المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصّة دينيّة للأطفال ضمن سلسلة طرائف من التّراث( النّاسك و الدّراهم)


منذر بن محمّد بن سعيد ساسي
02-04-2009, 06:45 PM
السبت 9 ربيع الثاني 1430
سلسلة طرائف من التّراث
النّاسك و الدّراهم
تأليف : منذر ساسي
يحكى في قديم الزّمان أنّ قوما جبّارين قد تاهوا في الأرض وساحوا عدد سنين إلى أن استقرّ بهم المقام في أرض كثيرة الخصب و المرعى في قلب صحراء سيناء على تخوم فلسطين . وكان رزقهم يأتيهم منّا و سلوى و هم آمنون فلا ينصبون و لا يتعبون على أن يعبدوا إله واحدا لا يشركون به شيئا ويذكروا نعمته عليهم و أنّه فضّلهم على العالمين . و لكنّهم جحدوا فضل الله عليهم و كفروا بالنّعيم و تفنّنوا في ابتكار آلهة يعبدونها من دون الله و أغرقوا في الوثنيّة فصنعوا عجلا من الذّهب الخالص و عبدوه و قالوا هذا إلهنا وإله آبائنا الأوّلين .
وإنّ إبليس لينزغ بينهم فيزيّن لهذا سوء عمله و يقدح زناد العداء في ذاك حتّى إذا أوقع بينهم البغضاء و العداوة استوى على عرشه متفكّها راضيا عن نفسه كلّ الرّضى مغتبطا أشدّ ما تكون الغبطة بما أوقع فيه الخصمين من ضلال و خسران عاقبة وسوء مآل .
وكان ذلك هو حال إبليس وجنوده مع هؤلاء القوم الجبّارين الّذين قست قلوبهم بعد أن ختم على أسماعهم وأبصارهم. فهم بالكاد يسمعون .و إبليس معسكر بينهم يناجيهم في الرّوحة و الغدوة و يمعن في تضليلهم عن التّوحيد ليخوض بهم في غمار الشّرك و الإلحاد فإذا هم يعبدون التّماثيل الّتي يصنعونها بأيديهم حينا و يقدّسون بعض الحيوانات أحيانا أخرى بل إنّ منهم من عبد الشّمس و الكواكب و النّجوم و منهم من اتّخذ إلهه الدّينار والدّرهم فحجب عنه ذلك رؤية الحقّ و برد اليقين .
ولم يكن إبليس بهذا الضّلال البعيد من المسرورين. إذ أنّ استبدال إله مكان إله على مرّ الزّمن يوشك أن يلفت انتباه القوم إلى زيف الآلهة في تعدّدها و اختلافها وتشرذمها . لا سيّما و أنّ من بينهم من بدأت فكرة التّوحيد تجد طريقها إلى قلبه و تداعب فؤاده و تدعوه في سبيلها إلى امتشاق سيفه و امتطاء جواده .
كان في العقد الخامس من عمره كهلا مشرفا على الشّيخوخة ولكنّه ما فتئ في تمام عنفوانه و متانة بنيانه و قوّة إيمانه. تنظر إليه فتعرف في وجهه سمات الرّجل الّذي عرف نفسه فأدرك حقيقة ربّه فهو من الرّجال الصّالحين السّاعين إلى كسر شوكة التّحالف بين النّاس و الشّيطان الرّجيم . كان بدران رجلا ثابت الجنان قويّ الشّكيمة في مواجهة عقيدة الشّرك الّتي استفحلت في صفوف القوم الجبّارين. وهو ما أزعج زعيم الشّياطين الّذي لم يترك بابا من أبواب الغواية إلاّ طرقه ولا فنّا من فنون الإيقاع به في حبائله إلا جرّبه. ولكنّ جهوده كانت تبوء في كلّ مرّة بالخسران المبين. و إنّه لعلى تلك الحال من الإقدام و الإحجام والاعتصام و الاستسلام حتّى أصابه الهمّ و الغمّ لما ذاقه من ألوان الهزائم في صراعه مع بدران .و صادف أن دخل عليه أحد أعوانه يوما وهو في خلوته فيما وراء البحار و قال : "حتّام هذه الخلوة يا مولانا وهؤلاء النّاس الّذين بذلنا جهودا مضنية من أجل إضلالهم قد بدؤوا يستعيدون رشدهم ويقينهم. وهم على وشك الارتداد إلى التّوحيد ؟! إنّا لنراك قد ركنت إليهم وما عهدناك تغفل عنهم . فهلاّ خلّيت بيننا و بينهم فكفيناك مؤونة و فرّجنا عنك كربة عظيمة فيطمئنّ قلبك ويعود إليك زهوك و طربك ؟"
فأزبد إبليس و أرعد و ردّ على التّابع الغرير قائلا : "و أنّى لصغار الشّياطين أن يفعلوا ما لم يقدر عليه الكبير ؟! أو لا تخشى على نفسك من عذاب بطيء يطول ؟! اغرب عن وجهي السّاعة و اجمع لي في طرفة عين من الشّياطين كل غوّاص و كلّ مارد في فنّ الغواية قدير عليم ! !"
