صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 11

الموضوع: نجيب محفوظ

  1. #1
    شاعر

    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    1,102
    رقم العضويه
    1181
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    [ALIGN=CENTER]نجيب محفوظ[/ALIGN]
    [ALIGN=CENTER][/ALIGN]
    [ALIGN=CENTER]&&&&&[/ALIGN]

    ولد نجيب محفوظ في 11 ديسمبر عام 1911 فى القاهرة . وهو الابن السابع في أسرة متعددة الأبناء. وهو الابن الوحيد في أسرة تنجب البنات. كما أن المسافة الزمنية، التي تربطه بأخته التي تصغره مباشرة تصل إلى سبع سنوات. وقد تربى نجيب محفوظ في جو أسري يسود فيه الرجل، وعلى الزوجة أن تطيع زوجها.
    حصل على ليسانس الفلسفة في عام 1934. وراح يعد نفسه للحصول على دكتوراه في علم الجمال، لكن ما لبث الأدب أن شده إليه. فراح يكتب القصص القصيرة ابتداء من عام 1936، حيث شجعه الكاتب المعروف سلامة موسى. وقد عمل محفوظ في العديد من الوظائف الحكومية. وبدأ حياته الروائية بنشر ثلاث روايات حول التاريخ الفرعوني. ثم لمعت موهبته من خلال الثلاثية التي انتهى من كتابتها عام 1952. ولكنه لم ينشرها إلا عام 1956. حيث أحجم الناشرون عن نشرها لضخامة حجمها.
    وفي الفترة بين عامي 1953 و 1959 تفرغ للعمل في كتابة السيناريوهات السينمائية. حيث اكتسب خبرة هامة في هذا المجال.
    تزوج نجيب محفوظ في عام 1955. ونال جائزة الدولة التقديرية ونشر رواية "أولاد حارتنا" في جريدة الأهرام فأثارت معارضة من الأزهر الشريف ، وتوقف نشرها بعد عدة الحلقات. وفي عام 1961 خرج الكاتب من مرحلة التأمل لينشر عددًا كبيرًا من الروايات من بينها " اللص والكلاب " و" الطريق " و" السمان والخريف "
    توقف عن الكتابة لمدة عامين عقب نكسة يونيو 1967وبعد ذلك عاد مرة اخرى من خلال مرحلة جديدة. حيث غرق في التشاؤمية، والرمزية. ثم ما لبث الصفاء أن عاد إلى كتابته مع بداية السبعينيات. وقدم روايات هامة من طراز " الحرافيش " و" رحلة ابن فطوطة" وغيرها.
    يقول عنه الناقد الفرنسي دانييل ريج إنه حتى عام1970 كان القارئ الفرنسي لا يعرف محفوظ قط، في نفس الوقت الذي وصل فيه إلى قمة مجده وشهرته في وطنه العربي. وفي تلك السنة ترجمت رواية " زقاق المدق " إلى اللغة الفرنسية. وأحس القارئ الفرنسي أنه أمام كاتب من طراز فيكتور هيجو، وبلزاك، وفلوبير.
    فى عام 1988 حصل نجيب محفوط على جائزة نوبل فى الادب كأول عربى يفوز بهذة الجائزة العالمية فى مجال الادب وثانى مصرى يفوز بجائزة نوبل عموما بعد الرئيس الراحل انور السادات الذى حصل عليها فى السلام.
    الجدير بالذكر أنه في الكتاب الضخم الذي أعده جيس بوييه عن الفائزين بجائزة نوبل، فإن نجيب محفوظ هو الكاتب الوحيد الذي حظي بعدد أكبر من الصفحات المكتوبة عنه، أكثر من كل الآخرين الذين فازوا بالجائزة. بل وأسند بوييه إلى كاتبين ينتميان إلى ثقافتين مختلفين لكتابة دراستين تعريفيتين عن محفوظ. وهو بذلك يكون الوحيد الذي حظي بهذا الاهتمام في ذلك الكتاب. حيث كتبت الناقدة الأردنية سلمى الخضراء الجيوشي مقالا عن جائزة نوبل للأدب العربي، أما دانييل ريج فقد كتب تعريفًا وتحليلا عن الكاتب. ويعتبر نجيب محفوظ هو الكاتب الأوحد من بين الحاصلين على نوبل الذي تعرض للاغتيال على يد أحد المتطرفين بسبب آرائه الواردة في رواية " أولاد حارتنا". يبلغ نجيب محفوظ من العمر الان تسعون عاما ومازال يفيض ادبا.
    المصدر : الانترنت
    ثقوا بالماء يا سكـّان أغنيتي
    al_nhar@hotmail.com

  2. #2
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    سيرة نجيب محفوظ الأدبية


    القاهرة: "الشرق الأوسط" 11/12/2001م:
    اسمه الكامل نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا. ولد في يوم 11 ديسمبر (كانون الأول) 1911 بحي الجمالية، 8 حارة درب قرمز ـ ميدان بيت القاضي ـ القاهرة، كان أبوه موظفاً بسيطاً، ثم استقال واشتغل بالتجارة وكان له أربعة إخوة وأخوات، في الرابعة من عمره ذهب إلى كتاب الشيخ بحيري، وكان يقع في حارة الكبابجي، بالقرب من درب قرمز. التحق بمدرسة بين القصرين الابتدائية وبعد أن انتقلت الأسرة عام 1924 إلى العباسية، 9 رضوان شكري، حصل على شهادة البكالوريا من مدرسة فؤاد الأول الثانوية، والتحق بكلية الآداب، قسم الفلسفة. نشر أول مقال له شهر أكتوبر (تشرين الاول) 1930 وكان بعنوان (احتضار معتقدات، وتولد معتقدات)، وعندما كان في السنة الثانية، قام بترجمة كتاب مصر القديمة لـ"جيمس بيكي".
    أتم دراسة الفلسفة عام 1934 وكان ترتيبه الثاني على الدفعة، وعقب تخرجه، عين كاتباً في ادارة الجامعة، وبقي فيها حتى عام 1938، التحق بالدراسات العليا فور تخرجه، وبدأ يعد لرسالة الماجستير التي كان موضوعها (مفهوم الجمال في الفلسفة الاسلامية) تحت اشراف الشيخ مصطفى عبد الرازق.
    نشر أول قصة قصيرة له بالمجلة الجديدة الأسبوعية الصادرة يوم 3/8/1934 بعنوان (ثمن الضعف).
    عمل سكرتيراً برلمانياً بوزارة الأوقاف من 1938 حتى 1945. وحصل على جائزة قوت القلوب الدمرداشية عن رواية "رادوبيس" عام 1943. وفي عام 1944 حصل على جائزة وزارة المعارف عن رواية "كفاح طيبة"، ثم حصل على جائزة مجمع اللغة العربية عام 1946 عن رواية "خان الخليلي"، انتقل للعمل بعد ذلك بمكتبة الغوري بالأزهر، ثم نقل للعمل مديراً لمؤسسة القرض الحسن بوزارة الأوقاف حتى عام 1954. تزوج في نفس العام 1954، وأنجب بنتين هما : أم كلثوم، وفاطمة. عمل مديراً لمكتب وزير الارشاد، ثم مديراً للرقابة على المصنفات الفنية في عهد ثروت عكاشة، حصل على جائزة الدولة في الأدب عن رواية "قصر الشوق" عام 1957، عمل مديراً عاماً لمؤسسة دعم السينما عام 1960، وبعدها عمل مستشاراً للمؤسسة العامة للسينما والإذاعة والتليفزيون عام 1962،حصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام 1962، وعين رئيساً لمجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما في اكتوبر 1966. حيث عين مستشاراً لوزير الثقافة لشؤون السينما عام 1968 وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1970 وأحيل إلى المعاش في نوفمبر (تشرين الثاني) 1971 حيث انضم إلى مؤسسة الأهرام وعمل بها كاتباً وحصل على جائزة التضامن الفرنسية/العربية عن روايته الكبرى "الثلاثية". حصل على جائزة (نوبل) العالمية للآداب عام 1988، ليصبح أول أديب عربي ينالها وذلك عن مجمل أعماله مع تنويه خاص برواية "أولاد حارتنا".
    * أعماله:
    * (مصر القديمة ـ كتاب مترجم 1932)، (همس الجنون ـ مجموعة قصصية ـ 1938)، (عبث الأقدار ـ رواية ـ 1939)، (رادوبيس ـ رواية ـ 1943)، (كفاح طيبة ـ رواية ـ1944)، (القاهرة الجديدة ـ رواية ـ 1945)، (خان الخليلي ـ رواية ـ 1946)، (زقاق المدق ـ رواية ـ 1947)، (السراب ـ رواية ـ 1948)، (بداية ونهاية ـ رواية ـ 1949)، (بين القصرين ـ رواية ـ 1956)، (قصر الشوق ـ رواية ـ 1957)، (السكرية ـ رواية ـ 1957)، (أولاد حارتنا ـ رواية ـ 1967)، (اللص والكلاب ـ رواية ـ 1961)، (السمان والخريف ـ رواية ـ 1962)، (دنيا الله ـ مجموعة قصصية ـ 1962)، (الطريق ـ رواية ـ 1964)، (بيت سيئ السمعة ـ مجموعة قصصية ـ 1965)، (الشحاذ ـ رواية ـ 1965)، (ثرثرة فوق النيل ـ رواية ـ 1966)، (ميرامار ـ رواية ـ 1967)، (خمارة القط الأسود ـ مجموعة قصصية ـ 1969)، (تحت المظلة ـ مجموعة قصصية ـ 1969)، (حكاية بلا بداية ولا نهاية ـ مجموعة قصصية ـ 1971)، (شهر العسل ـ مجموعة قصصية ـ 1972)، (المرايا ـ رواية ـ 1972)، (الحب تحت المطر ـ رواية ـ 1973)، (الجريمة ـ مجموعة قصصية ـ 1973)، (الكرنك ـ رواية ـ 1974)، (حكايات حارتنا ـ رواية ـ 1975)، (قلب الليل ـ رواية ـ 1975)، (حضرة المحترم ـ رواية ـ 1975)، (ملحمة الحرافيش ـ رواية ـ 1977)، (الحب فوق هضبة الهرم ـ مجموعة قصصية ـ 1979)، (الشيطان يعظ ـ مجموعة قصصية ـ 1979)، (عصر الحب ـ رواية ـ 1980)، (أفراح القبة ـ رواية ـ 1981)، (ليالي ألف ليلة ـ رواية ـ 1982)، (رأيت في ما يرى النائم ـ مجموعة قصصية ـ 1982)، (الباقي من الزمن ساعة ـ رواية ـ 1982)، (أمام العرش ـ حوار بين حكام مصر ـ 1983)، (رحلة ابن فطومة ـ رواية ـ 1983)، (التنظيم السري ـ مجموعة قصصية ـ 1984)، (العائش في الحقيقة ـ رواية ـ 1985)، (يوم قتل الزعيم ـ رواية ـ 1985)، (حديث الصباح والمساء ـ رواية ـ 1987)، ( صباح الورد ـ مجموعة قصصية ـ 1987)، (قشتمر ـ رواية ـ 1989)، (الفجر الكاذب ـ مجموعة قصصية ـ 1990)، (أصداء السيرة الذاتية ـ 1996)، القرار الأخير ( مجموعة قصصية 1997 )، صدى النسيان ( مجموعة قصصية 1998 )، ( فتوة العطوف 1999 ).
    * دراسات عن أعماله:
    * (ثلاثية نجيب محفوظ ـ للأب جومييه ـ ترجمة د. نظمي لوقا ـ 1959)، (المنتمي ـ د.غالي شكري ـ 1964)، (قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ ـ د.نبيل راغب ـ 1967)، (دراسة في أدب نجيب محفوظ ـ د. رجاء عيد ـ 1974)، (قراءة الرواية) د.محمود الربيعي ـ 1974)، (الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ ـ د.سليمان الشطي ـ 1976)، (الإسلامية والروحية في أدب نجيب محفوظ ـ د. محمد حسن عبد الله ـ 1978)، (نجيب محفوظ.. الرؤية والأداة ـ د. عبد المحسن طه بدر ـ 1978)، إبراهيم فتحي ـ دار الفكر المعاصر ـ 1978، (نجيب محفوظ.. يتذكر ـ جمال الغيطاني ـ 1980)، (بناء الرواية ـ د. سيزا قاسم ـ 1984)، (عالم نجيب محفوظ من خلال رواياته ـ د. رشيد العناني ـ 1988)، (الفن القصصي بين جيلي طه حسين ونجيب محفوظ ـ د. يوسف نوفل ـ 1988)، (نجيب محفوظ وتطور الرواية العربية)، د. فاطمة موسى ـ هيئة الكتاب ـ 1999، ( العالم الروائي عند نجيب محفوظ)، إبراهيم فتحي ـ دار الفكر المعاصر ـ 1978، ( التشكيل الروائي عند نجيب محفوظ : دراسة في تجليات التراث)، د. محمد أحمد القضاة ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ عمّان ـ (2000) .
    * كتاب كتبوا عنه:
    * د. طه حسين، يوسف الشاروني، إبراهيم فتحي، مصطفى اللواتي، د. ناجي نجيب، نبيل فرج، د. شاكر النابلسي، حسن البنداري، رجاء النقاش، يحيى حقي، د. محسن جاسم الموصلي، د.علي الراعي، رشدي صالح، أحمد عباس صالح، د. لويس عوض، محمود أمين العالم، توفيق حنا، د. غالي شكري، د. محمد غنيمي هلال، د. صبري حافظ، أنور المعداوي، ثروت أباظة.
    * ناشرو أعماله:
    * شجعه الكاتب الراحل سلامة موسى، فنشر له في المجلة الجديدة، ومجلة الرواية، ثم نشر له رواية (عبث الأقدار).
    * اقترح الأديب الراحل عبد الحميد جودة السحار تكوين لجنة لنشر أعمال الأدباء، وهي التي أصبحت تعرف في ما بعد باسم "مكتبة مصر"، وقد نشرت له كل أعماله.
    * الرواية الوحيدة التي نشرت بالخارج هي رواية (أولاد حارتنا)، إذ نشرت في دار الآداب ببيروت عام 1967م.
    * نشرت روز اليوسف في سلسلة "الكتاب الذهبي" رواية (خان الخليلي) عام 1952.
    * نشرت أخبار اليوم رواية (ثرثرة فوق النيل) عام 1981.
    * أعماله التي تحولت إلى أفلام سينمائية:
    * بداية ونهاية ـ خان الخليلي ـ زقاق المدق ـ السراب ـ اللص والكلاب ـ بين القصرين ـ قصر الشوق ـ السكرية ـ السمان والخريف ـ الطريق ـ الشحاذ ـ القاهرة 30 ـ ثرثرة فوق النيل ـ ميرامار ـ الحب تحت المطر ـ الكرنك ـ وصمة عار ـ الحرافيش ـ فتوات بولاق ـ المطارد ـ شهد الملكة ـ الجوع ـ أصدقاء الشيطان ـ التوت والنبوت ـ عصر الحب ـ أميرة حبي أنا ـ دنيا الله ـ الشريدة ـ المذنبون ـ أهل القمة ـ الشيطان يعظ ـ الخادمة ـ أيوب ـ الحب فوق هضبة الهرم.
    * كتاباته المسرحية وروايات أُخرجت مسرحياً:
    * كتب محفوظ المسرحيات التالية: يميت ويحيى ـ التركة ـ النجاة ـ مشروع للمناقشة ـ المهمة ـ الجبل ـ الشيطان يعظ.
    * ورواياته التي قدمت للمسرح هي :
    * زقاق المدق ـ بداية ونهاية ـ بين القصرين ـ قصر الشوق ـ اللص والكلاب ـ الجوع ـ (قهوة التوتة) ـ خان الخليلي ـ روض الفرج ـ ميرامار ـ تحت المظلة.
    * مقاهي نجيب محفوظ بالقاهرة
    * مقهى عرابي بالعباسية ـ مقهى الفيشاوي ـ مقهى الفردوس ـ مقهى قشتمر ـ مقهى سفنكس ـ كازينو الأوبرا ـ مقهى زقاق المدق ـ كازينو السكاكيني ـ مقهى أحمد عبده بالحسين ـ مقهى ريش ـ مقهى علي بابا ـ كازينو كليوباترا ـ كازينو قصر النيل ـ مقهى لونا بارك.
    * مقاهي نجيب محفوظ بالاسكندرية
    * كازينو بترو بالاسكندرية ـ كازينو الارميتاج ـ كازينو الشانزليزيه ـ كازينو سان استيفانو ـ مقهى ديليس ـ كازينو البيتش كلوب ـ كازينو الكونكورد.
    * أعماله المترجمة:
    * إلى الإنجليزية: ـ السمان والخريف ـ الشحاذ ـ بداية ونهاية ـ زقاق المدق ـ ميرامار ـ حضرة المحترم ـ الطريق ـ اللص والكلاب ـ دنيا الله ـ مجموعة قصص ـ أولاد حارتنا ـ المرايا ـ بين القصرين ـ قصر الشوق ـ السكرية ـ يوم قتل الزعيم ـ ثرثرة فوق النيل ـ أفراح القبة.
    * إلى الفرنسية: ـ اللص والكلاب ـ بين القصرين ـ قصر الشوق ـ زقاق المدق.
    * إلى الألمانية: ـ زقاق المدق ـ ثرثرة فوق النيل ـ بين القصرين ـ أولاد حارتنا.
    * إلى الصينية: ـ بين القصرين ـ قصر الشوق ـ السكرية ـ زقاق المدق ـ اللص والكلاب ـ بداية ونهاية ـ الحرافيش ـ الشحاذ ـ الكرنك ـ رادوبيس.
    * إلى السويدية: ـ زقاق المدق ـ ثرثرة فوق النيل ـ بين القصرين ـ أولاد حارتنا ـ قصر الشوق ـ السكرية.
    * إلى لغات أخرى منها : ـ الروسية ـ الايطالية ـ البولندية ـ الاسبانية ـ اليابانية.
    * كتب عن حياته:
    * نجيب محفوظ، الطريق والصدى: ـ د. علي شلش ـ هيئة قصور الثقافة ـ 1993: يتناول رحلته الطويلة مع الكتابة، وتنوع مسالكه، وأبرز الدراسات والتقسيمات التي اجتهد الباحثون في وضعها، من خلال ثلاث مراحل عند نجيب محفوظ هي : البحث عن الطريق / الطريق / الصدى.
    * إسلاميات نجيب محفوظ : د. محمد حسن عبد الله ـ هيئة قصور الثقافة ـ 1994: يرد الكتاب على المشككين في عقيدة نجيب محفوظ من خلال أعماله الإبداعية، ومن خلال مقتطفات متعددة من حواراته، ويتعرض لرواية أولاد حارتنا بالتحليل الموضوعي مناقشاً قضايا الوجود والحرية والجبر والاختيار وغيرها.
    * أساتذتي ـ نجيب محفوظ : إعداد : إبراهيم عبد العزيز ـ ميريت للنشر والمعلومات ـ القاهرة ـ 2001: يقدم الكتاب أسماء تأثر بفكرها نجيب محفوظ في مراحل مختلفة من بداياته أبرزها طه حسين وتوفيق الحكيم ويحيى حقي وسلامة موسى، وحسين فوزي والشيخ مصطفى عبد الرازق، والتقاطعات الفكرية التي أحدثها مع نتاجاتهم وحضورهم البارز في الحياة الثقافية المصرية.
    * نجيب محفوظ : رجاء النقاش ـ الأهرام ـ 1999: الكتاب عبارة عن عدة حوارات مطولة أجراها المؤلف مع نجيب محفوظ، تناولت أبرز القضايا في أدبه وفكره منذ بداياته وانتهاء بأزمات جائزة نوبل ورواية أولاد حارتنا ومحاولة اغتياله، وعلاقته بالثورة وعبد الناصر، ولماذا كان يرفض النموذج الاشتراكي الذي قدمته الثورة، وأسرار تعاطفه مع محمد نجيب وانحيازه في الماضي لحزب الوفد.
    * في حب نجيب محفوظ: ـ رجاء النقاش ـ الشروق ـ 1995: مزيج من الدراسة الأدبية والسيرة الذاتية المتعلقة برؤى نجيب محفوظ للإبداع والحياة.

