خليف محفوظ
30-03-2008, 12:25 AM
هذا جدي قد أدخل الغنم زريبتها وهو قابع عند العتبة يتصاعد خيط سيجارته يرقبني قادما إليه وقد شرد ذهنه . ترى فيم يفكر ؟
جلست جنبه ، بادرني بالسؤال :
- هه، كيف قضيت اليوم بالمدرسة ؟
- لم نبدأ بعد ، قضينا كل الوقت جالسين في القسم .
-ستبدأون فلا تستعجل .
وهز رأسه ، ثم تمتم بما لم أفهم .فقد صار كثير التمتمة كأنما هو يخاطب أشباحا لا أراها .
-جدي ، كل الأطفال لهم اسمان في القسم إلا أنا ، لماذا ؟
وخرج من غيبته لحظة كأنما لكز ، ثم عاد إلى هدوئه العميق قبل أن يجيبني :
- لايهم كيف تسمى ، الذي يهم هو أن تكون الأول دائما في القسم .
وأدركت أنه يراوغني فصمتت.
دخلنا البيت فشربنا قهوة المساء ، فقد أحسن جدي إعدادها ذاك المساء ، إذ زكمتني رائحتها فانفتحت روحي على نشوة غامضة ،،، غسق المساء ،،، أشباح أشجار الصنوبر والسرو في الأفق ،،، أسراب الطيور الضاربة في الفضاء تسابق الظلام ،،، تكوري في الفراش و ابتهالي العميق إلى الصورة أن تجيء ثانية في المنام ، ان تجيء مرة أخرى أملأ منها عيني .
ولم تجئ الصورة بالحلم فخرجت أفتش عنها في اليقظة .
أكثرت من الذهاب إلى العين ، عساني ألقى التي سألتني عن أمي فأبحث في وجهها عن ملامح الصورة ، ولم أكن لألقاها قط .
وفطن جدي الى ذهابي المنتظم كل يوم أحد إلى العين ، فلم يمنعني . صار جدي يرقبني من بعيد ، لا يأمرني ولا ينهاني ، حتى الغنم لم يعد يأمرني برعيها ، باع معضمها ، ولم يبق الا على ما نشرب لبنها ،صار يعد كل شيئ بنفسه ، ، إعداد الطعام ، رعي المتبقى من الغنم ، غسل الثياب ...
أحسست أنه يتعمد الانسحاب من حياتي ، وأنه فعلا يسلمني الى المدرسة ، المدرسة التي لم أكف عن البحث في وجوه بناتها عن وجه يشبه الصورة التي رأيت في الحلم ، وجه فيه بعض من العينين العميقتين ، ولم يكن ، كل العيون كانت خالية من ذلك الشيء الغامض ، السحر الذي حرك وجداني لحظة الحلم فانجذبت نحو الصورة وتهت و شاع في قلبي الحنين الى ما لست أدريه .
في الفصل كنت صموتا لا يحركني الا استجواب المعلم ، وأجيب فيعجب لجوابي ويعلق مازحا .
-إنك تفكر تفكير الكبار يا سعد .
وفي حصة للتربية الدينية كان يحدثنا عن منزلة الوالدين عند الله ، كان مستغرقا في شرحه ، وكنت مستغرقا في سؤالي أمي من تكون ؟
فتلوح لي صورة الحلم ، بعض من جدتي ، وبعض من امرأة العين ، وبعض آخر لا أعرفه.
ولم أدر كيف خرجت من صمتي .
-سيدي، من هي أمي ؟
والتفتت نحوي الابصار محملة بالاستغراب والاستنكار ، وصمت المعلم ، ولكزني زميلي أزرق العينين
- كيف تسأل المعلم عن أمك؟من أين له أن يعرفها ؟
احتار المعلم لحظة ثم أشرق وجهه
-في الحقيقة نحن في هذا القسم كلنا إخوة لأن أمنا واحدة هي حواء ، وأبانا واحد هو آدم ، فأمك الحقيقية وأم كل زملائك هي حواء.
واحتج تلميذ في أقصى القسم
-لكن أمي هي سعدية .
فتهامس بعض التلاميذ وضحك بعضهم فعاد المعلم يدق على مكتبه
- صحيح أمهاتنا يختلفن ، لكن أمنا الأولى هي حواء ، ثم إننا نحن المسلمين لنا أكثر من أم واحدة ، فكل زوجات الرسول "ص" يعتبرن أمهاتنا ، وخديجة زوجة النبي عليه السلام هي أم المؤمنين الأولى .
