المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : د. محمد مندور



د. حسين علي محمد
02-06-2007, 04:35 PM
أستاذية محمد مندور

بقلم: محمد جبريل
......................

في مطالع الستينيات. كانت رابطة الأدب الحديث مدرسة ثقافية حقيقية. أساتذتها يحيي حقي وعبدالقادر القط وكمال نشأت وعبداللطيف النشار وعبداللطيف السحرتي وتوفيق حنا وغيرهم. إلي جانب إبداعات صلاح عبدالصبور ومحيي الدين فارس وجيلي عبدالرحمن وكمال نشأت وفاروق منيب والعديد من الأسماء التي تخلق منها المشهد الإبداعي لجيل الستينيات.
كان محمد مندور من أهم الأساتذة الذين أفدت منهم شخصيا. قيمة الأستاذ ليست في مجرد ما يعرضه من قراءات. ولا مناقشاته لأفكار الآخرين. ولا حتي فهمه المستوعب للاتجاهات المختلفة. لكن القيمة الحقيقية في الاضافة التي يثري بها وجدان تلامذته. والتأثيرات التي قد تبدل ثوابت في الممارسة الفنية.
بالإضافة إلي دوره التنويري المهم - وهو دور أدخله السجن - فلعل أهم الدروس التي تعلمتها من خلال كلمات مندور في ندوات الرابطة. قيمتان مهمتان أضاءتا لي ما بدا شاحبا أو قاتما.
أما القيمة الأولي فهي أن تكون للقصة فلسفتها. فهي تجاوز مجرد الحكي والبوح والفض عن النفس. إلي محاولة تشكيل وجهة النظر الشاملة. بما يمكن تسميته فلسفة الحياة. ليس بمعني الميتافيزيقا. إنما هي تشمل علم الجمال والسياسة والاجتماع والتاريخ وكل ما يهم الإنسان في هذا العالم.
أزعم أن كلمات محمد مندور بدلت نظرتي إلي العملية الإبداعية تماما. عدت إلي تأمل ما قرأت. وبحثت عن الدلالات في قراءات تالية. ووجدت في أعمال نجيب محفوظ تعبيراً شبه متفرد عن فلسفة الحياة بالمعني الذي أشار إليه مندور. لخصت فلسفة محفوظ في الدين والعلم والعدالة الاجتماعية. بينما تناثرت في إبداعات الآخرين مواقف ورؤي غير مستقرة. حتي أن أستاذنا الحكيم عبر في إبداعه عما يمكن تسميته بفلسفة الزمن. فلما حاول التنظير لهذا الإبداع طلع علينا بما سماه التعادلية!
أما القيمة الثانية فهي ما سماه مندور بالهمس في الشعر. أو الشعر المهموس. بمعني أن الشعر الحقيقي يرفض الزعيق والجهارة والمباشرة. ذلك ما تتطلبه - ربما - خطبة وعظية أو تحريضية. أما الشعر فهو قد يتناول أخطر القضايا في لغة شفيفة هامسة. هي لغة الفن وليست لغة الخطابة التي ما تلبث أن تزول من نفس المتلقي. وعلي حد تعبير مندور فإن الصورة تفضل التعبير المباشر والقصد إلي الإيحاء أشد فنية من الإبانة والإفصاح.
أستاذية محمد مندور في التأثيرات العميقة التي أحدثها في وعي تلاميذه. حتي هؤلاء الذين لم يتتلمذوا عليه بصورة مباشرة. لقد وجدوا في كتاباته مغايرة. فهي تنبههم إلي المعاني التي يجب أن يعنوا بها. لا يجترون اجتهادات السلف. ولا يكتفون بالتقليد والمحاكاة. لكنهم يصدرون في إبداعاتهم عن خصوصية في التجربة. وتفرد في الصوت. من خلال تفهم لطبيعة الفن. بداية من جمالية التعبير إلي المفردة اللغوية.
.....................................
*المساء ـ في 2/6/2007م.

د. حسين علي محمد
02-06-2007, 04:36 PM
مائة عام على مولد الناقد الكبير محمد مندور (حوار)
.................................................. .......................

بمناسبة الاحتفال بمائة عام على مولده
محمد مندور.. متي يأخذ حقه من التكريم؟!
العراقي : يكفي أنه أعاد تصحيح مفاهيم النقد الأدبي
تليمة : لماذا لا نجمع تراثه وننشره.. ونطلق اسمه علي قصر ثقافة الزقازيق؟!
عتمان : لا أحد يستغني عن كتاباته في دراسة المسرح
قنديل : ليت التليفزيون ينتج مسلسلاً عن حياته

يقدمها : محمد جبريل
.............................

في الخامس من يوليو القادم تأتي الذكري المائة لمولد الناقد والمفكر الكبير الراحل الدكتور محمد مندور ورغم اقتراب المناسبة فإن هيئاتنا الثقافية تتجاهل -حتي الآن- مجرد تذكير الأجيال الجديدة من المثقفين بإسهامات مندور في حياتنا. مع ملاحظة أن منظمة اليونسكو بادرت إلي التذكير بأهمية الاحتفال بمناسبة مولد محمد مندور باعتباره من أهم الشخصيات العربية في القرن العشرين.
لا شك-في تقدير د.عاطف العراقي- أن محمد مندور من طليعة النقاد المصريين المعاصرين. ولا يمكن -حين نؤرخ للنقد الأدبي في العالم العربي- أن نغفل الدور الحيوي والبناء الذي قام به مندور. لقد أعاد تصحيح الكثير من المفاهيم الخاصة بالنقد الأدبي. ويكفي أنه حاول كل جهده أن ينظر إلي النقد الأدبي علي أساس أنه علم وليس مجرد أهواء ذاتية شخصية. من هنا فإن النقد أصبح في منظور محمد مندور شيئاً حيوياً. له قواعده التي يجب أن نلتزم بها. بحيث نفرق بين الرؤية النقدية من جهة. والرؤية الذاتية الجمالية الفنية من جهة "أخري". تماماً كما نقول "العلم نحن" بمعني وجود أشياء مشتركة يتفق عليها الجميع. في حين أن "الفن أنا" بمعني الرؤية الذاتية.
حين يجيء مندور ويحاول بكل جهده أن يؤسس قواعد للنقد الأدبي. فإن هذا يعد انجازاً حقيقياً بكل المقاييس. وإذا تساءلنا عن وسائل تكريم مندور بعد وفاته. فإنه من منطلق الاعتقاد بأن الذكري للإنسان عمر آخر. وحتي لا يقول أبناء الجيل الحالي أنهم جيل بلا أساتذة. يجب القيام بطبع كل مؤلفاته في طبعات متداولة عن طريق مكتبات الأسرة وغيرها. حتي تكون متاحة لكل من يريد أن يشتغل بالأدب. وبالنقد الأدبي.
إلي جانب ذلك فإنه لابد من التأكيد علي دور مندور الحيوي والبناء في مناهج التعليم الثانوي ومناهج التعليم الجامعي. وما المانع أن تفكر وزارة الثقافة في تخصيص جائزة مالية كبيرة تعطي -كل عام- لأفضل الأعمال الأدبية النقدية باسم محمد مندور.
وأخيراً فإنه لا يصح أن تمر الذكري المئوية دون إقامة مجموعة من المحاضرات والندوات علي كافة الأجهزة الثقافية. ومن بينها اتحاد الكتاب والمجلس الأعلي للثقافة وغيرهما. ثم يجب التفكير في إلقاء مجموعة من المحاضرات تحت مسمي محمد مندور وقرن من الزمان.
تصورات
ويشير د.عبدالمنعم تليمة إلي أن محمد مندور -شأنه شأن أعلام النهضة- قد شارك مشاركة واسعة في تأسيس الاتجاهات الحديثة في الفكر والمجتمع علي السواء. ويمكن لمؤرخ ثقافتنا أن يقف عند حقلين برزت فيهما جهود مندور.
الحقل الأول كان تأسيس الدرس التاريخي للأدب. فلا ريب أن مندور يقف طليعة لهذا الاتجاه منذ عمله المبكر عن النقد المنهجي عند العرب. مروراً بكتابه الجامع في ثلاثة أجزاء عن الشعر المصري بعد شوقي. وانتهاء بأعماله الجهيرة عن الحكيم. والمازني. والأدب ومذاهبه. والنقد ومدارسه. والحقل الثاني كان الدعوة الدءوب إلي الفكر الحديث. وبخاصة الفكر الاشتراكي. وقد ارتبطت هذه الدعوة عند مندور بالنظام العملي. فكان محامياً مرموقاً. وعضواً بارزاً في المجالس النيابية.
لهذا فإن مؤرخ الثقافة العربية الحديثة لا يمكن أن يضع خريطة لحياتنا الروحية والفكرية والجمالية حتي منتصف القرن العشرين. دون أن يكون مندور أحد أبرز ملامحها وأعمدتها.
ونتصور في الذكري المئوية لمولد هذا المعلم العظيم الخطوات التالية:
- تلبية دعوة اليونسكو بتزويد هذه المنظمة الكبيرة بأعمال دراسية وعلمية دقيقة عن جهود مندور لتعممها اليونسكو عالمياً.
- قيام وزارة الثقافة بجمع تراث مندور وتحقيقه ونشره تحت عنوان الأعمال الكاملة.
- قيام هيئة قصور الثقافة بإطلاق اسم مندور علي قصر ثقافة الزقازيق بالشرقية موطن هذا العلم.
- قيام وزارة التربية والتعليم بوضع اسمه بين رواد النهضة. ووضع نصوص من كتاباته في المناهج المدرسية.
- قيام المجلس الأعلي للثقافة بتنظيم مؤتمر كبير شامل. بالإضافة إلي جمع أعماله تحت عنوان "محمد مندور في ثقافتنا الحديثة".
تواصل
ويعتبر محمد مندور - في تقدير د.أحمد عتمان- من أهم الشخصيات الأدبية المعاصرة. وقد أفاد من تلمذته لطه حسين في نقل المناهج النقدية الأدبية الغربية إلي العربية بثقافته الفرنسية المتميزة. كما أنه كان متعدد الاهتمامات. فقد كتب في نقد الرواية والقصة القصيرة والمسرح والشعر. وله آراء نافذة في مسرح شوقي ومسرح الحكيم. ولا يمكن أن يستغني أحد عن كتاباته في دراسة المسرح في أوائل القرن العشرين. ولا في الأدب بصفة عامة. ونحن ندرسه لنستضيء بدراساته التي أنجزها عن هؤلاء. ومن واجب الدولة والجمعيات الأهلية الثقافية والأدبية أن تحتفي بمثل هذه الشخصيات. كي تتواصل مع الأجيال التالية. وليعرف الجيل الحالي أنه مدين بالكثير للأجيال السابقة. لقد كان مندور وثاباً. وهو -بلا شك- يعد من أهم رواد النقد. ويمكن أن نحتفي أيضاً بمن عاصره مثل صقر خفاجة الذي درس هو الآخر في فرنسا. ورشاد رشدي الذي كانت بينه وبين مندور معارك أدبية ومساجلات. أثرت الحياة الأدبية. وأذكر أن كتبت عن مندور وسميته "أودوسيوس" النقد الأدبي. بمعني أنه جاب الآفاق في مجالات النقد الأدبي. وكانت له مغامرات. ونقل الكثير من المعارف والاتجاهات النقدية إلي العربية.
ويشدد الروائي فؤاد قنديل -في توجهه إلي المؤسسات الثقافية. سواء رسمية أو شعبية- علي أمية الاحتفاء بهذه المناسبة بصورة عملية جادة. بحيث يتم إعطاء مندور حقه كأحد رجال التنوير والثقافة وأهم نقاد الجيل الثاني. والتعريف به لدي الأجيال الجديدة. وإعادة طرح رؤاه التي تجلت في العديد من المجالات الثقافية والعلمية والسياسية والصحفية.
كنا نود أن نقترح إعادة نشر إنتاجه. لكن مكتبة نهضة مصر تتولي نشر هذا الإنتاج. مع ذلك فإني أطمع في أن يعد التليفزيون مسلسلاً عن حياته التي تمتليء بما يصلح لأن يكون عملاً درامياً مرموقاً. أسوة بما تم مع طه حسين والعقاد ويوسف السباعي ويحيي حقي.
..........................................
*المساء الأسبوعية ـ صفحة "قضايا أدبية" ـ في 24/4/2007م

د. حسين علي محمد
02-06-2007, 04:37 PM
المجلس الأعلى للثقافة احتفى به بثلاثة كتب:

شيخ النقاد محمد مندور.. قائد عموم القراء فى مصر

كان يملك ضمير القاضى المنزه عن الهوى

ثقافة موسوعية تمكنه من التأثير فى واقعه

يحترم الماضى ولكن لا يسمح بأن يهيمن على الحاضر

بقلم: ماهــــــــر حسن
..............................

