وملل وسأم مما أملى عليّ من أبيات وحلّل من صور وكشف من مظاهر جمالية ساحرة في تشكيلات شاعرنا الفنان .. فأبديت له ما وجدت في كل ذلكم من لذة ومتعة لم أكن أتوقعها أو أتخيلها .. ولم أجد إلا أن أستزيده من هذه الذخائر الرائعة البديعة .. فانطلق من جديد يغوص في أعماق تشكيلات الشاعر ليعرض عليّ أطرافا منها .. ثم قال " أريد أن أعرض عليك طائفة من التشبيهات الخلابة التي شكلها شاعركم الفنان وساقها في هذه الأبيات التي سأتلوها عليك لتتحسس ما تنطوي عليه من جماليات أخاذة وأبعاد نفسية ظاهرة .. حتى إذا بلغت ساحة الأمة ألفيناها تستحيل لوحة وارفة الظلال كثيرة الأوراق .. ولكنها أوراق حزينة بائسة ، أوراق غريبة استبدلت بصبغة الكلوروفيل الخضراء صبغة حمراء قانية استمدتها من " المنايا الحمراء "، ومنذ هذه اللحظة تسيطر على صوره وأفكاره الصبغة الحمراء ـ صبغة الماء النازفة ـ فقد اصطبغت أعلام الوطن وبنوده وراياته بدماء الأحرار الذي ضحَّوْا بأرواحهم في سبيله .. ثم تأمل اللوحة الأخيرة التي جسد فيها أمانيه وأحلامه بالتيه المتعدد الشعاب المتشابك المسارب التي تتناثر فيها أوردته وتنداح في دوائر متتابعة يذوب بعضها في بعض لتنتهي من حيث ابتدأت دون أن تحقق شيئا من تلك الآمال والأحلام .. ثم تأمل يا صاحبي تلك الأوهام التي تجذرت في نفسه وتطاولت حتى غدت أشجارا كبيرة ولكنها تخلو من كل أثر للحياة ، فلا أوراق ولا ظل ولا ثمر لأنها لم تنبت في أرض صالحة لتؤتي ثمارها وأكلها وجناها الطيب الشهي في كل حين ، بل نبتت في أرض سبخة لا يتوافر لها أبسط مقومات الحياة ، تربة دمائه النازفة !
    هكذا يا صاحبي تمضي مصوّرة هذا الشاعر الفنان الأصيل في تشكيل صوره ولوحاته موفرا لها كل ما أمكنه من طاقات فنية ، حاشدا ما طاع له من عناصر جمالية مبدعة !
    ومرة أخرى التفت إلي الشيخ الجليل متوجسا أن أكون قد استغرقني الملل والسأم من تحليلاته الفنية ليكف عن ذلك إذا أردت .. وما كان مني إلا أن تماديت في إطراء ما طرح وإعجابي الشديد به ، واستزدته منها بقدر ما يطيق .. فعقب على ذلك بقوله : إذن سأعرض عليك طائفة من الصور واللوحات الجميلة التي صورتها ملكة شاعركم الفنان المبدع وعسى أن تشاركني إعجابي بها وأن تكون كسابقاتها جمالا وفتنة وسحرا وخلابة .. من هذه الصور ما جاء في قصيدته " أعراس الشفق " (ص 18) حيث يقول :
    " ا لشيخ كالطود الأ شم يطلّ من برك الد ماء .. يهلّ في ثوب الإ باء
    سيف العقيد ة في يد يه يحزّ أعناق الطريق أمام من يلقي الصخور على ضياء القبلتين ..
    تنمو بعينيه الحقول المثمرا ت "
    فقد جعل هذا الشيخ الذي يضحي بروحه فداء لوطنه ودينه جبلا أشمَّ شامخا يطاول أجواز الفضاء .. كما جسد إباءه بالثوب أو الرد اء الذي يرتد يه ، كما جعل العقيد ة سيفا يتشبث به ويقبض عليه بكلتا يديه بقوة هائلة ليحزّ به رقاب الطريق التي تبدو موصدة في وجهه فيصرّ على اقتحامها ليصل إلى غايته التي نذر نفسه لها .. ولعلك تدرك ما حشد من عناصر متنوعة في لوحاته وصوره وما أقام بينها من علاقات .. وتتوالى صورهالتجسيدية في " ضياء القبلتين " ، وكذلك في عبارة " تنمو بعينيه الحقول المثمرات " !
    وغنيّ عن البيان أن مثل هذا التشكيل الفني البديع يؤكد اقتدار الشاعر الصناع على تشكيل الصورة الفنية وتركيب اللوحة وتوفير مختلف العناصر والملامح الجمالية لها .. وهذا ما جعل هذه الصورة تتقاطر بشكل لافت في قصائده الأخرى على شاكلةما نرى في قصيد ة " ملحمة الإيمان " (ص23) حيث يقول :
    عزفت على قيثا رة الهدْي أ لحا ني ويمّـمـت وجهي شطرَ د يني وإ يما ني
    وأ فرغت أ شوا قي بكأ س محبّتي ولي من هوى ا لمختا ر والربّ نوران
    وغـنـّـيـت للذ كـرى غـناء متيّــــم وقـبـّلـت نور ا لطهـر تقبيل هيمـــا ن
    وقد ذاب لحن الشوق في عمق خاطري فطا رت بي ا لأشوا ق للعا لم ا لفا ني
    فأ فنيت ذ ا تي في معا بد صفــوه وقد صرت روحا ترتدي ثوب إ نسـا ن
    أرأيت كيف أبدع هذا الشاعر الفنان في تدبيج هذه الصور الفاتنة حيث جعل " الهدى" قيثارة يعزف عليها ألحانه الشجدية العذبة ، كما خلع على دينه وإيمانه صورة مكانية ييمّم وجهه صوبها أو شطرها ، كما جسّد أشواقه في صورة " شراب " غريب سكبه في كأس غريبة هي " المحبة " وهو بكل ذلك يجسد الأشواق والمحبة ـ وهي أمور معنوية غير محسوسة تجسيدا استعاره من صورة " الشراب والكأس " وهي صور مادية محسوسة ؛ كما بنى صور بيته الثالث على المصدر / المفعول المطلق في " غناء متيم "، و" تقبيل هيمان ".. كما وفق في تجسيم " الطهر" في صورة " النور".. وفي تقبيل هذا التور إيحاء بديع وإبداع ظاهر لبنائه على التجسيم أو التشخيص .. كما جسد " الشوق" فجعله لحنا استعار له صورة حسية عندما جعله يذوب .. كذلك نراه يشخص الأشواق من خلال صورة طائر يطير به إلى عوالم بعيدة حيث تفنَى ذاته في تلك المعابد التي يؤمّها صفوة البشر !!
    وألفيت نفسي وأنا أتابع حديث الشيخ الشجي الماتع أتلهف لأمثال هاته الصور واللوحات الفاتنة التي أخذ يشرحها ويحللها تحليلا أمتعني غاية الإمتاع ، وخشيت أن يتوقف الشيخ بحة الخوف من الإملال ، فبادرته قائلا : لقد أمتعتني كثيرا بما طرحت من تحليلات فنية رائعة لتلك الصور المختارة ، وأظن أنها كل ما في هذا الديوان .. و.. وقبل أن أكمل قاطعني بقوله : إذا كانت هذه الصور واللوحات قد أعجبتك وراقتك ، فساعرض عليك طائفة أخرى من الصور الجميلة لا تقل عنها جمالا وسحرا وفتنة ، وما عليك إلا أن تصغي إليّ ولا يتسرب إلى نفسك شيء من الملل والسأم .. فما نحن إلا مرتادو جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها مرتين ، وامتلأت بكل ما تلذ به الأعين وتطيب الأنفس ، وما عليك إلا أن تسرح الخاطر في مفاتنها ورياضها لتستكنه طرفا يسيرا منها .. فشكرته وحمدت الله إليه أن أتاح لي هذه الفرصة السعيدة لألتقي بنماذج أخرى رائعة من مفاتن الصور .. ثم انطلق الشيخ يعرض صورا أخرى منها ما جاء في قوله :
    تمرّ الليالي لست أ د رك سرّهــا مرورَ سفين سا ر من غير رُبّــا ن
    وغرّد ت بالبشرى ليوم قد ومــه كما غرّد العصفور في قلب بستا ن
    ثم أردف ، سأتلو عليك طائفة أخرى من هذه الصور الجميلة وأترك لك تأملها وتحليلها كما يرق لك ليتجسد لك شيء من مفاتنها وسحرها وجمالها حتى لا أطيل عليك فأملّك وأنشر في نفسك السأم .. فقلت : ولكني متشوق لأسمع شيئا من تحليلك الجميل لها وأمتع نفسي بما تكشف لي من خباياها وأسرارها .. فقال : لا عليك ، فأنا جدّ واثق من تقديرك وفهمك ووعيك بما يغنيني عن الإسراف في التحليل ؛ وإليك بعض الصور الحلوة الرشيقة التي تناثرت في شعر صاحبكم الفنان:
    وعا نقت شهر الصوم وهو منا رة فذ ب الهدى بالنفس والنور وا فا ني
    وقا بلني القرآ ن يبسم ضا حكــــا فـعـا نـقـتـه حتى بنجوا ه أ فـنا نـــي
    بك العد ل في الأكوان أورف ظلُّه ولكنه فينا غـد ا شـبـــــْهَ عُــريـــا ن
    بك الحقُّ في الأرواح غرّد بالمنى ولكــنـه فـيـنـا ينـــوح بأ حــــزا ن
    بك الأمنُ في الألبا ب سار ضياؤه ولكــنـه فـيـنا فـــريســة ذ ؤبــــا ن
    بك ا لعلم كالنبرا س مزّق ظلمــةً ولكنه فـيـنـا غد ا نا ر عـــــد وا ن
    بك الحبّ قيثا ر بلحن الصفا شدا وفي عصرنا يمشي ببكـم وكـتـمــا ن
    وأنت ترى أن الشاعر قد بنى كل هذه الصور التي طرحها في الأبيات الخمسة الأخيرة على المقابلة بين المتناقضات : نحن والآخر بإزاء هذه المفردات الأساسية في الوجود هادفا إلى تجسيد الفوارق الهائلة بين " الآخر" الذي أفاد من أفكار وطروحات القرآن الكريم ، وبيننا نحن أبناءه الذين لم نفد من كنوزه الثمينة على نحو ما أفاد الآخر منها .. وهو بذلك يحاول تجسيد مساوئ الواقع الإسلامي وتخلف المسلمين في هذه المرحلة ..
