مشاهدة النسخة كاملة : رواية (أوزار) الحَلَقَة الحادية عشرة والأخيرة (النُّطفة)


د. سليمان زيدان
11-10-2009, 07:55 AM
النُّطفة

هبة وتوأمها أيمن حِبَّا جدهما، يحبهما أكثر من أبيهما وإخوتهما وإخوته وأبنائهم. يهش للقائهما. يتلذذ بمشاغبتهما. ينامان ويأكلان معه، يحرص على تناول حساء الزعتر من يدي هبة. يرى فيهما شيئًا من نفسه، يفرض نوعًا خاصّا من الوصاية بهبة، وقدرًا هائلاً من الدلال الذي أحسنت استثماره. وعناية أكثر خصوصية بأيمن. يحرص على اصطحابه إلى مجالس الصلح، أو اجتماعات ترتيب البيت الداخلي للقبيلة. يجلسه في حجره وبجانبه إذا حان وقت حديثه الحاسم لأي نقاش أو قضية. يرى فيه نوعًا من النبوغ العقلي يُميِّزه عن أحفاده كافة وربما عن أبنائه. الأعراف والنواميس تقتضي عدم التفريط في شرف القيادة على الرغم من مسئولياتها لما تمثله من شأن معنوي وموروث بالغ الأهمية. الفطرة غرست ذلك في النفوس، والفطرة هي التي جعلت الأسد يحرص على الزج بأشباله لميدان الحياة كي يكتسبوا المهارة التي تؤهلهم للدور وتمكنهم من المحافظة على إرث السيادة. الجد يدرك أن أبناء عمومته يتحينون فرصة تمنحهم حق الانقضاض على المنصب الاجتماعي واسترجاع ما ضيعه جد جدهم. لابد أن ينشأ أيمن في أحضان المجالس، وأن يربي شخصية قوية تمكنه من الوقوف بجرأة أمام أي حشد، وتفرض على الآخرين الإنصات والقناعة والطاعة. وأن يُكوِّن مخزونًا من الحكم والأمثال والروايات والأشعار التي يتغذى عليها حسن البيان، وتشكل حصانة تأثيرية على ألباب الآخرين. فكل طرح يحتاج مقدمة تناسبه، وأسلوبًا يقويه. يستغل أي فراغ لديه للانفراد به. يسرد عليه قصص الكرم والشجاعة ويغرس في نفسه قيم الولاء للقبيلة والوطن. يوصيه بحسن الاستماع، واختصار الرد. يوصيه بطاعة والديه، ويحذره من أن يطمح ليكون مثل والده؛ فالمسئولية الإدارية مشاكلها كثيرة، ومغرياتها أكثر. أبوك لا يعلم أني أعلم عنه الكثير. أطعه ودافع عن قناعاتك. لا تركن للاعتماد على مكانته. أن تقول أنا فعلت خير ألف مرة من أن تقول فعل أبي. اسع لتكون لك الشخصية المستقلة. إن كان لك رأي فاحرص على أن يكون صائبًا، وقف دونه مجاهدًا. لا تتركه وحيدًا في مهب غايات المشككين. إياك والرأي المؤسس على الهوى فإن خدمك مرة يخذلك مرات. وإن أردت أن تنال شرف الأشياء فعليك أن تكون – على الأقل – جزءًا من صناعتها.
كان أيمن لا يضجر من مرافقة جده ويسعى لتوفير كل احتياجاته. يفرض على الجميع رغبات جده في الأكل، والشاي الثقيل المر. وعندما تقدَّم به العمر وهدَّه المرض كان لا يفارقه ينام بجانبه ليلبي كل طلباته. يأخذ في تأمل التجاعيد التي تُميِّز خديه وجبينه. يبتسم ساخرًا عند تذكره لمرافقة جده في زيارة أضرحة الأولياء، وينتقد بعض التصرفات التي كان جده على قناعة بها ويراها من العقيدة. لقد كان شديد الحرص على أن ينذر شاة كل سنة لواحد من الأولياء. يذبحها عنده ويضع على قبره قماشًا ويقطع قطعًا صغيرة من القماش القديم ويأمر الصغار بوضعها حول معاصمهم. ويأمر بأكل بعض التراب من غرفة الولي، وحمل قدرٍ يسيرٍ في صرة والاحتفاظ به. كم تأسف أيمن على تركه للنقود التي كانت منثورة فوق قبر الشيخ. كانت العقيدة التي رسَّخوها في أذهانهم أن الشيخ يقطع يد كل من يمسُّ درهمًا واحدًا، ويفضحه في كل مكان. أدرك كم كان ساذجًا في تصديقه لهذه الخرافات.
