المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حسني سيد لبيب



د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:00 AM
حسني سيد لبــــــــــــيب
.............................

الاسم رباعيا: حسني سيد لبيب محمد
اسم الشهرة: حسني سيد لبيب
عضو: اتحاد الكتاب ـ رابطة الأدب الإسلامي العالمية ـ رابطة الأدب الحديث ـ نادي القصة بالقاهرة ـ نادي الأدب بقصر ثقافة الريحاني
تاريخ ومحل الميلاد: 18 من نوفمبر عام 1942م ـ بولاق أبو العلاء ـ القاهرة.
العنوان: 34 شارع الصديق أبو بكر ـ أرض الجمعية ـ إمبابة 12421 ـ مصر.
رقم التليفون: 3126661 ( القاهرة )
المؤهل العلمي: بكالوريوس هندسة كهربائية (قوى) ـ كلية الهندسة ـ جامعة عين شمس.
الوظيفة: رئيس قطاع سابق بشركة الحديد والصلب المصرية ـ بالمعاش حاليا منذ عام 2002م
**المؤلفات:
1. باقة حب: دراسة أدبية بالاشتراك مع الدكتور حسين علي محمد ـ القاهرة 1977
2. حياة جديدة: قصص ـ سلسلة "أصوات معاصرة" ـ الشرقية 1981
3. أحدثكم عن نفسي: قصص ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1985
4. طائرات ورقية: قصص ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 1992
5. كلمات حب في الدفتر: قصص ـ اتحاد الكتاب العرب ـ ط 1 ـ دمشق 1993
6. سبعون ألف آشوري: قصص مترجمة لوليم سارويان ـ دار الصداقة للترجمة والنشر والتوزيع ـ حلب 1994
7. ابن عمي ديكران: قصص مترجمة لوليم سارويان ـ دار الصداقة للترجمة والنشر والتوزيع ـ حلب 1994
8. الخفاجي.. شاعرا: دراسة أدبية ـ رابطة الأدب الحديث ـ القاهرة 1997
9. دموع إيزيس: رواية ـ مركز الحضارة العربية ـ القاهرة 1998
أعدها وأخرجها في قالب مسرحي: جمال فراج، بعنوان: "عودة نون" عام 2001م. ومثلت في بيت ثقافة النصر ببور سعيد. مثل دور نون "عادل منسي"، ومثل دور إيزيس "ماري مجدي"، ودور ست "عبد الرحمن موسى"، ودور نفرتاري "ماجدة صبري".
10. نفس حائرة: قصص ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ـ الإسكندرية 1999
11. مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي بين الإنصاف والمغالطة: بحث ـ مكتبة الملك عبد العزيز العامة ـ الرياض 1999
12. روائي من بحري: دراسة أدبية ـ سلسلة "كتابات نقدية" العدد 113 ـ هيئة قصور الثقافة 2001
13. اتجاهات القصة التونسية القصيرة: دراسة أدبية بالاشتراك مع الكاتب التونسي رشيد الذوادي ـ دار الإتحاف للنشر ـ تونس 2003
14. الكرة تختفي في الأعالي: قصص ـ سلسلة "أصوات معاصرة" ـ الشرقية 2005
15. رثاء الزوجة في الشعر العربي الحديث: دراسة أدبية ـ كتيب المجلة العربية ـ الرياض ـ العدد 113 ـ جمادى الأولى 1427 ـ يونيو 2006
16. رشيد الذوادي أديب من تونس: دراسة أدبية ـ دار الإتحاف للنشر ـ تونس 2006 ـ 108 صفحات
**الجوائز:
1. جائزة المقال من مجلة "صوت الشرق " ـ القاهرة 1978م.
2. جائزة القصة من "نادي شباب حلب" ـ حلب 1986م.
3. جائزة الرواية التاريخية من مكتبة الملك عبد العزيز العامة عن رواية "صقر الجزيرة" ـ الرياض 1999م.
**التكريم:
1. كرمته رابطة الأدب الحديث في 18 يوليو 2006م.
*شهادات التقدير من:
1. قصر ثقافة دمياط.
2. رابطة الأدب الحديث.
3. مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض عام 1999م.
4. نادي أدب قصر ثقافة الريحاني عام 2006م.
*أهم الصحف والدوريات التي نشر فيها نتاجه الأدبي:
يوالي نشر نتاجه الأدبي في الدوريات المصرية والعربية منذ عام 1963، منها الدوريات المصرية: الأدب، القصة، الرسالة (الإصدار الثاني 63/1965)، الثقافة، صوت الشرق، الشعر، المساء، الأهرام، أخبار دمياط.. والدوريات السورية: الأسبوع الأدبي، الموقف الأدبي، المعرفة، الثقافة.. والدوريات السعودية: الفيصل، المجلة العربية، القافلة، الخفجي، أحوال المعرفة.. والدوريات الكويتية: البيان، الرأي العام.. والدوريات اللبنانية: الأديب، الآداب.. والتونسية: الفكر، الصباح، العمل، الإتحاف، قصص.. والدوريات الإماراتية: الرافد..

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:02 AM
قراءة في مجموعة «موت قارع الأجراس»
---------------------------------------------

هذه مقالة نقدية كتبها الروائي حسني سيد لبيب عن مجموعة محمد جبريل الأخيرة «موت قارع الأجراس» ..
****
«موت قارع الأجراس»
مجموعة قصصية لمحمد جبريل

بقلم: حسني سيد لبيب
ـــــــــــــــــــ

لمحمد جبريل أكثر من ثلاث وعشرين رواية. ولم يحل هذا الإنتاج الغزير دون كتابة القصة القصيرة وإصدار تسع مجموعات، آخرها "موت قارع الأجراس"، تضم أربعا وعشرين قصة تتفاوت بين الطول والقصر، وتتعدد مستويات الرؤى والموضوعات. لاختيار عنوان المجموعة ـ وهو اسم إحدى القصص ـ دلالته، إذ يعكس همّ المبدع بالقضية المزمنة، قضية "فلسطين". يتفاعل الكاتب مع أحداث انتفاضة الأقصى، التي هزتنا جميعا، ولم يهتز لها العالم بالقدر الكافي، رغم دموية المحتل وجبروته، في التعامل مع شعب أعزل طالته الدبابات والطائرات، فطفق يدافع عن نفسه بصدوره المكشوفة ورءوسه العارية، يضرب مثلا للبطولة والتضحية والفداء. اهتز الكاتب لعمق المأساة، لكنه لم يشأ أن تحتد نغمة الآه المخزونة في حناياه، وإنما أطلقها من خلال حس الفنان المرهف، وتناول مشهدا من مشاهد الانتفاضة، عند محاصرة كنيسة المهد. يتحدث الكاتب بضمير الغائب لشخص لا نتبين ملامحه أو نتعرف على هويته. جعل الكاتب منه رمزا يفسره القارئ على هواه. يشبه ملاك الرحمة يأسو الجراح ويخفف الآلام. كما أنه من منظور آخر يقرع الأجراس منبها بالخطر، محذرا منه. هذا الشخص ربما نطلق عليه "سوبرمان" ينشكل في صورة ملائكية، يدفع نفسه جهة مجمع الكنيسة، فينزل على السطح الملاصق للبرج، ويطل على عشرات من الرجال والنساء والأطفال، وهم يتدافعون نحو الباب الحديدي لساحة الكنيسة. كما أنه يسدي النصح ـ أيضا ـ بترك السلاح، حتى لا تكون الكنيسة، بما لها من ثقل ديني مسرحا لعمليات قتالية. وهو أيضا بندس وسط المجموعات المتناثرة في القاعات والحجرات والردهات. ينزل المدرجات الرخامية لمغارة المهد، مسترخيا في مدخلها، متخيلا قدوم السيدة العذراء ويوسف النجار. كما أنه ملاك رحمة يغمغم بدعوات للشاب المريض بالصرع، يمد يده ويمسد رأسه فيهدأ. وحين دوى انفجار، وتحركت الدبابات، تنقل بين جوانب السطح، محدقا في الشوارع المفضية إلى الكنيسة، ويتجه إلى البرج. يقول الكاتب في سطور الختام : " امتدت يده ـ في وقفته ـ إلى الجبال المتصلة بالأجراس أعلى البرج. توالى هزه للحبال. علت الأجراس، واتسع صداها في فضاءات بعيدة. زاد من هز الجبال، فامتد قرع الأجراس. وضع قوته فيما يفعله.... ترد نواقيس الكنائس في امتداد المدن والقرى. يرتفع الأذان ـ كما حدث في مرات سابقة ـ من الجوامع وأسطح البيوت.... لم يفطن ـ في انفعاله ـ إلى الجدار المفتوح في جانب البرج، ولا إلى القناصة الذين رأوا من يحرك الأجراس، فصوبوا إليه رصاصهم".
أمام قسوة البطش وعمق المأساة، أمام الظلم الممتد لأكثر من خمسين عاما خلت، لم يجد الكاتب سوى قوة روحية ملائكية تأسو جراح الشعب المقهور. يتخيلها في صورة شخص أو ملاك يقرع الأجراس، يفيق الغافلين. هنا يتجسد قارع الأجراس في مخيلة المبدع آدميا يطلق عليه الرصاص، حتى يظل النائمون في غفوتهم!
قارع الأجراس يتمثله الكاتب بقواه الروحية أشيه بسوبر مان ينطلق في الأجواءء ويخترق الأمكنة. هو أشبه بالضمير الحي الذي ينصح ويهدي. هو شاهد عيان لما يلاحظ من انفلات وجبروت. قد يكون قارع الأجراس نذيرا بخطر محدق للكنيسة وما حولها. قد يكون ملاكا هابطا من السماء بالرحمة والهداية.
في القصة الأثيرة، جانب معرفي عن الكنيسة وطقوسها والمعالم المسيحية والإسلامية في بيت لحم. متوددا إلى القارئ كي يتعرف معه على جغرافية المكان، أو يسرد بعضا من فصول التاريخ القديم، أو يلتقط بيراعه اليقظ جوانب اجتماعيية مهمة. وهي متعة أخرى يحققها النص الأدبي، وأعتبرها عنصرا أساسيا من جمالياته.
هذه الشخصية المحورية التي تأسس عليها النص، نتتبعها ونتعرف عليها من خلال مجموعة من الأفعال، أو الفعل الإيجابي، وسط مجموعة من الفلسطينيين ونشطاء السلام، اتخذوا من كنيسة المهد ملاذا آمنا، فحاصرتهم قوات البطش الإسرائيلية، فأصبحوا جميعا رهائن.. رجال الكنيسة والأهالي الذين احتموا داخلها.. لا تقدر الرهائن على فعل ما، أو تقوى على درء خطر محدق. وجاءت هذه الشخصية فحفظت التوازن النفسي، من خلال رؤية الكاتب بأن ثمة رحمة تلوح في الأفق، تسبغ ظلها على هؤلاء المحتجزين..!
نلمس الجانب المعرفي ـ أيضا ـ في قصص مستوحاة من رحلاته إلى عُمان ( قصتا : "الوحدات" و"البيت الفرنسي" )، وتونس ( قصتا : "سندس" و "القرصان" )، وسوريا (قصة : "الكسوف" ). وهو يقر، من خلال هذه الكتابات، أن كل ما يراه أو يعيشه المبدع قابل للكتابة. وهي قضية قابلة للمناقشة والبحث.
وقصة "الوحدات" عن مخيم فلسطيني بهذا الاسم، يقيم فييه صديق الراوي في عُمان. تبين القصة مدى الضياع الذي يواجه فلسطينيا يحمل وثيقة إقامة، ولا يملك حرية التنقل.
عن دنو الأجل وإرهاصات ما قبل الموت، تتحدث قصة "العنكبوت". يتبدى الموت للأب الذي تجاوز الستين في صورة عنكبوت فيدعو من حوله أن يطاردوه ويزيلوا خيوطه. لكن من حوله لا يروْن ما يراه..!
وفي قصتيْ "البيرق" و "العراف" يحدثنا الكاتب عن الغيبيات التي تؤدي إلى الانفصال عن الواقع، وتودي بصاحبها إلى التهلكة.
تحتد نبرة الكاتب وهو يتحدث في قصة "الزيف"، عن زيف الشعار وزيف التعبئة الكلامية الانفعالية. إذا نزعنا قناع الزيف، يتبدى عمق المأساة العربية. كما تحتد النبرة ـ أيضا ـ في قصة "الخيمة" بما كتبه عن آفة التراخي والاستكانة. وفي قصة "العراف" تحتد النبرة في الحديث عن الخيانة تنخر كالسوس في عصب الأمة.
من القصص التي تتميز بالقيمة الجمالية، قصة "ونس"، التي تتحدث عن زوجين قصدا شاليها خاصا بهما بالعجمي، في عز الشتاء، إيثارا للهدوء والعزلة!.. لكنهما ضجرا من الصمت المطبق، فإذا ما تبين لهما شعاع ضوء يبين من أسفل الباب المغلق، سرى الدفء التلقائي في قلوبهم، ووشت موسيقى خافتة وضحكات عن وجود بشر!.. فتهمس الزوجة لزوجها : "هل نطرق الباب؟". حاجة الإنسان إلى الونس تفوق حاجته إلى الهدوء. هذا ما تقوله القصة بشفافية وإيحاء مؤثر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* صدرت عن سلسلة (أصوات أدبية) ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ العدد 329 ـ نوفمبر 2002 ـ 192 صفحة.

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:03 AM
"كلمات حب في الدفتر"

قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
............................................

ارتعشت يده. غار قلبه. أحب أن يعبث بحاجيات عفاف. ماذا يحوي هذا المكتب الصغير ؟ حرص على أن يلج باب غرفتها دون أن يسمع له صوت، رغم أن البيت خال. تردد. حملق في الصورة التي يحيطها إطار مذهب، كأنه إكليل يتوج العروس. رنا إلى الصورة.. ابتسامة حانية ونظرة ملائكية، وشعر منسدل على الكتفين كالليل الدافئ. اقتعد كرسيها. ذعر. ارتعد. تدخل فجأة. تبتسم. تتكئ بمرفقها على المكتب، تسند وجهها على كفها. الإبهام والسبابة يرسمان الرقم سبعة. الابتسامة تزغرد في العينين.. " ما شأنك بحوائجي؟.. ولِمَ تتدخل في حياتي الخاصة ؟ ". يحملق في الفراغ الذي حوله. قبضة يده تخبط المكتب بقوة. شعره الهارب إلى الوراء تاركا جبهة أعرض، يقشعر. يكفهر وجهه. أيرد عليها ؟ ماذا يقول ؟ مفتاح المكتب قابع في يده المرتعشة. يتوسل إلى الصورة التي تشاغله. ماذا يحوي المكتب من أسرار ؟ يود أن يستكشف عالمها الخاص.
في الصبا، كانا يتشاجران لأتفه الأسباب، الأخت الشقية كبرت.. عفاف كبرت. تكور النهدان، واتسق القد. جرى ماء الأنوثة في جسدها، لكنها أبدا ظلت عفيفة طاهرة، خفيفة الظل، رشيقة القوام، رائعة الجمال. شعرها يتبدل من حال لحال. يبدو كالليل الدافئ حين يشرق محياها بالابتسام، ويبدو كالموج الصاخب حين يغلف ملامحها الشجن.
المفتاح يا رفعت في يدك، ماذا تنتظر ؟ لماذا أنت خائف ؟ ألأنك لم تستأذن ؟ أم لأنك وحيد، والبيت خال ؟ الأم تعزي إحدى الجارات، والأب في العمل، وأنت وحدك. اعترتك رغبة غامضة في المكوث بالبيت. قد تكون إجازة استجمام من رتابة العمل. لكنك تحفزت منذ المساء كي تفتح المكتب، وتتعرف على محتوياته. لا تخف من عفاف. عفاف بنت طيبة. أنت تعرف طبعا هذه الطيبة. كثيرا ما يدب الخصام بينكما. لكنها في النهاية تحطم عنادك، وإصرارك على القطيعة، وتجبرك على التحدث معها.. فلماذا أنت خائف ؟ هي أختك الطيبة، وعليك أن تتعايش مع عالمها الخاص.
يضع المفتاح على المكتب. يرجع بجذعه إلى الوراء. يحملق في سقف الغرفة. يتحسس الجبهة العريضة, صداع يحفر الألم في رأسه. يفرك الجبهة بأنامله. في عينيه غشاوة. تبدو الغرفة كما لو أن الضباب قد تكثف في أنحائها. الغرفة هادئة هدوءا غريبا. ينهض عن كرسيه. يتمشى في الغرفة جيئة وذهابا. النظرات مثبتة على المكتب المغلق، يستفزه السر الكامن. إنه متردد، والمفتاح مصلوب على المكتب!
تنجذب عيناه إلى ملف أحمر يعلوه التراب، موضوع على كرسي صغير بجوار المكتب، يتناول الملف. ينفض التراب عن غلافه. يفتحه. مكتوب في وسط الصفحة الأولى ( بسم الله الرحمن الرحيم ). يقلب الصفحة. يقرأ العنوان ( قالوا عن الحب ). كلمات قيلت هنا وهناك، جمعتها بمهارة وذكاء. إنه خط عفاف مائة بالمائة. هذه النون المقلوبة، وتلك الميم ذات الدائرة الضيقة المنمنمة، مكتوبة بخطين مختلفين حسبما يحلو لعفاف أن تكتب الميم. فهي حائرة بين أن تشبك بدائرتها الصغيرة خطا أفقيا، أو تُلوَى بخط رأسي. إنه خط عفاف. يشرد. هل عرفت عفاف الحب ؟ هل أحبت ؟ أم هي كلمات سطرتها خيالات المراهقة ؟ كيف تخونه ؟ هذه خيانة. إنه يعلم أنها لم تعرف الحب قط. في كل أحاديثها معه، لم تتطرق إلى كلمة الحب. هذه كلمة منبوذة، مهجورة.. لم يألفها مجلسهم العائلي.. اللهم إلا حب الوالدين والناس. أما الحب بين الجنسين فأمر مهمل.
يشعل لفافة دخان. وينفث الدخان من صدره كأنه يزيح عبئا ثقيلا. سألته خطيبته ذات مرة :
ـ أتحبني ؟
ابتسم ساخرا :
ـ لست أؤمن بالحب.
ـ تكرهني إذن..
ـ لا.. أخلص لك. لكني لم أفكر قط في أن تكون لي علاقة غرام بامرأة.
ـ لكني خطيبتك..
ـ وزوجة المستقبل.
ـ وحبيبتك..
صمت. لم يتعود على لغة الغرام. متزن هو. متعقل. يتراءى له الحب كعملة صدئة في سوق العلاقات العامة. قد يكون مخطئا، لكنه يكره النفاق. اختلطت كلمة الحب في ذهنه بكلمات النفاق والمجاملة والمداهنة. قطع الصمت وقال :
ـ يكون الحب بالسلوك والمعاشرة والتفاهم.. ليس الحب كلاما فحسب.
جال هذا الحوار بخاطره، وهو يتلو كلمات الحب المأثورة، المكتوبة بخط عفاف العفيفة الطاهرة. بنت شقية هي، وذكية. لم تنطق بكلمة الحب أمامه، لكنها ضمتها تلك الكراسة التي تستأمنها على مشاعرها. ألا تدري أن يدا سوف تعبث في الخفاء ؟ ألا تعرف أن رفعت سوف يقرأ ما تكتب ؟ ويبتسم لهذا الخاطر، لكنها ابتسامة حزينة باهتة!
في الصفحة المقابلة يقرأ رأي أخته في الحب. إنه أسلوبها، وتلك أخطاؤها النحوية. تبدأ هذه السطور.. " يجب أن نزرع الحب في قلوب الناس ". تشده العبارة، فيستغرق في القراءة.
وفي الصفحة التالية قصيدة غزلية لنزار قباني، منقولة بخط منمق، يقرأ كلمات غزل في نهدي المرأة.. أواه !.. عفاف تقرأ مثل هذه الكلمات، وتكتبها أناملها الرقيقة! المفاجأة تذهله، تزيد من حدة الصداع. عينا عفاف تنظران إليه من خلال إطار الصورة، هما عينان كحيلتان، عينا فتاة رشفت من كأس الحب. المشهد يتجسد أمامه.. كان حبيبها ينتظر عند باب الكلية كل يوم. مواعيد المحاضرات غير منتظمة، والرقابة غير مجدية، والحجج كثيرة. لا تستطيع قوة أن تمنع انتشار الحب. ليس في مقدوره أن يمنع عفاف من ارتشاف الحب. الشعر الأسود المنسدل على كتفيها يبدو كنقاب يرفع عن وجهها، فيتعرى الوجه الصبيح.
يضيق بوقفته. يجلس. يضع الكراسة على المكتب. يشرد. تختلط المعاني داخل رأسه.
عاد يقلب صفحات الكراسة. ذكريات أم كلثوم منسوخة في صفحة كاملة. وفي صفحة أخرى يقرأ عن ( عجائب الدنيا السبع ). ثم يعثر على قصاصة ورق من إحدى المجلات، تتضمن تفسير آية قرآنية. تهدأ الزوبعة. يثق بأخته.
عروس طاهرة. عفيفة. ترفل في ثوب الزفاف الناصع البياض. الطرحة بيضاء، والابتسامة عذراء، والزفة موكب نور. إنه ينتظر هذا اليوم. تزف عفاف أولا، ويؤخر زواجه. تشنف أذنيه دقات الدفوف، ينتشي بمراسم الزفة. أخته كالشعاع الأبيض يضفي على البيت سحرا عميق الأثر. أمه فرحانة، مبسوطة. أبوه هادئ، وقور.
سوف ينقشع الليل الأسود البغيض. سوف يدفن الماضي. فليستبشر خيرا. أرادوها نكدا. غيروا الزفة، أجبروه على السير في سكة غبراء. لا.. عفاف أخته، وسيفرح لها، قريبا إن شاء الله‍! غدا. اليوم. اللحظة. الجو بارد. الصورة ترنو إليه، كأنها تستعطفه. يود أن يبكي، أحيانا تغسل الدموع همومنا.
يعود إلى الكراسة، إلى كلمات الحب التي أشرقت من جديد. يقرأ رسالة كتبتها أخته، لحبيب القلب طبعا. كتبت " حبيبي… ". والاسم مطموس بخطوط متقاربة. يحملق. تجهد عيناه. لن يستطيع قراءة الاسم. الاسم مطموس تماما. لا فائدة من المحاولة. ليكن أي رجل. المهم أنها عشقت رجلا، عرفت الحب، آمنت به. في كلماتها إشراقة ونقاء. يحملق في الصورة. يشرد في البعيد. حالا تجئ، وتتوسل. ها هي ترفل في ثوبها الأنيق. تزرع ابتسامة حب خضراء.. " والنبي يا رفعت، لا تزعل مني. شاب طيب، وسيتزوجني ". يبتسم. يعود إلى الكراسة بعد أن احتضن الفراغ الهائل الذي احتواه. تريدين أن تصبحي مؤلفة يا عفاف، وتكتبين عن الحرية أم تبحثين عن الفوضى ؟
يقرأ قصيدة تتغنى بحب مصر. ثم كلمة كتبتها عن صديقاتها. كتبت عن صديقاتها، كتبت أسماءهن. ثم ينجذب إلى مقال قصير، مكتوب عنوانه بالأحمر القاني.. ( الحب والموت ). كتبت عن الحب والموت، وربطت بينهما، مزجت بين المعنيين.
يفيق على صوت رنين الهاتف. تلومه خطيبته على تغيبه. تخاصما منذ أسبوع. كان عنيدا، متشبثا برأيه. تحاول أن تغير من طبيعته. يعتقد أن الرجل صاحب الرأي، وينبغي ألا ينصاع إلى مشورة امرأة. ولكن شيئا ما، تغير في نفسه الآن. لا يدري ما هو ؟ لكنه يشعر بجبل الكبرياء يتحطم، ويتهاوى. ينتشي بصورة خطيبته التي انتشلته من الجب الذي وقع فيه. كان رقيقا معها. وخيل لها ـ لفرط دهشتها ـ أن الصوت ليس لرفعت، وإنما صوت ملاك هبط من السماء!
يعود منتشيا بعد المكالمة. يتذوق الكلمات. بعض الجمل يعيد قراءتها.. ( الحب والموت).. معاني جديدة تطرأ على ذهنه، وكأن عفاف فيلسوفة. عبارة مبهمة تقول : " قد يفضي الحب إلى الموت، وقد يفضي الموت إلى الحب ".. ثم عدة نقط، كأنها آثرت أن تكتم السر في أعماقها.
يخشى أن تجئ وتسأل عن رأيه ـ هكذا ظن ـ فيرتج عليه القول. يمسك بالقلم ويتفكر فيما ينبغي أن يقول. ينتقي صفحة خالية في آخر الكراسة. يكتب :
" أختي عفــاف .. أعجبتني الكراسة، لكن كلمات الحب… ".
لم يستطع أن يكمل. يتردد. يرتعش القلم بين أنامله. يحس ببرودة تلفح وجهه. يخشى أن تصاب عفاف بنوبة برد وهي نائمة. يقف. يخطو. يقترب من الفراش. يسحب الغطاء. يدثر الساقين العاريتين، ليصون عفافه.. وما احتضن الغطاء إلا الفراغ!
الفراغ هائل، مارد.. والصمت رهيب، كئيب..
يعود إلى الكراسة. يشطب ما كتب. يطمس الكلمات. ثم يرنو إلى الصورة. يستعطفها كي تغفر إساءته.
يتملى فيما طمس من كلمات. يجد الصفحة مشوهة. سوف تغضب عفاف من هذا الافتراس الهمجي لمشاعرها. يقطع الورقة بحيث لا تؤثر على أناقة الكراسة.
يضع الكراسة في مكانها داخل الملف. يعيد الملف إلى مكانه فوق الكرسي الصغير. يتناول المفتاح. يرتعش المفتاح بين أنامله. ينظر إلى الصورة مليا، ثم إلى الفراش الخالي!
وفي معبد الصمت العريق، يتناهى إلى سمعه صوت هامس، ملائكي النغمة.. حبنا أقوى من الموت.. حبنا أقوى من الموت.
وظل المفتاح مصلوبا بين أنامله..
ولا يزال الفراش خاليا..
والصورة تتألق، تزهو، تشع نورا في وجدانه.
.................................................. ...................
* مجموعة قصص : " كلمات حب في الدفتر " ـ ط 1 ـ اتحاد الكتّاب العرب في دمشق ـ عام 1993م ـ ص 131 / 144.
( يونيو 1975 )

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:04 AM
قراءة في قصة «كلمات حب في الدفتر» لحسني سيد لبيب

بقلم: أ. د. حسين علي محمد
.......................................

عرفتُ الصديق الأديب حسني سيد لبيب منذ إحدى عشرة سنة حينما قرأت له قصة قصيرة في مجلة " الآداب " البيروتية عنوانها " شيء أخضر ".. كانت كلمات القصة تنساب في بساطة متناهية، وتقول شيئا ما في فنية وفي وضوح.
ومن يومها وأنا أتابعه في قصصه وفي مقالاته النقدية وخواطره المضيئة التي هي أشبه ما تكون بأسلوب التلغرافات : قصيرة ومركزة.. وحسني ينشر الآن كتاباته باستمرار في ثلاث مجلات هي : (صوت الشرق )، و ( الأديب ) اللبنانية، و(الآداب) أحيانا.
وكان ينشر مقالاته النقدية في مجلة "الأدب" التي احتجبت منذ عشر سنوات بعد وفاة أستاذنا أمين الخولي، رحمه الله.
وسوف نقدم حسني من خلال قصة قصيرة هي "كلمات حب في الدفتر".
القصة بسيطة، والحدث فيها بسيط.
إن ( رفعت ) يعبث في دفتر أخته ( عفاف ) فيجد كلمات حب متناثرة في صفحات كراستها، ويذهل رفعت، هل من الممكن أن تحب ( عفاف ) شخصا ما ؟
وتحدثه خطيبته في ( التليفون ) بعد خصام دام أسبوعا، فيعود يقرأ الكلمات وهو يتذوقها من جديد ويكتب في صفحة بيضاء في ذيل كراسة عفاف : " أختي عفاف : أعجبتني الكراسة، لكن كلمات الحب.. " ولكنه لم يستطع أن يكمل عبارته ويطمس الكلمات.
ثم ـ أخيرا ـ يقطع الورقة حتى لا يؤثر على أناقة الكراسة.
هذه القصة البسيطة تذكرني بقصة ( في ضوء القمر ) للقصصي الرائد : جي دي موباسان التي نرى فيها ( قسا ) محافظا لا يعترف بعاطفة الحب، يتناهى إلى سمعه أن ابنة أخته تحب، تلك التي رباها على الفضيلة. ويخرج في الليل ليراقب الفتاة مع حبيبها، ولكنه يجد القمر الوديع يسبح في الفضاء، وتعتريه هزة مفاجئة في لحظات صفاء فوق العادة ويسأل نفسه : لماذا خلق الله القمر ؟ ألم يخلقه للمحبين كي يستمتعوا بنوره ؟.. ويذهب إلى ابنة أخته وحبيبها كي يبارك حبهما، ويدعو لهما بالسعادة.
كان من الممكن أن تكون قصة صديقي حسني سيد لبيب في مثل روعة قصة "جي دي موباسان " لو أنهاها عند الكلمات التي كتبها رفعت في كراسة عفاف وإحساسه المبكر بعظمة الحب وروعته، وأن يرضى لها الحب ـ ولا يمقته ـ ذلك الذي شعر به وتذوقه بعد قراءة كلماتها المعطاءة.
لكن قصة حسني فيما أرى أرادت أن تكون رمزية : فاسم البنت ( عفاف ) أي أنها ( رمز العفة وربة الصون ) واسم أخيها ( رفعت ) رمز الرفعة والسمو عن العواطف. أما من ناحية الكلمات فهي رمزية في القصة تفتح كنوزها عن عالم شعري العطاء.
واقرأ معي ـ يا صديقي القارئ ـ هذه السطور الأخيرة التي كتبها حسني، بعد أن كتب رفعت سطوره في كراسة أخته عفاف، ولاحظ أن الكلمات تحمل شحنات مكثفة من القدرة على التعبير السخي، فكأنها مثمنات بللورية تتساقط عليها الأشعة من كل جانب.
يقول حسني سيد لبيب : " أختي عفاف.. أعجبتني الكراسة… لكن كلمات الحب..". لم يستطع أن يكمل ـ يتردد ـ يرتعش القلم بين أنامله.. يحس ببرودة تلفح وجهه.. يخشى أن تصاب عفاف بنوبة برد وهي نائمة. يقف. يخطو. يقترب من الفراش. يسحب الغطاء، يدثر الساقين العاريتين، ليصون عفافه، وما احتضن إلا الفراغ.. الفراغ مارد هائل. والصمت رهيب كئيب ".
هل أنثر هذا الجزء من القصة وأتحدث عن البلاغة فيه وأقول على عادة شرّاح الكتب المدرسية : إن عفاف لم تكن في البيت، وإنه بهذا الأسلوب يصور شعور رفعت وخوفه من أن يصيبها بكلماته.. كما لو كان يعريها من الأغطية في ليل الشتاء !!
لعلك ـ يا عزيزي القارئ ـ لاحظت معي أن أدنى شرح يفقد هذا الأسلوب الرائع قدرته السخية على العطاء.
أريد ـ فقط ـ منه أن يخفف جملة "وما احتضن إلا الفراغ" فهذه القصة تتحدى فهم القراء.. وكأنهم لا يفهمون الأدب ! ولهذا ـ في رأيي ـ أسقطت قصته من حالق !
شئ آخر ـ غير الرمز ـ شارك في نجاح هذه القصة، هو أسلوب كتابتها الذي أعتبره يضيف إضافات باهرة لقصص حسني سيد لبيب الموباسانية الشكل والأسلوب.
اقرأ معي ـ يا عزيزي القارئ ـ هذه الفقرة في بداية القصة، ولاحظ معي أن حسني سيد لبيب يستخدم فيها بوعي وذكاء شديدين أسلوبا من أساليب القصة الحديثة.. وهو الأسلوب المسمى " بتيار الوعي " :
" ارتعشت يده.. غار قلبه.. أحب أن يعبث بحاجيات عفاف. ماذا يحوي هذا المكتب الصغير ؟ حرص على أن يلج باب غرفتها دون أن يسمع له صوت، رغم أن البيت خال. تردد. حملق في الصورة التي يحيطها إطار مذهب، كأنه إكليل يتوج العروس.
رنا إلى الصورة.. ابتسامة حانية.. ونظرة ملائكية.. وشعر منسدل على الكتفين كالليل الدافئ. اقتعد كرسيها. ذعر. ارتعد. تدخل فجأة. تبتسم. تتكئ بمرفقها على المكتب. تسند وجهها على كفها.. الإبهام والسبابة يرسمان الرقم سبعة. الابتسامة تزغرد في العينين. " ما لك وحاجتي ؟ ولم تتدخل في حياتي الخاصة ؟!!.. يحملق في الفراغ الذي حوله.. قبضة يده تخبط المكتب بقوة.. شعره الهارب إلى الوراء تاركا جبهة أعرض. يقشعر. يكفهر وجهه. أيرد عليها ؟ ماذا يقول ؟ مفتاح المكتب قابع في يده المرتعشة. يتوسل إلى الصورة التي تشاغله. ماذا يحوي المكتب من أسرار ؟ يود أن يستكشف عالمها الخاص.. ".
بقي شيء نقوله في هذه القصة، وهو أن هناك بعض التعبيرات ـ رغم صحتها اللغوية ـ إلا أنها في صياغتها الحالية تحتاج إلى تعديل مثل قوله : يستفزه السر المكمون ".. وكان في إمكانه أن يقول : "السر الكمين ".
وعموما فإن قصة «كلمات حب في الدفتر» للصديق حسني سيد لبيب، قصة جيدة لكاتب واعد نرجو أن نستمتع بكتاباته وإبداعه دائما. ونرجو أن يأخذ موقعه على خريطة القصة المصرية القصيرة.
[نشرت في مجلة "صوت الشرق"، القاهرة، عدد مايو 1977م]

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:04 AM
قراءة في «كلمات حب في الدفتر»

بقلم: أ.د. خليل أبو ذياب
.......................................

