المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وظيفة الفن في الفكر الجمالي الحديث بين المبدع و الاخر



رباب حسين النمر
01-12-2007, 01:21 AM
الفن بجميع أشكاله وتصنيفاته هو إرث مشترك يتقاسمه المبدع و الآخر ( المستقبل ) على مستوى جميع الحضارات ، وحالما ينعتق العمل الفني من بين جدران غرفة المبدع ، حتى يتواصل مباشرة بالمتلقي ، مجسدا بلوحة في متحف فني يقف أمامها جماهير المتذوقين ، أو قصائد شعرية تُلقى في المحافل على أسماع الناس ، أو تماثيل تقف شاهد حضارة أمام معبد ، أو أنغام موسيقية تسري في أذن السامع .

فهل الفن اعتباطي أم له دور في الحياة ؟؟
هل هناك وظائف منوطة بالفن وهو مكلف بتأديتها تجاه المبدع الفنان من جهة وتجاه الآخر من جهة أخرى ؟؟؟
كيف تناول فلاسفة القرن العشرين هذه القضايا ؟؟
كيف نظروا للفن ؟
وما هي الوظائف التي أسندوها إليه ؟
وما الصفات التي جردوه منها ؟؟

فيما يلي إجابة لهذه التساؤلات من خلال آراء حشد من فلاسفة ومفكري القرن العشرين وعلماء جماله ، مثل الألماني كانت ، و الأمريكي آلان ، و الفرنسي سارتر ، و الإيطالي كروتشه ، وهيجل ، سانتيانا ، برجسون ، شيلر و برجسون .

وينقسم البحث إلى قسمين :
تناولت في القسم الأول وظائف الفن بالنسبة للآخر ، وفي القسم الثاني تناولت وظيفة الفن بالنسبة للمبدع نفسه ..
مبينة مختلف الآراء الدائرة حول النقطة الواحدة ..
وقد عدت إلى بعض المصادر التي أفادتني كثيرا ككتاب زكريا إبراهيم و مجاهد عبد المنعم مجاهد و رمضان الصباغ ، و أخرى زودتني بشذرات مفيدة ككتاب زكارنة و مطر

رباب حسين النمر
01-12-2007, 01:25 AM
وظائف الفن

القسم الأول : وظائف الفن بالنسبة للآخر

أولا : الوظيفة الأخلاقية للفن :

هل للفن وظيفة أخلاقية ؟
هل نطلب من علم الجمال الذي يدرس الفن أن يكون خادما لعلم الأخلاق ؟
أم ترانا نحرر الفن ونحرر معه علم الجمال من كل دعوة أخلاقية يلتزمان بها ؟؟ هل بوسع الفن التوفيق بين الدعوة إلى الجمال الفني و الجمال الأخلاقي ؟؟
انقسم الفلاسفة و علماء الجمال في رؤيتهم إلى علاقة الفن بالأخلاق إلى فريقين :

الفريق الأول :
يرى أن من وظائف الفن الحث على الفضائل و التنفير من الرذائل ، وبث الوعي الخلقي بين الناس ، فهناك وظيفة أخلاقية عظمى منوطة بالفن ..
ويمثل هذا الاتجاه الفيلسوفان الفرنسي ألان والأمريكي سانتيانا :

يرى ألان( 1868 – 1951 م ) أن الفلسفة التقليدية كانت على حق عندما جعلت من القيمة الأخلاقية شكلا من أشكال القيمة الجمالية ، و اللغة الفرنسية تصف الفعل الأخلاقي النبيل بأنه فعل جميل مؤكدة وجود علاقة وثيقة بين الخير و الجمال ، ولكن من المؤكد مع ذلك أن للجميل طابعا دينيا هو الذي جعل الأسرار الدينية المقدسة تلتمس في شتى الفنون أسمى تعبير عنها ، لم يتناس الإنسان هذا الطابع الديني للجمال إلا حين ربط الفن بأهوائه وانفعالاته وعواطفه فجعل من الفن مجرد أداة للمتعة و اللذة في حين أن الفن قد ارتبط من قديم الزمان بأقدس عقائد الإنسان و أسمى أفكاره و أرفع قيمه

إذن ربط ألان الفن بالأخلاق انطلاقا من الواقع اللغوي ، والنشأة الدينية للفنون ، ويرى أن تجريد الفن من طابعه الأخلاقي انحرافا رافق مسايرة الإنسان لأهوائه وشهواته .

أما جورج سانتيانا ( 1863 – 1952 م ) فقد حصر صلة الفن بالأخلاق و الحياة في أربعة مواقف :

الموقف الأول : فصل الفن عن الحياة : لأن الفن للفن و أن النشاط الفني غير مشروط و أنه نشاط مستقل استقلالا تاما عن شتى مظاهر الحياة البشرية الأخرى و أدى هذا الموقف إلى عبادة الجمال .

الموقف الثاني : يستبعد النشاط الفني من دائرة مظاهر النشاط البشري الجدي ، فيساير أفلاطون في طرده الشعراء من جمهوريته ، ويحجر على الفن باسم الرقابة الأخلاقية الصارمة ، وينسب للفن وظيفة ترويحية باعتباره مجرد أداة تسلية في نطاق حياة منظمة تحكمها مقولات الفعل .

الثالث: ينسب إلى الفن قيمة نسبية بوصفة مرحلة ضرورية من مراحل التقدم الديالكتيكي للنفس البشرية ، و إن كان من شأن هذا التقدم أن يفضي إلى تجاوز الحياة الجمالية للانتقال إلى مرحلة أخرى قد يمثلها العالم أو الأخلاق أو الدين ، و أصحاب هذا الاتجاه يعترفون بقيمة الفن لكنهم يخضعونه لمبدأ تقويمي يحكم عليه سلفا بالبقاء في مستوى أدنى من مستويات غيره من مظاهر النشاط البشري ، ومن ثم فلا ينسبون للفن أي طابع نوعي باعتباره مرحلة مؤقتة من مراحل تطور الوعي البشري .

الرابع : الموقف الأوحد الذي ينصف الفن في نظر سانتيانا الذي يدمج النشاط الجمالي في صميم الحياة العقلية للوجود البشري باعتباره مظهرا من مظاهر سعي الإنسان نحو تحقيق المثل الأعلى ، وبذلك لا يكون الفن مستقلا تماما عما عداه من مناشط الحياة الإنسانية ، ولا يبقى بمعزل عن الحياة الجدية ، ولا يظل خاضعا خضوعا مطلقا للأشكال العليا من أشكال الحياة الروحية .

ثم ميز سانتيانا بين القيم الفنية من جهة و القيم الأخلاقية من جهة أخرى فقرر أن :
القيم الأخلاقية القيم الجمالية
سلبية تقتصر مهمتها على اجتناب الألم ومحاربة الشرعالم الأخلاق هو عالم الواجب و الإلزام و التكليف و الصراع ضد الخطيئة اقترنت الأخلاق بالنشاط الجدي الشاق إيجابية تمدنا بملذات حقيقية عالم الفن هو عالم الحرية والانطلاق و الاستمتاع و اللذة الخالصة النقية اقترن الفن باللعب والنشاط الحر المنطلق القيم الجمالية مكتفية بذاتها غير مطلوبة لغاية وراءها

فالقيم الجمالية تحمل في ذاتها قيمتها ، وما عداها من القيم مجرد وسائط أو أدوات تطلب لغايات أو مقاصد ، فهناك ضرورات عملية تخلع على النشاط الأخلاقي كل ما له من قيمة ، أما النشاط الفني فقيمته مستقلة تماما عن شتى الظروف العملية ، ولهذا لا يتجلى النشاط الفني على حقيقته إلا حينما تختفي مطالب الحياة الملحّة وضرورات التكييف ، فيصبح حينئذ في وسع الإدراك الحسي ممارسة نشاطه في تلقائية وحرية وخصوبة ، إذن الخبرة الجمالية تمثل نشاطا متحررا من ضغط الحاجة وقسر الضرورة ، ولذا فهي تقترب من النشاط الانطلاقي الحر المسمى باللعب

من ذلك كله نخلص إلى أن سانتيانا يرى بأن الفن يمثل أرقى أنواع الحرية ، في حين أن الأخلاق تمثل نوع من الرقابة و القيود ، ومع ذلك لاينكر التقاطع الحاصل ما بين الفن و الأخلاق ..