سهام وهبة توأمان تخلَّقا سويّا في أحشاء المحبة. رضعا من ثديي الصداقة فتميزت علاقتهما بالود والصدق والصفاء. الفرح مشترك، والحزن مُوزَّع. لقد شهدت هبة بصحبة النجوم الزفاف الثاني لسالم ونورا. الأول كانت الخطيئة شاهده، والثاني كانت ثمرة الخطيئة شاهده. شاركتها فرحتها التي لا توصف، وسعادتها التي لا تقارن .
في غرفتهما طلب سالم من نورا أن تحضر هدية سهام وتفتحها. حجمها الكبير يغري فضوله بمعرفتها. أخرجتها من بين الهدايا، ونزعت عنها الغلاف. علت وجهها ابتسامة لم يعهدها من سنين. سألها عن سرها قالت: إن هدية ابنتك. قالت وهي تضحك. إنها رقائق الذرة. شاركها القهقهة. دعوا لها بحياة هانئة وخلدا لحياة سعيدة.
الأيام تمر والسنة في نهايتها ولم يبح أحدنا للآخر بنجواه، ربما أنا واهمة قد يكون شعورٌ بالاحترام فقط لم يرقَ إلى مرتبة الحب. ليست كل ملاطفة تعني عشقًا. الحياة مزيج من المشاعر والأحاسيس، ولكل شعور أو إحساس دربه الموصل إلى منتهاه. أيكون دربه هو الدرب الذي أسير فيه؟ أم أنه موازٍ له؟ ولكن كيف لي أن أتحقق؟ ليس من الجرأة المحمودة أن أكون المبادرة. كيف سينظر إلي؟ ثم لا أدري كيف سيكون رد فعله. هل رفضه للفتاة شيماء يعني أنه راغب عنها لالتزام قلبه بي، ربما كان بسواي. أشيري علي ما الذي ينبغي أن أفعله دون أن أسيء الظن بنفسي. لم تسمع تعليقًا. كانت سهام تفكر في وضعها الجديد. وتفخر بما أنجزت. لقد خسرت حبّا. لكنها جلبت حبّا وأمنًا وسعادة. أعادت ترميم كيان محطم وقوّت دعائمه. لم تعِ شيئًا مما قالته هبة. اختصرت لها القول: لا أحد منا يعرف شعور الآخر على حقيقته، كيف لي أن أعرف وقد سرى حبه في جسدي. قالت بتهكم: أنا خبيرة بعشق الآباء. إن فارق أبوك أمك أخبريني سأعيده لها. حاولت نهرها. جرت خطوات. استجدتها أن تعطي الموضوع أهمية. قالت: أتريدين معرفة شعوره؟ وماذا أقول من ساعة. حسنًا. كنت قد عزمت ألاَّ أتدخَّل في صنع هذه العلاقة، ولكن ما دمتِ ترغبين في مقاسمتي سأقبل. ابتسمت هبة، بادلتها سهام ابتسامة من الأعماق وأمسكت بيدها اليمنى. ربتت عليها وقالت لها: اتبعيني إلى المكتبة واجلسي في الداخل ولا تتكلمي. خذي كتابًا. أي كتاب وتظاهري بتصفحه. استجابت هبة للطلب. دخلتا المكتبة، وتوجهت هبة إلى حيث أمرتها محتجبة عن أنظار أحمد. بينما توجهت سهام إلى أحمد. طرحت عليه بعض الأسئلة عن بعض الكتب ثم سألته عن هبة.
ردَّ: لم أرها من أيام.
قالت: إنها تعاني من مضايقة شاب لها. يعرض عليها حبه وهي له كارهة، على الرغم من خلو قلبها.
أصحيح هذا؟ من هو هذا الشاب الأحمق اللعين؟ سأدك أنفه وأخلع قلبه حتى لا يعرف عن الحبِّ شيئًا بعدها.
قالت: وما شأنك أنت حتى تتورط في قضية لا تعنيك ولصالح فتاة لا تنتمي لك بأي صلة؟
إنها حمية العربي. وشهامة البدوي الأصيل.
أجابت بنوع من الاستخفاف بالقول:أُصدق نصف ما تقول.
قال: لك الحق. أنا وبصدق أعترف لك لعلمي بمنزلتها في نفسك. أعترف بأني أحمل لها حبّا طاهرًا بين جوانجي، أخشى البوح به مخافة الصد، ومثلي لا يحتمل النكسة. ربما هي لا تفكر في الارتباط إطلاقًا. هنا سأحتاج مساعدتك.
قالت: مادمت قد اعترفت لي. إنها هناك اذهب واعرض عليها قلبك. وإن احتجت مساعدتي بعدها ستجدها.