تخرج علينا المطابع العربية كل يوم بإصدارات متنوعة وعديدة، خاصة فيما يتعلق بالقصة القصيرة ـ هذا الفن الأدبي الرائع الممتع ـ بيد أن قلة من تلك القصص وثلة من أولئك القاصين هم الذين يستوقفون القارئ ليتركوا انطباعات متميزة، ويرسموا في عقله ملامحهم الفكرية. ذلك أن هذا الفن / القصة القصيرة مغلف بغلالة صفيقة من المراوغة تجعله يبدو لكثير ممن يتعاطونه سهلا ميسورا مجردا من كل أثر للصعوبة والعنت، فما هي إلا أن يمسك بالقلم، ويشرع في الكتابة حتى دون تخطيط مبدئي للحدث والفكرة والشخوص، وما هي إلا كلمات محدودة تسرد شيئا ما حتى تستوي في وهمه قصة قصيرة أو أقصوصة يجد في نفسه إلحاحا بالغا على نشرها، ونزوعا جارفا لاطلاع الناس عليها، أو رؤيتها ممهورة باسمه. وهو هنا يتجاهل أمرا مهما يتمثل في تقنيات القصة القصيرة التي ينبغي الالتزام بها، ويستخف بذوق القارئ ووعيه دون أن يخطر في وهمه أن هذا الأمر لن يعود عليه إلا بالخيبة والفشل.
ومن هذا ينبغي على مبدعي هذا اللون الأدبي الجميل أن يولوه قسطا أوفر من عنايتهم، ويحرصوا على تقديمه في صورة فنية متكاملة ليحققوا لأنفسهم قدرا مناسبا من الإبداع، فيحظوا بقدر مناسب من الشهرة والذيوع. وقاصنا الأستاذ حسني سيد لبيب، كما يظهر في مجموعته القصصية التي اطلعنا عليها، يمكن أن يعد نموذجا طيبا لمبدعي هذا الفن / القصة القصيرة، الذين وعوه بعمق، وتمثلوه بوضوح في إبداعهم. وهذه المجموعة التي بين يديك أيها القارئ العزيز التي تحمل عنوان إحدى أقاصيصها " كلمات حب في الدفتر " أبدعها ببراعة هذا القاص المتميز الذي ينتمي إلى جيل السبعينيات بكل طموحاته وآماله ومعاناته وآلامه وواقعيته، تمثل شرائح متنوعة التقطها من واقعه ومجتمعه، عايش همومها وآلامها ومعاناتها ومشكلاتها، ووعى آمالها وطموحاتها وأحلامها فاندفع يجسد ذلك كله عبر أحداث أقاصيصه على ألسنة شخوصها محاولا جهده وضع حلول مناسبة لمشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية..
وتحتوي هذه المجموعة اثنتي عشرة قصة، تعالج كل قصة منها حدثا خاصا وتتناول مشكلة معينة، ولكنها تلتقي جميعا في النهاية لتمثل المجتمع المصري البسيط المتواضع الذي عاشه القاص واقعا متميزا، أحسن التقاط أحداثه وانتقاء شخوصه إحسانا ظاهرا. فعلى المستوى الاجتماعي وما يثور فيه من مشكلات أسرية نجد "اقتفاء الأثر " / 2 تجسد مشكلة الخلافات الأسرية التي لا يخلو منها بيت، ولكنها هنا لا تراعي العشرة الطويلة وتسقطها من حسابها في سبيل تحقيق وهم الحب من قبل الزوجة ومحاولة الزوج / الأستاذ البحث عن الاستقرار النفسي والأسري مع أم إيناس وتقابل هذه القصة قصة " الطفل والعربة الصفراء " التي تصور خروج أو طرد الزوج من البيت الضيق المكون من غرفة واحدة، تحت إصرار الزوجة على بيت من غرفتين على الأقل، كما تلقانا في القصة الثانية مشكلة فتاة الجينز ومفهومها الخاص للحرية الشخصية المغاير لمفهوم والدها. وقصة " ماسح الأحذية " / 5 تحاول تحقيق الذات المسحوقة ولكنها بكل واقعيتها تنتهي بتكريس حقيقة التمايز الطبقي وأن كل ما يبدو ليس أكثر من تمثيل في تمثيل كما تركت الأوضاع الاقتصادية المتردية بصماتها على كثير من القصص، فـ " الصندوق " / 1 تنطلق أحداثها من مشكلة السكن التي يعاني منها الشباب المقبلون على الاستقرار الاجتماعي، والرغبة في الحصول على سكن مناسب فضلا عن الضائقات المالية التي كانت تعصف بالأسرة والتي كان الصندوق يجسد الأمل في الخلاص منها. وكذلك جاءت " الورقة الضائعة " / 4 تجسد مشكلة الفقر لدي الطبقة الدنيا من طبقات المجتمع ومشكلة الجمعيات الاستهلاكية التعاونية.. وكذلك حكاية الموظف أنور وعجز الراتب عن تحقيق التوازن بين الواردات / الدخل والنفقات في قصة "حكاية ورقة نقدية " / 3 التي تعالج مشكلات هذه الطبقة الفقيرة في شخوصها الأخرى " المومس والعجوز والراقصة " بازاء طبقة القطط السمان الجزار والمعلم حسب الله والثري المتصابي الباحث عن اللذة المحرمة مع عشيقته…. وعلى المستوى الأخلاقي نجد القاص الفاضل يرصد في بعض أقاصيصه طرفا من الممارسات الأخلاقية المنحرفة كما في " الصندوق " / 1 الذي احتفظ على مدى خمسة أجيال زهاء قرن ونصف من الزمان.
وفي " حكاية ورقة نقدية " / 3 يعرض لمستويين من هذه الممارسات الخلقية : المستوى الشعبي / طبقة الشعب / فهمي والمومس، والمستوى الرأسمالي / الجزار والراقصة، والثري والعشيقة، والذين ترددت بينهم الورقة النقدية، لتكون نهايتها المفجعة بحرقها لإشعال لفافة تبغ بين شفتي غانية لعوب. وهي ممارسة أخلاقية متميزة وشائعة تلقانا في أحداث كثيرة مشابهة. وعلى المستوى النفسي تلقانا في قصة " الخاتم " / 8 مشكلة الفراغ الجنسي كما تلقانا مشكلة الفراغ هذه في محاولة الأستاذ تعويض ما افتقده من حنان الزوجة والابنة عن طريق الزواج من أم إيناس في قصة " اقتفاء الأثر " / 2. أما " كلمات حب في الدفتر " / 10 فقد أعادت التوازن النفسي لرفعت وزرعت الحب في نفسه من خلال كلمات الحب التي دونتها أخته عفاف في دفترها، فردته إلى خطيبته ردا جميلا، كما نجد هذه الظاهرة في قصته " عاشقة الضوء " / 11 التي احتملت كل ألوان العناء صامدة أمام مختلف محاولات الإغراء الجامحة في انتظار الحبيب الغائب. و " ناني الغالية " / 9 تجسد أثر الشائعات والأقاويل والافتراءات في إفساد العلاقات الحميمة بين الخطيبين. ويبدو أنه لعناية القاص الفاضل بهذه القضايا والمشكلات التي كانت تشكل بالنسبة له هاجسا خاصا وهما اجتماعيا بالغا في وجدانه صرفته عن الهم السياسي، أو حجبت عنه رؤيته، وكأن الوضع السياسي المصري على الأقل لم يكن يعنيه كثيرا أو قليلا… ولا نظن أن " الرداء الأحمر " / 12 يمكن أن تشفع له أو تفسد هذا الرأي برغم كونها قصة رمزية الأحداث والشخوص تجسد شهوة الحكم والتشبث بالملك والسلطان وما قد يفضي إليه من سفك واسع للدماء… ذلك أن الهم السياسي أعمق من أن يعالج بمثل هذه القصة إلا أن يكون القاص الفاضل يؤمن بالتخصص في مجالات الإبداع أو أن يكون إبداعه في هذا المجال لم نطلع عليه…
وكما أبدع القاص في عرضه قضايا مجتمعه الواقعية ومشكلات أبطال قصصه وشخوصها المتنوعة، فقد حقق التكامل الفني لكثير من قصص المجموعة من حيث الأحداث المؤثرة والشخوص المتنوعة المحورية الرئيسية منها والثانوية الهامشية وما حرص عليه من تحليل دقيق لكثير منها.. كما يلمس القارئ لهذه المجموعة دقة الحبكة وروعة السرد وانسيابية القص وسهولة التعبير وتنامي الأحداث وتطور الصراع وطبيعة العقدة وبعدها عن الافتعال والمصادفة وعبثية الحدث مما جعل لحظات التنوير / الحلول تأتي فيها طبيعية متوازنة وإن شابها في جوانب محدودة جدا شئ قليل من التفصيل والإطناب المخالف لطبيعة القصة القصيرة، تحت إلحاح الرغبة في الوضوح والتفصيل على نحو ما نجد في قصة "عاشقة الضوء "، وعلى هذه الشاكلة يتبدى لنا القاص الأستاذ حسني سيد لبيب في هذه المجموعة "كلمات حب في الدفتر " قاصا مبدعا قد ملك أدوات هذا الفن الماتع فن القصة القصيرة وحرص على تكريس تقنياتها والتزامها فيها من انتقاء الحدث واختيار الشخوص الفاعلة ودقة رسمها وتحليل أبعادها وملامحها الواقعية والرمزية وبناء الحبكة المتقنة وانسيابية السرد وشيوع الحوار وطواعية اللغة وجمال العبارة وحلاوة الأسلوب… وكل أولئك من مقومات الموهبة المبدعة الأصيلة التي تبشر بإبداع متواصل جدير بالاهتمام والتقدير والتنويه.

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:05 AM
الواقع وتحدياته في «كلمات حب في الدفتر»

بقلم: رشيد الذوادي ـ تونس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منذ مطلع هذا القرن والكتابات المعاصرة تتسع اتساعا كبيرا للمشكلات والقضايا ولمتطلبات الواقع وتحدياته.
ورغم مرور السنين ظل التفاؤل دائما يستوجب منا هذه المتابعة المستمرة لما يكتب وينشد، ولما يثار في ساحات الأداء والفعل عبر التغيرات الواسعة؛ التي اتجهت أحيانا إلى تنمية الدفق العاطفي، وشكوى وألم وغضب تارة أخرى.
والفكر الأدبي بأشكاله المختلفة ومضامينه المتعددة والمعقدة في بعض الأحيان؛ بدا لنا في هذا الزحام مدخلا إلى عصر تدوين معاصر، ومقوما من مقومات توجهنا الحضاري، وشكّل بالتالي قدرات الإنسان غير المحدودة على الالتقاء بالآخرين، كما مثل روح النضال، والذات المتحركة ضد التخلف؛ سعيا إلى بناء واقع اجتماعي جديد، يرسم تفاؤلية للمستقبل… وهذه التفاؤلية ستبدد ملامح اليأس والفقر ومكوناته، وتضع أعيننا أمام المشكلات الفعلية من خلال ارتباط الذات بالمجتمع، ومن خلال تولد الأفعال وردودها في فضاءات التحليل والتأمل، وفي حدود المكان والزمان، وحتى في سياق الأحداث ذات الدلالات الاجتماعية والإنسانية.
وفي ضوء منظومة قضية ( الفن والواقع المعاش )، وفي محك صراعات الإنسان التواق للحرية وللعدل الاجتماعي، وفي مجالات التعبير عن معاناة الفقراء؛ تأتي مجموعة قصص الكاتب حسني سيد لبيب الحاملة لعنوان : " كلمات حب في الدفتر "، ولا أخفي على القارئ الكريم أني لمست في هذه المجموعة القصصية " الوجه الآخر " في رحلة القاص حسني سيد لبيب؛ وهذا الوجه تمثل في مرتكزات ثلاثة :
أولا : في ذلك الخيط الدقيق؛ الذي يملك به محبة كل من عرفهم أو التقى بهم في زحمة الحياة ومشاقها.
ثانيا : وفي تلك العاطفة الجياشة والشخوص؛ الذين التقطهم ببراعة… وحركهم ببراعة أكثر؛ ضاربا بذلك المثل على الإنسان المؤمن الكادح، لا الإنسان الاتكالي، الذي يعيش عالة على غيره ولا تستفيد منه أمته بشيء.
ثالثا : وفي دلائل نضوج قاص مكافح تقدم بمستويات القصة أشواطا بعيدة بعد ما ملأها بأشتات من الأدوات والشخوص ففيهم : الموظف، والصحفي، والجزار، والفلاح، والعمدة… وغيرهم… قدم كل هؤلاء لنا بمهارة فائقة وإحساس مرهف؛ حتى أنك لتكاد تحس بأن هذا القاص متمكن من أدواته، وله قدرة في تصوير الحياة كما يراها، ومتأثر جدا بمسارات محمود تيمور الحريص على أن يماشي الحادثة في الخطو والتحول، ويتنقل في الحارة والقرية باتزان؛ جامعا بين السرد والحوار ليلفت الأنظار إلى نجاحاته الفنية في محكيات العصر وفقا لسؤال الهوية وتصوير الحقائق الدقيقة الصادقة.
وإذا ما كانت هناك وشائج فكرية بين فتحي غانم، وبين مسيرة القاص صلاح عبد السيد؛ حيث أن كلا منهما يقترب من الإنسان، ويقتحم أغوار حياته وينحاز إليه؛ فإن الراصد لقصص حسني سيد لبيب؛ يرى فيها البيئة والزمان المختلف، وتلك التحولات التي واجهت ( الأنا ) و ( الآخر ).. والآخر هنا رابض بأقنعته وقمعه وتجاوزاته، ويرى فيها نقل الواقع المصري بكل ملابساته… إنه في قصصه ينحو منحى محمد تيمور الذي مات في فجر شبابه : ( 1892 ـ 1921 م )، ولكنه مع ذلك أمكن له أن يرصد جملة التحولات السياسية والفكرية في وطنه.
فكلاهما في تقديري نقل الواقع بأمانة وصدق وبمتعة فنية، وانتصر على المعوقات واليأس.
وحسني سيد لبيب بما يملكه من رؤية أيديولوجية مثلما لمسناه واضحا في البعض من أقاصيصه كـ: ( الصندوق ) و ( الرداء الأحمر )؛ استطاع أن يعكس واقع الحياة الشعبية في مصر في معظم قصصه؛ لذلك لا عجب إن بدا لنا أحيانا حائرا. وطورا آخر يحلق في أجواء المعاني الإنسانية، وقد يتوقف عند قضايا الطبقات المحرومة أو يطرح آراءه الفكرية في بعض الأحداث. وهو في رأيي يضيف الجديد ويعطي تفسيرات إضافية للمستقبل.
وبدون شك فإن هذا التوقف؛ هو خطوة في الطريق الطويلة، وهو لون من الارتباط بالواقع وبالأرض. وبالمشكلات القائمة عبر الأحداث وفي ضوء الراهن العربي المعاصر.. وهو مسار جديد من أجل تحقيق الأمنيات، وفرصة لإيجاد ذلك التغيير الجذري في قيم المجتمع ومثله.
ولا شك أن كل هذا مفيد في إبراز تطور العلاقات بين القاص والمجتمع؛ سيما إذا ما أراد القاص أن يعبر عن هموم شعبية وبأسلوب سهل ومبسط.
وفي ضوء التزام القاص حسني سيد لبيب بظروف حياة مجتمعه وتحدياته لمشاهد القهر والأحزان؛ نقرأ له قصصا شائقة في هذه المجموعة كـ ( عاشقة الضوء )، و ( ماسح الأحذية ) و ( اقتفاء الأثر )، و( كلمات حب في الدفتر )؛ وهي كلها تعكس هذا التأثر بنجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وجمال الغيطاني… إنه ينقلنا إلى نفس المشاهد والصور في هذه الحارات الشعبية، وإلى هذا العراك المستمر مع (المستكرشين )؛ الذين هزءوا بالمبادئ؛ حيث احتوتهم المصالح وأصبحوا عبيدا لها.
وتبدو أسئلة الإنسان العربي ماثلة أمامنا أيضا في هذا الراهن المفجع في قصص: ( الرداء الأحمر)، و ( الوظيفة الشاغرة )، و ( حكاية ورقة نقدية )؛ فهذه القصص مليئة بالآراء الفلسفية وبأسئلة الإنسان العربي عن مدى أهمية دور المثقف؛ الذي انعزل أو احتجب في غياب مسئولياته كمؤسس للخير والحب.. والعدل؛ ولكن هل في استطاعته أن يقول شيئا وهو الأعزل و ( الصندوق في يد الآخرين ؟…).
وفي النهاية أقول : إن الجيل الذي انتمى إليه حسني سيد لبيب؛ هو جيل شغف بالبحث عن صيغ لطرح الأسئلة حول الهوية والعدل الاجتماعي، وحالات الظلم القابع في النفوس، وهو الذي احتمى بالماضي، وساهم في تأسيس المنعطفات والحلم، وتطور شخصية البطل الأسطوري.
وتعد " كلمات حب في الدفتر " من فن القص الراقي؛ الذي نرى فيه الزمن والحلم، والشكل والجوهر، والتفسيرات والنظائر، والمزاج والتحليلات النفسية وحتى خفايا القلب الإنساني الغامض.
وسمة القاص؛ في هذه المجموعة؛ نراها ماثلة في هذا التعاطف مع الشخوص، وفي تصوير الحقائق عارية؛ فكأنه ينادي بـ ( الريالزم Realism ) أي بأدب واقعي بدلا من أدب وجداني.. فلعله بذلك يحقق المغايرة المنشودة ولحظة النصر !….

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:06 AM
عن رواية «دموع إيزيس»

بقلم: وديع فلسطين
ـــــــــــــــــــــــــــ

رواية ( دموع إيزيس ) للأديب حسني سيد لبيب هي رواية مقتطعة من التاريخ المصري القديم، بأسماء أبطالها وأجوائها ووقائعها. ولكنها رواية وليست تاريخا، بمعنى أن المؤلف أعطى لنفسه الحق في أن يجعل من شخوصها إيزيس وأوزوريس وحورس وست ونفرتاري ونفتيس والحكيم نون صلصالا بين يديه يشكله كما يشاء ويهوى، غير متقيد بأخبار رواة التاريخ، وأن يجري على ألسنة شخوصه من الحوارات ما تلهمه إياه بديهته. وإذا كان المؤرخ في تسجيله لأحداث التاريخ يعنى أساسا بكبار الحادثات، فإن حسني سيد لبيب عُني بإبراز قيمة الحب من خلال الأحداث الفاجعة التي وقعت في سياق الرواية. فالحب عنده هو القيمة الكبرى التي رغب في إعلائها، وهي القيمة التي تستحق كل التضحيات مهما تعاظمت. ولا غرو أن يكون حسني سيد لبيب في هذا العمل روائيا فنانا، وليس مؤرخا مأسورا بإسار حرفية التاريخ. ولا يصح بداهة أن يحاسب باعتبار أن صنيعه هو عمل تاريخي بحت، وإنما يحاسب بوصفه عملا أدبيا من قبل ومن بعد.
اختار الأديب حسني سيد لبيب أن يحكي لنا حكاية حب من خلال هذه العائلة المصرية القديمة. عائلة قوامها إيزيس وشقيقتها نفتيس. وقد تزوج أوزوريس من إيزيس وأنجبا حورس. وهناك ست الذي تزوج من نفرتاري، ولكنه ـ وهو العقيم ـ بات مولها بإيزيس يطاردها بحب ويطارحها عبارات الغرام، ولكنها لا تصيخ له لأنها سعيدة بزوجها أوزوريس، فيتوهم ست بأنه لو قتل أوزوريس فسيصبح الطريق أمامه ممهدا للوصول إلى معبودته إيزيس. ولكنه وإن نجح في تمزيق أوزوريس إلى أشلاء متناثرة لم يفلح في الاقتراب من هذه المعبودة التي تفرغت بعد موت زوجها لرعاية ابنها الوحيد حورس، وظن ست أنه لو صنع تمثالا باهر الجمال لمعبودته إيزيس فإن قلبها يرق له. ولكن إيزيس، برغم ذلك، ازدادت نفورا منه، لأن الحب الوحيد الذي عرفته وتعرفه هو حبها لزوجها الراحل أوزوريس ولابنها حورس. وهي لا تضمر ذرة من الميل إلى ست وفي سبيل التقرب من إيزيس، عمد ست إلى قتل زوجته نفرتاري التي كانت تعاني هجرا منه بعدما اعترفت له بأنها استسلمت لعابر سبيل أذاقها من العسيلات ما لم تذق مثله من زوجها ست. وخشيت إيزيس أن يبيت ست لقتل ابنها حورس، فاضطرت أن تعقد مع ست صفقة تبيح له فيها أنوثتها وجمالها ومواضع عفتها في سبيل أن تنقذ ابنها من حقده الغدار، ولكن ست أكبر منها هذه التضحية وتعفف عن إتيانها، سواء بسبب الشيخوخة التي هدته أو بسبب يقظة متأخرة من الضمير. ولم يقو بعد ذلك على العيش فسقط ميتا، ولكنه كان قبل ذلك قد ندم على قتل زوجته نفرتاري، فنقش قصتها على الجدران إلى جانب تمثاليْ إيزيس وأوزوريس. وكانت نفتيس خالة حورس ترغب في تزويجه من حتحور أخت فرعون، ولكن حورس آثر عليها الفتاة التي عرفها في ملاعب صباه وهي نيت، لأن قلبه لم يتعلق إلا بها، والحب يصنع المعجزات وتهون أمامه العروش.
هذه هي الرواية في إيجاز مخل وقد ختمها حسني سيد لبيب بقوله : إن حورس تمنى أن يطير بجناحيْ الشوق إلى عروسه الفتاة الجميلة البسيطة، وأن يغني للبسطاء الكادحين من أبناء الأرض السمراء. أما والدته إيزيس فقد كانت تدعو إلى أن يكون في انبلاج الصباح بداية عهد جديد يغمر الكون فيه الحب والصفاء والنقاء، وأن يكون خير مصر لأبنائها الكادحين.
ولأن المصريين القدماء كانوا يؤمنون بالسحر والعرافة، فلم تخلُ الرواية من هذين. ولأنهم كانوا يجلون نهر النيل، ويهدونه عروسا جميلة في كل عام حتى يفيض النهر ويروي الزرع والضرع فقد أقحم حسني سيد لبيب هذه الأسطورة في سياق روايته، وإن كان قد جعل فرعون يحتفظ لنفسه بالعروس الفاتنة ويطرح في النيل تمثالا يشبهها في عملية خداع لشعبه. ولعل الدور الرئيسي الذي اضطلع به حسني سيد لبيب وتجلت فيه موهبته الأدبية بصورة رائعة هو الحوار الذي أجراه على ألسنة الأبطال إلى جانب الحبكة الروائية مجتهدا في أن يخلق جوا يحاكي أجواء قدماء المصريين ـ ولو في عرف حسني سيد لبيب ـ الذين لم يعرفوا المحاكم والقضاء للاقتصاص من المجرمين. ولهذا أفلت ست من العقاب، مع أنه قتل أوزوريس ومثل بجثته ثم قتل زوجته نفرتاري، وكان يهم بقتل حورس. وفي هذا يدافع ست عن نفسه قائلا : فرعون قتل آلاف الناس ولم يحاسبه أحد، وأنا قتلت اثنين فانقلبت عليّ الدنيا بأسرها. وهكذا بقي ست حرا طليقا ثأرت منه شيخوخته وعذاب ضميره ونفور الناس منه. وقد أراحني حسني سيد لبيب بأسلوبه السهل الرائق الجميل، فلم أتعثر في عباراته السلسة، على النقيض من تلك الأساليب الحجرية التي بتّ أصادفها في كثير من كتابات الأدباء الضالعين الذين يتوهمون أنه من حقهم أن ينحتوا ألفاظا من الصخر، وأن يلفقوا كلاما ينوء بفهمه عباقرة اللغات. فكيف يتأتى لقارئ أن يتجاوب مع كاتب لا يفهم لغته ولا يعي مراده. وقديما قيل إن الأسلوب هو الرجل، وأنا أقول إن الأسلوب، والأسلوب وحده، هو الأدب، وما عداه هراء.

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:07 AM
قراءة في رواية «دموع إيزيس» لحسني سيد لبيب

بقلم: أ. د. خليل أبو دياب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(القسم الأول)
يعد الأستاذ الأديب حسني سيد لبيب من خيرة كتّاب القصة القصيرة الذين يطلق عليهم جيل السبعينيات والذين تولاهم برعايته الكريمة وفضله العميم الأديب الروائي الكبير الأستاذ محمد جبريل؛ وأديبنا الأستاذ حسني سيد لبيب صدرت له حتى الآن زهاء خمس مجموعات قصصية قصيرة؛ وعلى الرغم من أن العبرة في مثل هذا الأمر ليست بالكم بل بالكيف أو الإبداع، فإن هذه المجموعات بما اشتملت عليه من قصص قصيرة تجسد إبداع القاص الأديب وموهبته الراسخة في هذا الفن العجيب وتميزه عن كثير غيره من مبدعي هذا الفن لما يملك من طاقات الإبداع والمقومات التي يقوم عليها فن القصة القصيرة بالذات بتقنياته المعروفة من حيث تحديد الحدث وتعميقه ودقة تطويره وتصعيده وما يقوم فيه من صراع وتدافع لبلوغ العقدة ومن ثم لحظة التنوير أو الحل بتلقائية سلسة، ومن غير افتعال أو تكلف أو مصادفة مفسدة للحدث. وكذلك الحفاظ على وحدة المكان والزمان، وأيضا محدودية الشخوص الذين يرسمون الحدث أو الأحداث ويطورونها ودقة تصويرهم وتحديد ملامحهم خارجيا وداخليا. ناهيك عن الحبكة الدقيقة التي تسود تلك القصص ومستويات السرد وأنماط الحوار فيها التي تفرضها طبيعة الحدث، فضلا عن اللغة المتميزة التي تبدي حرصه البالغ على انتقاء مفرداتها المناسبة بدقة وذوق ومهارة، والبعد عن العامية البغيضة المفسدة لبنية الحدث والفكرة والشخصية على السواء والتي تورط في مستنقعها الآسن غالبية أدباء وكتّاب المرحلة برغم تسامح نفر من النقاد وتجويزهم استخدامها في مواطن معينة، وإن كنا نخالفهم في هذا الأمر ولا نمل من التنديد بها وبالأدباء المبدعين الذين بشوهون إبداعاتهم بمظاهرها البشعة، وعوراتها المشينة، وندعوهم دائما إلى الارتقاء بمستوى لغتهم وبمستوى شخوصهم وقرائهم جميعا، باختيار اللغة الفصحى ونبذ العامية وانتقاء المفردات المناسبة والدقة في سبك العبارات والحرص على سلامتها من الأخطاء، لتكون من وسائل تعليم المجتمع اللغة الصحيحة إلى جانب تعليمهم القيم الرفيعة وتوجيههم إلى الصالح الخير منها، وتنفيرهم من الفاسد السيئ تحقيقا لوظيفة الأدب الرفيع. وهذه هي مهمة المبدعين التي ينبغي أن يحرصوا عليها ويلتزموها في إبداعهم.
أما أديبنا القاص الأستاذ حسني سيد لبيب، فقد تميز بحرصه الشديد على مجانبة العامية قدر المستطاع من وجه، ومن وجه آخر الارتفاع بقرائه إلى مستواه اللغوي الرفيع. وهو أمر يحمد له ويحسب في ميزان إبداعه.
وإذا كانت شهرة أديبنا الفاضل قد ارتبطت بفن القصة القصيرة من خلال مجموعاته التي أشرنا إليها، فيبدو أنه أراد أن يوسع دائرة الإبداع في فن القص ليمارس كتابة الرواية عبر هذه الرواية "دموع إيزيس" التي كانت لنا معها هذه الوقفة المتأنية أو قل العجلى، في محاولة جادة ومحايدة لتقويم هذه الجانب في موهبته وتحديد مظاهر إبداعه فيه.
وأول ما يلفت النظر في الرواية العنوان الذي مهرها به، مستلهما إياه من الأسطورة الفرعونية القديمة التي تكرس فكرة الخلود بعد الموت، كما تكرس فكرة التعاقب بين الفصول وارتباطه بالخصب والجدب، وكذلك ظهور الشمس وغروبها، أو موتها وحياتها، وما ارتبطت به من رموز وأفكار لا نرى حاجة هنا إلى سردها. الذي يعنينا من ذلك شخصية إيزيس باعتبارها أشهر معبودات المصريين القدماء، وكانت في البداية ربة للسماء، ثم تزوجت أوزوريس وولدت ابنها حورس رب الشمس الذي يمثل غيابها وشروقها موته وحياته في عقائدهم القديمة. ولهذه المكانة التي حظيت بها إيزيس عبدها الإغريق والرومان أيضا. ويبدو أن تلك الشعوب القديمة وجدت في هذه الأساطير تفسيرا مقنعا لتعاقب الفصول وما يسودها من مظاهر الخصب والجدب / البعث الربيعي والموت الخريفي خاصة، أو الموت والحياة عامة، وغير ذلك.. وكل ما فعلوه أنهم خالفوا وغيروا في الأسماء، فكان تموز وعشتار، أو عشتاروت الإلاهة الأم عند الرافديين التي كانت تتجسد فيها قوى التناسل في الطبيعة، وأدونيس وأفروديت وبرسيفوني اللتان تقاسمتاه مرحلتي الحياة والموت / الخصوبة والجدب .. ..
أما أوزوريس فقد كان إلاها للنيل والخير والخضرة والنماء حيث كان ظهوره مرتبطا بمرحلة الخصوبة والفيضان، ليحل محله في فترة الجدب والقحط وانحسار النيل. وأخوه " ست " إله الشر وإله القفار والصحراء الذي شغل بمطاردة أخيه أوزوريس لقتله ولتعيده إيزيس من جديد إلى الحياة في دورات طبيعية منتظمة ليواصل مرحلة الخصوبة والفيضان؛ ونحن هنا لا يعنينا من أمر هذه الأسطورة وغيرها أكثر من هذه الإلماعة الوجيزة، ولمن شاء التزود من أخبار الأسطورة والتعرف على مظاهرها المتنوعة فليرجع إلى كتب الأساطير ليجد فيها بغيته.
على أية حال، فقد انطلق أديبنا المبدع يسرد أحداث روايته الفرعونية الجديدة أو العصرية، التي ابتدأت بما أصاب إيزيس من حزن بالغ وهم شاغل لغياب أوزوريس وعدم عودته، ومساءلتها " ست " عنه ومحاولته طمأنتها عليه، وذهابها إلى المعبد تسأل الكهنة والعرافين عنه وإخبارهم إياها أنه يرقد في ضجعة أبدية في صندوق ملقى في النيل يسير باتجاه المصب وفقا لمشيئة الأقدار بتدبير من ست لحبه لها ورغبته في الزواج منها. وبدأت رحلة البحث عن الصندوق، مسكونة بهاجس الخوف أن يكون ألم به مكروه، والأمل بإعادته إلى الحياة من جديد. وقد نجحت في تحقيق هذه الغاية بمساعدة الناس الذين انتشلوا الصندوق. وتستغرق في صلوات وتراتيل للشمس أن تعيده إلى الحياة، ويتحقق ذلك ليصبح هذا اليوم عيدا لهم. ويقص عليها خبر وضعه في الصندوق وتآمر أخيه ست وزوجته نفرتاري، ثم استغراقه في النوم حتى عثرت عليه. وشاع الخبر وتهافت الناس للتهنئة والبركة وأمر الفرعون ببناء دار كبيرة لأوزوريس يلحق بها معبد ومكافأة ( 500 فدان ) لزراعتها.. كما أمر بحبس ست الذي هرب ليعيش مع المطاريد في الجبل مواصلا أذاه لأوزوريس، حيث سلط رجاله لإغراق مزروعاته وإحراق داره ومواشيه، ثم تمكن من قتله وتمزيقه وبعثرة أشلائه في أنحاء القطر.
وتبدأ إيزيس رحلة البحث عن أوزوريس الممزق المتناثر الأعضاء، وتتمكن من جمع أشلائه ولكنها تعجز عن إعادته إلى الحياة أو إعادة الروح إليه إلا في الحلم الذي غابت فيه وهي تتأمل الأعضاء المكومة أمامها، فيخيل إليها أنها بدأت تتقارب وتبعث فيها الروح، وينهض أوزوريس واقفا وسط الناس المتجمهرين في رواق المعبد، وهو يخطب فيهم مفسرا مشكلة الصراع الأبدي بين الخير والشر داعيا إلى الزهد في الحياة ونشر المحبة والخير والرحمة والغفران. وكذلك خطب الكاهن واعظا الناس ورافعا من قدر أوزوريس وداعيا إلى بناء هرم ليكون قبرا له بعد الموت؛ وهنا أفاقت إيزيس على الواقع المؤلم لتجد الحقيقة المرة وهي موت أوزوريس، ودعتها أختها نفتيس لتتصالح مع الواقع وترضى بالقدر المكتوب .
وإلى هنا ينتهي القسم الذي يمكن أن يوصف بالأسطوري في الرواية، ليبدأ القسم الآخر الذي يمثل الواقع البشري، وإن ظل يغرق في مظاهره الأسطورية التي تحاول توجيهه والتحكم في مسيرته خصوصا الأسماء والأجواء. ومنذ الفصل التاسع تخرج إيزيس الواقعية من دائرة الحزن والأمل في عودة الروح إلى أوزوريس، لتمارس حياتها الطبيعية متكيفة معها. وهذا ما جعل القاص يبدؤها بعد مرور خمس سنوات على فراق أوزوريس، وإن كرست الأثر السلبي لطيبة زوجها ومسالمته للشر حريصة على تنشئة ولدها "حورس " والاعتناء به.
(يتبع)