الفريق الثاني : حرص على عزل الفن عن الأخلاق ، ويقرر أن الفن لا صلة له بالأخلاق ..
ويمثل هذا الفريق كل من كانت ، وسارتر ، وكروتشة .

أما كانت فقد حرص على عزل الفن عن الأخلاق في نقد الحكم وجعل مجال الجمال منفصلا عن كل مجالات النشاط الإنساني ، وبذلك رأى أن الزخارف و النقوش و الأرابيسك وما شابهها هي التجسيد الأصيل للجميل حيث لا يوجد أي تصور أو غاية في الفن

ولكن بعد أبحاث مطولة يتراجع كانت عن قراره الأول ، ليعترف أن الفن مجرد رمز بسيط للخير وهكذا ضاعت جهوده في البحث عن حدود بين الأخلاقي و الجمالي عبثا

و يرى بول سارتر ( 1905 – 1980 م ) أن الفن لا صلة له بالأخلاق ، وأنه من الغباء أن نخلط بين الجمالي و الأخلاقي .

أما بندتو كروتشة ( 1866 – 1911 م ) فينكر النظرية القائلة بأن الفن ( فعل أخلاقي ) لأن مقولة ( أخلاقي ) لا تنطبق على العمل الفني ما دام من المستحيل الحكم على أية صورة بأنها مقبولة أو مرذولة أخلاقيا إلا لو كان باستطاعتنا الحكم على المربع بأنه أخلاقي وعلى المثلث بأنه غير أخلاقي ، ولا يوجد أي قانون جنائي يحكم على صورة فنية بالسجن أو الإعدام ، فالفن خارج تماما عن نطاق الأخلاق ، ويرفض كروتشة فكرة الفن الموجه ويقرر في ذات الوقت أن الفنان ليس خارجا عن سلطان الأخلاق فعليه أن ينظر إلى الفن كرسالة ويمارسه كواجب مقدس .

ويجب ملاحظة أن الموقف الأول من المواقف التي بينها سانتيانا وهو ( عبادة الجمال ) يجعل من النشاط الفني بعزله عن الحياة واقعة جدباء مُصطنعة لا صلة لها على الإطلاق بالحياة الواقعية ، فليس الفن مجرد أفيون أو مخدر و كان مهمته تنحصر في استثارة خيالاتنا وتهييج انفعالاتنا دون أن تكون له أدنى صلة بسعادتنا الحقيقية ، فإذا شئنا الرقي بالفنون يجب ربطها بوظائف عقلية أخرى ، فلا يكون هناك فرق ين جعل الأشياء نافعة أو أن ندركها في صميم حقيقتها ، يريد سانتيانا من الفنان أن يحترم الثالوث اليوناني المقدس ( الفضيلة ، الحكمة ، الجمال ) ويجعل من نشاطه الفني سعي وراء الانسجام الحقيقي الذي يجعل العالم أهلا لتقبل النفس ، ويجعل النفس أهلا لتقبل العالم .

وما دام يربط الفن بالحكمة و الفضيلة فهو يربطه الأخلاق وذلك لأن الفضيلة تقتضي الخلق الجميل ، و الحكمة تنتهي إليه .

من ذلك يتبين أن الفلاسفة الذين جردوا الفن من مهمته الأخلاقية ، تراجعوا عن آرائهم ، أو أشاروا في نهاية المطاف إلى الخيط الرابط بين الفن و الخلاق و إن كان هذا الخيط واهنا ضعيفا كما يرون .

****************

ثانيا : الوظيفة الحضارية للفن :

أ . الفن سجل ضخم يدون إنجاز الحضارات :

فقد رأى الفلاسفة أن الفن مظهر من مظاهر تسجيل حضارات الشعوب البدائية و المتحضرة على السواء ، و الخبرة الجمالية تنم عن مدى تحضر الشعوب :
وفي هذا الصدد يرى جون ديوي أن الفن وثيق الصلة بالحضارة لأن شتى الخبرات العملية و الاجتماعية و التربوية في كل مكان وزمان اصطبغت بصبغة جمالية واضحة ، بالعودة إلى آثار المجتمعات القديمة وعاداتها و أنظمتها وصناعتها وشتى مظاهر حياتها ، نتحقق أن الفن الجميل كان مندمجا في صميم اهتمام الحياة الاجتماعية العادية .... وقد كان الفن ظاهرة مصاحبة للمعبد والطقوس الدينية و الاحتفالات الشعبية و الألعاب الأولمبية و المحاكم و الساحات الشعبية وشتى أشكال الحياة الاجتماعية المشتركة ، وتاريخ الحضارات البشرية جميعا شاهدا بأن مجتمعاً واحدا من المجتمعات لم ينفصل يوما عن الصناعة أو الخبرة الجمالية عن الحياة العملية ، ثم يقرر أنه ليس هناك معنى على الإطلاق لنزعة الفن للفن : ثم يبدأ بسوق الأدلة التي يبرهن ها على صحة رأيه فيقول :
1. أن أثينا نفسها ما كانت لتقبل دعوى الفن للفن لو قُدر لها أن تعرف مثل هذه الدعوى ، وقد شعر أفلاطون أن الفن يعكس الانفعالات و الأفكار المرتبطة الأنظمة الرئيسية للحياة الاجتماعية ، فقاده هذا الشعور إلى المناداة على فرض رقابة على الشعراء و أهل الدراما و الموسيقيين ، وما كان أحد من معاصرية يشك لحظة في أن الموسيقى جزء لا يتجزأ من نفسية المجتمع و أنظمته .
2. ولئن كان الأفراد هم الذين يستحدثون التجربة الجمالية ، وهم الذين يتمتعون بتذوقها ، لكن الحضارة التي ينتسبون إليها هي التي أسهمت في تكوين الجانب الأكبر من مضمون تجربتهم ، فالخبرة الجمالية مظهر لحياة كل حضارة وسجل لها ، فالحضارة هي البوتقة الكبرى التي تصهر فنون الجماعة وصناعتها وطقوسها وشعائرها و أساطيرها وقيمها الجماعية وشتى مظاهرها .
3. لم تكن الأساطير في نظر الإنسان البدائي مجرد محاولات عقلية قام بها الإنسان للسيطرة على الطبيعة بل كانت خبرات جمالية استثارت أحاسيسه وانفعالاته وشتى حالاته الذهنية .
4. الفنون في العصور الوسطى لم تكن مجرد خُدّام للدين كالمعرفة المدرسية ، بل إن التصورات اللاهوتية لم تنجح في التأثير على الإنسان إلا أنها أهابت بأحاسيسه وخياله الحي إهابة مباشرة مما جعل الأديان تربط أسرارها المقدسة بأسمى روائع الفن .
5. إن الكثير من الثورات الفكرية الهائلة التي يحققها اليوم علماء الفلك و الفيزياء تتجاوب مع حاجاتنا الجمالية إلى إشباع الخيال أكثر مما تتجاوب مع أي التماس صارم للحجة غير العاطفية التي يستلزمها التفسير العقلي .
إذن :
ليس في وسعنا فصل الفن عن الحياة الحضارية لكل مجتمع ما دامت الحضارة هي الأصل في نشأة معظم الفنون

أما هيجل فقد الفن مفتاح الحكمة عند الشعوب ذلك لأنه يحفظ تاريخ منجزاتها الكبرى :

يقول في المقدمة : ( .. في الأعمال الفنية أودعت الأمم أعمق حدوسها و أفكارها عن قلوبها ، و الفن الجميل كثيرا ما يكون هو المفتاح ، و المفتاح الوحيد عند بعض الأمم لفهم حكمتها وديانتها ) .. وقد تنبه ان الفن يوقظ النفوس ، يقول في المقدمة : ( يقام صرح الفن الذي مهندسه وبانيه هو روح الجمال الذي يوقظ المعرفة الذاتية و لإكمال ما يحتاج إليه تاريخ العالم لتطور عصوره ) ..


ب . الفن جسر يكفل التواصل بين البشر :

يرى مفكروا العصر الحديث من الفلاسفة أن الفن لغة عالمية قادرة على مخاطبة الإنسان أينما كان وكيفما كان تفكيره ، ولذا فهو قنطرة تكفل التواصل بين جميع البشر في هذا العالم الواسع المترامي الأطراف ، فتعمّق من فهم الإنسان لأخيه الإنسان ، ولديها القدرة على وصل الشعوب ببعضها في مختلف الأزمان ، فهي تصل الحاضر الماضي .