لعل هذه الاحتفالية التى أقامها المجلس الأعلى للثقافة لشيخ النقاد د. محمد مندور قد كشفت عن المزيد والجديد من ملامح مندور، وأتصور مشروعا مستقلا بذاته يحمل عنوان مندور الشخص والنص، لو قدر للمجلس أن يفكر فى إصداره فى شكل كتاب يضم مجمل ذكريات أحبائه عنه، مواقفه النقدية والوطنية ومسيرته العلمية على ضوء ما طرحه ولده الدكتور طارق مندور الذى أعرب عن توجهات الأسرة فى جمع تراث الرجل المنشور وغير المنشور على أن يجرى تصنيفه.
وفى تقليد ممتاز أرساه المجلس الأعلى للثقافة فقد أصدر ثلاثة كتب متزامنة تماما مع المؤتمر عن مندور، الأول يضم بيليوجرافيا عن كتابات مندور أعده سامى سليمان أحمد وراجعته كاميليا صبحى والثانى للمغربى محمد برادة ويحمل عنوان تنظير النقد العربى والثالث بعنوان عبقرية المجهود.. مندور ناقدا للقصة والرواية وهو للروائى الكبير الذى يجيب هذا الكتاب عن سؤال مهم مفاده:هل كان مندور صاحب مشروع لنقد القصة؟.
وفى سياق الإجابة عن السؤال يخلص المؤلف إلى أن مندور مازال حيا بيننا وأنه أيضا مؤسس النقد الروائى.
وفى الكتاب ذاته أن مندور كان مشروعا ثقافيا شاملا شهد بتنوع المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية التى أسهم فيها وهذا إنما يعكس التنوع والتعدد فى مسيرة مندور بين الكتابة والدور فهو الناقد الأدبى، والمصلح الاجتماعى والسياسى والكاتب الصحفى والسياسى والمعلم والذى يجعل من الكتابة على اختلافها وسيطا أساسيا لنقل وضخ المعرفة للآخرين.
لقد كان اختيار المجلس لموعد الاحتفالية موفقا، فقد اختير فى ذكرى مولد مندور ولقد مثلت الجلسة الأولى والثانية من اليوم الأول لهذه الاحتفالية النسبة الأعظم لاستعراض جملة من الذكريات الفكرية والإنسانية لمندور على أن باقى الأوراق البحثية لم تخل من هذا الملمح الذى أكد انعدام الفارق بين الكاتب والموقف.
ففى الكلمة الافتتاحية التى ألقاها صلاح فضل أكد أن ندرة من العماليق يرتبط بفنون اختيار التاريخ لقامات الرجال وعمق أثرهم ودوامه.
وقال إن صفة الناقد التامة لم يتمتع بها أى ممن سبقوا مندور، لقد ارتفعت قامته فى حياته على كل معاصريه وأصبح شيخا جليلا وهو لم يتعد الخمسين من عمره ولعل جمعه بين دراسة القانون والأدب العربى وعلم الاجتماع لهو دلالة على حرص مندور فى أن يسد فجوات المعرفة. ولأن مندور ذهب للبعثة لفرنسا ليحصل على الدكتوراه وظل هناك تسع سنوات لكنه لم يحصل عليها فعاد بخيبة ظاهرة وانتصار جوهرى.
وقال: إنه حرص على إرساء ثلاث دعائم يرتكز عليها فى مسيرته الأولى تمثلت فى الوعى العميق بقوانين التطور الحضارى فى كل الثقافات والثانية تمثلت فى المعرفة العلمية بنظم الأدب والفنون فى سياقها الحضارى والثالثة تمثلت فى ضمير القاضى النقدى العادل المنزه عن الهوى، وأن مندور بريء من الافتتات بالذات وخلا من النرجسية.
كما أنه لم يدخل للنقد من باب اللغة الضيق وإنما دخله من باب الفكر والمعرفة الإنسانية الواسعة، وأن مندور آمن بأن الكتابة لا ترتفع باللغة الشعرية وإنما بالتناغم مع ايقاع الحياة والمجتمع.
أما الدكتور عبدالسلام المسدى الذى ألقى كلمة الباحثين العرب فقد أشار إلى طبيعة شخصية مندور النضالية والإبداعية التى تتأبى على التصنيف، وأنه كان نموذج المثقف الملتزم، وأنه لا يمكننا نسيان دعوته ومطالبته للمثقفين ألا يكونوا طائفة من المنطوين السلبيين وأن يلتزموا بمعارك شعوبهم وقضايا عصرهم بل ومصير الإنسانية وأن يكونوا نموذجا للفرد المنخرط فى المنظومة القيمية للجماعة التى ينتمى إليها.
وأشار المسدى إلى كلمة مندور والتى تقول مناهج البحث ليست قيادة للفكر فحسب بل إنها قيادة للعلم حيث إن روح العلم أخلاقية بالأساس.
وأضاف المسدًّى وكأنما لاأزال اسمع مندور قائلا قولته الشهيرة إلام يتأخر إصلاحكم السياسى أيها العرب؟أو وهو يقول: كل هذا ينتهى بنا إلى المناداة بمذهب نظنه يتمشى مع آراء العقلاء منا وهو مذهب الديمقراطية الاجتماعية.
بعد ذلك ألقى طارق مندور كلمة أسرة المحتفى به الذى قدم سيرة مختصرة عن مسيرة مندور الفكرية ثم عن ملامح مندور الأب ورب الأسرة إذ قال إن مندور الذى أغرق الحياة الفكرية بنقده ضن على أسرته بهذه الروح النقدية، فقد كان يفضل لكل فرد فى الأسرة أن يتخذ قراره بنفسه على أن يقوم الأب بدور المستشار فقط، ويستحضر الدكتور طارق بعض المشاهد الأسرية حيث كان مندور يحرص على طرح الأسئلة الحياتية التى تدفعهم للتفكير.
ومن بين ما ذكره الدكتور طارق أن مندور سأل ابنته ليلى قائلا إن التأميم سيعود بالنفع على الأسر الفقيرة فهل أنت معه أم ضده فقالت إنه معه، فعاد ليقول لها ولكن أنت لك بعض الأسهم فى إحدى هذه الشركات فهل مازلت ترين التأمين جيدا؟ فسكتت برهة ورددت نعم أراه جيدا لقد كان الأب إذن يدفع أولاده للتفكير واتخاذ القرار بأنفسهم تماما مثلما حدث حينما استشاره الشهيد ماجد مندور فى أمر يخصه فلقد كان ماجد مدرب كرة اليد فى فريق القوات المسلحة وأرادت القيادة استبقاءه لتدريب الفريق واستبعدته من حرب اليمن وحزن لذلك واستشار والده الذى قال له افعل ما تراه صحيحا وذهب ماجد ليستشهد فى حرب اليمن.
وقال طارق: لقد قمنا بإهداء مكتبة مندور لأكاديمية الفنون لينتفع بها طالبو العلم ونقوم حاليا بجمع كل آثاره المنشورة والمخطوطة لنعيد تصنيفها ونشرها.
أما جابر عصفور فقد ذكر جملة من الوقائع والمواقف الرائعة لمندور بدأها بسؤالين: لماذا نحتفل بمندور؟ وما الذى بقى منه؟ وتحدث فاتحا الأفق لضرورة إعادة قراءة مندور الذى لا تعرف الأجيال الجديدة الكثير عنه. وقال عصفور لقد مر مندور كالعالصفة، فترك آثارا وزعزع ثوابت، وترك كتبا وأفكارا وتلامذة لايزالون جميعا يؤكدون تجدد حضوره ودوام تأثيره، وأضاف أنا شخصيا أدين لمندور باعتباره الناقد الأول الذى جعلنى أعنى معنى كلمة الأصالة حيث هى ووعى بخصوصية الثقافة ووعى بحضور الذات والتاريخ.
وأذكر كلماته التى أحفظها عن ظهر قلب: إن المعرفة هى امتلاء الذات المدركة بموضوعها وهى بذلك مرادفة للفهم الصحيح.. وكل فهم صحيح امتلاك للمفهوم، ونحن نستطيع تملك كل ما خلفه البشر من تراث وما سوى ذلك فقدان للأصالة، ونحن فى أمس الحاجة لتذكر هذه الكلمات فى زمن غارق فى التبعية بأشكالها للداخل أو الخارج.
وأشار عصفور للسنوات التسع التى أمضاها مندور فى فرنسا وعاد بعدها دون الحصول على الدكتوراة مما أغضب عليه أستاذه طه حسين والذى لم يساعده على أن يكون أستاذا فى الجامعة إلى أن منحه أحمد أمين فرصة الحصول عليها فى مصر، وقد أثبت أن صفة المثقف اسمى بكثير من صفة الدكتوراه، فكثير من الدكاترة لا يرقون لمستوى المثقف وأشار إلى تعاطف مندور مع التيارات الشابة حيث وقف إلى جوار عبدالعظيم أنيس ومحمود أمين العالم فى مواجهة أستاذه طه حسين والعقاد، وفى الجلسة الأولى التالية للجلسة الاحتفالية، أشار عبدالسلام المسدى لما تمتع به مندور من تكامل معرفى وتحدث عن علاقته بعلم الإنسانيات وموسوعية مندور كما أنه كان مفكرا تقدميا ونضاليا وأن طروحاته الأدبية والنقدية هى طروحات لتصور أشمل عن الحضارة والتاريخ لأن مندور فهم الثقافة فهما واسعا يحتضن عصرية كل الصراعات وهو صاحب التكامل بين المعارف.
فيما تحدث فيصل دراج عن أخلاقية النقد والناقد الأخلاقى، حيث كان مندور نموذجا للناقد الملتزم فى الفعل والكتابة ولم يترجم سوى ما يلبى أفكاره وينطبق معها.
وقال فيصل: لعلنا لا ننسى مقولة مندور الشهيرة أريد أن أكون قائدا للقراء.
وفى كلمته أشار الدكتور محمد عبدالمطلب إلى أن مندور كان مفتونا بشكل عام بالثقافة، وإن تميز فنه عن فن وتصنيف كل وافد معرفى وفق اسمه إنما هو للتسهيل فى نهل المعرفة، غير أن ذلك لا يعنى نفى صفقة الاتصال بين إبداع إنسانى وآخر فالثقافة لا تتجزأ وأن مندور كان سابقا فى قراءة ايديولوجية النص، وكان النقد لديه يأتى وفق ثلاثة مراحل الأولى الانطباعية الفورية وهى تتم وفق منطق اختيارى.
وأن الأساس اللغوى هو المنطق الأساسى الذى ينطلق منه الناقد لقراءة النص.
ثم المرحلة الثانية وهى المتعلقة بالنقد الجمالى وربط النص بالقارئ ثم النقد الوصفى التحليلى الذى لا يعتمد الانطباع وإنما بالدخول للنص مباشرة واستشهد عبدالمطلب بمقولة مندور إن الثقافة هى ما نحفظه وننساه كما أنه كان يرى أن الأدب هو ما ينتمى للواقع ولا يخضع لسلطة ما حتى سلطة النص، وأنه كان ممن يحترمون الماضى شريطة ألا يهيمن على الحاضر أو يتسلط على المستقبل.