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:07 AM
(القسم الثاني)
...............
ويبدو تحول ظاهر في الأحداث عندما لقيت نفتيس ست، لائمة إياه على قتل أوزوريس مبديا أسفه وندمه على جريمته البشعة. وهي مظاهر تشير إلى بداية التحول الهائل في شخصيته مما يخالف الأسطورة التي ما تزال تكرس فيه قضية الشر. وتصحبنا الرواية بتؤدة وعلى مهل لنتابع تطور حياة حورس منذ أخذ يمارس أنواع الرياضة العنيفة المقوية للجسد وعلاقته ببعض أصدقائه " توت ونيت"، كما يطيل الوقوف عند بعض الألعاب الشعبية " الاستغماية "، وبداية تعلمه الرسم من نيت حتى أتقنه. ويستغرق الفصل العاشر ممارسات رياضية وفنية للشبان الثلاثة " حورس وتوت ونيت " لا تخلو من تدريب ومناصحة وعلاقة أخوية ومودة عبر حياتهم الريفية البسيطة. كما ظهرت إمارات الحب أو التعلق بنيت تسود تصرفاته، كما كانوا يترددون على " بيت الحياة " لأخذ العلم عن "نون"، وما كان يسودهم من مناقشات عقلية واسعة حول كثير من القضايا كنشأة الكون وقصة الخلق وعلوم الفلك.. ثم يستعرض لما أصاب ست من تغير وتحول حتى إنه أخذ يتردد على بيت الحياة يأخذ العلم عن نون، ويستنصحه فيما يجب عمله. كما يبدأ في ممارسة النحت ليصنع تمثالا لإيزيس تكفيرا عما أحدث لها من آلام وأنزل بها من شرور، وتمثالا آخر لنفرتاري، وتمثالا ثالثا لأوزوريس. ويستهوي هذا التحول الذي أصاب بعض شخوص الرواية المؤلف، فيفرد فصلا مستقلا لرصد مظاهر التحول في شخصية حورس، حيث يتحلل من كثير من الروابط والعلاقات التي كانت تفرض وجودها عليه آنفا بسبب تجاوزه مرحلة الطفولة والصبا لبناء شخصيته المستقلة، وإن ظل يحس أعمق الإحساس بأفعال ست الشريرة بحق أبيه وأمه ويألم منها أشد الأل. كما يسرد طرفا من علاقة حورس بصديقه توت وأخته نيت وما يسودها من شعور غامر بالحب خصوصا وأن لها وجها قمريا جميلا مثل وجه أمه. وفي هذه الأثناء يقدم ست للتعلم فيحاول حورس الهرب منه ويأمره توت بالبقاء والمواجهة بشجاعة ونفي الخوف عن نفسه. وهنا ينتهي إلى فكرة ضرورة قتل ست والعمل على تنفيذها. ويرشد المعلم ست لزيارة قبر أوزوريس تكفيرا عن جريمته، والتردد طويلا على المعبد وقراءة التعاليم الدينية والزهد في متاع الدنيا وإدمان الفكر في عالم الموتى حتى تصفو روحه، وإن قذف في وجهه ما يوحي باليأس المطبق وهو يقول له : " ليس سهلا على قاتل أخيه أن يكون محبوبا ".. ويخبر المعلم بعزمه على صنع تمثال لإيزيس تكفيرا عن جريمته وتأكيدا لحبه الروحي لها مؤكدا له ما سيكون عليه من جمال وروعة وجلال !!
ويبارك نون خطوته الأولى في طريق العودة إلى الخير، ويعلن ست سعادته برضا نون عنه ومباركته لما سيعمل. وينصرف ست إلى بيته ليبدأ في صنع التمثال المنتظر موفرا له كل ما أوتي من مهارة وإبداع وعبقرية، تسنده صورة إيزيس الراسخة في أعماق نفسه ووجدانه بكل مظاهرها وأبعادها الجمالية الفائقة، مزودا بكل مظاهر التحدي لإنجازه. وتظهر نفرتاري التي أكل الحقد والغيرة قلبها لانصراف زوجها عنها وانهماكه في صنع تمثال إيزيس وعكوفه عليه لدرجة العبادة، وعجزها عن عمل أي شيء بعد أن هددها ست بالقتل.
وهنا حاولت أن تتسامى على جراح كبريائها عندما أقنعت نفسها بأنها أجمل من إيزيس، أو لا تقل عنها جمالا. وإن لم يقدر ست ذلك لأنه أعمى البصر والبصيرة، ومع ذلك لم تخفِ إعجابها بالتمثال الرائع وما تجسد فيه من جمال " حتى كأن الروح حلت فيه "! ويبقى القاص فترة أخرى مع نفرتاري، يستعرض طرفا من همومها وأحزانها التي فجرتها بعنف مشاعر ست تجاه إيزيس وانشغاله بتمثالها، ناهيك عن مشكلة عقم ست ورغبتها في الإنجاب؛ وهنا تفزع إلى نون مستنصحة ليحفزها إلى مزيد من الصبر لئلا تهدم بيتها فتندم. وفي غمرة سياحتها مع ذكرياتها وهمومها وأوهامها تناهى إليها صوت عازف الناي العاشق الحزين، فاندفعت صوبه ولقيها رجل ريفي ادعى أنه أوزوريس بعث لينقذها من الانتحار حتى لو في صورة عروس النيل، وقد دفعتها همومها وأحزانها إلى القناعة بتلك المزاعم والاستسلام له.
ثم يدور حوار واسع بينها وبين عازف الناي يكشف حقيقة ذلك الشيطان الماكر، ثم أعادها إلى المنزل لتواصل رحلة الهموم والأحزان في صحبة ست، محاولة الاقتناع بما جرى لها مع ذلك الشيطان لحديثه عن الخلود وإنشاده تراتيل من كتاب الموتى. وضاعف من همومها تمثال إيزيس وإن حاولت من جديد تحقيق توازنها النفسي وهي تؤكد جمالها الذي لا يقل عن جمال إيزيس، كما أخذت تتصالح مع الواقع وتعيش الحقيقة، بل إنها فكرت في تحطيم التمثال، وراحت تقارن بين ست / عابد الحجر وبينها بعد أن تمتعت بلقاء ذلك الشيطان وأخمدت ما يستعر في نفسها من جذوة الجنس. ويوفق القاص في تصعيد الحدث بين ست الذي ينكر على نفرتاري محاولتها تحطيم تمثال ربة العشق والجمال وادعاءها أنها هي ربة العشق والجمال، ويلقاها بالسخرية مؤكدا أنوثة إيزيس، فتندفع لتعترف له بما أحدثت مع ذلك الفلاح الشرير، فيثور غضبه ويقتلها ويقضي فترة اختلاط عقلي، ثم نصب راية سوداء على الدار إشارة إلى موت أحد أفرادها. وأقام لها مأتما حيث تجمع الأهل والجيران يشاطرونه الفاجعة مظهرا ندمه وحزنه على فعلته. ويتحفنا القاص بوصف المقبرة التي دفنت فيها نفرتاري وما يسودها من مظاهر فرعونية قديمة.
ثم عاد ست يواصل حياته الطبيعية وقد طلب من بعض النحاتين والمصورين تخليد مشهد قتلها على الجدار وتسجيل قصة حياتها ثم كتب ست آخر سطر في اللوحة وهو " تم القتل بمعرفة زوجها ست لأجل خاطر إيزيس "!! واستمر المأتم أسبوعا رتلت فيه الدعوات؛ ثم خف لزيارة إيزيس عارضا عليها رغبته في الإقامة معها بعد فقد نفرتاري فبكتته على قتلها، ولكنه يعزو ذلك إلى مشيئة الإله معتذرا بما قدم لها من واجب الوداع إلى مثواها الأخير مصحوبة بالأدعية والرحمة والغفران. ويكشف لها سر قتلها ثم يخبرها بتمثالها الذي صنعه لها، ويستطرد القاص عارضا قصة التوحيد والثنوية في العقيدة الفرعونية القديمة، من خلال الجدل المحتدم الذي دار في بيت الحياة بين حورس وتوت بإشراف نون تكريسا لقضية الصراع الأبدي بين الخير والشر.
ثم ينتقل القاص إلى وصف مشهد عروس النيل وفق الطقوس الفرعونية القديمة في ضوء تصور أو إسقاط عصري من خلال الخداع الذي يخالطها : " أن يحظى النيل بالعروس التمثال ويفوز الفرعون بالعروس القربان ".. وذلك لأن هذا التصور مخالف لطبيعة التفكير الأسطوري القديم وما يقوم عليه من قرابين ( الأسطورة والتراث 85 وما بعدها ). ويخبرنا أن هذا المشهد لا يتم إلا عند غضب النيل وانحسار مائه وعدم فيضانه ليقدم له القربان المقرر. ويطلعنا على ما أصاب نظرة نون من تحول ومشاركة لست في آرائه بعد التحول وقضية المقارنة بين ست والفرعون وحقيقة الفيضان، ودور الشعب ومحاولة التخلص من أسر عبادة الفرعون، وإن ظلت عبادة النيل.. ثم كشف الحيلة العصرية.
ثم ينقلنا القاص إلى دار إيزيس لتلتقي بنفتيس وتتفقا على زيارة قبر نفرتاري لتلتقيا بست هناك، وما دار بينهما من حوار حول دور نفرتاري في قتل أوزوريس، ثم تغادران المكان، ويقرر ست زيارتها ليشكرها على زيارة قبر نفرتاري. ويتراءى ست وقد تحول كلية إلى قطب الخير بعد رحلة الجريمة والشر واليأس، وإن كان رأي إيزيس فيه لم يتغير وأنه سيقتل حورس كما قتل أباه من قبل، مما دفعها إلى أن تعرض عليه نفسها ليقضي منها وطره حماية لحورس من شره وأذاه، ولكنه يرفض إجلالا لحبه لها مؤكدا لها أنه لن يمسها وحورس بأي أذى، لأنه قد تحول عن الشر الذي كان يمارسه، وتغير حقيقة وندم على ذلك. ويقدم حورس وقد أثاره وجود ست في الدار وحاول قتله لولا تدخل إيزيس. ويحاول حورس قتله فيذهب إلى داره ويشتبك مع حرسه الأحباش الذين أوشكوا أن يقتلوه لولا تدخل ست ومنعهم، وطلب منهم أن يوصلوه إلى داره والحفاظ عليه.
وتبدأ حكاية زواج حورس الذي تختار له خالته نفتيس أخت الفرعون " حتحور "، ولكنه يفصح لها عن رغبته في الزواج من " نيت " ابنة الشعب الفقيرة الكادحة.
وفي زيارة الأختين لست يطلعهما على تمثالين صنعهما لإيزيس وأوزوريس تكفيرا عن جريمته، ثم يصل حورس تملؤه رغبة الانتقام من ست. وما هي إلا لحظات غلب فيها النحيب ست، ثم انقطع ليجداه قد فارق الحياة.
وينقلنا القاص إلى الفصل الأخير من الرواية، في رحلة في ذاكرة إيزيس حيث تستعرض الماضي والحاضر، وتتأمل الأحداث والشخوص دونما إضافة تذكر لولا قضية زواج حورس من نيت ابنة الشعب الكادح وتفضيلها على حتحور سليلة الفراعين الآلهة!!
وعلى هذه الشاكلة نتبين ملامح الحدث الذي قامت عليه الرواية وخطوطه العريضة من لدن علاقة إيزيس بأوزوريس وقضاء ست عليه، وعنائها في إعادة الروح إليه بعد نومته في الصندوق، وعجزها عن إعادته إلى الحياة مرة أخرى بعد تمزيق ست له وبعثرة أعضائه في أنحاء القطر إلا في الحلم لتكون نقطة التحول من الأسطورة إلى الواقع، وإن ظلت الأجواء الأسطورية تغلفها بصورة هائلة كاملة، ثم ما تبع ذلك من استمرار شهوة الشر في ست ومحاولاته الدائبة للحصول على إيزيس ومقاومته بكل ما تطيق.
وتبدأ مرحلة الشباب بالنسبة لحورس وقد أتقن المعرفة والرياضة وتفجرت في نفسه الرغبة في الانتقام من ست قاتل أبيه، وقد دفع خوف إيزيس على حورس إلى استسلامها لرغبات ست وعرضها جسدها عليه، ورفض ست هذا العرض لما أصابه من تحول جذري إلى قطب الخير منذ عكوفه على تمثالها تكفيرا لجريمته. وتلقانا محاولات حورس لقتله وما حدث فيها من تحولات انتهت بموت ست ندما وأسفا على جرائمه، ثم كانت الخاتمة التي شهدت فكرة زواج حورس ورغبته في نيت!
وقد تخللت هذه الأحداث أو تطورات الحدث في الرواية مشاهد استطرادية متعددة منها مشهد لقاء نفرتاري بالرجل الشرير الذي تقمص شخصية أوزوريس، ثم قتل ست لها ومأتمها ومشهد عروس النيل.. وغير ذلك !! وقد وفق القاص في سرد هذه المشاهد والأحداث والوقائع وما وفر لها من حبكة متماسكة تسلسلت تسلسلا دقيقا واعيا لم تفلت خيوطها من يده، وإن كاد يخفي طرفا منها في بدايات الفصول وما اعتراها من خفاء الضمائر المقصودة، وما أخفاه أيضا من أحداثها. وكنا نفضل لو أنه ألمع إلى بؤرة الحدث الذي سيقيم عليه كل فصل من خلال عنوانات كاشفة لما فيها من توثيق الروابط والعلاقات بين أحداث الفصول بما يخدم الوحدة العامة للحدث الكلي في الرواية!!
وأما الحوار، فقد اعتمد عليه القاص اعتمادا كبيرا حيث غدا يشكل معلما رئيسا بالغ الأهمية من معالم الرواية حتى أوشكت أن تكون مسرحية! وانتشار الحوار في جميع فصولها وإن جاء متفاوتا قصيرا في بعض جوانبه، وطويلا في كثير من جوانب الرواية حتى كاد يستغرق بعض الفصول استغراقا، يسهل عملية السيناريو فيما لو حولت إلى مسرحية أو عمل تلفازي.
أما السرد، فقد قامت الرواية على مستوى سردي واحد هو ضمير الغائب، حيث قام القاص بدور الراوي الذي يتابع مسيرة الحدث ويسرد أطرافه بحيادية مطلقة؛ وقد وفق القاص في هذا الأمر لارتباط الرواية بالجانب الأسطوري البحت وهو يروي أحداثا موغلة في القدم، ولا مجال لوجود القاص من ضمن شخوصه فيما وراء بعض التحولات أو التحويرات أو الإسقاطات العصرية التي يمكن أن يحدثها بين حين وآخر. على أن من أبرز مظاهر السرد في الرواية ما أشرنا إليه آنفا من إخفاء الضمائر المشيرة إلى شخوص الحدث مع بدايات أغلب فصولها والإشارة إليها بضمير الغيبة ثم ذكرها فيما بعد، سواء في ذلك الفصول التي تحدد فيها الإشارة إلى ضمير شخصية محددة مثل الفصل الثاني الذي يبدأ بعبارة "جابت القطر.. "، والإشارة هنا بطبيعة الحال إلى إيزيس التي دار عليها الفصل الأول، وآخر عبارة فيه توثق هذا الربط وهي " سأظل أبحث عن زوجي، لن أيأس "! وما وجد في آخر الفصل الثالث على لسان ست " سأقتل أوزوريس بنفسي "، وبداية الفصل الرابع " حاول ست إيذاءه " ليعود الضمير إلى أوزوريس؛ ومثل ذلك الفصول 14، 15، 16، 17، 21، 22، 23، 24.
وأحيانا أخرى لا نجد هذا الربط الكاشف عن الضمير المقصود كما في بداية الفصل الخامس " ذهب إلى نفتيس.. "، ولا إشارة إلى ست المقصود في نهاية الفصل الرابع، دون مبرر للحذف فيما وراء التشويق والإغراب!! ومثل ذلك ما نجد في الفصل السادس حيث كان الحديث عن أوزوريس دون أن يكون ثم رابطة مع الفصل السابق " ذات يوم خرج بمفرده يرعى الماشية.. "، وبعد مساحة جاءت عبارة " ولم يعد أوزوريس "؛ ومثله ما جاء في بداية فصل ( 11 ) : " اسودت المرئيات في عينيه.. " دون إشارة إلى الضمير " ست "؛ ومثله فصل ( 13 ) حيث تشير إلى تعدد لقاءات ست بالمعلم نون دون أن تسبق إشارة رابطة في ختام الفصل ( 12 )؛ وبرغم ذلك فهذا الاستخدام ينطوي على ملحظ جمالي بلاغي قيم بما يثري التعبير ويقوي الاهتمام والتشويق لمتابعة الأحداث وأدوار الشخوص فيها!!
أما اللغة والأسلوب الذي صاغ القاص فيه أحداث روايته، فلعل من أهم ما يحمد له حرصه البالغ على سلامة أسلوبه ونقاء لغته وصفاء عباراته وجودة تراكيبه وانتقاء ألفاظه وروعة الوصف والسرد وجمال العبارة ودقتها. وربما كان من أهم ما يحمد له أيضا حرصه الشديد على الفصحى ورفض العامية. وهذه كلها خصائص شائعة في كل إبداعاته القصصية وتميزه عن كثير من كتّاب وأدباء المرحلة، خاصة في فن القصة القصيرة والرواية في الأدب الحديث، الذين كان لهم مع العامية موقف مشهود مذكور شجعهم عليه نفر من النقاد غير المخلصين !!
أما نحن فنؤمن بدور القصاص في نشر الفصحى وتحويل كثير من طبقات المجتمع إليها والترقي بمستواهم اللغوي، والتخلص من العامية البغيضة، وعدم الإسفاف باستخدامها في إبداعاتهم، لا خوفا من العامية على الفصحى التي ضمنت الخلود، وهذا أمر غير محسوب في القضية، ولكن وأدا لهذه اللهجات غير الشرعية التي تفسد الذوق وتبعد المجتمع عن لغته الأصيلة، وتسف به إسفافا بعيدا ‍ِ!!
ومما يحمد للقاص أيضا أنه قدم لنا في الرواية لوحات لغوية رفيعة المستوى بما وفر لها من قيم لفظية وتعبيرية شاعت في جوانب كثيرة منها، وهي أوسع من أن يشار إليها هنا، ومن أراد نماذج لها فليراجع صفحات 12، 30، 32، 36، 72، 85، 107 " مشهد عروس النيل ".. وغير ذلك كثير. ولكن يبدو أن المثل الشائع " لا تعدم الحسناء ذاما " أبى إلا أن يطارد هذه الرواية في طرف من جماليات اللغة فيها متمثلة في طائفة من الأخطاء تناثرت في بعض صفحاتها.. كما وجدت بعض المبالغات التعبيرية كما في ص 45 " انبجست الدموع أنهارا من عينيها "، 124 / " وهو يمسح نهر الدموع المتجمد على خده ".. فمثل هذه المبالغات، تفسد التعبير وحبذا لو تخفف منها !!
(يتبع)

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:09 AM
(القسم الثالث / الأخير)
............................
الشخوص : إذا ألقينا نظرة فاحصة على شخوص الرواية ألفيناها نوعين : شخوص رئيسة محورية فاعلة وصانعة للحدث ومحركة له ومساهمة في تطويره وتصعيده لبلوغ الذروة أو العقدة، وشخوص ثانوية هامشية ليس لها كبير أثر في بناء الحدث وتطويره، وإنما تأتي مكملة لمسيرته دون أن يترك غيابها أثرا يذكر في بنية الرواية؛ وعلى الرغم من كثرة الشخوص في الرواية حيث بلغت أربع عشرة شخصية، فضلا عن العرافين والكهنة الذين نلقاهم بين حين وآخر، ويمثلون صورا مميزة على طريق الحدث، ولكنها غير فاعلة وهامشية شأن كثير غيرها من الشخوص التي سنشير إليها وإن أسهم بعضها في توجيه الحدث وتحريكه إلى حد ما..
وقد استحوذت أسرة " إيزيس " بطبيعة الحال على النصيب الأكبر من الشخوص، حيث جاء فيها ست شخوص هي " إيزيس وأوزوريس وحورس " مثلث الخير، و" ست ونفرتاري ونفتيس " مثلث الشر. وقد جاءت الأربع الأولى منها رئيسة وفاعلة ومحركة للحدث وصانعة له في الرواية، وعليها تقوم وبها تتطور كما رأينا في عرض الأحداث، وإن تباينت أدوارها، فجاء بعضها رئيسا، وبعضها ثانويا بالنسبة له، حيث كانت شخصيات " إيزيس وست وحورس ونفرتاري " أكثر بروزا وظهورا في الرواية وتطويرا لأحداثها، ثم كانت شخصيتا " أوزوريس ونفتيس ثانويتين قياسا عليها، وهذه هي أهم شخوص الرواية.
كما نجد منها شخصيتين لم يكن لهما أي دور في تطوير الحدث وهما عازف الناي والفرعون، وشخصيتين أخريين ذُكِرَا ذِكْرًا عابرا وهما المعلم كاف وأخت الفرعون "حتحور " التي كانت مرشحة للزواج من حورس ولكنه فضل عليها نيت الريفية ابنة الشعب الكادح. ثم كانت شخصية الفلاح الشرير الذي انتحل شخصية أوزوريس وأغوى نفرتاري، وأهميته أنه قفز بالحدث قفزة واسعة، ودفعها إلى مأزق خطير بقتل نفرتاري وما تبعه من أحداث حتى نهاية الرواية. على أن الشخوص الرئيسة فيها تفاوتت فيما بينها، حيث تبرز شخصيتان منها تتعاوران الحدث وتطوراته بعمق، وبذلك يعدان أهم شخوص الرواية على الإطلاق وهما " إيزيس " و " ست "؛ في حين جاءت شخصية " أوزوريس " اعتبارية خلافا للأسطورة التي جعلته شخصية رئيسة، وعلى نفس الدرجة من الأهمية، حيث تجعله إله الخير والخصب والفيضان ورمز الطيبة والمحبة والرحمة، وإنه إذا غاب، فلفترة الاعتدال الخريفي حيث يبدأ فصل الجدب والقحط، ثم يعود مع فترة الاعتدال الربيعي، لتبدأ مرحلة الخصب والتوالد كما تقرره الأسطورة.. وهكذا كان وجوده مرتبطا بالخصوبة والولادة والبعث، كما كان غيابه مرتبطا بالجدب والقحط وموت الأرض والحياة!!
أما الرواية، فقد أسقطت البعد الأسطوري من شخصيته بمجرد أن عجزت إيزيس " الحديثة " عن بعثه إلى الحياة، أو إعادة الروح إليه بعد الموت برغم جمعها أعضاءه المتناثرة في أنحاء القطر ورش ماء النيل عليها. ولم تتمكن من ذلك إلا في الحلم كما رأينا. وانطلقت تمارس وجودها منفردة، وإن ظل حلمها بمولده وعودة الروح إليه يتولد في نفسها لفترة طويلة حتى بلغت حد اليأس مقتنعة بوجود حورس بجوارها!! وهكذا لم تكد تعثر على صندوق أوزوريس وتعيده إلى الحياة حتى تمكن منه ست فمزقه إربا إربا ونثر أشلاءه في مختلف أرجاء القطر، ولتعلن إيزيس عجزها عن إعادة الروح إليه، ليتوقف زمن الأسطورة ولتبدأ إيزيس العصرية ممارسة وجودها ودورها في بناء الرواية وتطوبر الحدث حتى النهاية بمعزل عن البعد الأسطوري. ومع كل ذلك فإن الرواية لم تقصر في هذا المدى المحدود في تحديد معالم شخصية أوزوريس المناقضة أو المقابلة لشخصية ست فجعلته إله الخير والخصب، ورمز الطيبة والمحبة والمغفرة والرحمة وحب الناس، وتأييد الأقدار له، وهو روح طائر خفيف الظل والحركة يهيم في سماء صافية بوجه بش وقلب عطوف نقي " / 31، و " هو الرجل الطيب، وهو الحياة المتجددة في زمان رديء " / 34، وكثيرا ما أعلنت إيزيس رأيها الرافض لطيبته مؤكدة أنها تكرهها فيه لكونها سلاحا في يد خصومه، بل إنها تذكر تلك الطيبة التي انسربت إلى نفس حورس / 47، كما عبر أوزوريس عن تفاؤله بالحياة في قوله "إني متفائل بالحياة، بكل مظهر من مظاهرها.. متفائل بالماء والهواء والشمس والنبات والحيوان والإنسان، ولا أجد وسيلة للتفاؤل تعلو على الحب " / 38؛ وهذا ما جعل ست يتمكن منه مرتين، عندما أخفاه بالحيلة أولا في الصندوق، وعندما مزق أشلاءه وبعثرها في أنحاء القطر أخيرا؛ وبذلك انتهى دوره البشري والأسطوري على السواء في الرواية. وهذا ما جعل ملامحه تبدو محدودة جدا ودوره في بناء الحدث كذلك، إذ سرعان ما قضى عليه أدبيا، خلافا للأسطورة التي تغيبه فترة الموت وتعيده إلى الحياة فترة أخرى تجسيدا لقضية الموت والحياة والخلود الأبدي / الجدب والخصوبة، انحسار ماء النيل وفيضانه / 79.
أما شخصية إيزيس، فقد كانت أهم شخوص الرواية قاطبة، وقد مارست دورها الأسطوري أولا، ثم واصلت مسيرة دورها البشري العصري الواقعي حتى نهايته؛ فكانت تمثل الشخصية القوية التي تقف دائما بمواجهة ست إله الشر لتحبط أعماله وتفسد مخططاته وتحمي نفسها وابنها حورس من شره وأذاه؛ وقد عنيت الرواية بتحديد معالم شخصيتها وملامحها في المرحلتين : ففي المرحلة الأولى تمكنت أولا من إعادة الصندوق الذي وضع فيه أوزوريس وإيقاظه من ضجعته الأبدية ليمارس دورة من دورات الحياة والخصوبة، ولكنها عجزت عن إعادته إلى الحياة مرة أخرى بعد أن جمعت أشلاءه المتناثرة لتضع حدا للأسطورة ولتبدأ مرحلة الواقع، ولكنها ظلت قادرة على الوقوف في وجه ست حتى آخر لحظة في حياته. هكذا كانت أبرز ملامح شخصيتها الإخلاص والقوة والعزيمة والإرادة والصبر والمثابرة والحرص على البحث وعدم اليأس.. صمدت في وجه ست ومحاولاته الدائبة لإخضاعها لرغباته، وإن أعلنت عجزها أخيرا واستسلمت له وعرضت عليه جسدها حماية لحورس من شره؛ ولكنها ـ وهذا إبداع في الحبكة يحسب للقاص ـ صادفت لحظة التحول الهائل والتغير الكامل في شخصية ست وانقلابه إلى محور الخير… وقد صور الكاهن طرفا من شخصية إيزيس في قوله : " أنتِ يا إيزيس سنبلة قمح في أرضنا الطيبة، وقطرة ماء من نيلنا العذب، أنتِ الضحكة في وجوه أطفالنا.. أنتِ.. يا أنتِ.. نبع الحياة أنتِ يا إيزيس. اصبري صيرا جميلا، لعل ما هو آت يحمل البشرى. وإذا ما أفل نجم فعلينا أن ننظر إلى مئات النجوم المزينة بها صفحة السماء. انهضي يا إيزيس. اخلعي ثوب القهر. أثبتي للحاقدين أنكِ الأقوى. فوِّتي الفرصة على الذين اغتصبوا الضحكة من ثغرك الجميل. فحورس الصغير هو الأمل.. حورس الجميل هو رجل الغد، المنتقم لأبيه! ".
واستمرت إيزيس تشكل مرحلة المقاومة لست حتى كادت تستسلم لفكرة نفتيس عندما دعتها لتعيش معه بعد أن تأكدت من تحوله المطلق إلى جانب الخير لتكون نهاية ست نهاية روائية جديدة.
أما شخصية ست، فيمكن أن تعد أقوى شخصيات الرواية على الإطلاق وأوضحها ملامح وقسمات وأشدها فاعلية وتحريكا للأحداث وتطويرا لها وتصعيدا للصراع فيها؛ وقد مرت أو عاشت شخصيته مرحلتين متمايزتين : مرحلة الشر ومرحلة الخير أو التحول إلى الخير والتخلص من الشر؛ وكانت هذه الشخصية في مبدأ أمرها تمثل الشر في الحياة، فكانت رمزا للشيطان، أو إلاها للشر، أو ابن إله الشر. وقد بدا ست منذ طفولته المبكرة ميالا للشر بخلاف أوزوريس الذي كان ميالا للخير مسرفا في الطيبة والرحمة والمحبة للناس جميعا.
كما برزت فكرة الشر في نفسه منذ بدأت المنافسة بينه وبين أوزوريس على إيزيس أختهما ورغبة والدهم في تزويجها من أوزوريس الطيب، وحظي هذا الأمر بموافقة ومباركة الكهنة. ولكي يحظى بإيزيس عمد إلى التخلص من أوزوريس بوضعه في الصندوق أو التابوت الذي أعده لهذه الغاية بالاتفاق مع نفرتاري وإلقائه في النيل في المرة الأولى، حتى إذا فشلت خطته وتمكنت إيزيس من إعادته إلى الحياة وإعادة الروح إليه، مزقه تمزيقا وبعثر أشلاءه في أرجاء البلاد عسى أن تعجز إيزيس عن إعادة الروح إليه مرة أخرى فيحظى بها. وقد دفع هذا السلوك العدواني البشع إيزيس لأن تصفه بأنه " قابيل العصر "، ولما يمثله من شرية ترتبط بالمرأة جاء وصفه بأنه مادي النزعة شهواني النظرة، وأنه محب للنساء ولا تكفيه امرأة واحدة، وأنه عقيم لا ينجب.. بل إن شره طال أخته نفتيس وكاد يطول إيزيس لولا أنها أفلتت منه، ولا يكف عن الشر والتفكير فيه وممارسة الأفعال الدنيئة، وإن كانت الأقدار لا تكف عن مطاردته لإفشال خططه الشريرة، وهذه هي المرحلة الأولى من شخصية ست وهي مرحلة الشر.
أما المرحلة الأخرى من حياته فهي مرحلة التحول في شخصيته من الشر إلى الخير وإن كان ذلك بسبب عجزه ويأسه من تحقيق غايته في الحصول على إيزيس التي ظلت متعلقة بأوزوريس مخلصة لغيابه الأبدي برغم كل محاولاته للحظوة بها. وقد كان هذا الموقف بالغ التأثير في نفسه حتى دفعه إلى هذا التحول عن الشر والبحث عن الخير وممارسته، وكأنه يريد أن يبعث أوزوريس في شخصيته عسى أن تتقبله إيزيس وترضى عنه، فابتدأ بالتردد على بيت الحياة يتزود من علم نون وحكمته ليتطهر من آثامه، ثم عزم على ممارسة النحت ليصنع تمثالا لإيزيس يؤكد التحول ويحقق غايته بعد أن يئس وعجز عن ذلك. وقد بلغ به التطهر والتحول والندم والرغبة الجارفة في التكفير عن ذنوبه وجرائمه إلى عبادة تمثال إيزيس، حتى إنه رفض جسد إيزيس عندما عرضته عليه حماية لحورس ظنا منها أنه لا يزال ست الشيطان رمز الشر وإلهه، ثم موقفه الرافض المندد بأفعال الفرعون وجرائمه وقتله آلاف الناس الذين سخرهم في تشييد مقبرته، وجريمته البشعة فيما يعرف بعروس النيل وما يسودها من مكر وخداع. بل كان من مظاهر تحوله زيارته قبر نفرتاري وتخليد موتها على جدران البيت نحتا ورسما ودعوات ومأتما وغير ذلك، وصنع تمثالا لأوزوريس، ثم لحظات البكاء الأخيرة قبل أن يسلم الروح!!
وقد كانت كل هذه المظاهر أثرا لحبه لإيزيس التي رفضته وبقيت على العهد محافظة على ذكرى أوزوريس!!
وأما شخصية حورس، فقد كانت تعيش في ظل شخصية أمه إيزيس التي قضت حياتها شديدة الخوف عليه، حريصة على حمايته من شرور ست وتنشئته ليكون قادرا على الانتقام والثأر لأبيه من قاتله، ومواصلة سيرته الطيبة الخيرة. ثم بدأت ملامح شخصيته في الظهور والاستقلال منذ أخذ يتردد على بيت الحياة لأخذ العلم عن نون وممارسة الألعاب الرياضية مع صديقه توت وأخته نيت وما قام بينه وبينها من علاقة انتهت بالرغبة في الزواج منها وتفضيلها على أخت الفرعون، حتى أزف أوان الأخذ بثأر أبيه من ست، وحاول تنفيذ هذا الأمر ولكنه لم ينجح بفعل الحراسة الشديدة التي كانت تحميه. بل إن ست نفسه حماه من حرسه وأنقذه، ثم تكررت المحاولة، ولكنه وجده حطام رجل لم يلبث أن فارق الحياة.
ثم تتابعت الشخوص الفرعية أو الثانوية التي كان أبرزها المعلم نون بمبادئه وقيمه وحرصه على نشر الخير والحب والمعرفة بين الناس، ثم مشايعته لست في بعض آرائه التي تتعلق بجرائم الفرعون، وقصة عروس النيل التمثال والعروس القربان التي تكون في العادة من نصيب الفرعون!
ثم شخصية " نيت " و " توت "، وهما متعادلتان في علاقاتهما بحورس!!
أما الجانب الأخير الذي نود أن نقف عنده في هذه القراءة التحليلية لرواية " دموع إيزيس "، فهو الجانب الأسطوري، وما طرأ عليه من أحوال أو تحولات وتغيرات جعله ينفصم عن الأسطورة الأم. وهذا الجانب يمكننا أن نرصده من زاويتين أو مظهرين : المظهر الموافق للأسطورة، والمظهر المخالف.
أما المظهر الموافق، فقد كاد يستقطب كل أحداث الرواية وشخوصها وأزمنتها وأمكنتها حيث سيطرت الأجواء الأسطورية عليها سيطرة تكاد تكون كاملة، وفيما وراء الأسماء الأسطوربة القديمة لجميع شخوص الرواية نجد الفكرة الأساسية التي قامت عليها، وهي فكرة الصراع بين الخير الذي يمثله أوزوريس، أو صار له رمزا أو إلها، والشر الذي يمثله ست وصار له إلها أو رمزا؛ وتغدو إيزيس محور هذا الصراع وسببه حيث كان الأخوان يتنافسان عليها، وما أحدث ذلك من قلق في نطاق الأسرة دفع الأب إلى استثارة الكاهن في هذا الزواج وما تمخض عنه من أحداث قررتها الأسطورة، وأبرزها تمكن إيزيس من إعادة الروح إلى أوزوريس في المرة الأولى، ولكنها لم توفق في ذلك في المرة الأخرى برغم اقتدارها على جمع أشلائه المبعثرة، مخالفة بذلك أهم تطورات الأسطورة ومقاصدها وأهدافها المقررة المركزة في الذاكرة الشعبية المرتبطة بقضية الخلود والحياة والموت، والخصب والجدب، وفيضان النيل وانحساره، وما واكبها من مظاهر التقديس. ويرسم القاص جو هذه الأسطورة وأثرها على الطبيعة فيجعل السماء غاضبة من جريمة ست، وتمطر لتغسل جدران المعابد والتماثيل من أثر هذه الجريمة البشعة. وقبل أن تبدأ إيزيس رحلة البحث عن أوزوريس تفزع إلى العرافين والكهنة في المعابد تستشيرهم وتسترشدهم، فتخبرها العرافة التي تفسر لغة النجوم وتقرأ الطوالع وتعلم النبوءات أنه في صندوق ملقى في النيل ويجري باتجاه المصب.. وأن ذلك تم بمشيئة الأقدار؛ ويتكرر ذكر الكهنة والعرافين في مواضع كثيرة من الرواية : 24، 32، 33 – 37. كما نجد ذلك عند وصف الأرواح الشريرة التي تسبب الكوابيس المزعجة التي أخذت تنتاب إيزيس في نومها وعانت منها كثيرا، فقصدت المعبد لتسأل العراف أو الكاهن الذي وصف لها دواء ناجعا، كما أكد العراف لها أن حورس سينتقم لأبيه ويأخذ بثأره.
وواضح أن العرافين والكهنة يقومون ضمن ما يقومون به بالكشف عن الغيب والتنبيه على ما سيقع من الشر والدعوة إلى الخير ونشر الأمل في النفوس وكان لهم وظيفة دينية محددة!!
ومن مظاهر هذا الجانب الأسطوري مناجاة إيزيس للشمس القوية المهيمنة باعثة الدفء والخصب، وأحد أسباب الحياة ومحاربة الشر والفساد والموت، وإعادة الروح أو الطائر الشريد إلى جثمان أوزوريس. وكذلك ما نجده من تكريس ظاهر لفكرة الخلود بعد الموت عند الفراعنة، مما جعلهم يضعون الأطعمة في القبور!!
وكذلك مظهر تقديس إيزيس وأوزوريس، حيث كان الحس أو الوجدان الجمعي يشكل مظهرا مهما من مظاهر الأسطورة القديمة حرص القاص على بعثه في صورة عصرية عندما جعل الناس يعلنون تعاطفهم مع إيزيس لتحقيق عودة الروح إلى أوزوريس.. ومن ذلك القبر الذي يتخذ شكل الهرم والذي دعا الناس لتشييده تعظيما لأوزوريس ليدفن فيه والذي ورد على لسان الكاهن / 43؛ وكذلك مشهد نفرتاري مع منتحل شخصية أوزوريس وما تلا من أدعية من كتاب الموتى وما تكرس من رمزية الخلود في قصة أوزوريس / 80.
وعندما قتل ست نفرتاري طلب منها الغفران واصفا إياها بالروح الخالدة الباقية؛ ثم قام بتخليدها في صور وتماثيل على جدران الدار وتلاوات من كتاب الموتى.. كما قام بتخليد أوزوريس وإبزبس بتمثالين نحتهما لهما تكفيرا عن جرائمه وشروره بحقهما. كما تبرز فكرة تقديس ماء النيل وقضية القربان المقدس " عروس النيل " و " مركب الشمس " / 109، وغير ذلك كثير من الطقوس التي تكرس الأجواء الأسطورية القديمة في الرواية!
أما المظهر الآخر المخالف، فلعل أول ظهور له كان في ضجعة أوزوريس الأبدية / 8، وفشل إيزيس وعجزها عن إعادة الروح إليه في المرة الثانية بعد تمكنها من جمع أشلائه إلا في الحلم الذي سرعان ما تبدد وتبددت معه أحلامها وتقطعت الروابط التي تربطها بالأسطورة في حين جعلت الأسطورة تلك الضجعة أو الموتة مرحلية فصلية متجددة مع دورات الخصب والجدب والحياة والموت تكريسا لفكرة الخلود !
كما نجد ذلك في موقف الفرعون من ست بعد ارتكاب جريمته بحق أوزوريس حيث يأمر بحبسه فيهرب إلى الجبل، ليعيش مع المطاريد وليواصل أعماله الإجرامية ضد أوزوريس على طريقة أهل الكفور والنجوع في الريف المصري " إغراق أرضه وإحراق داره ومزروعاته " وفشله في ذلك لشدة الحراسة التي أمر بها الفرعون!!
وكما أسلفنا فإن القسم الأسطوري من الرواية ينتهي مع بداية الفصل التاسع، وبذا يمكن اعتبار كل الأحداث القادمة مجردة عن الأسطورة واعتبارها واقعية عصرية برغم سيطرة الأجواء الأسطورية عبر الأسماء القديمة التي لو غيرت بأسماء عصرية ريفية لم يحدث فيها أي اختلاف. ولعلنا نذكر أن من أبرز مظاهر هذا الجانب المخالف ذلك التحول الجذري الذي أصاب ست من الشر المطلق إلى الخير المطلق، حتى إنه يرفض جسد إيزيس الذي عرضته عليه حماية لحورس من شره، والذي قضى حياته كلها، وفعل من الجرائم ما فعل طلبا له، وسعيا للحصول عليه. كما كان من مظاهر هذا التحول تردده على بيت الحياة يأخذ العلم عن نون. ومن أبرز مظاهر البعد عن الأسطورة في الرواية أو التحرر من ربقتها مشهد عروس النيل الذي جاء مشهدا عصريا موغلا في الحداثة والانفصام عن الأسطورة القديمة، وموقفه الرافض لهذا القربان المقدس. وهي نظرية عصرية مفرطة في البحث العقلي الذي يرفض مفهوم الأسطورة ومنطقها. كما أن التحول الذي أصاب القربان / عروس النيل بصنع تمثال أو نموذج لها ليقذف به في النيل، أما هي / الأصل، فتكون من محظيات الفرعون يتمتع بها ليلته، إذ أن مثل هذا السلوك لم يكن في زمن الأسطورة القديمة، وقضية القرابين الكثيرة التي يمكن أن نستبشعها في هذا العصر لم تكن مما يفكر فيه الناس آنذاك حيث لم يكونوا ينظرون إليها على نحو ما ننظر إليها نحن في هذا الزمان. ولكن الإغراق في التحول العصري والواقعي وما يهدف إليه القاص من إسقاطات دفعته إلى هذا الأمر.
وعلى هذه الشاكلة طوفنا مع القاص المبدع الأستاذ حسني سيد لبيب في هذه الجولة الماتعة مع روايته الجديدة " دموع إيزيس " التي استلهمها من الأساطير الفرعونية القديمة ومن الموروث الديني في محاولة لإسقاط أطراف من أحداثها على الواقع المعيش نافذا من خلالها لنقد بعض الأوضاع الراهنة، آملين أن نلتقي معه في إبداعات أخرى قادمة‍.