يقرر ديوي أن الأعمال الفنية هي الوسائط الوحيدة لتحقيق تواصل تام لا يعوقه شيء بين الإنسان و أخيه الإنسان تواصلا حقيقيا يتم في نطاق عالم مليء بالهوات و الأسوار التي تحد من كل صبغة جماعية مشتركة قد تتخذها التجربة ، و الواقع أن هذه الفنون الجنية تعمل على توسيع خبراتنا الخاصة وتعميقها فتقلل من طابعها المحلي أو صبغتها الإقليمية وتفتح أمامنا السبيل لإدراك المواقف الأساسية و الاتجاهات الجوهرية المتضمنة في تلك الأشكال الأخرى من التجربة .

كما يقرر كروتشة أن هناك تواصل بيننا وبين الفنانين عبر الأعمال الفنية التي عبروا فيها عن أنفسهم حيث أن الفنان لم يعمل ولم ينفعل إلا من أجل تلك الصورة الفنية التي أبرزها إلى الخارج الموضوعي على نحو غنائي متحررا عن طريقها من اضطرابه الانفعالي ، ومن المؤكد أن هذه الصورة التي اغتبط الفنان لنجاحه في إبداعها في الوقت نفسه صورة يغتبط الآخرون لرؤيتها ، وكان انفعالات الفنان قد أصبحت انفعالاتهم ، وكأن غبطة الإبداع قد استحالت إلى غبطة تذوق لأن ثمة وحدة أصيلة في المشاعر تجمع بين البشر جميعا بحيث أن انفعالات الآخرين لتصبح عن هذا الطريق بمثابة انفعالات شخصية لنا ، وكما أن الحياة الفردية ممكنة لأننا على اتصال دائم بماضينا ، فإن الحياة الاجتماعية أيضا ممكنة لأننا على اتصال دائم بأشباهنا من الناس ، ونحن نستطيع بالفعل أن نتذوق أعمال الفنانين لأننا نستطيع أن نستعيد في نفوسنا تلك الظروف التي اكتنفت عملية الخضوع لمؤثر جمالي معين ، ونستطيع التغلب على سائر العوائق الاجتماعية و التاريخية التي تفصل بيننا وبين الأحوال التي تم في كنفها تحقيق ذلك الأثر الفني ، معنى ذلك أن في وسع الإنسان العادي أن يتذوق أعمال كار الفنانين ما دام في وسعه أن يستعيد في ذهنه خيالات مماثلة لتلك التي طافت بأذهان أولائك الفنانين ، ولولا ذلك لما كان للفن تاريخ ولما كان هناك تراث فني

ونلاحظ في عصرنا الراهن أن تطور وسائل الاتصالات التكنولوجية الحديثة ولا سيما الشبكة العنكبوتية عملت على ربط أطراف العالم ببعضها و كأن العالم يستحيل إلى قرية صغيرة ، وقد سهل ذلك على الفنانين و المبدعين تبادل الرؤى و الاطلاع على كل ما يستجد في عالم
الفن بضغطة زر صغير فقط .

ويضرب عبد الرؤوف برجاوي مثالا على ذلك ، حيث يقول بأن الفن أداة للتفاهم بين البشر لا يعرف الحواجز ولا يعترف حدود :

فالموسيقى ، أي موسيقى تنشأ في بلد ما ، تعجب الناس في أي بقاع كانوا ، و الرسم فن يتأثر به الشرقي و الغربي على السواء ، وكذلك النحت و الرقص وفن العمارة ، لأن اللغة المحكية في تلك الفنون هي لغة العواطف ، و الأسلوب الذي تتحدث به وتترجم هو أسلو القلوب الكبيرة التي تعبر عن المعاني الإنسانية الخالدة .

******************

ثالثا : الوظيفة الترفيهية للفن :

وظيفة التسلية :
من الوظائف الحيوية التي يقوم بها الفن في الحياة هي أن ينسينا مشاق الحياة و المتاعب اليومية عن طريق اللعب ، فتأمل الجميل مسلاة أو انطلاق أو رغد أو ترف .
وقد أكد كانت على هذا التجرد و أراد سبنسر وشيلر ان يفسرا الفن كله على أنه صورة عليا من صور اللعب
وكثيرا ما أشار الفلاسفة إلى وجود اللذة و المتعة في التذوق الجمالي للفن ..
ويجسد صدق هذه الفكرة أن الكثير من متاحف العالم وصالات عرضه الفنية ، و الأمسيات الأدبية و الشعرية قد استحالت إلى مراكز سياحية ، ونقاط تجتذب السياح لقضاء العطل و أوقات الاستجمام ، بعد أيام زاخرة بالتعب ، ينفضون عندها إرهاقهم ، ويحصلون على الترف الذهني الذي يجدد نشاطهم ويعدهم لاستقبال فترة زمنية جديدة حافلة المشاغل .


رابعا : الوظيفة النفعية للفن :

هل هناك ارتباط ين الفن و المنفعة أيا كان المقصود من لفظة ( المنفعة ) اقتصادية ، استهلاكية ، سياسية ؟؟؟

ما هي طبيعة الفن ؟ هل هو غاية في حد ذاته ؟ ومنزه عن الغرض ؟ أم أنه يرتبط بالمنفعة ؟
توجد صورتان متباينتان للرأي في الفن تختلفان اختلافا بينا .

الرأي الأول : يرى أن على الفن أن يرقّي من الوعي البشري ، كما أن عليه أن يحسّن النظام الاجتماعي الذي يعيش البشر في كنفه ويستظلون بظله وتتأثر حياتهم كلها المادية و المعنوية بمثله وتعاليمه ..

الرأي الثاني : يرى أن الفن غاية في حد ذاته و أن أية محاولة لاستخدامه كوسيلة تخدم غرضا من الأغراض أو غاية من الغايات مهما كان الغرض نبيلا و شريفا ، إنما هي محاولة تؤدي إلى تدهور العمل الفني أو على أقل تقدير تنقص من قيمة الفن وقدره .

إذن : هل يرتبط الفن بالمنفعة ؟ أم أنه الفن للفن : أي الفن الخالص المنزّه عن الغرض ؟

أولا : الفن للمنفعة :
كلمة المنفعة كلمة مطاطية من الممكن حشر كثير من المعاني تحت مصطلحها ، لذا يجب أن ننتبه إلى المعنى الذي يقصده كل فيلسوف من كلمة المنفعة .

من أبرز المدافعين عن اتجاه ( الفن للمنفعة ) تشيرنيشفسكي ، جون ديوي ، وجورج سانتيانا ..

أما تشيرنيشفسكي فيرى أن الفن ينبغي أن يخدم أهدافا حيوية ، ولا يظل كما معطلا لتزجية الفراغ أو الترويح عن النفس ، لأن دور الفن أن يكون مسخرا لخدمة الإنسان ، و أن يقدم له ما ينفعه ، و أن لا يكون مجرد متعة لتزجية الفراغ أو الترفيه عن النفس ، بل ويقوم أيضا بدور تعليمي ، كما أنه يعمل على محاربة الباطل و الوقوف إلى جانب الحق .
و المنفعة التي يقصدها تشيرنيشفسكي هنا منفعة تعليمية ، اجتماعية تتمثل في محاربة الباطل و الوقوف على جانب الحق .