د. حسين علي محمد
02-06-2007, 04:38 PM
محمد مندور فى ذكراه المئوية
جلباب الريفى وقبعة السوربون فى حياة شيخ النقاد

بقلم: نبيل فرج
...................

يكتمل فى منتصف العام القادم قرن على ميلاد الناقد الكبير محمد مندور (1907 - 1965).
وكما احتفلت وزارة الثقافة والجامعات المصرية فى السنوات الماضية بالذكرى المئوية لميلاد أعلام الثقافة المصرية الحديثة، مثل طه حسين والعقاد والمازنى وعلى أدهم وتوفيق الحكيم، أرجو أن يحتفل بمئوية مندور، على أن يصحب هذا الاحتفال جمع مقالاته المتفرقة، وإعادة طبع كتبه التى نفدت من سوق الكتاب، ولم يعد من السهل العثور عليها، خاصة ما صدر منها فى بيروت ولم تطبع فى القاهرة، وإصدارها فى أعمال كاملة ويمكن أن نضيف إليها فى مجلد مستقل المقالات والدراسات العديدة التى كتبت عن مندور فى حياته وبعد رحيله بأقلام: لويس عوض، محمود أمين العالم، عبدالقادر القط، رجاء النقاش، صلاح عبدالصبور، فؤاد دوارة، ألفريد فرج، أحمد محمد عطية، جابر عصفور، كامل زهيرى، وغيرهم.
وأعمال مندور تغطى النقد العربى القديم برؤية حديثة كما تغطى بنفس هذه الرؤية الأدب المصرى منذ أواخر القرن التاسع عشر، والآداب الغربية فى عصورها المختلفة.. ويتضمن هذا الإنتاج أهم القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية التى شغلت الأمة فى المرحلة الليبرالية، مرحلة التجديد والتحديث مع بدايات القرن العشرين، وبالتحديد منذ ثورة 1919 إلى ثورة 1952 فى أبعادها المختلفة،
وتأخذ الفنون المسرحية نصيبا كبيرا من هذا الإنتاج النقدى، استعرض فيه مندور تاريخنا المسرحى النثرى والشعرى والغنائى، وتناول فيه الكثير من المسرحيات التى صنعت النهضة المسرحية فى الخمسينيات والستينيات.
ومع هذا فإن احتفال مندور بالشعر والنقد الأدبى لم يكن يقل عن احتفاله بالمسرح.
فى الشعر كان يمكن أن يتقبل شعراء الإحياء والبعث التقليديين، كما يتقبل شعراء الوجدان الفردى والجماعى الذين خرجوا على التقليد، ويقدر الشعر العمودى الرفيع كما يقدر شعر التفعيلة الحر، بل وقصيدة النثر التى لا تتقيد بالأوزان، طالما توافرت فيها كل مقومات الشعر الأخرى.
وبذلك أسقط مندور الوزن العروضى كمقياس وحيد للشعر، وهو مقياس ضعيف، يجرد تراث النثر العربى من الروح الشعرية التى تسرى فيه، وما ينطوى عليه من إيحاءات وخيال.
ولم يكن اهتمام مندور بالنقاد العرب القدماء، مثل الجرجانى والآمدى والصولى، يصرفه عن الاهتمام بالنقاد المحدثين ودراسة آثارهم، مثل طه حسين ويحيى حقى وميخائيل نعيمة.
وإلى جانب المعارك التى خاضها مندور، قدم بترجماته وبما كتبه من مقدمات للكتب صفحات هامة، تشكل مع نقده ومعاركه وحدة متماسكة، لا يستطيع باحث أن يستغنى عنها، وفى مقدمتها كتاباته النضرة عن آداب اليونان واللاتين والآداب الأوروبية الحديثة.. ذلك أنه كان يؤمن بوحدة الحضارة، هذه الوحدة التى لا تتعارض مع تنوع القوميات.
وتعتبر كتب مندور: النقد المنهجى عند العرب، وفى الميزان الجديد، والنقد والنقاد المعارضون، من معالم الثقافة المصرية المعاصرة، المعبرة عن قيمها الفكرية والفنية الرفيعة، وعن رسالتها الأصيلة المتجددة، كما يعد كتاب حديث الأربعاء لطه حسين، والموازنة بين الشعراء لزكى مبارك، والغربال لميخائيل نعيمة، وفى الثقافة المصرية لمحمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس، من معالم النقد الأدبى الحديث أن الاحتفال بذكرى مندور يستحضر مراحل هامة من تاريخنا وإنتاجنا الأدبى، لأنه جمع فى نقده بين أعمق ما فى التراث القومى وأنضج ما فى التراث الإنسانى، كما جمع فى حياته بين الجلباب الريفى الأبيض، وقبعة السوربون السوداء.. أما منهجه النقدى فتتضافر فيه المعرفة الجمالية والمعرفة الأيديولوجية، دون أن يطغى جانب على الآخر، ذلك أنه لم يكن من النقاد الذين يسمحون للجمال أن يستأثر بملكات الإبداع، أو بالعملية النقدية كلها، رغم تقديره البالغ للجمال وتقديمه له، حتى لا يتحول العمل الفنى إلى شكلانية بحتة، بلا وظيفة وبلا هدف.
ويذكر مندور فى نقده أن المغالاة فى العناية بالشكل من سمات الانحدار الفنى والإفلاس الفكرى، فى حين أن الاهتمام بالمضمون يدل عادة على الصحة والقوة والنهضة.
ومع تسليم مندور بأن الأدب ظاهرة اجتماعية ووظيفة اجتماعية، فلم يكن يسمح للأيديولوجية التى يتمسك بها دفاعا عن حرية الإنسان وكرامته أن تُفقد الإبداع أصوله وخصائصه الجمالية التى لا تتحقق إلا بالموهبة والأناة، لأنه لا قيمة للفن بدون هذه الأصول الجمالية، كما أنه لا قيمة للجمال إذا خلا من المضمون الإنسانى.
وظل مندور حتى آخر يوم فى حياته يعتبر الذوق أساس النقد، على ألا يتأثر هذا الذوق بالعلاقات الشخصية، وعلى أن يكون مسلحا بالعلم ومدربا بالمعرفة، وظل يعتبر الثقافة أهم تجليات الأبنية الوطنية والوحدة القومية والتواصل الإنسانى، ويعتبر التجديد غاية كل فكر وكل إبداع.
وفى ضوء هذه المعرفة الكلية، كان مندور يعرف جيدا من هم أعداء الفكر الإنسانى وأعداء ثقافة العصر، وما هى القيم التى تفسخت وانحلت، وما هى القيم التى يجب أن تصان بالمقابل، أو تحل محلها؟.
ورغم أن مندور كان فى بلادنا ممثلا لتيار عريض فى الثقافة المصرية المعاصرة، فقد كان يلتقى فى هذا الاتجاه، بحكم التشابه التاريخى، مع عدد من النقاد العرب، أذكر منهم من لبنان عمر فاخورى، وحسين مروة، ورئيف خورى.
وتضم الأوراق الخاصة التى تركها مندور مجموعة كبيرة من الرسائل الشخصية، تلقاها فى حياته النقدية من الكتاب والمبدعين والباحثين فى مصر وأنحاء العالم، وهى مكدسة فى كراتين منذ رحيله، فلعلها تجد فى هذه المناسبة أيضا من يرتبها ويحققها ويعدها للنشر فى كتاب، يطلعنا على علاقة شيخ النقاد بالأدباء والمثقفين.

د. حسين علي محمد
02-06-2007, 04:39 PM
محمد مندور (1707-1965) شيخ النقاد في الأدب الحديث

تأليف: محمود السمرة
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر تاريخ النشر: 01/01/2006
--------------------------------------------------------------------------------

يضم هذا الكتاب خمس دراسات خمس دراسات ألقت الضوء على سيرة ومسيرة شيخ نقاد الأدب الحديث محمد مندور (1907-1965) حيث ترجمت الأولى لسيرته الذاتية وألقت الثانية الضوء على تجربته في النقد العربي القديم أما الثالثة فسعت لإبراز الدورة الذي لعبه في النقد الفني، واختصت الرابعة بإنتاجه المسرحي، أما الأخيرة فألقت الضوء على تجربته الشعرية وآراءه في الشعر العربي الحديث.
لقد كان افتتاح الجامعة المصرية عام 1925 بداية التفكير النظري في الأدب، وكان كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" هو باكورة الإنتاج التطبيقي لهذا التفكير، ومقدمة لبداية "نظرية الأدب" في اللغة العربية، هذه النظرية التي تحمل صياغتها أبناء الجيل الجامعي الجديد، وعلى رأسهم محمد مندور.
ويرى مندور أن اللغة العربية لم تعرف المذاهب الأدبية إلا في العصر الحديث، وكان طه حسين رائداً في إدخال المنهج الفرنسي المعروف باسم تفسير النصوص، ونما هذا المنهج على يد محمد مندور. ونستطيع أن نستخلص منطلقات هذا المنهج من كتابات مندور.

د. حسين علي محمد
02-06-2007, 04:40 PM
عطر الذكري وسلامة الوطن

بقلم: د. فوزي فهمي
...............................