    ووراء هذه اللوحات والصور التي سردناها تلقانا مجموعات أخرى منها في قصائد الديوان منها " حد يقة النور" و" شميس الحضارة " في قوله : (41)
    حد يقةُ ا لنور أ مست غا بةَ النار لا ظلَّ فيها ولا أ طلالَ قيثــــا ر
    شمسُ الحضارة في أرجائها انطفأت وقصةُ البعث عا د ت بَوْحَ تّــذ كار
    (يتبع)

  8. #8
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    ثم تأمل هذه اللوحة الفاتنة التي رسمها شاعركم المبدع لصيحة النبي صلى الله عليه في أصحابه يوم انفرط عقدهم وتمزق شملهم ، وتبددت جموعهم ، وانفضوا من حوله وتركوه قائما في المعركة يحوطه نفر قليل من أصحابه الذين أنفوا أن يخذلوه ويُسلموه لأعدائه ، فصرخ فيهم النبي بأعلى صوته يستنهض هممهم ويعيدهم إلى المعركة ليفوزوا بالنصر الموعود " أنا النبيّ لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب " !! وما إن تناهى صوته إلى أصحابه حتى هُرِعوا إليه وأجابوه وأخذوا يقاتلون الأعداء ببسالتهم المعروفة وثباتهم المشهود وحققوا النصر الأكيد .. لقد أُعجِب صاحبكم بهذا الموقف أو قل المشهد فأراد أن ينظمه شعرا فأتى بهاته الصور الماتعة الفاتنة حيث يقول في قصيدة " أين الطريق إليك : (ص 48)
    و" أ نا النبيُّ لا كذب " وأنا ابن عبـ ـــد المطلب " تتحد يا ن عــدا كــا
    هي صيحةٌ لك في حنين حـطّـمت جيشَ الغرور ، وخلّـد ت د عوا كا
    كا نت بسيف ابن الوليد مضـاء ة والنصر ظلُّ محا رب يهوا كـــــا
    وعلى ا لأ سنّة كان نور لهيبهـــا حِمَـمـًا تَشُـلُّ طريقَ من آ ذ ا كــــا
    وتنقّـلت عبرَ القرون صوا عقا سحقت حصون البغي وهْيَ صداكا
    أرأيت كيف استعار صاحبكم لهذه الصيحة المجلجلة قوة التدمير والتحطيم لتصبها على جيش الكفر والطغيان ، كما حقق لها صفة الخلود لدعوة النبيّ صلى الله عليه التي جاء بها وأُمر بتبليغها الناس .. وأريدك أن تتأمل موقف ابن الوليد من هذه الصيحة واستجابته السريعة لها فجعل سيفه يضيئها .. والتفت إليّ الشيخ من جديد متسائلا : ألا تذكرك يا صاحبي هذه اللفتة بشيء؟ فقلت : بلى يا شيخي الجليل ، إنها تذكرني بالموقف الآخر الذي وقفه ابن الوليد في" أحد" عندما انفض صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم عنه وانصرفوا ليجمعوا الغنائم بعد أن انهزم الأعداء ظنّا منهم أن المعركة انتهت ولم يبق عليهم إلا أن ينصرفوا إلى مغانمهم ، فاهتبلها ابن الوليد ـ المحارب المحنّك فرصة للانقضاض على المسلمين وإنزال الهزيمة المنكرة بهم عندما كان سيفه ينغمر في أطباق الكفر ويتدثر بمسوح الوثنية الجاهلية .. وتم له ما أراد ! فأردف الشيخ : لعلها كانت إعلانا جديدا لتوبة ابن الوليد وتكفيرا عن موقفه السالف الذي لم تطمئن نفسه إلى محوه منذ أن بايع الرسول وانخرط في صفوف المسلمين ليغدو سيفه " سيفَ الله المسلول " ، وليدير الدائرة اليوم على جيوش الكفر بهذا السيف البتار الذي أضاء بصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم !! كذلك نرى الشاعر الفنان يرصد هذه الصيحة وهي تنتقل عبر القرون صواعقَ تدمر وتحرق حصون الكفر والطغيان ، ولمّا تَـعْـدُ أن تكون صدى لصوت النبي الكريم المؤيد من الله ! وتابع الشيخ مشوار التصوير الفني في ديوان " مدائن الفجر" وأومأ إليّ أن أستمع لما سينشدني منها قائلا : إليك بعض هاته الصور التي جاءت في قوله من قصيدة " محمد ورحلة اليقين : (51)
    نورُ ا لهد ا ية في أعما قنا سُكِبــا وما ردُ ا لإثم عن أ روا حنا غَرَبـــــا
    كنّا حيا رى وموجُ ا لشكّ يُغرقنـا لا ا لإ ثمُ سا د ولا الإيمان قد غلبــــا
    فنحن صَرعَى رياحِ الشكّ ليس بنا إ لاّ بـقـا يـا يـقـيـن صا ر منتحِبـــــا
    نظـلُّ نبحثُ وا لأوها مُ تقتلنــــا وا لشكُّ يعصر حِســّـا با ت مضطربا
    وبينما نحن في لُجّا ت حيرتنـــا نصا رع الموجَ منا البحر قد غضبـــا
    نلقى ضيا ك رسولَ الله ينقذ نـا من ظلمة ا لشك إ ذ قد بدّ د السحبــا
    فقد جعل الشاعر المبدع الهداية نورا ينسكب في القلوب والأعماق فينير لها الطريق ، ويبدد الظلمات ، كما جعل الإثم والغواية ماردا يندحر منهزما عنالأرواح ، كذلك جعل الشك رياحا هوجاء تصرع الناس ، كما جعل للأوهام قدرة الفتك والقتل ، وللشك طاقة الهصر والعصر .. بل إنه جعل لليأس أسرابا تجوب أقطار الضلوع وأرجاء النفوس لتفتك بها وتنشر فيها اليأس والقنوط ، وجعل الحيرة لجّة ، كما جعل الناس يصارعون أمواج بحر الشكوك والأوهام !!
    وعقب على ذلك قائلا : أرأيت كيف يحرص هذا الشاعر الصناع على تكريس هذه الصور وتدبيج هذه اللوحات بما يوفر لها من طاقات الإبداع والفن ؟! ثم أردف : تأمل هاتين الصورتين لتحس اقتدارا عجيبا على تشكيل الصور واللوحات الشعرية : ( ص 55)
    وغرّدت مهجةُ الد نيا لمقد مكم فحين جئت إليها زد تها حسبـــــــا
    صببتَ فيها عطورَ الحب فا نبثقت أ فرا حها بعد ما أ نسيتَها ا لتعبـــــا
    فهو لم يكتف بأن جعل للدنيا مهجة فمضى يجعل هذه المهجة طائرا يطير بجناحيه ويجوب الآفاق مغردا ابتهاجا بمقدم هذا الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم ، كما جعل الحبّ عطورا يسكبها لتضمخ الكون ويفجر الفرح والسعادة في نفوس المؤمنين .. أما اليوم فقد تبدلت أحوال الناس وتغيرت نفوسهم فأصبحوا يرون الهدى اشلاء ممزقة وشظايا متناثرة ! وغدا طير البغي يحلق في فضاء الأقصى وهو آمن أن أحدا لن يعترضه ويعيق طيرانه وتحليقه :
    يا قد س طير البغي فيك يحلّــق والمسجد الأ قصى أ سير موثــــق
    ولكن ذلك إلى حين وستتبدل الأمور والأحوال ، و :
    سيهبّ كالإعصا ر كل موحـــد يُفـني الطغا ة .ز وللجنا ة يمـــــزق
    وعندئذ ستصير شهادة التوحيد مدفعا يقصف أعداء الله :
    وشها د ة التوحيد مد فعهم ود يــ ــن الله را يته عليهم تخــفـــــــــق
    وأردف الشيخ الجليل يقول : لقد أبدع صاحبكم الصابر للسفينة التي اتخذها رمزا ووسيلة للنجاة طائفة من الصور اللطيفة الممتعة التي تجسد عبقريته التصويرية بوضوح كما في قوله : (65)
    مزّقي ظلمة الخطوب وصُـدّي زحفَها ، وا حمي عزَّك ا لسرمــد يّْ
    وأ بيدي الطوفان في عنفوا ن يحسر الموج عن حما ك الفتــــــــيّْ
    واعصري العزم ثورة واحتسيها ثم شُـقّي طريقَك ا لأ بـــــــــــــد يّْ
    بدّدي اليأس من خطا ك وسيري نحوَ فجر ا لكرا مة ا لعبقـــــــريّْ
    قال السيخ الجليل " أرأيت إلى هاته الصور الرائعة وما حرص على توفيرها فيها من عناصرجمالية وملامح فنية ماتعة تجسد قدرته على التصوير وبراعته في تشكيل الصورة الفنية ؛ ثم أردف : وراء هاتيك الصور يا صاحبي سيل عرمرم من الصور الرائعة البديعة التي أتقن تدبيجها وتشكيلها لتخرج نابضة بالحركة والحياة مفعمة بالشعور والإحساس ينتظمها حس إسلامي رائق وراقٍ .. ولولا خشية الإطالة والسرف لمضيت أسرد طائفة أخرى منها تجسد الطاقات الإبداعية التي يختزنها شاعركم الفنان الصناع ، وتشهد بعبقريته الفذة في ها المجال الخصيب ! وبحسبنا ما أنشد ناكه منها فيما فرط من الدرس ، وإذا شئت فأمامك الديوان تنهل منه ما تشاء ، وتصيب منه ما تريد !