أما جون ديوي ( 1859 – 1952 م ) فيرى أن الفنون الجميلة فنون نافعة ، ولا يريد أن يفصل الجميل عن النافع لأنه يلاحظ أن الحياة الحضارية هي التي تتكفل بإظهار ما بين الفنون الجميلة و الفنون النفعية من علاقة وثيقة ، ولو فهمنا المنفعة بشكل واسع لكان في وسعنا أن نقول إن الفنون الجميلة فنون نافعة ، ثم يدلل على أن لممارسة الفنون الجميلة بطريقة معتدلة قيمة عملية لا تُجحد لما لها من أثر تربوي عظيم الشأن على النفس ، وأن الخبرة الجمالية تؤهلنا للقيام بألوان جديدة من الإدراك ، معنى ذلك أن للفنون الجميلة قيمة عملية لا تقل أهمية عن قيمة بعض الصناعات التكنولوجية ، ويقرر ديوي أن الفنون الصناعية قد تنطوي على صبغة جمالية حين تجيء صورها متلائمة مع استعمالاتها الخاصة ، وبهذا المعنى يمكن اعتبار السجاجيد و الأواني الخزفية و الأدوات المنزلية موضوعات فنية بشرط أن يكون لموادها الأولية من التنظيم و الشكل ما يؤدي بطريقة مباشرة إلى إثراء تجربة الشخص الذي يتأملها بعناية ..
وينادي ديوي فكرة تداخل الفنون الجميلة و الفنون النافعة دون أن يفصل النشاط الفني عن النشاط الصناعي ، ويأتي حرص ديوي على ربط الفن بالتجربة على انه هو الذي أملى عليه توثيق الصلة بين الفن الجميل و الفن النافع باعتبارهما مظهرين لنشاط بشري واحد في صميمه .
فالمنفعة التي يقصدها ديوي صناعية استهلاكية ، ثم يفصل في ذكر الأسباب التي جعلت البعض يعزل الفن الجميل عن المنفعة والتي يعيدها إلى عوامل تاريخية في مقدمتها بعض العوامل الاقتصادية و الصناعية و الحربية .
وبدأ ببيان العوامل الحربية فيقول :
وحسبنا أن نلقي نظرة على متاحفنا ومعارضنا الحديثة التي اعتدنا أن نخزن فيها شتى الآثار الفنية لكي نقف على العلل التي عملت على عزل الفن بدلا من ربطه بالحياة الاجتماعية ، و الواقع أن الغالبية العظمى من متاحف أوروبا في جانب منها آثار تذكارية لقيام القومية و التوسع الاستعماري ، و آية ذلك أن كل عاصمة من عواصم أوروبا تحرص أن يكون لها متحفها القومي الخاص في النحت و التصوير وخلافه ، و أصبحت تهتم بإبراز نواحي عظمتها الفنية الماضية مع العناية بعرض الأسلاب التي جمعها حكامها أثناء غزوهم للشعوب الأخرى كمجموعات الغنائم بمتحف اللوفر من أسلاب نابليون ، وتشهد هذه المجموعات الفنية بوجود علاقة وثيقة بين ظاهرة عزل الفن في العصر الحديث ، وبين ظاهرتي القومية و الروح العسكرية .

ثم وضح العوامل الاقتصادية بقوله :
ثم جاء نمو الرأسمالية كعامل قومي في نشوء المتحف باعتباره المقر الطبيعي للأعمال الفنية ، وفي رواج الفكرة القائلة أن هذه الأعمال قائمة بذاتها في استقلال تام عن الحياة العامة ، وقد أوجد هذا النظام طبقة الأثرياء الجدد ، فصار الرأسمالي النموذجي حريص على اقتناء الأعمال الفنية النفيسة من كل نادر باهظ الثمن ، و أصبح الهاوي الثري يجمع اللوحات و التماثيل و الحلي الجميلة حتى يدعم مركزه في مضمار الثقافة الرفيعة ، ولم يقتصر الأمر على الأفراد بل أصبحت الجماعات و الشعوب تحرص على إظهار حسن ذوقها الثقافي ببناء دار الأوبرا ، وتشييد المتاحف ، و إقامة المعارض ، لرعاية الفن وتشجيع ذويه للتباهي بالمقتنيات الفنية و التفاخر بمركزها الثقافي الممتاز ، نظرا لما طرأ على الأحوال الصناعية من تغيرات فقد دفع الفنان إلى هامش المجتمع بعيدا عن التيارات الأساسية للنشاط الإيجابي الفعال .

و أخيرا وضح تأثير العوامل الصناعية في عزل الفن عن الحياة بقوله :
ونظر الفنان إلى ميكانيكية الصناعة فوجد أنه لا يستطيع العمل بطريقة آلية لمجاراة الإنتاج الصناعي الكبير ، فظن أن نشاطه فردي صرف ، وليس عليه سوى أداء عمله كما لو كان مجرد وسيلة منفصلة للتعبير عن الذات ، وبالغ بعض الفنانين في تأكيد هذه النزعة الانفصالية في الخروج على المألوف ، فأصبحت للمنتجات الفنية طابع الأشياء المستقلة أو الموضوعات الخفية المستورة ، وقد أرادوا بذلك أن لا يضعوا إنتاجهم في خدمة أي قوة من القوى المادية و الاقتصادية ، وقد امتدت هذه العدوى إلى النقد الفني فأصبح الناس يهللون لغرائب التقدير وروائع الجمال الفني المتعالي أو الفائق للعقل خصوصا ذلك الفن الذي ينهمك فيه أصحابه دون اهتمام منهم بالقدرة على الإدراك الجمالي في مضمار الواقع الحسي الملموس .


و يقرر سانتيانا أن الكثير توهموا نزاهة المتعة الجمالية من الغرض ، و كأن المرء حين يجد نفسه إزاء موضوع جمالي لا يفكر مطلقا في السعي نحو الظفر به أو امتلاكه ، حقا إن تقدير اللوحة لا يختلط في العادة بالرغبة في شرائها لكن من الطبيعي أن تكون هناك علاقة وثيقة بين الحافزين ، فليس ما يمنع أن نشتهي الملذات الجمالية كما نشتهي غيرها من الملذات ، بل إن صعوبة الحصول على بعض الملذات الجمالية يسبب زيادة قيمتها في نظرنا كالأحجار الكريمة ( ما دامت اللذة الجمالية شخصية فلا موضع للقول أنها أقل أنانية أو نفعية )
و المنفعة التي ركز عليها سانتيانا هي منفعة اقتصادية تتمثل في الشراء و الاقتناء واشتهاء الملذات الجمالية .

ثم يشير إلى نوع آخر من المنفعة وهو التوافق مع الطبيعة حيث يؤكد على أن الجمال هو الضامن لإمكانية توافق النفس مع الطبيعة ، وهذا التكيف هو الذي أدى بأشكال من الفن كفن العمارة مثلا إلى التوافق مع الضرورات العملية ( الوقاية ، الاحتماء ، الإضاءة ، التملك ، تنوع المواد الأولية ) ولكن لم تلبث عين الإنسان أن اعتادت أنماطا معينة من من الصور نتيجة لتكرار إدراكها لأمثال هذه الأشكال النموذجية ، فأصبح خط المنفعة هو بعينه خط الجمال ، ومن هنا يسلم سانتيانا مع أفلاطون بوجود جمال مطلق يتحكم في نظام العالم بل ويقرر تنظيم العالم نشأ عن فعل بعض القوى الآلية أو الميكانيكية التي حددت النماذج أو الأنماط ، فلم يكن على إدراكنا الجمالي سوى أن يراعيها في تذوقه للجمال
ولذلك يرى أن مهمة الفنان الامتداد بالمنفعة بحيث تستحيل إلى جمال ، فيكون عامل اللذة أو المتعة عاملا أساسيا في صبغ بعض الأشكال التجريدية بقيم جمالية نتيجة لما يترتب على إدراكنا لمثل تلك الأشكال من إحساس ملائم يرتبط بفعل بعض التوترات العضلية و الحسية ، وهكذا يخلص إلى أن الجمال هو الضامن لإمكان توافق النفس مع الطبيعة

ثانيا : الفن للفن :

وممن انتصر لنظرية الفن للفن أو الإنتاج للإنتاج هو الفيسلوف الألماني إمانويل كانت ( 1724 – 1874 م ) ، و الإيطالي بندتو كروتشة ، و الفرنسي بول سارتر ..

يقول كانت : ( إن الحكم الجمالي يفترض بلا جدال غياب كل اعتبار نفعي لدى الفرد الذي يصدره ) أي أن حكم الذوق حكم مجرد مطلق ومتنزه عن كل غرض ، ويقول أيضا : ( إن الإنسان الاجتماعي لا يعتبر كل شيء نافع جميلا ) ثم يستدرك قائلا : ( لكن لا جدال في أن الأشياء النافعة أو بعبارة أخرى الأشياء التي يمكن أن تفيده في صراع البقاء ضد الطبيعة أو ضد أناس آخرين يعيشون معه ، هي وحدها التي يمكن أن تبدو له جميلة ) ثم يستدرك تارة أخرى بقوله : ( هذا لا يعني أن وجهتي النظر النفعية و الجمالية تتطابقان لدى الإنسان الاجتماعي ، فالمنفعة يتعرفها العقل ، أما الجمال فيتعرفه الحدس ، ومضمار الأول هو الحدس أما مضمار الثاني فهو الغريزة ، و الحال أن مضمار الحدس أوسع و أرحب بما لا يقاس من مضمار العقل ، والإنسان الاجتماعي إذ يتمتع بشيء يبدو له جميلا ، ولا ينتبه تقريبا إلى ما ينطوي عليه من نفع ، و إن كانت فكرة هذا النفع مرتبطة لديه بفكرة ذلك الشيء وهو في أغلب الأحوال لا يمكن أن يكتشف هذا النفع إلا عن طريق تحليل علمي ، والسمة الأساسية للمتعة الجمالية تتمثل في طابعها المباشر ، بيد أن النفع موجود وهو أساس كل متعة جمالية ، ولو لم يكن لذلك النفع من وجود لما أمكن أن يبدو الشيء جميلا )

نلاحظ أن كانت يعلي من الجمالية حينما يقرن بينها و بين النفعية على أساس قيام الجمالية على الحدس لآن مضمار الحدس أرحب و أكبر و أن الإنسان عندما يستمتع بشيء فإنه يراه جميلا دون أن ينتبه إلى المنفعة ، بل إن هذا النفع لا ينكشف إلا بعد التحليل العلمي ، بينما السمة الأساسية للمتعة الجمالية مباشرة ، وبهذا تكون وجهة نظر الجمالية هي الغالبة على وجهة نظر النفعية .