وراح يروي لنا في إسهاب بداية الخلق والتكوين ، تمرد إبليس وتواطأه مع الآفعى لإغواء حواء حتي تغري آدم بالأكل من الشجرة المحرمة فيحل بهما غضب الله فيطردهما من الجنة إلى الأرض ، هناك حيث تبدأ المتاعب فيقتل أخونا قابيل أخاه هابيل ، ويبدأ الإنسان مسيرته مضرجة بالدم و الخطيئة ، خطيئة ودم بلا ندم . وتوالى الأنبياء تباعاعبر الزمن عساهم يوقفون الخطيئة ، فما نجحوا إلا قليلا ، حتي جاء سيدنا محمد آخر الأنبياء ، فأرسى قواعد الخير للناس ، فكانت زوجاته أمهاتنا ، وفتح بعضنا قلبه لبعضنا ، وصرنا إخوانا لا فرق بيننا ، أبونا آدم وأمنا حواء و ربنا الله .
كان المعلم يتحدث بصوت شجي سحر التلاميذ فسكنوا كالتماثيل ، وكنت مأخوذا بما فعل الخطأ و الدم . مستنكرا سلوك حواء وفعلة قابيل مكبرا ما عناه الأنبياء .
في المساء عدت إلى جدي يملأني فرح غامض ، عانقت "سحاب" الذي استقبلني عند الجدول يكاد ينطق . جعلت له محفظتي في فمه فعض عليها من عروتها وسبقني إلى البيت جذلا ،كأنما أحس ما أحدثته المدرسة من تغيير في مجرى حياتنا فراح ينتظرني مشوقا كل النهار.
====
في الليل كان جدي يتربع فوق حصيرة جرداء، جالسا القرفصاء ، أمامه مجمرة متوهجة فوقها إبريق الشاي ، بإحدى يديه سيجارته التي لا تكاد تغادر إصبعيه .
كنت أحكي له ما سمعته من المعلم في المدرسة ، أحكي مسهبا ، مندفعا ، مرخيا العنان لخيالي ليجمل ما أشاء و يقبح ما أشاء ، وإني أكره حواء ، هذه التي يقول عنها المعلم إنها أمنا جميعا ، فهي مسببة الشقاء بتحالفها مع الشيطان ، مخرجتنا من الجنة إلى الأرض الخلاء .
وأمن جدي على قولي :
-نعم ، كان بإمكانها أن تتفطن إلى مكر إبليس ، لأنها أمكر منه ، لكن طبعها المعوج دفعها إلى أن تجر آدم الى المأزق.
وحدثته عن الآنبياء فأنصت إلي مندهشا
-رائع ما تقول ، لقد صرت تتحدث حديث العلماء ، أنت تكبر الآن ، خذ دخن هذه السجارة ، شاركني وحدتي قليلا .
وجذبت نفسا تمزقت له رئتاي ، وقهقه جدي قهقهة غريبة ، قسوة و سخرية وشيء لا يفســر لمحته في العينين الذابلتين .
- هه ، وماذا بعد ؟
و أسمعته رواية المعلم أن زوجات الرسول "ص" يعتبرن أمهاتنا ، و أني أفضل أن تكون خديجة هي أمي ، إني أحسها قريبة مني .
وحكيت له عن الصورة التي شاهدت في الحلم فكان ينصت إلى في استغراب ، وكان الجمر يتوهج ، و الإبريق يخور ، و "سحاب" ينبح في الخارج نباحا خشنا ، وكان قلبي ينفتح لجدي ، إذ منحني السمع فلم يعد ينهرني حين شغلت نفسي بأمور كان يعدها تافهة .
ناولني نفسا آخر من سجارته وقال .
-خذ نفسا، أنت كبرت ، وستكون أعظم تلميذ في المدرسة .
وكانت السجارة التي أحرقت بعدها الآلاف.
============
في المدرسة شاع عني أني بلا أم ولا أهل سوى جد يكاد يموت ، فتحاشاني بعضهم وتعاطف معي بعضهم ، فكرهت استعلاء هؤلاء و أبغضت شفقة أولئك.
وشاع عني أيضا أني أدخن ، فاستدعاني المعلم ، وفتش محفظتي فلم يعثر على شيء ، وسألني عن صحة ما يقال عني فلم أنكر ، أخبرته بأني أدخن مع جدي أحيانا في الليل حول مجمرة الشاي .
وحدق في المعلم مستنكرا
- ولكن ألا يعلم جدك أن التدخين مضر بصحتك ؟!
- يقول إنه يدخن منذ ستين عاما وما ضره .
وعض المعلم على شفته .
في المساء وجدت ببيتنا سعيد القهواجي ، كان جدي يطوف به في البستان ، ويحدثه مشيرا بيده الغليظة إلى الأنحاء ، وسعيد القهواجي يلعب بالنقود في جيبه فتحدث ذلك الرنين العجيب.
وحدثه جدي طويلا في دار الضيوف ، ولم يغادر بيتنا حتى كرهت مكوثه وكرهت الشيب النابت في منخريه الواسعين .