    ــ ا لبنــاء ا لموسيقي وا لإ يقـــا ع :

    والآن ، ما رأي مولانا الشيخ الجليل أن يمتعنا بدرس آخر حول هذا الديوان ؟
    فباد رني قائلا : لعلك تريد درسا في الموسيقا والإيقاع ؟!
    فقلت : هو ذاك ! أمتعك الله بالصحة والرشاد ، وحفظ عليك دينك وعقلك !
    فقال :على الرُّحب والسعة ؛ ولكن إياك أن يتطرق إلى نفسك شيء من الفتور من هذا الدرس ؛ فأنت تعرف مبلغ ثقله على النفس ، وسرعة ما يتطرق إليها من جرّائه من ملالة وسآم !
    فانبرى الشيخ الجليل يهدر بصوته الأجش تملأ الألفاظ أشداقه وكانه يسترجع حديث العروض الماتع الشهيّ الذي أفرط فيه في كثير من مصنفاته الراقية المتميزة كالفصول والغايات واللزوميات والصاهل والشاحج وغيرها .. وهو يقول : أظهر ما امتازت به قصائد هذا الديوان " مدائن الفجر" ذلك البناء الموسيقي الفخم ، والرصف المتوازن الدقيق ، حيث جاءت ثماني قصائد منه على الوزن العمودي الخليلي مستخدما أربعة أوزان هي " البسيط " في ثلاث قصائد هي 1، 5، 7 ، و" الكامل " في قصيدتين هما 6، 8 ، و" للخفيف " اثنتان أخريان هما 9، 10 ، وانتزع " الطويل" آخر القصائد العمودية وهي الرابعة " أقباس من ملحمة الإيمان " .. وأما ما تسمونه " شعر التفعيلة " أو " الحر" أو غير ذلك ، سامحكم الله ! فقد استأثر بقصيدتين هما "الثانية والثالثة " ، وكنت أتمنى أن تكونا من كفل الطويل شيخ الأوزان الخليلية ليأتي متعادلا مع البسيط على الأقل صنوه في الدائرة الأولى .. ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل ، وقاتل الله تلك المدعوة نازك الملائكة أو المدعو السياب على تنازع قصب السبق في اختراع هذا القريّ العجيب الذي ليته لم يكن ! ولكن تلك إرادة الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ! ومع ذلك فلا أكتمك سرا إذا قلت لك إنني وجدت فيه شيئا كثيرا من اللذة والمتاع تذكرت معه قالة شيخ العلماء والرواة أبي عمرو بن العلاء في موقفه المنكر والرافض لشعر المحدثن في عصره قياسا إلى شعر أسلافهم من فحول الجاهلية فقهرت النفس على قراءته وتقبل الجيد منه ورفض الرديء القميء البذيء ، وما أكثره في شعر الجماعة ! وليته لم يكن ! ومضى من جديد يحوقل ، ثم لم يلبث أن قال : فأما القصيدة الثانية منهما فجاءت منفلتة عن تفعيلة الخبب ـ ركض الخيل ـ " فعِْـلن " التي تقرّتها ؛ وأما الثالثة ، فقد جاءت منضبطة متوازنة حيث بنيت على تفعيلة " الكامل " "متفاعلن " ؛ أما قصائد صاحبكم العمودية فقد امتازت بوحدة الوزن والقافية ، وسلمت من ظاهرة المقاطع المتنوعة القوافي ، كما امتازت بالطول الظاهر، حيث جاءت أطولها قصيدة " أ قباس من ملحمة الإيمان " ذات الأقسام أو الفصول الثمانية ووقعت في واحد وثلاثين ومائة بيت وجاءت كما أسلفت على قريّ الطويل ذي الضرب الأول التام " مفاعيلن " مستخدما قافية النون المكسورة المسبوقة بردف الألف ، ثم تلتها في الطول قصيدة " السفينة والطوفان " التي وقعت في خمسين بيتا وثلاثة أبيات على قافية الياء الساكنة بعد إلغاء التشديد فيها ؛ ثم تلتها قصيدة " نقوش على جدران المسجد الأقصى " التي وقعت في ثمانية وأربعين بيتا على رويّ القافي المضمومة ، فقصيدة " محمد ورحلة اليقين " وهي السابعة في خمسة وأربعين بيتا على رويّ الباء المفتوحة ، فقصيدة " مدائن الفجر" في أربعة وأربعين بيتا على قافية الميم المكسورة المسبوقة بألف الردف ، ثم جاءت قصيدة " الطائر الحبيب "في واحد وأربعين بيتا على روي الهمزة المكسورة المسبوقة بالألف .. ثم تلت قصيدة " أين الطريق إليك " في تسعة وثلاثين بيتا على قافية الكاف المفتوحة المسبوقة بالألف ، ثم جاءت قصيدة " غابة النار" في أربعة وعشرين بيتا فقط على روي الراء المكسورة المسبوقة بالألف أيضا .. وينضح من هذا العرض أن الشاعر استخدم لكل قصيدة من قصائد الديوان قافية واحدة لم يكررها أو يستخدمها مرة أخرى مع قصيدة أخرى ؛ وهكذا استخدم ثمانية أحرف لقصائده الثماني .. كذلك حرص الشاعر الفاضل على استخدام القافية المطلقة التي تتيح له انفساحا في التعبير واستغراقا للإيقاع في سبع قصائد ، ثم استخدم المقيدة في قصيدة واحدة هي " السفينة والطوفان " ! وما أظن التقييد هنا جاء لتصوير حركة السفينة المقيدة بفعل الطوفان ؛ والتفت إليّ قائلا : لعلك لا ترى ذلك ، فالسفينة في الطوفان تندفع بأقصى سرعة بتأثير الطوفان ! فأومأت بالموافقة ! وأردفت : لعل الشاعر أراد ذلك من هذا الروي المقيد ! فقال الشيخ : ربما ؛ وتابع الحديث قائلا : المهم أن هذه القصيدة جاءت على الضرب الثاني من الخفيف التام وهو الضرب المحذوف " فاعلن " بإسقاط السبب الخفيف من آخر التفعيلة ؛ فأما الذي دفعه إليه فهو استخدامه الياء الساكنة رويّـا برغم تشديدها في جميع الأبيات كما أسلفت ، حيث إن إطلاقها أو تحريكها ــ وإن كان فيه إتمام للتفعيلة بزيادة السبب الخفيف المحذوف ــ يحدث في القصيدة اضطرابا شديدا وواسعا بسبب الإقواء في القافية وهو اختلاف حركة الرويّ كما تعلم ، فآثر انقطاع أو بتر الحركة على الياء وما يتبعه من انحباس النفس على تفشي الإقواء فيها ؛ وخيرا فعل ! فكل شيء يهون أمام الإقواء ! والتفت إليّ قائلا : لعلك تذكر إقواء فحول الشعراء الجاهليين أمثال النابغة الذبياني وبشر بن أبي حازم ، وما كان من أمر أهل المدينة " يثرب " وحديث القينة التي دفعوها لتنشد بعض أبياته التي ورد فيها إقواء للفت نظره إلى ما وقع فيه من عيب خطير، ففطن إليه ولم يعد ! وإذن فصاحبكم آثر السكون على نشر زوبعة الإقواء في القصيدة !
