مشاهدة النسخة كاملة : كانديدا


بثينة العيسى
20-04-2003, 06:46 PM
مؤلم .. أن تكون حياتك فارغة مما يستحق الذكر ..
الأشد إيلاماً.. أن يكون عندك الكثير لتقوله.. عن حياة فارغة !

أن تكون من مواليد الأول من إبريل يعني .. أن يلازمك ظلُّ كونك كذبة ، أو ربما .. مزحة تسللت خِلسة إلى عالمٍ حزين، و هي تجهل أبسط قواعد البكاء .. أو الكتابة ، كبديلٍ ملائم !

الثلاثاء .. يومٌ يليق بولادتي ، أشعر بأنه ملغيّ من خارطة الزمن ، يفتقر إلى التطرف و التوسط ، وجوده مجاملة للتافهين الذين يحضرون إلى الحياة لتكثير السواد ، يومٌ يشبهني، صامتٌ أكثر مما ينبغي ، لأن أيمن يكون قد شرعَ في قراءة كتاب جديد ، و هذا يعني أن تُفرغ ثلاث علب سجائر مارلبورو برفقة رجلٍ يحدق في الصفحات و يتأوه !

- حياةٌ واحدة .. لا تكفي لقراءة كل هذه الكتب !

هذا المجنون يلهث ، و كأنه يهرول منذ ساعات ، يقرأ و كأن قدر عليه أن يقطع أطول شوطٍ على الورق ، كمن يخوض منافسة مع نفسه ، عمرٌ واحد لا يكفي لتجربة كل شيء ، لذا .. هو يفعل ذلك في الكتب ، يذنب ، و يستغفر ، و يستبدل ملابسه ، و يحبس أنفاسه ، و يعرق ، و يجوع ، و يغني ، و يضاجع ، و يثمل ، يخاف أن يدركه الموت قبل أن يدلقَ في روحه كل الكتب ، ثم يتجشأ ما قرأه في أذنيّ .. ليضاعف غثياني!

الثلاثاء .. يومٌ أمثل للشخبطة على رزنامة تقويم ، لرسم خطٍ عريضٍ على ملامح التواريخ ، رثاءً للأيام الرخيصة المنصرمة ، أبالغ أحيانا و أرسم خطوطا على أيام السنة القادمة و أنا أقسم في كل مرة أنها لن تكون مختلفة في شيء ، هواية أخلص لها أكثر من زوجتي ، تشبه قضم الأظافر ، تشبه رسم الشوارب على صور الحسناوات كأقسى انتقام أعبر به عن بغضي لهن ، لمجرد أنهم جميلات و أبعد من قدرتي على الالتقاط !

أقلِب الورقة بقرف ، أتسلى برسم شيءٍ في طرف الورقة ، أزعم بأنها شجرة ، ربما صبارة ضخمة ، يلقي عليها أيمن نظرة خاطفة .

- ما هذه ؟
- شجرة !
- تبدو مثل التنين ذو الرؤوس التسعة !

لا أحتاج إلى أسباب فشلٍ جديـد ، أنا لا أمارس الرسم إلا إذا تآكلت كل أظافري ، ولا أستطيع حتى أن أكتب على السطر !

كتلة خواء متحركة ، هكذا تجعلني أشعر .. هذه المدينة التي تزداد خبالاً ، و تبالغ في العتمة ، أحدنا غائبٌ عن الآخر حتماً، أنا.. أو هذا العالم ، و طالما أن العالم كبيرٌ كفاية، سيكون إجحافاً بعظمته أن أتهمه بالغياب، لكنني لا أشعر به، و أنا أجزمُ يقيناً بأنه لا يشعر بي ..

كلانا في نظر الآخر ، كذبة !!

* * * *

- أنت لم ترضع كما يجب !

هذا ما يقوله في كل مرة يقرأ لي.. مقالاً !

- هل أصبحت تقرأ لفرويد ؟!
- و لم تمص إصبعك أيضاً !
- تباً ..

أولئك الذين لم يرضعوا كما يجب – و أنا منهم ، و أيمن ليس منهم – يكبرون و في أفواههم حروفٌ كثيرة ، " العدوان اللفظي " كما يسميه .