'هي علاقة فريدة بين استاذ وتلميذ، استاذ اكتشف منذ البداية ان هذا التلميذ ماهو الا استاذ المستقبل، بهذه الروح تعاملا، ومن هنا سارع د. فوزي فهمي باهداء كتابه الأول الي روح استاذه محمد مندور، بكلمات تنطق بأستاذية الاثنين معا، إذ قال: 'الي روح استاذي الدكتور محمد مندور.. بعض من اثره.. أوراق ذابلة لاتقارن بأوراقه الوارفة'، وبهذا المنطق كتب د. فوزي مقالا كاشفا عن روح وجهود استاذه النقدية، نشرها في كتابه هموم مصرية، وبمناسبة مرور اربعين عاما علي وفاة مندور، استأذنا د. فوزي باعادة نشر هذا المقال، الذي يعد تحية لواحد من أهم جيل الأساتذة الذي كرم مصر بعطاء لايحد.
ومض ضوء في ذاكرتي، فوجدتني منقوعا في الذكري، وإذ بي أراه منحوتا في الفراغ، يحدق بي ويسألني بغتة: 'هل قرروا حقا منعي؟'. قالها ببطئه الذي حكي لي يوما سببه الطبي، وأصبح يشكل سمة واضحة في حركته، نتيجة استئصال غدته النخامية حفاظا علي بصره، وذلك في أواخر عام 1950 بعد محنة سجنه.
طفرت تلك اللحظة، بعد خمسة وثلاثين عاما مرت علي رحيله، لم أستطع خلالها أن أتغلب علي استمرار مشاعر الوحشة لرؤيته، ورغم أني كنت أستعين عليها عقليا بالتكرار لنفسي: إن شيئين لايمكن لهما الإعادة هما: الموت والولادة، كما تعودت عاطفيا أن أتصوره عطرا انتشر في سماء هذا الوطن، كي أحس به حاضرا دوما حضور العطر، لايختفي ولايختبيء، وأيضا كنوع من مقاومة النسيان البشري، وكتدريب للنفس علي تحمل الخسارة المبكرة بفقدانه، فقد رحل عنا وهو لم يتجاوز الثامنة والخمسين عاما، ووقتها كنت شابا في السابعة والعشرين من عمري، تتلمذت منها لثماني سنوات علي يديه، أطل خلالها * حكيا منه * ماضيه الوطني الخصب، ليؤكد الجسر الذي يربط الثقافة ومشكلات الوطن، وقضايا العصر.
أكتمل مشهد الذكري المستعادة، فإذ بي جالس علي طرف سرير مرضه في أمسية أحد الأيام من شهر مايو، قبيل رحيله عام 1965، وسؤاله يجرب في داخلي كحمم البركان، فارتجفت وعضضت شفتي، وأنا أتخيل ذلك الموقف الجنوني: محمد مندور، هذا الوجه المتألق المضيء، أحد الرموز المتفردة للثقافة المصرية تنويرا وعلما وعطاء وشجاعة وتاريخا، يمنع من أن يقول رأيه، وتشابكت في ذاكرتي * فور طرحه سؤاله، وحتي لحظة إجابتي عنه * معطيات تلك اللحظة، مع امتدادات تاريخه المغسول بالوجع الدائم، علي وطنه المضروب وقتذاك بسياط الاستعمار، والمنكوب باحتكارات الأجانب، والمحاصر بتسلط طبقة المصالح الضيقة، وانبثقت من ذلك التشابك لحظة اختارتها عدسة التذكر، لحظة التحام محمد مندور مع جماهير وطنه عام 1946، في مواجهة إسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء * حينذاك * وقائد طبقة المصالح الضيقة، والذي استهدف جموع طليعة المثقفين الذين يعارضون اتفاقية ' صدقي * بيفن'، فإذ بقائمة السجناء تزدهي باسم محمد مندور في المقدمة، وتركز عدسة التذكر علي لحظة متابعتي له وهو يحكي، فإذ به يتفحصني، ساعتها أحسست به في داخلي يكشف اللامرئي، فعندما لمح رعبا مفاجئا علي ملامحي، ومشروع سؤال يزحف علي شفتي، أدرك من التعبيرات المرتجفة أني أستحضر تصورا لمعاناة تجربة السجن التي تعددت معه، ولأن كبرياءه كان شرطا كافيا لحماية مسيرته، لذا كان يكره أي إسراف في التعبير، أو طرطشة العاطفة كما كان يسميها، وعلي الفور قاطعني، ومزهوا قال: اندفعت روح مصر في جماهيرها، لتهزم المخطط الاستعماري لضم مصر للأحلاف العسكرية، وقضت علي مشروع صدقي بيفن، ثم استكمل إجابة سؤالي، الذي لم يسمح لي أن أجسد صياغته لغة، فقال: حين تري وطنك يعاني، فلابد أن تعاني معه وتقاتل: لتنهي معاناته عندئذ استرجعت عدسة الذكري المستعادة مشهد المساومة، حين أرسل إليه إسماعيل صدقي باشا مبعوثه عبد الرحمن البيلي، يعرض عليه منصب سفير مصر في سويسرا مقابل سكوته، فرفض محمد مندور الرشوة التي هي ثمن للخيانة، فقد كان يؤمن * مثل كل الشرفاء المصريين * أن سلامة الوطن خارج، وفوق كل حسابات المصالح، وأن الوطنية لا تنزلق أو تنحرف، ولا تسترخي وتتكوم أمام المساومة، وخرج من سجنه لتبدأ معاناته.
تتوقف * للحظات * عدسة الذكري المستعادة، لتبدأ عدسة الراهن تدخلاتها في السباق، لتتجلي المفارقات فتكشف عمن يستبيحون جسد الوطن ليقطع شذرات، بالدفع والتحريض إلي حرب الصراعات، والتوسل بآليات الاحتشاد ضغطا علي العصب العاري لدي الناس، وتكشف عمن ينساقون إلي خطاب الإثارة، بدلا من الأخذ بروية التحري، عمن يمارسون مسلسلات التحريض المصطنع، بدلا من الانتقاد الراشد، سعيا إلي حريق اجتماعي يقوم علي حسابات لئيمة، لاتراعي اجتهاد الموازنة في حق الوطن بين المصالح والمفاسد، وسلامة الوطن فوق وخارج كل حسابات الرهانات والمناورات، ولا تحتمل الطرح المغلوط توترا وانغلاقا، ولا التشهير الذي يمتد به الجموح، فيسفر عن احتكاكات تحقن العلاقات بين الناس بمخاطر تكتسح الأمان، في مغامرة غير مأمونة لكل الأطراف نعم إن العمل الحزبي المعارض يتطلب تعقبا لممارسات المسئول بالمحاسبة والمساءلة، لكن بقيد مراعاة وسيلة المساءلة، تحسسا وانتباها، تحسبا للنتائج عند التعرض للقضايا التي تمس سلامة الوطن، وخاصة في ثوابته الجماعية المقدسة والتي لا تستوجب * ولا يصح * المزايدة عليها، إذ هي أكبر وأقدس من المساومة بها، فالعمل الحزبي في جوهره مدرسة للأفكار والسلوك والنضال، ودلالة شرعيته أنه ائتمن علي سلامة الوطن، استنادا إلي برامجه التي تطرح لهذا الوطن * وفقا لثوابته * تصورا لحياة آمنة اجتماعيا، وفكريا، واقتصاديا، وسياسيا في إطار مؤسساته الشرعية.
وليس تغذية مشاريع فتنة تقوم علي توظيف المباديء والقيم المقدسة في التحريض، وتغليب المجهول علي المعلوم، بما يشكل عدوانا اجتماعيا مدمرا علي سلامة الوطن، وهو مايعني الجنون السياسي بعينه.
وتعود عدسة الذكري المستعادة لترصد محمد مندور يواجه الأحاجي المغلوطة في الحياة الثقافية،وأصحاب ثنائية الفصم الحدي بين ثقافة الشرق وثقافة الغرب، دعاة الأنكفاء علي الذات، واستبقاء المجتمع المصري
علي حاله، ليكرر ذاته بعيدا عن التجدد والاستضاءة بامتدادات ثمار حوار الثقافات المختلفة، فيبادر عام 1944 إلي طرح العلاقة التي لابد لها أن تكون بيننا وبين الآخرين بمناقشته للفرضيات والمسلمات التي تحكم مناحي الحياة، إذ ' الأمر في حياتنا الثقافية مثله مثل حياتنا السياسية والاجتماعية سواء بسواء، فمن الناس نفر كثير لايزال يزج بالنعرات القومية والدينية في مجال الثقافة، ليتلف علينا حياتنا عن جهل، فنسمع مقابلات عجيبة بين روحية الشرق، ومادية الغرب، وكأن الغرب لا روح فيه، والشرق لا مادة به، والمشكلة الحقيقية ليست مشكلة ثقافة الشرق وثقافة الغرب، وإنما هي مشكلة الثقافة والجهل، وهذه أيضا فكرة مذهبية يجب أن يستقر عندها ضمير الأمة، حتي تستقيم لنا الحياة. هنالك ثقافة إنسانية موحدة نشأت في الشرق، ثم انتقلت إلي الغرب الذي احتضنها دون أن يستنكف من صدورها عن غيره، ثم نأتي اليوم * نحن الحمقي * فنحاول جدلا عميقا في وجوب استردادها منه أو رفضها. ومن عجب أن ترانا جميعا آخذين في هذا الاسترداد بالفعل، ومع ذلك نجادل في هل نحن علي حق أم علي باطل، إن كنا علي باطل، فلنتخل إذن عن جميع مظاهر الحياة المادية التي تحبطنا من جميع النواحي، فكلها غريبة، بل لنتخل عن مدارسنا، وجامعاتنا، ومناهج بحثنا، ولنرجع إلي 'الكتاب'، والحفظ عن ظهر قلب.
بهذا الأسلوب المباشر يدعو مندور إلي خروج الإنسان المصري من قصوره، الذي هو نفسه مسئول عنه، 'فما بالنا نتقاعد الكسالي الذين يحتجبون خلف نعرة باطلة، ليخفوا ماهم فيه من عجز عن اللحاق بقافلة العالم.. إن الوطن ومصائره اليوم معلقة في الخارج وفي الداخل، وأهول ما نخشاه أن ننصرف عن أهدافنا الحقيقية إلي صغائر الأمور' كما رفض * بصلابة * الخطاب المضاد لثقافة الحوار: لإدراكه حقيقة مايروج له هذا الخطاب من تكريس للمجتمع المغلق المؤسس علي احتكار الإقناع، وممارسة العنف الذي يشكل الاستبداد المشروع، 'إذ تري النفوس متعصبة، وشهوة الفكر لاتقل عنفا عن شهوة الحس، ويأتي الواقع فيستعصي، وإذا بالتنافر في العمل، وتبلبل الحياة العامة'.
وتتقاطر أمام عدسة الذكري المستعادة مواقف عديدة، تؤكد دفاعه عن المجتمع المنفتح الذي يوائم بين المتنافرات، ويتأسس علي عقل تنويري، أي عقل نقدي بنائي تأسيسي، يرفض التعصب ويرتكز علي التسامح، ويستنهض مندور العقل المصري، وهو يرصد آلياته، حين يري أن 'العقلية المصرية سلبية قابلة، بينما عقلية الغربيين إيجابية فعالة، فنحن نستطيع أن نحصل ما يلقي إلينا، ولسنا * بلا ريب * دون أحد في قوة الذاكرة، ولكننا لا نكاد نتخطي دور التقبل والتحصيل حتي يتبلد حمارنا، ولقد ينجح بعضنا في الجدل، ولكن مجهوده قلما يعدو فك الأفكار الأساسية.. ولايقف تأثير تلك العقلية القابلة عند ميدان المعرفة، بل يمتد إلي الحياة العملية ذاتها' ويلامس مندور الحس الجماعي كسبيل لعلاج تلك الظاهرة، بإجراء 'إصلاحات لابد أن يسوق إليها رأي عام قوي، وهذا الرأي لن يتكون إلا باستنارة العقول، والسبيل إلي تلك الاستنارة هو أن نسكت عن نفوسنا النعرات الباطلة، وألا نستنكف عن الأخذ عمن سبقونا في الحضارة'.
كانت 'الاستنارة' هي قضيته لاسترداد الضائع والوصول إلي المرتجي، والتي شكلت موقع الصدارة في كل معاركه وخصوماته علي مدار تاريخ نضاله السياسي، وكعبور لبوابة التحرر الاجتماعي والفكري والتربوي والسياسي، وكأن مفهومه للاستنارة قائم علي أن 'الثقافة، ضوء ولابد للضوء أن يبدد الظلمات، وأن الكوارث تأتي عندما نتخبط في فهم معني الثقافة ومدي انتشارها'، ومن خلال استقرائه للواقع، خرجت دعوته إلي أنه 'حان الحين لأن يلقي النفر المثقف منا ثقافة حقيقية بنفسه في المعركة، فبئس مواطن يستحوذ علي قلبه اليأس'.
تجمدت عدسة الذكري المستعادة علي تلك الصورة الحلم، للفارس المثقف المناضل محمد مندور حليف التفاؤل، والمجاهر بخطابه التنويري بحسم اليقين، لا يهادن ولايطرح آراء مطاطية سعيا للمكاسب في كل عصر.
هكذا كانت أمامي صورته المستعادة، وأيضا الأصل الحي يجلس علي سرير مرض ماقبل الموت، وظننت * وأنا أتطلع إليه * أنه ينتظر مني الإجابة، فهممت بالكلام، فإذ بي أري يده تمتد، وقد استجمع كفه فتجسدت قبضته، وراح يلوح بها في الهواء، وهو يدمدم مبتهجا 'والله زمان ياسلاحي' * وتلك كانت عادته عندما تبدأ معاركه 0 عندئذ أدركت أنه لاينتظر مني إجابة بالإيجاب أوالسلب، فكبرياء مندور المناضل كان دائما يقاوم.
سلام عليك أيها الأستاذ والأب في ذكراك الخامسة والثلاثين، التي تحين في التاسع عشر من هذا الشهر، وسيظل باقيا فضلك وأترك علي، وكذلك علي كل جيلي، كما ستبقي زاهرة وارفة كل قيم نضالك وعلمك، وكل ما لهذا الوطن قدمت.