    ثم أردف الشيخ قائلا : بقي في الديوان قصيدتاه اللتان بناهما على ما تسمونه " التفعيلة " أو " الشعر الحر" ! وقد أسلفت أن إحداهما بناها بناء منفلتا غير منضبط ، وجاءت على تفعيلة الخبب " فعِْـلن " ، ومع أنه حرص على توحيد قافيتها " ياء النسبة المشددة المفتوحة " المتبوعة بهاء الوصل الساكنة ، ولكني لاحظت أنه لم يلتزم عددا منضبطا من التفعيلات في أبياته على الرغم مما بدا من حرصه على التسوية كما يظهر في بنية القصيدة وشكلانيتها .. وأردف قائلا : هذا المصطلح أو الاشتقاق لم يكن مستعملا على عهدنا ولم نعرف أن جيراننا الأعاجم كانوا يعرفونه كجيرانكم الذين استعرتموه منهم في زمانكم الرديء ! ما علينا ! المهم أن صاحبكم استخدم التفعيلة هنا استخداما منفلتا غير منضبط ، بمعنى أنه استخدم في بيته ــ آسف ــ سطره لأنكم تأبون إلا هذا الاستعمال في مثل هذا البناء ، عددا غير محدد من التفعيلات حيث جاءت أبيات الصفحة الأولى على هذا لنحو : 1 / 7 تفعيلات ، 2/ 9 تفعيلات ، 3/8 ، 4/ 10 ، 5/9 ، 6/7 ، 7/10 ، 8/10، 9/8، 10،10 .. وهكذا .. بل إن البيت الأخير جاء على إحدى عشرة تفعيلة .. وهذا يعني أن صاحبكم تأرجح كثيرا على أرجوحة الخبب فاقدا التوازن الدقيق الذي يمنعه من السقوط ، ويجنبه العثار ــ ومعذرة ! فضلا عن استخدامه بعض الصيغ الوزنية المستحدثة في هذه التفعيلة والتي لم تكن على زماننا .. وأما القصيدة الأخرى " أعراس الشفق "، فقد خلت من هذا الانفلات وتحقق لها بناء موسيقي تفعيلي متوازن ومنضبط لكون تفعيلتها " متفاعغلن " ، كما تفشت فيها آثار القثافية تفشيا ملحوظا والتي حرص عليها شاعركم حرصا ظاهرا وبشكل لافت في سائر شعره الضي اطلعت عليه !
    (يتبع)

  9. #9
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    التفت إليّ الشيخ قائلا : رأيت في الديوان ظاهرة أخرى تجسد الإيقاع فيه تجسيدا بعيدا ؛ فبادرت متسائلا : وما هي ـ متّع الله مولانا الشيخ الجليل ؟ فقال : تلك هي ظاهرة التكرار الذي حرص عليه صاحبكم حرصا بالغا في هذا الديوان وفي غيره من شعره .. بل لعلها من أشيع الظواهر الفنية والفكرية التي رأيتها في شعر هذه الطبقة الجديدة من شعرائكم .. ولعلك تذكر أن أحدا من شعرائنا ومن سبقنا لم يتطرق إلى هذه الظاهرة في أية قصيدة ربما لأنه لم يع ما وعيتموه يا سادة من أسرار التكرار ، فهنيئا لكم هذا الاكتشاف ! على أنني لاحظت أن التكرار عند صاحبكم ــ وربما عند غيره من شعرائكم ــ له وظيفتان : فكرية تتمثل في التركيز على فكرة معينة سعى إلى لفت النظر إليها ، وفنية إيقاعية لما تحققه من إثراء للإيقاع عن طريق التكرير.. وأنت تجده أحيانا يكرر البيت الواحد أو الأبيات الكثيرة كما وردت من قبل دون تغيير يذكر، وأحيانا كان يحدث فيها شيئا يسيرا من التغيير.. ومن شواهد التطرار عند هذا الشاعرما جاء في قصيدة " مدائن الفجر" حيث كرر هذه الأبيات الثلاثة مع شيء يسير من التغيير في خاتمتها :
    معلق بين تاريخي وأحلا مــــي وواقعي خنجر في صد ر أ يا مـــي
    تناثرت في شعاب الحلم أوردتي وفي د مائي نمت أ شجار أوهـــا مـي
    والسيف والرمح في كفَّيَّ من زمن لكنني لم أ غا د ر وقع أ قــــد ا مــــي
    وأنت ترى الشاعر وهو يعيد هذه الأبيات في خاتمة القصيدة يسعى إلى تكريس الفكرة التي اشتملت عليها وإن حققت قدرا ظاهرا من الإيقاع الناجم عن هذا لتكرير بطبيعة الحال .. وقد شاعت هذه الظاهرة كما أسلفت لك في هذا الديوان الذي بين أيدينا في جوانب أخرى منه نكتفي بالإشارة إلى مواضعها دون سردها مؤكدين ما حققته من تقرير للفكرة وإثراء للإيقاع : 21، 23، 38، 40، 44، 50، 60، 73..
    على أن هذا الإثراء للإيقاع في الديوان ظهر في جاني آخر تمثل في الضبغ البديعي الذي تفشى في جوانب كثيرة من الديوان كما في قوله في قصيدة المدائن : (ص 7)
    وفي انكسار المرا يا حُطِّمَت سُفُني وفي انحرا ف الزوايا غاب إقد ا مــي
    وذي خطاك بلا ريب يصاحبهــــــا وذي رؤا ك بلا لون وأ عــــــــــلا م
    وواضح أن الشاعر لم يكتف هنا بالبنية الموسيقية الأساسية للبيت القائمة على تفعيلات البسيط " مستفعلن فاعلن " التي قد تقسم الألفاظ في الجمل فأحدث ضربا من التقسيم بين العبارات التامة فيه : " وفي انكسار" = " وفي انحراف " ، و" المرايا " = " الزوا با " ، و" في انكسار المرا يا " مع " وفي انحراف الزوايا " .. ومثلها " وفي خطاك " مع " وذي رؤاك " ، وكذلك بإضافة " بلا ريب " و " بلا لون " إليهما إثراء آخر للإيقاع .. وهكذا لم يكتف الشاعر بالإثراء الإيقاعي الذي نتج عن الوزن البسيط ، بل أضاف إليه إثراء آخر عبر التقسيمات الموسيقية التي أحدثتها الحمل والعبارات التي انتقاها انتقاء لتحقيق هذه الغاية الموسيقية .. واقرأ قوله : (ص 54)
    وطالما شقيت أحلامه وقــســت أ يا مه ، وغد ا لا يعرف اللقبـــــــا
    فقد أحدث التقسيم الموسيقي في البيت إثراء ظاهرا للإيقاع بين " شقيت أحلامه " و " قست أيامه " سواء عند الوقوف على " شقيت " و" قست " ، وعند إتمام العبارتين .. وفي هذه القصيدة ذاتها نراه يحرص على إثراء الإيقاع فيها بين حمل الصدور في بعض الأبيات من خلال بناها اللفظية كما في هذه الصدور " وفي تواضعه أ سرا ر روعتـــه " ، " وفي تسامحه أسرار هيبته " ، " وفي تعاطفه أ سرا ر قوّته " .. وواضح ما حققته هذه العبارات المقسمة من إثراء للإيقاع ؛
    على أن الشاعر كان يمكنه في بعض الأبيات إثراء الإيقاع الموسيقي بيسير من التعديل لو أراد ، ولكنه كان يؤثر تركيبا معينا فيها يفضي إلى معنى محددا .. ونسوق لذلك مثلا قوله في المطلع :
    نور الهد ا ية في أعماقنا سكبـــا وما رد الإثم عن أ روا حنا غربـــا
    ويتجلى الإيقاع هنا من عدة مظاهر فيما وراء البنية الموسيقية لوزن البسيط : بين " في أعماقنا" و" عن أرواحنا " ، وبين " سكبا " و" غربا " ؛ ولو أراد الإيقاع وسعى إليه لأحدثه بين عبارتي " نور الهد اية " و" مارد الإثم " بتغيير طفيف في العبارة الثانية لتصير " ظلم الغواية " بيد أن ما أثبته الشاعر يحقق الغاية الفنية الإيقاعية ولا يحتاج مزيدا !
    ومهما يكن فمظاهر الإثراء في الإيقاع الموسيقي في الديوان ظاهرة يمكن للقارئ أن يحسها بيسر وسهولة سواء في ذلك الأوزان التي استخدمها والعبارات التي أحدث التقسيم فيها فأضفى عليها هالة موسيقية فاتنة ! وبدا على الشيخ الوقور سيماء عدم الرضا فتساءلت عن ذلك فقال :
    الذي يثير الحيرة أن هذا البناء الفخم الذي يلقانا في الديوان قد تشوبه شائبة انسربت إلى بعض جوانبه لسبب لا نعلمه فأحدثت فيه تشويها كنت أتمنى خلوّه منها ؛ فبادرت متسائلا ومستنكراأو مستغربا هذا الأمر : أيمكن أن يكون ذلك على ما ألفينا فيه من اقتدار وعبقرية وإبداع ؟!
    فقال الشيخ الجليل : هذا ما حدث ، ولا ندري سبب هذه العورة الموسيقية الإيقاعية التي سقطت وأفلتت من ميزان الشاعر الحصيف فلم يفطن لها وإلا لأصلحها بالتأكيد ؛ فميزانه الموسيقي متكامل ودقيق ويصلح لوزن الذهب ونفيس الجوهر، ألا يصلح لوزن العبارات أو الألفاظ ؟!!
    فتساءلت : وما هي هذه العورة التي أغضبت مولاي الشيخ الجليل ؟ فقال : هي تلك التي وقعت في بيته الذي جاء في قصيدة " السفينة والطوفان " : (ص 70)
    فا مضي يا سفينتي .. لا تقولـــي ما ت نوح وجفّ عطري ا لشــذ يّْْ
    فبادرت قائلا : لعل صاحبنا توهم فغفل عن تفعيلة الخفيف " فاعلاتن" التامة فجاء بها على " مفعولن " المنقلبة عن " فالاتن " بعد أن أصابها أو لحقها التشعيث وهو إسقاط العين من الوتد " علا " ! فقلت : لعله ظنّ أن التشعيث يمكن أن يصيب تفعيلة الحشو؛ فقال : أظن ذلك ، علما بأن التشعيث كما يقرر أصحابنا علماء العروض لا يلحق إلا تفعيلة الضرب والعروض في حالة التصريع ، ولا يلحق تفعيلات الحشو ، والله أعلم ؛ ثم تابع قائلا : على أن شاعرنا الحصيف كان يمكنه أن يصلح هذا العيب أو الفساد بتغيير هذه الكلمة بكلمة أخرى مثل" فارحلي" ليستقيم البناء الموسيقي فيه !