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:10 AM
قصة قصيرة لحسني سيد لبيب
.............................................

حتى لا يكون البلاغ كاذبا

ارتمى على الأرض متظاهرا بالإغماء، كما اقترح عليه رجل غريب شهد الواقعة معه. غامت المرئيات في عينيه.. تخشبت أطرافه.. تثلجت.. هرب الدم من عروقه، رعبا وفزعا وهلعا. خشي أن تأتي الشرطة ولا تنطلي عليهم الخدعة. لابد أن يتقن الدور. لأول مرة يمثل.. يخادع.. كان مضطرا.. مجبرا.. لابد أن يغيب عن عالم الأحياء، يتماوت.. يتقن الدور، وإلا... لو اكتشفت الخدعة سيقاد إلى السجن، ضحية بلاغ كاذب وخداع السلطة المتمثلة في الشرطة.
الرجل الغريب أصلع الرأس.. جلده في لون البن المحروق، وشاربه كث. يبدو عليه أنه موظف يكفيه راتبه بالكاد. اقترح عليه التظاهر بالإغماء، بديلا للمغمي عليه الذي أبلغ عنه، لكنه أفاق سريعا وجرى كالحصان. قال الموظف الغلبان :
ـ حين تأتي الشرطة، ستقبض عليك..
سأل، غير متيقن مما سمع :
ـ تقبض على من ؟
ـ على صاحب البلاغ الكاذب..
تريث قليلا ثم قال مشيرا بإصبعه إليه :
ـ سيادتك..
قال "سيادته" وقد غار قلبه من الخوف :
ـ ما العمل ؟
ـ ترتمي على الأرض بدلا منه، وتتظاهر بالإغماء..
وضع يده على بطنه، صارخا متألما، وارتمى على الرصيف، فالتف الناس حوله.
ما زال يسترجع المشورة الخائبة التي أرقدته على ظهره. تشخص إليه العيون.. يسمع الهمهمات والصيحات.. كيف يتراجع ؟ ما كان قد كان. يقف الموظف البسيط بجانبه ويحكي للناس ما حدث للمسكين. سأل أحدهم :
ـ هل طلبت الإسعاف ؟
ـ في الطريق..
جسّ شاب نبضه، وبشر الواقفين :
ـ خير يا جماعة.. النبض سليم..
النبض سليم!.. يعني... يُسجن ؟ غامت الدنيا في عينيه المقفلتين.. رأى الدنيا محمرّة بلون المغيب. يخشى البربشة بعينيه فينكشف أمره.. تداخلت الصور وتاهت المرئيات..
مضت نصف ساعة، ولم تصل سيارة الإسعاف. وهو ممدد على أسفلت الرصيف الساخن، لا يبدي حراكا ولا ينطق حرفا. لا يتنفس هواء ولا تتحرك له عضلة!..
حين جاءت سيارة الإسعاف بعد نحو ساعة، حملوه على النقالة جثة هامدة..
قال الموظف الأصلع :
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.. صاحبي أخذ الحكاية جدّا !..
قال أحد الواقفين في عصبية :
ـ جئتم متأخرين.. المرحوم شبع موتا!
نظر إليه رجل الإسعاف نظرة عتاب. هو غير مقدر لظروف عملهم. ولم يعلق بكلمة واحدة.
انبجست الدموع من عينيْ الموظف الكليلتين..
سأله رجل الإسعاف :
ـ أهو أخوك ؟
ـ لا...
أولى المكان ظهره منصرفا، بينما تتحرك سيارة الإسعاف وصوت آلة التنبيه المميزة لها يخرق طبلة أذنه، ولا يملك إلا التلويح بيده إلى رجل الإسعاف حتى بعدت السيارة عن ناظريه. تمتم محدثا نفسه : " مات بصحيح.. لا كان به شئ ولا عليه! "..

( 2002م )

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:11 AM
قصة قصيرة لحسني سيد لبيب
.............................................

الكرة تختفي في الأعالي

اثنان يلعبان. يتقاذفان بالكرة. يتقافزان معها في الاتجاه الذي تميل إليه. يريان الكرة ولا يراها غيرهما. إذا اتجهت جهة اليمين، امتدت أذرعهما بأكف مبسوطة. يتسابقان في رميها. اختارا أرض فضاء مسوّرة ملعبا لا يزاحمهما فيه أحد.. تطل أنقاض منزل متهدم، تشي بقايا جدرانه، وأسقفه المتهاوية، وأعمدته المشروخة إلى مَنْ عاشوا فيه..
أطلق أحدهما الكرة عاليا. رنا الثاني إلى الارتفاع الشاهق الذي وصلت إليه، وفي دورانها حول نفسها، كأنها تعجب من الرمية العشوائية.. نظر إلى صاحبه يعتب عليه. رنا هو الآخر إلى الارتفاع الشاهق، وانتظر الاثنان سقوطها. تهيآ بأكفهما الملتهبة. تزاحما. كل زاحم الآخر كي يضربها.. لكنها عاندت. ظلت تواصل ارتفاعها، تتحدى جحوظ العيون. استذلتهما الوقفة. رنا كل إلى الآخر، ثم عادا ينظران إلى الفضاء المترامي. اختفت تماما. ابتلعها الفضاء.. تجمهر الناس حول الاثنين. سألوا عما يبكيهما. أشار كل بإصبعه إلى أعلى. قال الأول:
ـ هذا رمى الكرة بقوة فأضاعها..
قال الثاني محتدا:
ـ أتعبني بالرميات العالية.. حاولت في هذه المرة أن أعامله بأسلوبه..
نظر الناس إلى الفضاء الواسع فلم يجدوا شيئا.. سألوا:
ـ هل هناك كرة حقا؟
الناس يرنون إلى الفضاء ينتظرون سقوط الكرة، مثل من يتضرع إلى السماء أملا في سقوط قطرات غيث يسقي بها الأرض العطشى.
تحولوا إلى مشهد اللاعبيْن وهما يحتدان بأصوات عالية لا يسمعونها، لكن حركات الفمين وتقاطيع الوجهين دلتهما على حدة النقاش.. ثمة أشياء مبهمة لا يفهمها الناس. من طبيعة الأشياء أن تسقط على الأرض، وفقا لقانون الجاذبية لنيوتن.. عاندت الكرة الجميع.. تحدت عقولهم.. كما أنهم لا يسمعون أصوات اللاعبيْن.. اندهشوا..
أما اللاعبان فيبدو أنهما فضّا خلافاتهما واتفقا على أن يواصلا اللعب.
من المحتمل أنهما يلعبان الآن بكرة ثانية، لكن الناس لا يريانها. بدآ يتناوبان القذف بالأيدي. ثمة اتفاق تم بينهما على ألا يقذفانها عاليا، وتحلق الناس يتفرجون على اللعبة الجديدة لكرة اليد. يتخيلون مسار الكرة من حركات اللاعبيْن..
همس أحد المتفرجين إلى الواقف بجواره:
ـ لعبة ممتعة.. كرة يد بدون كرة..!
قهقهات عالية اهتز لها كرشه المتكور.. قال الثاني:
ـ للتخيل متعته.. أليس كذلك؟
ابتسما وهما يتتبعان الكرة غير المرئية..
فجأة، ظهر رجل من الواقفين، يرتدي زي الحكم ويطلق صفارة معلنا انتهاء المباراة، فصفق الحشد الملتف. حين أعلن الحَكَم المزيف انتهاء المباراة بالتعادل، لا غالب ولا مغلوب، وقبل أن ينقطع التصفيق، انتبها إلى بطليْ المباراة وهما يرنوان إلى السماء، يتتبعان الكرة الأولى وهي تسقط. يلتقطها أحدهما، بينما يمسك الآخر بالكرة الثانية. الجمهور لا يرى أيا من الكرتين. انقطع التصفيق فجأة وتعالى صفير الاحتجاج على انتهاء اللعب. صفير متواصل، مطالبين باللعب بالكرة الأولى. وقع من نصّب نفسه حكما في حيرة، فاندس وسط الناس معلنا اعتزاله! وطلب من المتفرجين اختيار حكم غيره، لكنهم تمسكوا به واقتادوه إلى الملعب..
بدأ اللاعبان يلعبان بالكرتين معا، بالتبادل، كل يرمي كرة ويستقبل الأخرى في مباراة صعبة أدهشت الواقفين فصمتوا كأن على رؤوسهم الطير. نسوا الحَكَم الذي اندس ثانية بينهم، متفرجا مثلهم. ظلا يتتبعان الكرتين، ولا يدري أحد أي الكرتين هي التي اختفت في السماء ثم عادت!
ظلت الكرتان المختفيتان تروحان وتجيئان بين اللاعبيْن في رميات مكوكية سريعة. مباراة لا تنتهي، فاللاعبان لا يخطئ أحدهما في رميته أو في استقبال الكرة الثانية. الحَكَم المعتزل ملّ الانتظار. من المفروض أن تنتهي المباراة.. أطلق صفارته.. فصفق المتفرجون واندفعوا يحضنون اللاعبيْن. همس البعض متسائلا بصوت لا يسمعه أحد: "أين الكرة ؟".

( أغسطس 2001 )

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:11 AM
قصة قصيرة لحسني سيد لبيب
.............................................

ثلاثة مقاطع كروية

( المقطع الأول )
ألفيت نفسي منفردا بالكرة. نظرت حولي أرنو إلى اللاعبين. لا أجد واحدا يهتم بي. ربما هي خدعة. لكن لاعبي فريقي خلعوا الصدار الأخضر والسروال الأبيض، وارتدوا صدارا أحمر وسروالا أحمر، واندسوا وسط لاعبي الفريق الآخر. خشيت أن يكون صداري هو الآخر أحمر. تأكد لي أنه لا يزال يزدهي بالاخضرار، وما زال سروالي أبيض ناصع البياض. ربما هناك تعليمات جديدة. جالت عيناي في وجوه اللاعبين أبحث عن قائد الفريق. ولما صافحته، تبين لي أنه قائد الفريق الآخر. شردت عيناي في البعيد حيث ينزوي المدرب في ركن قصي. ولما وجدت أنني اللاعب الوحيد الذي يقف الجميع ضده. ركضتُ بالكرة كسيارة مجنونة، أسددها كيفما اتفق، والحكم، حاكم المباراة، يخرق صفير صفارته طبلة أذني، وهاتف داخلي يشجعني كي أواصل التحدي. ربما يريد أن يجبرني على تغيير ملابسي وأتحول إلى شيطان أحمر. عاندت، وجريت بالكرة في اتجاه المرمى. المرمى خال. تركه حارسه وانضم إلى لاعبي الفريقين. فرحتُ عندما سكت الصفير. دب الحماس في عروقي، وركلت الكرة بقوة، مسددا قذيفتي في اتجاه المرمى الخالي. لم تخطئ الكرة طريقها، لكن حاكم المباراة أطلق صفارته قبل أن تدخل المرمى بمتر واحد، وأقبل نحوي يعلن هزيمتي.

( المقطع الثاني )
ما أشهده في الملعب عجيب غريب. ارتدى لاعبو الفريقين زي أمناء الشرطة، واصطفوا جميعا صفين منتظمين، أمام مرمى الفريق الآخر، وبأيديهم بنادق آلية. تلتمع نصالها بانعكاس أشعة الشمس عليها. أما حراس الملعب، فقد ارتدوا زي اللاعبين، وتناثروا على الخط الأبيض الذي يحدّ الملعب. أخافني الحائط البشري الذي يسد المرمى كله، ولم أعد أرى الشبكة. رأيت بدلا منها وجوها صارمة وحرابا مسنونة. جريتُ لاهثا ونبضات قلبي تتسارع، تاركا الكرة في منتصف الملعب الخالي. حاولتُ الخروج، فيصدني حارس متنكر في زي لاعب، كما لو أنه يصد كرة دافعا بها إلى الداخل. أرنو إلى الحكَم، حاكم المباراة، كي ينقذني من الحصار.زعقتُ بأعلى صوتي : " كما ترى، حصار من الداخل وحصار من الخارج ". لكن صوتي لا يصله، ولا يسمعه أحد. صوتي أشبه بطلقات رصاص زائفة من مسدس كاتم للصوت، والطلقات ما هي إلا كلمات يبعثر الهواء حروفها. أطلق الحَكَم صفارته، مشيرا بأصبعه حيث موضع الكرة. جريتُ إليها ولا منافس لي. أنا اللاعب الوحيد. أنا النجم الذي تشخص إليه أنظار المتفرجين. لا. هناك أعين شاخصة جاحظة. تخيفني تلك الأعين، تخيفني بالسلاح الآلي الممسكة به. محاصر أنا في الملعب الواسع. نظرتُ إلى المتفرجين، أستطلع رأيهم، فألفيتُ الجميع يشيرون إلى موضع الكرة وهم يهتفون بحناجر ملتهبة. لكن هتافها لا يصلني. إنما يصك أذني صفير الرياح. لا مفر إذن. لا بد من ضربة الجزاء. جريتُ إلى الكرة، أدحرجها إلى الحائط البشري المسلح. حرصتُ على أن أقذف الكرة أمام الحائط المنيع، الذي تفصلني عنه عشرة أمتار تقريبا. لكن الكرة قبل أن تصطدم بالحائط، أخذت تتحرك حركات عشوائية من أسفل لأعلى، ثم تمزقت، خوفا ورعبا، وتناثرت أشلاؤها أمامي.

( المقطع الثالث )
اختلفت مع حاكم المباراة. سددتُ خمس رميات ناجحة أمام مرأى الجماهير الغفيرة. تأكدت الأهداف حين استقرت الكرة داخل الشبكة، وحين علت هتافات الحناجر، وحين ارتفعت الرايات، وحين أطلق الحَكَم صفارته، وحين أضاءت الشاشة الرقمية تضيف واحدا في كل مرة لرصيد فريقي. لكن حاكم المباراة، استبد برأيه، وأنكر أن للجماهير صوتا. وادّعى أنه لم يستعمل الصفارة بعد، وأن عمال الصيانة كانوا يقومون بأعمال تجارب على الشاشة الرقمية فلعبوا بأرقامها. ولما رددته بأنني رأيتُ الكرة بإنسان عيني وهي تدخل الشبكة وتستقر بداخلها، ضحك هازئا مني، وأرجع ذلك إلى خداع الحواس. وقال ضمن ما قال : " نعم سددت الكرة، لكنها ما إن دخلت المرمى حتى ارتدت واستقرت خلرج الشبكة. ولما قلت له إن كلامه قد يكون صحيحا في رمية واحدة، لكن هناك أربع رميات أخرى، استقرت فيها الكرة داخل المرمى. ابتسم في هدوء وهز رأسه زاعما أن الرميات الخمس كلها خارج الشبكة. ونفس ما جرى للكرة في الرمية الأولى، حدث في الرمية الثانية، وفي الثالثة والرابعة والخامسة. كدت أجن. نظرتُ إلى الجمهور المصطف بأعداد غفيرة. تصايحت الأصوات غضبا وشططا، وأخرج حاكم المباراة بطاقة حمراء من جيبه. فخرجتُ من الملعب منكس الرأس، أجر أذيال الخيبة. وإذا بلاعبي الفريق الآخر يدخلون الملعب واحدا بعد الآخر. ثم دخل لاعبو فريقي بنفس الطريقة. هرعت إليهم كي آخذ مكاني في الطابور، فانتهرني قائد الفريق، رغم صداقتنا، وأكد أنني مطرود من المباراة، وكل المباريات، كمثل آدم المطرود من جنة الرحمن، رغم أنني لم أقطف فاكهة من الشجرة المحرمة. ولما حدثته عن الأهداف الخمسة، سخر مني وزعم أن المباراة لم تكن بدأت بعد.
ــــــــــــــــــــ
* نشرت بمجلة " الهلال " ـ القاهرة ـ أغسطس 1995م.

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:12 AM
قمر الحب

قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
.................................................. ..

من نافذة غرفته، حيث يسهر مع فرشاته، يطل عليه القمر، من بين غيوم وسحب. يرنو إليه، معجبا مزهوا.. صورة خلابة، يضفي عليها سكون الليل تكوينا بديعا يموج داخل نفسه. منذ كان طالبا يدرس الفنون والصورة القمرية تشاغله، تملأ عالمه.. حتى تشكلت في مخيلته صورة بديعة. يداعبه حلم زاه برسم اللوحة، لكنه يتأنى ويتروى، حبا في أن تكون أجمل اللوحات. كل مساء، يضيف رتوشا إلى اللوحة المنطبعة في مخيلته.. هذا القمر الخلاب، مرة يبدو ضاحكا ملء شدقيه، وأخرى باكيا ملء مقلتيه.. كأنه يشارك سكان الغبراء ما هم فيه من حال لا يستقر.
يمسك بفرشاته.. يرسم اللوحة.. كما رآها وأحس بها.. شجعه على رسمها، ذلك الوجه المطل عليه من الشرفة المقابلة، وجه الحسناء الفاتنة. يقضي ساعات الأصيل رانيا إليه. حسناؤه هادئة الطباع. تجلس وتقرأ كتابا ما. قلما يتصادف أن تلتقي النظرات. ظل من بعيد يرقب هذا الوجه كل مساء، حتى يغيب عن ناظريه خلف ضلف النافذة الخشبية.
يطل عليه القمر، فيرنو إليه، كأنه يستعيض به عن وجه فاتنته، ويكمل المساء معه. وبقلبه الرهيف وحسه الشفيف، يترجم فؤاد أحاسيسه تجاه الفتاة بنظرات إعجاب وافتتان بالقمر!.. ظل يداعب فرشاته، راسما بخطوط انسيابية أشبه بخيوط الحرير، تلك اللوحة الطبيعية. وحين أحب أن يرسم وجها للقمر، احتار في رسمه. هل يرسمه ضاحكا أم باكيا؟ استقر أخيرا على رسم وجه. ثم رسم سحابة خفيفة تغشى وجه القمر، وإن كان مطلا من بين الغيوم بضحكته. واستغرق في رسمها قرابة الشهرين.
تزهو في أعماقه صورة حلوة لجارته الفاتنة ندى.. يخايله خاطر يحبب إليه لقاءها. لا تكفي النظرات عن بعد. ألا يكفي ذلك القمر المطل من السماء العلية؟ أحب وجه القمر وهو في كبد السماء، وأحب وجه ندى وفتن به، من تلك النظرات المتبادلة عبر نافذته وشرفتها، ولا شيء أكثر من النظرات.
بعد أن وضع اللمسات الأخيرة على لوحته، سمّاها " قمر الحب ". الاسم يربط بين وجه القمر ووجه ندى. ولكن.. هل صارت ندى حبيبة؟ هل يُكتفى في الحب بالنظرات العابرة؟
وفد من قرى الصعيد، واستقر به المقام في تلك الغرفة الضيقة. لا أحد يؤنس وحدته، يشاركه حياته. لا أحد يطرق باب غرفته. وأحاط نفسه بسياج العزلة، هذا أقرب إلى طبيعته.
ظلت ندى فتاته الحالمة، وشغله الشاغل. يرعاها في فؤاده، ويطمئن عليها في عالمه الصامت. يحلم بها بين ذراعيه، ويرتقي بها في خياله مدارج الكمال. ما إن يرد ذكرها على لسانه، حتى يخفق قلبه خفقانه السريع المتلاحق.
وبات طبيعيا أن يراها كل يوم من نافذته..
ظل على إعجابه الصامت، يشيع في صدره الراحة والصفاء، ويسري في دمائه الطهر والنقاء.. حتى أنه تمادى في خيالاته، ورسم لها صورة ملاك سماوي يرفل في ثوب أبيض. فما أحب أن يلتقي بندى على أرض الواقع، مؤثرا الاحتفاظ بصورتها الحالمة التي تبث الراحة في نفسه. تكمن سعادته في الإلهام الذي أوحى إليه برسم اللوحة، وعشرات مثلها من تلك اللوحات المشبعة بالخيال الأسطوري.
ثم أتى عليه ليل بلا قمر!..
يطل من نافذته فلا قمر على صفحة السماء، ولا فتاته ندى جالسة بشرفتها، فقضى ليلته مؤرقا مسهدا. ولم يواته نوم.
يلح على خاطره سؤال : لماذا تعترينا الرغبة في البكاء؟
حديقة الشتاء، يذبل فيها الورد، تصفر أوراقها الخضراء. حديقة الشتاء تشكو زائريها ما أصابها من عري وتجريد. حديقة الشتاء ترسل أنات الحزن، ولكن بلا دموع.
يتهامس الطير بين الأشجار بصوت مخنوق : لماذا تعترينا الرغبة في البكاء؟
يلملم شوارد أفكاره مغلقا نافذته بعد أن ملّ الانتظار. وندى، الوجه الحالم الغائب، لم يظهر في الأمسيات التالية. خيم الحزن، وانتشرت من حوله خفافيش الظلام.
ذات ليلة، ينهض من نومه مذعورا، ثائرا، ملتهب الحس، مضطرب القلب.. فلم تزل ندى تشيع الأمل والحب والنور.. لم تزل ندى للقلب نبضه وحياته..
تزهو في مخيلته لوحة رائعة لقمر الحب، وبدلا من ذلك القمر المطل من صفحة السماء يرسم ندى وجها قمريا ضحوكا. ومن جديد، يمسك بفرشاته، راسما بخيوط حريرية انسيابية، صورة ندى القمرية. وبدلا من السحب والغيوم التي تكتنف الوجه وتحيط به، يرسم خيوط الشعر الحريري الناعم، متموجا، على شكل طيات متلاحقة، كأن كل طية تثب لتسبق الأخرى. ورسم على الشفاه ابتسامة هادئة، فأصبح الوجه ضحوكا كالقمر. ثم رسم دمعتين على خدين متوردين، لا تكادان تبدوان للناظر.
وأطلق على لوحته اسم " خلود ". فهل يقصد به خلود الحب، أم خلود الجمال، أم أنه يقصد رسم ملاك سماوي سيئوب إلى التراب؟!
استغرقته اللوحة.. تواتيه الرغبة في إكمالها حين يرى ندى، ويعزف عن ذلك حين تغيب عنه. مضت أيامه بين مد وجزر. اكتملت اللوحة، وفتن بها وبألوانها. حفظها في مكان مكين. واعتبرها درة غالية لا يفرط فيها أيا كانت الأسباب.
الدنيا يا فؤاد لا تستقر على حال..
الدنيا تدور..
كل شيء في الدنيا يدور..
حقيقة علمية، مؤكدة، ومبرهنة..
كل شيء في دنياك يتحرك..
وعالمنا موار، لا يستقر ولا يهدأ..
ثم أطل على الدنيا ليل بلا قمر.. لكنه ليل طويل لا يعرف له آخر. بدأ ظلامه حين أظلمت الشرفة، حين باتت خالية جرداء. وتسلل الظلام إلى شعاب نفسه مع تعاقب النهار والليل. حتى القمر المطل عليه من السماء العلية، بدا باكي الوجه، مكفهرا، مشاركا صاحبه الأحزان.
فهجر فرشاته، واعتراه هم ثقيل.
ويأتيه جاره " رفيق " بالخبر اليقين. تزوجت ندى من ثري عربي، وسافرت معه إلى بلده. لم يشأ أبوها أن يقيم حفلا، أو يذيع خبرا، مؤثرا إتمام الزواج في صمت. لاحق فؤاد جاره بأسئلة واستفسارات، لكن رفيق لم يكن يعرف أكثر مما قال.
أراه اللوحة، فأعجبته..
ـ رائعة..
قالها وهو منبهر بجمالها.
قال فؤاد :
ـ فيما يبدو أنها تزوجت رغم أنفها.
ـ ربما..
بعد فترة صمت، استطرد رفيق :
ـ هل كنت تحبها؟
ـ لا أعرف.. لكني فتنت بجمالها.
وأكمل فؤاد رحلة الحياة مفتقدا الأنيس الصامت الذي كان يطل عليه، نموذجا رائعا للجمال. وكان أروع ما في صورة ندى، صمتها!.. فاستهام بهذا الصمت، الذي أشاع عنده الإحساس الدفاق بالجمال. يرى في الصخب وفي الكلام عامل إحباط يفسد الصورة الجمالية، بينا يشكل صمت التماثيل والرسوم والصور جانبا من جوانب الجمال.
غاب عنه الأنيس الصامت..
وواصل وحده رحلة الحياة، ولم تزل صورة ملهمته منطبعة في خاطره. يود أن يرسم لها عشرات اللوحات، لكن الأمنية أحبطت.
وتمر سنوات لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. فينتقل فؤاد من غرفته الصغيرة الضيقة، إلى شقة أكثر اتساعا، ولم يزل عزبا، لا يفكر في زواج، مرتضيا زواج الفن. وذاعت شهرته، حتى ذكر اسمه في أعمدة الصحف، فنانا مرموقا.
يقيم معرضه الأول، فيطبع بطاقات دعوة مرسوما على غلافها رسما مصغرا للوحته " خلود "، رسما مصغرا لوجه ندى بشعرها المتموج على جانبيْ الوجه.
يتوافد العشرات من محبي الفن. ويكون حصيلة المعرض بيع لوحات كثيرة، لكنه لم يشأ بيع لوحة " خلود "، التي كتب عليها لافتة " للعرض فقط ".
تكثر أسئلة الزوار حول " خلود " معجبين بها، مفتونين بجمالها وتناسق ألوانها. وعرضت عليه مبالغ مغرية، فما فرط فيها.
وفوجئ بجاره القديم " رفيق ".. يحييه بحرارة.. ويستعيد معه بكلمات مختصرة ذكريات الحي القديم، أيام كان طالبا يدرس الفنون. ثم يتطرق الحديث إلى ندى.. يعقب رفيق :
ـ أراك تضع " خلود " في مقدمة لوحاتك.. ألا تريد معرفة أخبار ملهمتك؟
ـ ماذا عنها؟
ـ عادت إلى مصر منذ شهور. لم تنجب من زواجها أولادا. وطلبت منه الطلاق فطلقها.
ـ في نفس الشقة؟
ـ وتجلس في نفس الشرفة.
يشرد فؤاد..
عبق في الجو عطر قديم محبب إليه. ارتحل إلى الماضي. أفاقه من شروده صحفي متحمس للفن، بسؤال مفاجئ :
ـ لماذا سميتها خلود؟
ـ من تقصد؟
ـ لا أقصد شخصا. أقصد لوحتك الرائعة " خلود ".
ـ خلود..
وابتسم قبل أن يجيب :
ـ قد يكون الخلود رغبة مستعرة في نفس الفنان، رغبته في أن يخلد لحظة جمالية ما.. لحظة عاشها الفنان وفتن خلالها بجمال أخاذ، فأحب أن يكون هذا جمالا خالدا.
ـ ربما يكون تجسيدا لمعنى " الجمال الخالد ".. إذا صحت التسمية.
ـ ربما..
حين هم رفيق بالانصراف، حدد معه موعد لقاء!
ولم ينس أن يكاشفه برغبته في زيارة ندى، قال :
ـ أود أن أزور أباها.
ـ تعش أنت .. قد توفاه الله منذ عام.
أطرق أسفا، واستطرد رفيق :
ـ تقيم مع أمها العجوز. هل ستطلب يدها؟
ـ ولم لا؟
ـ مستعد أنت للزواج؟ .. متهييء له؟
ـ كما تعرف، لست متحمسا للزواج. لكن.. لماذا لا أفكر في الاقتران بملهمتي التى شغلت بها، وفتنت بصورتها؟
وكان لقاء ..
أحب فؤاد أن يجدد بهذا اللقاء صورة من صور الماضي الجميل.
ضم المجلس ندى وأمها، ورفيق وفؤاد. تبادلوا حديث الذكريات عن أحوال كل منهم منذ خمس سنوات. كانت ندى أكثر إنصاتا وصمتا. قال رفيق لندى :
ـ فؤاد فنان مرهف الحس. ألا تعلمين أنه رسم لك صورة رائعة؟
ـ وهل رآني جيدا حتى يرسمني؟.. لا أذكر أننا التقينا.
قال فؤاد :
ـ من نافذة غرفتى، سمحت لنفسى أن أتطلع إليك، فانطبعت فى وجدانى صورة فذة اختلط فيها جمالك بما أحس به.
ـ هل تأذن لى برؤيتها؟
ـ طبعا.. طبعا..
وتحدد موعد ثان للقاء.
ولما انصرفا، سأل رفيق :
ـ لماذا لم تطلب يدها؟
ـ ...
ـ أم أنك ستعيد النظر فى اللقاء الثانى؟
رمقه فؤاد بنظراته وصمته..
وفى اللقاء الثانى، لم يشأ رفيق أن يأتى معه. زارها وحده، متأبطا لوحته.
كانت ندى على قدر من الثراء أكثر من ذى قبل، بما لديها من مال مدخر، استثمرته فى مشروع تجارى صغير. ولما عرفت أن فؤاد أقام معرضا، باع فيه عددا من لوحاته، قالت وكأنها فطنت إلى ما يرمى إ ليه :
ـ حلوة، وجذابة.. بكم أشتريها؟
ـ إنها لا تشترى..
واستمرآ صمتا طويلا. قامت أمها تعد الشاى. استطرد فؤاد، وهو يرمقها بحنين الماضى :
ـ ولكني أهديها.. إلى صاحبة الوجه القمري الحالم، الذي فتنني، وألهمني هذه الرتوش.
ـ شكرا.. لكنك تعبت فى رسمها .
ـ أكون سعيدا لو قبلت الهدية.
ـ شكرا.. على الهدية الجميلة..
ثم قالت بعد لحظة صمت :
ـ ولكن.. لماذا سميتها " خلود "؟
احتار فيما يخالجه من أحاسيس. إنه يجلس قبالة ملهمته عن قرب. ولكن ثمة أميال تعد بالآلاف تفصل بينه وبين الوجه الذي استهام به منذ سنوات.
كررت السؤال..
ارتجل بضع كلمات...
ـ فيما يبدو أن غرور الفنان هو الذى أملى الاسم..
ورنا إلى وجهها، ثم كسر حدة الصمت مرتجلا كلمات أخرى :
ـ كان هذا منذ خمس سنوات.
ـ أعرف أن لا شئ خالد في الحياة.
ـ حقيقة دنيوية معروفة للجميع .
أتت أمها بأقداح الشاى. وأنصت كلاهما لحديث الأم عن ذكريات زمان، وعن مقارنة لاترحم بين أسعار السلع منذ ثلاثين سنة والوقت الراهن.
ثم استأذن فؤاد منصرفا.
يلتقي به رفيق بعد أيام، يسأله :
ـ هل طلبت يدها؟
ـ ...
ـ هل قوبل طلبك بالرفض؟
ـ لم أطلب يدها..
ـ هذا ما توقعته.. لهذا لم أشأ الذهاب معك. صدق ما ظننته من أنك وجدت صورة مغايرة لصورة ملهمتك.
ـ كأنهما صورتان مختلفتان جد الاختلاف..!
استطرد بعد صمت قليل :
ـ هل تستطيع السنوات الخمس أن تغير أحاسيس الإنسان؟ لا أكتمك القول يا رفيق.. لم أجد في ندى هذا الشيء المثير الذي كان يلهمني..!
ـ ربما زواجها هو الذي غيرها؟
ـ نعم هو الزواج..
ـ لا تتسرع في الحكم.. ربما أنت الذى تغيرت؟
ـ نعم هو أنا..
ـ ولا تتسرع في هذا أيضا.. ربما السنوات الخمس قد أحدثت تغييرا وتبديلا؟
ـ نعم هي السنوات الخمس..
ـ لاتتسرع أيها الفنان المغرور. ألا ترى أنك تسرعت في تسمية لوحتك الجميلة " خلود ".. بعدما لمسنا ما لمسنا؟
ـ لم أتسرع.. ما زلت مصرا على إبقاء الاسم كما هو..
جال ببصره فى السماء الواسعة العريضة، باحثا عن قمر الحب، الذى أطل عليه منذ سنوات خمس..
وكانت شمس الظهيرة قد ملأت الكون بنورها ونارها..
ــــــــــــــــــــ
* مجلة " القصة " ـ القاهرة ـ يناير 1981م.

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:13 AM
الطابور

قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
............................................