د. حسين علي محمد
02-06-2007, 04:41 PM
قراءة في أوراق مؤتمر شيخ النقاد محمد مندور (1 من 2)

بقلم: شريف الشافعي
..............................

في مقر المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة؛ أقيم مؤخراً مؤتمر دولي تحت عنوان «مندور بعد أربعين عاماً على رحيله»، وذلك بمناسبة مرور أربعين عاماً على رحيل شيخ النقاد الدكتور محمد مندور في عام 1965. شارك في جلسات المؤتمر؛ عبر عدد من الموائد البحثية المكثّفة خلال ثلاثة أيام؛ نقاد وأكاديميون ومبدعون من مصر وبعض الدول العربية، من بينهم: الدكتور صلاح فضل والدكتور محمد عبد المطلب ومحمود أمين العالم والكاتب فتحي العشري والدكتور عبد الرحمن أبو عوف والكاتب فتحي إمبابي والدكتور ماهر شفيق فريد والدكتور فتحي عبد الفتاح وآخرون، حيث قدموا أوراقهم وقراءاتهم ومداخلاتهم التي تتعلق بفكر وحياة وكتابات شيخ النقاد الدكتور محمد مندور (19651907)، وعلاقته بالتراث النقدي العربي والشعر المعاصر والنقد المسرحي والقصصي وتأصيل المناهج النقدية والفكر السياسي ومعاركه الأدبية، وغير ذلك من المحاور والقضايا.
مندور والفن المسرحي
في دراسته «محمد مندور والفن المسرحي»، يشير الباحث أحمد شمس الدين الحجاجي إلى أن الدكتور محمد مندور قد لعب دوراً أساسياً في الحركة النقدية المسرحية بما يجعل منه خطوة متقدمة على طريق تطور النقد المسرحي، ويقول الحجاجي: يعد الدكتور محمد مندور بحق واحداً من أهم نقاد الحركة المسرحية منذ نشأتها حتى وفاته في عام 1965، فقد كان واحداً من أهم دعائم معهد الفنون المسرحية الذي أنشئ في عام 1944؛ وقام فيه بدور مهم في تعليم طلابه نظريات المسرح في وقت لم يمكن فيه باحث واحد متمرس بالدراسة النظرية لهذا الفن، كما عمل أستاذاً للنقد الأدبي والمسرحي في معهد الدراسات العربية. وكانت أولى مقالات الدكتور محمد مندور بعد عودته مباشرة من فرنسا التي نشرها في صحيفة الثقافة في سبتمبر 1939 عنوانها «المسرح»، وقدم بعدها دراسات جادة عن المسرح في الصحيفة ذاتها عن فيجارو وفاوست وهاملت ليضمها مع مقالات أخرى بعد ذلك في كتابه «نماذج بشرية». ويضيف الحجاجي: لقد أدى الدكتور محمد مندور دوره كاملاً في عصره، وكان أهم دور قام به بالذات في عالم المسرح هو التعريف به، وكان أهم ناقد من نقاد المسرح منذ أن عاد إلى مصر في حتى رحيله.
التيار الواعي
الكاتب والناقد فتحي العشري يرى في دراسته «محمد مندور وفلسفة النقد» أن الدكتور محمد مندور يمثل التيار الواعي في النقد العربي الذي يرى ضرورة أن يكون للنقد أساس علمي ومنهجي يعتمد على تحليل صياغة العمل الأدبي، فالعلاقات في اللغة تنشئ الدلالات، وهذا ما يظهر جلياً في كتابيه المهمين «النقد المنهجي عند العرب»، و«منهج البحث في الأدب واللغة»، ويقول فتحي العشري: لعل فكر الدكتور محمد مندور الناضج نتيجة لدراساته الفرنسية والعربية هو الذي هداه إلى المزج بين الفكر الغربي المتقدم والفكر العربي التراثي، على أساس الإفادة قدر الإمكان من الغرب، دون الابتعاد عن فكرنا العربي الذي أثر يوماً في الثقافات والحضارات المختلفة في عصوره الذهبية. وقد آمن الدكتور محمد مندور في الوقت نفسه بأن الفكر العربي لا يتوقف عند القدامى، لكنه ممتد عند المحدثين. وقد اهتم الدكتور محمد مندور بالمسرح وبالشعر؛ وخصوصاً الشعر المسرحي أو المسرح الشعري، ومن هنا دراساته المستفيضة للشعر التفعيلي والمسرح الواقعي. ورغم أنه ينطلق من المفهوم الاشتراكي للأدب، فإنه اهتم أيضاً بالصياغة؛ أي بالشكل، فهو من هؤلاء النقاد الذين لا يفصلون بين الشكل والمضمون.
ويوضح الناقد الدكتور مدحت الجيار في دراسته «محمد مندور بين الشعر الخالص والشعر المهموس» أن الدكتور محمد مندور قد تابع الشعر العربي منذ عصوره الأولى، وانتهى إلى المعاصرين له، وكان يلحظ فيما بين الرصيد التاريخي والرصد الفني تداخل المذاهب وزرع المذاهب الجديدة مع النص العربي، ولذلك ركز في بعض كتاباته على الشعر المهموس (لدى الرومانسيين ولدى شعراء التفعيلة) في مقابل الشعر الزاعق! ويقول د.الجيار: لاحظ الدكتور محمد مندور كذلك الشعر الخالص وقربه من فكرة الشعر المهموس في كونه ينبع من استخدام الإيقاع والمجاز بصرف النظر عن تواشجات القضايا والمعجم وغير ذلك من عناصر بنية القصيدة.
سيرك الحداثة!
ويرى الكاتب والأديب فتحي إمبابي في دراسته «مندور بين الكلاسيكية وتهافت النقد المعاصر» أنه مع الدكتور محمد مندور يمكن استعادة المكروه من النقد الحديث؛ وهو المهمة والوظيفة الإبداعية لأحد أهم الأنشطة الإبداعية المعاصرة وهو الأدب، ويمكن اكتشاف (سيرك الحداثة) الذي نصبه النقد الرسمي العربي، ووقع في حبائله الآخرون، ويقول فتحي إمبابي: مع أصالة الدكتور محمد مندور نكتشف تحول النقد العربي المعاصر تحت تأثير سلطان النقد الحداثي الذي أنتجته أوروبا والغرب إلى سيرك كبير يفتقد لاعبوه الحماسة والرغبة في الإبداع!
وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور محمد مندور قد قدم إلى المكتبة العربية قدراً من المراجع الأدبية الغنية، إضافة إلى أعداد مجلته الشهيرة «الشرق» الجامعة للسياسة والفن والأدب والتي بدأ إصدارها منذ نهاية عام 1957 واستمرت حتى رحيله في عام 1965. ومن مؤلفاته التي أثرى بها الحياة النقدية والفكرية في مصر والعالم العربي: «النقد والنقاد المعاصرون»، «النقد المنهجي عند العرب»،«الأدب وفنونه»، «الأدب ومذاهبه»، « قصص رومانية»، «المسرح النثري»، «مسرحيات شوقي»، «مسرح توفيق الحكيم»، فضلاً عن كتابه «المذاهب الأدبية» الذي يعد أشهر مؤلفاته؛ إذ سعى فيه إلى تعريف المصطلحات الأدبية المتعددة. ويعد الدكتور مندور واحداً من أبرز النقاد في مصر والعالم العربي، وأحد رموز التيار التنويري والدعوة العقلانية في القرن العشرين، وقد تميز الدكتور مندور بالقدرة على الجمع بين العقلانية والوطنية والرؤية الاجتماعية والإنسانية المتقدمة، والتوفيق بين التراث الإنساني العقلاني (التراث العربي الإسلامي العقلاني بصفة خاصة)، وبين الثقافة العربية التقدمية في مصر بوجه أشد خصوصية، فضلاً عن توظيفه للفكر في خدمة الحياة والمجتمع.

د. حسين علي محمد
02-06-2007, 04:42 PM
قراءة في أوراق مؤتمر شيخ النقاد محمد مندور (2 من 2)

بقلم: شريف الشافعي:
................................