ولما سألت جدي عم جاء الرجل يفعله عندنا لم يجبني ، بل بدا لي في عينيه أنه يعاني شيئا فوق طاقته ، وخمنت أنه العجز الذي أخذ يستولي على قواه ، وأنه ربما يعاني الإحساس بالنهاية فيلحق بجدتي قريبا .
وانتصب أمامي سؤال فظ : ما الحال التي أصير إليها لو مات جدي فجأة ؟
و توسلت إلى الله أن يمد في عمر جدي كما أطال في عمر نوح .
لكن المعلم أحمد حيرني بمقترحه الغريب ، إذ استدعاني في آخر الحصة فسألني عن معاملة جدي لي ، هل يضربني ، ماهي الأشغال التي يكلفني بها ، ؟
ثم وهو يقترب مني أكثر :
- ما رأيك لو تقيم عند الدولة في مركز يجتمع فيه أطفال مثلك ؟ إن في بقائك مع جدك خطرا عليك .
و أدهشني كلامه فاحتججت :
- ولكنه جدي ، ولا يمكن أن أنفصل عنه .
- كلا ، إنه ليس جدك ، أقصد لم يعد ينفعك بقاؤك معه لأنه خرف ، والدخان الذي يعودك على تعاطيه يدل على أنه لم يعد في عقله .
ونظرت في عيني المعلم ، هذا الذي يكلمنا دائما من بعيد ، فأحسست أنه مصر على عرضه فداخلني خوف مبهم . خرجت لا أشعر موقعا لقدمي .
وجدت نفسي منساقا إلى العين من غير أن أدري ، وترقبت هناك أن تطلع المرأة حاملة الجرة فوق رأسها فلم تطلع .
وأسندت ظهري إلى الشجرة ، نفس الشجرة ، شجرة الزعرور ، وغفوت فرأيت نفسي في الحلم جائعا بي شهوة عنيفة للأكل ، فنزلت على أصابع يدي ألتهمها واحدا فواحدا ، وكان ألم طفيف سرعان ما تحول إلى لذة عارمة فالتهمت كفي و ذراعي ، وامتلأ فمي دما باردا ، فاستولى علي شعور طاغ بالحسرة و الندم و الفظاعة ، وحاولت أن أقوم فأقعدني غياب ذراعي و صرخت بقلبي فإذا سحاب إلى جواري ينبح ، و تفقدت يدي فارتحت لسلامتها ، وعانقت سحاب فكان يموء ، يريد أن يقول شيئا ما ، و كنت أموء أنا الآخر ، أريد أن أعرف ، أن أبصر .
في البيت وجدنا امرأة غريبة ، بل عجوزا لا تشبه جدتي في شيء ، وجه أحمر منتفخ مليء بالنمش . كانت منهمكة في إعداد العشاء ، ولما وقع بصرها علي لاح في عينيها التطلع . ونظرت إلى جدي فكان مشغولا بسيجارته فوق حصيرته إلى الجدار . وضعت محفظتي في موضعها المعتاد قرب صندوق جدتي ، وسألت جدي عن العجوز فقال :
- إنها خادمتنا المازية ، جاء بها سعيد القهواجي ، أنا لم أعد قادرا ، و أنت بعد فرخ .
وعندما سألته عم إذا كان سيتزوجها هز رأسه بالنفي و سكت سكوتا ثقيلا.
ناولتنا المازية العشاء وغسلت الصحون في صمت ، ثم سألت جدي إذا لم يعد في حاجة إلى شيء
وخرجت إلى دار الضيوف تجر جسمها الضخم .
ورغم نفوري من وجهها المحمر المنمش إلا أني أحسست بتعاطف معها ، فقد أشاع حضورها أنسا
في البيت ، ثم وهي كالمرتبكة تجمع يديها في حجرها ولا تتكلم تدغدغ إحساسا مبهما في قلبي .
ونشرت الكتاب على المائدة تحت نور قنديل البترول ، بينما جدي غارق في سريره و قد أسدل برنوسه على عينيه فصعب تمييزه أنائم هو أم متظاهر ؟
ورحت أتهجأ الحروف ، و أتهجأ الأشياء ، هذه المازية أين كانت قبل اليوم ؟ ولماذا لا يتزوجها جدي ؟ ولماذا لا تجمعني الصدفة الجميلة ثانية مع امرأة العين ؟ أما المعلم فما كان من حقه أن يحرضني ضد جدي ، ثم ما ذلك المركز الذي حدثني عنه ؟ ومن هؤلاء الأطفال الذين هم مثلي و يقيمون فيه ؟
ونبح سحاب في الخارج نباحا خشنا منكرا ، فتذكرت جدتي و النعش و الحائك الأحمر فاقشعر جسمي فأطفأت المصباح و تكورت في فراشي متوجسا .