  3. #3
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    علاقة نجيب محفوظ الشاب بأبي... سلامة موسى

    بقلم: د. رؤوف سلامة موسى

    بدأت علاقة نجيب محفوظ بسلامة موسى عندما اصدر الاخير مجلته "الجديدة" في 1929، بعد تركه تحرير "الهلال". فقد أرسل نجيب محفوظ اشتراكاً في "الجديدة" وكتب لصاحبها يُبدي اعجابه بها، ورغبته في الكتابة فيها. فكتب له سلامة موسى يشكره، ويدعوه الى زيارته. وبدأ نجيب محفوظ يتردد على منزل سلامة موسى، حيث إدارة مجلته، وينشر فيها مقالاته التي اطلق عليها اسم "الفلسفية". (نشرت إحدى دور النشر المصرية أخيراً، كتاباً جمعت فيه 21 مقالاً من مقالات نجيب محفوظ الاولى مما نشره في "الجديدة" وغيرها من المجلات. ولكن الكتاب لم يضم مقالاته كافة في "الجديدة"، مثل مقاله "الله" وغيره. وننصح المهتم بالأمر الرجوع الى مجلدات "المجلة الجديدة" التي تعيد "سلامة موسى للنشر والتوزيع" نشرها بمعونة صندوق التنمية الثقافية في وزارة الثقافة المصرية، وكذلك كتابها أخيراً "مقالات نجيب محفوظ الفلسفية في مجلة سلامة موسى الجديدة").
    كان نجيب محفوظ وقتها طالباً بالثانوية، ثم بقسم الفلسفة في كلية آداب الجامعة "المصرية". وكان سلامة قد ظن عندما تسلم رسالة نجيب محفوظ أنه اكبر سناً. ولكنه لم يكن تجاوز التاسعة عشر. ويقول نجيب محفوظ إن صورة سلامة موسى في ذهنه في ذلك الوقت "كانت ترتبط بالعدالة الاجتماعية، والديموقراطية، والتصنيع، وحرية المرأة، وأهمية العلم. هذه المفردات كانت شاغل سلامة موسى الأساسي. وكنت كلما كتبت مقالاً، قدمته إليه، وجلسنا نتناول الحديث".
    كان نجيب محفوظ قد نشر حتى ذلك الوقت عدداً قليلاً من المقالات المختلفة في بعض المجلات الأخرى. ولكنه بعد تعرفه على سلامة موسى، وتأثره به، بدأ يقصر كتاباته على مجلته، ويتأثر به في أهدافه واتجاهاته. وأخذ سلامة موسى "يوجهه، ويسدد خطاه" وأصبح، وهو الذي كان يكبره بحوالى عشرين عاماً "بمثابة الوالد او المربي لنجيب محفوظ. وتأثر نجيب محفوظ بشدة بشخصية سلامة موسى وتوجهاته، وأفكاره ولغته. وأصبحت ثقته فيه مطلقة، بل عمياء".
    ولم يكن سلامة موسى بالكاتب العادي. فإنه كان نشر منذ كان في سن نجيب محفوظ كتيباته الثلاثة الاولى "مقدمة السبرمان" و"الاشتراكية" و"نشوء فكرة الله". واشتهر بعد ذلك بكتبه "حرية الفكر وأبطالها في التاريخ" و"نظرية التطور وأصل الإنسان" وغيرها.
    ومجلته "الجديدة" كانت طليعة الحركة التقدمية والتنويرية في ثلاثينات القرن الماضي. كتب في أعدادها الشهرية طه حسين، ومحمود عزمي، ومحمود تيمور، وزكي أبو شادي، وإبراهيم ناجي، ومنصور فهمي، وحسين مؤنس، ومحمود العرابي، وزكي نجيب محمود، وعبد الحميد يونس، وفريد أبو حديد، ويحيى حقي، وسليمان حزين، وإسماعيل مظهر، وزكي مبارك، وإبراهيم المازني، وإسماعيل أدهم، وأحمد رامي، وصدقي الزهاوي. وتحدثت المجلة عن العلوم والتصنيع، وعن الاشتراكية وعن السيريالية، وغيرها.
    وتصدت لمحاربتها منذ صدورها جهات سلفية مصرية وعربية مختلفة. ويكفي أن الأزهر كتب وقتها لوزارة المعارف العمومية، يطلب منها ألا تشترك لمدارسها في "الجديدة". ولم يمض على صدورها سنتين، حتى اغلقها الطاغية إسماعيل صدقي أربعة عشر شهراً. ثم سمح لها عدلي يكن في 1933 بمعاودة الصدور. فاستمرت تصدر حتى 1942.
    نشر سلامة موسى لنجيب محفوظ في مجلته "الجديدة" اول مقال له "احتضار معتقدات وتولد معتقدات" في تشرين الاول (اكتوبر) 1930. ولما عُطلت المجلة شهوراً، اتجه نجيب محفوظ إلى صحف أخرى. ثم عاد فنشر في "الجديدة" في 1934 مقاله الثاني "ثلاثة من أدبائنا". وتوالت بعد ذلك مقالاته في "الجديدة"، خصوصاً خلال السنوات 1935 وما بعدها.
    وكان سلامة موسى نشر لنجيب محفوظ في 1932، اول كتاب مترجم له هو "مصر القديمة". وفي بعض أحاديث نجيب محفوظ عن كتابة الرواية، اشار الى ان سلامة ذكر له "ان الرواية حس ادبي لا يصلح في اللغة العربية. وذلك لأن للمرأة دائماً دوراً رئيسياً في اي رواية، في حين انها لا دور لها في الحياة المصرية". وعقب نجيب محفوظ على ذلك بقوله إن سلامة موسى ظن لهذا السبب أن الرواية "فن يناسب الغرب، ولا يناسبنا نحن. ولكن الحياة تغيرت بعد ذلك" كما يقول نجيب محفوظ "وأصبح للمرأة المصرية دور في مجتمعنا وفي حياتنا. فتغير رأي سلامة موسى".
    ويذكر نجيب محفوظ انه في بعض أحاديثه مع سلامة موسى، بين 1932 و1934، قد ذكر له انه يكتب الرواية. وان سلامة موسى طلب منه أن يطلعه على ما يكتب. فعرض عليه نجيب محفوظ ثلاث روايات، لم يرض عنها سلامة موسى، فأعدمها نجيب محفوظ. وكان منها رواية عن الريف المصري.
    ويسأل يوسف القعيد نجيب محفوظ عن السبب في إعدامه لها. فيقول نجيب محفوظ: لأنها فقدت قيمتها في نظري. وسلامة موسى كنت أراه رجلاً صادقاً، وكلامه لا يُناقش. وكان يعاملني بكل الحب. وقد قال لي: عندك موهبة، ولكن هذه الروايات الثلاثة لا تصلح للنشر. كان عظيماً وصريحاً.
    هذه الثقة المطلقة لا تتأتى إلا عن حب وتقدير شديدين، وعن رغبة كاملة في التعلم والاحتذاء. وما قرأت "أنا" فكرة، او سطراً، في مقال او رواية لنجيب محفوظ، حتى قفزت الى خاطري فكرة اخرى، وسطوراً اخرى لسلامة موسى. فالتوجهات واحدة: علمانية واشتراكية وديموقراطية. ومناداة بالعمل والتصنيع. ووطنية لا تتناسى الفرعونية. وولاء لحزب الأكثرية الوفد، ولليسار، وللثورة. وبُعد عن الملكية الفاسدة وأحزاب الأقلية.
    ويقول الأديب اللبناني حنا عبود: كان نجيب محفوظ على وعي مذهل بشخصية مصر. وهو يقول انه قد تشرب هذا الوعي عن سلامة موسى.
    ويذكر نجيب محفوظ ان ابراهيم المازني حذره في بداية حياته من شيئين: الواقعية والالتزام. ومع ذلك لا نستطيع أن نقول إلا انه كان - كسلامة موسى - واقعياً وملتزماً.
    ويذكر نجيب محفوظ ايضاً أن محمود تيمور قضى فترة من الوقت، يشجعه على كتابة رواياته - على ما فعل هو في بعضها - بالعامية المصرية. ولكن نجيب محفوظ لم يكتب أبداً - مثل سلامة موسى - إلا بالفصحى المبسطة، التي كان سلامة موسى يطلق عليها اسم "التلغرافية".
    وفي 1934، نشر سلامة موسى لنجيب محفوظ أول قصة قصيرة في مجلته "الجديدة الأسبوعية" ثمن الضعف. وفي 1939، نشر له أول رواية مؤلفة "عبث الأقدار". وكان سلامة موسى يعمل في هذا الوقت في كتابه "مصر أصل الحضارة". وقد أنجبت له زوجته ابناً ذكراً سماه خوفو. فاقترح نجيب محفوظ على سلامة موسى أن يكون اسم روايته هو "خوفو". ولكن سلامة موسى ظن الاسم لا يصلح لرواية. واختار لها بنفسه اسم "عبث الأقدار".
    ويقول إبراهيم عبد العزيز في كتابه عن نجيب محفوظ "أساتذتي" على لسان نجيب محفوظ: اذكر الآن أول رواية نُشرت لي، فتتعالى دقات قلبي. لو أنني املك قوة البعث، لبعــثت حياً ذلك الرجل العظيم الذي نشرها لي، وأثر عليّ، وعلى جيل بأكمله.
    ويضيف نجيب محفوظ:
    "عشر سنوات كاملة، كان سلامة موسى هو الراعي والمربي، والناقد الأدبي لي. نشر لي مقالاتي وأنا في الثانوية، ثم وأنا في الجامعة. عشرات المقالات، وكتاباً مترجماً، وأولى قصصي، وأولى رواياتي.
    "إنه أستاذي العظيم. من النادر في الماضي أو الحاضر، أن نجد رجلاً مثله، يكتشف الموهبة، ويواكب نموها بالرعاية الكاملة، حتى تُعطي ثمارها. ومن النادر كذلك أن تجد مثل هذه الأخلاق الرفيعة، التي كان عليها".
    ويقول محمد دكروب في مجلة "أخبار الأدب" القاهرية: ان احمد شوكت في ثلاثية نجيب محفوظ، متأثر بالمفكر التقدمي اليساري عدلي كريم. وعدلي كريم هو المعادل الفني لشخصية المنور اليساري سلامة موسى. وفي شخصية أحمد شوكت جانب من الواقع من حياة محفوظ نفسه. فمحفوظ هو الذي تقدم للتعرف على سلامة موسى. قصده في أوائل الثلاثينات في إدارة مجلته "الجديدة"، وتوطدت بينهما علاقة انسانية وفكرية، كما بين استاذ وتلميذه. ونشر له سلامة موسى مقالاته الفلسفية، وأولى قصصه ورواياته. ومن سلامة موسى، تعرف نجيب محفوظ على أسماء برنارد شو، وماركس، وأنجلز، وغيرهم.
    وكان نجيب محفوظ قد تخرج من كلية آداب الجامعة المصرية في 1934، وعين موظفاً بها. ثم ترك الجامعة المصرية الى وزارة الأوقاف في 1939. وأصبح سكرتيراً لوزيرها مصطفى عبد الرازق. ويلوح أن شخصية هذا الوزير الفاضل كانت من أحب الشخصيات وأقواها تأثيراً في الآخرين. فإن مي زيادة كانت تميل إليه كثيراً عندما كان يزورها مع غيره من المعجبين. كما أن زوجة طه حسين الفرنسية سوزان كانت ترتاح إليه. ولكن مصطفى عبد الرازق - أو شقيقه علي صاحب كتاب الخلافة في الإسلام - لم يكونا قريبين من سلامة موسى، ولم يكتبا قط في "الجديدة".
    ويلوح إلي أن نجيب محفوظ أخذ يراجع نفسه في هذا الوقت في موضوعين. وربما كان لوظيفته الجديدة بوزارة الأوقاف تأثير في ذلك. الأول هو موضوع كتابة المقالات "الفلسفية" التي تفصح كثيراً أو بوضوح عن أسرار وخلجات نفسه، بينما القصة والرواية تخفيان ذلك خلال حديث شخصياتها. والثاني هو موضوع الكتابة لـ"الجديدة". فنجده يتحول عنها منذ أواخر الثلاثينات، ويكتب في 1943 في "الأيام" عن زكريا أحمد وأم كلثوم. وفي 1945 في "الرسالة" (النقيض المباشر للجديدة) عن كتاب سيد قطب "التصوير الفني للقرآن". ثم يتحول بكامله إلى القصة والرواية. فينشر في 1943 رواية "رادوبيس". وفي 1944 رواية "كفاح طيبة". ومنذ 1946 "الثلاثية". ثم يعود إلى شيء من هواه القديم في "أولاد حارتنا" في 1959، فتثير عليه ثورة لا يزال يتردد صداها.
    انقطعت علاقة نجيب محفوظ منذ أواخر الثلاثينات بسلامة موسى ومجلته "الجديدة". وأصبحت للأول ندوته الأسبوعية في أماكن مختلفة من القاهرة والإسكندرية. وللثاني ندوته الأسبوعية بجمعية الشبان المسيحية بالقاهرة. ولم يعودا يلتقيان إلا مصادفة.
    وقبيل وفاة سلامة موسى في آب (أغسطس) 1958، قرظ سلامة موسى ثلاثية نجيب محفوظ في يومياته بجريدة الأخبار القاهرية تقريظاً حسناً.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
    *المصدر: الحياة 17/9/2003م.