تعددت الأبحاث والأوراق والمداخلات التي قدمها نقاد وأكاديميون ومبدعون من مصر وعدد من الدول العربية في المؤتمر الدولي «مندور بعد أربعين عاماً على رحيله» الذي انعقد مؤخراً في مقر المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة بمناسبة مرور أربعين عاماً على رحيل شيخ النقاد الدكتور محمد مندور (1907-1965). وقد سعى المشاركون في جلسات المؤتمر؛ عبر عدد من الموائد البحثية المكثّفة خلال ثلاثة أيام؛ إلى إعادة اكتشاف شيخ النقاد الدكتور محمد مندور من خلال تحليل ومناقشة قضايا تتعلق بفكره وحياته وكتاباته، وعلاقته بالتراث النقدي العربي، والشعر المعاصر، والنقد المسرحي والقصصي، وتأصيل المناهج النقدية، والفكر السياسي، بالإضافة إلى معاركه الأدبية المتعددة.
مرحلتان نقديتان
الناقد الدكتور محمد عبد المطلب يرى أن الدكتور محمد مندور هو أحد القراء الثقافيين الأوائل، وأحد أبرز تلامذة الدكتور طه حسين، ويقول د.عبد المطلب: إن الدكتور محمد مندور في مرحلته الأولى تبنى (النقد الجمالي)، وبخاصة في كتابه (في الميزان الجديد)، وقد حدد أفق هذه المرحلة بأنها تربط الجمال بالتأثر، لأن القارئ يعتمد على مجموع انطباعاته التي تخلقها الأعمال الأدبية على صفحات روحه. ولا يغيب عن الدكتور محمد مندور ارتباط هذا الوعي الجمالي بالوعي اللغوي، ومن ثم أطلق مقولته: «اللغة هي المادة الأولية للأدب، وذلك لأن الفكرة أو الإحساس لا يعتبران موجودين حتى يسكنا إلى اللفظ». أما المرحلة الثانية في مسيرة الدكتور محمد مندور؛ فهي التي أطلق عليها (النقد الوصفي التحليلي)، وفي هذا المرحلة أضاف الدكتور مندور بعض التوجهات الأسلوبية، فضلاً عن الاحتكام إلى العقل الذي يقود ضرورة الثقافة، والاعتقاد بأن الخلل النقي إنما يكون من ضيق الأفق وفقر الثقافة.
ويشير الناقد الدكتور فتحي عبد الفتاح في دراسته «بطل إلياذة الديموقراطية في مصر» إلى أن الدكتور محمد مندور يشكل مع كل من الدكتور لويس عوض وعبد الرحمن الشرقاوي هرم التنوير الثاني مصر، أما هرم التنوير الأول فإنه يضم كلاً من محمد عبده وطه حسين وأحمد لطفي لسيد، ويقول د.عبد الفتاح: كان الدكتور مندور دائماً هو البطل الأسطوري - أجاكس - المدافع عن مصر الديموقراطية، مصر العدالة الاجتماعية، مصر الحضارة الثقافية وحرية الإبداع. وقد تجلت مواقفه هذه في أكثر من عهد، سواء في مرحلة الازدهار الليبرالي والثقافي والزخم الرائع الذي جاءت به ثورة 1919 الجماهيرية، أو بعد ثورة يوليو 1952 التي رفعت شعارات رائعة؛ لكنها في الوقت نفسه أجهضت كل الأحلام التي كانت قابلة للتحقيق أيامها.
التراث والمعاصرة
أما الناقد الدكتور عبد الرحمن أبو عوف فإنه يشير في دراسته «سمات المنهج النقدي عند محمد مندور» إلى أن الناقد البارز الدكتور محمد مندور كان من أكثر النقاد العرب اهتماماً بالبحث عن (منهج نقدي) قائم على التراث والمعاصرة، وجسد بذلك استمراراً حياً للتقاليد التي أرساها طه حسين في محاكمة الأوهام في ثقافتنا، ونزع النقاب عن الأنظمة اللاعقلية الموروثة، وإيقاظ الرغبة في قيام قانون يصبح المفكر فيه هو حقيقته دون تنازل أو تبرير، ويقول د.أبو عوف: قدم الدكتور محمد مندور منذ أربعينيات القرن العشرين الكثير إلى فكرنا الاجتماعي والنقدي والسياسي، وعاش حياة خصبة نحياها من جديد حين نقرأه، قدم لنا في مستهلها كتبه المضيئة «في الميزان الجيد»، و«النقد المنهجي عند العرب»، و«نماذج بشرية»، و«الأدب ومذاهبه»..، إلى جانب دراسات في الشعر ومحاضرات في المسرح والنثر، بالإضافة إلى دراساته عن المسرح المصري والعربي ونشأته وتحولاته وتياراته. والبحث في رحلة الدكتور محمد مندور النقدية يستلزم فهم مكوناته الثقافية وعلامات التفاعل بين تحولات فكره وعطائه مع تحولات الثورة الوطنية وصعودها لثورة ذات بعد تقدمي؛ هي ثورة يوليو 1952.
وفي دراسته «فن الأدب بين الالتزام الاجتماعي والوظيفة الجمالية» يقول الناقد الدكتور ماهر شفيق فريد: حين ننظر بعد أكثر من أربعين عاماً إلى حصاد معركة الدكتور محمد مندور والدكتور رشاد رشدي الشهيرة حول طبيعة الأدب ووظيفته؛ نجدنا منتهين إلى نتيجة مؤداها أنها لم تكن بعمق معارك الدكتور محمد مندور مع زكي نجيب محمود ومحمد خلف الله وغيرهما، حيث إن طرف الخصومة رشدي لم يكن من قامة هؤلاء الرجال، ولا يملك جديتهم وتنزههم عن الغرض، وإنما كان يسعى إلى توطيد مكانته في الحياة الأدبية وخلق معارك لافتة للنظر. ومع ذلك، آتت المعركة بعض ثمار نافعة، كتوضيح بعض مفهومات النقد، ووضعه في بؤرة أشد سطوعاً تلك المعضلة الأبدية: معضلة التوفيق بين استغلال الأدب من حيث هو فن جميل، ووظائفه الاجتماعية، ودوره في خدمة المجتمع.
كنوز تنمو وتتنفس!
ويوضح الباحث محمد خليل نصر الله في دراسته «محمد مندور وجهوده النقدية» أن للدكتور محمد مندور موقفه الواضح من قضايا اللغة والأدب والنقد ومناهج البحث، فهو يرى ضرورة الاستفادة من تجارب الباحثين الأوروبيين لما حققوه من تقدم كبير ومفيد، وفي الوقت نفسه يذهب إلى أن كتب التراث العربي تزخر بكنوز كبيرة وحقائق مهمة، لا تزال قائمة تنمو وتتنفس، ولن تكون الاستفادة صحيحة وعميقة إلا بعد دراسة هذا التراث واستخراج ما فيه من كنوز في ضوء المناهج الحديثة، ويقول نصر الله: بهذا الجمع الواعي بين ما عربي أصيل، وما هو غربي نافع، راح الدكتور محمد مندور يتابع نشأة النقد العربي وتياراته؛ وهي تنمو وتنتقل من مرحلة إلى مرحلة، ومن طور إلى طور، وتبعاً لذلك قسّمه إلى قسمين كبيرين: نقد مرتجل يقوم به الشعراء ومحكمو الأسواق، ونقد منهجي تدعمه أسس ونظريات وتطبيقات عملية.

د. حسين علي محمد
02-06-2007, 04:45 PM
في الذكري الأربعين لرحيله:
محمد مندور.. الناقد الأكبر

بقلم: د. عفاف عبد المعطي
..................................