####
لم تتوان المازية في خدمتنا ، تغسل الثياب و تخيطها ، تعد الطعام و القهوة ، تتحرك في خفة عجيبة رغم ضخامة جسمها ، حتى إذا أنهت شغلها جلست منفردة ووضعت خدها على يدها .
كانت تأخذني جلستها المنفردة فأجلس إليها ، فتبتسم لي ابتسامة طيبة سائلة إياي عن دروسي ، مبدية لي أسفها عن جهلها القراءة و الكتابة ، وإلا كانت ساعدتني .
وشعرت أني محل عنايتها فأفضيت لها بما يؤرقني ، سألتها عن أمي ، أعدت عليها حكاية أمنا حواء ، و أمنا خديجة ، عن صورة الحلم ، و إني أنتظرها كثيرا وهي لا تتجلى ، وما الذي علي فعله حتى أبصر بها ثانية ، و أنا لا أحب أن أذهب إلى ذلك المركز الذي سماه لي المعلم ، وأن الله قد أطال في عمر نوح تسعة قرون ، فهل سيطيل في عمر جدي كذلك ، و في عمرك أنت أيضا ، و أني أحبك كما كنت أحب جدتي قبل أن يحملوها على النعش ملفوفة في الحائك الأحمر ،كما أني لا أحب أن أموت، إن الموت ينفر الناس من أحبابهم ، وأنا صرت أخاف جدتي .
كنت أتحدث مهذارا من غير ضبط ، أريد أن أسمعها كل ما عندي ، لكن المازية رفضت أن أتخذ أما غير أمي ، موضحة لي أن كل واحد منا له أمه الخاصة ، و أن أمي قد تكون ميتة ، او متزوجة برجل آخر ، أو متشردة في مدينة ما ، ناصحة إياي أن أقلع عن انتظار الصورة في الحلم .
و أخذت أصابع يدي و راحت تسمي أبناءها الذين ولدوا و ماتوا جميعهم صغارا قبل أن يبلغوا سني ...وزوجها الذي سيق إلى الحرب ضد الألمان ولم يعد ، وهي تنتظره بمزيد من الصبر و الأسى مقتنعة أنه سيعود يوما ، حتما سيعود ، لقد أخبرهابذلك ساعة رحل ، وهو صادق ، فلم يكذب عليها قط .ولهذا قضت العمر تنظف البيوت من دار إلى دار ، ومن حي إلى حي ، إلى أن طرقت باب سعيد القهواجي فأحالها إلى جدي ، وعندما تيأس من لقاء زوجها يكون قد حل بها الموت ، هناك ستلقاه في العالم الآخر ، لأن الله يجمع الناس بمن يحبون سواء في الجنة أم النار ، وأنها كانت جميلة في يوم ما فعرض عليها الزواج كثيرون قبل أن تشيخ فرفضت لأنها تعاهدت مع زوجها ذات ليلة على أن لا يتزوج أحدهما بعد الآخر مهما كانت الحال ، و ...
وكانت هي الأخرى تهذي مهذارة ، فعجبت لما ينطوي عليه صمتها ، لتعلقها بزوجها الغائب ذاك الغياب المظلم ، لأسنانها الغائبة عن فمها المعتم ، لعنقها المنتفخ المطوي المحزز.
ووجدتني مشدودا إليها ، سألت جدي أن يأذن لي بالنوم معها في دار الضيوف ، فلم يقل شيئا ، سكت سكوته الغامض . وفهمت أنه لا يعارض ، ولكنه ليس براض علي ، قرأت في عينيه تلك النظرة التوبيخية ، فهو يلومني في نفسه على أني أهمل تعاليمه ، إذ أعلمني ذات مرة أن الرجل ينام وحده ما لم يكن متزوجا ، فكيف أطلب منه ذاك الطلب المخجل ؟
ومع ذلك أصررت على أن أنام معها .
وقد سعدت بالنوم ليالي مع المازية ، أنتظرها ريثما تفرغ من خدمة جدي و أسبقها إلى دار الضيوف ، فتنتظرني هي بدورها ريثما أراجع دروسي ، ثم أنزلق إلى جوارهافي الفراش وكلي لهفة إلى سماع حكاياتها مسترجعا ذكرياتي مع جدتي .
وتحكي لي ، تلهب مشاعري في عتمة الليل بصوتها الأبح ، عن لونجة بنت الغولة ومحمد ولد السلطان ، عن بقرة اليتامى ، العنزة و الذيب .
حتى إذا أحياها الحكي ولم أنم راحت تغني بصوت خافت عن المجاهدين ، وعن الغائبين ، و الراحلين إلى بيت الله ، و العائدين من الغربة ، عن العمر الذي ينقضي في انتظار الغائب الذي لا يعود .