ثلاث طالبات أردن استعارة كتب وطلبن منه تسجيلها. أخذها وسجلها على عجل. أقفل السجل، جاءت رابعة وخامسة، صاح على أحد زملائه وأوكل له المهمة. وطوى المسافة التي تفصله عن مجلس هبة. حيَّاها وطلب الإذن بالجلوس. لم تنطق ولم تمانع. تحيّر في تخير مدخل للموضوع. اهتدى أخيرًا إلى سؤال يعيد إلى اللقاء الأول: ما أخبار بحثك؟ هل أنجزته؟ هل أقره المشرف؟ أجابت بنعم. اختصار الإجابة أعادة إلى نقطة البداية. جرَّب سؤالاً آخر. هل أنت مستعدة للامتحانات. أجابت: إن شاء الله. اضطر إلى إلغاء المقدمة: لقد أعجبت بأخلاقك وجمالك، وحسن تعاملك من أول يوم دخلت فيه هذا المكان، ونما هذا الإعجاب فتحوَّل إلى ميل ثم هوى مما جعلني أسعى لمفاتحتك والإقرار لك بحبي. طأطأت رأسها وتوارت عيناها في وجنتيها اللتين صارتا كشفق شمس الصيف. نظرت في وجهه نظرة خاطفة تكسوها ابتسامة خجولة وغادرت المكان.
يتعين على هبة بعد أن وضعت لها سهام حجر أساس علاقتها بأحمد أن ترفع قواعد صرح علاقتها لوحدها؛ فسهام لديها ما يكفيها. تبحث في المصادر والمراجع عن مادة تقوي بها متن بحثها، وفي المقررات عن رصيد ذهني يعينها في الامتحانات، وتبحث في الحياة عن شاطئ حنون يرسى سفينتها الحائرة في يم التقلبات، وتنزل باقي حمولتها من الهم. ويتذوق قلبها طعم الاستقرار والراحة من عناء الصدمات والمفاجآت. لقد عاشت ما فات من عمرها معلقة بحبائل الأوهام التي بدأت تبلى بفعل أشعة الحرمان العاطفي. تسعى لأن تستعيد توازنها بعد الوضع الجديد لعلاقتها بالحياة. على هبة أن تحسم أمرها فكل شيء محسوب عليها. قررت أن تؤسس لعلاقتها على بنيان واضح ومتين.
تعودت ما إن تقوم من فراشها حتى تفتح النافذة على مصراعيها. تقبض بكفها الأيمن على معصم يسراها وترفعهما أقصى ما يمكنها وعلى استقامة فوق رأسها، وتسحب نفسًا عميقًا. الغرفة تقع في الناحية الشمالية للسكن. يوم دافئ. ساكن. رياحه مكبلة. خالٍ من أي حركة عدا تفتق الأزهار بفعل إلحاح الندى، وجموح رغبته في تقبيل كل ما يعن له. وصوت منقار طائر يرتشف قطر الندى من نتوءات الزنك في جراج السكن المجاور. كأن هذا اليوم لم يخلق للبشر؛ إنما للفراشات والأطيار والأزهار. سكبت الماء في راحتيها. أطبقت بها على وجهها. شعرت بمداعبة الماء البارد لوجنتيها. خانتها فروج أصابعها. كررت الفعل. ثم احتست كوب الشاي والحليب مع إصبع من الخبز الجاف. تحرَّت عن أناقتها. رمت بالحقيبة بين كتفيها وانطلقت. خمس وثلاثون دقيقة كانت كافية لوصولها. دخلت قاعة المكتبة وطلبته للحديث. تنحيا جانبًا وتحدثا وقوفًا. قالت بحياء العذارى: أمام حبك واحترامك لي لا أملك أن أرفض عرضك، ولكني أرفض أي اتصال خارج معين الشرع. فالحب بمعناه السامي طمأنينة، والطمأنينة موثق لابد من تحققه لضمان سير أبدي في النور. انتظرت جوابه. قالت في نفسها: قد يفسر الأمر على أنه بحث عن السيطرة، أو إملاء شروط من البداية. لم تكن تدري أن هذا مطلبه، وأنه زاد من احترامه لها وضاعف تعلق عقله بها قبل قلبه. عرف أن خلوقًا محافظًا مثله لا تجدر به إلا صوَّانة لنفسها وعفتها. رد بعد برهة تأمل: يسعدني هذا الطلب وعن قريب سأسعى لتحقيقه. كانت ابتسامة الرضا التي أطلقتها في فضاء الأمل بمثابة النقطة.