  4. #4
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    الشخصية الإسلامية في رواية «زقاق المدق» لنجيب محفوظ(1)

    بقلم: أ.د. حسين علي محمد

    (1)
    تُعدُّ رواية "زقاق المدق" لنجيب محفوظ واحدة من أفضل رواياته في المرحلة "الاجتماعية الواقعية"( )، تلك المرحــلة التي تشمل رواياته الأربع: "القاهرة الجديدة" (1945م)، و"خان الخليلي" (1946م)، و"زقاق المدق" (1947م)، و"بداية ونهاية" (1949م).
    ورغم أن نجيب محفوظ قد قدَّم في هذه الرواية عدداً كبيراً من الشخصيات يحتاج إلى جهد نقدي مُوازٍ للإحاطة والإشارة إليه، إلا أننا سنتوقّف أمام شخصية ثرية قامت بدورها في البناء الروائي، وتُقدِّم نموذجاً متفرداً في أدب نجيب محفوظ، وهي شخصية "السيد رضوان الحسيني"، باعتبارها شخصية إسلامية، فاعلة، نشطة.
    وقد عني الكاتب بتقديم الشخصية في ملامحها الجسمية والنفسية جميعاً منذ السطور الأولى في الرواية، فأما ملامحها الجسمية، فيقدمها الكاتب بقوله: "كان السيد رضوان الحسيني ذا طلعة مهيبة، تمتد طولاً وعرضاً، وتنطوي عباءته الفضفاضة السوداء على جسم ضخم، يلوح منه وجه كبير أبيض، مُشرَب بحمرة، ذو لحية صهباء، يشع النور من غرة جبينه، وتقطر صفحته بهاءً، وسماحةً، وإيماناً"( ).
    وأما ملامحه النفسية فتتوزَّع في أكثر من فصل، يقول الروائي في الفصل الأول عنه: "كانت حياته، وخاصة في مدارجها الأولى ـ مرتعاً للخيبة والفشل، فانتهى عهد طلبه العلم بالأزهر إلى الفشل، وقطع بين أروقته شوطاً طويلاً من عمره دون أن يظفر بالعالمية، وابتُلي ـ إلى ذلك ـ بفقد الأبناء، فلم يبق له ولد على كثرة ما خَلَّف من الأطفال. ذاق مرارة الخيبة حتى أُترع قلبه باليأس أو كاد، وتجرّع غصص الألم حتى تخايل لعينيه شبح الجزع والبرم، وانطوى على نفسه طويلاً في ظلمة غاشية. ومن دجنة الأحزان أخرجه الإيمان إلى نور الحب، فلم يعد يعرف قلبه كرباً ولا هما. انقلب حبا شاملاً وخيراً عميماً وصبراً جميلاً، وطأ أحزان الدنيا بنعليه، وطار بقلبه إلى السماء، وأفرغ حبه على الناس جميعاً، وكان كلما نكد الزمان عنتاً ازداد صبرا وحبا، رآه الناس يوماً يُشيع ابناً من أبنائه إلى مقرِّه الأخير وهو يتلو القرآن مشرق الوجه، فأحاطوا به مواسين مُعَزِّين، لكنه ابتسم لهم، وأشار إلى السماء، وهو يقول: "أعطى وأخذ، كل شيء بأمره، وكل شيء له، والحزن كفر" فكان هو العزاء. ولذلك قال عنه الدكتور بوشي: "إذا كنت مريضاً فالمس السيد الحسيني يأتيك الشفاء، وإذا كنت يائساً فطالع نور غرته يدركك الرجاء، أو محزوناً فاستمع إليه يُبادرك الهناء". وكان وجهه صورةً من نفسه، فهو الجمال الجليل في أبهى صوره"( ).
    وفي الفصل السادس يستكمل الروائي الصورة: "كان وجهه الأبيض يفيض بشراً ونوراً، تُحيط به لحيته الصهباء إحاطة الهالة بالقمر. وكان كل شيء حوله يلوح بالقياس إلى طمأنينته الراسخة قلقاً مضطرباً. وكان نور عينيه صافياً نقيا ينطق بالإيمان والخير والحب والترفُّع عن الأغراض"( ).
    ويُضيف الحوار على لسان السيد رضوان الحسيني ما يُكمل الصورة النفسية للرجل المؤمن، الصادق في إيمانه الذي يعرف أن الأقدار بيد الله، وأن المصائب اختبار منه، وأن الحب يقهر الكراهية ويتغلّب عليها. يقول الروائي على لسانه:
    -لا تقل مللت! الملل كفر. الملل مرض يعتور الإيمان. وهل معناه إلا الضيق بالحياة! ولكن الحياة نعمة الله سبحانه وتعالى، فكيف لمؤمن أن يملها أو يضيق بها؟ ستقول ضقت بكيت وكيت، فاسأل الله من أين جاءت كيت وكيت هذه؟ أليس من الله ذي الجلال؟ فعالج الأمور بالحسنى، ولا تتمرّد على صنع الخالق. لكل حالة من حالات الحياة جمالها وطعمها. بيد أن مرارة النفس الأمارة بالسوء تُفسد الطعوم الشهية. صدِّقني إن للألم غبطته، ولليأس لذته، وللموت عظته، فكل شيء جميل، وكل شيء لذيذ! كيف نضجر وللسماء هذه الزرقة، وللأرض هذه الخضرة، وللورد هذا الشذا، وللقلب هذه القدرة العجيبة على الحب، وللروح هذه الطاقة على الإيمان؟ كيف نضجر وفي الدنيا من نحبهم، ومن نعجب بهم، ومن يحبوننا، ومن يعجبون بنا، استعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا تقل مللت"( ).
    وهو المعنى نفسه ـ تقريباً ـ الذي يكرره بعد ذلك في الصفحة نفسها:
    "أما المصائب فلنصمد لها بالحب، وسنقهرها به. الحب أشفى علاج، وفي مطاوي المصائب تكمن السعادة كفصوص الماس في بطون المناجم الصخرية، فلنلقّن أنفسنا حكمة الحب"( ).
    أما ملامحه الاجتماعية فهو مقصد الناس عند الشدة، وعندما تمر بهم مشكلة؛ ولهذا فالسيدة "أم حسين" تلجأ إليه عساه يستطيع إصلاح زوجها، وإبعاده عن طريق الغي الذي مازال سادراً فيه:
    اللهم عفوك ورحمتك" .. نطقت الست "أم حسين" بهذه العبارة وهي ماضية إلى مسكن السيد رضوان الحسيني … أعياها إصلاح زوجها وعجزت عن ردعه، فلم تر بدا في النهاية من مقابلة السيد رضوان، لعله أن يفلح هو ـ بصلاحه وهيبته ـ فيما فشلت فيه"( ).
    وهو الناصح الأمين لهم، فعندما يقرر عباس الحلو أن يذهب للعمل في معسكر الإنجليز "باركه السيد رضوان الحسيني، ودعا له طويلاً، وقال له ناصحاً:
    - اقتصد ما يفيض عن حاجتك من مرتبك، واحذر الإسراف والخمر ولحم الخنزير، ولا تنس أنك من المدق، وإلى المدق راجع"( ).
    وهو ذو مكانة اجتماعية طيبة بين الناس، فرغم أنه محدود الإمكانات المادية إلا أنه يتنازل عن حقه في الزيادة التي قررها الأمر العسكري بزيادة الإيجارات أيام الحرب العالمية الثانية، فلم يفد، ولم يثر من مصائب الحرب كما أفاد غيره:
    "إنه ليبدو لحبه الخير ولسماحته كما لو كان من الموسرين المثقلين بالمال والمتاع، وإن كان في الواقع لا يملك إلا البيت الأيمن من الزقاق وبضعة أفدنة بالمرج. وقد وجد فيه سكان بيته … مالكاً طيب القلب والمعاملة، حتى إنه تنازل عن حقه في الزيادة التي قررها الأمر العسكري الخاص بالسكن … رحمةً بساكنيه"( ).
    وهو يقدم المعونة لكل محتاج من أبناء الزقاق؛ فالشاعر المطرود من المقهى يشكو حاله للسيد رضوان الحسيني، الذي منحه أذنه عن طيب خاطر وهو يعلم بما يُكربه، وكان حاول مراراً أن يُثني المعلم كرشه عما اعتزمه من الاستغناء عنه دون جدوى. ولما انتهى الشاعر من شكواه طيّب خاطره، ووعده بأن يبحث لغلامه عن عمل يرتزق منه، ثم غمر كفه بما جادت به نفسه وهو يهمس في أذنه: «كلنا أبناء لآدم، فإذا ألحّت عليك الحاجة فاقصد أخاك، والرزق رزق الله والفضل فضله»( ).
    وقد اهتم الروائي ـ كما رأينا ـ بتقديم شخصية محبوبة اجتماعيا، قادرة على التأثير والعطاء في مجتمعها.
    (2)
    لا يتحرك السيد «رضوان الحسيني» وحده في فضاء رواية «زقاق المدق»، فهناك شخصيات أخرى تزحم الفضاء الروائي، فنجد في الرواية «نماذج فريدة ومختلفة من أمثال شخصية «المعلم كرشة» المصاب بالشذوذ الجنسي، وزوجته الثائرة، الحاقدة عليه دوماً، وابنه «حسين كرشة» المتمرد على روح الخنوع التي يتميز بها الزقاق، وشخصية «سليم علوان» ثري الحرب الذي لم يكتف بزوجته، فبدأ يفكر في الزواج من «حميدة» حتى تخلى عن أفكاره ومشروعاته عندما فاجأته الذبحة الصدرية وتراقص أمامه شبح الموت … ثم شخصية «زيطة» صانع العاهات للشحاذين والنصابين، والفران «جعدة» وزوجته «سنية الفرانة» التي تضربه أكثر من مرة يوميا بالشبشب، حتى يسمع الزقاق صراخه، وشخصية «الشيخ درويش» الذي كان يعمل مدرساً اللغة الإنجليزية ثم نزع إلى التصوف الذي قارب حد الجنون والهوس، وشخصية «الست سنية عفيفي» الأرملة المتصابية التي لم تكن تفكر إلا في الزواج، وكيفية الحصول على زوج، حتى ولو أنفقت كل ما تدخره بعد وفاة زوجها، وشخصية «عم كامل» بائع البسبوسة الذي يستيقظ من النوم لكي ينام مرة أخرى بسبب لحمه وشحمه المتراكمين»( ) و«عباس الحلو» الحلاق، الذي يريد الزواج من «حميدة»، و«فرج إبراهيم» القواد.
    ولن نستطيع أن نتناول علاقة «السيد رضوان الحسيني» بكل هذا الحشد من الشخصيات، ولذا فسنتوقف أمام علاقته بأكثر الشخصيات أهمية في بناء الرواية وهي شخصية البطلة: «حميدة».
    (3)
    تعد شخصية «حميدة» هي الشخصية الرئيسة في هذه الرواية، يشخصها الروائي على هذا النحو:
    «في العشرين، متوسطة القامة، رشيقة القوام، نحاسية البشرة، يميل وجهها للطول في نقاء ورواء، وأميز ما يميزها عينان سوداوان جميلان، لهما حور بديع فاتن، ولكنها إذا أطبقت شفتيها الرقيقتين وحدّت بصرها تلبسها حالة من القوة والصرامة، لا عهد للنساء بها»( ).
    وفي هذا الوصف ركّز على ملامحها الجسمية حيث أشار للونها «نحاسية البشرة»، وقامتها «رشيقة القوام»، وملامحها «يميل وجهها للطول في نقاء ورواء، وأميز ما يميزها عينان سوداوان جميلان، لهما حور بديع فاتن»، وأشار في نهاية الفقرة إلى بعض ملامحها النفسية «ولكنها إذا أطبقت شفتيها الرقيقتين وحدّت بصرها تلبسها حالة من القوة والصرامة، لا عهد للنساء بها».
    ولكنه في مكان آخر يشير إلى الملامح الجسمية، والنفسية، ويشير إلى الملامح الاجتماعية عرضاً في أنها «مقطوعة النسب»، يقول:
    «العصر .. عاد الزقاق رويداً إلى عالم الظلال، والتفت حميدة في ملاءتها، ومضت تستمع إلى دقات شبشبها على السلم في طريقها إلى الخارج، وقطعت الزقاق في عناية بمشيتها وهيئتها لأنها تعلم أن أعيناً أربعاً تتبعها متفحصة ثاقبة: عيني السيد سليم علوان صاحب الوكالة، وعيني عباس الحلو الحلاق. ولم تكن تفاهة ثيابها لتغيب عنها؛ فستان من الدمور، وملاءة قديمة باهتة، وشبشب رق نعلاه، بيد أنها تلف الملاءة لفة تشي بحسن قوامها الرشيق، وتصور عجيزتها الملمومة أحسن تصوير، وتبرز ثدييها الكاعبين، وتكشف عن نصف ساقيها المدملجتين، ثم تنحسر في أعلاها عن مفرق شعرها الأسود، ووجهها البرنزي الفاتن القسمات … وهي فتاة مقطوعة النسب، معدمة اليد، ولكنها لم تفقد قط روح الثقة والاطمئنان. ربما كان لحسنها الملحوظ الفضل في بث هذه الروح القوية في طواياها. ولكن حسنها لم يكن صاحب الفضل وحده، كانت بطبعها قوية، ولا يخذلها الشعور بالقوة لحظة من حياتها، وكانت عيناها الجميلتان تنطقان أحياناً بهذا الشعور نطقاً يذهب بجمالها في رأي البعض، ويُضاعفه في رأي البعض الآخر. فلم تفتأ أسيرة لإحساس عنيف يتلهف على الغلبة والقهر، يتبدّى في حرصها على فتنة الرجال»( ).
    إنها ترى أحلامها أكثر من إمكاناتها وواقعها، وترى أن الزقاق يضيق عن أن يستوعب أحلامها. ومن ثم فهي تشعر بنفور من الزقاق وأهله:
    «مرحباً يا زقاق الهنا والسعادة. دمت ودام أهلك الأجلاء. يا لحسن هذا المنظر، ويا لجمال هؤلاء الناس! ماذا أرى؟! هذه حسنية الفرانة جالسة على عتبة الفرن كالزكيبة عيناً على الأرغفة، وعيناً على جعدة زوجها، والرجل يشتغل مخافة أن تنهال عليه لكماتها وركلاتها. وهذا المعلم كرشة متطامن الرأس كالنائم وما هو بالنائم. وعم كامل يغط في نومه، والذباب يرقص على صينية البسبوسة بلا رقيب. آه. وهذا عباس الحلو يسترق النظر إلى النافذة في جمال ودلال، ولعله لا يشك في أن هذه النظرة سترميني عند قدميه أسيرة لهواه، أدركوني يا هوه قبل التلف. أما هذا فالسيد سليم علوان صاحب الوكالة، رفع عينيه يا أماه وغضّهما، ثم رفعهما ثانية، .. قلنا الأولى مصادفة، والثانية يا سليم بك؟! رباه هذه نظرة ثالثة! ماذا تريد يا رجل يا عجوز يا قليل الحياء؟! .. مصادفة كل يوم في مثل هذه الساعة؟! ليتك لم تكن زوجاً وأباً إذن لبادلتك نظرة بنظرة، ولقلت لك أهلاً وسهلاً ومرحبا. هذا كل شيء، هذا هو الزقاق فلماذا لا تهمل حميدة شعرها حتى يقمل؟!»( ).
    إنها شخصية غير منتمية، لا تُكن أية مشاعر طيبة لهذا الزقاق. فهي تسميه «زقاق العدم»( ). وإنها لتشمئز من الملابس المهلهلة التي ترتديها، وترى أن الملابس الجديدة هي كل شيء في الحياة: «ما قيمة هذه الدنيا بغير الملابس الجديدة؟! ألا ترى أن الأولى بالفتاة التي لا تجد ما تتزين به من جميل الثياب أن تُدفن حية؟!»( ). ومن ثم فهي تسلق الزقاق (زقاق العدم)! بلسانها في مثل هذه المحاورة بينها وبين أمها بالتبني:
    «ـ لستُ أجري وراء الزواج، ولكنه يجري ورائي أنا، وسأنبذه كثيراً.
    ـ طبعاً! أميرة بنت أمراء
    فتغاضت الفتاة عن سخرية أمها، وقالت بنفس اللهجة الحادة:
    ـ أفي هذا الزقاق أحد يستحق الاعتبار؟