وتصمت فأناديها فلا تجيب ، وأمد يدي أتحسس وجهها فأعود بأصابعي مبتلة بدموعها الساخنة ، فأدفن رأسي في صدرها و أنام .
جلست جنبه ، بادرني بالسؤال :
- هه، كيف قضيت اليوم بالمدرسة ؟
- لم نبدأ بعد ، قضينا كل الوقت جالسين في القسم .
-ستبدأون فلا تستعجل .
وهز رأسه ، ثم تمتم بما لم أفهم .فقد صار كثير التمتمة كأنما هو يخاطب أشباحا لا أراها .
-جدي ، كل الأطفال لهم اسمان في القسم إلا أنا ، لماذا ؟
وخرج من غيبته لحظة كأنما لكز ، ثم عاد إلى هدوئه العميق قبل أن يجيبني :
- لايهم كيف تسمى ، الذي يهم هو أن تكون الأول دائما في القسم .
وأدركت أنه يراوغني فصمتت.
دخلنا البيت فشربنا قهوة المساء ، فقد أحسن جدي إعدادها ذاك المساء ، إذ زكمتني رائحتها فانفتحت روحي على نشوة غامضة ،،، غسق المساء ،،، أشباح أشجار الصنوبر والسرو في الأفق ،،، أسراب الطيور الضاربة في الفضاء تسابق الظلام ،،، تكوري في الفراش و ابتهالي العميق إلى الصورة أن تجيء ثانية في المنام ، ان تجيء مرة أخرى أملأ منها عيني .
ولم تجئ الصورة بالحلم فخرجت أفتش عنها في اليقظة .
أكثرت من الذهاب إلى العين ، عساني ألقى التي سألتني عن أمي فأبحث في وجهها عن ملامح الصورة ، ولم أكن لألقاها قط .
وفطن جدي الى ذهابي المنتظم كل يوم أحد إلى العين ، فلم يمنعني . صار جدي يرقبني من بعيد ، لا يأمرني ولا ينهاني ، حتى الغنم لم يعد يأمرني برعيها ، باع معضمها ، ولم يبق الا على ما نشرب لبنها ،صار يعد كل شيئ بنفسه ، ، إعداد الطعام ، رعي المتبقى من الغنم ، غسل الثياب ...
أحسست أنه يتعمد الانسحاب من حياتي ، وأنه فعلا يسلمني الى المدرسة ، المدرسة التي لم أكف عن البحث في وجوه بناتها عن وجه يشبه الصورة التي رأيت في الحلم ، وجه فيه بعض من العينين العميقتين ، ولم يكن ، كل العيون كانت خالية من ذلك الشيء الغامض ، السحر الذي حرك وجداني لحظة الحلم فانجذبت نحو الصورة وتهت و شاع في قلبي الحنين الى ما لست أدريه .
في الفصل كنت صموتا لا يحركني الا استجواب المعلم ، وأجيب فيعجب لجوابي ويعلق مازحا .
-إنك تفكر تفكير الكبار يا سعد .
وفي حصة للتربية الدينية كان يحدثنا عن منزلة الوالدين عند الله ، كان مستغرقا في شرحه ، وكنت مستغرقا في سؤالي أمي من تكون ؟
فتلوح لي صورة الحلم ، بعض من جدتي ، وبعض من امرأة العين ، وبعض آخر لا أعرفه.
ولم أدر كيف خرجت من صمتي .
-سيدي، من هي أمي ؟
والتفتت نحوي الابصار محملة بالاستغراب والاستنكار ، وصمت المعلم ، ولكزني زميلي أزرق العينين
- كيف تسأل المعلم عن أمك؟من أين له أن يعرفها ؟
احتار المعلم لحظة ثم أشرق وجهه
-في الحقيقة نحن في هذا القسم كلنا إخوة لأن أمنا واحدة هي حواء ، وأبانا واحد هو آدم ، فأمك الحقيقية وأم كل زملائك هي حواء.
واحتج تلميذ في أقصى القسم
-لكن أمي هي سعدية .
فتهامس بعض التلاميذ وضحك بعضهم فعاد المعلم يدق على مكتبه
- صحيح أمهاتنا يختلفن ، لكن أمنا الأولى هي حواء ، ثم إننا نحن المسلمين لنا أكثر من أم واحدة ، فكل زوجات الرسول "ص" يعتبرن أمهاتنا ، وخديجة زوجة النبي عليه السلام هي أم المؤمنين الأولى .