هبة كغيرها غدت تسلك سبلاً وفجاجًا لتصل إلى مبتغاها، غير أن سبلها مستقيمة نظيفة؛ فلا وصول بدون مسير. الكل يسير ويخطط ويسعى جاهدًا لنيل مأربه وإن كان السير والتخطيط والسعي خارج إطار حقيقة النهاية الحتمية للذات الفردية التي تمثل الملكية الوحيدة والمطلقة للكائن البشري ما لم تقع في قبضة شيء آخر أقوى في الملكية، وأعم في الإطلاق. لتنشأ لحظة التحول. اللحظة التي تحكم بدون شفقة بوأد الأحلام، وبعثرة الخطط. لتتلاشى على ضفاف الأحلام الموءودة أحلام أُخر، بتجرعها سم الفناء الموصول , المدسوس في أحلى اللحظات بيد سلطان جسور جريء، مالك لسطوة لا تعرف شكل العاطفة، تنفي بوحشية مجرد فكرة ديمومة الأشياء. مما يجبر المرء على ألاَّ يُفْرِطَ في أحلامه، ويدرك أن كل شيء مكبَّل بوثاق التلاشي، وأن الفعال وحدها الباقية.
ما إن انقضت الامتحانات حتى كانت والدة أحمد عند أهل هبةوقد اصطحبت معها كبرى بناتها. لم تتركا شأنًا يثني على أحمد إلا وتحدثتا فيه. طوله. عرضه. شكله. شخصيته. هدوؤه. صدقه. حبه للعمل وإخلاصه فيه. حبه لمساعدة الغير. غض بصره. شيء واحد لم يطرقاه "السكن المستقل". أم هبة تقابل ذلك بالإطراء والدعاء بدوام الخير لأهله. انتهى اللقاء بوعد بالرد بعد مهلة يطرح فيها الموضوع على الرجال أصحاب الشأن الأول.
سهام لم تشأ المغامرة بعواطفها. هي لا تبغي العلاقة كملهاة؛ إنها تبحث عنها كحق طبيعي في الاستقرار. والكل يقف عند هذه النقطة (النطفة). لا أحد يريد الارتباط بـ... وإن أقنعت عاطفة صاحبها فإنها تنكسر أمام رفض الأهل. هبة تتألم لوضعها وتدعو لها من قلبها أن توفق في علاقة عفيفة كعفتها. فليس من السهل على فتاة مراهقة، وظروفها كظروف سهام أن تصون عفافها. إنها حالة شاذة، فكل المعطيات تؤهلها للانحراف لكنها لم تنحرف. هناك وازع داخلي يسير سلوك الفرد. التوجيه الخارجي عنصر مكمِّل وليس أساسيّا. نعم هو كذلك. وفي الوقت نفسه تفكر في مآلها. هل ستسير أمورها على ما تحب. تتمنى ذلك، ولكن ليس كل الأماني تتحقق، فلو كانت تضمن تحققها ما غدت أماني. لقد أوغر قريب لها مغرم بها عن بعد لكن خشيته من زوجته تَحُولُ دون مُجَرَّدِ التفكير في طلب يدها، أوغر صدر شاب قريب الصلة من هبة بضرورة منع الغريب من التمتع بهذه القطعة الثمينة. إنه أحق بها. اعترض الشاب على أحمد وأبدى رغبته في الزواج بها. فوجئت هبة. واعترضت على الارتباط به. لا مواصفات خلقية ولا أخلاقية، ولا علمية تربط بينهما. لم يشأ أهلها ممارسة أي ضغط عليها. إن أباها لا يزال يحترم وصية والده بعدم مضايقتها. أحمد لم يستسلم. بحث عمن يؤثر على الشاب. عرف أنه لا يريدها. لكن هناك من حرضه. اقتنع بالانزياح عن طريق سعادتهما. فرحت هبة بالنبأ فرحًا كبيرًا أنساها أن صروف الدهر لا تثبت على حال. ولقد نسيت أن الحياة ذاتها هي التي صنعت مصائر: نورا وسهام وطاهر وكمال وطارق... ومع هذا فإن من حق العائد من اليأس أن يبتهج للأمل. أُعْلم أحمد بموافقة أهل هبة. وبتحديد موعد الزفاف بعد أن يفرغوا من زفاف أخيها الأكبر (سامي).