    ــ ا لا سترفا د / ا لتنــا ص :

    ما إن فرغ الشيخ الجليل من هذه الرحلة الموسيقية العروضية الماتعة حتى بادرت بالقول : ليأذن لي شيخي الجليل أن أعرض لأمر آخر تجلى في الديوان ؛ فقال : وما ذاك ؟ فقلت : شيء استحدثه معاصرونا يعرف بالتناص أو الاسترفاد أو الإحالة أو ... فقال الشيخ مبادرا : وماذا تقصدون بكل هذه الألفاظ ؟ فقلت : نقصد بها ما يجلبه الشاعر أو الكاتب من أقوال الآخرين ويفيد من نصوصهم في أدبه ؛ فقال ، إذن هو شيء قريب من التضمين في بعض معانيه أو الاقتباس !
    فقلت : أجل يا شيخي الجليل ، هو ذاك ! فعقب بفوله : لا شكّ أن هذا شيء طريف وجميل ، أن يرصد ما كان من أقوال الآخرين وما جاء من إبداعه الخاص ؛ ثم أردف : شوقتني إلى هذا الأمر فأمتعني به ! ثم قلت : من الظواهر الفنية اللافتة للنظر أيها الشيخ الجليل في شعرنا المعاصر وفي شعر صاحبنا الصابر ظاهرة الاسترفاد أو التناص حيث انتشرت في كثير من قصائده .. وقارئ الديوان يحس حرصا بالغا ومقصودا على هذه الظاهرة ، كما يدرك روعة التوظيف الفني والفكري لهذه النصوص الوافدة أو المجلوبة وقدرتها الفائقة على تكريس المعنى المراد أو الفكرة المطروحة .. وقد تنوعت استخدامات صاحبنا للنصوص المجتلبة ما بين آيات قرآنية كريمة ، وأحاديث شريفة وإشارات شعرية .. وكانت الغلبة لآيات القرآن الكريم ولا غرو ، فالديوان وبنيته الفكرية تقومان أساسا على هذا النهج الفكري الأصيل والقويم .. ولذا شاعت الآيات القرآنية والألفاظ الدينية فيه شيوعا ملحوظا .. ومن ذلك ما جاء في قوله :
    وقد قتل الإنسان في حمأة الهوى ومُدَّ ت له أ يدي الغرور ببهتــــا ن
    فأنكر قرآنا .. وأنكر ربّــــــــــه وفي أ ذ نه عن صيحة الحق كفّان
    ولكنما القرآ ن جاء بما ا دّ عى (ولا تسمع الصمَّ الد عاءَ) بإمعـا ن
    (ويخلق ما لا تعلمون) أما تَلَـوْا ففيها من الأسرار مليون برهـــا ن
    ( ألم تر أن الله يزجي) أما تَلَوا بلى ، لكن الأرواح مُسَّـت بطغيان
    ثلاثةُ آلاف من الجند وُكِّلـــــوا بإمرة جبريل .. فهم خير معــــوا ن
    وأوحى إله العرش للجند إ نني أ ظلّلكم .. فا حموا نبيّي .. وقرآ ني
    سالقي بقلب الكافرين سحا بة من الرعب تلقيهم بآبا ر خـــذ لا ن
    ألا فاضربوا أعناقهم في صرامة بلى ، واضربوا حتى البنا ن بإتقان
    فبادر الشيخ قائلا : ما شاء الله ، كأني بشاعركم يستحضر سورة الأنفال وغزوة بدر وما دار فيها من أحداث وما تنزل من قرآن .. بل إنني أرى صاحبكم استدعى بعض الآيات بتمامها .. ثم اردف : حبذا لو عرضت هذه الأمور عسى أن يجد فيها القراء شيئا من المتاع ؛ فقلت : سمعا وطاعة ! ومضيت أقول : حرص شاعرنا على توظيف النص القرآني في هذه الأبيات ، ففي البيت الأول يلقانا جزء من إحدى آيات سورة " عبس " وهو ذلك الدعاء على الكافرين : (قُتِل الإنسان ما أكفره ) على اختلاف الغاية ما بين القول القرآني وبين التوظيف الشعري وترددهما بين الدعاء والتقرير.. وتلقانا في عجز البيت الثاني إشارة أو تحوير لقوله تعالى : (جعلوا اصابعهم في آذانهم) " نوح "، ثم ضمن البيت الثالث جزءا من آية ترددت كثيرا في آيات كثيرة تصور إعراض المشركين عن دعوة الهدى التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم (يونس ، الأنبياء ، النمل، الروم، الزخرف ..) وكذلك ما جاء في صدر البيت الرابع من آيات تقرر قدرة الله على الخلق (النحل) ، كما ضم البيت الخامس جزءا من آية " النور 43) .. كما اشار إلى بعض جوانب من معركة بدر الكبرى فذكر المدد الإلهي من الملائكة الذين مدّ الله المؤمنين بهم لمقاتلة المشركين وما أوحى به إليهم من مساندتهم وتقتيل المشركين كما أشارت إلى ذلك سورتا الأنفال (9 ـ 12) ، وآل عمران (126) ..
    وفي قصيدة " السفينة والطوفان "، نجد فيما وراء الإضاءة التي تلا فيها " آية يونس 22" كثيرا من المفردات التي اجتلبها من أحداث قصة سفينة نوح عليه السلام من مثل " السفينة ، الطوفان ، الجودي ، الموج ، لا عاصم ، نوح ... وغير ذلك كثير ..
    كذلك نجده أشار إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما انفض المسلمون من حوله يوم حنين يدعوهم إلى اللحوق به ومواصلة القتال محمسا لهم للفتك بالعداء والثبات في المعركة " أنا النبيّ لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب " ! فقال الشاعر :
    و" أ نا النبيّ لا كذبْ ، وأنا ابن عبــ ــد المطلب " تتحدّ يا ن عد ا كا
    كذلك وجدت بعض الإشارات الشعرية التي وظفها الشاعر في بعض أفكاره كما في قوله :
    مد ا ئن الفجر لم تُفتح لقافلتي والخيل والليل والبيد اء قد ا مـــي
    والسيف والرمح في كفّيّ من زمن لكنني لم أ غا د ر وقع أ قد ا مــــي
    حيث اجتلب بيت المتنبي المشهور في قصيدته التي يعاتب فيها سيف الدولة ويهيب به أن ينتصر له من أعدائه قبل أن يتحول عنه إلى خصمه :
    الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطا س والقلم
    فعقب الشيخ قائلا : لعلك تذكر أن هذا البيت كان سببا في قتل المتنبي ! فقلت : أجل يا مولاي ، لقد همّ المتنبي أن يوجّه لجاام فرسه هربا من وجوه أعدائه الأسديين بعد أن كاثروه وأيقن بالموت ، فبادره أحد عبيده فذكره به ، فقال : قتلتني ، قتلك الله ! ثم لوى عنان فرسه وواصل القتال حتى قُتِل ؛ رحمه الله وغفر له ! فتنهّد الشيخ وعقّب بقوله : كان أبو الطيب عظيما في حياته وفي موته كما كان عظيما في شعره ! ثم اومأ إليّ أن أواصل الحديث فقلت : كذلك جلب صاحبنا المثل المشهور" كالمستجير من الرمضاء بالنار" ، بل إنه جلب البيت بتمامه وأودعه قصيدته " غابة النار" (ص43) .. ومن ذلك أخذه شطر البيت المشهور: " ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه " الذي ابتكره أبو العتاهية ولم يفطن إليه أحد إلى أن استولى عليه المتنبي فشاع وانتشر.. فعقب الشيخ قائلا : لعلك تذكر عجز بيت أبي العتاهية ! فقلت : أجل يا مولاي ؛ هو " ربّ امرئ حتفه فيما تمناه " ؛ وعجز بيت المتنبي هو " تجري الرياح بما لا تشتهي السفن " ! وهنا التفت إليّ الشيخ قائلا : أتدري يا بنيّ أن قول أبي العتاهية أصوب وأقرب إلى المعنى وألصق به من بيت صاحبي المتنبي ؟! فقلت : هو ذاك أيها الشيخ الجليل ؛ ولكن الرجل مجدود ، والشهرة قدر ، والقدر لا يغالب ! هكذا طار ذكر بيت المتنبي وشرّق وغرّب ورددته الألسنة ، وغرق بيت أبي العتاهية في تيه من النسيان !