ويرى ( لوفافر ) أن استبعاد عنصر المنفعة التطبيقية العملية و الاجتماعية و السياسية من الفن يفقر الفن ، وليست المنفعة فيه عنصره الوحيد ، ولكنها من عناصره المكملة ، على أن تؤخذ بمعناها الواسع .

المنفعة عند كانت هنا مبهمة غير جلية المعالم ، أما لوفافر فالمنفعة لديه سياسية و اجتماعية في المقام الأول .
ويرى كانت أن الحكم الجمالي حكم متعلق بالذوق ، و الذوق هو ملكة الحكم على شيء ما عن طريق الشعور اللذة أو الألم على نحو خال من المنفعة ..
ويقول أيضا : ( الجمال هو شكل من الغائية في شيء ما بقدر ما يجري تصوره فيه بمعزل عن عرض غاية )
ويضيف : ( الذوق هو ملكة تقدير شيء ما أو حالة ما من التمثل أو العرض عن طريق الابتهاج أو الامتعاض بمعزل عن أي نفع . وموضوع مثل هذا الابتهاج يسمى جميلا )


أما كروتشة فينكر أن يكون الفن فعلا نفعيا يقصد من وراءه الإنسان إلى تحصيل لذة أو اجتناب ألم وهو يأبى أن يهبط بالفن إلى مستوى الأفعال النفعية التي تدخل في نطاق الاهتمامات العملية ، وهنا يثور كروتشة على النظريات التقليدية في التوحيد بين الفن و اللذة أو المنفعة ، فيقول قد يكون الشكل الذي تصوره اللوحة عزيزا علينا ، و بالتالي فإنه قد يستثير في قلوبنا بعض الذكريات الطيبة ، ولكن اللوحة مع ذلك قد تكون في حد ذاتها قبيحة من الناحية الفنية ، وليس ما يمنع أن تكون اللوحة جميلة من الناحية الفنية مع كونها في الوقت ذاته مصورة لمنظر بغيض ثقيل على النفس ، فكروتشة لا يوافق على القول بأن اللذة هي جوهر الاهتمام الجمالي ولئن كان النشاط الجمالي مصحوبا بلذة ، إلا أن اللذة ظاهرة مشتركة يتقاسمها مع النشاط الفني غيره من ضروب النشاط الروحي ولذا رفض كروتشة أن يرجع إلى مفهوم المتعة أو اللذة في تعريف الفن
هنا يحصر كروتشة المنفعة في اللذة و الاستمتاع الفني .

أما سارتر فيقرر في كتابه (ما الأدب ؟ ) أن الشاعر لا يستخدم الكلمات بأية حال ولكنه يخدمها ، فالشعراء يترفعون باللغة عن أن تكون نفعية وهي للمتحدث خادمة مطيعة وللشاعر عصية أبية المراس لم تستأنس بعد ، هي على حالتها المتوحشة ، الكلمات للمتحدث اصطلاحات ذات جدوى و أدوات تبلى قليلا باستخدامها ويضحي بها جانبا عندما لا تعود صالحة للاستعمال وهي للشاعر أشياء طبيعية تبدو شيطانيا كالعشب و الأشجار

من الواضح أن قصد سارتر النفع المادي الذي يجنيه المرء بامتهان حرفة الكتابة .

*********************************
خامسا : الوظيفة الاجتماعية للفن :

أ . الدور التعليمي :
ربط يوهان وولف هانج جوته ( 1749 – 1832 م ) الفن بالمجتمع عندما تكلم عن ضرورة أن يكون الفنان معلما للشعب لأن الفن الأصيل لا يؤدي دوره إلا عندما يعلم الإنسان كيف يتصرف تصرفا سليما ، ويوقظ فيه الرغبة في العمل الفعال باسم توطيد الحق و الخير و الجمال في الحياة
ويؤكد هيجل على الدور التعليمي للفن ، حيث يقول في ( المقدمة ) :
( الفن كان في الحقيقة المثقف الأول للشعوب ) ويقول : ( الفن ليس موجها إلى دائرة صغيرة ومختارة من الصفوة الممتازة ، بل موجه إلى الأمة في نطاقها العريض ) وربط بين الفن و الشعب قائلا : ( لأن روح الفنون الجميلة هي الروح المحددة في شعب يشعر بأن الشمولية توجد في نفسه ) ..

ويحرص هيجل على أن لا يكون العمل الفني معزولا عن الحقائق الجوهرية في الحياة ونشاطات المجتمع الإنساني

و أرى بان الكثير من فنون و علوم الفراعنة عًرفت من خلال النقوش و الكتابات الرسوم التي تركوها على جدران المعابد ، و التماثيل التي نحتوها ، والنصب التي حفروها في الصخور ، ففسرت إيمانهم بعالم البعث و الغيب الأخروي واستعدادهم ليوم الحساب ، وكثير من طقوسهم الحياتية و الدينية .

ب . الدور الوعظي :
ويرى هيجل أن الفن يعظ الإنسان وهذا الغرض من الفن يتحقق بأن ينفذ المضمون الروحي الجوهري في الوعي عن طريق الأثر الفني ، وكلما سما الفن احتوى على مضمون أكبر وكان هذا معيار قيمته سواء كان المعبر عنه مطابقا أو غير مطابق . وفي الحق أن الفن هو المعلم الأول للشعوب

جـ . الدور الوجداني :

الفنان العظيم عند برجسون هو ذلك الذي يصدر في عمله عن انفعال جديد أصيل بحيث يولد في أنفسنا أحاسيس جديدة أو عواطف لم يكن لنا بها عهد ، أو انفعالات لم تكن لنا في الحسبان . و الانفعال الذي يتحدث عنه برجسون هنا ليس من قبيل التأثر الوجداني الصرف الذي لا يكاد يتجاوز السطح ، بل هو ضرب من الانقلاب النفسي الذي ينفذ إلى أعماق النفس فيزلزل أركانها ، ومثل هذا الانفعال لا يقف عند حدود التأثير النفسي ، بل سرعان ما يرقى إلى التفكير ، لكي يثير في النفس بعض الأفكار الجديدة فتنبثق من أعماقه تيارات فكرية لم يكن في وسع أحد أن يهتدي إليها من قبل أو يتنبأ بها مقدما ، ولهذا يقرر برجسون أن الإبداع إنما هو أولا و قبل كل شيء انفعال ولكن هذا الانفعال لا ينفي التفكير ولا يعني عدم جدوى التأمل و إنما يعني اندلاع نار الوجدان في وقود الفكر بحيث ينبثق من شرارة الحدس إبداع أصيل يعبر به الفنان عن شيء كان يظنه غير قابل للتعبير وهنا تنصهر الأفكار ويتحقق ضرب من الاندماج بين الفنان وموضوعه فينشأ من ذلك ما يسميه برجسون باسم العيان أو الحدس

يصور لنا برجسون الفنان على أنه ظاهرة شاذة لا صلة لها بالعالم الذي نعيش فيه ، وكأن الفنان إنسان معزول تقتصر كل مهمته على تحقيق ضرب من التطابق بينه وبين موضوعه دون أن تكون له أدنى صلة بواقعه الاجتماعي ولا غرو فإن برجسون لم ير في الفن سوى إدراك فردي أو حدس خاص ، فلم يكن في وسعه أن يربط الخبرة الفنية بما عداها من خبرات بشرية أخرى ، واقتصر في تفسيرها على بعض المبادئ الميتافيزيقية الخالصة كمبدأ الحدس وفكرة الانفصال أو التجرد عن الحياة وظاهرة الانفعال العميق .. لذا فقد جعل للفن وظيفة نوعية فريدة في بابها وكأن الفن دائرة أرستقراطية هيهات لأي فرد عادي أن ينفذ إليها