و السؤال إياه : ماذا يعني.. أن تكون رضيعاً بفم ملوث بالفطريات ؟!

" الكانديدا ".. هذا ما قالوه، فمٌ مليء بالفطريات، و طفلٌ يمصّ شفة الموت، و أمٌ تبكي من آلام ثدييها، تعصر صدرها في بالوعة المغسلة.. الصغير يزداد هزالاً، و البلاعة تزداد جمالاً !

" سيموت ! كيف لرضيع أن يعيش دون ثدي ؟!"

تقتات عليّ .. الكائنات الصغيرة ، تدمر جهازي الهضمي ، تبدو آثارها سافرة حتى في ما يطرده جسدي من فضلات ، و فمٌ ينزف بألم ، مع كل محاولة عابثةٍ لإرضاعي كانت تخرج ثديها و عليه آثار دماء امتزجت باللعاب .

صارت بعدها ترضعني بملعقة الشاي ، هي التي أدين لها بحياتي.. أعني، أمي معلقة الشاي !

أنخل الحيّ من ذاكرة معطوبة، على أمل أن تلفظ آخر صورة مقبورة في ما نسميه.. النسيان : المنفى الاختياري لكل آلامنا المؤجلة ، أدفن وجهي في ساعدي إمعاناً في الأسود ، ثلاث ساعات متتالية.. يلوكني الغياب ، أيّ حياةٍ هذه التي تستحق كل هذا الوقت من التمعن ؟!

لا شيءَ جديرٌ بالذكر، عدا أن الثلاثاء - عيد التافهين - يبدو ملائما لمزيد من التعرية .. أتطلع فيه إلى مغادرة المقهى أكثر خفة مما كنت عليه ، محاولاتي تخفق تباعاً .. في كل مرة أعثر في تلك المنطقة النائية المظلمة ، صورة تمارس ابتزازاً رخيصاً تجاهي ..

- يبدو جيداً !

يعلق أيمن، و أنا واثقٌ بأنه لا يحدث إلا نفسه..

- كيف تقيم الجودة ؟!
- الكتاب الجيد.. هو الكتاب الذي عندما تفرغ منه.. ينتابك شعورٌ بأنك قد خرجت من الحمام..

هكذا يتخلص صاحبي .. من (المغص الفكري !) ، يخلع نظارتيه.. يمسحها بطرف كمه.. ثم يضيف ..

- الكتاب الجيد هو الذي تقرأه عندما تكون إشارة المرور أمامك حمراء !

لم أفعل ذلك في حياتي ، إلا مع كتب الفيزياء ، و قبل الاختبار !

* * * *

حروفٌ ملوثة في فمي ! تباً للكانديدا ..

ذاكرتي تفضحني أمامي ، و كأنني أراه بسرواله البني الواسع و بقع الماء تحت إبطيه ، رجلٌ بصلعة ضخمة و زبدٍ في زوايا شفتيه، و عصا تتلوى بين يديه من فـرط الألم، و أنا في آخر الصف، في سلة القمامة، كلما التفت أحد الطلبة ليراني.. أمد له لساني و أتوعده بركل مؤخرته بمجرد انتهاء الحصة ، أصواتهم جميعاً تصطخب في رأسي :

- فرق بين ؟
- مربعين !
- حدودية ؟
- ثلاثية !
- مجموع ؟
- مكعبين !

مكعبات، و مربعات، و دوائر، و أشكال هندسية كثيرة ، توقظ اشمئزازي.. وسط غثاء القطيع الذي يتقيأ ما حفظ في أذني الأستاذ، و تحت قدميّ تماماً علبة عصير كوكتيل لزجة، و بقع شوكولاتة تلطخ بنطلوني .

أذهب إلى المدرسة حاملاً حقيبة فارغة و رأساً فارغة، أحفظ عن ظهر قلب الطريقة المتفردة لكل مدرس في معاقبتي، أكثر مما أحفظ ذلك التهريج الهندسي الأجوف .