أُكملت استعدادات الفرح بالأنوار ونصب البيوت والخيام وتوزيع الدعوات، وبتجهيز حشد من سيارات الأهل والأقارب والأصدقاء. أصرَّت على سهام أن تكون ضمن الركب المنطلق مسافة سبعة وخمسين كيلو مترًا حيث أهل عروس سامي. تجهَّزت السيارات للانطلاق. أرادت هبة أن تطمئن على صديقتها. لن تجد مكانًا يمكن أن تأمن عليها فيه كسيارة أيمن. صعدت هي في السيارة التي جهزت لحمل متاع العروس. انطلقت السيارات تسبقها أصوات الأبواق المتعددة النغمات. ضغط أيمن على زر تشغيل التسجيل، ألقى بأحد الأشرطة في جوفه علت الموسيقى، انطلقت حنجرة المطرب: (كتاب حياتي يا عين...) أخذت صفحات كتاب حياة سهام تتابع أمام ناظريها فطارت بذهنها الذي أدخلها قبو حزنها. كانت تجلس مقابل مرآة السيارة الداخلية. تنبه أيمن لشرودها خلف كلمات الأغنية. قطعوا المسافة في أقل من الزمن الاعتيادي. نبَّه أيمن السائقين على ضرورة التقيد بأصول القيادة وترك المجال للسيارات الأخرى للمرور. في رحلة العودة لم يأبه البعض بتوجيهات أيمن، يقودون بتهور غايتهم الاستعراض أمام الفتيات المرافقات للموكب. حمى اللامبالاة بالذوق وبقيمة الآخرين دفعت شابين إلى استعراض السرعة وسط صخب الأغاني، وعبارات الثناء وعلو الشأن التي تطلقها حناجر المراهقات في صيغة أشعار. ألهبت حماسهم. لم يدرِ أحدهم بنفسه إلا وهو وجهًا لوجه مع سيارة نقل، اضطر للضغط على الكوابح مرة واحدة. انفجر الإطار الأمامي. خرجت السيارة عن مسارها وأخذت تدور. السيارة التي تركبها هبة خلفها تمامًا. اصطدمت بها. طارت السيارتان في الفضاء. ثم سكنتا وسكنت أنفاس كُل من كان فيهما. سكن كل شيء. ضُيِّعتِ الفرحة. تعالت الأصوات بالنواح. حالات انهيار. أغمي على سهام وهي منكبة على جثة توأم روحها. سقط أيمن بجانبها. آخرون يدفعونهما لنقل المصابين يحدوهم الأمل في إنقاذهم. الغربان كانت تحوم من بعيد في رحلة الذهاب لكنها الآن تحوم فوق الرءوس. كل شيء توشَّح بالسواد.
ماتت هبة. شُوِّه الجمال. ما أبشع أن يُشوَّه الجمال. ما أفظع أن يوأد الحلم ويسحق بقسوة تحت أقدام الطيش. ما أهون الروح في تصرفات الحمقى. مروِّع هو اغتيال الفرح. مُنكَر هو سفك دم البراءة بيد التهور. مؤذٍٍ هو الغرور. اللامسئولية خلل فتَّاك يتغلغل في كيان المجتمعات؛ إنه من السمات الغالبة في العصر.. أن تموت أهون ألف مرة من أن يفجعك الموت في حبيب. وقع نبأ موتها على أحمد كوقع صاعقة على هشيم. لم يُصَدِّق. لكن الحقيقة لا يمكن إخفاؤها أو تجاهلها، لا يمكن للوهم أن يغطي وجهها. دون وعي يعاتب الموت: رهيب أنت أيها الموت. سارق لا ملجأ منك ولا رادع لك. أنت أيها الموت المتعدد الأسباب. المتربص بأحلام الطيبين. ما أقساك أيها الموت على القلوب، وما أشد قسوتك إذا كان السبب مشوهًا. أكثر ما يسوؤك أيها الموت أنك رءوف بالطائشين. لا تمهل الطيبين. أدرك أنها القدرة الإلهية. ألم يقض الإله أن ليس على المريض حرج؟ أوليس المفجوع أشد مرضًا؟
تساوت أحزان الجميع. الجيران والأنساب والأصحاب مع أحزان أهل الضحايا، مع أحزان أهل هبة، مع أحزان سهام، مع أحزان أحمد. لكن مصاب آل هبة وأحبابها كان أكبر، لقد فسدت فرحة اليوم، وفرحة الغد. كان زفافها على أحمد سيتم بعد شهر. كل الحسابات تغيرت. لا يأمن القدر إلا غافل.
أيمن حالته النفسية حرجة؛ إنها أقرب الأهل منه، جمع حُبُّ جدهما الراحل بينهما، كما جمعتهما أحشاء أمهما قبل مجيئهما، لكنها اليوم ترحل وحيدة. أيمن لا يبدي الحزن إنما يكتمه. وجد في حزن سهام عليها خير عزاء. هي الأخرى امتنعت عن الأكل والشرب أيامًا حتى خاف عليها الأهل. استنجدا بصبر أيمن وأمه كي يخرجاها من حالتها. شيئًا فشيئًا مع كلمات أيمن التي تحمل عظات كان قد استقاها من جده بدأ حالها يتحسن وهي لا تفتأتذكر هبة وأيامها، وتندب حظها في العيش بسلام. ولكنها أدمنت معرفة أن التلاشي سمة الكون؛ فالبذرة تتلاشى بمجرد انفلاقها، فهي إمّا أن تلتقي بأديم الأرض والماء فتنمو وتشكل نبتة من ذات الجنس الذي جاءت منه، وإمّا أن تتكشف على الريح وتفتقد الماء؛ فتجف وتندثر فلا بذر ولا حلة خضراء تكسو وجه الأرض، ولا زهر أبيض أو أصفر أو أحمر، ولا ثمر منه السكر يقطر. تلك هي الحياة. إن التكون البشري إن وجد الحضّانة نما وترعرع، و إلا أفل وبقي بلا قيمة على الرغم من الوجود، مما يعني أن الوجود ليس كتلة لحم يجري فيها دم، ويخرج منها ويدخل إليها نزر من هواء؛ إنما الوجود فعل وعطاء. الوجود عقل وفكر وساعد وهمّة. الوجود خوض لمعترك الحياة، وحسن التعامل مع المعطيات بغض النظر عن كينونتها أو وجهتها؛ فأنا أفعل أنا موجود، وليس أنا أتكلم فأنا موجود.