د. الدور الخطابي في بيان الحق و إدانة الظلم :
يقول سارتر إن وظيفة الكاتب هي تأكيد أنه ما من إنسان يستطيع أن يظل جاهلا بالعالم ومن ثم يزعم أنه بريء وهو لهذا يدين الروائي الفرنسي فلوبير لأنه صمت خلال مذابح باريس أيام الكومونة ، يقول : ( أنا اعتبر فلوبير و الأخوين جونكور مسؤولين عن المذابح التي أعقت كومونة باريس سنة 1871 لأنهم لم يكتبوا سطرا واحدا للحيلولة دون وقوع هذه المذبحة ) فالناثر عند سارتر مقاتل يحمل سلاحا وعليه أن يحسن توجيه السلاح يقول : ( إن الكلمات مسدسات محشوة و إذا تحدث الكاتب فإنه إنما يطلق النار حتما ، لقد كان في وسعه أن يصمت ولكن ما دام قد اختار لنفسه أن يطلق النار كيفما اتفق ومغلفا عينيه مقتصرا على التلذذ بسماع أصوات الطلقات وهي تدوي من بعيد ) إن جوهر الالتزام عند سارتر هو الحرية بحكم أن الكاتب لم يرغمه أحد على اختيار مهنة الكتابة فالحرية أصيلة في هذه المهنة وعليه أن يبعث الوعي بالحرية .

*******************************
سادسا : وظيفة الفن الإيهامية : وهي خلق عالم خيالي جميل

يقول برجسون عن الفنان : أنه ( ذلك الإنسان الذي يرى ، فلا يملك سوى أن يفتح عيون الآخرين لكي يجعلهم يرون ما هم في العادة غافلون عنه ) والفنان لا يكشف إلا عن الظاهر لا الواقع و الحق أننا حينما نتأمل بعض اللوحات أو حينما نستمع إلى بعض الألحان فإننا لا ننفذ على أغوار الواقع و لا نزيح النقاب عن الحقيقة بل نحن نسير وراء الفنان لكي ننفذ معه إلى عالمه الجمالي الخاص ، بما فيه من مظاهر و أخيلة و قيم وكيفيات ولعل هذا ما حدا ببعض علماء الجمال إلى القول بأن مهمة الفنان هي أن ينكر الواقع لكي يعيد تركيبه لحسابه الخاص وهذا هو السر في أن ( الأسطورة ) قد لعبت دوما دورا هاما في معظم الفنون ، فليس الفن اتصالا مباشرا بالأشياء ، وكأن الفنان مجرد نفسية سلبية لا تكاد تكف عن الاهتزاز على إيقاع الطبيعة بل إن الفن في الحقيقة هو لهو أولا و بالذات حيلة يصطنعها الإنسان الصانع لخلق عالم جمالي يجيء على صورته ومثاله ، و معنى هذا أن الفن ديالكتيك حسي يقوم على الذكاء و المهارة
ويرى برجسون أن مهمة الفنان هي تحوير العالم لا مجرد الكشف عنه

رباب حسين النمر
01-12-2007, 01:27 AM
القسم الثاني : وظائف الفن بالنسبة للمبدع

ما هي وظيفة الفن بالنسبة للفنان نفسه ؟؟

يقصر هنري برجسون (1859 – 1941 ) مهمة الفنان على الإدراك و العيان و الحدس ، حين يقرر أن عين الفنان تملك حدسا جماليا تستطيع معه أن تحقق ضربا من الاتحاد على موضوعها فإنه في الحقيقة إنما ينسب إلى الفنان مقدرة صوفية لا تعيننا كثيرا على فهم جوهر عملية الإبداع الفني
ولكن الحقيقة أن الفن يحقق للمبدع أمورا أخرى تفوق هذا الاتحاد الذي أشار إليه برجسون .
وتتمثل وظائف الفن بالنسبة للمبدع فيما يلي :

أولا : الفن يهب الفنان مساحة من الحرية :
يعتبر كانت الفن ثمرة من ثمار الحرية بمعنى أنه لا يصدر إلا عن إرادة حرة تبني أفعالها على العقل ، فالفن يتصف بأنه نشاط حر موجه إلى الذات لإحداث بهجة جمالية منزهة عن الهوى و الغاية المحددة ، أي أنه ليس موجها إلى ملكة المعرفة العقلية بل موجه إلى الجميع وهو ضروري
فالفن نشاط حر و الحرفة فن مأجور ، وقد أحال كانت الفن من علاقته بالواقع إلى علاقته بذاته ، علاقة تنظيم محتوياته بشكل منزه عن الغرض الجزئي و بشكل يبعث اللذة الجمالية عند الجميع .

و يرى سانتيانا أن للفن وظيفة هامة حيوية لأنه يضمن لنا الانتقال من مرحلة النشاط المقيد إلى مستوى النشاط الحر ، فالإنسان يجد نفسه أسيرا لبعض الضرورات العملية و المهم الواقعية ، وسرعان ما يتحقق أن في وسعه تعديل بيئته وخلق الجو الملائم لغاياته ، فيستغل ما في الواقع من إمكانيات أملا أن يهبط بمثله الأعلى إلى عالم الواقع محققا لنفسه ضربا أسمى من الإشباع ، و إذا استطاع الإنسان أن يحقق التناسق بين أفكاره من جهة و أفعاله من جهة أخرى ، فهنالك يكون في وسعه أن يضمن لنفسه من النجاح والانتصار ما يكفل له الرضا أو الاستمتاع ، وهنا يجيء الفن فيكون بمثابة نظام للقلب و للخيال يعلم صاحبه ذلك العمل الشاق الذي لا بد له من النهوض به للوصول إلى حالة الإشباع وهو العمل الضروري لبناء الحياة وتحقيق الأعمال الناجحة ، وحين يتحرر المرء من عبودية الطبيعة ليصل إلى حرية الروح فلا يعود رائده الإنتاج من أجل الاستهلاك ثمرة فعله ، بل في وسعه أن يتأمل الأعمال التي أنتجها باعتبارها أعمالا جميلة تعبر عن نشاطه الإبداعي الخاص ، فلا يعود الفن مجد مدرسة للحياة ، بل يكون بمثابة الصانع الذي ينتج لنفسه ما هو في حاجة إلى استهلاكه أو بمثابة الحارث الذي يحصد ثمار عمله ، ولا شك أن النشاط الفني هو مظهر لاستمتاع العقل البشري بأعظم ثمرات إنتاجه و أسمى آيات إبداعه

أما يوهان فريدريك شيلر( 1759 – 1805 م ) فيعلي من شأن الحرية يقول : ( من خلال الجمال نصل إلى الحرية ) ، ( الفن هو ربيب الحرية ويجب أن يتلقى رسالته من احتياجات الروح لا المادة ) ، ويذهب شيلر إلى أبعد من ذلك حين يستهدف خلق دولة جمالية جوهرها الحرية : ( يجب التعبير من دولة الحاجة إلى دولة الحرية وهذه الدولة الجمالية ليست موجودة في الخارج ) ويوضح : ( الدولة الجمالية موجودة في كل نفس متناغمة وحيث تتحكم طبقة الناس الجميلة في السلوك ) و يضيف : ( كل شيء في الدولة الجمالية حتى الأداة الخادمة التابعة هو مواطن حر له حقوق متساوية مع أنبل الناس )
فالفن في جوهره لدى شيلر الحرية ، و الحرية جوهرها الجمال ، و الجمال جوهره اللعب ، و اللعب هو الذي سيحقق الإنسان بمعناه الحقيقي يقول : ( إن دافع اللعب سيرغم العقل أخلاقيا وفيزيائيا في الوقت نفسه وسيفعل هذا حيث يلغي مجرد الصدفة ويلغي كل إرغام أيضا ويطلق الإنسان حرا فيزيائيا و خلقيا )