في الصباح الباكر، توجهت إلى مكتب التموين، لأقف مع الواقفين الذين أعطي لهم الحق في حصص التموين دون سواهم من فئات أكثر قدرة على الكسب، وأيسر حالا.
أنا موظف. مرتبي لا بأس به، وإن كنت عاجزا عن فتح رصيد في بنك. يعني مستورة والحمد لله.
أمس، رجوت البقال أن يتولى تغيير بطاقتي، فأرجأني عدة أيام. فهمت أنه يريد أجرا لقاء ذلك. عاندت نفسي وأصررت على إنجاز المهمة بنفسي.
أشد ما يضايقني أن أقف في الطابور. ولكن، ما الحيلة؟ ليس من طبعي أن أدفع رشوة أو أكون مرتشيا. يعني نظيف والحمد لله. فلماذا أكبو في هذه المرة، وأسلك طريقا لست أرضاه؟
طابور طويل يتلوى كالثعبان، وطابور قصير نوعا ما للسيدات. يحشد الطابور خليطا من أولاد البلد المتجلببين بجلابيب، والعجائز، والشباب المتزوج حديثا..
تناولت استمارة وملأت بياناتها. يد امرأة بدينة تمتد نحوي باستمارة، فملأتها لها. ويد أخرى لعجوز، ويد ثالثة.. كنت في عجلة من أمري كي آخذ دوري في الطابور. لكن لا بأس من التريث خمس دقائق أو عشرا، من أجل هؤلاء السيدات الأميات. تنقدني إحداهن عشرة قروش.. نظرت إليها شزرا..
ـ ما هذا؟
ـ أتريد أكثر من عشرة قروش؟
ثرت في وجهها. أفهمت الجميع أني لست كاتب " عرض حال ". وحينما تلفت حولي، لمحت صبيا في الخامسة عشرة، يملأ الاستمارات لقاء أجر. انسللت هاربا من المكان، وأنا أخشى أن يراني أحد من معارفي، فيدركوا خطأ ما ليس بي.
استطال الطابور الثعباني أكثر فأكثر، وكثرت فيه الانحناءات.. فإذا ما اعترض الطابور حائط المبنى، انكسر، وانتظم بجوار الحائط.. وإذا ما اعترضه كشك سجائر، استدار حوله محتضنا الكشك.
وقفت في آخر الطابور، وما هي إلا لحظات، حتى وجدت خلفي قرابة عشرة أفراد، فأحسست بالزهو لتقدمي عليهم.
بجانبي بائعة شاي، تتجلبب بجلباب أسود. سيدة في الثلاثينيات. تشكل السمرة لمسة رائعة من لمسات الجمال، تضاف إلى قسمات الوجه المريحة.. عيناها نجلاوان لماحتان. تروح وتغدو بأكواب الشاي لباعة الخضر والفاكهة المجاورين لمكتب التموين.
ركن الشاي، عبارة عن منضدة خشبية وضع عليها براد شاي كبير على موقد بوتاجاز، ووعاء معدني نظيف، مملوء بالماء. اصطفت الأكواب النظيفة في صفين منتظمين، وكرسي خشبي قديم، ينبيء حاله عن ثلاثة أجيال توارثته، ولم يزل صالحا للاستعمال، وإن كان يشكو تشققات في قاعدته الخشبية. كما أن إحدى أرجله قد أعيد تثبيتها بغراء ومسامير.
يجلس على الكرسي طفل في الثالثة. يبدو نظيفا. أمه بائعة الشاي، تهتم بنظافته مثلما تهتم بركن الشاي، مصدر رزقها. وجه الطفل نظيف. تحدق عيناه في الطابور. يرتدي قميصا نصف كم، وسروالا قصيرا يكشف ساقيه. سمرة الطفل من سمرة أمه.
بجوار الكرسي، دكة خشبية تشكو هي الأخرى آثار الزمن، لكنها بأي صورة صالحة للاستعمال.
الفرصة مواتية لشرب الشاي. قتل الوقت مهم. راقبت البائعة وهي تضع قوالب السكر في الكوب بيد مدربة، ثم تمسك ببراد الشاي وتصب منه خلال مصفاة. تعلقت عيناي بيدها وهي تحرك الملعقة حركة دائرية متأنية. الجو شديد الحرارة، لكني أشرب الشاي الساخن في كل الأوقات.
قلت للرجل الذي يتقدمني :
ـ تفضل..
شكرني بامتنان، ووجدها فرصة ليتجاذب معي أطراف الحديث. نبهني إلى الذين يندسون في مقدمة الطابور، مخالفين النظام.
قلت له :
ـ هذا خطأ الشخص الذي يسمح بهذا..
ـ ربما يكون المندس قريبا أو صديقا له.
ـ يعني مجاملة.
قال متضايقا :
ـ إنها المجاملة التي تفقدنا شيئا من القيم.
كلماته نافذة. تأملت وجهه الصارم، شعره المخلوط فيه البياض بالسواد. وعيناه الحادتان. أحسست ببركان يختفي وراء ملامحه، وما نظراته الحادة، وكلماته النافذة إلا شررا من حمم البركان الدفين.
امتد به الحديث حول انتظام وأصول المعاملة. كنتُ المتلقي الوحيد لكلماته. لم يصدق ظني في أنه سينهي حديثه، وكرر لزومياته، حول تأنيب المخالفين، وحث الواقفين على الالتزام بالطابور.
التفت أمامه، وهو قلق لما يحدث، وانصرفت عنه بشرب الشاي، وملاحظة الرجل النحيف الواقف خلفي. يبدو عليه التوتر، وعصبية المزاج، وتعجل الأمور. قلت له وقد تحرك الطابور عدة سنتيمترات :
ـ هانت..
قال على التو :
ـ والعمر يهون يا أستاذ..
بدأ الرجل الواقف أمامي يتودد إليّ. حدثني عن ابنه الذي يتأهب للزواج. أخبرني أن موظف التموين صديق حميم لابنه. أردف همسا :
ـ لكن لم أشأ أن أقصده.
ـ على الأقل، يرحمك من هذه الوقفة.
قال في غضب :
ـ لم يفاتحني في هذا..
تنهد كأنه يزيح هما :
ـ هو صديق حميم لابني..
قطعت امرأة حديثنا المتقطع. المرأة تمثال حي ناطق بالفاقة. ثوبها حائل اللون، مترب مرتق. حول رقبتها اكتناز، وتجاعيد تنبيء عن مرارة السنين التي عاشتها. تحمل فوق رأسها سلة فيها خضار، كاد يفسد عند بائعيه. لم أكن أنصت جيدا لما تقول، قدر تأملي لعينيها المنتفختين وتتبعي لحرف الراء الذي تقلبه ياء. المرأة البائسة لها مشكلة مع مكتب التموين، تعرضها علينا بأسلوب غير مفهوم تماما، إلا بالاجتهاد وإخلاص النية في فهم المشكلة. يبدو أن عائل الأسرة قد توفى، وأنها تريد قيد أمها العجوز. قال الرجل الواقف خلفي :
ـ اذهبي لرئيس المكتب، واعرضي عليه مشكلتك.
ثم أشار إلى المكان الذي تذهب إليه.
يبدو أنه لم يستمع جيدا لكلامها. شاء أن يريح الواقفين من عناء التفكير. متعجل لكل شيء، هكذا يبدو، فيما عدا وقفته هذه في آخر الطابور المتثني كالثعبان.
رثيت لحال المرأة. لكن ما الحيلة؟ قد انطبعت صورتها في ذهني، تمثالا حيا للفاقة، لم يبدعه فنان.. وزاد التمثال تجسيدا وتعبيرا، تلك العين الزجاجية البارزة.. كانت المرأة قد ذهبت بما تحمل من خضار فاسد ومشاكل، إلى حيث أشار الرجل.
عاد الرجل الواقف أمامي يحدثني :
ـ لست أحب أن يجاملني أحد. هذا أسلوبي في التعامل.
ـ هذا أفضل.
امتد الصمت بيننا عدة دقائق. تأملت خلالها بائعة الشاي وهي تؤدي عملها، وطفلها يراوغها، فيترك كرسيه ويخترق الطابور من عدة أماكن، ثم يحاول الجلوس على الدكة الخشبية فيفشل، فيعود إلى الكرسي، أو يمسك بذيل ثوبها ويحتضن ساقيها بذراعيه.
صدمني الرجل الواقف خلفي، وهو يزفر زفرة ضيق مشبعة بتنهيدة طويلة :
ـ أف... يا رب ارحمنا..
قلت ألاطفه :
ـ تجاوزنا الثلث الأخير من الطابور.
ـ أف... طابور لا يعرف له رأس من ذيل.
شارك الرجل الواقف أمامي بقوله :
ـ المندسون أس البلاء.. لو تطهر الطابور منهم، لارتاح الجميع.
لم يعقب الرجل الواقف خلفي بشيء. أنهى تأففه بإشعال سيجارة، وتدخينها بعصبية وتعجله إنهاءها.
قلت للرجل الواقف أمامي :
ـ المندسون يعكرون صفو الطابور. دائما نلقى في كل نظام من يعكر صفوه. مشكلة المشاكل.
وحدثني عن حرصه على اتباع النظام، ورفضه للوساطة والطرق الملتوية. وأكد لي أن أموره تسير سيرها الطبيعي.
عاد الصمت يخيم على الطابور. ولا يسمع إلا خليط أصوات قريبة منا، وما تفرضه طبيعة المكان بما فيه من صياح وأبواق سيارات ومكبرات صوت قريبة وبعيدة.
نظرت إلى الطابور من أوله إلى آخره.. ألفيت خلفي عشرات من الرجال، وأمامي أضعاف الأعداد التي خلفي. إذن فقد اقتربت قليلا من منتصف الطابور. هانت. الصبر مفتاح الفرج. قد اقتطعت اليوم من رصيد اجازاتي. ها أنا أقترب قليلا. خطوات لا تتعدى المترين إلى الأمام. لا بأس. حتما سأصل.. برغم هؤلاء المندسين في أماكن أمامية.. لا ضير.. مثلما لا تضار السماء إذا عكرت صفاءها وزرقتها سحابة عابرة.
أتى رجل وأعلن عن فتح شباك آخر لتلقي الطلبات في الجزء الخلفي من المبنى. تردد الواقفون في الاستجابة للنداء. حرصت على البقاء في مكاني محتفظا بدوري. ربما تكون خدعة لينقلب الطابور إلى فوضى. انصرف البعض إلى الشباك الجديد بخطى مترددة. تشجع آخرون حتى كثر عدد المنصرفين. ولما أحس الكل أنهم يمثلون كثرة، بدأوا يركضون متزاحمين نحو الشباك الآخر. تركت مكاني، وتركت ساقيّ تسابقان الريح عساي ألحق مكانا متقدما في الطابور الثاني. ولكني.. إذ وصلت.. ألفيت نفسي في آخر الطابور!.. والواقفين في أوله، هم الذين كانوا في آخر الطابور الأول!
ندبت حظي، إذ أنظر خلفي فلا أجد أحدا يقف ورائي، فتركت الطابور الجديد واتجهت نحو بائعة الشاي. جلست على الدكة الخشبية، وطلبت شايا. عيناي تحدقان في الطابورين اللذين يتثنيان كثعبانين طويلين، وإن كانا متحفزين للوثوب إلى شيء ما.
عدت أرنو إلى بائعة الشاي. كيف تثابر على العيش بقروش الشاي الزهيدة؟.. كيف تربي طفلها، وتعتني بنظافته؟.. أهي المثابرة والإصرار؟.. أم ماذا؟..
وحين عدت إلى بيتي.. حكيت لزوجتي ما حدث. بالغت في الوصف. قالت :
ـ إذن، عُدْ إلى البقال، ينهي لك الإجراءات.
صمت...
قالت :
ـ ادفع له ما يريد.
قاومت شيئا بداخلي. قلت بإصرار :
ـ أرجو أن توقظيني مبكرا.. مبكرا جدا.. سأحرص على الوقوف في أول الطابور.
ابتسمتُ ساخرا، وأكملت :
ـ لن أعبأ إذا انقسم الطابور الثعباني إلى اثنين أو ثلاثة. سأظل واقفا في مكاني.
وتنهدت في شبه ارتياح.
سأنهي كل الإجراءات غدا.
في الصباح، سيكون كل شيء على ما يرام!
ــــــــــــــــــــ
•مجلة " الثقافة " ـ القاهرة ـ العدد 80 ـ يوليو 1981م.

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:14 AM
أبي

قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
.................................................. ..

تغير كل شيء بعد وفاة أبي. ثلاثة أشهر مضت على وفاته. كان حزني خلالها حزنا صامتا.. أقبع وحدي في غرفتي، أجتر ألم الحرمان، وحولي كل شيء يتغير.. فأختي سحر التي تكبرني بثلاثة أعوام، بدأت تستكشف في نفسها أشياء جديدة. خرجت عن صمتها المعهود، وعزلتها الكئيبة، وانجذبت إلى الحياة. نجحت في الإدلاء بآرائها في كل ما يجدّ على الأسرة من أحداث. فاجأتني ذات يوم بقولها :
ـ لماذا تصر على أن تبدو حزينا؟
كنت أهم بتطويق عنقي برباط أسود، فتوقفت يداي، ورحت أفكر.. لكني عجزت عن الرد، فآثرت السكوت.
منذ ذلك اليوم، وجدتها تنتقي بنفسها رباط العنق الذي يتلاءم مع هندامي.. كما تبدي رأيها في تصرفاتي.
أما الصغيرة سناء، فقد غيرت معاملتها معي.. وثقت بآرائي، واعتبرتني مسئولا عنها في الحدود التي تراها مناسبة.. حتى خيل إلىّ أنها وضعتني مكان أبيها الذي عانت من فقده الكثير من الآلام. كان أبوها محل ثقتها، والمرجع الأول والأخير في كل ما يعنّ لها من خوافي الأمور. وحين مات أبي، نظرت إليّ نظرة جديدة ملؤها الاهتمام. إنها تلح عليّ في هذه الأيام كي أقرأ القصص، وأشاركها تلك الهواية التي نمت منذ فترة قصيرة. ولم تقتصر على تلك الدعوة الملحة، وإنما أعطتني قصتين لقراءتهما، ووصفتهما بأنهما أروع ما قرأت!
وأمي الطيبة، تقسو عليّ في أحكامها.. فلا أتأخر كثيرا خارج البيت، ولا أسهر، وعليّ أن أكون متزنا معتدلا في كل تصرفاتي.
مضت ثلاثة أشهر على وفاة أبي، ورغم هذا، فما زلت أعي كلمات الرثاء التي قالها أحد أقاربنا :
ـ البقية في حياتك.. كان المرحوم رجلا طيبا.. الله يرحمه.
واسترسل في سرد عزائه. كلمات تكررت كثيرا حتى أرهقت سمعي. رجل طيب!.. يا إلهي!.. كم سخرت من هذه الكلمة!.. فهكذا نشيع موتانا. نقول إنهم طيبون وننسى أننا دائما نبخسهم قيمتهم الحقيقية.. فكلمة الطيبة ترادف كلمة التأثر، وهناك علاقة وثيقة بين الكلمتين.
الحياة تتغير.. كل شيء في الحياة يتغير ويتجدد. حتى نداء البائع المتجول. نداء تتجدد نغمته، لكني لا أشعر في تكراره بالملل أو السأم.. فكلما تناهى إلى أذني نداؤه، أستشف معنى جديدا وأتذوقه كنغمة خاصة. إن صوته يشعرني بأن الحياة مستمرة، ولا يعرف لها انتهاء.
في هذه الأيام، أهتم بسحر مثلما تهتم هي بجمالها وزينتها.. إنها جديرة باهتمامي. لم تعد تلك الفتاة الغريرة المضجرة.. إنها الآن تصر على التزين، والأناقة.. حتى أصبحت فتاة جميلة جذابة.. فأشعرتني بإمكان تغيير صورة الإنسان.
* * *
أنا المسئول الوحيد عن البيت.
هكذا تغير الموقف. كنت واحدا من الأسرة، أتصرف كأي فرد فيها. كنت حر التصرف.. لكني الآن لست كالآخرين. أنا فرد مهم بالنسبة للآخرين. هكذا شاءت الظروف أن تضعني. بدأت العيون تتجه ناحيتي كآخر مرفأ يلجأون إليه. كل الناس ينظرون إليّ نظرة خاصة. أحسست، في فترة وجيزة، بقيود رهيبة تكبل تصرفاتي القديمة، وترغمني على تغيير طبيعتي، ولا أبدو إلا كما يحب الآخرون أن يروني.
أنا المسئول عن أمي وشقيقتيّ الاثنتين. أنا صاحب الرأي. هكذا أكدت لي أمي بكلماتها..
ـ أبوك مات. البركة فيك يا ابني. مات وترك لنا رجلا.
كانت الكلمات ثقيلة.. لكني قدرت قيمتها الحقيقية.
* * *
كنت أطالع في غرفتي حين دخلت سناء في ثوب أنيق، وابتسمت قائلة :
ـ أنا خارجة..
ـ إلى أين؟
ـ سأذهب مع صديقتي إلى السينما.
قلت في حزم :
ـ لا تتأخري عن الساعة التاسعة والنصف.
ـ قد نتأخر قليلا بسبب المواصلات.. حسبما تشاء الظروف.. لكني تشبثت بقولي..
ـ قلت لا تتأخري عن التاسعة والنصف.
كان صوتي حادا بعض الشيء. لقد أفزعني ما قلت من كلمات صارمة، ولا شك أن سناء فزعت هي الأخرى، فقد أسهمت صامتة.. ثم غادرت غرفتي دون أن تنبس بكلمة واحدة.
ظللت أقسو على نفسي وأحاسبها على ما بدر منها من صرامة وعنف. كان الأجدر بي أن أكون لينا بعض الشيء.
دلفت سحر إلى غرفتي، ثم صاحت :
ـ أنت قاس!
تألمت لعبارتها، لكني تصنعت اللامبالاة، حتى أخفي عجزي عن الرد.. فأكملت صيحتها الحادة :
ـ رحم الله أبانا.. لم يكن ديكتاتورا مثلك..
أفزعتني كلماتها، لكني لم أستطع أن أتكلم. صمت ثانية لا أدري ماذا أفعل؟.. ثم قلت في ضعف ظاهر :
ـ ماذا فعلت؟
صاحت في انفعال :
ـ ألا تدري؟ إنها تبكي في غرفتها. تذكرت أباها الذي افتقدته، وأقسمت على ألا تخرج من البيت الليلة.
خرجت سحر منفعلة، وظللت وحدي.. أتألم في صمت..
بت ليلتي مسهدا، أعاتب نفسي وأؤنبها لتصرفي الأحمق مع سناء.
وفي الصباح، عرفت قدماي الطريق إلى مقبرة أبي، كأني أستغفره لما بدر مني في المساء. ذهبت مستسلما لدافع خفي، ووضعت على المقبرة باقة ورد، ورن في أعماقي صوت هامس :
" أبي.. ناس كثيرون يترحمون على موتاهم.. لكنهم بهذا يبخسون حق الموتى عليهم. إن الموتى لا يذهبون سدى. إنهم يهبون أنفسهم مخلصين للأحياء. إن قيمتك الحقيقية تعيش في حياتنا جميعا، فردا فردا.. تعيش في حياتي، وفي حياة أمي، وفي حياة شقيقتيّ العزيزتين ".
عدت أدراجي، والصمت يكبلني، فوصلت إلى البيت فاتر الهمة.. في قلق مستبد. رأيت الصمت يخيم على البيت، فسناء التي انتحبت في المساء، واصلت حزنها في الصباح، وغلفها الشجن..
قالت لها سحر :
ـ لا تحزني يا سناء.. لم يذهب أبونا سدى. إنه يعيش فينا جميعا. لا تبكي فالدموع لا تهب الراحلين قيمتهم، وإنما قيمة موتانا هي في قدرتنا على مواصلة الحياة من بعدهم.
وأطرقت الأم لحظة، ثم قالت :
ـ صورته لن تفارقنا أبدا.
ـ هكذا يا أمي تكون قيمة الراحلين عن عالمنا. هذه هي حكمة الموت.
زعقت والألم يمزق قلبي :
ـ يتراءى لي البيت موحشا، كئيبا.. كأن البيت خال!..
وتغلب ضعفي على إرادتي، فهرعت إلى غرفتي أذرف دموعا غزيرة. ومن خلل دموعي، نظرت إلى صورة أبي التي تزين الحائط بإطارها المذهب، كأني أستعطفه أن يغفر لي ضعفي. طالعتني ابتسامته الحانية، كأنه يشد أزري، كأنه يقول عبارته المعهودة : " شد حيلك! ". حينذاك، خجلت من ضعفي فأمسكت عن البكاء.
وأحسست بقوى خفية توقظ إرادتي المشلولة، كأنها إرادة أبي!
ــــــــــــــــــــ
* مجلة " الثقافة الأسبوعية " ـ القاهرة ـ 20 فبراير 1975م.

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:15 AM
الانتظار

قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
.................................................. ..

يود أن يهرب من هذا العالم، إلى أرض جديدة، ودنيا جديدة. تعقدت السبل، وتأزمت الأمور. دائما يسأل نفسه حائرا : أي مستقبل تأمل فيه؟.. وما الطريق إليه؟
خلال سني الدراسة، كان مرحا، طليقا.. يهزأ ممن يختلقون المشاكل، هكذا يرى. الآن أصبح قبالة مشكلة المشاكل، فأي طريق يختار؟ وبات يرى حياته لغزا غامضا.
بعد تخرجه، عين مهندسا في أحد المصانع، وأفصحت الأم عن أمنيتها :
ـ أنا اخترت لك نعمات..
يومئ بإيجاب، إرضاء لأمه، ولو سأل نفسه : هل نعمات مناسبة؟.. فلن يهتدي إلى جواب قاطع. ينظر إلى الزواج كعلاقة مصيرية. إذن هي مسألة خطيرة. من الحكمة تأجيل الزواج. ذات مرة، حين زينت له نفسه الاستعداد للزواج، أخذ يحسب تكاليفه، فتعدت الألفيْ جنيه.. شبكة ومهر وهدايا من ناحية، وبوتاجاز وسجاد ونجف ومطبخ من ناحية أخرى. ولكن أنى له الألفيْ جنيه، ورصيده لم يتزحزح عن الصفر! وإذا ما افترض توفير راتبه كله، دون أن يصرف مليما واحدا، فيلزمه الانتظار خمس سنوات حتى يتحقق ما يريد.
صرف النظر عن فكرة الزواج، وطمأن نفسه حين اكتشف أن نعمات لا تناسبه. نعمات كثيرة الاختلاط بالناس. تستميلها الحفلات والنزهات. تسخر من التقاليد التي تقف للبنت بالمرصاد دون الولد. تناقشا ذات مرة حول المساواة بين الجنسين. قالت :
ـ ما زالت البنت مقهورة. ما زالت ممنوعة من السهر خارج البيت، بينما الولد يلهو كما يشاء.
لعنت ضعف الرجل الذي يتذرع بالتقاليد حتى تظل البنت مقهورة، والرجل هو السيد.
راجع آراءها الجريئة، فكيف يقنعها بأن تكون زوجة شرقية تحترم التقاليد؟
عرض عليه ممدوح أن يعمل معه في محل لإصلاح التلفزيون، واستطاع بعمله أن يرفع كفاءة العمل. يذهب إلى المحل في المساء، ويقضي حوالي الساعتين يصلح بنفسه بعض الأعطال، ثم يعطي مشورته الفنية لممدوح ومساعده، ثم يصحبه ممدوح إلى بيته لتناول العشاء، فيقضي وقتا طيبا مع أسرة ابن عمه.
هكذا تمضي أيامه.. ما بين الذهاب إلى المصنع صباحا، والمحل مساء، ورضي بهذه الحياة.
إلى أن جاء يوم... طالع وجها نورانيا، يتميز بسواد العينين، ورقة الشفتين، وحلاوة الصوت. استدارة الوجه مع تناسق الملامح جعله ينجذب إليه.
أصبحت الدكان النافذة التي يطل منها على هدى أثناء مرورها. وسرعان ما تطورت العلاقة. شده السحر الكامن في عينيها. وأصبح لا يطيق فراقها. سألها ذات مرة :
ـ ماذا أكون بالنسبة لك؟
دمعت عيناها، وعاتبته، فصمت صمتا محيرا، ثم قالت :
ـ تكون الحياة الحلوة. بودي لو ألازمك ليل نهار. لا أطيق فراقك أبدا. أريد أن أجلس معك، وأعمل لك أي شيء، حتى لو أقرأ لك جريدة، أو أجهز لك غداء.
لازمته كظله. حين يذهب إلى المحل يجدها في انتظاره. وحين يذهب إلى شقة ممدوح، لا تعدم الحيلة في الزيارة والجلوس معه. تنزها في كل مكان، وشاهدا الأفلام، بل أصبح كل منهما يحتكم إلى ذوق الآخر في ابتياع حاجياته الشخصية. صارت الحياة في شفتيهما حلوة المذاق.
وجاء يوم، كانا يجلسان في " كازينو " مطل على النيل، يتناجيان كعصفورين طليقين. أكد لها حبه، وباحت بعواطفها.. ثم سألته :
ـ هل تتزوجني؟
كان السؤال مفاجأة. وجم. توزع انتباهه. زاغت عيناه في كل الاتجاهات..
ـ آسفة يا وحيد.. آسفة لإزعاجك.
ارتبك. لملم شتات أفكاره. زرع ابتسامة ما على شفتيه :
ـ أشعر باحتياجي إليك. إذا كان الزواج هو الحل، لا أمانع.
كلمات فاترة، صاغها المنطق.
ـ أهو رد لبق، ممن يخشى التورط؟
ـ أتسمين علاقتنا ورطة؟
ـ أتساءل..
عاد إلى شروده. هل تصلح زوجة؟.. لا.. لا تأخذ الأمور من هذا الجانب. أنت لا تستغني عنها. الزواج لا مفر منه. لكن كيف السبيل الآن؟ للزواج تكاليفه. قفزت إلى مخيلته حسبة الألفيْ جنيه. تململت في جلستها. قالت بصوت الأنثى الضعيف :
ـ هيا بنا..
كان صوتها من الضعف بحيث لا تستطيع النطق بكلمات أخرى، حتى لا تفضحها دموعها المتحفزة. شغل بدفع الحساب، بينما أشاحت وجهها بعيدا. مسحت بأناملها المرتعشة دمعتين تمردتا على كبريائها. استعادت هدوءها، رفعت رأسها وطوحت شعرها المنسدل إلى الوراء.. بدت كما لو أن أنفها يدنو من السماء.
رجعا والصمت يكبلهما بقيد غليظ، وافترقا، بعد أن نثرا في الهواء البارد بضع كلمات ممزقة.
حاول ترتيب الأفكار، باتزان وتعقل.. قفزت إلى ذهنه صورة نعمات. قارن بينها وبين هدى! لنعمات طباع لا يرضى عنها. لكنها ابنة خالته، وترضى عنها أمه. أما هدى، وأسهم قليلا، ثم خطر بباله أنها علاقة طارئة ساقته إليها الظروف. وقفزت إلى ذهنه تكاليف الزواج، فانتابه قلق. أحس أن نعمات تناسبه، ولا شك أن خالته تعرف أحواله المالية، لن تفرض عليه أكثر مما يطيق.
أصبح الزواج من الأمور المقلقة التي تشغله ليل نهار. وحين عرضت عليه أمه ـ مرة أخرى ـ الزواج من نعمات، وافق، وأسرعت الأم تخبر أختها. ذاع الخبر في محيط العائلة. أيقن الجميع أن وحيد ونعمات مخطوبان، وإن لم يضعا دبلتي الخطوبة في اصبعيهما.
زاره ممدوح ليسأل عن سبب انقطاعه. وعده بالحضور. يطوف بمخيلته وجه هدى النوراني، يشده الحنين الظامئ إليه.
أثناء غياب وحيد، كانت هدى تراقب المحل من النافذة، ينعش الأمل صدرها بعودته ذات يوم. وبرغم جرحه لكبريائها، إلا أنها تنتظره.. ولا تمل الانتظار.. وحين عاد، أغلقت نافذتها، ورقدت على الفراش باكية. عاوده اكتئاب حين نشر الظلام ظله الثقيل، ولما يلتق بعد بهدى. سأل ممدوح :
ـ ما بك؟
ـ لا شيء..
بعد فترة صمت قلقة، سأل :
ـ كيف حال هدى؟
ـ بخير..
علت علامات الدهشة وجهه. وتمهل وحيد وهو يقول :
ـ لا أريد أن أخفي عنك مشاعري.. أنا أحبها..
صمت ممدوح، ثم قال والدهشة لا تزال عالقة بحاجبيه الكثيفين :
ـ ونعمات؟
ـ هذا ما يحيرني. لكني أؤكد لك أني أحب هدى. أرجو أن تساعدني. أشعر أنها قدر مكتوب. سألتني ذات مرة إن كنت سأتزوجها. أحيانا نتصرف بغباء. باسم التعقل والاتزان، نبيع عواطفنا!.. ثم نسفح دموع الندم!
ـ ماذا تريد بالضبط؟
ـ أن تكون حمامة سلام بيننا.
هرع ممدوح في الصباح إلى والد هدى، وصارحه برغبة وحيد في الزواج. رحب الأب، واتفقا على أن يحضر في أي وقت يشاء.
طلب وحيد من أمه أن تعتذر لخالته! لكنها صرخت في وجهه :
ـ أتريد أن تهزأ بأمك!.. الكل يعرف أنك ستتزوج نعمات.
ماتت الفرحة في قلبه. أخرس صوت العاطفة، ولاذ بعالم الصمت الرحيب. عاش حائرا بين نعمات وهدى.. أيهما يختار؟ وفشل في اتخاذ قرار. بدأ يلتقي هدى، وقد أخفى عنها الجانب الآخر. لم يستطع الابتعاد عن هدى، أو الاقتراب من نعمات!
طالت حيرته بين الاثنتين.
حين يوشك أن يحسم الأمر، تزداد حيرته، وتعظم تساؤلاته. لكنه كالطير الأخرس. ما زالت حسبة الألفيْ جنيه تطن برأسه. وأمه تنصحه بضغط المصروفات حتى يستطيع الإقدام الفعلي على خطبة نعمات من أبيها.
هدى تنتظر أن يتوج الحب بالزواج.
ونعمات تنتظر أن يبر بالوعد..
وأمه تنتظر، ولا تشك في صدق نواياه..
وممدوح ينتظر، ولا يشك في صدق نواياه..
أما هو، فعاجز عن فعل شيء. تكاد تفتك به عواصف الحيرة.
وعاش في قلق مستبد.
أخيرا، فكر في العمل بالخارج. سعى في الخفاء، حتى حصل على عقد عمل بالسعودية. لم يخبر أمه إلا ليلة السفر. انزعجت للمفاجأة. ثم نصحته بقراءة الفاتحة قبل السفر. وعدها بحسم الأمر في أول اجازة، وسافر في الصباح دون أن تعلم هدى.
تلقى من أمه الردود على رسائله، في كل رسالة تؤكد له أن نعمات في انتظاره.
بعث برسالة إلى هدى، ولم يتلق ردا، فكتب رسالة ثانية وثالثة.. ولم يتلق ردا.
أمه تنتظر عودته، وهو ينتظر رسالة هدى.
يطول الانتظار، والأيام تمضي... وفي كل يوم، يطمئن على رصيده المالي. تعدى أمله الألفيْ جنيه المتواضعة. أصبح يأمل في أن تزيد ثروته على العشرة آلاف جنيه. لكن القلق العاصف زامله كظله في كل خطوة يخطوها.
ــــــــــــــــــــ
• جريدة " الثقافة الأسبوعية " ـ دمشق ـ 4 نوفمبر 1978م

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:16 AM
إبهام

قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
.................................................. ..

عبد المقصود مقاول أنفار. يحسده الناس على ثرائه.. يملك عمارتين تطاولان عنان السماء، وخمس سيارات أجرة، غير سيارته الخاصة. يعيش حياة الترف والنعيم، بعد أن كثرت أعماله وتعددت، وباتت مهمته توريد الأنفار لأعمال الحفر والبناء. وبحكم خبرته وحنكته، أصبحت المهمة سهلة وميسورة. علمته الخمسون شتاء التي عاشها، كيف يتجه إلى العملية الرابحة. اتسعت دوائر أعماله بعد أن تعامل مع هيئات الحكومة وشركات القطاع العام. يقبض حساباته بشيكات. كثر تعامله مع البنوك، وفتح حسابات جارية تتعدى العشرة آلاف بكثير.
وتظل مشكلة عبد المقصود.. أنه يجهل القراءة والكتابة. حاول أن يمرن يده على كتابة اسمه، لكنه استشعر حرجا من ابنته هدى. كبرياؤه يمنعه من المحاولة، فاكتفى بعمل خاتم باسمه لصرف الشيكات. وأصبح الخاتم ملازما له كبطاقته الشخصية، يأخذه معه أينما ذهب.
لم يسلم من ضيق الصدر، فموظف البنك دائما يصر على أخذ بصمة الإبهام، بجانب الختم. وكان يظن أن الخاتم يعفيه من البصمة، التي أوقعته في الحرج. كلما فكر في أن يقصد ابنته لتعلمه القراءة والكتابة، يتحرج في الطلب. فظل متخبطا بين شقي الرحى. هذه المضايقات لم يطلع عليها الآخرين، حتى زوجته.. هي في طيات نفسه لا يكاشف بها أحدا. الكل يحسد عبد المقصود على أمواله التي يبعثرها ذات اليمين وذات الشمال، ولا أحد يتشوف الظل القاتم الذي لازمه، فعكر صفاء حياته.
أحيانا، يجلس بجوار هدى وهي تستذكر دروسها، فيتيه بها فخرا، ويحس أن ما ينقصه قد اكتمل في شخصها.. فترتاح نفسه، ويروق مزاجه.
ثم تطوف في مخيلته صورة فكري، موظف البنك، وهو يمسك بإبهامه، ويضغط به على الختّامة، ثم وهو ينقله بحركة آلية إلى ظهر الشيك، ضاغطا بقوة أكبر، واضعا البصمة الواضحة، أمام طابور من الناس، يندر فيهم من على شاكلته، فيحس كأنه من عالم غير عالمهم!.. أو أنه غريب عن بلده.
فكري، شاب مهذب، وفي مقتبل العمر. لبق الحديث، سريع البديهة، حاد الذكاء. يحفظ اسم عبد المقصود عن ظهر قلب، لكثرة تردده عليه.
يلملم عبد المقصود شوارد أفكاره.. وكلما تذكر وقفته الذليلة أمام شباك الصرف، والخاتم، والإبهام، وفكري، حتى تستنفره الصورة.. وما أكثر فرحته حين يخيرونه بين تحرير شيك أو الصرف النقدي، فيفضل صرف مستحقاته نقدا.. لكنها حالات نادرة..
جلس مع زوجته يتسامران..فتقول له بنبرة هادئة :
ـ كم أود أن أفرح بهدى.
ـ الأوان لم يحن بعد.
ـ هدى لم تعد صغيرة.
ـ ننتظر حتى تنهي دراستها.
ـ يمكنها أن تخطب، لحين تخرجها.
شرد عبد المقصود.. تردف الزوجة :
ـ جارتنا أم حمدي، قالت لي إنها تريد أن تفرح بابنها حمدي.
ـ وبعد ذلك.
ـ لم تقل شيئا أكثر من ذلك.
ـ يعني كلام فض مجالس.
ـ جارتنا حذرة وحريصة.. تخشى أن تطلب هدى لحمدي.. حتى لا تصدم بالرفض.
ـ يعني...
لم يكمل جملته. قفزت إلى خاطره صورة فكري، موظف البنك. إنه مناسب لهدى. ولكن... طرأت على باله فكرة.. أن يصحب معه هدى، لتوقع هي على الشيك بدلا منه، وتحله من الحرج الذي يتردى فيه.. وتكون فرصة ليتعرف فكري عليها، فرصة متاحة ومعقولة.
سعدت هدى لأن أباها سيصحبها إلى البنك. لم يتعود أن يصحبها في أي مشوار من مشاويره، ونادرا ما تخرج معه.. لهذا سعدت، وارتدت أجمل ما عندها، وأحست بالزهو.
أمام فكري.. عبر الحاجز الزجاجي.. ابتسم عبد المقصود قائلا :
ـ ابنتي هدى.. الله يبارك فيها.. ستوقع بدلا مني.
رمقها فكري بلمحة عابرة وقال :
ـ ربنا يخليها لك يا معلم.. البطاقة يا آنسة..
مدت يدها.. كانت البطاقة غير واضحة ومقطوعة..
ـ آسف يا معلم.. البطاقة غير مقروءة..
وجم عبد المقصود. لم يفهم ما يقصده بالضبط. فصمت صمتا محيرا، وهدى واقفة مزهوة بنفسها، منبهرة بمعالم البنك الذي دخلته لأول مرة. قال فكري :
ـ أعطني ختمك يا معلم..
مد عبد المقصود يده المرتعشة إلى جيب سترته، وأخرج الختم، ثم أسلم إبهامه، ليضع البصمة ـ ككل مرة ـ على ظهر الشيك.. الموقف الآن جد مختلف.. فهدى.. مفخرة حياته، وزهو أيامه.. تلحظ، لأول مرة، الحرج الذي يتردى فيه أبوها. ود لو يهرب من المكان، أو يتنازل عن الشيك، أو يؤجل صرفه. لكنه... أسلم إبهامه ليد فكري.. ثم.. انهمك في عدّ الأوراق المالية.
لاحظ عبد المقصود أن موظفات البنك يتحدثن كثيرا مع فكري... فتيات جميلات وأنيقات، أحلى من هدى وأجمل. المقارنة قاسية، كأنه يكتشف ابنته لأول مرة. بدت هدى ممصوصة، يهرب الدم من عروقها، وقد أهملت زينتها وأناقتها. كيف يحدث هذا؟.. إن أمواله كثيرة.. كيف لم يتنبه؟ ألم يلاحظ ابنته؟
ومثلما افتضح أمره أمام ابنته، أيضا افتضحت ابنته أمامه. تعرف كل منهما على ظل قاتم في حياة الآخر.
مضى بابنته إلى البيت، كاسف البال، وانصدت نفسه عن الأكل، واستسلم للرقاد، وهو يفكر جديا في أن يصادق هدى.. ويهتم بها. أعاد التفكير فيما قالته زوجته.. وحين قطعت وحدته لتسأله فيم يفكر؟.. أجاب :
ـ جميل جدا هذا الثراء.. لكن الأجمل منه أن تتغير نظرتنا للحياة.
استغرقها التفكير في مدلول الكلمات.. بينما أخذ عبد المقصود يضغط إبهامه الأيمن في بطن كفه اليسرى، مرات ومرات.. كأنه يمرن نفسه على المزيد من البصمات.. الخجلى!
ــــــــــــــــــــ
• المجلة العربية ـ الرياض ـ ربيع الأول 1404 هـ (ديسمبر 1983م).