رياح الشمال لا بد وأن تمر بالبحر، ولزامًا أن تتشبع بنسيمه، ورياح الجنوب لا بد وأن تمر بالصحراء وحتمًا تحمل معها كمّا من رمالها، والغرب حليف الجنوب، والشرق حليف للشمال، وسنة الحياة تقتضي حتمية أن نعي هذا التوافق واللاتوافق الفطريين، وأن نتيقن بأنها ستلتقي يومًا في منتصف الطريق ويتلاشى تأثير الكل في الآخر فيحدث الاعتدال الذي ينشئ التوازن.
علينا أن ندرك حقيقة انعدام الديمومة، وأن نتقبل عن إقرار ذاتي بأن هذا الانعدام هو البؤرة الحقيقية الناصعة لقيمة الأشياء؛ فالديمومة المطلقة للفرح والسعادة والنجاح والصحة والربح والتفوق والفوز والغنى تعطل القيمة الفاعلة للانتشاء؛ لانعدام معرفة قيمة الضد وهي الحزن والأسى والإخفاق والمرض والخسارة والفقر. ومعرفة هذه العلاقة الثابتة هي المحرك لمبدأ الحرص؛ لأن المسألة في هذا الشأن تحتمل نتيجة واحدة تتمثل في أن الانزياح عن الشيء يعني الوقوع في دائرة ضده، مما يستوجب التأكد من توهج الشمعة قبل إطفاء عود الثقاب.
النسيان أجلُّ النعم، على أن يكون نسيان الأحزان لا نسيان المفقود، وهذا ما كان عليه ثلاثي العلاقة الحميمة بهبة، باستثناء أحدهم لم يفق بعد من صدمته على الرغم من مرور أشهر، ويبدو أن النسيان أحيا – من جانب آخر - عاطفة جديدة. سعي أيمن للاطمئنان على سهام ينطلق من باب وفائه لهبة، لقد عرَّفته بسهام قبل أن يراها، كانت كثيرًا ما تنقل له حزنها على سهام وكيف أنها ضحية غيرها. وتنعت له أدبها وجمالها وذكاءها، وكيف أساء لها الآخرون وحمَّلوها وزرًا لم تقترفه. المحنة المشتركة قربتها منه وجعلته يشعر عن قرب بمدى معاناتها ولا سيما بعد فقد الكائن الوحيد المتعاطف معها، والمتفهم لوضعها. قرر ألاَّ يجعلها تشعر بغياب هذا الكائن خاصة أنها تحيي – دائمًا – في نفسه وجود هبة، فالوفاء يقتضي الوفاء.
بعد كر وفر فكري عقد العزم على مفاتحتها وكله ثقة في أنها ستتفهم غايته. في جلسة خاصة ذكَّرها بهبة وما كانت تكن لها من مودة خالصة. رقرق الدمع في عينيها. وعدها بألا تنتهي هذه العلاقة، بل ينبغي أن توطد بشيء ذي قيمة. لم تعِ ما يقول. أنا أشعر بوجودك بين جوانحي، ووجودك مستمد من وجود هبة. وأرجو أن تحلي فيّ ذات الحل الذي غادرته. أصابها وجوم فَهِمَتِ القصد ولم تفهمه. تنبَّه لشأنها. بصراحة أرغب في الارتباط بك. فإن كنت لا تمانعين سأرسل والدتي. ذُهِلَتْ من الحقيقة التي ترغبها ولكن تخشاها. أيمن فيه كل الامتيازات، لم تكن تحلم بأن يكون من نصيبها. لكنها تخشى الحقيقة. أخرجها من شرودها: ماذا تقولين؟ بعد صمت طويل قالت: أنا أخشى عليك. فهل تعلم أني نط... وضع يده على فمها منعها من النطق بها: أنت لست كذلك أنت طاهرة عفيفة. ولقد عرضت عليك الأمر وأنا أعلم عنك كل شيء. أريد موافقتك فقط. هيا قوليها. نظرت في وجهه بوجه مبتسم. هزت رأسها بين الأسفل والأعلى ثم انصرفت.