    ـ لا تسلقي الزقاق بلسانك، إن أهله سادة الدنيا!
    ـ سادة دنياك أنت. كلهم كعدمهم»( ).
    هذه الشخصية القلقة اللامنتمية، تبحث عن الثراء؛ فرغم خطبتها لعباس الحلو إلا أنها تفرح فرحاً طاغياً حين تخبرها أمها أن السيد سليم علوان «على سن ورمح» صاحب الوكالة يطلب يدها «وأنصتت إلى المرأة بانتباه عميق وهي تروي قصتها. وخفق قلبها خفقاً متواصلاً، وتورّد وجهها، وتألّقت عيناها بشراً وسروراً. هذه هي الثروة التي تحلم بها، هذا الجاه الذي تهيم به. وإنها من حب الجاه لفي مرض، وإن الشغف بالقوة لغريزة جائعة في بطنها. فهل يُتاح لها جاه أو ارتواء بالثروة؟»( ).
    ولكن الأم تتذكّر أنها مخطوبة، وأنها قرأت الفاتحة مع الحلو، وتذهب لتستشير «السيد رضوان الحسيني» «فجفلت الفتاة من هذا الاسم قائلة:
    ـ ما شأنه في أمر يخصني وحدي؟
    ـ نحن أسرة لا رجل لنا، فهو رجلنا»( ).
    واختيار الأم للسيد رضوان الحسيني للمشورة يشي باحترامه وتبجيله، ووضعه موضع القريب أو كبير العائلة، وقولها «هو رجلنا»، واختيارها إياه دون سواه يبين القيمة المعنوية العالية للشخصية الإسلامية.
    ولقد كان رأيه عاقلاً متوازناً: «الحلو شاب، والسيد سليم شيخ، وأن الحلو من طبقتها والسيد من طبقة أخرى، وأن زواج رجل كالسيد من فتاة مثل ابنتها لا بد محدث متاعب ومشكلات لا يبعد أن يصيب الفتاة بعض رشاشها»( ).
    ولكن الرشاش أصاب السيد رضوان من فم حميدة الذي لا يرحم، فقد صاحت بصوت جاف حينما سمعت من أمها ما قاله الشيخ، والشرر يتطاير من عينيها:
    «ـ السيد رضوان ولي من أولياء الله، أو هذا ما يحب أن يتظاهر به أمام الناس، وإذا قال رأياً لم يبال مصلحة الناس في سبيل اكتساب الأولياء مثله، فسعادتي لا تهمه في قليل أو كثير، ولعله تأثر بقراءة الفاتحة كما ينبغي لرجل يرسل لحيته مترين. فلا تسألي السيد عن زواجي، وسليه إن شئت عن تفسير آية أو سورة ..! أما والله لو كان طيباً كما تزعمون لما رزأه الله في أولاده جميعاً»( ).
    وقد رفض السيد رضوان الحسيني «تلبية رغبة حميدة وأمها في الارتباط بسليم علوان رباط زواج، ... لأنه يعلم أن الدين لم يشرع أن يخطب المسلم على خطبة أخيه «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى يترك» وهي من شرع الإسلام. والكاتب يعرف ذلك لأنه علل منع الشيخ رضوان لإتمام هذا الزواج أن أم حميدة قد وافقت على خطبة حميدة من عباس الحلو قبل أن يتقدّم لها السيد سليم علوان»( ).
    ولم تتزوج «حميدة» بالسيد سليم علوان الذي مرض مرضاً شديداً، ولكنها غادرت الزقاق مع «القوّاد» فرج إبراهيم.
    وحين تُغادر إليه بيتها ذات يوم ليستدرجها في طريق الرذيلة والسقوط فإن أول ما تُحدث به نفسها هو: «ما عسى أن يقول السيد رضوان الحسيني مثلاً لو رآها تمرق إلى هذه العمارة؟»( ).
    إن الزقاق يعج بالشخصيات، ولكن شخصية السيد رضوان الحسيني وحدها هي التي تستدعيها ذاكرة «حميدة» في أولى خطوات انزلاقها. وكأن لا وعيها يريد أن يتشبث بالفضيلة التي رمتها وراء ظهرها عن اختيار واعٍ.
    وحينما تفكر «حميدة» في عرض «فرج إبراهيم» بالغواية، وأن يكون قواداً لها لتقتحم معه «حياة النور والثروة والجاه والسعادة، لا حياة البيت التعسة، والحبل والولادة والقذارة، حياة النجوم»( ) حينما تفكر في هذا العرض فإن السيد رضوان الحسيني يتراءى لها ليلاً وهي تفكر في حياتها المقبلة: «السلام عليكم يا إخوان»، .. هذا صوت السيد رضوان الحسيني الذي أشار على أمها برفض السيد علوان قبل أن يهتصره المرض، تُرى ماذا يقول عنها غداً إذا تناهى إليه الخبر؟»( ).
    إن السيد رضوان الحسيني يمثل ـ في الرواية ـ صوت النقاء والطهر والعفاف الذي حاول أن يحمي «حميدة» من نزواتها وطيشها، لكن نداءاته ضاعت سدى، لأن شخصية «حميدة» لم تكن لتلقي بالاً للتقى والطهر والعفاف. وما أصدق ما وصفها به الروائي وهو يصور انحدارها في السقوط في سخرية مرة:
    «عاهرة بالفطرة! تجلّت مواهبها، فبرعت في فترة قصيرة في أصول الزينة والتبهرج، وإن سخروا أول الأمر من سوء ذوقها، فكانت سريعة التعلم محسنة للتقليد. ولكنها سيئة الاختيار لألوان ثيابها، وفي ميلها إلى الحلي تبذل ملموس. ولو كان ترك الأمر (يقصد فرج إبراهيم) على ما تشتهي وتحب لتبدّت وكأنها «عالمة» في زواقها الفاقع، وحليها التي تكاد تغطي جسمها. وفيما عدا ذلك، فقد تعلّمت الرقص بنوعيه، ودلّت على مهارة في تعلم المبادئ الجنسية للغة الإنجليزية. ولم يكن النجاح الذي جاءها يجر أذياله بمستغرب، فتهافتت عليها الجنود، وتساقطت عليها أوراق النقود، وانتظمت في سلك الدعارة لؤلؤة منقطعة النظير»( ).
    كانت شخصية «السيد رضوان الحسيني» بالنسبة «لحميدة» تُمثل الضمير الذي يُحاول أن يردعها، ويُعيدها إلى طريق الحياة القويمة، والإيمان، والطهر. ولكنها بما أوتيت من قوة وتمرد كانت تصر على انطلاقتها الشيطانية في سبل الغواية والضلال.
    وتظل الصورتان ضروريتين للرواية، صورة الإيمان الذي لا تعوقه المصائب «السيد رضوان الحسيني»، وصورة «حميدة» التي تمثل العُهر المنفلت من كل القيود، والذي لا ينتمي إلا إلى طريق الضلال والغواية!
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    *من كتاب "مقالات في الأدب العربي المعاصر" للدكتور حسين علي محمد، أصوات مُعاصرة، دار الإسلام للطباعة، المنصورة 2004م.