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:17 AM
رابعة البنات

بقلم: حسني سيد لبيب
.................................

هذا العام، عرفت قدماه الطريق إلى الشاطئ. مضت سبع سنوات لم يذهب فيها إلى شواطئ إسكندرية أو غيرها، بعد أن ماتت زوجته، وتركت له أربع بنات وضابطا، على حد قولها في الحَمْل الخامس:
ـ نِفْسي الجنين يكون بنتا..
ـ ألا تكفي ثلاث بنات ؟
ـ البنت الرابعة خير وبركة، أو على اسم فيلم أنور وجدي "أربع بنات وضابط".
ماتت بتأثير حمى النفاس، بعد أن ولدت نسمة، رابعة البنات، وتحقق الإرهاص الذي كان يجول في خاطرها..
فكر في أن يتزوج، ووجد من يشجعه، في زوجة تهتم بأولاده الخمسة. صادف أرملة، لديها ولد وبنت، ولما أوشك أن يتفق، تراجع في اللحظة الأخيرة، بعد أن وجد الزواج منها لا يحل مشكلته، وإنما ستتفاقم الأمور.. لم يفكر بعدها في الزواج.
تعهدت أخته نسمة بالرعاية والعناية، حتى بلوغها ثلاثة أعوام، انشغلت بعدها بأمور بيتها وزوجها وأولادها.
في هذا الصيف، شجعه صديقه أن يتجه إلى الإسكندرية، يقضي فيها أسبوعا للترويح عن النفس، لا سيما أن سماح، البنت البكر، كبرت.. صار عمرها خمسة عشر عاما.. بدأ يعتمد عليها في شغل البيت، والاهتمام بأخواتها الثلاث رحاب وسمر ونسمة.. لاقت الفكرة قبولا، وحجز المصيف مع زملائه بالشركة.
قبل أن تغوص قدماه في الرمل، توقف قليلا.. ألقى الشمسية على الأرض، تبعه سماح ويوسف بإلقاء كراسي الشاطئ.. فعل الصغار الشيء نفسه. ألقت رحاب حقيبة السندوتشات على كرسي، وجلست على آخر. أما الصغيرتان سمر ونسمة، فألقيتا عوامتيهما أرضا.
التف الخمسة في نصف دائرة حول أبيهم..
قصد الأب أن يربي في نفوسهم حب الرحلات، وما فيها من عمل جماعي. أقحمهم في تفاصيل كثيرة عن تثبيت الشمسية، ورص الكراسي.. عن اختيار موقع متقدم، بحيث يروا البحر.. وأن يحتموا بعيدا عن غدر الأمواج.. قال ضمن ما قال:
ـ عند نزولنا البحر، يجب أن يبقى أحدنا تحت الشمسية.. يأخذ باله من الحاجات.. على أن يتغير حارس الشمسية.. يمكن أن يكون أكبرنا سنا أو أصغرنا.. لا فرق.. يمكن أن أجلس أنا في مرة وتجلس نسمة في مرة ثانية..
همست سماح في أذنه :
ـ نسمة لا تصلح.. بنت السنوات الست..
أومأ موافقا، وإن لم يغير حرفا مما قال.
جلسوا كما أشار عليهم، ملتزمين بكل شيء. ولما همّ بالنزول إلى البحر، تسابق الكل في الانقياد له.. حتى نسمة جرت في أثره.. ولما لم يتبق أحد، تراجعت سماح، وجلست تحت الشمسية. ما إن خطت نسمة خطوة نحو المياه، فاجأتها الأمواج، لطمت جسمها الصغير. ارتعدت من برودة المياه. خافت. تراجعت. عائدة إلى الشمسية، جالسة بجانب أختها. سألتها :
ـ لماذا رجعت ؟
ـ أقعد تحت الشمسية..
أقبل يوسف نحوهما وقال :
ـ بابا قال تنزل سماح البحر معنا..
رضخت ورافقته..
تتأمل الصغيرة الناس من حولها. تنظر إلى السماء والبحر. يمتد البحر وتمتد السماء، فلا تعرف أين ينتهي البحر، وأين تبدأ السماء. شيء محير. تجربتها مع البحر صدمتها فآثرت الجلوس والانزواء. آثرت الابتعاد.
فوجئ أبو البنات بنسمة تترك الشمسية وتقف عند التقاء الأمواج برمال الشاطئ..
أشار بيده كي يطمئنها وقال بصوت عال :
ـ اجلسي تحت الشمسية..
هرعت إليها سماح. رأتها ترتعش وتهم بالبكاء. حملتها على ذراعها وجرت بها إلى الشمسية. أجلستها على مقعد، ولفت المنشفة حول ظهرها وصدرها. أعطتها كعكة. قضمت منها لقمة. همت أن تتركها فبكت..
ـ لا تتركيني وحدي..
خرج الأب من الماء، وجلس بجانبها، تاركا سماح تذهب للصغار الثلاثة. بدأ يسرِّي عنها.. عبث بالرمل. صنع لها حوضا كبيرا، وملأه بماء البحر، مستعينا بدلو البلاستيك. استسلم للذهاب والإياب في حركة مكوكية أدهشتها. أمسكت بدلو ثان.
فعلت مثلما يفعل. اعتادت هذه الحركة من وإلى البحر، بينا أخلد الأب إلى السكون.
ولما امتلأ الحوض، أجلسها داخله. استراحت الصغيرة. انتقل البحر إليها. أصبح البحر صغيرا يناسبها. بدأت تضرب الماء بيديها فتحدث رذاذا من حولها. تجرأت أكثر، ورشت الماء عليه. فعل الأب الشيء نفسه. رش عليها الماء. تتضاحك فيتضاحك هو الآخر. قدم الصغار إليهما. رش الماء بعضهم على بعض. تراخت يدا نسمة. اكتفت بملاحظة أخواتها، بينا أتى يوسف من خلف وداس بقدميه السور الرملي فانمحى الحوض، وإذا بنسمة جالسة على الرمل لا تجد الماء الذي يبهجها ويسليها. همت بالبكاء، فاحتضنها أبوها موبخا يوسف، قائلا في تأنيب :
ـ هكذا أنتَ دائما، تفسد كل شيء ؟
ذهب الأب بصحبة أولاده، في جولة ثانية في البحر، تاركين نسمة وحدها، موصيا صاحب الشمسية المجاورة، ثم نزل أبو ياسر البحر، تاركا زوجته وابنهما.. اجتذبها ياسر، الذي يقاربها في العمر. قالت له :
ـ عندي لعب كثيرة. تعال نلعب..
جلسا تحت الشمسية وحدهما. طفقت تعرض عليه لعبها البلاستيك، ودميتها العروس، وكرة يوسف التي لا يعطيها لأحد. نادت أمه عليه كي يتغدى. أعطته سندوتشا فآخر، بينا تنظر نسمة إليه صامتة. لاحظت أمه نظرات الطفلة. ياسر طفلها الوحيد. كانت تتمنى أن تكون لها بنت مثلها. هزها حنين طاغ، فنادت عليها:
ـ تعالي يا حبيبتي..
انقادت طوعا للنداء. خطت خطوات مترددة من شمسيتها إلى شمسية ياسر. جلست صامتة. أعطتها سندوتشا. أخذت تقضم لقمة فأخرى، رانية إلى ياسر الذي تعلق بصدر أمه، ولامس خده خدها.. أعطته تفاحة وأعطتها تفاحة.. تناهى إلى أذنها صوت بائع ينادي على بضاعته :
ـ فريسكا..
أشار ياسر إليه. أشارت نسمة مثله. اشترت لهما ما يريدان. أشار ياسر من جديد إلى بائع آخر يحمل أكياسا ملونة لرقائق البطاطس. قال :
ـ ماما.. أريد كيسا..
فعلت نسمة مثله:
ـ ماما.. ماما..
قبل أن تكمل كلامها، قال لها :
ـ هي أمي أنا، وليست أمك.. أين أمك ؟
ـ أمي.. سافرت...
ـ إلى أين ؟
ـ إلى بعيد..
لم يفهم شيئا، وهي لا تفهم ما تقول. هكذا قالت لها سماح.. هكذا يقول لها الجميع.. تناولت كيس الرقائق بيد مترددة. لم تفتح الكيس. ارتمت على صدرها تقلد ياسر.. لامست بخدها وجهها، وتحسست بيدها خدها الناعم.. قالت :
ـ أنا أحبك..
ـ وأنا أيضا يا حبيبتي..
عاودت اللعب مع ياسر. اختلف الطفلان، تخاصما. لم تجرؤ على الاقتراب من أمه مثلما كانت تفعل. همت بالبكاء. تركت الشمسيتين وهرولت إلى البحر تنادي أباها.
لم يكن قريبا منها. أشار إليها رافعا ذراعيه. لم تأخذ بالها. أعطت للبحر ظهرها، ومشت بين الشماسي. لابد أن أمها تجلس في إحداها. هي لا تعرف شكلها! لكن أمها ستعرفها، وتنادي عليها.. بيا حبيبتي.. تحتضنها.. تشتري لها رقائق البطاطس والحلوى والفاكهة، واللعب أيضا. بكت الطفلة بكاء شديدا، غير ناظرة إلى أحد، منادية بصراخ متواصل :
ـ ماما.. ماما.. ماما...
هرع إليها الناس. التفوا حولها. حاولوا تهدئتها وتطييب خاطرها. اصطحبها رجل ممسكا بيدها، قائلا :
ـ سأذهب بك إلى أمك.. ما اسمك ؟
ـ نسمة..
ـ واسم أبيك ؟
ـ محمود لطفي
ـ عظيم.. تعالي معي..
صوت ينصحه :
ـ إن لم تعثر على أهلها، سلمها للشرطة..
خرج الأب من البحر باحثا عن ابنته. سأل القريبين من شمسيته. قالوا إنها اتجهت إلى البحر، تنادي عليك، فرفعت ذراعيك مشيرا إليها.. ثم... تشاغلنا نحن على أساس أنك ستحملها معك.. تحرك الأب في اتجاه، وسماح في اتجاه معاكس، وأبو ياسر في اتجاه ثالث، بينما مكثت أم ياسر تحت الشمسية ترعى ياسر وأولاد محمود لطفي.
أحد زملائه تعرف عليها. قال للمرافق إنها بنت زميل له، ويعرف عنوان الشقة التي نزل بها، إلا أنهما سرعان ما التقيا. احتضن الأب ابنته. قال لها :
ـ ألم أقل لكِ لا تتركي الشمسية ؟ لماذا تركتها ؟
ـ أبحث عن أمي..
قالت سماح :
ـ أمنا سافرت إلى مكان بعيد. ألم أقل لكِ ؟
دمعت عيناها. قالت لأختها الكبرى :
ـ كل المسافرين يرجعون إلى بيوتهم..
قال يوسف في حدة :
ـ قولوا لها الحقيقة.. أمنا ماتت من زمان..
نظرت إلى أخيها بعينين متوجستين :
ـ متى ترجع ؟
جلس الأب على مقعد، مخفيا وجهه بكفيه، يعالج دموعه المنهمرة، في لحظات قاسية على النفس..

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:19 AM
أديب من تونس
................

رشيد الذوادي من أخلص أدباء تونس لقضية الفن. وقد صدر له الكثير من الكتب التي لا يقتصر تناولها علي الحياة الثقافية التونسية. وإنما امتد تناولها فشمل الثقافة العربية في ابعادها المختلفة. والروائي المصري حسني سيد لبيب يتناول في هذا الكتاب شخصية الذوادي باعتباره ظاهرة إيجابية. تضيف إلي الفعل الثقافي العربي. وكما يقول حسني لبيب فإن الذوادي أديب باحث. واسع النشاط. مغرم بمد جسور التعارف بزملائه الأدباء والباحثين. يقف علي نواحي نشاطهم وكتاباتهم. وهو بهذه الهمة العالية والنشاط الدائب. مرجو للمزيد من الكتابات تؤرخ للحياة الأدبية المعاصرة. محدداً أطرها ومعالمها. سابراً اغوارها. متحدثا عن طموحاتها وهمومها. في كل من مصر وتونس. وإذا ما اتسعت اهتماماته واتصالاته إلي البلاد العربية الأخري. اتسعت رؤيته الفكرية والأدبية للأدب العربي الحديث. الناشر : دار الإتحاف.
.........................................
*المساء الأسبوعية ـ صفحة "قضايا أدبية" ـ في 7/4/2007م.

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:25 AM
مقدمة كتاب «حسني سيد لبيب: سيرة وتحية» ـ أصوات معاصرة 2001م
بقلم: د. حسين علي محمد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله، وبعد:
فحسني سيد لبيب واحد أدباء جيلنا، مارس الكتابة قرابة أربعين عاماً منذ نشر قصته الأولى في مجلة «الآداب» البيروتية في عدد فبراير 1964 بعنوان «شيء أخضر». وهو يوالي نشر كتاباته الأدبية في الدوريات المصرية والعربية المختلفة منذ عام 1963م.
وقد نشر في مجلات «الأدب»، و«الأديب»، و«القصة»، و«الرسالة» (الإصدار الثاني 1963-1965م)، و«الثقافة»، و«الفكر»، و«صوت الشرق»، و«الشعر»، «المساء»، و«الفيصل»، و «القافلة»، و«الخفجي» … وغيرها.
وقد ولد حسني سيد لبيب في الحي الشعبي «بولاق أبو العلا» بالقاهرة في 18 نوفمبر 1942م، و تخرج في هندسة عين شمس عام 1970م.
وهو عضو في اتحاد الكتاب، ورابطة الأدب الحديث، ونادي القصة، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية، وجمعية أنصار حقوق الإنسان بمصر.
وقد أصدر عدداً من المؤلفات، هي:
1-باقة حب للشاعر خليل جرجس خليل: دراسة أدبية (بالاشتراك) ـ القاهرة 1977م.
2-حياة جديدة : قصص ـ سلسلة «أصوات معاصرة» بالشرقية 1981م.
3-أحدثكم عن نفسي : قصص ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1985م.
4-طائرات ورقية : قصص ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 1992م.
5-كلمات حب في الدفتر : قصص ـ اتحاد الكتاب العرب ـ ط 1 دمشق 1993م، ط 2 بتقديم د. خليل أبو ذياب عن سلسلة «أصوات معاصرة» بالشرقية 1997م.
6-سبعون ألف آشوري : قصص مترجمة ـ وليم سارويان ـ دار الصداقة للترجمة والنشر والتوزيع ـ حلب 1994م.
7-ابن عمي ديكران : قصص مترجمة ـ وليم سارويان ـ دار الصداقة للترجمة والنشر والتوزيع ـ حلب 1994م.
8-الخفاجي … شاعرا : دراسة أدبية ـ تقديم البشير بن سلامة ـ رابطة الأدب الحديث ـ القاهرة 1997م.
9-دموع إيزيس : رواية ـ مركز الحضارة العربية ـ إمبابة بالقاهرة 1998م.
10-نفس حائرة : قصص ـ تقديم محمد جبريل ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ـ الإسكندرية 1999م.
11-مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي بين الإنصاف والمغالطة : بحث ـ مكتبة الملك عبد العزيز العامة ـ الرياض 1999م.
ومازالت لديه بعض الكتب المخطوطة التي ستنشر قريباً، ومنها:
1-محمد جبريل.. روائي من بحري (دراسة نقدية).
2-اتجاهات القصة التونسية القصيرة : دراسة أدبية بالاشتراك مع الكاتب التونسي رشيد الذوادي.
3-بدايات جديدة (رواية للصغار).
4-بيت خلف الأسوار (مجموعة قصصية عن اللاجئين الفلسطينيين ومعاناتهم الإنسانية).
5-الرقص على الطين (مجموعة قصصية).
6-عرف الديك (مجموعة قصصية).
7-صقر الجزيرة (رواية تاريخية).
وقد شارك في عدد من الكتب، منها :
1-رستم كيلاني .. لمحات من حياته وأدبه : محمد صبري السيد ( إعداد ) ـ القاهرة 1982م.
2-دراسات في الأدب التونسي المعاصر :عزت عثمان أبو النصر ( إعداد ) ـ دار الجيل ـ بيروت 1994م.
3-في آفاق الفكر الإسلامي : د. محمد عبد المنعم خفاجي ـ رابطة الأدب الحديث ـ القاهرة 1997م.
4-سفير الأدباء وديع فلسطين : د. حسين علي محمد ـ الشركة العربية للنشر والتوزيع ـ القاهرة 1998م. (له مقالة مدرجة فيه عن كتاب وديع فلسطين «قضايا الفكر في الأدب المعاصر»).
5-حول القصر المسحور ( بانوراما ومشاهد ) : ماجد خفاجي ـ رابطة الأدب الحديث ـ القاهرة 1998م.
6-روضة الشعر ( ديوان ) : جميل عبد الغني ـ مقدمة للديوان ـ القاهرة 1998م.
وقد أُجريت معه حوارات في الكتب التالية :
1-أدباء الجيل يتحدثون : محمد الراوي ـ الإسكندرية 1982م.
2-قضايا الحداثة في الشعر والقصة القصيرة : أحمد فضل شبلول ـ هيئة الفنون والآداب ـ الإسكندرية 1993م.
3-من وحي المساء (مقالات ومحاورات): د. حسين علي محمد ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ـ الإسكندرية 1999م.
وقد كتبت عنه فصول في هذه الكتب:
1-أحاديث في الأدب : رشيد الذوادي ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1986م.
2-أدباء من مصر : رشيد الذوادي ـ مكتبة مدبولي ـ القاهرة 1995م.
3-جماليات القصة القصيرة : د. حسين علي مجمد ـ الشركة العربية للنشر والتوزيع ـ القاهرة 1996م.
4-في جماليات النص ( رؤية تحليلية ناقدة ) : د. أحمد زلط ـ الشركة العربية للنشر والتوزيع ـ القاهرة 1996م.
5-الأدب العربي الحديث الرؤية والتشكيل : د. حسين علي محمد ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ـ الإسكندرية 1999م.
وقد حصل حسني سيد لبيب على عدد من الجوائز :
1-جائزة مجلة «صوت الشرق» في المقالة عن مقالته «الهند عقائدها وأساطيرها» ـ القاهرة 1978م.
2-جائزة القصة من «نادي شباب حلب»، عن قصة «الخاتم» ـ حلب 1986م.
3-جائزة الرواية التاريخية من (مكتبة الملك عبد العزيز العامة) عن رواية «صقر الجزيرة» ـ الرياض 1999م.
وقد حصل على شهادة تقدير من : قصر ثقافة دمياط ـ رابطة الأدب الحديث بالقاهرة ـ مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض 1999م.
وشارك في عدد من المؤتمرات الأدبية العربية، وقام بعدد من الزيارات الأدبية، فقد زار تونس عام 1984م بناء على دعوة كريمة من السيد وزير الشئون الثقافية بتونس، كما زارها عام 1985م بناء على دعوة كريمة من السيد الوزير الأول لتونس للمشاركة في مهرجان مجلة "الفكر" التونسية بمناسبة مرور ثلاثين عاما على تأسيسها. وزار المملكة العربية السعودية عام 1999م مشاركا في الندوة العالمية عن " مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي " المنعقدة في الرياض.
وقد تناول تجربته الأدبية بالنقد:
وديع فلسطين، ومحمد جبريل، ود. محمد عبد المنعم خفاجي، ود. سعد دعبيس، ود. حلمي محمد القاعود، ويس الفيل، ود. حسين خريس، ورشيد الذوادي، ود. أحمد زلط، ود. خليل أبو ذياب، ونادر السباعي، ونجم الدين سمان، ومحمد علي عبد العال، ورابح لطفي جمعة، ورائف المعري، والسيد حسن، ومصطفى النجار، وإيليا حليم حنا، ود. نسيم مجلي، ود. محمد عبد الباسط زيدان، والسيد عبد الله الخولي، وعبد الله السيد شرف، وراضي حكيم، وعبد الكريم محمد حسين، ونبيل سليمان، وفرج مجاهد عبد الوهاب، ومجدي جعفر.
ومازال يوالي نشر قصصه وبحوثه ومقالاته في المجلات الأدبية، وقد نشر في الدوريات المختلفة أكثر من 150 قصة، وأكثر من 150 دراسة أدبية.
ولـه نشاط في ترجمة القصص القصيرة؛ فقد نشر قصصا عديدة قام بترجمتها لأنطون تشيكوف ووليم سارويان وغيرهما (عن اللغة الإنجليزية).
ونشر في البدايات عددا من القصائد، نحو 20 قصيدة.
***
هذا هو حسني سيد لبيب الذي نقدم عنه هذا الكتاب في سلسلة «أصوات معاصرة»، وهي ـ بجانب نشرها ألوان الإبداع الأدبي ـ سلسلة تهتم بتكريم الأحياء من الأدباء، من خلال نشر كتب تشير إلى جهدهم المتفوق في الإبداع أو النقد.
نرجو الله ـ تبارك وتعالى ـ أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يكون خطوة في التقييم النقدي لموهبة قاص وروائي متميز، وعلى الله قصد السبيل.
وصلى الله على محمد وآله.
د. حسين علي محمد
الرياض في السبت 25/2/1421هـ
20/5/2001م

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:27 AM
في تكريم وديع فلسطين

بقلم: حسني سيد لبيب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عرفتُ الأستاذ وديع فلسطين في بدايات حياتي الأدبية، ضمن مَنْ عرفت من الأدباء. وكان الأستاذ وديع هو الأقرب إلى نفسي، لأسباب عديدة من أهمها صدق المقولة عنده، ونصاعة الفكرة، وحسّه اللغوي الذي لا يبارى. كما أن خلقه الرفيع وتواضعه الجم من العلامات البارزة في شخصيته، فزاد الإعجاب وارتفع رصيد حبي له.
واليوم، يسعدني أن المشاركة في حفل تكريمه، للمكانة الرفيعة التي استحوذها في نفسي، والمنزلة العالية التي ارتقاها في فؤادي. ما يقربني إليه أكثر ثقافته الواسعة ودأبه على مواصلة القراءة، حتى تخيلته إذا ما استسلم لنوم فإن كتابا ما يبقى على صدره. ولا يكتب في شيء لا يعرفه، أو يتزيد في قول لا يحب الخوض فيه. لذا نجده قارئا شغوفا بالكتب، علاوة على اتصالاته الواسعة عبر البريد بالكثيرين من أدباء الوطن العربي.
عرفتُ الأستاذ وديع أول ما عرفت من خلال مقالاته في مجلة "الأديب" اللبنانية. وأعجبتُ بأسلوبه الرصين وفكره المستنير، حتى صارت كتاباته أول ما أقرأه في هذه المجلة. وعرفتُ عنوانه من البريد الأدبي للمجلة، فراسلته، إعجابا وتقديرا، فإذا به يرد على رسالتي بسرعة غير معهودة. سطر فيها صفحات عن واقع الحياة الأدبية في مصر، فوقفت على جانب مهم من شخصيته. وكانت أحاديثه مستطردة مستفيضة، تخدم الفكرة وتعمقها.
في كل يوم أكتشف في الكاتب الكبير سمة رائعة من سمات الأديب المتميز المتفرد، كلما تعرفت عليه أكثر، اقتربت منه أكثر، حتى صار قريبا من نفسي وقلبي.
وقد كتبت عنه دراسة بعنوان "وديع فلسطين أديب الغربة الإيجابية"، نشرتها في مجلة "الإخاء" الإيرانية عام 1977(1) .
يقول عنه الشاعر محمود أبو الوفا (2) :
صفاتُـك لا يُحاكيهـا صفـاتُ ولكـن قد يحاكيها الربيـعُ
بوصفك يُزهر الأدب المصفَّـى وباسمك أينع الخُلُقُ الرفيعُ
فُتِن بالأدب وفنونه، ومن خلال عمله الصحفي بمجلة "المقتطف" وجريدة "المقطم" سوّد مئات المقالات الأدبية. لكن اشتغاله بالترجمة صرفه كثيرا عن الأدب، وإن ربطته به وشيجة وطيدة الصلة، فصار الأدب هوايته، والترجمة مهنته.
ساعدته دراسته للأدب والصحافة بالجامعة الأمريكية في التواصل مع الصحافة الأدبية، فظل حتى الآن مواكبا للحركة الأدبية في مصر والعالم العربي، متابعا للمتغيرات فيها. وتعد هذه المواكبة والمتابعة امتدادا لعمله السابق في الصحافة.
يعدُّ الأستاذ وديع مرجعا مهما لكل من يؤرخ للحركة الأدبية. له باع طويل في متابعة نشأة الروابط والجمعيات الأدبية، ومتابعة أنشطتها، وعلى الأخص رابطة الأدب الحديث. لذا فإن الرابطة بتاريخها الطويل في خدمة الأدب العربي، حين فكرت في تكريم روادها، رأت أن تبدأ اليوم بتكريم ابن من أبنائها البررة وعلم من أعلامها البارزين. تكريم الكاتب العظيم الأستاذ وديع فلسطين.
من أهم كتبه، كتاب "قضايا الفكر في الأدب المعاصر" (3) الصادر عام 1959م، وكتاب "مختارات من الشعر المعاصر وكلام في الشعر" ويقع في 400 صفحة. وله العديد من الكتب المترجمة من وإلى الإنجليزية، وكتب أخرى حققها أو راجعها.
في حوار أجري معه، تحدث في مرارة عن "الموضة" في الأدب، فقال (4) : "هناك جنوح إلى الأخذ بأساليب "الموضة" في الأدب، و"الموضة" معناها قيام مناسبة ما، فيتسابق على التأليف فيها الأدباء والشعراء، حتى إذا جاءت مناسبة أخرى سايروا "موضتها"، وهكذا دواليك. وهناك استخفاف بأهم عنصرين من عناصر الكتابة الأدبية، وأعني بها الأسلوب والفكرة، وما أكثر ما نقرأه، فإذا هو مسلوب من الأسلوب ومحروم من الفكرة". يصفه أحمد زكي أبو شادي بالجوهرة المتألقة في تاج الأدب العربي الحديث (5) .
تحية إجلال وإعظام للكاتب القدير وديع فلسطين. ولعل الرابطة في تكريمها له واحتفائها به اليوم تعطيه جزءا مما يستحق.

حسني سيد لبيب
hosni_labib@yahoo.com
ـــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
1. حسني سيد لبيب: مقال "وديع فلسطين أديب الغربة الإيجابية" ـ مجلة "الإخاء" 12 مارس 1977 ص ص 40، 41، ومجلة "البيان" الكويتية ـ يونيو 1977
2. د. حسين علي محمد: سفير الأدباء وديع فلسطين ـ الشركة العربية للنشر والتوزيع ـ القاهرة 1998م ـ ص 17
3. كتب حسني سيد لبيب مقالا عن الكتاب بمجلة "الفيصل" السعودية ـ أكتوبر 1985 "محرم 1406هـ "
4. د. حسين علي محمد: سفير الأدباء وديع فلسطين ـ ص 45
5. المصدر السابق ـ ص 65

_________________
*ألقيت في تكريم وديع فلسطين ـ رابطة الأدب الحديث ـ
القاهرة ـ الثلاثاء 9/5/2005م.

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:28 AM
حدث في مملكة الحيوان

قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
............................................