أمامه عمل طويل ومضنٍ. هل سيوافق والده؟ هذا أمر مستبعد. وكيف سيتصرف حينها. جده نصيره قد رحل. لكن وصاياه لا تزال عالقة. سيدافع عن رغبته لقناعته بصحتها. لن يترك رأيه في مهب العرف والخوف من كلام الناس. ومن هم الناس؟ إنهم خليط من أوزار. أغلبهم يؤذنون وأرجلهم في النجاسة. أليس الذي ضيّع هبة ومن معها منهم؟ أليس الذي حرَّض الشاب على عرقلة ارتباط هبة بمن تحب منهم؟ أليس والد سهام منهم؟ أليس منهم من يكذبون ويسرقون ويخادعون؟ لا بد من إبلاغه بالأمر ليطلب له يدها من أهلها.
أبلغ أمه التي أبلغت والده الذي تطاير الشرر من عقله. كيف يفكر في أن يرتبط بمثل هذه. علاقتنا بها لا يجب أن تصل مرحلة الانضمام للأسرة. أرسل إلى أيمن أبلغه رفضه بشدة، وأن عليه أن ينسى أمرها والعلاقة بها. احتج أيمن على الرفض واعتبره غير مبرر. زاد غضب والده، أبَعْد ما نعرف عنها تقول إنه غير مبرر؟أتريد أن تكون أم أحفادي ابنة زنا؟ نطفة حرام؟ قال أيمن بهدوء: يا أبي النُّطف في أصلها ليست حرامًا. إنها حلال. عملية التحول تتولد عن تصرفاتنا. نأكل الحرام فتتخلق النطف في أصلابنا من حرام. نغتصب حقوق الناس ونربي بها أجسادنا التي تحمل النطف فيكون مستقرها من حرام. نسكبها في غير مكانها فتلتقي بالمعين الآتي من الترائب التي ارتضت استقبال ما ليس لها فيه حق. نروضها بالنظر الحرام، والسمع الحرام، والقول الحرام، والشَّم الحرام، واللمس الحرام فيتخلَّق تهيج من حرام؛ وينقلب الحلال حرامًا ثم نصب جام غضبنا على ضحايا نزواتنا. أنت تقول إنها ابنة حرام. قارن فعالها بفعال من تظنون أنهن بنات حلال. ثم هل ينبغي أن يزر مخلوق وزر غيره؟ وهل من العدل أن ننقد الآخرين على ما استكرهوا عليه؟ كيف لنا أن نعاتبهم على أوزار ليست صنيعة أفكارهم؟ وكيف يمكن أن نحصر حياة امرئٍ في وزر وقد استخلفنا الأرض بوزر؟ ثم نحن أبناء رجل قتل أخاه. الأوزار صفة في الخلق وحده الخالق منزَّه منها. من منا بلا وزر. ألم تمت هبة نتيجة وزر؟ ألم يمت أحمد المسكين كمدًا بسبب هذا الوزر؟ أكل ما نفعل في الفرح والحزن صحيح؟ ألا تشوب الأوزار كل تصرفاتنا في القول والفعل؟ وهل يستطيع بشر في وقفة صريحة مع نفسه أن ينزهها من أي وزر؟ الحمد لله على نعمة طي الصدور على أسرارها. إني يا أبي أحترم رأيك. وسأطيعه مهما يكن قاسيًا. ولكن أدعوك إلى أن تستمع لصوت العقل، ولا تجعل خطل الرأي، ووسوسة العاطفة هما ما يصوغان لك القرار. ياأبت الخطأ وارد منا جميعًا. لا بد أنك قد فعلت خطأ. وأقررت به بينك وبين نفسك على الأقل. حرَّك هذا القول الجريء غير المتوقع من الابن. غبار سنين عفت ديارها. تأبد إحساسه. وأحس بزيف وقاره. وكأن هذا القول يعنيه دون سواه، ودون أن يقصد أو يدري. لقد وقع في نفسه وقعًا عظيمًا مما حمله على الإقرار خفية بشأن ذاته؛ فكم هو غافل عن تكوينه هذا الطين الصلد المتعجرف ناقع في الماء الملوث، هذا الهيكل البالي. عَمٍِ عن حقيقة ذوبانه. يلهث وراء الزيادة وهي نقص. يتصرف بوضاعة الطين وهو معلق في الحياة كالخفافيش. أين كانت بصيرتي عن الصواب. كيف لم أستعن بها على الأوزار التي اقترفتها. وأنا اليوم أجني على مسكينة ليس الوزر وزرها بل وزر أولي رغبة وشهوة مثلي. لقد غرني المنصب. وبهرتني الحياة بزخرفها المصطنع المزين بالآثام، المحلى بالمجون. كم كنت تافهًا وأنا أقايض الناس على مصالحهم. بدفع قيمة التسهيلات التي هي حق لهم في الأصل وما هي إلا وديعة عندي. ومن ليس معها المال يمكن أن تمنح شيئًا بديلاً... آه كم دنَّست شرف غافل. وكم تجبر الحاجة البعض على التفريط في أعز ما يملكون حتى يغدو الأمر عادة . نعم كنت مغتصبًا للأخلاق. للقيم. للنعمة... واليوم بكل جرأة أقف واعظًا وأنا أبعد ما أكون عن هذه الصفة، فلا أستطيع الإقرار بما فعلت ولو لابني. أقل ما يمكن عمله أن أوافق. سأذهب في الغد للسؤال عنها. وأتأكد من بعض الأمور.