في عام 1965 توفي الناقد الكبير محمد مندور بعد أن ترك للمكتبة العربية قدرا من المراجع الأدبية الثرية إضافة إلي مجلته الزاخرة "الشرق". وقد أحسن لويس عوض صُنعاً عندما قدم له مرثيتين مهمتين قدّم بهما كتابه المعروف "الثورة والأدب" وصف فيهما جذور معرفته بمندور التي ترجع إلي عام 1937 عندما التقي كل منهما بالآخر في باريس، حيث كانت بعثة مندور، بينما كان لويس عوض في سبيل بعثته إلي انجلترا، وقد جمعهما معا الظمأ المشترك للمعرفة. استهل لويس عوض المقالة الأولي بأبيات من الشعر لأحمد شوقي دالة علي الرثاء قال" قد كنت أوثر أن تقول رثائي / يا منصف الموتي من الأحياء. انظر فأنت كأمس شأنك باذخ/ في الشرق واسمك أرفع الأسماء". ويعتبر تدوين عوض لرحلته مع رفيقه مندور التي عبّر عنها في تلك المرثيتين من أهم الدروس التي يمكن أن يتعلمها الإنسان. فكان التضافر بينهما يطيح بمقولة ساذجة ـ لايزال الوطن يعاني منها ـ هي "عُنصُرَا الأمة".
ويعتبر كتاب "محمد مندور" للمرحوم فؤاد دوارة من الكتب المهمة نظراً لما تحمله من صراحة بائنة عبر الحديث المُطوّل الذي جري بينهما، كذلك مقال عبد المنعم تليمة "محمد مندور في فكرنا النقدي المعاصر" الذي صدر في مجلة الكاتب يوم 5 يونيو 1967، وإن كان مشروعه وكذلك رسالته الفكرية التي عبر عنها بإصداره لمجلة الشرق لا تزال تصبو إليهما الدراسة في سياق ما يعرف بنقد النقد.
* مشروعه النقدي
مارس مندور نقد النقد في كتابه الشائق "النقد والنقاد المعاصرون" الذي كرّسه لدرس المشروعات النقدية الصغري والكبري لكل من الشيخ المرصفي ـ ميخائيل نعيمة ـ عبد الرحمن شكري ـ إبراهيم عبد القادر المازني ـ لويس عوض ـ يحيي حقّي، واللافت في الكتاب أن مندور قد تناول النقاد المبدعين في الآن نفسه مما منح للكتاب فرصة أكثر للإثراء. خمسة عشر مؤلَفاً للناقد محمد مندور بدءاً من "النقد المنهجي عند العرب" الذي كان اطروحته للدكتوراه مروراً بالكتب التي خصصها للأنواع الأدبية المتباينة مثل "الأدب وفنونه" ـ "الأدب ومذاهبه" وانتهاءً بالكتب الخاصة بالتحليل التطبيقي لتلك الأنواع مثل" قصص رومانية" ـ"المسرح النثري" ـ "مسرحيات شوقي" ـ "مسرح توفيق الحكيم". ويعتبر "المذاهب الأدبية" أهم كتب مندور التي يتوجب علي كل باحث في الأدب أو ناقد له أن يرجع إليه، حيث سعي فيه إلي لتعريف المصطلحات الأدبية المتباينة التي كانت قليلة التأصيل. ولأن مندور كان ناقداً ينحو إلي الواقعية، فقد عرّفها وآمن بها وحث الكُتّاب علي اعتناق مبدأ الكتابة الواقعية. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر بينما الرومانسية تملأ الدنيا ضجيجاً، ظهر إلي جوارها ذلك التيار الواقعي القوي الذي كان يمثله في فرنسا أونوريه دي بلزاك". ثم يتعامل محمد مندور مع مدلول كلمة رومانسية علي أنها" مشتقة من كلمة رومانيوس التي أطلقت علي اللغات والآداب التي تفرعت عن اللغة اللاتينية القديمة، وقد قصد الرومانسيون باختيارهم هذا اللفظ عنواناً لمذهبهم إلي المُعارضة بين تاريخهم وأدبهم وثقافتهم القومية؛ أي بين الرومانسية وبين التاريخ والأدب والثقافة الإغريقية واللاتينية القديمة التي سيطرت عليها الكلاسيكية وقيدت أدبها.
ونقد مندور الرومانسية لزعمها أن الأدب وحي وإلهام وخلق لا صناعة ومحاكاة ونظام قد انتهي بها ـ عند المقلدين وضعاف الملكات ـ إلي إهمال الصياغة اللغوية وجمالها ومتانتها، كما أدي بها أحيانا إلي ما يشبه هذيان الحس واضطراب العاطفة والتحرر من كل نظام إلي الفوضي القبيحة". واستمر في انتقادها رابطا ذلك بالأجناس الأدبية الأخري، فقد أدي بها استخدام الأدب والشعر في التعبير عن الذات والأنا الضيقة المحدودة إلي إنزالها الأدب والشعر لمستوي الوسيلة الرخيصة بدلا من أن يظل الأدب والشعر شيئاً مقدساً مكتفياً بذاته كغاية سامية هي خلق الجمال ونحته من اللغة. وإذا كانت الرومانسية بحكم طبيعتها قد آثرت الشعر صورة لأدبها، فإن الواقعية آثرت النثر بالضرورة، فهي لم تنشد شعراً ولم تنظم قصائد؛ وإنما كتبت قصصاً أو مسرحيات نثرية. كما رأي مندور أن الواقعية ليست الأخذ عن واقع الحياة وتصويره بخيره وشره كالآلة الفوتوغرافية و ليست معالجة لمشاكل المجتمع ومحاولة حلّها أو التوجه نحو هذا الحل، وليست ضد أدب الخيال أو الأبراج العاجية، إنما هي فلسفة خاصة في فهم الحياة والأحياء وتفسيرهما، وهي وجهة نظر خاصة تري الحياة من خلال منظار أسود، وتَعرِفُ أن الشر هو الأصل وأن التشاؤم والحذر هما الأجدر ببني البشر لا المثالية والتفاؤل. وأكّد ذلك في معرض المقارنة بين الواقعية و المثالية،عندما كانت للواقعية بذورها منذ أقدم الأزمنة وكان التعارض قائماً بينها وبين المثالية وكل منهما تمثل وجهة نظر فلسفية خاصة في الحياة. فالواقعية تري الحياة في أصلها شراً ووبالاً ومحنة، بينما تراها المثالية خيراً وسعادة ونعمة. ثم يقرر مندور أن الواقعية نظرة خاصة إلي الحياة، نظرة متشائمة لا تؤمن بالشر أو المثالية وتري أن الشر هو الغالب علي الحياة، وهي علي هذا الوضع مذهب مُحزن. وهي تشقُّ الحُجُب عن حقيقة الحياة لكنها لا تبذل جهداً لتغييرها أو تحطيمها أو إصلاح فاسدها لأنها ليست دعوة بل فن كاشف ومجابهة للواقع الدفين مهما يكن مؤلماً.
إن الناظر إلي أسلوب محمد مندور النقدي سواء النظري أم التطبيقي يجده يقوم علي ثلاث مراحل الأولي تتمثل في المنهج الجمالي في النقد، وفيه ركز علي القيم الجمالية في النص الأدبي في الشعر بصفة خاصة لأنه النوع الأدبي الذي يعتبر أكثر جمالية من أي نوع أدبي آخر. الثانية منهج النقد الوصفي التحليلي، وهو منهج ينحو إلي الوصف والتحليل والتعريف والتثقيف أكثر مما يهدف إلي التوجيه. ثم المرحلة الثالثة وهي مرحلة النقد الايديولوجي حيث تقوم علي منهج يحدد وظيفة اجتماعية محددة للأدب والفن، واعتناقه لهذا المنهج نتيجة اهتمامه بالقضايا العامة بنواحيها السياسية والاجتماعية وكذلك لإيمانه بالفلسفة الاشتراكية ولاشك أن إصداره لمجلة الشرق الجامعة للسياسة والفن والأدب قد نما لديه هذه الاهتمامات.
* مجلة «الشرق»
بدأ مندور إصدارها منذ نهاية عام 1957 واستمرت حتي أيامه الأخيرة في 1965 وكان يقوم علي جميع أبوابها وحده فجسّد هيئة التحرير كاملة. أول ما كان يقام عليه العدد هو الموقف الدولي بقلم رئيس التحرير الذي هو مندور نفسه، وفيه يحلل الواقع السياسي المصري في سياق الواقع الدولي دون مجاملة كان يقول رأيه في أفعال دولة مصر الناصرية وعلاقاتها دولياً خاصة في ظل التضافر مع الكتلة الشيوعية وفي العدد نفسه يجد كل قارئ بُغيته، فالسياسي يجد جزءاً من تاريخ العلاقات الدولية، و قارئ الأدب يمكنه أن يجد روائعه قصة مترجمة ليو تولستوي أو دستويفسكي مثلاً، ومحب المسرح يجد متابعة مسرحية، إلي جانب مقال عن الموسيقي، وآخر عن الأحياء.
وبعد كل ذلك نجد محمد مندور قد كتب ذات يوم".. لي أكثر من ثلاثين عاماً أؤذن في مالطة " لكنه لم يتخل عن واجبه، ففي اليوم السابق لوفاته أملي مقاله الأخير تحت عنوان "المثقفون وأزمات الضمير في مرآة المسرح" ونشرته مجلة روز اليوسف بعد رحيله بأيام في 24 مايو 1965.

د. حسين علي محمد
02-06-2007, 04:50 PM
انظر في "أزاهير":
....................
محمد مندور وتنظير النقد العربي
بقلم: سمـــــــــــــــير الفيــــــــل
..........
.
الرابط: http://www.azaheer.com/vb/showthread.php?t=18087

د. حسين علي محمد
02-06-2007, 04:51 PM
أعمال الدكتور محمد مندور المجهولة
.. متي تري النور؟
...................

أعمال د.مندور المجهولة.. متي تري النور؟ في الخامس من يوليو القادم تحل مئوية ميلاد الناقد الراحل الدكتور محمد مندور. في الوقت الذي استطاع فيه ابنه د.طارق الوقوف علي جانب هام من تراثه الذي كان مفقودا.. يقول د.طارق: قادتني الصدفة بعد أكثر من أربعين عاما علي وفاته إلي العثور علي الكثير من المخطوطات التي كانت ترقد في عمق الصندرة بمنزلنا وأهم هذه المخطوطات مخطوط كتاب فن القصة وكان ينوي طبعه وقد ذكر ذلك في حديثه مع الأستاذ فؤاد دوارة في ديسمبر 1964 في كتابه "عشرة أدباء يتحدثون" عن دار الهلال ومخطوط هام آخر هو محضر تحقيق النيابة مع الدكتور مندور في إحدي القضايا الكثيرة التي سجن بسببها لدفاعه عن الحرية وحقوق الوطن ووجدت مخطوطين لمسرحيتين غير مكتملتين من تأليفه الأولي باسم المفرد والجمع والثانية باسم "مأساة نفس" كذلك وجدت مخطوطا بعنوان أبحاث في الأدب وقد كتبه قبيل سفره إلي البعثة 29. 30 ومخطوط لمحاضرات المعهد العالي لفن التمثيل عام .58
عثرت كذلك علي تقرير باسم "التخطيط الثقافي" مرفوع للدكتور عبدالقادر حاتم وزير الثقافة كتبه قبل وفاته بفترة وجيزة. ويطرح فيه أفكاره العملية للتثقيف العام والدور الاستراتيجي للأجهزة الثقافية.
يضيف د.طارق: وجدت مخطوط ترجمة كاملة لكتاب "المدينة الإغريقية" تأليف جوستاف جلوتز ووجدت بعض المخطوطات في علم اللسان واللغة والكثير من الترجمات لأعمال شعرية عن الفرنسية والإنجليزية وترجمات عن اليونانية القديمة والكثير من الخطابات من وإلي مندور مع د.طه حسين ومصطفي النحاس ومصطفي عبدالرازق وكذلك مخطوط هام كتبه عقب عودته مباشرة من البعثة بعد أن أصبح البصر حديدا يناقش فيه ضمن ما ناقش فكرة استخدام الحروف اللاتينية لكتابة العربية.
ولعل من أهم المخطوطات التي وجدتها مخطوط لخمس عشرة محاضرة ألقاها د.مندور بمعهد الصحافة في العام الدراسي 1954/1955 بعد أزمة مارس 54 أي بعد اختفاء الصحف الحزبية وظهور صحف جديدة كجملة التحرير نصف الشهرية التي صدرت في سبتمبر ثم جريدة الجمهورية ديسمبر 53 ومجلة الثورة يوليو 54 وتبدأ المحاضرات بمحاضرة عن الصحافة ومقدماتها وكيف كانت سنة 1837 سنة فاصلة في تاريخ الصحافة ثم محاضرة عن صحافة الرأي وصحافة الخبر وتتوالي المحاضرات عن كافة جوانب الصحافة وعلاقتها بالرأي العام والسياسة والتوجيه الثقافي والأدبي وتنتهي المحاضرات بمحاضرتين أولاهما عن إصدار الصحف وتنظيمها أما الثانية فهي عن تنظيم الصحف وإدارتها وإن كان هذا المخطوط يعتبر مدخلا لفهم الصحافة وارتباطها بالواقع وتأثيرها فيه وتأثرها به فعلي الأرجح أن مندور قد أسهب في شرح مكونات هذا المخطوط أثناء محاضراته بما يتناسب مع تجربته الكبيرة منذ عشرينيات القرن الماضي حتي عام .1954
كانت بداية تعامل مندور مع الصحافة كتابات وطنية في صحيفة الحائط المدرسية بمدرسة طنطا الثانوية تندد بحكومة زيور التي خلفت حكومة سعد زغلول إثر مقتل السردار حتي أنه فصل من المدرسة فترة غير قصيرة قبل نهاية العام الدراسي "البكالوريا" عام 1925 والتحق مندور بكليتي الآداب والحقوق معا إلي أن تخرج منها عامي 29 و30 وأرسل في بعثته إلي فرنسا ومن هناك أرسل مقالات لمجلة الجامعة المصرية بداية من عام 1931 وأولها مقال عن حياة الشاعر الفرنسي فيني وأعماله ثم نشر له في مجلة الرسالة بداية من عددها الأول يناير 33 ترجمته لقصيدة بيت الراعي لألفريد دي فيني ومقالات أخري بمجلة الثقافة ونشر أيضا مقالات في الصحف الفرنسية ينتقد الحكومة الفرنسية لمعارضتها إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر ورد عليه وكيل وزارة الخارجية الفرنسية الذي كان يرأس وقتها الوفد الفرنسي في مفاوضات منترو وعقب مندور ونشر الوكيل تعليقا علي رأي مندور وعقب مندور بمقال مسهب وانتهي الأمر بموافقة الوفد الفرنسي علي إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر.
بعد عودته من البعثة عام 39 اشتغل بالتدريس بالجامعة إلي أن استقال منها عام 44 وانضم إلي أسرة تحرير جريدة المصري ثم عين رئيسا لتحرير جريدة الوفد المصري من فبراير 45 بجانب إصدار صحيفته الخاصة "البعث" في ثلاثة إصدارات أولها في 14/11/1944 ووصلت إلي العدد 12 ثم توقفت عن الصدور.
وبدأ الإصدار الثاني وعدده الأول بتاريخ 13/12/1945 إلي أن توقف بالعدد 16 إثر القبض عليه في 26/3/46 في قضية أقامها عليه صدقي باشا رئيس الوزراء ووزير الداخلية لكتابته مقالات تفضح صدقي لتهاونه بل تعاونه مع الإنجليز.
وبعد خروجه من السجن أصدر الإصدار الثالث لمجلة البعث وعدده الأول بتاريخ 25/4/46 ولكنها ما لبثت أن أغلقت إثر الحملة الكبري في 11 يوليو 1946 من صدقي باشا وإعلانه عن قضية الشيوعية الكبري حيث تم إغلاق 12 مجلة وجريدة والقبض علي 200 صحفي وكاتب.
ومن بين المجلات والجرائد التي أغلقت جريدة البعث وجريدة الوفد المصري اللتان كان يرأس تحريرهما وبعد ذلك رأس تحرير جريدة صوت الأمة وكتب الكثير من المقالات الأدبية والثقافية والسياسية في جرائد البلاغ وبلادي والأهرام والحوادث وغيرها وبعد 1952 كتب في مجلة الثورة وجريدة الشعب وجريدة الجمهورية وجميع المجلات المصرية والعربية السياسية والثقافية والأدبية وليس هنا مجال حصرها.
مقالات عن الصحافة
رأيت أن أضيف إلي مخطوط المحاضرات المذكورة ما كتبه د.مندور من مقالات عن الصحافة بشكل عام عبر حقبة الأربعينيات والخمسينيات وحتي منتصف الستينيات.
تبدأ هذه المقالات مع بداية عام 45 وقبل توليه رئاسة تحرير جريدة الوفد المصري بمقال بتاريخ 22/1/45 بجريدة الوفد بعنوان "الرأي العام" ويبين فيه أهمية الصحافة لتكوين الرأي العام المستنير ثم تتوالي المقالات عن مهمة الصحافة وحرية الصحافة وحقوق الصحافة وأنواع الصحف والصحفيين ومناقشة الإجراءات القانونية في التعامل مع الصحفيين ومناقشة الحبس الاحتياطي. وآفة الأخبار المضللة ومقالين عن حرية الرأي في مجالاتها ووسائلها.
هذه المقالات تكون مع المحاضرات رؤية الدكتور مندور للصحافة خلال حقبة تاريخية هامة من تاريخ الصحافة المصرية.
وفي النهاية يطرح ابن الناقد الراحل سؤالا هاما للمهتمين بالأدب والنقد وتاريخهم هل تستحق مخطوطات د.مندور المكتشفة أن تبحث وتنشر؟
.........................................
*المساء ـ في 26/5/2007م.