مدرس الرياضيات يعاقب الطلبة بإيقافهم داخل سلال القمامة، مدرس العلوم، و طابورٌ طويلٌ من العاجزين عن حفظ النظريات.. وقوفاً أمام السبورة بأنوف ملتصقة ببقعة طباشير ، علامة الغباء الفارقة.. تلك التي لم يكن يسمح لنا بإزالتها عن أنوفنا حتى نهاية الدوام الدراسي ، لا شيءَ مثل أن تقضي حصة دراسية كاملة بأنف موسوم ببقعة بيضاء.. مثل مهرج حزين ، أستاذ اللغة العربية ، يجعلنا نقف وراء الباب و يمارس فتحه و غلقه بقوة حتى ترتطم الرؤوس البليدة الصغيرة بالجدار علّها تعمل ! طفولةٌ كهذه ، تفسر – إلى حدٍّ ما – أنني لا أحب الأصدقاء ، لكنني لا أفهم هذا التوائم مع أيمن، الشيءُ الوحيدُ الأكيد، أن هذا الوغد قد رضع بشكلٍ جيد، و ربما ما زال يمص أصبعه أثناء النوم ، و ما زال يمص سيجاره كما لو أنه يرضع ، هو مثل رجلٍ يقبل امرأة قبيحة لمجرد أنها امرأة .

أمام طرافة اللوحة ، أطلقنا ضحكات منطفئة ..

* * * *



- أرضعيه .. لا أريد له أن يصبح كاتباً !

أعانق في وجهه الهارب من ملامح طفولتي، ربما الأنف ، ربما الحواجب ، لم تكن الصورة مكتملة ، مؤلمٌ أن تعيش بجيوبٍ فارغة من صور الطفولة .. إلا من تلك بالأبيض و الأسود ، بشفاه مزمومة كخطيئة ، و نظرات مقطبة ، لا زلت ألعن المصور الذي لم يطلب مني أن أبتسم في الصورة الوحيدة التي أملكها عن طفولتي ، لأول جوازِ سفرٍ اتخذته في حياتي .

لست وسيماً بدرجة مشجعة على الاحتفاظ بالصور ، وجدتُ بعضها بين أشياء أمي بعد وفاتها ، مع زجاجة دهن عود فارغة و مشطٍ و سواكٌ منفوش الشعر ، لم أعد أحتفظ بها ، خلتني أفعل الشيء الصحيح عندما قررت أن أمشي في هذه المدينة عارياً مني.. لكن الحقيقة أن هذا الوهج الغافي في أعماق كلٍ منا ، التوق الملحّ إلى اقتحام الماضي بصفته يحمل الأجوبة الوافية عن كل التساؤلات الحزينة ، لم يرحمني يوماً !

الماضي الآن ، يغفو بين يديّ مثل قطة برأسٍ محلوقة ، أقسم بأنني رأيت وجهه من قبل ، ربما في المرآة ، و ربما في اللا مكان ، ملامحه المطموسة لا تجيد الاختباء من ذاكرةٍ شرهة أملكها ، أو تملكني ولا أملكها !

رأيت – مذعوراً - صورته منكفئاً على نفسه في المقهى يعبئ صدره بالدخان و يطرده من منخريه مثل تنين ضخم ، يرسم أشكالاً غريبة على ورقة رزنامة ميتة ، و رأيت بقعة طباشير بيضاء تلطخ أرنبة أنفه، أعدته إلى حجرها و علامات استفهام كثيرة تتأرجح بين عينيها بقلق .

- أرضعيه .. الرضاعة الطبيعة تحل كل مشاكل العالم !

ألملم مشاعرَ متناقضة من رؤية أول ولدٍ أرزق به للمرة الأولى ، أغادرها ناسياً أن أترك على جبينها قبلة ، فُتنت بما قلت ، لو وجد كل المجرمون في هذا العالم أثداءً ممتلئة في طفولتهم لعاشوا أسوياء، لكن علينا أن نبتكر علاجاً حقيقياً للكانديدا !

- سيصبحُ ساذجاً.. و متفائلاً..

قالها أيمن، و هو يطلق فلول الدخان من أنفه لتتطارح في الهواء ..

- عظيم !
- هذا إن صدق فرويد !
- سيرضع.. أريد لهذا الصبيّ أن يرضع..