وراح يروي لنا في إسهاب بداية الخلق والتكوين ، تمرد إبليس وتواطأه مع الآفعى لإغواء حواء حتي تغري آدم بالأكل من الشجرة المحرمة فيحل بهما غضب الله فيطردهما من الجنة إلى الأرض ، هناك حيث تبدأ المتاعب فيقتل أخونا قابيل أخاه هابيل ، ويبدأ الإنسان مسيرته مضرجة بالدم و الخطيئة ، خطيئة ودم بلا ندم . وتوالى الأنبياء تباعاعبر الزمن عساهم يوقفون الخطيئة ، فما نجحوا إلا قليلا ، حتي جاء سيدنا محمد آخر الأنبياء ، فأرسى قواعد الخير للناس ، فكانت زوجاته أمهاتنا ، وفتح بعضنا قلبه لبعضنا ، وصرنا إخوانا لا فرق بيننا ، أبونا آدم وأمنا حواء و ربنا الله .
كان المعلم يتحدث بصوت شجي سحر التلاميذ فسكنوا كالتماثيل ، وكنت مأخوذا بما فعل الخطأ و الدم . مستنكرا سلوك حواء وفعلة قابيل مكبرا ما عناه الأنبياء .
في المساء عدت إلى جدي يملأني فرح غامض ، عانقت "سحاب" الذي استقبلني عند الجدول يكاد ينطق . جعلت له محفظتي في فمه فعض عليها من عروتها وسبقني إلى البيت جذلا ،كأنما أحس ما أحدثته المدرسة من تغيير في مجرى حياتنا فراح ينتظرني مشوقا كل النهار.
====
في الليل كان جدي يتربع فوق حصيرة جرداء، جالسا القرفصاء ، أمامه مجمرة متوهجة فوقها إبريق الشاي ، بإحدى يديه سيجارته التي لا تكاد تغادر إصبعيه .
كنت أحكي له ما سمعته من المعلم في المدرسة ، أحكي مسهبا ، مندفعا ، مرخيا العنان لخيالي ليجمل ما أشاء و يقبح ما أشاء ، وإني أكره حواء ، هذه التي يقول عنها المعلم إنها أمنا جميعا ، فهي مسببة الشقاء بتحالفها مع الشيطان ، مخرجتنا من الجنة إلى الأرض الخلاء .
وأمن جدي على قولي :
-نعم ، كان بإمكانها أن تتفطن إلى مكر إبليس ، لأنها أمكر منه ، لكن طبعها المعوج دفعها إلى أن تجر آدم الى المأزق.
وحدثته عن الآنبياء فأنصت إلي مندهشا
-رائع ما تقول ، لقد صرت تتحدث حديث العلماء ، أنت تكبر الآن ، خذ دخن هذه السجارة ، شاركني وحدتي قليلا .
وجذبت نفسا تمزقت له رئتاي ، وقهقه جدي قهقهة غريبة ، قسوة و سخرية وشيء لا يفســر لمحته في العينين الذابلتين .
- هه ، وماذا بعد ؟
و أسمعته رواية المعلم أن زوجات الرسول "ص" يعتبرن أمهاتنا ، و أني أفضل أن تكون خديجة هي أمي ، إني أحسها قريبة مني .
وحكيت له عن الصورة التي شاهدت في الحلم فكان ينصت إلى في استغراب ، وكان الجمر يتوهج ، و الإبريق يخور ، و "سحاب" ينبح في الخارج نباحا خشنا ، وكان قلبي ينفتح لجدي ، إذ منحني السمع فلم يعد ينهرني حين شغلت نفسي بأمور كان يعدها تافهة .
ناولني نفسا آخر من سجارته وقال .
-خذ نفسا، أنت كبرت ، وستكون أعظم تلميذ في المدرسة .
وكانت السجارة التي أحرقت بعدها الآلاف.
============
في المدرسة شاع عني أني بلا أم ولا أهل سوى جد يكاد يموت ، فتحاشاني بعضهم وتعاطف معي بعضهم ، فكرهت استعلاء هؤلاء و أبغضت شفقة أولئك.
وشاع عني أيضا أني أدخن ، فاستدعاني المعلم ، وفتش محفظتي فلم يعثر على شيء ، وسألني عن صحة ما يقال عني فلم أنكر ، أخبرته بأني أدخن مع جدي أحيانا في الليل حول مجمرة الشاي .
وحدق في المعلم مستنكرا
- ولكن ألا يعلم جدك أن التدخين مضر بصحتك ؟!
- يقول إنه يدخن منذ ستين عاما وما ضره .
وعض المعلم على شفته .
في المساء وجدت ببيتنا سعيد القهواجي ، كان جدي يطوف به في البستان ، ويحدثه مشيرا بيده الغليظة إلى الأنحاء ، وسعيد القهواجي يلعب بالنقود في جيبه فتحدث ذلك الرنين العجيب.
وحدثه جدي طويلا في دار الضيوف ، ولم يغادر بيتنا حتى كرهت مكوثه وكرهت الشيب النابت في منخريه الواسعين .