من ضمن ما اكتسبه عن جده ولعه بالصيد، كان يرافقه في رحلات الصيد التي لم تكن بعيدة فورثها عنه كما ورث عدة الصيد، وكان لا يترك يومًا من موسم الصيد دون أن يذهب فيه للصيد أو يُحَدِّث نفسه به. ذات يوم وقد ارتفعت عنده درجة الرغبة في الصيد بحث فيه عن بندقية الصيد أُخبر أنها مع سامي. بحث عن غيرها فلم يجد غير بندقية محلية الصنع مع ابن خاله. وطأة الولع أجبرته على الصيد بها على الرغم من الإقرار الداخلي بخطل الرأي. انطلق صوب المكان، شاطئٌ بحري ممتد بين المساحة والأخرى يباغت السهل ويقتطع مساحة من جوفه يتغلغل في داخله ليكون خلجانًا صغيرة، تحيط بها تلال رملية تتخللها شجيرات القطف والسدر والحلاّب.(*) (http://www.azaheer.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=81#_ftn1) وتقف فوق رأسها بعض النخلات القديمة. فوق الرمال تتناثر أحجار ملساء وأصداف وأنواع من القواقع الفارغة جميلة الشكل، كما تتناثر مخلفات السفن التي تجوب البحر. ألواح، وزجاجات زجاجية وأخرى بلاستيكية فارغة لها أشكال مميَّزة، وبعض العلب، وبقايا حبال، وقطع إسفنجية. كان الصيد وفيرًا. ثمان يمامات والتاسعة كانت عينه اليسرى. لقد خُلِعَتْ من مكانها. أنفق الأهل مالاً كثيرًا على علاجها واستبدالها بعين زجاجية. لكن المال لم يستطع رفع معنوياته. إنه يعتبر البصر مُكَمِّلا للبصيرة. وأن النقص منقصة. لم يعد له الحق في سهام. لا ينبغي أن يجني عليها بالارتباط بذي عاهة. انقلبت الأوضاع. أصبح والده هو الذي يصر على طلب يدها وهو يرفض. كان يخشى وقع رفضها. قرر والده طلب يدها. قال له: لنختبر علاقتها وخصالها. رضخ لإرادته وسلّم بالأمر وهو يقر بأن لها الحق في رفضه. في جلسة مع أبيها أطلعه على نية أيمن في الارتباط بابنته سهام. طلب منه مهلة للاستشارة. أطلعها والدها على رغبة والد أيمن في أن تصبح زوجة لابنه. تدخلت والدتها: أبعد أن غدا بعاهته؟ ارتفع صدر سهام مع ارتفاع نَفَسِهَا وقالت: عاهة النفس لا عاهة الجسد أشد إيلامًا. ماذا كان يُخمن المجتمع؟ كيف كان ينظر لواقع ومستقبل فتاة كل المعطيات الواقعية تؤهل لانحرافها. لم يكن لهم ثقة في معطيات الذات العفيفة. شحذوا مخيلاتهم بصور السلب. يُقيِّمونَ المرئي من منظور ذواتهم العطشى للزلل. جردوا أحاسيسهم من كل رجاء في الخير حتى عَموا عنه. بنوا الأحكام على الآني. لم يخطر ببالهم أن غيومًا تتلبد في برهة من الزمن قد تقلب صفاء اليوم، وتجرف كل خواء. يا أبتاه: اعلم أن معايير التعامل تتأثر بما هو سائد. يا أبتاه: اعْلَمْ أني أعْلَمُ أنَّ الشاطئ بعيد، والأمواج عالية، والشراع في فم الريح، وأذنابٌ تطفو تمني النفس بالوليمة. يا أماه: عندما فاتحني برغبته في الزواج مني لم يفاتحني بعينيه؛ إنما بعقله وقلبه وقراري يجب أن ينبع من عقلي وقلبي.



(*) (http://www.azaheer.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=81#_ftnref1) نباتات صحراوية توجد بكثرة.


[/align]