يقرأ خوفي المعقود بين عينيّ، يبتسم ابتسامة انتصار أخرى، لأنه- الوغد !- يعرف كيف يقرأني، و يعرف بأنني لا أريد لابني أن يكبر صورةً عن رجلٍ يشبه الظلال .


* * *


أرتعش رهبة في كل مرة يعادُ عليّ المشهد، أقرفص أمامها طويلاً، خائفاً من الاقتراب بقدر ما لا أرغب بالابتعاد، أقبع بصمت في منطقة حياد منطفئة، ينتابني إحساس بعظمة الموقف ، أنا، بفمي الملوث، أبقى صامتاً، و كأن أي حرفٍ سأتلفظ به يمكن أن يلطخ قداسة الصورة ، حتى هي ، لم أكن أسمح لها بأن تتكلم ، الأمر صار غريبا كصلاة ، و مألوفاً كصلاة ..

تدس حلمة متوردة في فمه، صياحه يخمد على الفور، يصدر همهمات جوعٍ متقطعة.. ثم ما يلبث أن يصمت تجاوباً مع الهدوء من حوله، وينام..

كانت الصورة من أغرب من رأيت، أغرب حتى من رضيع يشرب الحليب بملعقة الشاي..


20 مارس 2003








هامش : الكانديدا نوع من الفطريات يصيب الجهاز الهضمي

العباس معافا
20-04-2003, 07:24 PM
بثينة

لا أعرف لم لم أتوقف عن القراءة لطول ما قرأت

ربما لأنك تجيدين الحكي عني

لا أتقن الغوص في أعماقي

ربما لأني أفتقد الحقيقة

الحقيقة المحضة

_________

حياة واحدة لا تكفي لنعيش

_____

تحياتي

بثينة العيسى
21-04-2003, 07:22 PM
ربما .. يومٌ واحد يكفي لنعيش ، لو أننا فهمنا الحقيقة المحضة !!

أمل اسماعيل
22-04-2003, 02:36 PM
ليـس لدي ما أعلق به..
أي تعليق قد يكون إجحافا وانتقاصا من روعة هذا العمل الأدبي وصاحبته...

مع البـداية القـوية... ذات الكلمات المعبـرة.. الآخذة في العمق، تسحبنا بثيـنة رويدا رويدا للتوحد مع النص.. والبطل.. لرسم الصـورة والذوبان فيها تماما...

العـنوان يجذبك منذ البداية لتتوضح معالم الصورة...
ربما تتساءل في قرارة نفسك... من الحقيقة ومن الخيال؟
أين الصورة المؤلمة وأين الأخرى المغرقة في الفرحة؟
أكانت الـ"كـانديدا" مجرد مرض ألم بطفل رضيع.. أم أنها مرض ألم برجل يافع صاحب قلم؟

يفرح الأدب عندما يشقى الأديب...
فلماذا يفرض الآباء - الأدباء - الـ... "سعادة" على أبنائهم.. رغبة منهم في حرمان الأدب من معانقة تلك النشوة بشقائهم؟!

نعم.. كما قال أستـاذنا العباس.. توقفت مع النص ولم أتركه حتى درجت عليه كله.. لولا أني رغبت أن لا ينتهي.. ربما فعلا لم ينته النص!! ربما بدأ الآن!

بثينة العيسى
23-04-2003, 10:05 PM
عصفورة القلعة ، أحيي هذا الوعي ..
سأردد مثلكِ .. النص لم ينتهِ .. بل بدأ الآن !!

لكِ حبي

أحمدالقاضي
07-05-2003, 06:03 PM
الأخت بثينه
لم اصدق هذا التسلسل الرائق نحو قاع الحقيقة
كنت بحارة ممتازة القيادة في طول هذا النثار الذاتي
تستطيعين تحويل هذه الملكة للسيرة الذاتية كعمل (اقتراح فقط)
لك كل الأمنيات الطيبة

عبد الله مغربي
08-05-2003, 12:39 PM
بثينة ..

وتطلين من جديد بجديد أكثر ازدهاراً

طول النفس أغنى عنه تسلسلك الرائع وجذب القارئ بتشويق

دعوني أردد ( النص لم ينته .. لقد بدأ الآن !! )

شكراً بثينة