انطفأ الشّيطان الصّغير كما ينطفئ ضوء السّراج مخلّفا وراءه خيط دخان ضئيل ليعود في طرفة عين كما أمر الزّعيم و معه زمرة من خيرة الجنود المتمرّسين .فحقّق فيهم سيّدهم إبليس النّظر و حدّق ثمّ تسلّل إليهم فخالط منهم الأحداق و الأفئدة و الأوردة و الأنسجة ثمّ قال وكلّ شيطان ببصره شاخص في انتظار القول الفصل و الخطب الجلل : "اسمعوا – أيّها الشّياطين – و عوا إنّما جمعتكم اليوم لأعلمكم بفنّ من فنون التّضليل جديد كنت عاكفا في ما مضى من الأيّام على ابتكاره وقد آن أوان استثماره واختباره مع هؤلاء القوم الّذين ضلّوا ثمّ عموا وصمّوا ولكنّ البعض منهم لم ييأس بعد من إرجاعهم عن غيّهم لإلحاق الهزيمة بمملكتنا المعمورة و عساكرنا المنصورة ."
- وما ذاك ؟تساءل الشّياطين دفعة .
- قال : "أن توسوسوا في عقول علية القوم لتزرعوا فيها فكرة إعلان مسابقة لاختيار أفضل إله يرشّح للعبادة في العام المقبل .و اشترطوا عليهم أن يكون الاله حيّا فتخضع له الرّقاب و تخشع . بثّوا هذه الفتنة بين النّاس وهم سيتكفّلون بالبقيّة ..."
- "يالها من حيلة عظيمة ستربك بدران و تجعله أعجز ما يكون عن مواجهة طغيان زعيمنا العبقريّ الفنّّان !" أجاب الشّياطين مشدوهين مبهورين .
- فردّ عليهم الزّعيم قائلا :"انتهى اجتماعنا اليوم . أروني إذن ما تستطيعون فعله بهذه الأفكار العظيمة !"
و اندفع الشّياطين من فورهم منتشرين بين النّاس. وما أسرع ما استبدّت بالجميع فكرة المسابقة .فتهافتوا على استحداث آلهة جديدة لم يشهد لها النّاس مثيلا من قبل واشتدّت المنافسة الّتي أحمى وطيسها المبلغ الماليّ الضّخم المرصود لمن سيكون بالمسابقة من الفائزين .فكانت الآلهة المعروضة على كلّ لون و في كلّ شكل . وعجّت ساحة العرض بالتّماثيل و المصمّمين ولكنّ أعضاء التّحكيم كانوا لجميعها من الرّافضين بدعوى أنّها لا تستجيب لشروط المسابقة . فهذا التّمثال من الذّهب الخالص أومن الفضّة قد يصلح تحفة فنّيّة ترصد لشرائها واقتنائها المبالغ الضّخمة لأنّها كنز من معدن نفيس ثمين . وذاك التّمثال من الحلوى يصلح طعاما لصانعه إذا ما جاع كان له من الآكلين .و ربما باعه بثمن بخس وكان فيه من الزّاهدين . وهي في الجملة تماثيل جامدة لا حياة فيها و لا قدرة لها على الرّيادة و القيادة . وهي من ثمّ لا تصلح آلهة للعبادة. و أمّا ذلك العجل السّمين الّذي رأى فيه بعضهم إله عظيما لضخامة جثّته ولما يتمتّع به من قوّة و حيويّة ونشاط فقد رأت فيه اللّجنة طعام الجائعين يذبح و يسلخ ليطهى لحمه فيكون لقمة سائغة للفقراء والمساكين إذا ما دبّ الجوع في الأمعاء و أوشكت البطون أن تبيت على الطّوى و الخواء .