  5. #5
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    رحلة مع الخوف

    بقلم: رجاء النقاش

    «الخوف» هي القصة القصيرة التي كتبها نجيب محفوظ في أوائل الستينيات من القرن الماضي ونشرها بعد ذلك في مجموعته بيت سيئ السمعة سنة‏1965,‏ وبطل القصة هو عثمان الجلالي ضابط الشرطة الذي قضي علي الفتوات جميعا‏,‏ ولكنه لم يحقق الاستقرار والطمأنينة للناس‏,‏ وقد رأي البعض أن نجيب محفوظ كان يتحدث عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في قصته‏,‏ وهو يرسم صورة بطل القصة عثمان الجلالي‏,‏ وقد رأيت من جانبي أن هذا التفسير بعيد الاحتمال‏,‏ وأن المعني الأقرب إلي شخصية عثمان الجلالي هو المعني الإنساني والاجتماعي العام‏,‏ فعثمان الجلالي هو نموذج للانفراد بالقوة‏,‏ والانفراد بالقوة خطر علي الجميع حتي علي صاحبه‏,‏ لأن الانفراد بالقوة يغري بارتكاب الأخطاء والتهاون في حقوق الآخرين والعدوان عليهم‏.‏ وفي قصة الخوف أيضا هناك شخصية نعيمة‏,‏ وهي الفتاة الجميلة التي يتصارع حولها الجميع‏,‏ وحين ينفرد الضابط عثمان الجلالي بالقوة تصبح نعيمة تحت سيطرته ونفوذه‏,‏ بعد أن كانت من قبل فريسة يتنافس عليها سائر الفتوات‏,‏ وعندما انفرد عثمان الجلالي بالقوة وحده لم تحصل نعيمة علي حرية الإرادة التي لعلها كانت تحلم بها والتي كنا نتوقعها لها بعد زوال عصر الفتوات‏,‏ لأن انفراد الجلالي بالقوة لم يساعد علي أن يعيد إلي نعيمة حرية التصرف في أمور حياتها‏,‏ بل بقي حالها علي ما كان عليه‏,‏ وأصبحت رهينة لإرادة الضابط الذي انفرد بالقوة بعد أن قضي علي الفتوات‏.‏
    وكنت قد دعوت القراء الأعزاء إلي المشاركة في تفسير هذه القصة الجميلة‏,‏ فوصلتني عدة رسائل تسهم في التحليل والتفسير‏,‏ وذلك عن طريق البريد والفاكس‏.‏ أما رسائل البريد فقد قرأتها في سهولة ويسر‏,‏ ولكن بعض رسائل الفاكس لم تكن واضحة بالصورة الكافية‏,‏ ومع ذلك فسوف أحاول أن أقدم الآراء المختلفة التي وصلتني في هذه الرحلة مع الخوف‏,‏ وليعذرني الذين لم أتمكن من قراءة رسائلهم علي الفاكس بصورة دقيقة‏,‏ فالذنب هو ذنب هذا الجهاز المدهش الحديث‏,‏ وهو جهاز الفاكس الذي يتميز بالسرعة‏,‏ ولكنه أحيانا يفتقد الدقة والإتقان‏.‏
    وسوف أقدم الآراء التي وصلتني دون التعليق عليها‏,‏ إذا اتفق أصحابها معي أو اختلفوا في تفسير قصة الخوف‏,‏ فقد قلت رأيي وقدمت اجتهادي المتواضع في تفسير القصة‏,‏ والأدب عموما يحتمل تعدد التفسيرات‏,‏ وأظن أن من واجبنا الحرص علي قدر كاف من الديمقراطية الأدبية‏,‏ أي علي التنوع في وجهات النظر‏,‏ وبدون هذه الديمقراطية الأدبية نعود من جديد إلي قضية الانفراد بالقوة‏,‏ أي بالرأي الواحد المفروض علي الجميع‏,‏ وهذا الانفراد الذي يرفض التعدد والتنوع هو من أسوأ الأمور‏.‏
    والرسالة الأولي هي من الناقد السينمائي الكبير سمير فريد‏,‏ وقد وصلتني الرسالة علي الفاكس وفيها سطور مطموسة وكلمات غير واضحة‏,‏ وقد بذلت أقصي ما أستطيع من جهد لقراءتها قراءة صحيحة‏,‏ وأرجو أن يكون التوفيق قد حالفني فلم أخطئ في قراءة الرسالة‏.‏ يقول سمير فريد في رسالته‏:‏
    أعتقد أن وجهة نظرك السياسية وليست وجهة نظر نجيب محفوظ هي التي جعلتك تعتبر قصة الخوف قصة إنسانية عامة‏,‏ وليست عن ثورة يوليو وعبد الناصر‏.‏ وكما تعلم فإن عمل الناقد هو أن يساعد القارئ علي إدراك وجهة نظر الكاتب‏,‏ وله ـ أي للناقد ـ بالطبع أن يوافق الكاتب أو يختلف معه‏,‏ ولكن ليس له الحق أن يفرض علي الكاتب وجهة نظره كناقد‏.‏ وكما تعلم ـ أيضا ـ فإن ما كتبه نجيب محفوظ هو إنساني عام‏,‏ ولكنه يرتبط بواقع مصر زمن كتابة كل عمل‏,‏ وبوجهة نظر نجيب محفوظ السياسية‏.‏ وقد أنزعج إبراهيم أصلان وعبر عن ذلك في مقال له في الحياة الصدور أكثر من كتاب يحمل اسم نجيب محفوظ وعنه دون موافقته‏,‏ وهذا أمر مروع‏,‏ وكأنه لا يكفي محاولة اغتياله وتعجيز يده اليمني التي كتبت ما كتبه من روائع الأدب العربي‏,‏ ولكن ما يفوق ذلك أن يتم فرض وجهة نظر سياسية عليه تكون مخالفة لوجهة نظره‏,‏ ففي الشهر الماضي استمعت في روما إلي محاضرة بالإنجليزية للأستاذ محمد سلماوي قال فيها ان نجيب محفوظ توقف عن الكتابة بعد ثورة يوليو لإنه وجد عبد الناصر قد حقق كل أحلامه‏,‏ والآن تقول أنت في مقالك بالأهرام إن نجيب محفوظ كان ينقد الثورة من داخلها وليس من خارجها ثم تقرر بشكل قاطع أن نجيب محفوط ليس من أعداء الثورة‏,‏ وكأن الكتاب ينقسمون إلي مؤيدين للثورة وأعداء لها‏,‏ وهو منطق سياسي حزبي خالص‏.‏ وكنت أظن حتي استمعت الي محاضرة سلماوي وقرأت مقالك أنه لا خلاف علي أن نجيب محفوظ من الناحية السياسة هو كاتب ليبرالي‏,‏ أي لا يحتكر الحقيقة‏,‏ وأنه يؤمن بالديمقراطية الغربية‏,‏ وبالطبع‏,‏ ومثل كل من يؤمنون بالديمقراطية الغربية‏,‏ فإن نجيب محفوظ لا يري أن هذا النظام هو الذي يحقق الجنة علي الأرض‏,‏ وإنما هو الأفضل برغم سلبياته‏,‏ وهذا لا يعني أن عبد الناصر في قصة نجيب محفوظ كان مجرد فتوة‏,‏ ولكن المسألة ليست كما تقول إن نجيب محفوظ هو أكرم وأنبل وأوسع أفقا من أن ينظر مثل هذه النظرة المحدودة إلي جمال عبد الناصر‏,‏ وإنما نجيب محفوظ أكرم وأنبل وأوسع أفقا من أن يبيع الحرية‏,‏ حتي لو كان ذلك من أجل جمال عبد الناصر‏.‏ لقد كان عبد الناصر في تقديري هو المدني الوحيد بين ضباط الثورة‏,‏ لأنه كان صاحب مشروع للنهضة الشاملة‏,‏ وقد ترك آثارا لاتمحي‏,‏ وحقق تطورا أكيدا‏,‏ ولكن علينا أن نسأل‏:‏ لماذا لم يتم مشروعه‏,‏ أو بالأحرى لماذا فشل وانتهي عهده بكارثة‏1967‏ ؟ بالله عليك لا تقل إنها المؤامرة الغربية‏.‏ أولم يحن الوقت لنسأم حديث المؤامرة ؟‏.‏ وأعتقد أن واجب كان من يهمه أمر الوطن في عام مرور نصف قرن علي ثورة يوليو أن يسأل الأسئلة الصحيحة‏,‏ ويجيب عليها بعيدا عن القوالب الفكرية الجامدة‏.‏ وعن نفسي فقد أصبحت علي يقين‏,‏ وهذا حالنا بعد خمسين سنة من الثورة‏,‏ أن من يبيع الحرية من أجل شيء يفقد كل شيء‏.‏
    تلك هي رسالة الأستاذ سمير فريد‏,‏ وكما وعدت في البداية فلن أعلق عليها أو علي غيرها‏,‏ فقد قلت رأيي من قبل‏.‏ وما جاء في رسالة سمير فريد هو وجهة نظره الخاصة به‏,‏ وقد يكون هناك فرصة أخري أنسب وأوسع للتعليق علي هذه الرسالة‏,‏ أو علي بعض ما جاء فيها من أراء‏,‏ ففي الرسالة ما يستحق التعقيب والتعليق‏.‏
    الرسالة الثانية هي رسالة الأستاذ الدكتور سامي منير عامر ـ قسم اللغة العربية ـ كلية التربية ـ جامعة الإسكندرية وفي هذه الرسالة يقول صاحبها الفاضل‏:‏
    إن كتابكم في حب نجيب محفوظ الذي أنعم النظر نقديا في نتاج عظيمنا نجيب محفوظ روائيا‏,‏ مضافا إليه كتابكم ـ بمشاركة نجيب محفوظ نفسه ـ صفحات من مذكراته وأضواء جديدة علي أدبه وحياته‏...‏ هذان الكتابان بكل ما ناقشاه من قضايا نقدية لا يدعان مجالا لأي شك في أن عثمان الجلالي ضابط عطفة الفرغانة هو بعينه رمز لواقع سياسي ممثلا في الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ولما كنت مصادفة أوالي قراءة نص قصة الخوف في مجموعة بيت سيئ السمعة باللغة المحفوظية الأقصوصية‏,‏ ومستعينا في ذات الوقت بترجمة دينيس جونسون ديفيز خير من ترجم أقاصيص محفوظ مع أستاذينا محمد مصطفي بدوي وفاطمة موسى إلي الإنجليزية‏..‏ أقول لما كنت منشغلا بهذا الأمر فإن تفسيركم في هامش صفحة‏224‏ من كتاب نجيب محفوظ ـ صفحات من مذكراته هو خير تفسير يوحي به مغزى ودور هذه الشخصية التي أطاحت بكل الطامعين في كبده ـ نعيمة التي جمعت طبقات المحبين حولها بنار فرن إنضاج كبدتها‏,‏ كما ورد في النص‏...‏ ولاشك أن إضافتك التفسيرية الجديدة في مقال الأهرام الأحد‏6‏ ـ‏2‏ ـ‏2002,‏ هذه الإضافة التي تأخذ مأخذ الإنسانية في تفسيركم الجديد لقصة الخوف ليست في قوة التفسير الأول‏1998,‏ لأنكم تعرفون أن إغراق نجيب محفوظ في واقعه المحلي هو مدخل إلي العالمية النوبلية‏.‏ وقد أشرتم في مقالكم الجديد إلي أن نجيب محفوظ ليس من السذاجة أو ضيق الأفق حتي يعني عبد الناصر بتصويره في شخصية الضابط عثمان الجلالي‏,‏ وأنا أري أنها كانت براعة في المواجهة الشجاعة من صاحب التسعين عاما ـ نجيب محفوظ ـ ولم تكن جديدة عليه‏,‏ فقد قالها بصراحة موجعة في مواجهة مجموعة الثورة في رواية ميرامار ساخرا من دعوى الاشتراكية ص‏121,‏ بل وفي رواية قشتمر ص‏108,‏ إذ هو يضع علي لسان بعض الشخصيات آراءه بطريقة إيحائية تتضمن نقدا أكثر شجاعة بكثير مما عرفناه عن أستاذنا توفيق الحكيم في مسرحياته السياسية‏,‏ ولو أن حظ نجيب محفوظ كان خيرا‏,‏ إذ قيض له الله الدكتور ثروت عكاشة من ناحية والأستاذ محمد حسنين هيكل من ناحية أخري لدرء خطر صراحته السياسية عنه‏,‏ والحمد لله أن جاء الرئيس محمد حسني مبارك فتوج جهود نجيب محفوظ بقلادة النيل اعترافا من الرئيس باتساع رقعة الديمقراطية التي أتيحت في عهده لكل من يريد أن يدلي برأي يدفع حياتنا إلي واقع أفضل‏.
    وفي رسالة الدكتور سامي منير عامر ملحق لا يتصل بموضوعنا الأساسي وهو تفسير قصة الخوف وإنما يتصل بما ترمز إليه أسماء الأبطال في قصص نجيب محفوظ ورواياته‏,‏ وجهد الأستاذ في تحليل أسماء الأبطال فيه ذكاء وطرافة‏,‏ وأرجو أن يعكف علي تحويله من ملاحظات سريعة إلي بحث كامل ودراسة مفصلة‏,‏ فسوف يكون في ذلك نفع ومتعة‏.‏
    نلتقي بعد ذلك مع الرسالة الثالثة وهي من الأديب الطبيب الدكتور أحمد حربي ـ استشاري الطب النفسي ـ دمنهور‏.‏ وفي هذه الرسالة يقول الدكتور‏:‏ ولدت قبل ثورة يوليو المجيدة ببضعة شهور‏,‏ وتأجل امتحاني للإعدادية بسبب نكسة‏1967,‏ ومع نصر أكتوبر كنت طالبا بطب الإسكندرية‏,‏ فأنا من جيل يحتفظ لثورة يوليو بحب كبير وتقدير عظيم‏,‏ ولكن الموضوعية لا تمنعني من أن أري بعض المثالب فيما أحب وفيمن أحب‏,‏ فالنضج العقلي يكبح العواطف ويرشد الإدراك والبصائر إلي الفهم المتكامل‏.‏ وفي قصة الخوف لنجيب محفوظ أري أن نعيمة ترمز لمصر و الحملي يرمز للأحزاب‏,‏ أما الفتوات فهم رمز للمندوب البريطاني والقصر‏,‏ أما الضابط عثمان الجلالي فهو رمز لعبد الناصر‏,‏ وهذا لايعيب عبد الناصر ولا يضر محفوظ‏,‏ فالوجود قائم علي التعدد‏..‏ نعم‏...‏ عبد الناصر كان عظيما وكان من الممكن أن نرفعه إلي أعلي الدرجات‏,‏ ولكنه أبدا‏,‏ أبدا‏,‏ لم يكن إلها‏.‏ والشاعر امرؤ القيس يذكرنا بالتعدد حيث يقول‏:‏
    ولو أنها نفس لماتت مرة
    ولكنها نفس تساقط أنفسا‏.‏
    ومن أجل بعض التوضيح لبيت امرئ القيس الوارد في رسالة الدكتور حربي أقول إن كلمة تساقط هي في الأصل تتساقط والتخفيف لضرورة الشعر‏,‏ وهو تخفيف مقبول من ناحية اللغة‏.‏
    وأخيرا أتوقف أمام رسالة وصلتني علي الفاكس من الأستاذ الفاضل الدكتور عبده‏,‏ ولم أستطع أن أقرأ الاسم الثاني لعدم وضوح الفاكس‏,‏ فليعذرني صاحب الرسالة وليتفضل بتصحيح الاسم وتوضيحه لنشره علي وجهه الصحيح‏.‏
    وفي هذه الرسالة يقول الدكتور عبده‏:‏
    فيما يتصل بقصة الخوف لنجيب محفوظ لست أجد أدق من قولكم‏:..‏ إن عبد الناصر ـ مهما كانت أخطاؤه ـ أعظم من أن يوضع في كفة واحدة متعادلة مع عثمان الجلالي بطل قصة الخوف وأن نجيب محفوظ هو أكرم وأنبل وأوسع أفقا من أن ينظر هذه النظرة الضيقة المحدودة إلي عبد الناصر‏.‏ وأنا ناصري حتي النخاع كما يقولون‏,‏ لذا أتمني لو أتيحت الفرصة أن تسأل نجيب محفوظ بصراحة‏:‏ هل قصد فعلا بكتابة هذه القصة أن يرمز إلي عبد الناصر‏,‏ فالأدلة التي وردت في مقالك والتي يرددها الذين يقولون إن عثمان جلالي يرمز لعبد الناصر هي فعلا أدلة لها وجاهتها‏,‏ والبعض ممن ناقشتهم مقتنعون بهذه الأدلة‏,‏ أي بأن نجيب محفوظ كان يقصد عبد الناصر في قصته الخوف‏.‏
    وأقول لصاحب الرسالة الفاضل الدكتور عبده إن أحد الأدباء قد كتب يوما يقول‏:‏ لا تسألوني عن معني ما أكتبه‏,‏ فسؤال الأدباء عن معني أدبهم يشبه سؤال المرأة عن عمرها‏,‏ فهو سؤال لا جدوى منه ولن يحصل أحد من ورائه علي إجابة صحيحة‏!‏
    بقيت هناك رسائل أخري حول قصة الخوف وموعدنا مع هذه الرسائل في الأسبوع القادم إن شاء الله.
    .................................................. ..........
    *الأهرام ـ في 27/1/2002م.

  6. #6
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    رحلة جديدة مع الخوف