    ــ المآ خذ والهنــا ت :
    وهنا بادرني الشيخ الجليل قائلا : لقد أمتعتني غاية الإمتاع بما عرضت من إشارات ثقافية مما التقطه شاعركم الفنان وأحسن توظيفه في ديوانه ؛ وقد حان دوري لأطرح بعض الملاحظات والمآخذ التي التقطتها من روايتك للديوان ، فأرجو أن يتسع لها صدر صاحبكم ولا يضيق ذرعا بها .ز فما هي إلا هنات هيّنات لا تجرح شاعريته ولا تطعن بعبقريته .. وليست أكثر من ضرب
    من المساجلة لا المناجزة ! من تلك المآخذ استعماله كلمة " رائي " مقابل " التلفزيون " أو "التلفاز" ؛ وقد علمنا أن أحد لغوييكم قد اقترحها ترجمة أو تعريبا لهذا المخترع العجيب الذي وجد عندكم في هذا العصر (ص 28) ؛ وصاحبكم في هذا الاستعمال يجاري رأيا لغويا ليست له وجاهة تذكر، وحبذا لو استخدم لفظا آخر مشتقا من اللفظ الأجنبي وهو " التلفاز" لذي يجري على البناء اللغوي العربي ويقبل الاشتقاقات المتنوعة : تلفز يتلفز تلفزة ومتلفز وغيرها .. فذلك يضيف لفظا إلى العربية ولا يفسدها ؛ وهي تتسع له كما اتسعت لأضرابه من ألفاظ أعجمية كثيرة وردت في القرآن والشعر والأدب واللغة الجاهلية أيضا .. على أننا نجد عند الشاعر في هذه القصيدة استخداما قافويا تحكم فيه تحكما جائرا حتى إنه لوى أعناق بعض الألفاظ ليّا غير رفيق كما في هذه الأبيات : ( ص 24 وما بعدها )
    كأ ن الليالــي لا تريد تسا ويــا ففي ا لقاع إ حدا ها ، وأخرى على ا لبا ن
    بها كعبة الأمجا د يشرق نورها وما تــبـزغ ا لأ مـجــا د إلاّ لفتيــــــــا ن
    فما قدرت يوما على سبرغورها وما أ د ركت يوما له أ يَّ عنــــــوا ن
    فأ نكر قرآ نا وأ نكر ربَّـــــــــه وفي أ ذ نه عن صيحة الحق كفــــــــا ن
    وإ ن حلّ ذا في القلب مزّق نوره وصا حبه أ عـمى وما فيه عينـــــــــا ن
    فقد عا د كالأ سماك يأكل بعضه ويحـرق بـ " ا لنا با لم " أ كبا د غزلا ن
    فقد تحكمت القافية في صاحبكم تحكا قاسيا وانصاع لها بغير وجه حق وهو الشاعر المقتدر الذي لا ينبغي أن تعجزه قافية أو تُلجئه إلى لفظ غير مناسب أو ضعيف أو فاسد .. ولكن يبدو ان طول القصيدة كان وراء ذلك أو بعضه .. ومهما يكن فقد كان بمكنته تغيير كثير منها بألفاظ أنسب وأقوى في الدلالة ، وإن وجدت منها ألفاظ تحقق مقاصد فكرية عميقة بالتأكيد كما في لفظ " كفان " مثلا التي تحقق قدرا ظاهرا من المبالغة التي ربما قصدها الشاعر فيما وراء القافية ، وهذه المبالغة قد لا تحققها " الأصابع " المستخدمة في التعبير عن هذا المعنى أو الفكرة كما في قوله تعالى : ( يجعلون أصابعهم في آذانهم ) البقرة .. وقوله تعالى : (كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشَوا ثيابهم وأصرّوا واستكبروا استكبارا) نوح.. أما إذا تجرد الاستخدام من قصدية المبالغة فلا نظنه قد وُفِّق فيه .. وإذا تأملنا الأبيات السابقة ألفيناه يستخدم في القافية ألفاظا ضعيفة وغير مناسبة ، وقد يجد غيرها أنسب منها ؛ وفيما وراء ذلك وجدناه يستخدم ألفاظا أقلّ مناسبة وكان يمكنه أن يستخدم ألفاظا غيرها أنسب منها .. ومن ذلك ما جاء في قوله : (25)
    وغرّد ت بالبشرى ليوم قد ومه كما غرّد العصفور في قلب بستا ن
    وحبذا لو استخدم بدلا من كلمة " قلب " كلمة " دوح " ؛ ومن ذلك ما جاء في قوله : ( 32)
    فأ صبح كالعشواء يحضن ليله وفي قلبه للنور أ عذ ب أ لحــــا ن
    وما نظنّ أن " الأعشى " و" العشواء" يطلقان على من فُفِئت عيناه كما أشار في البيت السابق لهذا ، بل يشيران إلى ضعف البصر وقلة الإبصار في الليل خاصة عند هبوط الظلام ، أو ضعف الإبصار في النهار أيضا كما تذكر المعاجم ؛ أما من فُقِئت عينه ـ إحدى عينيه فهو " أعور" ، ومن فقئت عيناه كلتاهما فهو " أعمى " ؛ وليس الأعشى أحدهما بطبيعة الحال ..
    ومنها أيضا قوله من هذه القصيدة نفسها :
    ولكن لد رب الظلم حتما نها ية ولا ظلمَ يبقى بين أ حضان إ نسا ن
    ولعل استخدام أي لفظ آخر من مثل " أحشاء " ، " أطواء" ، " أحناء" أ دق وأوفق من اللفظ المستعمل .. ثم اقرأ قوله منها :
    وإ ن طال حبل الشر لا بدّ بتره وللخير آ فا ق تموج بفرســـــــا ن
    فأنت تجد لفظ " بتره " غير مناسبة ولا دقيقة في استخدامها مع الحبل ، والأدق استخدام لفظ " جذّ ه " .. ومن هذا القبيل ما جاء في قوله :
    ومن المحبة أ ن تظـلّ قلوبنـا برضا ك مثمرة وعطر ند ا كـــــا
    ولو استخدم لفظا آخر من مثل " قطر نداكا " كما هو مستخدم في العادة ، أو " عطر شذاكا " ؛
    وحتى كلمة " فيض شذاكا" التي جاءت في بيت سابق حبذا لو استبدل بها كلمة " طيب شذاكا "
    على أن هذه النقدات ليست أكثر من رؤى خاصة للشاعر أن يقبلها ويأخذ بها ، وله أن يعرض عنها أو يطرحها أرضا مفنّدا لها ومؤيدا رؤاه الخاصة ووجاهتها .. وليتذكر صاحبكم أن القافية قادرة على أن تذلّ أعناق حبابرة النظم والشعر.. ولعلي أذكر له قولي من قصيدتي التي رثيت بها أبا حمزة الفقية اعترضتني القافية في أكثر من موضع وأربكتني وفرضت عليّ ما لا أقبله ولا أرتضيه ، ومن ذلك قولي :
    صا ح هذي قبورنا تملأ الرُّحــ ــبَ ، فأ ين القبور من عهد عا د ؟
    وأين عهد عاد من عهد آدم وما شهد من قبور لا تحصى ، وإن وجد فيه بعض أصحابكم دلالة على الكثرة التي لا يحيط بها حصر ، فإذا كانت القبور من عهد عاد غير موجودة فأحرى بالقبور من عهد آدم ألا توجد ولا يُرى لها أثر.. فهذه وتلك تدلان على الكثرة والشمول مما يجعلهما جائزتين ومقبولتين .. ولكن تأمل قيولي :
    ما نسيتُنّ هالكا في الأوان ا لــ ــخا ل أودى من قبل هُلك إ يـــا د
    فقد ألجأتني القافية الشرود إلى هذا اللفظ " إياد " لأستغني به عن " نوح " الذي ارتبط به نَوحُ الحمائم حزنا وأسفا على ذلك الفرخ الذي هلك على زمن نوح عليه السلام في الطوفان ، فظلت الحمائم تبكيه إلى يوم الناس هذا وإلى أن يشاء الله .. وأين إياد وهو أبو قبيلة عربية " من نوح أول الأنبياء ؟؟!! هذه يا صاحبي بعض لأواء القافية عندما تتأبّى على أمثالنا من الشعراء الفحول فلا تحزن ولا تأسى ! ولا يسعني هنا إلا الاعتذار عن تقحمي محراب هذا الشاعر الصابر المبدع وتطفلي على إبداعه المتميز !
    وهنا التفت إلي الشيخ الجليل وهو يهمّ أن يغادر إلى حيث منزله من الجنة إن شاء الله على أمل لقاء قريب في جولة أخرى مع أحداث وأشخاص " الغفران الجديد " ، وقال : وأنا في طريقي قبل أن تحضر إليّ التقيت أحد شعرائكم الذي يقول :
    لا تسـأ لوني ما اسمه حبيبي أ خشى عليكم ضوعة الطيــوب
    فيادرته بالتحية وقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : كما ترى ، فقد منّ الله عليّ بالجنة والمغفرة ! وكما قلت أيها الشيخ في غفرانك إن الله يغفر ما جلّ بما قلّ ؛ وهو الغفور الرحيم ! قلت : صدقت ولكن أخبرني كيف كان حساب الملكين معك منكر ونكير ؟ قال: ما إن وسدني القوم التراب وأهالوه عليّ وتركوني حتى وجدت شخصين ضخمين مربدّي الوجوه في أيديهما المرازب الثقيلة ، وسرعان ما أهويا بها على رأسي فشعرت كأن جبلا هائلا تهشم فوق رأسي ومادت بي الأرض وغشيتني غيبوبة لم أفق منها إلا على أصواتهما يسألانني من ربّي ؛ فتلعثمت وتلجلجت ولم أدر ما أقول لهما ؛ فبادراني بقولهما : الناس المنؤمنون في مثل هذا الموقف يقولون : نشهد أن الله هو ربنا ؛ أما أنت أيها الزنديق الآبق فتشهد أن لا ا مرأة إلا تلك العاهرة التي غيّرتك وسيطرت عليك إذن خذ هذه الضربة ، وقال الآخر : خذ هذه أيضا مني حتى تشهد أن لا إله إلا الله ؛ وظلاّ يتعاورانه حتى أدركته رحمة الله فنجا !