أصاب الأسد ملل ورتابة من البرنامج اليومي المعتاد. أخذ يتمطى داخل القفص الحديدي، وما يشكو من إجهاد أو ضيم، إنما شكواه المرة تكمن في هذه القضبان الحديدية الطولية. ومثله كان الأجدر به أن يستلذ هذه الراحة، ويخلد إليها، سيما وأن شمس الشتاء الدافئة تأتيه من بين القضبان. كما أن رجلا يتزيا بزي خاص، يأتيه في الظهيرة بكمية كبيرة من اللحوم، فيلتهمها عن آخرها. وأحيانا يلذ له أن يستبقي جزءا من نصيبه، دلالة الشبع. حياة تتسم بالراحة وخلوها من المنغصات، فيما عدا لبؤته التي تناوشه من قفصها الداخلي. وحين يفتح الباب، تتدلل عليه، فيزمجر ويزأر زئيرا فيه من الشدة أخفها، فتلين عريكة اللبؤة، وترضخ لمطالب الأسد، بعد أن أغوته وأحسنت استعمال سلاح الإغراء. وفيما عدا ذلك، فحياة الأسد رتيبة لأقصى حد.
فكر ذات نهار أن يرفض اللحوم، ويعلن إضرابه عن الطعام. وهي عقوبة صارمة يستطيع فرضها على حراسه. يتمنى لو أن حارسه نسي إحضار اللحوم، أو أيا من المأكولات المألوفة. طبعا سيتضايق، ويتملك منه الغيظ، وتناوشه أفكار مقلقة. وقد يتوعد الحارس وعيدا صارما، أو يفتك به جزاء وفاقا. ربما في هذا ما يكسر حد الملالة الذي انتهى إليه.
يتمنى الأسد وهو في عرينه الضيق المحاصر، أن يطلق عهد الراحة والدعة والسكينة. ويعيد تلك الحياة الحلوة التي عاشها في سني حياته الأولى، في أحراش أفريقيا، حيث كان يستشعر لذة الكفاح من أجل صيد ثمين، أو من أجل إنقاذ حيوانات الغابة، ويباهي الكل بقوته وسيطرته، فإذا بهم جميعا راضخين راكعين.
لكن شيئا من هذا لا يحدث منذ زمان طويل. يبدو أنه أحيل إلى الاستيداع، ترقبا للحظة الاحتضار، وما رقدته هذه إلا نوع سيئ من أنواع الموت المقسى بالعذاب.
* * *
أغفى إغفاءة الظهيرة، مسترخيا، فإذا به يجول في عالم الأحلام... وتتراءى له حديقة الحيوان خلوا من بني البشر. وزفت إليه لبؤته خبرا مؤداه أن حراس الحديقة وموظفيها أضربوا عن العمل. وكانت حجتهم في هذا أن الحيوانات تأكل من أطايب الطعام ما لا يأكلون، وتستريح من عناء الحياة وتهنأ في أقفاصها، غير محملة بأعباء المعيشة التي ترتفع نفقاتها. كما أن هذه الحيوانات لا تنحشر في المواصلات، ولا يطلب
منها دفع أي مبالغ بصفة مقدم إيجار أو خلو رجل، نظير إقامتها في حظائرها وأقفاصها .. كما أن هذه الحيوانات بلا استثناء تحظى بالرعاية الطبية المجانية.
وكانت فرصة متاحة للثعلب أن يمارس نشاطا غير عادى، فيعقد اجتماعات مختلفة مع حميع فصائل الحيوانات والطيور على السواء، مطالبا بعدم الاعتماد على البشر.. ونادى بأن تكون لهم قوة حيوانية مؤثرة..
حظيت دعوة الثعلب بتأييد مطلق.. واتجهت الأنظار جميعا إلى الأسد، ليعود لمجده القديم، فيتوج ملكا على الحديقة، وتكفيه حنكته القديمة كملك غابة من أضخم غابات أفريقيا. أذعن الأسد لطلبات كافة فصائل الحيوان والطير، ولكنه أفهمهم بأنه لن يستبد بالسلطة والسلطان. سيقوم بتوزيع الاختصاصات، حتى تسير أمور الحياة على خير وجه. على أنه بعد أن شرح لهم سياسته، رشح الثعلب نائبا له في المملكة الجديدة. وعنّ له خاطر بأنه تسرع في الاختيار، ولكن ما حيلته وقد ألفى الثعلب قبالته بارزا متألقا؟ ربما يكون القرد الخفيف الحركة الجم النشاط أكفأ لشغل المنصب، لكنه تضايق من القرد، حين ألفاه أثناء حديثه واقفا في المؤخرة متسليا بتقشير حبات الفول السوداني ومضغها، بحركات قريبة الشبه بحركات الإنسان... فكيف يختاره نائبا له، وهو بصدد تأسيس مملكة تناهض ممالك البشر؟ كما أن الثعلب نجح بدهائه في إطراء سطوة الأسد، ووقف عن يمينه طوال حديثه الشهير. وما كان من الثعلب إلا أن شكر الأسد على ثقته الغالية، ودعا الله أن يوفقه في تسيير أمور المملكة، وترجمة وجهات نظر الملك المتوج إلى أعمال بناءة.. وأعلن للجميع أن المطلب الأساسي الملح هو توفير الغذاء في مواعيده. فعهد إلى الطاووس بتنظيم مواعيد الوجبات، وتحديد نوعياتها.. على أن يكون ذلك عملا منظما مدرجا في كشوف واجبة التنفيذ من قبل الحمار.. فأطلق الحمار نهيقا عاليا. فاعتبر الجميع هذا النهيق دليل الموافقة. وضحكوا معجبين بمبادرة الحمار السريعة، واستعداده الفوري لتحمل أعباء وظيفته الجديدة.
عهد إلى النمر العجوز بتكوين فصائل دفاعية من صغار النمور، تحمي الحيوانات من أي خطر خارجي. كما عهد إلى الحمام باستكشاف المنطقة، والتنبيه ضد أي تحركات غير عادية... وهكذا ظل الثعلب يوزع الاختصاصات والمسئوليات، وسط استحسان الأسد وتأييده.
ما إن انفض الاجتماع، وعرف كل حيوان عمله المكلف به، حتى جال الحمار في طرقات الحديقة، مباهيا الجميع بعمله الجديد، مؤكدا لهم أن توزيع الوجبات، من المهام الثقال التي أنيط له القيام بها. قال للذئب :
ـ تخيل أيها الذئب القوي، لو تأخر الطعام عنك ساعة واحدة. إن تباطئي أو تأخيري سيحرم الجميع من الأكل.
قال الذئب متوعدا :
ـ لو تأخر عني الطعام دقيقة واحدة، أذيقك من شروري ما لم تذقه طول حياتك.
أحنى الحمار رأسه، وهز أذنيه الطويلين، وقال في إذعان :
ـ لن يحدث هذا.. مجرد افتراض..
وبعد أن فرغ الطاووس من إعداد قوائم الوجبات، وخص كل حيوان بنصيبه وما يناسبه من مأكولات، أعطى القوائم للحمار، ليتولى مهمة التوزيع.. وانتظر الحمار عربة المأكولات، وما إن وصلت، حتى قام بجرها في طرقات الحديقة.
أما القوائم التي أعدها الطاووس، فقد حاكى فيها ما يفعله بنو البشر في التنسيق والتبويب... سطر جدولا، وجعل الخانة الأولى للمسلسل، والثانية لاسم الحيوان، والثالثة لنوع الطعام المخصص له في مختلف الأوقات، والرابعة للكمية من كل نوع.. وقد راعى في ذلك تسهيل مهمة الحمار، الذي سيجوب الحديقة ثلاث مرات يوميا. أحس الحمار بأهميته وهو يجر عربة المأكولات. كما ازداد تيها بالقوائم المنسقة، فوضعها في مكان بارز عند مقدمة العربة، بحيث تراها كافة الحيوانات، عساهم يحسنون الظن به، ويغيرون الفكرة السيئة التي أشاعوها عنه بأنه بطئ الفهم.
أسرع الخطى صوب عرين الأسد، وحياه بالتحية المناسبة، والنهيق المتواصل، وانحناء الرأس، وهز الأذنين.. تعبيرا عن الاحترام والتبجيل.
ونظر فى القائمة، نظرة قارئ شغوف بما يقرأ. وأطال النظر، مشعرا الأسد، الملك المتوج حديثا، بأهمية عمله ودقته.. ثم التقط كيسا مملوءا بحبات الفول السودانى، وأفرغه عند قدمى الأسد!.. ثم تناول خمس حبات موز، ووضعها بجوار الفول!.. دهش الأسد، بينا الحمار يحنى رأسه محييا، ويطلق نهيقا قصيرا تحية للأسد المبجل.. وما إن هم بجر عربته منصرفا، حتى زأر الأسد زئيره المخيف، فزلزل الأرض من تحت قدمى الحمار، وارتعد جسمه كله.. فترك العربة، وامتثل قبالته.
قال الأسد فى غضب :
ـ ما هذا الطعام أيها الحمار المعتوه؟
ـ فول سودانى.. وموز..
ـ أعرف..
ـ عفوا.. ياملك الحيوانات.. أعرف أنك تعرف..
ـ ألا تعرف أنى أسد؟
ـ بلى.. أعرف جيدا أنك أسد. ومن يتجاهل قدرتك وأنت مليكنا؟
ـ فما هذا الطعام؟
ـ هكذا قرأت طعامك فى القائمة...
ـ اقرأ جيدا.. وأد عملك كما ينبغى..
أعاد الحمار قراءة القائمة، ثم نظر إلى الأسد نظرة عتاب، ونهق نهيقا قصيرا..
وقال فى ثقة :
ـ هكذا قرأت فى القائمة.
ازداد غضب الأسد، وزأر من جديد، ثم قال فى حدة :
ـ أرنى القائمة..
أعطاه إياها وهو يرتجف. وبنظرة سريعة فهم الأسد ما كتب، فأعادها قائلا للحمار :
ـ يا أبله.. هذا خطأ كتابى.. أدرجت وجبة القرد فى الخانة المخصصة لوجبتى، كذا أدرجت وجبتى فى الخانة المخصصة لوجبة القرد.. هذا كل ما فى الأمر.. كان ينبغى أن تفطن إلى هذا الخطأ الكتابى غير المقصود.
ـ كل الاحترام والتقدير لملكنا المبجل.. عفوا.. فليس من اختصاصى مراجعة ما كتب.. فأنت تعلم أن الطاووس هو كاتب القائمة، وراجعها من بعده الهدهد.. وذيل كل منهما القائمة بتوقيعه، ثم اعتمدها الثعلب.. هذا يشبه ما يفعله البشر.. وليس لى الحق فى تصحيح القائمة.. مهام وظيفتى هى توزيع الطعام كما هو مكتوب، وليس من اختصاصى التعديل أو التصحيح، كما تعلمون.
زأر الأسد زئيرا مخيفا. وقال :
ـ صدق من أسماك حمارا...
ـ أنا حائر بين أمرين، أحلامهما مر...
إذا أرضيتك، فسوف ألقى اللوم والعقاب من الثعلب، لأنى تخطيت اختصاص عملى. وإذا نفذت ما هو مكتوب، فلعناتك من نصيبى.. أعرف أنك أسد. لكن الطعام المخصص لك هو الفول السودانى والموز. لك أن تراجع فى هذا نائبك، وهو ذو حظوة عندك... أما أنا، فعملى بسيط، ويجب عليّ تأديته بدقة واتقان.
ثم نهق نهيقا متواصلا وطويلا، دلالة إخلاصه فى العمل. ثم جر العربة ومضى سريعا إلى القرد، فحياه تحية سريعة وهو ينظر إلى القائمة، ثم ألقى بكميات كبيرة من اللحوم بجانبه، أكواما وراء أكوام، حتى شكلت اللحوم المتكومة ما يناهز خمسة أضعاف حجم القرد أو يزيد.
ضحك القرد ضحكات طويلة، وأخذ يتشقلب، ويقفز من مكان لآخر ثم قال للحمار :
ـ هذا طعام الملك... ألا تعرف أنى قرد؟
ـ أعرف أنك قرد... لكن بالقائمة خطأ كتابيا
ـ إذن، يصحح هذا الخطأ ال.. " كتابى "..
وبعد أن أطلق قهقهة قصيرة، قال متهكما...
ـ منذ شكلت مملكة الحيوانات، ونحن نسمع كل يوم كلمات جديدة.. وكلمة "كتابى" غير مألوفة عندنا نحن القرود...
قال له الحمار بلهجة جادة، مبرئا نفسه :
ـ لايمكن التصحيح، فالقائمة ممهورة بتوقيعيْ الطاووس والهدهد.. ثم الثعلب... فهل فى مقدورى أن أجري تعديلا بدون إذن من رؤسائى؟
ـ إذن!.. خذ الإذن... و كلمة "إذن" غير مألوفة أيضا. صرنا نتكلم أكثر مما نعمل، ويحق لنا أن نسمى مملكتنا مملكة الكلام.
ـ إذا ذهبت لأخذ الإذن، سيكون موعد الغداء قد فات.. ويوقع عليّ الجزاء لعدم قيامى بعملى كما ينبغى.
ـ الجزاء!.. ما كل هذه الكلمات المعقدة التى تلاحقنى بها.
ـ إنه "روتين "!..
ـ وهذه كلمة تستعصى على الفهم.
ـ العمل واجب مقدس.
ـ من أين جئتم بكل هذه الشعارات؟
ـ ....
ـ أنا لا أطمع فى شئ سوى حبات قليلة من الفول السودانى، وحبات أقل من الموز.
ـ اعطنى من نصيب أى حيوان آخر، وديا.. وينتهى الإشكال.
ـ لا أستطيع..
وأطلق الحمار نهيقه المتواصل قبل أن ينصرف. ثم أكمل توزيع الوجبات طبقا للائحة.
انقضى النهار، والأسد فى حالة غيظ شديد، وأمامه الفول السودانى والموز، فهرسهما بقدميه، وقذفهما خارج القفص. أما القرد، فقد استغل أكوام اللحم العالية ليمارس فوقها ألعابه البهلوانية.
وفى اليوم التالى، استدعى الأسد الثعلب، وشرح له الموقف.. فقال الثعلب :
ـ أنت تعرف منطق الحمار. سأقوم بتصحيح الوضع تفاديا لحدوث أمثال هذه التفاهات فى المستقبل.
وعقد الثعلب اجتماعا سريا مع الطاووس والهدهد. وكان الموضوع الذى ناقشوه، هو ما حدث من الحمار.
واستطاع الثعلب بدهائه أن يكسب تأييد الاثنين إلى جانبه، إنصافا وتقديرا لموقف الحمار الذى احترم توقيع الثلاثة على قائمة الطعام.
نودى الحمار، وكافئوه ببردعة مزركشة غطوا بها ظهره، لتقيه وطأة الحر..
ولما علم الأسد، زأر زئيره المعتاد، وصرخ فى حدة :
ـ هذه مهزلة أيها الثعلب الداهية.. أتكافئ الحمار على فعلته الساذجة؟
وعاد يزأر من جديد، غاضبا متوعدا الجميع.....
أفاق من إغفاءة الظهيرة، فإذا به راقد مستكين داخل القفص الحديدى.. وحمد الله أن ما حدث كان حلما من أحلام الظهيرة بعد أن امتلأت معدته باللحوم، فنهض، وجال فى أركان القفص، مترحما على أيام زمان!.. وقتما كان ملكا على الحيوانات، متلذذا بصيد فريسة لطعام يومه، يأكل منها ما يشتهيه، تاركا الفضلات للحيوانات الصغيرة تتصارع من أجلها.
ــــــــــــــــــــ
* مجلة "البيان" ـ الكويت ـ مارس 1980م

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:30 AM
الأولاد الذين سرقوا الكرة

قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
.............................................

كان اقتراحا، ثم تنازل عنه وجلس في الشرفة. انبسطت أريحيته بأنسام الربيع الرقيقة، بعد زوابع خماسينية ساخنة دامت طوال اليومين السابقين. ود لو توافق على اقتراحه، لكنه يعرف مدى صلابة دماغها. لن تتورع من اتهامه بتضييع الوقت سدى، وتبديد المال دون طائل. " سيدة " زوج مخلصة، لولا ما يتسم به سلوكها من عصبية تظهر من وقت لآخر. مهمومة دائما بشغل البيت، ومتاعب العمل، ومطالب منى وطارق التي لا تنتهي. حين ينصحها بالاهتمام بنفسها، ترجعه إلى مشاكل البيت التي ما إن تفرغ من إحداها حتى تبدأ في أخرى.
أطلت منى من الشرفة، تجول بعينيها في أنحاء الشارع، وتدندن بأغنية وطنية تنشدها كل صباح مع زميلاتها في المدرسة، ثم رنت إلى أبيها وهو يطالع الجريدة. كان جهم الوجه قليلا. سألته :
ـ انتَ زعلان يا بابا؟
ألقى الجريدة بعيدا. طوق ابنته بذراعه اليسرى، وضغطت أنامله ذراعها الرقيقة. انفرجت أساريره بابتسامة واسعة، وطبع قبلة على جبينها. سألته:
ـ ألا نخرج نشم النسيم؟
ـ حاضر.. البسي أنتِ وطارق.
وهرعت منى بفرحتها الصبيانية تزف الخبر إلى أمها وطارق. فكر أبوها في أمر زوجته التي رفضت اقتراحه أول الأمر. هل توافق هذه المرة؟ لا يهم.. يتركها في البيت، لن تعتب عليه. تأتي معه إذا شاءت. هذه رغبة منى وطارق، ولولاهما ما اضطر للخروج.
طلب منها ترك شئون البيت، فاليوم اجازة شم النسيم، ولا بد من التنزه. و"الحياة ليست كلها شغلا". عارضت متلطفة في هذه المرة. سأل طارق :
ـ أتشتري لنا كرة يا بابا؟
ـ فيما بعد.
لاحظت سيدة أن ياقة الجاكيت متكرمشة، وبسرعتها المعهودة بسطت الياقة بالمكواة في دقائق، بينما وقف سالم قبالتها بالفانلة الداخلية التي أبرزت كرشه المتكور.
لم يدبر سالم أمر هذه الرحلة المفاجئة، وكعادته دائما، وجد نفسه يجول بوسط البلد، يمسك يد منى بيمناه، ويد طارق بيسراه... يمشي الهوينى في شوارع تكاد تخلو من المارة، وأغلب الدكاكين مغلقة. جالت نظرات الطفلين هنا وهناك، ثم دار بينهما حوار لطيف..
ـ تفتكري يا منى أين سنذهب؟
ـ الجنينة؟
ـ يا عبيطة.. لا يمكن نذهب إلى الجنينة من غير ماما.
ـ ممكن نرجع ونقول لها تجيء معنا.
ـ بابا لن يوافق.
ـ يعني نتفسح من غير ماما... طيب انت تفتكر بابا ذاهب إلى أين؟
ـ السينما..
ـ بابا يحب يدخل السينما بالليل.
يتابع سالم الحوار، ولا يتلفظ بشيء. إنه حائر لا يدري إلى أين يذهب.. المحلات على الصفين معظمها مغلق. خف زحام وسط البلد. أغلب الناس قصدوا الحدائق والكازينوهات المطلة على النيل. لم تطل حيرته، حيث انعطف إلى كافتيريا جروبي المكتظة بالرواد.
ترك منى وطارق يلهوان كما يحلو لهما، وجال بعينيه عبر الوجوه المتناثرة في كل اتجاه. كان يبحث عن رجل مثله لا تشاركه زوجته هذه الجلسة الربيعية. أغلب الرواد من الشباب حديثي الزواج، أو على أهبته، اثنين اثنين، يخططان للمستقبل، منذ أكثر من عشر سنوات، جلس مع " سيدة " مثل هذه الجلسة. كانا حديثيْ التخرج، بعد زمالة جامعية تفهم كلاهما طباع الآخر، فتبادلا شعورا صادقا، ونجحا في الاستقلال عن أسرتيهما، وتأثيث بيت الزوجية معا. وغمر سالم حينذاك إحساس بالرضا ، بينما شعرت سيدة أنها نجحت في اختيار الزوج المناسب. تنهد سالم تحسرا على هذه الأيام الجميلة. أفاقته هزة رقيقة من طارق :
ـ عايز أشتري كرة يا بابا.
قال مقطبا ما بين حاجبيه :
ـ فيما بعد.
أفاقه طارق من ذكريات الماضي، رده إلى الواقع. أصبح أبا. منى في العاشرة، طفلة جميلة، وغدا تكبر، سرعان ما تكبر. ستتعاظم مسئوليته. وطارق في الثامنة، طفل ذكي، لكن الشقاوة في دمه، غدا يعقل. إنه أب مسئول. ولت أحلام الشباب، ولم تبق منها إلا ذكرياتها الجميلة.
لفت نظره وجه فتاة رائعة الجمال، بيضاء البشرة، صفراء الشعر، عيناها واسعتان، وشفتاها دائما الابتسام. وجه ملائكي حقا، لكنه وحيد، يجتر ذكريات الماضي. أيقظت أنسام الربيع الرقيقة أحاسيس سالم، وهذه الفتاة تتنفس مثله نفس الأنسام، هناك نوع من المشاركة إذن!
أطالت منى التحديق في وجه الفتاة. انجذبت الفتاة إلى منى. ابتسمت لها، وأشارت إليها :
ـ ما اسمك يا حلوة؟
ـ منى سالم.
ـ اسم جميل.
ـ متشكرة.. وما اسمك؟
اتسعت ابتسامتها لسؤال منى الطفولي :
ـ أيضا.. منى..
راقب سالم الحوار اللطيف. أراد أن يتدخل، لكنه تريث. أشارت ابنته بإصبعها نحوه وقالت للفتاة الجميلة :
ـ إنه بابا.. أطيب بابا في الدنيا.
سألت الفتاة :
ـ أين أمك يا منى؟
أجاب سالم متدخلا :
ـ تركناها لشغل البيت.
عاتبته الفتاة. أفهمته أن الأم تستطيع رعاية أولادها، سواء داخل البيت أو خارجه. وكانت فرصة مواتية لتجاذب أطراف الحديث. تناسى كل شيء. تكلم بفطرته رافعا التكلف، كأنه يعرف منى الحسناء منذ سنوات! طلبت عصير برتقال، فطلب مثلها. نصحته بأن يقلل من كميات الطعام التي يتناولها، ويبتعد عن النشويات، ويمارس بعض الألعاب الرياضية، فهناك أمل في إنقاص تكور كرشه، الذي يسبب له المتاعب. أنصت لحديثها. زوجته لم تنصحه بشيء. لم تذكر له خطورة هذا الكرش على حياته. حديث منى الحسناء ممتع. يشوقه سماع المزيد، ففي حديثها يتلمس أريج عطر جديد تنتشي به نفسه بعد طول جدب.
تأمل الطفلان المكان بعين الطفولة الفاحصة المنقبة، ثم أفاقا الأب من جلسته، وطلبا منه الرجوع إلى البيت. همست منى الصغيرة في أذنه :
ـ أزف موعد الغداء، وماما قاعدة لوحدها في البيت.
اضطر إلى الاستئذان. تناول ورقة الحساب، ودفع حسابه وحسابها. رفضت في البداية، لكنها إزاء إلحاحه قبلت شاكرة.
وفي رحلة العودة، سيطر عليه إحساس بالرضا، ولونت البهجة محياه، كأنه رجع شابا من جديد، ثم أطرق برهة، أثناء سيره حثيث الخطى، وتساءل إن كانت منى الحسناء مخطوبة أم لا؟ نسي أن يلاحظ إصبعها، كما نسي أن يسأل إذا كانت مرتبطة برجل! ونسي أيضا أن يسأل عن العنوان!
أفاق من شروده حين نبهته منى الصغيرة إلى شقاوة طارق، حينذاك أيقن أنه لقاء عابر مع فتاة لا يعرفها... حقا هي جميلة، وأنيقة.. هفا إليها قلبه.. لكنه لا يعرفها! مجرد لقاء عارض، لن يقدم أو يؤخر شيئا.. أو هي لحظة سعادة عابرة اختلسها من عمر الزمن، ولن تعود. حين استرجع مرة أخرى حديثها معه عن صحته، وكيف يعتني بها، شرد برهة، ثم أفاقه صوت داخلي بأنه أب. لا شك أن منى الصغيرة ستكبر، ستكون أجمل منها. خالجه إحساس بالزهو، يرسم ابتسامة صغيرة على شفتيه.
وفي البيت، التفت الأسرة حول مائدة الغداء. كثر حديث الطفلين عن رحلتهما القصيرة، بينما غرق سالم في صمته.
وبعد الغداء، رقد سالم على السرير ينشد الراحة، أغفلت عيناه منتشيا بلقائه العابر بالحسناء الصغيرة، كأنه يحلم. يسترجع ما حدث في حرص بالغ. كان يوما جميلا حقا، وما أحوجه إلى مثل هذه السعادة.. و.. أفاقه من الحلم صوت طارق ومنى وهما يرويان لأمهما تفاصيل ما حدث. أفاقه الواقع من شفافية اللقاء الحالم. تقول منى بجرأتها المعهودة:
ـ تصوري يا ماما.. بابا دفع حساب أبلة منى.
امتقع لون وجهه، وتوتر بعض الشيء. كاد يهم بالنهوض، ويهرع إلى منى الصغيرة، ويسد فمها، وينفي ما قالت. لكنه أحجم حين أتاه صوت أمها الخفيض :
ـ أعرف أن أباكما قد يتورط بطيبته في مثل هذه الحماقة.
وتبدد حلم السعادة الذي داعب مخيلة سالم. لم يشأ التدقيق فيما قالته زوجته. اختفت صورة الحسناء من مخيلته، وتبدد الحلم الذي نسجته خيوط لقاء عابر، وصار سرابا يجب ألا يلهث وراءه، ودوى في أعماقه الصوت المضجر : " قد يتورط لطيبته".. عبارة لا تطرب أذنيه، لكنها فرضت منطقها، فهب واقفا، قاتلا أحلام اليقظة. لقد ولى عهد الشباب. نادى على طفليه، وناولهما ورقة مالية وقال كمن يصدر أمرا:
ـ اذهبا واشتريا كرة كبيرة، والعبا.. وامرحا..
وحين همت الأم بالمعارضة همس :
ـ يجب أن يسعدا بأيام الطفولة.
ـ سيقلبان البيت رأسا على عقب.
ـ أحسن.
ـ أريد غرس روح الجدية والاتزان في نفسيهما منذ الصغر.
ـ دعي هذه الأفكار.. لا تعقدي الأمور.
وابتسم، ثم قال بعد فترة صمت كمن يراجع نفسه :
ـ كنت أتمنى أن أرجع إلى عهد الشباب!..
نظرت إليه " سيدة " في ارتياب، فأكمل عبارته :
ـ كنت أتمنى أن أرجع إلى عهد الطفولة، وألعب الكرة مع منى وطارق!
ركزت نظراتها الفاحصة على ملامح وجهه، ثم قالت :
ـ دعك من هذه الأفكار، فقد سرق الأولاد منا الكرة! هل يرجع الزمن إلى الوراء؟
تنهد في حسرة. شرد قليلا. صوت رقيق يتردد في أعماقه : " لقد عاد إلى الوراء لحظة حالمة خاطفة عشتها اليوم بكل جوارحي "، لكنه أفاق من شروده وأكد لزوجته :
ـ نعم يا عزيزتي.. لقد سرق الأولاد منا الكرة!..

ــــــــــــــــــ
* نشرت بمجلة " الأديب " اللبنانية ـ أبريل 1975

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 11:33 AM
الوهم والحقيقة

قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
............................................

تسكع في شوارع القاهرة. يزغرد قلبه بفرحة صبيانية لا يستطيع تكتمها. ود لو يتحدث مع أحد السابلة ويبوح بسر سعادته. لأول مرة يمتلك ثروة مالية كبيرة، زارت جيبه فجأة، على غير انتظار. ورقة ذات عشرة جنيهات تقبع في جيب جلبابه العلوي الصغير. أحس مرزوق أن الجيب يكاد ينتفخ. الحمل الذي ينوء به أكبر من طاقته التي لا تتعدى القروش القليلة، أو شلنات ثلاثة إلا لماما. عشرة جنيهات دفعة واحدة، يا لها من ورقة!.. كم شلنا تساوي؟ أجهد ذاكرته ومرنها على عملية حسابية، فأحس للوهلة الأولى أن الرقم الناتج سيكون كبيرا.. مائتا شلن.. يا للرقم!.. أجر أكثر من شهرين.
أمعن النظر في معروضات المحال الكبيرة. ألفى قميصاً نصف كم. لم يتعرف على نوع القماش. خمن أنه حرير طبيعي. يشبه قميص الحاج فهيم. أجهد مخيلته في تصور هيئته حين يرتديه، حتى تبدو عليه سيماء الوجاهة والأناقة. ستندهش حمدية حين تراه. لاشك أنها ستخطئه. لن تصدق أنه مرزوق زوجها. قد تعتقد أنه شبيه له، أو يصور لها خيالها المريض أنه من أفعال الجان، حتى تفي بالنذر الذي قطعته على نفسها!
لكن، أيصح أن يتطاول على الحاج فهيم ويرتدي مثل ما يرتديه؟. أيكون ندا له؟.. بوده لو يكون، لكنه مستحيل. مستحيل أن يكون.
تراجع عن شراء القميص. ابتعد خطوات عديدة عن واجهة المحل. تنازل عن الفكرة الطارئة تماما، وسار في طريقه لا يلوي على شيء. بادرة ضيق تنتابه، إلا أن السعادة تغمره وتطغى على ضيقه. تعم كيانه فرحة جنونية أنسته ما كان يفكر فيه منذ لحظات. راودت مخيلته أحلام كثيرة، ود لو يشاركه فيها أحد.
زارت جيبه اليوم ثروة لا يحلم بها. لا بد إذن أن يتغير!.. أن يغير من عادته!.. ليس من المناسب أن يسير على قدميه من " السيدة زينب " إلى حيث تقبع حجرته المظلمة في زقاق ضيق بحي " القللى " .. قد تعود على المشي حتى كلت قدماه. كثيرا ما كان ينتابه شعور بالملل وهو سائر أمام المحلات والمنازل الضخمة.
تمرق سيارات الأجرة بجانبه كالسهام. هم أن يوقف إحداها. سيدفع مبلغا محترما. لن يؤثر ما يدفعه على ما في جيبه. تصور ما يحدثه قدومه في سيارة أجرة من مفاجأة لا يتوقعها ساكنو الزقاق الضيق. سيتطلع إليه الجميع، يتساءلون.. إلا أنه تضايق، حين أدرك أن السائق قد يرفض دخول الزقاق الضيق.. معذور، يبدو أنه إذا دخل، لن يستطيع الخروج بسهولة. الزقاق لا يسمح بمرور السيارة إلا إذا احتك جانباها بجدران البيوت القديمة. قد يتسبب الاحتكاك في انهيار أحد الجدران، فيحدث ما لا تحمد عقباه!
أما زوجته حمدية، فتهلل، وتسأل أسئلة كثيرة. من الأفضل ألا يجيب حتى يدعها غارقة في فضولها ودهشتها.
هم بإيقاف إحدى سيارات الأجرة، إلا أن السيارة تجاوزته ولم تعره أدنى انتباه. اكتأب. لم يلتفت إليه السائق، أو أنه لم يحسن التقدير. عليه إذن أن يبرز العشرة جنيهات!.. جلبابه الرث ليس مشجعا، ولا يثير انتباه السائقين. تنازل عن الفكرة التي تشبث بها كطفل، خشية أن تتجاوزه سيارة أخرى، وعاود مسيرته المعتادة.
لمح سيارة ركاب مزدحمة فقفز إلى سلمها. أخلى أحد الواقفين على السلم موطئا لقدم واحدة. ثبت قدمه اليسرى وأمسك العمود المعدني بقوة خشية أن تزل قدمه. لم يمكنه الزحام من الوصول إلى داخل العربة، فقنع بوقفته. تملى في الوجوه التي تكاد تلتصق به. كان يمعن النظر في وجوه الناس. التفت إليه راكب زاعقا :
ـ حاسب يا أخينا. لا تلتصق هكذا. أف.. الدنيا حر.
راكب آخر ينهره :
ـ ابعد ذراعك. يحلو لكم "التحشير" في الزحام!.. فرصة!
كان على وشك الصراخ، لكن صرخاته لم تخرج من حلقه. احتبست في أعماقه، تصخب في جوانب نفسه وتؤلمها. ود لو يصفع هذين الراكبين الصفيقين. كانت هي الأخرى رغبة مكبوتة، سرعان ما طواها، وقبع في مكانه صامتا. عيون كثيرة بدأت تنظر إليه شزرا. أمعنت التحديق، أحس معنى النظرات وفهمها جيدا.. نظرات شك وارتياب. إنه متهم. النظرات تحاصره من جميع الجهات. هي قضبان حديدية تحصره في منطقة مظلمة من قاع سجن رهيب. ود لو يُخرج الورقة المالية الكبيرة، ليبرئ نفسه. إنها دليل قاطع. لكن!.. أيمكن لأحد أن يصدق؟ سائق التاكسي لم يصدق. تجاوزه، ولم يعطف عليه بنظرة ما، كأنه لا يراه!
وفجأة، سيطر عليه ظن بأن الورقة المالية قد نشلت. هبط على الفور عند أول محطة. وضع يده في جيبه فوجدها لا تزال قابعة في مكانها المتواضع. اطمأن. تشبث بها كطفل. وقنع بالمسيرة المعتادة كأفضل وسيلة للوصول إلى حجرته المظلمة.
طالعه وجه حمدية الأسمر. قالت له على الفور :
ـ تتغدى؟
ـ ليس الآن. أريد كوب شاي.
تعجبت لحاله، فما اعتادت منه ذلك. ما إن يدخل الحجرة حتى يزعق طالبا الطعام. فما الذي غيره؟.. سألت مستفسرة :
ـ تغديت؟
ـ لا...
صمتت قليلا، ثم قعدت القرفصاء وأشعلت موقد الجاز فاندلعت ألسنة اللهب عالية، وامتلأت الحجرة بدخان خانق. سعل مرزوق مرات متتالية، ثم قال في ضيق :
ـ متى نستريح من هذا الهباب؟
ـ شد حيلك، واشترِ " بوتاجاز ".
هي لا تطمع في البوتاجاز ولا تمني نفسها به، إنما تدعو الله أن يهبها من الرزق ما يكفي ضرورات الحياة. لا تطمع في شيء إلا قوت يومها، وقرشا يدخرانه لمستقبل الأيام. أمسكت مقبض المكبس وضغطته عدة مرات. بللت قطرات العرق صدرها الأسمر المكتنز. راقبها مرزوق فأدرك مدى العبء الذي تنوء به. ود لو يستطيع فعل شيء. جالت بخاطره فكرة طارئة، وهي شراء " بوتاجاز "!.. ستفرح حمدية. يجدر به ألا يبوح بهذه المفاجأة. عليه تكتم الأمر حتى يشتريه، فما أجمل المفاجآت السارة!
قالت حمدية وهي تضع براد الشاي على الموقد :
ـ اقترضت بريزة من أم علي.. الخضار كان غاليا اليوم.
ـ سأفك وأعطيك البريزة.
تنهدت مندهشة :
ـ تفك!.. من يسمع كلامك يظن أن معك ورقة بعشرة جنيهات!
لم يشأ مصارحتها بما يملك. آثر الصمت، حتى لا تسأل عن مصدرها، فتشك فيما يقول، ثم تقترح عليه ـ في النهاية ـ ادخارها للمستقبل.
ارتشف الشاي في صمت. استرجع في خاطره ما حدث. كيف زارت الورقة الجميلة جيبه؟...
توجه إلى بيت الحاج فهيم حاملا لفافة لحم كبيرة. أخذ ينهب الطريق مسرعا، حيث طلب الحاج الإسراع في الحضور بعد العصر، حتى يقوم بتفريغ عربات القطن الضخمة التي ستصل من محلج القطن بطنطا. كما أنه خشي تلف الورقة التي ينز الدم منها. كان الجو حارا، والعرق يتصبب غزيرا من جبهته وتصل قطرات منه إلى جفنه العلوي فيحس بثقلها، إلا أن إحساسا جميلا ينسيه كل هذه المضايقات. الست هناء لا تبخل عليه بشيء، تقدم له الطعام وما أشهاه! وتعطيه نقودا، علاوة على منحها إياه بعض الملابس التي يستغني عنها الحاج. لهذا كله كانت الرحلة جميلة ومرغوبة. وفي لحظات شروده تذكر أن اليوم عيد ميلادها. لا يعرف كم عاما مضى على ميلادها، لكنه يحفظ تاريخ اليوم جيدا. يترقبه بلهفة. فكر في شراء هدية، عرفانا بجميلها وتقديرا لها، إلا أنه تنازل عن فكرته لضيق ذات اليد، ولأنه لا يضمن أن تقبل الهدية.
فتحت له الخادم. ناولها اللفافة ووقف طويلا في الصالة، قبل أن تخرج الست. حياها وتبادل معها بضع كلمات، ثم قال :
ـ كل سنة وانتِ طيبة يا ست هانم.
ـ وانتَ طيب يا مرزوق.. لكن ما المناسبة؟
ـ ألا تعرفين أن اليوم عيد ميلادك؟
ـ أعرف، لكن كيف عرفتَ أنتَ؟
ـ أحفظه جيدا يا ست هانم، كل سنة وانتِ طيبة..
ـ تعرف انك أول واحد يهنئني؟
غابت عنه قليلا ثم ما لبثت أن رجعت ودست في يده ورقة مالية.
ثم استأذن لتأخره على الحاج. هبط الدرج في أناة ومهل. بسط كفه فذهل. أعطته عشرة جنيهات!.. يا الله!.. هل تهنئته غالية إلى هذا الحد؟ فكر في أن يصعد ثانية وينبهها، ربما أخطأت. إلا أنه تنازل عن العودة إليها، اعتقادا منه بأنها تكافئه مكافأة سخية على هذه التهنئة. قد يستحق المكافأة، ولو أنها كبيرة.
خيل إليه أنه يحلم. سرعان ما يفيق من الحلم فلا يجد شيئا. وبحركة لا إرادية تسللت أصابع يده المرتعشة إلى جيبه واطمأنت إلى الورقة المالية التي استوطنت جيبه.
ارتشف الرشفة الأخيرة من قدح الشاي، في تلذذ، وهو شبه حالم، ثم اضطجع على الفراش منشدا الراحة، إلا أنه سرعان ما نهض وتهيأ للخروج.
ـ إلى أين؟
سألت وهي تعجب لتغيره المفاجئ.
ـ تخرجين معي نتفسح؟!
ـ أجننت؟!.. أين نذهب؟
ـ كما يحلو لك.. أخرج أنا.
لم يشأ أن يجادل أو يلح، فهو أدرى بصلابة رأيها وعنادها. لن تفهمه بسهولة. هو الآن لا يطيق الجدال أو الإلحاح، لا يطيق صبرا إزاء استفسارات زوجته التي لا تنتهي. أفرغ عربة ضخمة من أكياس القطن قبل أن يرجع إلى البيت، وسمح له الحاج فهيم أن يتغدى ويستريح، ثم يعود بعد العصر لتفريغ باقي العربات التي ستصل بعد ساعتين أو أكثر.
بعد خروجه من الزقاق، التقى أبناء الحي على المقهى. اقتعد كرسيا من القش وتبادل التحية وبضع كلمات متناثرة. قال أحدهم :
ـ مشروبك على حسابي يا مرزوق.
ـ لا يا جماعة، مشاريبكم كلها على حسابي.
دهش الجميع.. انثالت الكلمات في تفاوت زمني..
ـ كلها، كلها.. هذا كثير.
لم يصدقه أحد. كرر ذات الكلمات، تأكيدا لما يعني، إلا أنهم تبادلوا نظرات الاستنكار والشك. قال مرزوق في حدة :
ـ والله العظيم يا جماعة، كلام جد.
لم يصدقه أحد. أحس باكتئاب، وبضيق في صدره، يكاد يكون اختناقا. أخرج الورقة المالية وبسطها أمامهم على الطاولة مشيرا إليها بأصبع السبابة في زهو :
ـ معي عشرة جنيهات. صدقتموني؟
تبادلوا مرة أخرى نظرات الاستنكار والشك، ثم أمعنوا النظر إليه في ارتياب. انفجر أحدهم فجأة، وهو مشهور بنكاته اللاذعة :
ـ لازم سرقها.
ضحكوا ضحكات عالية. اغتاظ مرزوق. أحس بالأرض تكاد تميد من تحته. آخر يقارع الأول في التعليقات :
ـ لا يا أخي.. الحاج طلب منه توصيلها للست هانم.
انفجرت الضحكات مرة أخرى بصوت أعلى، ود لو تنشق الأرض من تحت قدميه وتبتلعه. قال ثالث :
ـ عشرة جنيهات يا مرزوق دفعة واحدة.. صدق من سماك مرزوق.. صحيح أنت مرزوق.
هب واقفا في غيظ،، تاركا مجلسهم دون تحية، ثم هرول بعيدا عنهم، وصوت صبي المقهى يتعقبه مناديا :
ـ المشروب.. المشروب يا مرزوق..
فرد أحدهم :
ـ مشروب!.. مرزوق لا يشرب، يدفع فقط ثمن المشاريب..
وغرقوا في ضحكات ماجنة أمضوا فيها باقي وقتهم، وكانت هذه تسليتهم. وظلوا يتسلون بحكايات ونوادر عن مرزوق.
أما هو، فقد سار مكتئب الصدر، حزين النفس، لا يلوي على شيء ولا يحس بطعم للحياة. كان جهم الوجه، كاسف البال. أحس بأن الورقة التي زارت جيبه ضيف غريب لا يتناسب مقامه مع حقارته ومهانته. جال بعينيه في جلبابه الرث القاتم اللون، وجيبه القابع في الركن العلوي الأيسر. جيب صغير لا يتسع إلا للقروش القليلة. أما الورقة الغريبة فقد تكومت في جيبه الصغير فانتفخ، كأنه ضجر من وجودها. أحس بها حمل ثقيل ينوء به جيبه، فتثاقل عليه الإحساس.
قادته خطاه إلى شاطئ النيل، فسار بمحاذاته فترة ثم اقتعد مقعدا رخاميا ليستريح. تكسرت حدة الشمس قليلا. يتوجب عليه الرجوع إلى المحل. لكن ماذا يفعل بالعشرة جنيهات؟ كيف يتصرف؟ هل يصدق الحاج فهيم أنها ملكه؟ فليلقِ بها في قاع النهر كأنها لم تكن. إنها ملكه، ويحق له التصرف فيها كيفما يشاء. ود لو يحرق الورقة أمام أصدقائه الذين سخروا منه ولم يصدقوه. اليوم عيد ميلاده، إنه يتذكره الآن فقط، واليوم عيد ميلاد السيدة هناء أيضا، فيا لها من مصادفة عجيبة! ورغم هذا فلا أحد يهنئه بهذا العيد. زوجته الساخطة لا تذكر اليوم، وأصدقاؤه الماجنون لا يهتمون به.
الكل لاه عنه غريب.
يستطيع أن يهبها لأول عابر طريق يهنئه بهذا العيد، أو حتى يلقي عليه السلام، فقط يحييه، يا لها من تحية غالية! أخذ يرقب المارة ويمعن النظر في وجوههم.
الكل لاه عنه غريب.
لا أحد يلتفت إليه، ولا حتى يحييه بنظرة! ماذا جرى للدنيا يا ترى؟! ماذا جرى له حتى يفكر في مثل هذه الأمور؟!
لن يلقي الورقة في النهر، خسارة! أيا كان نوع الغضب الذي يعتريه الآن، فلا يصح أن يؤدي به إلى هذا التصرف الأحمق. نهض عن كرسيه حتى يحسم الأمر، ومشى في اتجاه حي " السيدة زينب ". ركض في لهفة كأنه على موعد. فالمطلوب منه التوجه إلى المحل، وأي تأخير سيحاسب عليه محاسبة قاسية، إلا أنه عرج على منزل الحاج، وصمم على إرجاع الورقة المالية إلى صاحبتها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة وهو يتخيل الست هناء تسأله عن السبب، وما يقوله لها من أنه ليس محتاجا إلى المال بقدر حاجته إلى رضا الناس عنه. دق جرس الباب في لهفة، وحين قابلته، كانت أنفاسه تلهث وقلبه يدق بسرعة. سألت :
ـ ماذا جرى لك يا مرزوق؟!
ـ أشكرك يا ست هانم، لكن...
ناولها العشرة جنيهات. ثم همّ بالانصراف، لكنها استوقفته متسائلة :
ـ لماذا لم تعطها للحاج؟
انزعج، كأنه بوغت.. تمتم في أسى :
ـ لقد... نسيت!
ـ ألم تسأل نفسك لماذا أعطيتها لك؟.. أم أنك طول عمرك بطيء الفهم؟
أخفى وجهه عنها، محاولا حبس الدموع التي توشك أن تنبجس من عينيه.
ـ آسف يا ست هانم.. أعطني إياها..
هبط الدرج بخطى متعبة، وهو يتساءل في مرارة : لماذا تقسو عليه الست هناء؟.. ألا تكفي سخرية الزمان، وأحلام يقظته التي صورت له الوهم حقيقة؟
واغرورقت عيناه بالدموع..
ــــــــــــــــــــ
• مجلة " الأديب " ـ بيروت ـ ديسمبر 1973