ولما سألت جدي عم جاء الرجل يفعله عندنا لم يجبني ، بل بدا لي في عينيه أنه يعاني شيئا فوق طاقته ، وخمنت أنه العجز الذي أخذ يستولي على قواه ، وأنه ربما يعاني الإحساس بالنهاية فيلحق بجدتي قريبا .
وانتصب أمامي سؤال فظ : ما الحال التي أصير إليها لو مات جدي فجأة ؟
و توسلت إلى الله أن يمد في عمر جدي كما أطال في عمر نوح .
لكن المعلم أحمد حيرني بمقترحه الغريب ، إذ استدعاني في آخر الحصة فسألني عن معاملة جدي لي ، هل يضربني ، ماهي الأشغال التي يكلفني بها ، ؟
ثم وهو يقترب مني أكثر :
- ما رأيك لو تقيم عند الدولة في مركز يجتمع فيه أطفال مثلك ؟ إن في بقائك مع جدك خطرا عليك .
و أدهشني كلامه فاحتججت :
- ولكنه جدي ، ولا يمكن أن أنفصل عنه .
- كلا ، إنه ليس جدك ، أقصد لم يعد ينفعك بقاؤك معه لأنه خرف ، والدخان الذي يعودك على تعاطيه يدل على أنه لم يعد في عقله .
ونظرت في عيني المعلم ، هذا الذي يكلمنا دائما من بعيد ، فأحسست أنه مصر على عرضه فداخلني خوف مبهم . خرجت لا أشعر موقعا لقدمي .
وجدت نفسي منساقا إلى العين من غير أن أدري ، وترقبت هناك أن تطلع المرأة حاملة الجرة فوق رأسها فلم تطلع .
وأسندت ظهري إلى الشجرة ، نفس الشجرة ، شجرة الزعرور ، وغفوت فرأيت نفسي في الحلم جائعا بي شهوة عنيفة للأكل ، فنزلت على أصابع يدي ألتهمها واحدا فواحدا ، وكان ألم طفيف سرعان ما تحول إلى لذة عارمة فالتهمت كفي و ذراعي ، وامتلأ فمي دما باردا ، فاستولى علي شعور طاغ بالحسرة و الندم و الفظاعة ، وحاولت أن أقوم فأقعدني غياب ذراعي و صرخت بقلبي فإذا سحاب إلى جواري ينبح ، و تفقدت يدي فارتحت لسلامتها ، وعانقت سحاب فكان يموء ، يريد أن يقول شيئا ما ، و كنت أموء أنا الآخر ، أريد أن أعرف ، أن أبصر .
في البيت وجدنا امرأة غريبة ، بل عجوزا لا تشبه جدتي في شيء ، وجه أحمر منتفخ مليء بالنمش . كانت منهمكة في إعداد العشاء ، ولما وقع بصرها علي لاح في عينيها التطلع . ونظرت إلى جدي فكان مشغولا بسيجارته فوق حصيرته إلى الجدار . وضعت محفظتي في موضعها المعتاد قرب صندوق جدتي ، وسألت جدي عن العجوز فقال :
- إنها خادمتنا المازية ، جاء بها سعيد القهواجي ، أنا لم أعد قادرا ، و أنت بعد فرخ .
وعندما سألته عم إذا كان سيتزوجها هز رأسه بالنفي و سكت سكوتا ثقيلا.
ناولتنا المازية العشاء وغسلت الصحون في صمت ، ثم سألت جدي إذا لم يعد في حاجة إلى شيء
وخرجت إلى دار الضيوف تجر جسمها الضخم .
ورغم نفوري من وجهها المحمر المنمش إلا أني أحسست بتعاطف معها ، فقد أشاع حضورها أنسا
في البيت ، ثم وهي كالمرتبكة تجمع يديها في حجرها ولا تتكلم تدغدغ إحساسا مبهما في قلبي .
ونشرت الكتاب على المائدة تحت نور قنديل البترول ، بينما جدي غارق في سريره و قد أسدل برنوسه على عينيه فصعب تمييزه أنائم هو أم متظاهر ؟
ورحت أتهجأ الحروف ، و أتهجأ الأشياء ، هذه المازية أين كانت قبل اليوم ؟ ولماذا لا يتزوجها جدي ؟ ولماذا لا تجمعني الصدفة الجميلة ثانية مع امرأة العين ؟ أما المعلم فما كان من حقه أن يحرضني ضد جدي ، ثم ما ذلك المركز الذي حدثني عنه ؟ ومن هؤلاء الأطفال الذين هم مثلي و يقيمون فيه ؟
ونبح سحاب في الخارج نباحا خشنا منكرا ، فتذكرت جدتي و النعش و الحائك الأحمر فاقشعر جسمي فأطفأت المصباح و تكورت في فراشي متوجسا .
####
لم تتوان المازية في خدمتنا ، تغسل الثياب و تخيطها ، تعد الطعام و القهوة ، تتحرك في خفة عجيبة رغم ضخامة جسمها ، حتى إذا أنهت شغلها جلست منفردة ووضعت خدها على يدها .