    بقلم: رجاء النقاش

    لا تزال قصة الخوف التي كتبها نجيب محفوظ في أوائل الستينيات من القرن الماضي موضوعا لرسائل القراء الأعزاء‏,‏ وقد أسعدني ذلك‏,‏ حيث وجدت فيه كثيرا من المعاني الايجابية‏,‏ وأول هذه المعاني وأهمها أن قراءة الأدب لاتزال نشيطة وحية بين جماهير المحبين للثقافة والفن‏,‏ وأن قراءة الأدب لا تزال تقاوم هجمه الفن التليفزيوني الذي جعل من المشاهدة أيسر وأمتع من القراءة‏,‏ فالتليفزيون قادر بإمكاناته الواسعة أن يشغل الناس عن أدبهم وثقافتهم المقروءة‏.‏ وعندما نجد دليلا علي انتعاش القراءة الأدبية فإن في ذلك الدليل مايبعث علي اطمئنان المهتمين بحاضر الأدب ومستقبلة‏,‏ فلا يزال للأدب المقروء سحره وبريقه وجاذبيته‏,‏ ولن يخسر الأدب الجميل الجيد معركته بسهولة أمام التليفزيون‏.‏
    ومن المعاني الأخري في اهتمام القراء الأدباء بقصة الخوف أن هذه القصة الجميلة التي كتبها نجيب محفوظ منذ مايقرب من أربعين سنة لاتزال حية ومحتفظة بجمالها الفني حتي الآن‏,‏ وهذه هي القيمة الباقية دائما في كل أدب جيد وأصيل‏,‏ فمثل هذا الأدب يتجدد مع الأيام‏,‏ ويعطي ثماره كلما جاء الربيع وأي أدب يموت بعد كتابته ويفقد تأثيره بعد ظهوره بوقت طويل أو قصير‏,‏ هو أدب فيه نقص وقصور‏,‏ أما الأدب الحي‏,‏ مثل أدب نجيب محفوظ‏,‏ فهو أشبه باللحن الذي يمكن عزفه في كل العصور‏,‏ ولن يؤثر فيه تجدد الآلات الموسيقية أو اختلاف الأذواق من جيل إلي جيل‏,‏ وذلك لأن مادة الحياة في هذا اللحن باقية وإن تغيرت الظروف أو تغير الناس علي أن من أهم ما أسعدني في رسائل القراء الأدباء حول قصة الخوف هو أن عددا من هذه الرسائل يختلف مع رأيي في القصة‏,‏ فقد كان رأيي ولايزال هو أن بطل القصة عثمان الجلالي ليس رمزا ولا إشارة إلي الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بقدر ماهو رمز وإشارة إلي معني إنساني عام يتصل بكل الأحوال المشابهة لحوادث القصة في مصر والعالم ولا بأس أن يقال إن في القصة تنبيها لضباط ثورة يوليو جميعا حتي يكونوا علي وعي بهذا المعني الانساني‏.‏ وحسب وجهة نظري فان عثمان الجلالي كما رسمه نجيب محفوظ في قصته هو تجسيد لظاهرة الانفراد بالقوة وهو يمثل كراهية نجيب لهذه الظاهرة وتحذيره منها وتأكيده بأنها تنطوي علي شر كبير في أي موقع تظهر فيه‏,‏ سواء أكان ذلكك في الأسرة أو في المجتمع أو في العالم الواسع الكبير أو حتي في شارع أو حارة أو مؤسسة من المؤسسات‏.‏ ولاشك أننا نستطيع أن نقرأ القصة الآن في ضوء الموقف العالمي الراهن‏,‏ وهو موقف تعاني منه الدنيا كلها بعد انفراد البعض بالقوة دون غيرهم‏,‏ مما يدفعهم إلي الكثير من التصرفات الخاطئة والظالمة والخطيرة‏.‏ وفهمي للقصة علي هذه الصورة يبتعد بها عن أن تكون عملا فنيا محدودا ومؤقتا ينتهي تأثيره بانتهاء مناسبته‏.‏ كما أن بطل القصة قد انتهي به الأمر إلي أن يكون مجرد بلطجي‏,‏ فهل يمكن أن يقتنع عدو أو صديق بأن نجيب محفوظ قد نظر إلي عبد الناصر مثل هذه النظرة؟ أشك في ذلك‏.‏
    ومع هذا كله فأنا لا أري ضررا في أن يختلف معي القراء الأدباء في تفسيري للقصة‏,‏ مادام الاختلاف قائما علي الصدق وحسن النية‏,‏ فمثل هذا الاختلاف هو نوع من الهواء النقي الذي يحقق الصفاء في عالم الفكر وهو اختلاف يضيف إلي الحوار حيوية تقضي علي أي ركود فيه‏.‏ ولذلك فأنا بهذا الاختلاف سعيد وإذا كنا سوف نضيق بالاختلاف في تفسير الأعمال الأدبية‏,‏ فكيف لنا أن نحلم بأي نوع من الديمقراطية؟‏!‏
    وأعود إلي بقية ماوصلني من رسائل حول قصة الخوف وأولها رسالة من الأديب اللواء أحمد العرنوسي عضو اتحاد الكتاب وفيها يقول‏:‏ القصة الرمزية من القصص التي يلجأ إليها الكاتب إذا أراد أن يعبر عن رأيه دون مجاهرة أو بطريقة لا توقعه في مشاكل‏.‏ وقد لجأ إلي هذا الأسلوب الكاتب الكبير توفيق الحكيم في إحدي قصصه حين صور قطارا يسير وتعترضه مخاطر‏,‏ فينزل الركاب ومعهم سائق القطار‏,‏ فمنهم من يري أن العلامة الخاصة بمرور القطار حمراء ومنهم من يري أنها خضراء‏,‏ وذلك إشارة إلي التردد بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي‏.‏ وكاتبنا الكبير نجيب محفوظ له باع طويل في عالم الرمز‏,‏ وهو ـ كما جاء في مقالك عن قصة الخوف ـ ليس من أعداء ثورة يوليو‏,‏ ولكنه كان دائما يريد لها ما هو أفضل‏,‏ وقد كانت روايته ميرامار من هذا النوع‏,‏ فقد أراد كاتبنا أن يصور مصر في شخصية زهرة الفتاة الريفية التي تعمل بالبنسيون‏,‏ والتي كانت مطمعا للنزلاء‏,‏ ومنهم الاقطاعي الذي تم وضعه تحت الحراسة‏,‏ وعضو الاتحاد الاشتراكي الذي ينادي بالقيم ويتم ضبطه مع آخرين بسرقة أموال إحدى الشركات‏.‏ وفي النهاية يفوز بقلب زهرة بائع الصحف الذي أحبها‏.‏ والحقيقة أن نجيب محفوظ لم يرمز لشخصية عبد الناصر في قصة الخوف بضابط الشرطة عثمان الجلالي‏,‏ ولكنه أراد معني أوسع‏,‏ وهو ثورة يوليو بأكملها‏,‏ وقد قضت الثورة علي الملك والاستعمار والإقطاع الذين أذلوا هذا الشعب وحظيت الثورة بتأييد واسع من طبقات الشعب الفقيرة‏,‏ إلا أنه كما كان للثورة ايجابياتها فقد كان عليها مآخذ كثيرة‏,‏ منها عدم الالتزام بالشرعية القانونية وانحراف بعض رموزها وتابعيهم‏,‏ مما أدي إلي مصادرة الحريات وفرض الرقابة الصارمة علي الصحف وأجهزة الاعلام وإتاحة مواقع السلطة لأصحاب الثقة‏,‏ مع تنحية أصحاب الخبرة والمعرفة والثقافة‏.‏ وفي وقت ظهور قصة الخوف كانت البلاد ترزح تحت بطش لجان تصفية الاقطاع التي قادتها مجموعة من الضباط الشبان والصولات والجنود‏,‏ وفي محافظتي‏,‏ وهي الدقهلية‏,‏ كنت أعمل في جهاز الشرطة بمدينة المنصورة‏,‏ وقد شهدت بنفسي مساعدا أي صول يحكم محافظة الدقهلية ويوصي بوضع من يشاء تحت الحراسة‏.‏ لقد أراد كاتبنا الكبير أن ينبه إلي خطورة التصرفات التي لا تستند إلي شرعية أو قانون‏,‏وهي التصرفات التي أنشأت‏,‏ ماأصبح معروفا باسم مراكز القوة التي قضي عليها الرئيس الراحل أنور السادات‏.‏
    ويختتم اللواء أحمد العرنوسي رسالته بقوله‏:‏ إن قصة الخوف لو تم نشرها اليوم لكانت معبرة عن الحالة الدولية التي انفردت فيها أمريكا بالقوة وأصبحت تبطش بمن تشاء دون مراجعة‏.‏ وقصة الخوف تصلح لكل عصر تسود فيه روح البطش ويخفت فيه صوت الضمير والعقل والشرعية‏.‏
    والرسالة الثانية من الأستاذة مني عمرو‏,‏ وهي تنتمي ـ كما فهمت من رسالتها ـ إلي أسرة الديبلوماسي الشهير عبدالفتاح عمرو سفير مصر في لندن قبل الثورة‏.‏ وفي هذه الرسالة تقول الأستاذة مني‏:‏ أود أن يكون لي شرف المساهمة في التعليق علي قصة الخوف لكاتبنا العالمي نجيب محفوظ‏,‏ والقصة جميلة‏,‏ وهي تثير قضية خطيرة وجديرة بالتفسير والمناقشة وقضية القصة هي الانفراد بالقوة وما يتركه ذلك من آثار سيئة علي الضعفاء الذين يتصورون للأسف أن خضوعهم وسلبيتهم وعدم تمردهم إنما هو حائط الأمان بالنسبة لهم‏.‏ ولاشك أن نجيب محفوظ يشير بين سطورقصته إلي أن الانسان ليس معصوما من الخطأ‏,‏ وأنه إذا لم يجد من يردعه عن الشر فسوف يقع فيه ويستمر في ذلك‏.‏ ومن هنا ظهرت القوانين السماوية والأرضية لكي تردع الانسان عن الخطأ والشر‏.‏ والعدالة لا معني لها دون قوة تحميها‏.‏ وضعف الضعفاء يثير شهية الأقوياء ويشجعهم علي مزيد من الطغيان‏,‏ فالضعف هو المادة التي تصنع الانسان القوي‏,‏ والقوي ليس قويا بنفسه وإنما هو قوي بضعف الآخرين‏.‏ وقد تعرضت الحارة في قصة الخوف لنجيب محفوظ إلي آثار سلبية مفزعة لأن ضابط الشرطة عثمان الجلالي انفرد بالقوة‏,‏ وتخلي عن قدسية عمله‏,‏ وقام بتقليد الفتوات‏,‏ بينما كان هذا الضابط في الأصل هو حامي القانون والساهر علي تنفيذه‏,‏ ولكنه أصيب بفيروس الظلم والجبروت ولم يجد من يردعه وكذلك فالقصة‏,‏ رغم أنها مكتوبة في القرن الماضي‏,‏ إلا أنها تبدو وكأنها مكتوبة بعد أحداث‏11‏ سبتمبر المعروفة‏,‏ وفيها وصف لأحوال العالم الآن‏.‏ وفي القصة مايحث المظلومين علي الصحوة وعدم الاستسلام لما يتعرضون له‏.‏ وهذه متعة من آلاف المتع التي نحس بها في كتابات نجيب محفوظ‏,‏ فنحن نقرأ رواياته وقصصه في أي وقت دون أن يعنينا كم من الوقت قد مر علي كتابتها‏.‏
    والرسالة الثالثة من الأديب الأستاذ مصطفي عبد المنعم ـ من مواليد‏1927‏ كما جاء في الرسالة‏,‏ ويقول الأستاذ الفاضل في رسالته‏:‏ رأيي باختصار في قصة الخوف لنجيب محفوظ هو أن نجيب ببصيرته النافذة وحبه الواعي لوطنه مصر كان يقصد الزعيم جمال عبد الناصر بشخصيته بطل القصة عثمان الجلالي‏,‏ ولكنه لم يكن يملك ككاتب إلا هذا الأسلوب الرمزي حتي يتمكن من نشر قصته‏,‏ وليفهم أصحاب الألباب‏.‏ والحمد لله‏,‏ فإنهم كثيرون‏.‏ أطال الله عمر كاتبنا الكبير ورحم الله عبدالناصر‏,‏ وأقال الله مصر من عثرتها وتأخرها وكبوتها بسبب حكم استمر‏18‏ عاما‏,‏ تم فيه تكبيل مصرنا الغالية بينما انطلقت فيه مختلف دول الجيران‏.‏
    والرسالة الرابعة من الأستاذ مصطفي مشالي ـ السويس ـ وفي هذه الرسالة يقول الأستاذ الفاضل‏:‏ لم يكن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر صاحب انفراد بالقوة علي طول الخط‏,‏ ولكنه عندما أصبح صاحب القرار في البلاد وقع في هذا الانفراد الذاتي بالقوة وذلك عندما أمر بحشد القوات المسلحة في سيناء سنة‏1967.‏ لقد كان عبد الناصر مثلا يحتذي في الوطنية‏,‏ وكان رائدا للقومية العربية وهو مؤسس الضباط الأحرار وقائد الثورة ومحرر مصر من الاحتلال ومن أسرة ملكية فاسدة‏,‏ ولو أن عبد الناصر استعان بالصبر والمشورة ولم يقم بالتلويح بالحرب لما كانت مأساة‏1967‏ التي مازلنا نعاني منها إلي الآن‏.‏ أما الصراع بين الفتوات فهو يرمز للصراع بين الأمريكان والسوفييت في وقت كتابة القصة‏.‏ أما عطفة فرغانة في القصة فهي رمز للبلاد العربية التي كان الأقوياء ـ أي الفتوات ـ يتصارعون عليها رغم أن هذه البلاد لم تكن طرفا في النزاع ولكنها تأثرت به ودفعت ثمنا له‏.‏
    ومن الأستاذ الفاضل الدكتور فاروق عبدالسلام‏260‏ شارع شبرا مصر جاءت الرسالة الخامسة‏,‏ وهي رسالة ساخنة‏,‏ وفيها يقول صاحبها‏:‏ باختصار شديد لماذا تنحاز هكذا لعبد الناصر انحيازا كاملا وأنت في غاية الاطمئنان إلي أن التاريخ سوف يكتبها لك لا عليك؟
    إن ما ذكره أصحاب الرأي القائل بأن المقصود ببطل قصة الخوف لنجيب محفوظ هو جمال عبد الناصر من أسانيد ثلاثة هو أمر صحيح مائة في المائة‏,‏ فالتلميحات والايحاءات في الحرفين ج‏.‏ ع من اسم جمال عبد الناصر واسم عثمان جلالي صحيحة‏,‏ وخلعه الملابس العسكرية ولبسه الملابس المدنية صحيح‏,‏ واستيلاؤه بعد ذلك علي نعيمة أي علي مصر صحيح مائة بالمائة‏.‏
    ثم ينتقل صاحب الرسالة الدكتور فاروق عبدالسلام إلي اختيار بعض العبارات الواردة في قصة الخوف ويفسرها بما يتفق مع وجهة نظره فيقول‏:‏ هناك ما ورد في قصة الخوف‏,‏ من قول نجيب محفوظ عن نعيمة ـ أي مصر ـ‏:..‏ ولكن نظرة عينيها العسليتين خلت من الروح كورقة ذابلة وقوله عن نعيمة أيضا‏:‏ وطبعت بطابع الجفاف فركضت الشيخوخة نحوها بلا رحمة ـ فهل فعلت هزيمة‏1967‏ بنعيمة أي مصر إلا هذا بعينه؟‏,‏ ثم يقول الدكتور في رسالته الشائكة جدا‏:‏ وأخيرا لماذا لا تنتظر من الروائي المبدع نجيب محفوظ أن تكون عينه علي عبد الناصر وهو يرسم ملامح شخصية عثمان الجلالي‏,‏ مع أن الذي اكتشف نجيب محفوظ وقدمه للحياة الأدبية هو الناقد العظيم سيد قطب صاحب تفسير في ظلال القرآن الذي أعدمه عبد الناصر؟‏!‏
    وأعتذر لصاحب الرسالة الفاضل عن عدم نشر بقية رسالته لما تتضمنه من لغة نقدية بالغة القسوة والعنف‏.‏ علي أنني مع ذلك أريد أن أقول لصاحب الرسالة إنني لا أنكر حبي لعبد الناصر وإيماني بأنه شخصية تاريخية نادرة‏,‏ ولكن هذا لا يمنعني من رؤية الأخطاء‏,‏ وبعضها فادح‏.‏ كما أنني أعترف مع صاحب الرسالة ومع نجيب محفوظ نفسه بأن سيد قطب كان هو أول ناقد كبير يلتفت إلي نجيب ويشير بقوة إلي موهبته‏.‏ ولكن هل كان اكتشاف سيد قطب لعبقرية نجيب محفوظ هو السبب في إعدامه ؟‏.‏ إنني لا أخفي إعجابي الكبير بأدب سيد قطب وأفكاره المتميزة ومواهبه العالية‏,‏ ولا أخفي حزني الشديد بسبب مصيره المأساوي‏.‏ ولكنني لست من أهل السياسة‏,‏ ولا أحب أن أكون‏,‏ ولذلك لم أفهم مطلقا كيف اندفع سيد قطب‏,‏ هذا المفكر الكبير‏,‏ إلي إلقاء نفسه في دوامة السياسة العملية العنيفة‏,‏ والتي يعرف أصحابها مقدما أنها تقود إلي إحدى قمتين‏:‏ السلطة أو المشنقة‏,‏ كما لم أفهم أبدا كيف أقدم مفكر نابغ مثل سيد قطب علي تأليف كتاب مخيف مثل معالم علي الطريق‏,‏ وهو كتاب تحريضي أشعل النار وأودي بحياة كثيرين ومنهم سيد قطب نفسه‏.‏
    والرسالة السادسة والأخيرة من الشاعر الأديب أحمد جابر شاعر غنائي واختصاصي مكتبات الجهاز المركزي للتنظيم والادارة والرسالة طويلة وخلاصتها أن نجيب محفوظ في قصته الخوف كان يتنبأ بما حدث وسوف يحدث لبعض الشعوب مادامت واقعة تحت وطأة الخوف وملتزمة بدفع ثمن هذا الخوف‏.‏ وقصة نجيب محفوظ موجهة إلي عرب الأمس وعرب اليوم وعرب الغد‏,‏ وهي موجهة إلي كل من يظن أنه بمنأى عن الخطر مادام استسلم لقوانين الخوف الـظالمة له والمسيطرة عليه‏.‏
    وقد أرسل الشاعر أحمد جابر مع رسالته قصيدة جميلة بالعامية لا يسمح المجال بنشرها وإن كان من حق صاحبها أن أقول له إن قصيدته تكشف عن موهبة طيبة.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    *الأهرام ـ في 3/2/2002م.