    وهنا ودعت الشيخ على أمل لقاء قريب به نتجاذب أطراف الحديث ونستذكر إبداعات الشعراء !
    وإلى أن نلتقي مع إبداعات هؤلاء الشعراء نتمنى لصاحبه وشيعته مزيدا من الإبداع والتفوق!
    (انتهى)
    خليل أبو ذياب

  10. #10
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب:
    دراسة تحليلية
    بقلم: أ.د. خليل أبو ذياب
    ***
    (1)
    يصحبنا اليوم في هذه الرواية القاص المبدع الأستاذ حسني سيد لبيب في رحلة ممتعة تستكشف قطاعا مهما من قطاعات المجتمع المصري عاشه القاص بوعيه وأحاسيسه ومشاعره وأبعاده الفكرية، محاولا أن يرصد هذا القطاع بكل ما له وما عليه ؛ وقد جاءت هذه الرحلة في أحدث ما أبدع الروائي الكبير "نفق المنيرة"؛ وهكذا يرى القارئ أن القاص يسجل لنا في هذه الرواية سيرة شعبية متكاملة لهذا القطاع الذي ارتبط بهذا النفق في المرحلة المتأخرة ، وقد امتدت هذه الرحلة على مدى زهاء ثلاثمائة صفحة، كان حريصا على أن يكشف لنا فيها جوانب متعددة من حيوات شخوصه وأبطال روايته. وقد حرص القاص منذ البداية على تحديد شخصية هذا " النفق"، وأبعاد المكان الذي دارت فيه أحداث الرواية مما يكشف عن أهمية المكان الذي اختاره عنوانا لروايته، كما كشف عن أبعاد الصلات المتنوعة بكل ما يسودها من تشابك وحميمية، أو تنافر وتضاد، والتي تربط ما بين شخوص الرواية؛ وقد استغرق هذا الجانب صحفا عديدة سجلت طرفا من ذكريات النفق المخزونة في ذاكرة بطل الرواية "حمزة" صاحب "الغرزة" التي اتخذها في زاوية من زوايا النفق . وقد غدا حمزة أشبه بالمؤرخ الذي يختزن كما هائلا من معلومات النفق وحكاياته وأخباره وعلاقات السكان الذين يرتبطون به. ومن هنا يمكننا منذ هذه البداية أن نقرر أن هذه الرواية ليست رواية شخوص وأحداثهم وعلاقاتهم بكل أبعادها وتطوراتها، بل هي رواية تشخيصية لهذه النفق الشامخ القابع في قلب القاهرة القديمة.
    وأول ما يكشف القاص عنه من أبعاد شخصية المكان "النفق" الأسماء والنعوت التي ارتبطت به؛ فهو "الجسر أو النفق كما اعتاد الناس أن يطلقوا عليه ، وتحديدا يشير إليه المارة من أهل المنطقة قائلين: "نفق المنيرة"، أو يختصرون الاسم إلى "النفق"؛ أما الوافدون من خارج المدينة ، فقد يسمونه: نفق إمبابة". وهو جسر تعبر فوقه القطارات الذاهبة والقادمة من الصعيد ؛ ثمة فرع عند بشتيل يتجه إلى الخطاطية وكوم حمادة في الوجه البحري ". /7 كما يلتفت القاص إلى جانب أو مظهر آخر من مظاهر وجوانب شخصية النفق من خلال ارتباطه بشخصية حمزة / البطل، الذي يرجع به إلى مرحلة النشأة على أيدي آبائه وأجداده ـ والد جده ـ منذ عشرات السنين ليحدثنا عن مشاركة هؤلاء الآباء والأجداد في أعمال الحفر لخطوط السكة الحديدية مع زملائه من عمال التراحيل / اليومية.
    وإذا كان ارتباط آبائه وأجداده ، أو قل والد جده بهذا النفق من خلال بنائه ومدّ خطوط السكك الحديدية أو قضبانها ، فإن ارتباط حمزة / الابن ، به يأخذ منحى آخر خاصا ومتميزا من خلال تلك الغرزة التي ابتناها من الخوص والخشب في موضع قريب من مدخل النفق لتكون مقهى يتردد عليه عمال التراحيل والمزارعين والبائعين الجوالين الذين يترددون على المنطقة المتوسطة بين الريف والمدينة للارتزاق ..
    كذلك لا ينسى القاص تلك العبارات التي كتبت على جدران النفق وما تحمل من إشارات تاريخية مهمة خاصة فيما يتصل بحرب بورسعيد سنة 1956 " العدوان الثلاثي على مصر " ، وكذلك الرصاصة التي استقرت في فخذ حمزة في أثناء تلك الحرب ، والتي ما تزال آثارها تغريه بين الحين والحين للكشف عنها وإطلاع الآخرين عليها إحساسا بما تركته من ذلك الوشم الذي يثير في نفسه قدرا ظاهرا من الفخر والاعتزاز والانتشاء !
    أما أحداث الرواية فيبدو أنها تدور في الفترة التي سبقت حرب 1967 ، ثم واكبتها دون أن تقف عندها وقفة مناسبة بصفتها ذات أثر بالغ الخطورة والأهمية في الحياة المصرية والعربية في هذه المرحلة ، حيث لم يذكر من أخبارها وأحداثها غير حكاية وصية مصطفى التي حملها رفيقه في الجبهة لزوجته بعد استشهاده . ومن هنا يستطيع القارئ أن يخمن الفترة التي وقعت فيها أحداث الرواية ببضع سنوات هي فترة الدراسة التي قضاها الشخوص في أواخر المرحلة الثانوية والجامعية فقط ؛ وما جاء مخالفا لذلك فهو من أثر الاستذكار والاسترجاع .
    وتتواصل مسيرة الملامح المميزة لشخصية " النفق " قديما وحديثا حيث يسترسل الكاتب في سردها وعرضها مستغرقا عدة صفحات من روايته (7 ـ 11) ، ثم يأخذ في عرض أحداث روايته ، أو قل شخوص روايته الكثيرة جدا والتي جعلت الرواية مجرد مجموعة من الفصول المتناثرة التي لا تجمعها أحداث عامة مشتركة ، حيث ارتبط كل شخص من شخوصها بحدث أو أحداث خاصة به لا تكاد تتصل بغيره اتصالا يؤكد وحدة الحدث والاشتراك فيه ، وإن لم يحرص الكاتب على إفراد فصل لكل شخصية من شخوص روايته يسرد فيه أحداثه وتطوراتها منذ البداية وحتى النهاية ، وإنما حرص على تشتيتها وبعثرتها في أنحاء الرواية وفصولها الكثيرة (51 فصلا) وهكذا نتبين أن الحبكة العامة في الرواية أو الحبكة الكلية للحدث المشترك بين الشخوص مفقودة لأن القاص تحول عنها إلى وحدة الحدث الخاص بكل شخصية من شخوصه ، ولم تكن وحدة عامة مستقلة وشاملة للرواية كلها بكافة شخوصها الذين يقومون بأدوار مستقلة في إطار الحدث الكلي العام للرواية .
    وقد كان هذا الأمر دافعا إلى تشتت ملامح الحبكة الروائية أو الوحدة الموضوعية للرواية على نحو ما سنرى ؛ وهذا ما جعل الرواية أشبه بفصول أو مذكرات ترتبط بشخوصها حيث يأخذ القاص في سرد أحداث بعضها ، ثم سرعان ما يتحول إلى غيره ليعرض طرفا من مشهد آخر من مشاهده وأحداثه ، ثم يتحول إلى شخصية ثالثة ليعرض مشهدا أو خبرا أو جزءا من حكايته .. وهكذا .. حتى إذا تذكر الشخصية الأولى كرّ راجعا ليعرض طرفا من فصول حكايته وهكذا دواليك .. ومن هنا تعددت الأحداث والفصول والحكايات في " نفق المنيرة " تعددا واسعا بحسب شخوصها التي أفرد لكل منها حكاية خاصة به فرقها بين فصول الرواية غير حريص على وضعها في فصل مستقل ربما بسبب ارتباط هؤلاء الشخوص ببعضهم وعلاقاتهم المشتركة وإن تفاوتت شخوص روايته تفاوتا واسعا من حيث الأهمية والتميز ؛ فكان منها المتميز الذي قد يرقى إلى مستوى البطولة ، كما كان منها الثانوي الذي لا يرقى إلى هذا المستوى ، وإن غلب هذا المظهر على كثير من شخوص الرواية بطبيعة الحال لكونها رواية مكان مشترك ولست رواية حدث مشترك ، حتى " حمزة " الذي يبدو أنه كان يمكن أن يكون محور أحداث الرواية أو قل حدثها الرئيس ، وإن حاول القاص أن يجعل منه شخصية رئيسة ، كان ارتباطه بأحداث الرواية ارتباطا خارجيا ولا يكاد يتميز عن ارتباط سائر الشخوص بها مما يجعلنا نميل إلى وصف الرواية بأنها رواية شخوص لا رواية حدث، وأنها غير محددة الحدث والشخوص ، بمعنى أنها لا تدور حول حدث محدد يشترك فيه سائر الشخوص، مما جعلها تبدو أشبه بالمذكرات أو الذكريات الخاصة بالشخوص الذين لا يربطهم فيها غير المكان "النفق" أو "نفق المنيرة"؛ ولعل هذا الأمر يذكرنا ربما بأقرب مثال في الساحة الروائية "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني، وكذلك برواية "ليالي ألف ليلة " لنجيب محفوظ وغيرهما كثير ..