كانت تأخذني جلستها المنفردة فأجلس إليها ، فتبتسم لي ابتسامة طيبة سائلة إياي عن دروسي ، مبدية لي أسفها عن جهلها القراءة و الكتابة ، وإلا كانت ساعدتني .
وشعرت أني محل عنايتها فأفضيت لها بما يؤرقني ، سألتها عن أمي ، أعدت عليها حكاية أمنا حواء ، و أمنا خديجة ، عن صورة الحلم ، و إني أنتظرها كثيرا وهي لا تتجلى ، وما الذي علي فعله حتى أبصر بها ثانية ، و أنا لا أحب أن أذهب إلى ذلك المركز الذي سماه لي المعلم ، وأن الله قد أطال في عمر نوح تسعة قرون ، فهل سيطيل في عمر جدي كذلك ، و في عمرك أنت أيضا ، و أني أحبك كما كنت أحب جدتي قبل أن يحملوها على النعش ملفوفة في الحائك الأحمر ،كما أني لا أحب أن أموت، إن الموت ينفر الناس من أحبابهم ، وأنا صرت أخاف جدتي .
كنت أتحدث مهذارا من غير ضبط ، أريد أن أسمعها كل ما عندي ، لكن المازية رفضت أن أتخذ أما غير أمي ، موضحة لي أن كل واحد منا له أمه الخاصة ، و أن أمي قد تكون ميتة ، او متزوجة برجل آخر ، أو متشردة في مدينة ما ، ناصحة إياي أن أقلع عن انتظار الصورة في الحلم .
و أخذت أصابع يدي و راحت تسمي أبناءها الذين ولدوا و ماتوا جميعهم صغارا قبل أن يبلغوا سني ...وزوجها الذي سيق إلى الحرب ضد الألمان ولم يعد ، وهي تنتظره بمزيد من الصبر و الأسى مقتنعة أنه سيعود يوما ، حتما سيعود ، لقد أخبرهابذلك ساعة رحل ، وهو صادق ، فلم يكذب عليها قط .ولهذا قضت العمر تنظف البيوت من دار إلى دار ، ومن حي إلى حي ، إلى أن طرقت باب سعيد القهواجي فأحالها إلى جدي ، وعندما تيأس من لقاء زوجها يكون قد حل بها الموت ، هناك ستلقاه في العالم الآخر ، لأن الله يجمع الناس بمن يحبون سواء في الجنة أم النار ، وأنها كانت جميلة في يوم ما فعرض عليها الزواج كثيرون قبل أن تشيخ فرفضت لأنها تعاهدت مع زوجها ذات ليلة على أن لا يتزوج أحدهما بعد الآخر مهما كانت الحال ، و ...
وكانت هي الأخرى تهذي مهذارة ، فعجبت لما ينطوي عليه صمتها ، لتعلقها بزوجها الغائب ذاك الغياب المظلم ، لأسنانها الغائبة عن فمها المعتم ، لعنقها المنتفخ المطوي المحزز.
ووجدتني مشدودا إليها ، سألت جدي أن يأذن لي بالنوم معها في دار الضيوف ، فلم يقل شيئا ، سكت سكوته الغامض . وفهمت أنه لا يعارض ، ولكنه ليس براض علي ، قرأت في عينيه تلك النظرة التوبيخية ، فهو يلومني في نفسه على أني أهمل تعاليمه ، إذ أعلمني ذات مرة أن الرجل ينام وحده ما لم يكن متزوجا ، فكيف أطلب منه ذاك الطلب المخجل ؟
ومع ذلك أصررت على أن أنام معها .
وقد سعدت بالنوم ليالي مع المازية ، أنتظرها ريثما تفرغ من خدمة جدي و أسبقها إلى دار الضيوف ، فتنتظرني هي بدورها ريثما أراجع دروسي ، ثم أنزلق إلى جوارهافي الفراش وكلي لهفة إلى سماع حكاياتها مسترجعا ذكرياتي مع جدتي .
وتحكي لي ، تلهب مشاعري في عتمة الليل بصوتها الأبح ، عن لونجة بنت الغولة ومحمد ولد السلطان ، عن بقرة اليتامى ، العنزة و الذيب .
حتى إذا أحياها الحكي ولم أنم راحت تغني بصوت خافت عن المجاهدين ، وعن الغائبين ، و الراحلين إلى بيت الله ، و العائدين من الغربة ، عن العمر الذي ينقضي في انتظار الغائب الذي لا يعود .
وتصمت فأناديها فلا تجيب ، وأمد يدي أتحسس وجهها فأعود بأصابعي مبتلة بدموعها الساخنة ، فأدفن رأسي في صدرها و أنام .