ويقول : ( بمجرد وجود الضوء داخله لا يعود هناك أي ليل خارجه ، بمجرد أن يسود الهدوء داخل نفسه فإن عاصفة الكون تخمد أيضا ) أي أن اللعب يحول الوحش إلى إنسان ، يقول : ( أي نوع من الظواهر ذلك الذي يقرب الوحش إلى الإنسانية ؟ إنه الابتهاج داخل الظواهر ، سعي نحو الزخرف و اللعب ) و إذا تولد الجمال تولدت اللذة الجمالية الحرة ولهذا يصبح الفن نوعا من الفرح .. يقول شيلر : ( وسط عالم القوى المخيف ، ووسط عالم القوانين المقدس فإن الدافع الخلاق الجمالي إنما يعني عالما فرحا ثالثا للعب و المظهر فيه يطلق الفنان البشرية محررا إياها من كل عقبات الظروف ، ويحرر الإنسان من كل ما يسميه قيدا سواء كان فيزيائيا أم خلقيا )

إن الحرية عند شيلر هي اللعب ، لكن ليس اللعب لهوا وتخليا عن المسؤولية بل هو الإنتاج وفق مقتضيات العقل ووفق النظام ودون قسر خارجي ، يقول : ( إحراز الحرية عن طريق الحرية هو القانون الأساسي لمملكة اللعب الحر ، مملكة الجمال )
ويرى أن الجمال هو وسيلة الإنسان للخروج من طابعه اجتماعيا فكأنه يرى أن الجمال يوقظ البشر ويؤثر في الذوق وتحدث المشاركة الاجتماعية ، يقول : ( الذوق وحده يحدث التناغم في المجتمع لأنه يؤسس التناغم في الفرد ) ويوسع شيلر من دائرة الحرية و يجعلها هذه المرة الحياة .

إن الجمال هو عبارة عن قيام الحرية في المظهر ، وبهذه الوظيفة الجمالية للفن عن شيلر هي أنها قوة كبرى كفيلة بالقضاء على حالة الاغتراب ويترتب على هذا قيام حضارة كبرى وهو رهن بتحول الوجود البشري إلى لعب لا على عمل .

اللعب عند شيلر :
نشاط إنساني خاص يتميز بأنه حر ، عكس النشاط النفعي الذي تفرضه الحاجة
ويحمل طابعا وحيد الجانب ، ففي اللعب تعمل كل قوى الإنسان بتناسق ، إن الفن كلعب مبهج في حين أن الحياة جدية

أما سارتر فيرى بأن الأدب ليس له إلا موضوع واحد هو الحرية ، ولقد قال إن موضوع الأدب دائما هو الإنسان في العالم ، ويقول صراحة : ( فليكن المؤلف كاتب رسائل أو مقالات أو هجاء أو قصصيا ، وليقتصر في حديثه على عواطف فردية أو ليهاجم نظام المجتمع فهو في كل أحواله الرجل الحر ، يتوجه إلى الأحرار من الناس وليس سوى موضوع واحد هو الحرية ) ويقول : ( لا توجد جبرية ، الإنسان حر ، الإنسان هو الحرية )

ويقول سارتر عن القراءة إنها تعاقد كريم حر بين المؤلف و القارئ فيثق كل منهما في الآخر ويعتمد عليه و تتطلب منه ما يتطلبه من نفسه لأن هذه الثقة نفسها كرم وحرية ، و الفن كله حرية ، فإذا قدم لنا الفنان حقلا أو زهرة فلوحاته نوافذ مطلة على العالم بأجمعه ، فالكتابة كشف للعالم وهو شهادة بالثقة في حرية الناس وينص سارتر على أن جوهر العمل الأدبي حقا هو الكشف عن الحرية ، و القصد من ذلك الدعوة لحرية الآخرين .

************************
ثانيا : الفن يطهر انفعالات و مشاعر الفنان (( الكاثرسيس )) :

ويقرر آلان أن للفن مضمونا أخلاقيا يتمثل في التسامي بأرواحنا ومساعدتنا على مقاومة أهوائنا ، ومعنى هذا أن للفن صبغة تطهيرية تجعل منه أداة فعالة لتنظيم البدن وتصفية الأهواء وتنقية الانفعالات ، يضرب لنا مثلا بالموسيقى فيقول : إن النغم صورة مهذبة للصياح بحيث إن الموسيقى تبدو بمثابة تنظيم لتلك الأصوات التي يصدرها الإنسان حين يئن أو يصيح أو يتأوه أو ينتحب ، وهكذا الحال بالنسبة للغناء و الرقص وغيرهما من الفنون ، فإن الإنسان لا يتخذ من التعبير الفني سوى مجرد أداة لتنظيم انفعالاته ، ويقول :
إن من شأن الفنون أن تساعدنا على الشعور بذواتنا و التعرف على حقيقة مشاعرنا ، فهي أشبه ما تكون بمرآة حقيقية للنفس تنعكس على صفحتها كل أهوائنا و عواطفنا وانفعالاتنا و أفكارنا ، و الواقع أن كانت هناك علاقة وثيقة بين الفن والأخلاق لأن الفنون الجميلة تطهر أهوائنا وتنقي انفعالاتنا وتحقق ضربا من التوافق بين أحاسيسنا و أفكارنا ، أو بين رغباتنا وواجباتنا ، أننا نشعر بالسعادة العميقة إذا رأينا الشيء الجميل لأننا نستشعر توافقا عجيبا هو الذي ينتزع من نفوسنا كل إحساس بالصراع أو التمزق و كأن الإحساس بالجمال يقترن في نفوسنا بإحساس أخلاقي هو الشعور بالسلم و الطمأنينة أو التوافق النفسي ، يقول : ليس من شأن الأعمال الأدبية و الموسيقية أن تنظم أهوائنا و تشيع في نفوسنا التناسق و الانتظام فحسب ، بل و تقمع ما في ذاتيتنا من جزئية لكي تحيل الجزئي فينا إلى كلي ، فالأعمال الفنية تُهيب بذاتنا أن تخرج من أفقها الضيق المحدد لتقف من العمل الفني موقفا سمحا ملؤه الفهم و الوعي و التقدير ، و الذوق هو الوسيلة التي تسمو بالمتأمل إلى المستوى الجمالي الذي يستطيع عنده أن يدرك العنصر الكلي فيما هو بشري ، لإن من شأن العمل الفني أن يفتح أمامنا العالم الإنساني الكلي الذي لا يحده زمان ولا مكان ، وهو عالم ( الانسجام ) الذي طالما حدثنا به أفلاطون .
و يوافقه كروتشة حين يقول إن الفنان حين يصوغ انطباعاته أو يشكل أحاسيسه فإنه في الحقيقة إنما يتحرر منها ، فالفنان الذي يخلع على انطباعاته طابعا موضوعيا ، إنما يفصلها عنه لكي يعلو عليها ، و إذا كان للفن وظيفة تطهيرية أو تحريرية فذلك لأنه يمثل نشاطا إيجابيا تتجلى فيه قدرة الفنان على التحرر من أحاسيسه وانطباعاته ، وليست السكينة التي يتمتع بها كبار الفنانين سوى نتيجة لسيطرتهم على الفوضى الداخليه لعواطفهم ، وتحكمهم في الشغب الباطني لأحاسيسهم بحيث تجيء أعمالهم الفنية فتكون بمثابة تأكيد خارجي لهذا الانتصار الباطني ، فالفنان الذي يتحرر من أحاسيسه بفضل جهده التعبيري ، لا يقوم بهذا النشاط من أجل الآخرين ، بل يحققه لنفسه أولا وقبل كل شيء


**********************


ثالثا : الفن يقضي على اغتراب الإنسان وتشيئه :

وجد فريديك هيجل ( 1770 – 1831 م ) أن الفن يعيش في حالة غربة في عصره ، فالعالم المعاصر في زمنه معادِ للجمال حيث تكالب الجميع على الكسب المادي وتغلغل الحس التجاري ، و العصر عصر اغتراب ، فيه فقدت الروح ذاتها الحقيقية ، واكتسبت ذاتا زائفة محصورة في أضيق المصالح الأنانية وقد غرقت في العالم الواقعي ، وهيجل لا يريد أن يستسلم لهذا ، فهو لا يريد للغربة أن تكون لها اليد العليا ، فالنفس الممزقة و المهتزة من جراء صراعات العالم سوف تستعيد نفسها من هذا التفكك وتعود إلى ذاتها و إلى وحدتها وسكونها الجوهريين في العمل الفني ، ولما كان الفن في عصره قد فقد جوهره الحق وهو الدفاع عن أعمق المصالح البشرية فإن الحاجة تكون ماسة لقيام علم الفن أو علم الجمال . يقول : ( إن علم الفن هو حاجة أكثر إلحاحا في أيامنا عما كان الأمر في الأزمنة التي كان فيها الفن بكل بساطة كفن كافيا لتاسيس إشباع كامل . إن الفن يدعونا إلى تدعيمه عن طريق الفكر لا من أجل باعث الإنتاج الفني ولكن لكي نؤكد علميا ماهية الفن ) ..