  7. #7
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    نجيب محفوظ: رائد الرواية العربية والحائز على جائزة نوبيل العالمية عام 1988م

    بقلم: ويلسن بريخو

    علمٌ من أعلام الأدب العربي و رائد من رواد الرواية العربية، ذلك هو نجيب محفوظ الذي وقف على أعلى قمة أدبية عند حصوله على جائزة نوبيل العالميّة في الآداب.
    حمل نجيب محفوظ مشعلَ الحرية، فأرادَ أن يهدي الشبابَ والأجيال القادمة إلى رؤية جديدة في الدراسة الأدبية، وينشر حب المناقشة وتبادل الرأي في إطار إنساني متفاهم.
    وُلدَ نجيب محفوظ بحيّ الجمالية الذي هو أحد أحياء منطقة <<الحسين>> بمدينة القاهرة الفاطمية في 11 كانون الأول/ديسمبر 1911، والاسم الكامل لنجيب محفوظ هو <<نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد باشا>> وأصل أسرته من مدينة <<رشيد>> على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
    عاشَ نجيب محفوظ في حيّ الجمالية وهو قلب القاهرة القديمة. و في هذا الحيّ القديم الأصيل يعيشُ أبناء الشعب جيلاً بعد جيلٍ. و في حيّ الجمالية عرفَ نجيب محفوظ الحياة الشعبية وعادات سكانها حيثُ تركتْ آثاراً عظيمة في أدبه وفي معظم روايته وقصصه.
    فمن <<حيّ الجمالية>> أخذ الكثير من الأسماء << خان الخليلي>>،و<< زقاق المدق>>، و <<بين القصرين>> و <<قصر الشوك>> و <<السكرية>>. ومن <<حيّ الجمالية>> أخذ نجيب محفوظ كلمة <<الحارة>> التي أصبحت فيما بعد رمزاً للمجتمع والعالم، أي رمزاً للحياة والبشر.
    وتناول نجيب محفوظ المعاني الإنسانية في رواياته الأدبية، ففي رواية<<خان الخليلي>> كانت الحارة صورة حيّة لمجتمع مصر في صراعاته وتطوراته المختلفة مع كل جديد في الحضارة الحديثة.
    وانتقل نجيب محفوظ من <<حيّ الجمالية>> إلى <<حيّ العباسية>> مع أسرته، وكان الحيّ الجديد أعلى مستوى، فتعرف محفوظ على طائفةٍ من الأدباء والشعراء والمثقفين، أمثال: <<إحسان عبد القدوس>> و الدكتور <<أدهم رجب>>.
    بدأ نجيب محفوظ نشاطه الفكري وهو طالب، واتصل بأستاذين كبيرين له، وهما:
    الأستاذ <<الشيخ مصطفى عبد الرزاق>> أستاذ الفلسفة الإسلامية في كلية الآداب. والأستاذ <<سلامة موسى>> الصحفي والمفكر الكبير.
    وقد أخذ نجيب محفوظ عن أستاذه سلامة موسى نزعته التجددية و تطلعه إلى الحضارة الحديثة وحماسه لفكرة العدالة الاجتماعية، واهتمامه بالبحث عن أصول الشخصية المصرية في جذورها الفرعونية.
    وكان نجيب محفوظ محباً للضحك والنكتة والموسيقى والطرب، وكان صديقاً للناس يخاطب العامة، يزور المقاهي ويلتقي بالأصحاب والأصدقاء، وكان مقهى <<عرابي>> في حيّ الجمالية حيث زاره أكثر من عشرين سنة. ومكان آخر كان يتردد عليه وهو <<كازينو الأوبرا>> ومقهى <<ريش>>.
    ونستطيع القول بأن (الثلاثية) هي أعظم عمل قام به نجيب محفوظ، وبل أعظم عمل روائي عرفه الأدب العربي في العصر الحديث. فالثلاثية عمل أدبي رائع يصور هموم ثلاثة أجيال في مصر: جيل ما قبل ثورة 1919، وجيل الثورة، وجيل ما بعد الثورة. فصوّر محفوظ أفكار وأذواق هذه الأجيال ومواقفها من المرأة والعدالة الاجتماعية والقضية الوطنية. كما صوّر محفوظ عادات وأزياء وثقافة هذه الأجيال وما تقرأه من صحف ومجلات. <<فالثلاثية>> ملحمة تصور الواقع الاجتماعي والتجربة الإنسانية في الحياة.
    وأنهى نجيب محفوظ عمله الأدبي بـ 49 عملاً روائياً وقصصياً وجائزة نوبيل العالمية عام 1988، وكان نجيب محفوظ أول عربي ينال هذه الجائزة.


  8. #8
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    حوار مع نجيب محفوظ

    حاوره: حمدي عابدين

    *من حي الجمالية إلى استوكهولم
    *نجيب محفوظ: مزقت كثيرا من كتاباتي قبل نشري أول قصة

    في لقائه الأسبوعي الذي يعقد كل يوم أحد بفندق شبرد بالقاهرة توافد أحباؤه ومريدوه وأصدقاؤه لتهنئته بعيد ميلاده التسعين. بدا نجيب محفوظ في قمة نشاطه ووعيه. كان موعدنا معه هناك لأن زوجته أخبرتنا أنه لا يلتقي بأحد في منزله في شهر رمضان. سألته في البداية: أستاذ نجيب.. بعد خبرتك الطويلة في الكتابة القصصية والابداعية ماذا يمكن أن تقول للمبدعين الشباب؟
    فأجاب: الثقافة والعمل والصبر.
    * هل كتبت كثيراً قبل أن تنشر أول قصة؟
    ـ كتبت كثيرا من القصص بعضها مزقتها قبل أن أرسلها إلى أي جريدة، وربما مزق بعضها القائمون على أمر الصفحات الأدبية. استمر هذا طويلا إلى أن جاءت أشياء تستحق النشر، بعدها سارت الأمور بشكل جيد.
    * هل تذكر بعض الكتابات التي مزقتها؟
    ـ إحدى هذه الكتابات كان كتاب "الأعوام" وقد كتبته تقليدا لكتاب "الأيام" الذي ألفه طه حسين وعبر فيه عن حياته ومعاناته إلى أن صار عميدا للأدب العربي. وعلى هذا المنوال مزقت كتابات أخرى شعرت أنها جاءت على نهج كتابات لآخرين أمثال المنفلوطي إلى أن كتبت قصة اسمها "ثمن الضعف" رأيت أنها يمكن أن تنشر وأبدأ بها حياتي مع الإبداع فأرسلتها إلى مجلة "الجديد"، وكان ذلك في عام 1934.
    * ماذا تقول عما يحدث الآن في فلسطين؟ هل ترى أن هناك إمكانية لتحقيق السلام؟
    ـ لا بد أن يكون هناك أمل في تحقيق السلام، لأنه ليس هناك أحد يستطيع أن يحارب طول عمره إلا إذا كان مجنونا.
    * هل أنت مقتنع بإمكانية تحقيقه الآن أو في المستقبل المنظور؟
    ـ جاء علينا وقت كنت مقتنعا تماما بأن السلام تحقق على أرض فلسطين وأن العرب هناك سوف يحصلون على حقوقهم. كنت مقتنعا بهذا مدة طويلة جدا إلى أن حدثت الانتفاضة الأخيرة.
    * تعتقد أن شارون يمكنه أن يوقف الحرب؟
    ـ المسألة ليست حربا أو سلاما، لكن لا بد أن يكون هناك اقتناع بحقوق الناس. إذا حدث ذلك وجاء إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية شخص مقتنع بحقوق أبناء فلسطين يسود السلام.
    * لقد زادت الحروب الصغيرة والكبيرة في عصرنا الحالي. ما هي أسباب ذلك في رأيك؟
    ـ بعد الحرب العظمى الثانية اعتقدت أنها آخر الحروب الكبيرة، لأني مقتنع انه ليس هناك دول يمكنها أن تهلك دولا، لكن بعدها شاهدت حروبا دخلتها أميركا للسيطرة على العالم، فهل تعتقد أن هناك أسبابا أخرى لديها، هي تحارب ولديها كل شيء لماذا تحارب، كان هناك أسباب كبيرة للحرب الأولى والثانية، أما حروب أميركا الحالية فلا نعرف ما الذي يدفعها لخوضها إلا ما قلته قبل ذلك.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    *الشرق الأوسط ـ في 11/12/2001م.

  9. #9
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    قراءة في «أصداء السيرة الذاتية» لنجيب محفوظ (1)

    بقلم: أ. د. حسين علي محمد

    صدرت في الأعوام الأخيرة بعض كتب السيرة الذاتية، ومنها «شواهد ومشاهد» لعبد الحميد إبراهيم، و«مد الموج» لمحمد جبريل، وكلها يقتدي بنجيب محفوظ في كتابه «أصداء السيرة الذاتية»، حيث لا تُرصد السيرة الذاتية بطريقة السرد المعروفة، وإنما تُختار مشاهد أقرب إلى اللقطة الموحية، أو القصة القصيرة جدا، وقد أفادت هذه السِّيَر في هذه التقنية من كتاب نجيب محفوظ «أصداء السيرة الذاتية».
    وقد كتبتُ في مجلة «قرطاس» (عدد يناير 2001م) مقالة عن كتاب «شواهد ومشاهد» لعبد الحميد إبراهيم، توقّفتُ فيها عند التشكيل والرؤى، وفي هذه المقالة سنلتقي مع خمسة مشاهد من كتاب «أصداء السيرة الذاتية» لنجيب محفوظ تقتربُ في تقنية كتابتها من «القصة القصيرة جدا»، وسنتوقف أمامها لتأمل دلالاتها الفكرية والثقافية.
    وسنلاحظ في هذه المشاهد أن نجيب محفوظ اتخذ من المرأة (التي طالت صحبتُه معها في الحياة وفي الفن) أداة فنية: حقيقية في المشاهد الثلاثة الأولى، ورمزية في المشهدين الرابع والخامس:
    المرأة والنضال!
    يقول في مشهد بعنوان «ليلى»:
    «في أيام النضال والأفكار والشمس المشرقة تألقت ليلى في هالة من الجمال والإغراء.
    قال أناس: إنها رائدة متحررة.
    وقال أناس: ما هي إلا داعرة.
    ولما غربت الشمس وتوارى النضال والأفكار في الظل، هاجر من هاجر إلى دنيا الله الواسعة.
    وبعد سنين رجعوا، وكل يتأبط جرة من الذهب وحمولة من سوء السمعة.
    وضحكت ليلى طويلا وتساءلت ساخرة:
    ـ ترى ما قولكم اليوم عن الدعارة؟!»( ).
    إن هذا المشهد يُشير إلى بداية التحرر الوطني (في الخمسينات والستينيات الميلادية من القرن الماضي) حيث خرجت المرأة إلى ميادين الحياة واختلف الناس في فهم هذا الخروج، الذي رآه البعض تحرراً ورآه البعض دعارة. ولكن الزمان اختلف ـ على حد تعبير الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة ـ وجاء عهد لا يرفع شعارات النضال، ولا يتعامل بمفردات القاموس التي شاعت في الخمسينيات والستينيات، بل ينحت ألفاظاً أخرى عن السوق المفتوحة، وفوائد السفر، والشركات متعددة الجنسيات، والرؤية الواقعية، والحل التاريخي مع إسرائيل … إلخ. وهاجر من هاجر إلى دنيا الله الواسعة؛ بحثاً عن استثمار أمواله التي كسبها في سنوات النضال، أو للراحة من النضال، أو للبحث عن الثروة، ويصور نجيب محفوظ هذا بقوله المفيد المختصر: «وبعد سنين رجعوا، وكل يتأبط جرة من الذهب وحمولة من سوء السمعة».
    وهنا يحق لليلى ـ التي عانت من قبل من هؤلاء، في أيام النضال والثورة ـ أن تتساءل، ساخرةً من أعمالهم الآن التي تتنافى مع أقوالهم «أيام النضال والأفكار»: «ترى ما قولكم اليوم عن الدعارة؟!».
    إن هذا المشهد يرسم لوحة رآها الروائي واختزنها، حتى أخرجها لنا في هذا المشهد، وكأنه يقول لنا لقد عشتُ عصر الكلام الجميل، و«الأيديولوجيا الاشتراكية» الذي سرعان ما اتضح زيف أصحابه المنادين به عند أول اختبار.
    المرأة والزمن
    وفي مشهد ثان بعنوان «النهر» يُقدِّم فيه صورة قد تكون حقيقية لامرأة عرفها، لكنه من خلالها يُشير إلى تدفق نهر الزمن، حتى ليُنسينا ما مررْنا به من تجارب حميمة. والمرأة هنا هي المرآة التي ينعكس عليها جريان هذا الزمن / النهر:
    «في دوامة الحياة المتدفقة جمعنا مكان عام في أحد المواسم.
    مَن تلك العجوز التي ترنو بنظرة باسمة؟
    لعلَّ الدنيا استقبلتنا في زمن متقارب.
    واتسعت ابتسامتُها، فابتسمتُ رادّاً التحية بمثلها.
    سألتني:
    ـ ألم تتذكّر؟
    فازدادت ابتسامتي اتساعاً.
    قالت بجرأة لا تتأتّى إلا للعجائز:
    ـ كنتَ أول تجربة لي وأنت تلميذ ..
    وساد الصمتُ لحظةً ثم قالت:
    ـ لم يكن ينقصنا إلا خطوة!
    وتساءلتُ مذهولاً:
    ـ أين ضاعت تلك الحياةُ الجميلة؟!»(ص80،81).
    إن العجوز تُعيد له قطعة جميلة من حياته ونزوات صباه، وكأنها جعلته يفطن إلى تدفق نهر الزمن، وأنه لم يعد يتذكر ما عاشه بالفعل، فيسأل ـ كأنه لا يُصدق ـ «أين ضاعت تلك الحياةُ الجميلة؟!».
    المرأة والتجربة الأليمة
    وفي مشهد ثالث بعنوان «الندم» يُقدِّم فيه صورة للمرأة التي ترمز إلى التجربة الآثمة الأليمة أو غير الصحية التي تُقابلنا في حياتنا، والتي نتذكرها بندمٍ، ولا بد من هذا الندم الذي هو علامة صحة نفسية، واستقامة دينية، وصحوة نفس ترفض الانجراف في الخطأ، أو مداومة السير في طريقه:
    «حملت إليَّ أمواجُ الحياة المُتضاربة امرأة، ما أن رأيتُها حتى جاش الصدر بذكريات الصبا. ولمّا ذابت حيرة اللقاء في حرارة الذكريات سألتُها:
    ـ هل تذكرين؟
    فابتسمت ابتسامة خفيفة تُغني عن الجواب.
    فقلتُ متهوِّراً:
    ـ التذكر يجب أن يسبق الندم!
    فسألتني:
    ـ كيف تجده؟
    فقلتُ بحرارة:
    ـ ذو ألمٍ كالحنين ..
    فضحكت ضحكة خافتة ثم همست:
    ـ هو كذلك، والله غفور رحيم!»( ).
    إن الإنسان قد يسقط، ويُمارس تجربة خاطئة في الحياة، لكنَّ الوعي بألم هذه التجربة (أو تلك الذكرى التعيسة) بدايةُ الرؤية الصحيحة للحياة وللأشياء، لأنها تعني تصحيحاً للخُطا، ورغبة حقيقية في عدم مداومة السير في الطريق الذي تبيَّن خطؤه!