فرج مجاهد
03-06-2007, 12:42 AM
محمد مندور ابن مدينة منيا القمح بمحافظة الشرقية وتلميذ د طه حسين
ويعد د حسين على محمد من ابرز الاجيال التالية له فى النقد وهو ازاهيرى بارز

د. حسين علي محمد
04-06-2007, 09:53 AM
محمد مندور ابن مدينة منيا القمح بمحافظة الشرقية ، وتلميذ د. طه حسين
ويعد د حسين علي محمد من أبرز الاجيال التالية له فى النقد ، وهو أزاهيرى بارز
شكراً للقاص المبدع الأستاذ فرج مجاهد ..
مع تحياتي.

د. حسين علي محمد
18-11-2008, 01:22 PM
مقالات د. محمد مندور
" أساتذة وزملاء في حياتي "

بقلم: د. أحمد الخميسي
.............................

يضم كتاب " أساتذة وزملاء في حياتي " للدكتور محمد مندور نحو ثلاثين مقالا كتبها د . مندور في مختلف الصحف ما بين 1954- حتى 1964 ، ومقالا واحدا من مجلة الرسالة يعود تاريخه إلي عام 1945. وهي المرة الأولى التي تصدر فيها هذه المقالات في كتاب واحد. وينطوي الكتاب على أكثر من رسالة حب ، الأولى التي كان يبثها د. مندور بحكم تكوينه الإنساني والثقافي لينقل إليك في كل ما يكتبه محبة رجل كريم للحياة والتماس الأعذار لأخطائها والبحث على حد قوله عن : " مواضع القوة والاستبشار والثقة في زماننا " ، تشعر بذلك سواء أكان د. مندور يعرض لخطبة التاج لديموستين المدافع عن حرية أثينا ، أو حين يطالب الدولة بتكريم دريني خشبة ، أو عندما يشير لأساتذته في مدرسة طنطا الثانوية فيضعهم على قدم المساواة مع طه حسين من حيث تأثيرهم في نفسه ، أو عندما يكتب عن بلدته بمركز منيا القمح أو يقوم بتقديم زوجته الشاعرة ملك عبد العزيز. تتضح بقوة في مقالات ذلك الكتاب ما يسميه د. مندور " الذاكرة العاطفية " ، وهي جانب مما أشار إليه د. مندور تحت عنوان " المعدن النفسي " في مقاله عن مي زيادة. وكما أن رد الماء إلي عنصريه الأساسيين لا يفسر مذاقه ، فإن تفكيك طبيعة المعدن النفسي لعوامل أولى تاريخية وطبقية وثقافية لا يقدم تفسيرا مرضيا ، ذلك أن هناك شيئا آخر في كيمياء ذلك التفاعل يكسبه توجهه الذي يحكمه في صيغته النهائية. لقد ولد طه حسين وعباس العقاد في العام ذاته ( 1889) وعاش الاثنان طفولة على حافة الفقر وشبابا في ظروف تاريخية وتحديات واحدة ، فإذا بالعقاد يتحول من كاتب الشعب الأول الذي يشتري الناس الصحف بفضله إلي كاتب رجعي يقاطع الناس الصحف بسببه ! أما طه حسين فيظل محافظا على اعتداله واستنارته وتعاطفه مع هموم الشعب . ما العامل الحاسم في ذلك ؟ . كاتبان آخران هما سلامة موسى ( 1887) والمازني الذي ولد بعده بثلاث سنوات ، الاثنان من أسر متوسطة ، تعرفا إلي الثقافة الأوربية ، أحدهما ظل مخلصا لدعوته للعدل حتى وفاته ، والآخر اشتهر بأنه متشائم ساخر ، يائس من كل شيء ، وكل ما في الدنيا عنده " قبض الريح " . أعتقد أن د . مندور قد أصبح ما نعرفه ونقدره ليس بفضل جهده في تأسيس علم النقد الأدبي ، لكن وأيضا بفضل طبيعته النفسية التي جعلته لا يفصل على امتداد حياته بين دوره كناقد أدبي ، ودوره كمواطن يعتبر أن دفاعه عن الديمقراطية واجب حتى لو أفضى به إلي السجن، ودفاعه عن بلاده واجب يجعله يعتلي زعامة تيار الطليعة الوفدية المنشق على باشوات الوفد ، والتزامه بقضايا مجتمعه ضرورة حتى لو تعرض لاضطهاد حكومة إسماعيل صدقي ، وهذا تحديدا ما يسوق د. مندور إلي إنشاء المجلات ، وترسيخ مبدأ أن العلاقات الداخلية للعمل الأدبي تتضح على ضوء الصلة بين العمل ومحيطه الاجتماعي والثقافي في مقاله " النقد الأيديولوجي ". لهذا كله يقول د. مندور في نهاية مقاله عن أحمد لطفي السيد : " إن العلم بلا ضمير ما هو إلا خراب للنفوس" . ومن هذا الربط الوثيق بين دور المثقف ودور المواطن تشكلت قيمة د. مندور الكبرى ، وفي هذا الربط ظهر " معدنه النفسي " .
يضم الكتاب مقالين عن رائد لم ينل حقه الأول بعنوان " الرائد سلامة موسى " والثاني " سلامة موسى المفترى عليه " ، ويلفت د. مندور النظر إلي دور ذلك المفكر : " كرائد من أكبر رواد الفكر العربي المعاصر " ويعتبر د. مندور نفسه على حد قوله " من تلاميذ سلامة موسى ومحبيه " . وهناك مقال آخر جميل بعنوان " المنفلوطي أديب تقدمي " يعرض فيه د. مندور القضية التي عرفت باسم قضية السفهاء حين رجع الخديو عباس الثاني من رحلة ترفيهية عام 1897 فوزع البعض قصيدة على مستقبليه تهجو الخديو. ولم يعرف أحد إلي الآن مؤلفها ، لكن الشكوك حامت حول ثلاثة أدباء تم اعتقالهم ومحاكمتهم ! وكان مطلع القصيدة يقول :
قدوم ولكن لا أقول سعيد .. وملك وإن طال سيبيد !
وحاول الشاعر أحمد شوقي التغطية على القصيدة بأخرى مشابهة جاء في مطلعها :
قدوم ولكني أقول سعيد .. وملك وإن طال المدى سيزيد !
الكتاب ينطوي على رسالة حب أخرى مرسلة من د . طارق مندور لوالده العظيم ، حين جمع د . طارق تلك المقالات ونشرها في سلسلة " كتاب الثقافة الجديدة " لتكون رسالة لوالده أن محبته باقية ، وليؤكد لنا نحن أن الوفاء للراحلين قيمة إنسانية عطرة وعزيزة .

د. حسين علي محمد
25-05-2009, 03:41 PM
فؤاد قنديل:
قصور الثقافة تأكل حقوق مندور

تلقي "المساء الأدبي" الرسالة التالية من الروائي والناقد الكبير فؤاد قنديل.. تقول الرسالة: شيخ النقاد د. محمد مندور أبراز نقاد مصر والوطن العربي صاحب العطاء الكبير وأحد مناضلي الأمة الكبار الذي عاش مجاهدا دون أن ينال أدني حقوقه. وقضي أيامه بين السجن والمطاردة والظلم والتجاهل.. لايزال هذا الحال هو حاله اليوم وآخر التجليات التي تعودت عليه وتعود عليها. تمثل في التهام هيئة قصور الثقافة لمكافآته عن كتابه "في النقد القصصي" الصادر ضمن سلسلة "كتابات نقدية" منذ أغسطس عام 2008. والتهمت معه حقوق أولاده الذين سعوا عدة مرات للشئون المالية دون جدوي.
طلبت الهيئة كل الأوراق فحملوها إليها مع الابن الكبير الذي يلازم فراشه ولا يستطيع الحركة. ثم طلبوها مرة ثانية وثالثة دون جدوي. وأخيرا طلبوا أوراقا أخري لأن اسم أم الدكتور محمد المولودة قبل قرن ونصف القرن غير واضح. إلي أن اضطر ولده البار د. طارق مندور الذي قرر أن يعيد والده إلي الحياة بطباعة ما لم يطبع من أعماله.. اضطر إلي الاستسلام. عازما علي ألا يطلب مليما من الهيئة. فتكفي البهدلة وضياع الوقت ومصروفات الانتقال.
ولأني كنت المشارك له في أفكاره ومساعيه. فإني أكتفي بنقل الصورة إلي الرأي العام. لعلنا نجد من يهتم برجل لم يبخل علي الشعب المصري بذرة واحدة من وقته وعمره وفكره دون أن ينتظر أي عائد.
................................................
*المساء ـ في 25/9/2005م.