ويرى هيجل بأن ما يميز الإنسان هو قدرته على التعبير عن افكاره من خلال اللغة و الفن ، فكـأنما الإنسان عند هيجل لا ينتج وفق الحاجة فحسب بل وفق مقاييس الجمال

و يربط هيجل الفن بمحاولة الإنسان القضاء على اغترابه وتشيئه ..

( ويتحقق الإنسان لذاته بالنشاط العملي بقدر ما أن لديه دافعا في الوسيط الذي يعطي مباشرة لنفسه ويعرض خارجا أمام نفسه لإنتاج نفسه وفي ذات الوقت نفسه يدرك نفسه ) .. فالفن هو مضاعفة الإنسان لكي يرى ذاته الحقيقية تتموضع في عمل خارجي كي تتخارج .. يقول : ( الإنسان يفعل هذا لكي يتمكن كذات من سلب العالم الخارجي من غربته الحرون وكي يتمتع في شكل الأشياء ونسقها بحقيقة خارجية عن نفسه . حتى الدافع الأول للطفل يتضمن هذا التعديل العملي للأشياء الخارجية ، فالطفل يقذف الأحجار في النهر ثم يقف معجبا بالدوائر التي ترتسم على الماء يحرز فيه رؤية شيء من فعله )
و يرى هيجل الإنسان سجينا في قبضة الواقع المباشر الحسي و لابد أن يتحرر من هذا السجن بالارتفاع على الواقع ، وهذا جوهر الحرية ، ويجسد هذا في الفن ، يقول في (المقدمة) : ( إننا في جانب نرى الإنسان سجينا في الواقع العام و الزمانية الدنيوية مقهورا بالحاجة و العوز ومساقا بالطبيعة وسجينا في المعاناة وفي الأهداف و المتع الحسية ، ومن جانب آخر يرفع نفسه إلى المثل الخالدة ، إن عالم الفكر و الحرية وهو يفرض على نفسه ك إرادة قوانين عامة وصفات مطلقة ويسلب العالم من واقعها الحي و المزدهر ويحيله إلى تجريدات )

*******************************8

رابعا : الفن يزيد من ثراء تجاربنا الباطنية :
يرى سانتيانا أن البعض يضع الفن في مستوى أدنى بكثير من مستويات العلم أو الدين أو الأخلاق أو الفلسفة ، وهؤلاء يتناسون أن الفن يزيد من ثراء تجارنا الباطنية و أن الكشف عن الجمال هو أكبر دليل على إمكان تحقيق الخير الأسمى في صميم التجربة البشرية ، و الحق أن الفن هو الشكل الوحيد من أشكال الفعل الذي يستطيع أن يزودنا بالتحقق المثالي الذي لا تستطيع التجربة أن توفره لنا إلا في القليل النادر وهو اتحاد الحياة و السلام معا ، ولذا فالجهد الأخلاقي كثيرا ما يصطبغ بصبغة جمالية خصوصا إذا تسنى لهذا الجهد أن يتحقق في وسط أكثر حرية ، و إذا كانت الرابطة وثيقة بين علم الجمال و علم الأخلاق لأنه يريد إخضاع القيم الجمالية للقيم الأخلاقية أو العكس فثمة تبادلا في نظره بين الأعمال الفنية و أفعال الحياة ، و لأن جمال الفن لا يمكن أن ينفصل عن إنسانية السلوك ، وهنا لا بد أن نعترف أن الجهد الأسمى الذي يبذله الإنسان لكي يحيا بمعنى الكلمة هو الجهد الذي يتجلى في خلق الجمال وتذوق الآثار الجمالية ، و إذا كان هناك معنى للعمل الشاق الذي يقوم به الإنسان طوال حياته فذلك المعنى لن ينفصل عن سعادة الاستمتاع بالانسجام ولذة الشعور بالجمال :
إذن الخبرة الجمالية هي الخبرة الممتازة التي تحقق ضربا من التوافق بين مسار أفكارنا ومسار الطبيعة ، أو بين عقلنا و تجربتنا ، وهكذا تتلاقى الكلمة النهائية في كتاب العقل و الفن مع الكلمة النهائية في كتاب الإحساس بالجمال ما دام انبثاق الفن ابتداء من الغرائز إنما هو المعيار الصحيح لنجاح الطبيعة وسعادة الإنسان .
****************************

خامسا : الفن يحقق الفعالية الفنية :
وهي الأكثر بروزا والمقصود بها الوظيفة الفنية الأسلوبية التي للصناعة ، فهي في الموسيقى تحقيق (( فكرة موسيقية )) ليس لها إلا الأنغام لغة ، وهي عند الشاعر حياة الإيقاعات الخاصة ، وعند الرسام العالم التجسيدي حيث لا حقيقة سوى الأشكال و الألوان . و الفنون المطبوعون يمارسون هذه الوظائف لأن لديهم عناصرها ، وليس لهم هدف مباشر سوى إبراز فنهم (( نظرية الفن للفن ))
و غالبا ما يعبر الفن عن شخصية مؤلفه :
غالبا ما يرددون أن الفن يجب أن يعبر عن شخصية مؤلفه ، وانه بقدر ما يكون شخصيا يكون جميلا ، أما فقدان الطابع الشخصي أو فقدان الصدق في التعبير فيكونان لدى القوم دليلا من دلائل القبح ، يؤيد ذلك نظرية كروتشة عن الحدس – التعبير ، والتي تؤكد على ان وظيفة العمل الفني لا تبرز إلا بالتعبير ولا يصدر التعبير إلا بإحساس أو بانفعال جزئي أو كلي ، وتثبت هذه النظرية بأن كل عمل فني يمتاز بطابع الفردية و أنه لا يشه أي عمل سواه ، وأي محاكاة له تعتبر عمياء لأنها لا تشكل إبداعا و إنما هي مجرد حرفة أو مهنة .

ولكن الحقيقة أن العمل الفني يخلق عالما خياليا ، وحتى لو كان العمل واقعيا ، فالعالم الذي ينقلنا إليه ليس بأقل من وهم ابتدعه قلم شاعر أو ريشة رسام .

رباب حسين النمر
01-12-2007, 01:30 AM
للفن آثار جمة متغلغلة في فكر الشعوب ، وفي حضارات الأمم ، بكل صوره و ألوانه وأشكاله ، فهو سجل إنجازات وسفر تاريخ ..
وقد نظر فلاسفة ومفكروا العصر الحديث إلى آثاره ووظائفه فوجدوها متنوعة تمتد على الأصعدة الأخلاقية و السياسية و الاجتماعية والاقتصادية و الترفيهية ..
ووجدوا في الفن مساحة حرية تهب المبدع متنفسا يفرّغ فيه طاقاته ، ويتوازن من خلاله روحيا ، ويجتث الضار من انفعالاته و أهوائه ، ويجد في ظلاله المتعة واللذة و الترف الذهني التي ينشدها ، فالفن كما يراه البعض لعب حر غاياته سامية و أهدافه نبيلة ..

و إن اختلف بعض الفلاسفة في نفعية الفن أو اصطباغه بصبغة أخلاقية ، عادوا ليقرروا وجوب ممارسة الفن كواجب مقدس ، وما يمليه ذلك من الفضيلة و الخلق النبيل .

ولذلك على الفنان أن يلحظ ذلك أثناء تأدية فنه ، و أن يضع في حسبانه أن الفن خالد ، و أن الأجيال القادمة ستفيد من فنه وتنهل من عطائه ، وتمحص المعاني و الأفكار التي يريد تقريرها من خلال كلمة أو بيت شعر، أو لوحة تشكيلية ، أو سيمفونية موسيقية ، أو تمثال منحوت ، أو حركات إيقاعية ..
..................................
*هذا بحث قدمته في مادة علم الجمال الحديث / جامعة الملك سعود بالرياض / قسم الأدب و النقد / كلية الدراسات العليا أثناء الفترة التحضيرية لإعداد رسالة الماجستير .