    السوق / الحياة
    ويقول في مشهد رابع يمثِّل فيه السوق دنيا الله الواسعة:
    «ذهبتُ إلى السوق حاملاً ما خفَّ وزنُه وغلا ثمنه، واتخذتُ موضعي منتظراً رزقي. وهدأ الضجيجُ فجأة، واشرأبَّت الأعناق نحو الوسط. نظرتُ فرأيتُ ست الحسن تتهادى في خُطا ملكة على أحسن تقويم. سلبت عقلي وإرادتي قبل أن تُتم خطوة، فنهضت لأتبعها مخلفاً ورائي العقل والإرادة وأسباب رزقي، حتى دخلتُ بيتاً صغيراً أنيقاً يُطالع القادم بحديقة الورد. واعترض سبيلي بواب مهيب الجسم، حسن الهندام، وحدجني بنظرة مستنكرة، فقلت:
    ـ إني على أتم استعداد لأهبها جميع ما أملك.
    فقال الرجل بلهفة قاطعة:
    ـ إنها لا تُرحب بمن يجيئون إليها هاجرين عملهم في السوق»( ).
    إن المرأة الجميلة هنا ترمز للحياة الرخية الهانئة السعيدة، التي يحلم بها الكادحون في هجير الحياة، والتي لن ينالوها إلا بالتعب، والسعي في أسباب الرزق، التي يرمز إليها الكاتب بـ«السوق».
    وكأنه يقول لنا إن حلم الوصول إلى السعادة والعيش الهنيء في ظلالها ـ دون تعب ـ محاولة عقيم!
    المرأة والحقيقة!
    ويقول في مشهد خامس بعنوان «على الشاطئ»:
    «وجدت نفسي فوق شريط يفصل بين البحر والصحراء. شعرتُ بوحشة قاربت الخوف. وفي لحظة عثر بصري الحائر على امرأة تقف غير بعيدة وغير قريبة. لم تتضح لي معالمها وقسماتها، ولكن داخلنا أمل بأنني سأجد عندها بعض أسباب القربى أو المعرفة. ومضيت نحوها ولكن المسافة بيني وبينها لم تقصر ولم تبشر بالبلوغ. ناديتُها مستخدماً العديد من الأسماء والعديد من الأوصاف فلم تتوقف ولم تلتفت.
    وأقبل المساء وأخذت الكائنات تتلاشى، ولكنني لم أكف عن التطلع أو السير أو النداء»( ).
    والمرأة في المقطع السابق تُمثِّل الحقيقة التي نبحث عنها فلا نُصادف إلا الوهم، وقد انتقل السارد من صوت الفرد إلى صوت الجماعة من خلال الضمير «نا» في قوله: «داخلنا أمل بأنني سأجد عندها بعض أسباب القربى أو المعرفة». ولكن هاهو عمر الفرد ـ نجيب محفوظ ـ يُشرف على النهاية (أو هو عمر البشرية التي أوغلت في التاريخ) والمنادي لم يظفر ببغيته في معرفة الحقيقة رغم إلحاحه على معرفتها: «ناديتُها مستخدماً العديد من الأسماء والعديد من الأوصاف فلم تتوقف ولم تلتفت»، وستظل الرغبة في الحياة ومراودة المعرفة أملاً يُخايل الإنسان ويؤرق وجوده، وقد يصل إلى الخاتمة قبل أن يصل إلى الحقيقة! «وأقبل المساء وأخذت الكائنات تتلاشى، ولكنني لم أكف عن التطلع أو السير أو النداء».
    وما أكثر التجارب التي تناولها نجيب محفوظ تناولاً فنيا من خلال تصويره المرأة تصويراً حقيقيا، أو رمزاً فنيا يُبلِّغ من خلاله ما يريد أن يقوله في فنية عالية، تمرّس عليها خلال رحلته الإبداعية الطويلة التي تقترب من ثلاثة أرباع قرن!
    ................................
    *من كتاب «مقالات في الأدب العربي المُعاصر» للدكتور د. حسين علي محمد، سلسلة «أصوات مُعاصرة» المنصورة 2004م.

  10. #10
    شاعر، وقاص، وناقد ( رحمه الله ! )
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    3,868
    رقم العضويه
    2217
    الحاله
    غير متصل
    الاعجاب
    times
    الروائي محمد جبريل‏ يتحدث عن نجيب محفوظ:‏

    فتوة العطوف اختيرت من بين قصص
    لم تنشر وهي مصدر شخصياته الخالدة
    صدي النسيان آخر ماكتب

    حوار: أحمد عبد العظيم‏:‏

    في الحادي عشر من نوفمبر عام‏1911‏ كانت مصر علي موعد مع ميلاد عبقرية أدبية فريدة قلما تجود بها الشعوب‏,‏ أطلق أولي صرخاته في دنيانا بحي الجمالية بالقرب من مسجد الحسين بعد ولادة متعسرة علي يد واحد من أشهر الأطباء وقتها وأطلقت الأم اسمه علي اسم وليدها تيمنا به‏..‏ فصار اسمه نجيب محفوظ عبد العزيز ابراهيم الباشا‏.‏
    ملك الأدب كل حواس أديبنا لدرجة أنه لم يكمل رسالة للماجستير عن مفهوم الجمال في الفلسفة الإسلامية تحت اشرف الشيخ مصطفي عبد الرازق وذلك لانشغاله بكتابة الرواية وعاني الأمرين من مشكلة النشر ولم يكن يتقاضي شيئا عن قصصه‏.‏
    ارتبط نجيبنا بصداقة عميقة وقوية مع الاخوان عبد الحميد وسعيد السحار منذ لقائهم الأول وأنشأوا لجنة النشر للجامعيين بهدف نشر أعمالهم التي لاتجد الناشر المغامر الذي يجرؤ علي نشر أول أعمال لكاتب شاب في ذلك الوقت‏..‏ وأمام الضائقة المالية تعاون الجميع في تدبير الأموال اللازمة لدرجة أن عبد الحميد جودة السحار أقنع زوجته بضرورة بيع حليها وأساورها الذهبية لنشر كتبهم‏.‏
    ومن ثمار هذا التعاون النادر صدور رواية رادوبيس وقد رأي أعوان الملك فاروق ان فيها دعوة للخلاص منه بقتله لأنها تحكي قصة غرام الفرعون بالراقصة رادوبيس واستيلائه علي أملاك المعابد وأموال الكهنة وانفاقها ببذخ علي نزواته الخاصة حتي اطلق عليه الشعب لقب الملك العابث وسقط صريعا بعد ان اطلق عليه أفراد الشعب سهما قاتلا‏.‏
    ونشرت هذه الرواية والحرب العالمية في عنفوانها واختفي الورق من الأسواق ورغم ذلك حصل السحار علي كمية من الورق من الجيش البريطاني وطبع عليه‏50‏ نسحة تلبية لرغبة نجيب محفوظ الذي كان يخشي أن يتكبد السحار أية خسارة لأن السوق ربما لاتستوعب عددا أكبر وأخيرا انتهت الحرب ونشر له السحار روايات وقصص همس الجنون وكفاح طيبة وخان الخليلي‏.‏
    وهذه كانت البداية‏,‏ أما النهاية فتبدأ بحصوله علي نوبل‏,‏ فيما طار بين وكالات الأنباء والاذاعات العالمية نبأ فوزه بالجائزة كان اديبنا الكبير وقتها نائما في سبات عميق نومة القيلولة كعادته ودخلت عليه السيدة زوجته في حجرة النوم دون أن تتأكد انه مستيقظ وقالت‏:‏ له بفرحة غامرة نجيب‏..‏ فزت بجائزة نوبل‏..‏ فرد عليها غير عابئ قائلا‏:‏ أنا مش قلت لك تبطلي أحلام‏.‏
    هذا يذكرنا بما حدث عندما أبلغ الكاتب الروسي الكبير ميخائيل شولوخوف نبأ فوزه بالجائزة وكان يصطاد سمكا فقال له صديقه‏:‏ قم يارجل لقد فزت بجائزة نوبل فرد عليه شولوخوف قائلا‏:‏ انتظر السمكة ستصعد بعد قليل‏..‏ لاترفع صوتك ونجيبنا له مكان في الصدارة علي المستوي العالمي ويكفي أن تقول عنه المستشرقة اليوغسلافية ميرا أجروفيتش لو كان نجيب محفوظ عندنا لأنفقنا ملايين الجنيهات ليكون ثاني يوغسلافي يحصل علي جائزة نوبل‏,‏ أنه أفضل عشرات المرات من كاتبنا الذي حصل عليها‏.‏
    ونهر ابداعات محفوظ مازال يتدفق رغم مرور ثلاث سنوات علي رحيله ومن آخر ماصدر له مجموعتان قصصيتان تمثلان البداية والنهاية أو المنبع والمصب‏.‏ الأولي بعنوان فتوة العطوف وهي تؤشر لبداياته والثانية بعنوان صدي السنين وهي آخر مجموعة كتبها ونشرها تباعا في مجلة نصف الدنيا في بداية التسعينيات‏.‏ وقد اختار سعيد جودة السحار الناشر السابق لأعمال محفوظ الروائي محمد جبريل كي يعد دراستين يصدر بهما المجموعتين باعتباره واحدا من أخلص تلاميذ نجيب محفوظ‏.‏ولعل الدراسات الأدبية التي قدمها جبريل بدءا بكتاب مصر في قصص كتابها المعاصرين ومرورا بكتاب آباء الستينيات وأخيرا كتاب نجيب محفوظ صداقة جيلين ـ مرآة صادقة لعلاقة حميمة بين التلميذ والأستاذ‏.‏
    وحرصت أدب علي لقاء الروائي محمد جبريل ليروي لنا كيف خرجت هاتان المجموعتان الي النور وماذا أضافت للتراث محفوظ الابداعي‏.‏
    في البداية بادرنا قائلا‏:‏ صلتي بالأستاذ نجيب لم تنقطع طوال‏20‏ عاما وكنت أقابله يوميا‏,‏ لأنني كنت أكتب عنه وأعرض عليه ما أكتبه سواء المقالات أو الكتب فنشأت بيننا صداقة قوية وكنت أجلس معه في مقهي ريش وفي قصر السيدة عائشة فهمي وأثمرت هذه العلاقة ثقة غالية مازلت أعتز بها حتي الآن‏,‏ خاصة عندما عهد لي بتصحيح كتاب أصداء السيرة الذاتية بعد أن نشرت في حلقات في صحيفتين تشوبهما العديد من الأخطاء المطبعية لأنه كتبها وقتها ولم يراجعها بنفسه نظرا لظروفه الصحية وقمت بالمراجعة بعد الاطلاع علي مخطوطة الكتاب والأمر كان يتطلب مقابلته للتعرف علي صحة بعض الكلمات التي كتبها بطريقة غير واضحة بسبب كبر سنه‏,‏ وعقب صدور الكتاب وجدت سعيد جودة السحار يطلب مني أن أقوم باعداد دراسة لمجموعة قصصية اختارها شخصيا من بين‏80‏ قصة قصيرة كتبها نجيب محفوظ في بداية مشواره الآدبي ونشرها في بعض الدوريات التي كانت تصدر في الثلاثينيات والأربعينيات مثل الرسالة والثقافة وغيرهما وحين أراد ان يصدر مجموعته الأولي ترك لصديقه وناشره سعيد السحار مهمة الاختيار‏..‏ واختار السحار بالفعل قصص مجموعة همس الجنون فلم تضم أي من المجموعات التالية واحدة من بقية القصص وبدوره أيضا اختار السحار‏9‏ قصص‏.‏ ومن بين هذه القصص المهملة لتضمها مجموعة فتوة العطوف‏.‏
    وقال لي ان نجيب محفوظ وافق علي أن أتولي هذه المهمة‏.‏
    وما الذي تضيفه مجموعة فتوة العطوف لتراث محفوظ القصصي؟
    هي نافعة لدارسي نجيب‏,‏ فقد وجدت فيها ملامح لشخصيات ظهرت فيما بعد في الأعمال اللاحقة‏,‏ مثلا في قصة الذكري نجد ملامح من طفولته في حي الحسين بناسه وبيوته القديمة وبخوره ومآذنه ومقاهيه‏,‏ ولعل نجيب مفحوظ قد استعاد جو تلك القصص في صياغة بعض قصصه الحديثة مثل المهد ودخل الظلام وغيرهما والقصر العامر في قصة الذكري بحديقته الغناء وجدرانه وأبوابه العالية يذكرنا بقصر آل شداد في رواية قصر الشوق بل ان احساس يوسف في القصة يشابه مشاعر كمال عبد الجواد‏..‏ أما قضاء الوقت في سطح المنزل بين الطيور في قصة الهذيان فهو يذكرنا بأمينة في بين القصرين وعالمها الذي تحدد وراء المشربية‏.‏
    ونحن نجد في احسان شحاتة ومحجوب عبد الدايم في رواية القاهرة الجديدة تشابها مع شخصيتي سعيد أفندي وزوجته أمينة في قصة الغني خاصة فيما يتعلق بالمهانة والاستهتار وأيضا اشتغال محجوب موظفا في مكتب الوزير الذي أصبح عشيقا لزوجته وعلي أفندي خليفة في قصة أول ابريل يذكرنا بالساعي في قصة دنيا الله حين سرق مرتبات الموظفين وكلاهما تصور في انفاقها مدخلا لحياة أخري أكثر سعادة‏.‏
    ويضيف جبريل‏:‏ اننا نستطيع هنا التعرف علي ملامح الأبعاد الثلاثة التي تعبر عن الفلسفة الحياتية لأديبنا‏(‏ الدين والعلم والعدالة الاجتماعية‏),‏ كما ترددت فيما بعد في ابداعات قصصية وروائية‏.‏
    وهل تحمل قصة فتوة العطوف بذور تناوله لعالم القنوات الذي تواتر في أعماله فيما بعد ؟‏!‏
    بالفعل‏,‏ فقد رسمت هذه القصة الملامح العامة لعالم الفتوات وصراعاتهم التي تنشب لسبب ولغير سبب وأساليبهم في استلاب كرامة الناس وحقهم في الحياة الآمنة المستقرة‏,‏ وهو ما أفاد منه محفوظ في الحرافيش‏,‏ وأولاد حارتنا‏.‏
    وبحق فأنا أعتبر هذه المجموعة أقرب الي الدرر النادرة وصلت اليها عمليات البحث والتنقيب في ابداعاته التي لم تنشر لتضيف الي حياتنا الأدبية والفكرية عمقا وخصوبة متجددة‏.‏
    وحين ننتقل الي مجموعة صدي النسيان يوضح لنا جبريل أن تلك المجموعة نشرت علي التوالي في نصف الدنيا وبالتحديد في أواخر عقده الثامن ويضيف أعتز بأنني اخترت هذا العنوان ليكون بذلك المرة الثانية التي أختار فيها للاستاذ نجيب عنوانا لمجموعاته القصصية بعد موافقته‏..‏ ويبقي أن أقول ان الدراستين اللتين نشرتهما مع هاتين المجموعتين الأولي بعنوان عود علي بدء والثانية بعنوان نجيب محفوظ لاتستهدفان التقييم بل التقديم وتناولت فيهما جوانب من حياة وابداعات محفوظ‏.‏
    بعيدا عن التقييم والنقد فأنا ادري الناس بموضعي قياسا الي موضع استاذنا ليس علي المستوي الفني فقط وانما علي المستوي الانساني وسلوكيات الحياة‏
    ........................
    * الأهرام ..

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

المواضيع المتشابهه

  1. نجيب سرور
    بواسطة يحيى العبدلي في المنتدى مـوسـوعـة الأدبــاء العــرب
    الردود: 4
    آخر مشاركة: 08-10-2009, 07:44 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
تصميم onlyps لخدمات التصميم