    وإذا حاولنا تحديد ملامح الحبكة الروائية في " نفق المنيرة " لنتبين ما يسودها من تمزق أو تنوع وتباين فرضته البنية الروائية لشخوصها وما يرتبط بهم من أحداث مختلفة ، ألفيناها تبتدئ مع " حمزة " وهو يعرض أطرافا من ذكرياته عن النفق ، والغرزة التي اتخذها فيه ، ثم ظهور شخصية " سيد سبرتو" الفتوة الطاغية المستبد ليلتهم ما أعدته له حميدة بنت حمزة من طعام ، ليتحول المشهد من ثم إلى شخصين آخرين من شخوصها هما " فتحي " و" ثروت " في أثناء عودتهما من المدرسة ... وهكذا ...
    ومن ناحية أخرى حرص الكاتب على أن يجعل لكل شخصية من شخصيات روايته فصلا مستقلا ، أو قصة مستقلة لها بدايتها ولها نهايتها انطلاقا مما أشرنا إليه آنفا وقررناه وهو وحدة الحدث والقصة لكل شخصية من شخوص " النفق " وليس وحدة الحدث لسائر الشخوص فيها .
    وقبل أن نعرض لهذه القصص والحكايات الخاصة بالشخوص في الرواية نودّ أن نشير إلى ما يمكن أن يعدّ أهم أحداث الرواية ، أو الأفكار التي ارتبطت بها وهو حكاية الحلم الذي كان يتكرر بشكل لافت ومؤثر في حياة حمزة حينا بعد حين وهو "انهيار النفق"!
    وقد ابتدأ هذا الحلم منذ الفصل التاسع في الرواية حيث رأى حمزة فيما يرى النائم أن جدار نفق المنيرة تشققت أحجاره ؛ (ص53) ويستدعي القاص رؤيا مماثلة وقعت للعالم الأثري محمد نافع الذي كان يقوم بترميم قبة السلطان الغوري فرأى فيما يرى النائم جدرانها تتشقق وتنهار ؛ فهب من نومه فزعا مذعورا ، ونتوجّه إلى القبة ليجدها على حالها !
    وهنا يتبادر تساؤل عن حلم حمزة ، وما إذا كان قد وقع حقيقة على نحو ما وقعت رؤيا محمد نافع، أم أن القاص أراد أن يوظف تلك الرؤيا في روايته توظيفا جديدا ، فاستدعاها على هذا النحو المتميز! وكلا الأمرين جائز وممكن بالنسبة للقارئ ؛ أما بالمنسبة للقاص فقد يكون لديه رأي آخر! المهم أن حلم حمزة بانهيار النفق اتخذه القاص بمثابة العقدة أو الخيط الرفيع الذي يشد أحداث الرواية مذكرا بوحدتها التي سعى إليها حيث وجدناه يتذكر هذا الحلم حينا بعد حين عبر رؤى متكررة تعرض لحمزة في نومه لتقض مضجعه، وتعكر صفو حياته ، فتتكرر محاولاته لفت الأنظار إلى النفق وضرورة العمل على ترميمه لئلا ينهار !
    ونودّ أن نقف مع المشهد الأول لهذه الرؤيا كما قصها الكاتب في لنتبين طرفا من جمالياتها حيث يقول : " أشرقت شمس نوفمبر في الصباح، فتبدد ما رآه حمزة في منامه، كأنه غير مصدق. إنه مجرد حلم يتبدد في اليقظة، فخرج من بيته يتطلع إلى البناء الحجري، ينتصب في أوله وآخره أربعة أعمدة حجرية شاهدا على متانته.. ولشد ما عجب من أمر النفق الذي يتحمل قطارات تزن مئات الأطنان.. تعبر فوقه ليل نهار، فلا يكل ولا ينهار. سار بطول النفق من بدايته إلى نهايته.. توقف لحظات يتحسس بكفيه الجدار السميك. لم يلحظ تشققات ولا وجد كسرا. لا شيء يعتور النفق. بدا أمام ناظريه سليما معافى. ما رآه في المنام كذب في كذب. هاهي الحقيقة ناصعة ساطعة سطوع الشمس الدافئة في نوفمبر. إذن هو الحلم وإرهاصات الغافل عن الدنيا السابح في ملكوت الله. عجيبة هي الأحلام، ترينا فانتازيا تخلط بين الواقع والخيال.. قد تنبئ عما هو آت في مقتبل الأيام.. قد تكون الحاسة السادسة تُري المرء بشفافية تخترق كالأشعة حجب الغيب. تريه ما لا يراه بعينيه، ما لا يطوف بخياله" (54)
    ويحاول أحد شخوص الرواية " فتحي " تأويل الرؤيا بأنها ط ردّ فعل لكارثة التروللي باص الذي وقع في النيل ظهر الاثنين الأول من نوفمبر سنة 1965 " وما كان لها من آثار بالغة في نفوس الناس .(35) وهو تأويل يمكن أن يكون مقنعا لواقعيته وآثاره النفسية البالغة، وإن لم يقتنع به حمزة أو قل القاص نفسه لسبب آو لآخر لم يكشف عنه، وأبقاه قيد الاحتمال والتأويل ؛ وقد يمكن أن يكون بتأثير من رؤيا العالم الأثري محمد نافع حرصا منه على توظيفها في هذه الرواية في وضع مشابه إلى حد ما ، مما جعله يكرر مشهد الحلم في أكثر من موضع من الرواية : (الفصل 13 ، ص 77 ، الفصل 16 ص 91).
    وإذا لم تستمع الحكومة لصرخات حمزة ، ولم تستجب لتوسلاته بترميم النفق وإضاءته ، فقد بادر هو إلى ترميم الغرزة ليتخلص من وطأة هذا الكابوس المرعب ؛ (125) وبالفعل لم يعد يرى هذا الكابوس مرة أخرى ؛ وقد كان هذا التحول مصاحبا لتحول جذري آخر في حياة ابنته حميدة التي بدأت تظهر عليها أعراض الحمل بعد تأخر مثير للقلق استمر سنوات طويلة من الصبر والانتظار (149 وما بعدها).
    وهكذا استردّ النفق عافيته ، وكاد حمزة أن يتخلص من ذلك الكابوس الرهيب ! (157 ) ولكن يبدو أن هذا الكابوس كان يلاحق حمزة كلما ألمت به مصيبة أو محنة ، أو حلّ به سوء أو شرّ ، (224 ـ 225) بل إنه فسره بمرض حميدة ؛(259) ، حتى إذا قضت نحبها بعد الوضع عاوده الكابوس من جديد (270).
    أما التأويل الأخير لهذا الكابوس فكان في أعقاب نشوب حرب 67 وما أسفرت عنه من مآس مفجعة عبر عنها حمزة بقوله : " خفت على نفق صغير ، ولكني لم أتوقع هذا الزلزال يصيب مصر كلها"! (290).
    وإذا تركنا حكاية النفق وانهياره في رؤى حمزة ، لقيتنا حكايات أخرى للشخوص الذين حشدهم القاص في الرواية دون أن يكون لها أدنى ارتباط فيما وراء ارتباطهم المكاني بالنفق الذي يجمعهم كما يجمع سائر الناس الذين يقيمون في المكان أو يترددون عليه بين الحين والآخر؛ وقد كان يمكن القاص استدعاء شخوص آخرين وراء من ذكرهم ليرصد أطرافا أخرى من ملامح وجودهم وسيرهم وأخبارهم وسلوكياتهم المتباينة مما يمهد لطول ظاهر في الرواية، وسرد لأحداث وحكايات أخرى تتعلق بأولئك الشخوص لو أراد القاص حيث إن الحبكة الروائية لا ترفض ذلك بل تسمح به ما دامت الحبكة تدور في فلك القصة القصيرة أو الحكاية الخاصة بكل شخصية من شخصيات الرواية لاعتبارها شخصية رئيسة أو محورية، أو على الأقل مستقلة عن غيرها ولا ترتبط معها في الأحداث.
    ومن يتأمل شخوص هذه الرواية " نفق المنيرة " يجد لكل شخصية من شخوصها حكاية خاصة أو حدثا خاصا بها له بدايته وله نهايته ؛ وهذا يعني أن الكاتب كان يمكنه جمع هذه الأحداث والحكايات في أطر مستقلة ، أو مواضع خاصة لكل شخصية منها ؛ ولكنه فيما يبدو آثر إضفاء سمة الروائية عليها ، فوزعها هذا التوزيع الواسع ، أو قل التشتيت أو البعثرة غير المنطقية ، أو المجردة من التسويغ والتبرير ؛ ومن هنا فإننا سنقوم برصد أبعاد حكاية كل شخصية من شخصيات الرواية لنتبين ما اعتورها من تشتت وتمزق . وقد سبق أن أكدنا أن جميع شخوص رواية " نفق المنيرة " ثانويون بعد أن اعتبرنا الرواية رواية مكان لا حدث حيث انعدم الحدث الموحد فيها والذي يجمع سائر شخوصها المشتركين في صنعه وتطويره لبلوغ الذروة أو لحظة التوير أو النهاية الطبيعية ؛ وفي ضوء الوضع الراهن يمكننا أن نعدّ كل شخصية من شخوصها محورية ورئيسة بالنسبة لحدثها الخاص المرتبط بها ؛ وهذا يدفعنا إلى محاولة الوقوف عند الحدث الخاص بكل شخصية من شخوصها لنرصد أبعاده وتطوره وما ارتبط به من أحداث الرواية.
    (يتبع)

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
تصميم onlyps لخدمات التصميم