هكذا ظلّت الجائزة المرصودة محتجبة و ظلّ القوم في حيرة من أمرهم أيّ إله يعبدون ؟! و كاد السّحر ينقلب على السّاحر فكان النّاس قاب قوسين أو أدنى من اليقين لولا أنّ واحدا من المصمّمين المخترعين بصر بما لم يبصر به الآخرون نواة ألقى بها أحد الحاضرين فحدّثته نفسه بأن يأخذها و يزرعها و يتعهّدها بالماء و السّماد فتصير شجرة و يشتدّ عودها و يظهر نماؤها وتؤتي أكلها فيعرف نفعها مع طول بقائها و استمرارها فتخضع لها أعناق النّاس فتكون إلههم المعبود و ربّهم المنشود و يكون صاحبها من الفائزين بالجائزة المرصودة و الدّرّة الموعودة فينال رضى النّاس أجمعين حتّى إذا فكّر أحدهم في قطعها كان في نظر النّاس كمن يقتل الاله فتألّبوا ضدّه وألزموه حدّه .فتظلّ تلك الشّجرة إله واحدا يعبد و يشكر على عطائه المستديم و يحمد .
هكذا فكّر المصمّم العبقريّ و قدّر ثمّ دبر و أنفذ ما عزم عليه. وكان له ما أراد .وجنّد نفسه ليكون لكلّ من يحاول النّيل من إلهه و إله آبائه و قومه . بالمرصاد.
و إنّه لكذلك إذ جاء من أقصى الأرض بدران يسعى وفأسه بيمينه قد كشفت عن عزمه على استئصال الشّجرة من الأصول .فاعترض راعيها و حاميها طريقه يريد الحؤول بينه و بينها . فتصارعا يوما بأكمله فكانت الغلبة للنّاسك الّذي حمل فأسه وعاد أدراجه إلى بيته على أن يعود إلى الشّجرة يقطعها في الغد .
و مع بزوغ شمس اليوم الثّاني حمل النّاسك بفأسه على الشّجرة يريد قطعها فاعترضه صاحبها وقد استشاط غيضا و هو لا يشكّ في إلحاق الهزيمة بالنّاسك ولكنّ جهوده ذهبت سبهللا فلم يستطع له صرعا . ولمّا رأى منه إصرارا على تنفيذ قراره تصدّى له بالحيلة عساه لا يعدم الوسيلة في الإيقاع به و إحباط عزمه .فاستدرجه من حيث لا يدري و عرض عليه أن يمنحه أجرا يوميّا عشرة دراهم يستعين بها على طعامه و شرابه و عبادته على أن يخلّي بين النّاس وبين إلههم . ففكّر النّاسك مليّا في الأمر ثمّ قبل العرض .فكان صاحبه يودعه أجرته من فرجة في باب منزله يعثر عليها قبل بزوغ شمس كلّ يوم جديد دون أن يخرج في طلبها .
وواضب على ذلك أيّاما ثمّ انقطع المدد فأخذ النّاسك فأسه و خرج يريد قطع الشّجرة فاعترضه صاحبه فقال : أين الدّراهم ؟ قال: ليس لك ههنا عندي شيء قال : إذن لأستأصلنّ الشّجرة من جذورها . قال: افعل إن استطعت . وتشابك معه فصرعه وقال له :هل تعود إلى مثلها مرّة أخرى ؟ قال: لا ولكن قلّي بربّك كيف قدرت عليّ هذه المرّة ؟ قال :" إنّما صرعتني بالأمس لأنّك قاتلتني من أجل الحقّ . أمّا اليوم فقد صرعتك وقدرت عليك لأنّك صارعتني من أجل نفسك ."
فسكت النّاسك . و أسقط في يده . وعاد إلى خلوته وعزلته نادما على ما فرّط في حقّ النّاس وحقّ نفسه .