د. حسين علي محمد
30-04-2007, 12:45 PM
حكاية ورقة نقدية

قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

أخرجني الصرّاف من إحدى الرزم، ورقة خضراء لامعة، تسر الناظرين. أخذ يعدّ الأوراق. وكنت في ذاكرته مجرد ورقة تعد مع أوراق أخرى لينقد الموظف راتبه الشهري.
عدّ الموظف ما استلم من أوراق. كنت مما شمله العد. اطمأن إلى راتبه ووضعه في جيب سترته. تضايقت من الجيب المظلم، أشبه بقبو ساخن. كدت أختنق. تراكم غبار السنين وتجمّع في أنسجة القماش. لم يُفرج عني إلا عند وصوله إلى البيت. زوجته أملت عليه طلبات البيت. علّق بكلمات موجزة:
ـ الطلبات لا تنتهي ..
اكتأب. شرد قليـلا. الراتب موضوع على النضد. كنت واحدة من الأوراق القليلة. أحمل رقماً. تريّثت. ماذا أنت فاعل بي يا أنور أفندي؟ ـ وهذا اسمه، ناداه به الصرّاف ـ أما أنا فلا اسم لي، وحتى رقمي المطبوع لا أحد يحفل به.
بدت عليه الحيرة حين أمسك ورقة وقلماً. يبدو أننا غير قادرين على نجدة أنور أفندي، وإنقاذه من محنته. أحصى بنود الصرف فوجدها عديدة، لا يتحمّلها راتبه الصغير. تململ في جلسته، أحس بتعب. لا أدري لماذا انتقاني من بين الأوراق واحتجزني في مكان أمين؟ حدّث نفسه كأنّه يُخاطبني:
ـ وأنتِ أيتها الورقة الجديدة. ابقي في هذه العلبة لأيام العسر في آخر الشهر.
كان مزهوا بي، ورقة خضراء من فئة العشرين جنيهاً. لكني تضايقت من الوسيلة التي عبّر بها عن إعجابه. فقد سجنني في علبة صغيرة، ظللت حبيسة في قُمقم إلى أن أفرج عني أخيراً، في اليوم العاشر من الشهر. لم يصبر طويلاً.
أعطاني لزوجته، لتشتري بي كيلو لحم، وتحرص على الباقي لا تُبدّده. ناولها القصّاب لفافة اللحم وأخذني منها. شممت رائحة الدم في يده، ووضعني في درج خشبي صغير، وسط أوراق مبعثرة قديمة وجديدة.
فقدت أهميتي عند القصّاب، لم يحرص عليّ حرص الموظف الغلبان، وفي آخر النهار رتّب أوراقه المالية بسرعة عجيبة، ودس كومة الأوراق في جيب جلبابه الأبيض، وعاد إلى بيته منفوشاً كالطاووس. أمسك بنا ـ نحن الأوراق المالية ـ وألقانا بغير اكتراث أعلى التليفزيون. غيّر ملابسه، واغتسل، وتناول طعامه، ثم تهيّأ للذهاب إلى فرح صديقه. عرفت ذلك حين قال لزوجته:
ـ المعلم حسب الله، تاجر القماش، فرح ابنته الليلة.
جلس في الصوان مع أصدقائه، يشربون البيرة ويُكركرون بالنرجيلة. وتبارى التجار المعلمون في إعطاء النقود للراقصة، وأصرّ صاحبي القصّاب على الرقص عشرة بلدي، مع الراقصة ممتلئة الجسم، ترجرجتُ في جيبه، أحسست بهزّات متتالية، وإذا به يُخرجنا من جيبه، وينتقي ورقة، مدّ يده إلى ورقة العشرة جنيهات، لكنه أعادها إلى مكانها، وأخذني بدلاً منها، ودسّني في صدر الراقصة المتصبب عرقاً. ابتللتُ من عرقها. رقَصَتْ بنشوة وانسجام. واضح أنها سعيدة بالمال المدسوس بصدرها. ووجدتُ أني لستُ الورقة الوحيدة المحشورة في النهر الفاصل بين ثدييها. هناك أوراق أخرى تكرمشت أو تكوّرت.
تعبت من رجرجة الثديين، وحزنت لما آل إليه حالي، فقد تكرمشت قليلا، ورائحة العرق انتقلت من بشرتها البيضاء إليّ وإلى الأوراق الأخرى.
ولما انتهى الفرح، جُمعت الأوراق التي مع الراقصة وزميلها المطرب، ومذيع الحفل، ووُزِّعت على أفراد الفرقة، كنت أنا من نصيب الراقصة، ومعي أوراق أخرى، وضعتني في حقيبتها الجلدية البيضاء، وعادت إلى بيتها قرب الفجر، منهوكة القوى، فأغفت دون أن تُبدِّل ثيابها، وظللت داخل الحقيبة المغلقة.
وفي الصباح، اختارتني ـ من بين الأوراق الأخرى ـ وحملتني إلى صاحبة البيت تُسدِّد إيجار الشهر. وصاحبة البيت العجوز ناولتني بدورها إلى ابنها فهمي، الطالب الجامعي ليشتري كتاباً.
لكنّه لم يشتر الكتاب، سهر مع أصدقائه، تناولوا زجاجات البيرة والمزة، وأكلات كباب وكبدة وفواتح شهية. استأذن فهمي بإشارة فطنوا لمعناها، فابتسموا له، وفي غرفة مجاورة كانت امرأة في انتظاره، قضى وطره معها، وأعطاها إياي، وكنتُ الورقة الوحيدة التي بجيبه، لتعطيه عشرة جنيهات. لكنها طمعت فيّ. لم يعترض، وإنّما علّق باسماً:
ـ لقد أخذتِ ثمن الكتاب كله.
تأوّهت، وعانقته قائلة:
ـ ألست أنا كتاباً مفتوحاً؟ علّمتك أشياء لم تكن تعرفها.
أهاجه صوتها، فأكمل كوب البيرة دفعة واحدة، وأخذ يتحسس مفاتنها. راقبت كل ذلك، وأنا ملقاة على نضد منخفضة. احتقرت فهمي. كذب على أمه. ما علينا، فأنا الآن أسيرة بين يدي هذه المرأة، هنا قدري، والأمر لله ..
صباحاً حملتني المرأة في كيس صغير. مشت بخطوات عصبية. تأفّفتُ من وجهها الملطخ بأصباغ وألوان لا تناسق فيها ولا جمال. حمدت الله على أنني حُبست في الكيس فلا أرى شيئاً، لكن الكيس لم يكن محكم الغلق. انتهزتها فرصة لأتنفّس الصعداء. ساعدتني حركتها العصبية وعدم اتزانها مع هبوب النسيم لأسقط من الكيس على الأرض. سعدت لأني هربت من هذه المرأة.
انحنى رجل عجوز معدم والتقطني من على الأرض، جرى في أثرها منادياً عليها:
ـ ست .. يا ست ..
وأشار إليّ. ابتسمت ابتسامة باهتة، وأخذني وأعادني إلى الكيس، أحكمت غلقه، وحرصت عليه. وعجبت لهذا المعدم الذي لم يحررني، مع أني كنت سأفك عنه ضائقة مالية.
دفعتني للصيدلي وأخذت دواء. عدت إلى درج الخزينة الضيق. وإن كنت سعيدة لتخلصي من هذه المرأة المقرفة، أو هي التي تخلصت مني لحاجتها إلى الدواء. ربنا يشفيها مما يشقيها.
أصابني البلى، لم أعد ذات بريق كسابق عهدي، بفعل الأيدي التي تداولتني ولم تحرص عليّ. هكذا حالنا وقدرنا نحن الأوراق المالية. شردت قليلا. نسيت أن أكتب شيئا مهما. فنحن أصل الشقاء الإنساني. بسببنا تُرتكب الجرائم، وتشن الحروب .. يتقاتل البشر بسبب الطمع والجشع، ورغم ذلك قلّما يهتم أحد بمشوار العناء الذي نقطعه في خدمة الإنسان. ما علينا من كل هذا، فقد اختنقت في الدرج الخشبي، وتراكمت فوقي الأوراق. كدت أختنق بفعل فتاة الخزينة. ومن حين لآخر تعد الفتاة أوراق العشرين، والأوراق الأصغر، وتطمئن على صحة الحسابات. أخيراً أمسك صاحب الصيدلية برزم الأوراق وتوجّه إلى بيته. لم أبت في شقته المرتبة الأنيقة سوى ليلة واحدة، ثم حملني مع صويحباتي إلى البنك ليُضيفنا إلى حسابه، واحتفظ في بيته بأوراق قليلة من فئة العشرة جنيهات.
أخيراً، استقرّ بي المقام في دار المال، مع ناس يعرفون قيمتنا، ويستضيفوننا عندهم في خزائن حديدية. الصرّاف الذي استضافني مشغول بصرف شيكات جديدة .. وفي دقائق قليلة ألفيت الصراف الأنيق يمسكني ويرصني ضمن (الباكو) ويلفني بشريط ورقي مصمغ يكتب عليه (ألفيْ جنيه). وهكذا يفعل مع باقي الأوراق. وبعد فترة أتى ثري وأعطاه شيكاً، تسلّم به (خمسة بكوات)، وهكذا غادرت البنك في صحبة الثري. لم أمكث طويلاً بقصره .. أثاث فاخر، وعطور طيبة، وملابس أنيقة .. كل شيء مرتب وفخم. انتابني إحساس بأن مظهري البالي لا يُناسب المقام هنا. وددت لو هربتُ من بين الأوراق وطرت في الهواء. ولكن ليست لي أجنحة أطير بها. ومكثت مختنقة لا يسمع أنيني أحد.
لم يطل مقامي في القصر، ففي المساء ارتدى الثري ثيابه، وفك (الباكو) الذي وُضِعت بداخله. ووضع الأوراق في المحفظة، وخرج سريعاً يستقل عربته، متجهاً إلى فندق سياحي .. اعترض طريقه شحاذ دعا له بطول العمر، أخرج ورقة صغيرة من فئة الربع جنيه وأعطاه إياها. وددت لو مدّ يده إليَّ، كي أعين هذا المسكين، أو أصير طليقة في مهب الريح، أطير مع غيري من الأوراق، فتمتد إلينا الأيدي المحتاجة، أو يطير كل منا حيث يقيم الشقي والفقير والمريض. نعرف نحن الوجوه الصفراء حائلة اللون التي لم تذق طعاماً، أو تكاد تموت كمداً بفعل الهم والشقاء. ما علينا من كل هذا. إنها أحلام عصافير. مازلتُ قابعةً في محفظة الثري، ولا أملك سوى الحلم. لحظة الحلم جميلة حين أتخيّل ابتسامةً ما مرتسمة في وجه بائس.
في ركن حالم جلس ينتظر عشيقته، أتت متأخّرة. قبّل يدها وأجلسها في مواجهته. دار بينهما حوار ناعم رقيق. أخرجت علبة الدخان من حقيبتها السوداء الأنيقة. تناولت لُفافة. همّت بإشعالها بالولاّعة. تناول الثري محفظته سريعاً، وسحب ورقة دون أن ينظر إليها، فإذا بي بين أصابعه ـ مُصادفةً ـ ولفّني سريعاً كقرطاس صغير ضيق. نفخ بفمه لهب الولاّعة، وقرّبني من لهب الشمعدان الموضوع على النضد، وأحرقني. اشتعلت النار فيَّ .. آي .. آي .. إني إحترق. وألفيته يُقرِّبني من اللفافة، يُشعلها، وهي تبتسم في رقة وعذوبة. رماني في المنفضة، رمى البقية الباقية. النار مازالت مشتعلة فيّ، وحديث العشق موصول بينهما .. بينما أنا أتلاشى، أتحول إلى رماد .. آي آي آي ..آه ..
*مجموعة قصص: "كلمات حب في الدفتر"، ط1، اتحاد الكتاب العرب بدمشق 1993م، ص ص47 / 55.

د. حسين علي محمد
11-05-2007, 06:18 PM
الفصل الأول من كتاب "روائي من بحري" لحسني سيد لبيب
.................................................. .........................
الصـهبــة

الصهبة، ساحة تواجه مسجد سيدي نصر الدين .. تقام فيها الموالد .. واتخذ محمد جبريل ( الصهبة ) عنوانا لروايته (1) .. يشرح الكاتب مظاهر الموالد من مواكب الصوفية وحملة الأعلام، ووصف حال النساء اللاتي يُخلع عنهن النقاب فيحملن ! ويتحدث عن مزاد (الصهبة ) الغريب، حيث يتزايد الرجال حول امرأة، فشارك منصور سطوحي، الشخصية المحورية للرواية، في المزاد، فرسا عليه .. وقال له أحد الرجال : حلال عليك .. فنزع عنها النقاب، فانبهر بجمالها، واحتضنها غير آبه بمن حوله الذين أدهشتهم المفاجأة! ونكتشف في السياق الروائي أن الكاتب واهم، أو أن الحلم اختلط بالواقع وكونا معا ( موتيفة ) من طراز فريد .. وشخصية منصور سطوحي رسمت بعناية واقتدار . يحدثنا الكاتب عنه بعد موت أبيه، ورغبته في إدارة شئون مكتبة أبيه بنفسه، وفسرت الأم رغبته بأنها طمع في ميراث أبيه .
ويركز الدكتور سعيد الطواب على أثر الأب في تكوين شخصية ابنه منصور .. " الأب متدين لكنه أقرب إلى التدين الشعبي ، أو إلى التدين المشوب بالخرافات والأساطير " (2) .. ورأى الطواب أن تأثير الأب يتأرجح بين السلب والإيجاب ، فكانت سلطة الأب قهرية أورثته معاناة نفسية ، وفقدان الاتزان ، مما حدا به إلى محاولة التمرد على صورة أبيه بعد موته والهروب من عالمه .. وتفسير الطواب هنا نفسي ، وإن بالغ في طغيان الأب ، فنحن لم نلحظ على منصور أي كره لأبيه ، ولم يعارض أمه في ضرورة الاحتفاظ بصورة أبيه . فنحن نستشف من العلاقة بين الابن وأبيه مدى احترام الابن لأبيه وطاعته أو قل امتثاله لتعليماته .
ومنصور الابن شخصية تصادمية، بمعنى أنه اصطدم بشخصية أبيه الضاغطة، حتى أنه أصر على التحاقه بكلية عملية، رغم أنه كان يرغب في الالتحاق بكلية الآداب. انتصرت رغبة أبيه على حساب حبه في نظم الشعر، فكان طبيعيا أن يعوض ذلك بالهروب إلى دنيا الحلم، ويتوهم حكاية امرأة الصهبة، وأنه مطارد من قبل رجالها ، وتستمر المطاردة في تضاعيف الرواية.، حيث يتوهم رجالا يتربصون به، لكن الصمت ديدنهم، لا يتكلمون ولا يفصحون عن شيء . هي مطاردة من نوع غريب . كأنه ينسج في خياله قصيدة شعر من طراز فريد .
يعتب عليه الشيخ عرفة الدجيشي انقطاعه عن الصلاة في المسجد، وإن كان لا يعلم أنه هجر الكلية أيضا منذ وفاة أبيه. وكان الشيخ قد رغب في إلحاقه بالتعليم الديني، لكن أباه أحب لابنه أن يلتحق بكلية عملية. وظل الشيخ يرعاه ويدفعه إلى التردد على غرفته بياقوت العرش، والبقاء في المسجد بعد إغلاق أبوابه، وأعاره الكتب الدينية وروى له قصص الأنبياء والصحابة وكرامات الأولياء .. إلا أنه ـ بعد وفاة أبيه ـ هجر كل ذلك، فقال له الدجيشي : " إن لم تأت إلى كل صلاة في موعدها .. فسأعلم أنك هجرت طريق الله ! .. " ( 3 ).
تعرف منصور سطوحي على جابر محجوب من خلال المنشاوي الذي يعمل بالحقانية ، وهو ميكانيكي سيارات بشارع قبو الملاح ويتردد على المقهى .. والتعريف يشمل المهنة والمكان في آن . والمكان يحظى باهتمام الكاتب ـ أيضا ـ حين صحب المنشاوي منصور سطوحي إلى بيته، فيحدده بدقة : " على ناصية شارع أبي نواية، المتفرع من الحجاري " ( 4 ) .. وفي هذا اللقاء يتعرف على والد المنشاوي ،ويتحدث عن حبه للشعر، وكلية الآداب التي رغب في الالتحاق بها ، وقرأ بعض قصائده . كما سلطت الأضواء على جابر محجوب الذي وفد من كفر الدوار، وسكن مع ثلاثة من ( بلدياته )، لكنه آثر العيش بمفرده، في غرفة " في حنية سلم بيت بشارع سيدي العجمي " (5 ) .. وهنا أيضا يتحدد مكان السكن تفصيلا يبين عن ضآلته وموقعه .. وجابر يخشى الظلام والمقابر .. يعاني لمسة أرضية تعتريه، إذا دخل مكانا مظلما، زقاقا أو نفقا أو مدخل بيت أو غرفة . لجأ إلى الوصفات والتعاويذ وأعمال السحر ، وشارك في أذكار الحضرة بأبي العباس، وزار الأضرحة وقدم الشموع والنذور، لكنه ظل على ابتعاده عن الأماكن المظلمة .
حاول أصدقاء المقهى إزالة لبس عنده من أن رجال الصهبة يريدون إيذاءه، فهم طريقة صوفية ترفض تسلل الغرباء إليها . والخوف الذي تملكه جعله يتقوقع داخل غرفته لا يبرحها إلا إلى الصالة ودورة المياه . وانشغل بقراءة الكتب.. " بعيدا عن المنقبة والصهبة والمزاد والزغاريد والأدعية والابتهالات، والمطاردة التي لا تنتهي"( 6 ) .. والمطاردة وهم يعيش في خياله، نتيجة تخيل واقعة عن احتضانه امرأة الصهبة أمام الرجال ! وهي إشارة خفية إلى أزمة الإنسان المعاصر، الذي يتسع أمامه الكون لكنه يضيق أمام طموحات الإنسان وآماله .. فسطوحي قبرت أعز أمانيه، وهو الشاعر الحالم ، في الدراسة في كلية الآداب .. وتصدت له أمه من أجل عدم تغيير معالم مكتبة أبيه، أو أن يضع عليها اسمه .. تمسك بميراث الماضي دون إضافة أو إشباع لرغبة النفس في الإبداع . إنها أزمة مستحكمة .. ويتوهم مطاردة تقلب حياته رأسا على عقب ! واختلاط الحلم بالواقع، من أبرز جماليات النص الروائي .. فالكاتب يعرض عليك الواقع كما يدور في نفس سطوحي فنصدق أنه واقع، ويعرض علينا الحلم الذي يهيم به فنستمتع بالحلم .. ونحن في الحقيقة نتأرجح بين الحلم والخيال ، فمرة نعيشه خيالا ومرة نتخيله واقعا ، وهذه المزاوجة الفنية خلقت متعة فنية لا نغفلها .
يعتريه قلق مستبد من مطاردة الرجال له، وهي مطاردة لا تنتهي ، طالما سكن الحلم الجميل في جنبات نفسه.. وأعطاه جرأة أن يفعل مثلما يفعلون . نزع نقاب المرأة فطالعه حسن أخاذ، وصورت له الأحلام ما تشتهي نفسه ، على رأي المثل : " الجائع يحلم بسوق العيش " .. وسجن نفسه في غرفته يجتر الحلم الجميل كأنه واقع، ويخشى الانتقام منه فانعزل. صارح الشيخ عن خوفه من إيذائهم، فنصحه أن ينفض يده من هذه الوسوسة التي تزول بالمداومة على الصلاة، وذكر الله، فتتطهر النفس، لكنه ما زال يخشى الذين يقتفون خطواته..
وتترك منيرة زوجها وتعيش معه حتى تنتهي الأزمة. لكنه خشي أن ينكر أهله وجودها، مثلما أنكروا الصهبة. ويدور عتاب بين منيرة ومنصور سطوحي . تقول له : " منذ الصهبة .. أنت منا ؟ .. " .. " لهوتم .. فشاركت في لهوكم " (7 ) .. يروي للشيخ ما حدث، لكنه يحرص على إخفاء جزء لم يقله.. وفي المسجد يفاجأ بملامح شيخ الصهبة، تبين في الضوء الخافت، متجها إليه بابتسامة مطمئنة. وفي المقهى، التقى بالحاج قدورة الذي دعاه أن يشرفه في البلقطرية، وفهم من الصحاب أنه تاجر حشيش، لكن منصور سطوحي قال لهم إنه رآه في الصهبة، أحد الرجال الثلاثة الذين رافقوا المرأة من البيت إلى ميدان سيدي نصر الدين. واضطر بدر المنشاوي وجابر محجوب أن يرافقاه أينما ذهب، ولا يفارقانه، في خروجه من البيت وعودته إليه. وقدّم بلاغا إلى الشرطة بشأن الذين يطاردونه ويراقبونه، وعجب من الضابط الذي أخبره أن ما رواه من صنع خياله، ولا توجد صهبة أصلا .. حتى المنشاوي وجابر وحسن الهن شهدوا بما لا يتفق مع ما قاله، مثل شهادة المعارف والجيران ضد قاضي البهار وإن تراجعوا عنها بعد ذلك، في محاولة من الكاتب لرسم مطاردة من طراز آخر !منيرة هي الوحيدة التي حثته لإبلاغ الشرطة. لكنه بعد الذي حدث فارق أصدقاءه والمقهى والمكتبة، ولزم داره لا يخرج منها .. انعزل عن الناس، وسمع صوت موكب فيه أدعية وابتهالات وزغاريد ودقات طبول ودفوف وعزف مزامير، وتحت وطأة هاجس داخلي : " لكي تفر مما يشغلك، اقذف بنفسك داخله " (8 ) .. فاندفع إلى حيث تمضي الصهبة، وسط دهشة ماجد ومنيرة وأمه، وتساؤلهم الحائر : هل انجذب ؟!
وإسكندرية المكان استهوت الكاتب في ( الصهبة ) .. فيحدثنا عن الساحة التي تواجه مسجد سيدي نصر الدين ، والتي يتواجد فيها رجال الصهية، يعقدون حلقات الذكر فيها، وينشدون الأناشيد الدينية . ويعرفنا الكاتب بغرفة الشيخ عرفة الدجيشي بياقوت العرش . ونتعرف على العديد من الشوارع مثل : قبو الملاح، و أبي نواية المتفرع من الحجاري، وسيدي العجمي .. وفي شارع قبو الملاح يقع محل جابر محجوب لإصلاح السيارات، ويقيم بمفرده في غرفة " في حنية سلم بيت بشارع سيدي العجمي ". ويشارك في أذكار الحضرة بأبي العباس . وعلى ناصية شارع أبي نواية يقع بيت المنشاوي . ورجال الصهبة يتبعون طريقة صوفية ترفض تسلل الغرباء إليها. كما يرد ذكر البلقطرية، حين دعا الحاج قدورة ـ وهو تاجر حشيش ـ منصور سطوحي ليشرفه هناك، وقد ذكرت البلقطرية في رباعية بحري، وعرفها الكاتب بأنها المكان الذي يستوطن فيه تجار المخدرات، حين اعترض سيد الفران على السكنى فيها .
والإسكندرية عاشت في خيال الكاتب السكندري ، وفرضت نفسها على الكثير من أعماله الروائية والقصصية، وخاصة حي ( بحري ) ، بأماكنه ذات العبق التاريخي الديني الصوفي، وسلوكيات ناسه وعاداتهم . وما ذكره في رواية ( الصهبة ) هو جزء مما ذكره في ( قاضي البهار ينزل البحر ) و ( الشاطئ الآخر ) و ( النظر إلى أسفل ) ، وتوّج ذلك كله بما كتب في ( رباعية بحري ) على النحو الذي نبينه في هذا الكتاب . ناهيك عما كتب في أعماله القصصية ، وفي كتابه ( حكايات عن جزيرة فاروس ) .
الهوامش :
1-محمد جبريل : الصهبة ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1990م.
2-د. سعيد الطواب : استلهام التراث في روايات محمد جبريل ـ منشورات دار السندباد بالمنيا 1999 ـ ص 48.
3-الصهبة ـ ص 33.
4-المصدر السابق ـ ص 43.
5-المصدر السابق ـ ص 51.
6-المصدر السابق ـ ص 62.
7-المصدر السابق ـ 80.
8-المصدر السابق ـ ص 96.
9- د. ماهر شفيق فريد : فسيفساء نقدية (تأملات في العالم الروائي لمحمد جبريل ) ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ـ الإسكندرية 1999 ـ ص 61.
10-المصدر السابق ـ ص 90.

د. حسين علي محمد
11-05-2007, 06:37 PM
الفصل الثاني من كتاب "روائي من بحري" لحسني سيد لبيب
.................................................. .........................
قاضي البهار ينزل البحر

الرواية ( 1 ) في خطها العام تدين عصرًا بأكمله وكل عصور العسف والظلم، التي تربصت بالإنسان وسلبت منه أعز ما يملك في الحياة، سلبت منه الحرية . كتبت الرواية بأسلوب التقارير والمذكرات البوليسية ، ويصب موضوعها كله في شخص محمد إبراهيم مصطفى العطار، الشهير بمحمد قاضي البهار . و ( قاضي البهار ) اسم جد له قديم، فاستهواه الاسم فأضافه ، واستغنى به عن الأسماء الأخرى . انقسمت الرواية إلى ستة فصول ، أو ست موجات كما عنونها المؤلف ، والموجة تعني اللطمة الشديدة، فالموجة غبّ اندفاعها تضرب بعنف، وللأمواج دلالة لا تخفى ، إذ تلطش بالإنسان المسالم الذي لا يجيد السباحة. وقاضي البهار لا يجيد النفاق أو الأساليب البوليسية، وآثر أن يعيش حياته مسالما . وكل فصل يمثل موجة تباغت مواطننا المسالم. ودلالة الأمواج يعنيها الكاتب وهو يتحدث عن المواطن المطارد محمد قاضي البهار، الموظف بإدارة التخليص الجمركي .. وكل ما نعرفه عنه، ما كتب في التقارير الأمنية عنه، والرغبة الشديدة في تلفيق التهم له والنكاية به .. يتحدث تقرير عن طفولته والمدارس التي تعلم فيها ، والبيت الذي عاش فيه، وجيرانه وأقاربه ومعارفه. وثمة تقرير آخر عن الشقة التي يقيم فيها وشقق البيت الأخرى، والشارع والدكاكين . ويعرض تقرير عن زيارة الضابط لمدرسة البوصيري التي تعلم فيها ولقائه بالناظر والمدرسين والفراش وأمين المكتبة وزميله بكلية التجارة وزميلته. وفي تقرير ضابط آخر زار الضابط مكان عمل قاضي البهار بالجمارك. وتقرير عن تردده على قهوة البوري، ولقاء سيد كابوريا، والشيخ سلامة الرشيدي وآخرين.
وفي ( الموجة الثانية )، يحدثنا عن بهية التي عملت في ملهى، وغيرت اسمها إلى بقلوظة، ثم زيزي ..وطلب الضابط منها التعاون معه، مقابل إغلاق ملفها المشين. وتحدثت عن زيارتها له ليكون المحاسب الذي تعتمد عليه، ولما رفض طلبت منه التريث. ومكوجي الرِّجْل صالح البسيوني، تحدث عن علاقة تربط قاضي البهار بزوجة ميكانيكي بلانس عبد الناصر جميعي.
وفي ( الموجة الثالثة )، تعذر على المقدم عبد الفتاح جبر توصيل أجهزة تنصّت في بيته، وأوصى بتجميع البيانات وتنسيقها والتعرف على معاملاته واتصالاته وتصرفاته. وفي تقرير آخر عُرف عنه اتصالاته اليومية التي تقتصر على البيت والإدارة والمقهى، وله اطلاع دائم بالصحف والكتب، أي أنه مثقف يمكنه أن يفكر، وقد يكون ذلك سببًا لمطاردته. والرواية لا تذكر سبب مطاردة هذا الشخص بالذات، ربما إمعانًا في تصوير تلفيق التهم للأبرياء بلا جريرة، وقد يكون مجرد الاشتباه أو الظن سببًا كافيًا للمطاردة والاعتقال والتعذيب ! وهذه لعمري قمة المأساة التي يقصدها الكاتب في روايته . أجري تحقيق معه عن تردده على مقهى البوري وعلاقته بجيرانه، وخاصة مختار وبقلوظة . وكانت سيارة قد صدمته عقب انصرافه من المقهى، وأثبتت التحاليل عدم احتسائه الخمر أو المكيفات أو تعاطي الحبوب المخدرة . وحين أوقعوه في خطأ أثناء تأدية عمله، تفاهموا معه لينهوا المشكلة، لكنه رفض التزوير، واستسلم لجزاء يوقع عليه . وبعد إحالته إلى المعاش، تعرض تقرير آخر إلى تردده على مقهى فاروق .
وفي ( الموجة الرابعة )، ورغم براءته من أي شئ يدينه، إلا أن أحد التقارير كتب فيه : " ولكي تظل الإدارة في مستوى نظرة المسئولين، فقد اقترحت نسبة العديد من الوقائع والتصرفات إلى محمد قاضي البهار، بحيث تشكل ضغوطا، تسعى إلى الإدانة التي تثق فيها جهة الأمر " ( 2 ) . والفقرة تبرز مدى التلفيق الذي تتردى فيه الجهات الأمنية من أجل ممالأة السلطة، أو إرضائها .. وهنا يشمخ الكاتب بفكره ، كاشفًا الستار عن الوجه القبيح الذي قد يحجم الآخرون عن كشفه، أو اضطرارهم إلى التخفي وراء الرمز بشقيه الواضح والغامض . وقد كشفت الفقرة السابقة بصراحة ووضوح إمكان الجهاز السري للأمن من تلفيق التهم، بما يشكل ضغوطا مطلوبة لذاتها لإدانة شخص تريد الجهة الأمنية إدانته !!
أما الشهود الذين أدانوه، سرعان ما غيروا أقوالهم، وأنكروا كل قول يدينه. وحين مثل أمام وكيل نيابة أمن الدولة، تحدث عن الناس الذين حذروه وطلبوا منه أن يحتاط لنفسه. اقتادوه إلى غرفة وعذبوه، ثم جاءه الرائد صفوت ملاطفا، طالبا منه الاعتراف حتى لا يتعرض للضرب مرة أخرى !
وفي ( الموجة الخامسة )، وصف تقرير سري وهام مداهمة الضابط لشقته وتفتيشها، فلم يعثر على شئ ، كذلك فتشت شقق أخرى في البيت . وطلب من أبيه أن يحث ابنه على الاعتراف حتى لا يتعرض للتفتيش مرة أخرى ! وفي تقرير آخر ـ وكل التقارير سرية وهامة ـ ذكر واقعة القبض على رواد مقهى البوري، وسئلوا عما يعرفونه عن قاضي البهار، فشهدوا لصالحه، وليس ثمة شائبة تدينه، فاتهموا بالكذب والتستر عليه. وطلب منهم شيخ أن يسألوا قاضي البهار نفسه فيما لا يعرفونه عنه ! كما اختطفوا ابن أخته الطفل رفيق عبد الناصر جميعي، عند انصرافه من المدرسة ، في محاولة لإجباره على الاعتراف !
وفي ( الموجة السادسة ) ـ وهي آخر موجة تعرض لها قاضي البهار ـ تقرير ختامي من جهة أمنية عليا، راقبت قاضي البهار عند خروجه لتأدية الصلاة، ونزوله البحر، رغم أنه لا يجيد السباحة، واختفائه بين الأمواج . فالبحر هو المكان الوحيد الذي نجح في الاحتماء فيه من الأعين الراصدة لحركاته وسكناته، وإن انقلب الاحتماء إلى اختفاء أبدي .. فجابه التحريات عنه بابتسامة غامضة ـ ولعلها هازئة ـ انتقلت كالعدوى إلى شفاه أبناء الموازيني الذين لم يكونوا على أصدقاء له ! وقد رأى الدكتور مصطفى كامل سعد في هذا الاختفاء ظاهرة تتكرر في أعماله الروائية الأخرى ففي رواية ( الأسوار ) يثور السجناء في المعتقل ويقررون إشعال النار في عدد منهم احتجاجا على تعسف الإدارة معهم، وفي ( من أوراق أبي الطيب المتنبي ) يتمثل الاختفاء في إشارة إلى ترقب تحقيق العدالة. أما رواية ( قاضي البهار ينزل البحر )، فالاختفاء هنا يمثل نوعا من " الغياب والتغيب والعزلة بعد أن تعرض للملاحقة والعسف، إنه يغيب ويختفي احتجاجا بعد أن تعاقب عليه القهر في موجات متعاقبة طمست حاضره وجعلت مستقبله غائما ومظلما. وغياب قاضي البهار من جهة أخرى هو غياب العدالة وافتقادها وهي الوجه الحقيقي الذي يقصده الراوي … فالغياب لا الحضور والعدالة لا القهر والباطن لا الظاهر والسلام لا الرعب هو ما يعنيه محمد جبريل " ( 4 ) .
ويرى الدكتور سعيد الطواب أن الكاتب " يوظف دلالة الانتماء للصوفية قلبا وسلوكا ، ودلالة تجليات الصوفية مذهبا وطريقة ئئن ثم يوظف دلالة المطاردة والقهر السلطوي .." ( 5 ) . وقد شغله هذا القهر المؤدي إلى الظلم، ولجأ إلى الرمز في بعض قصصه، فكتب عن السلطان الذي استهتر بنبوءة لأنه لا يؤمن بها، بأن سوف يقتل بيد أحد أعوانه، فطعنه واحد من أفراد الشعب، فقال المنجم : " لقد تغاضيت عن مظالم الأعوان، فتمنى الناس زوالك.. أعوانك هم قاتلوك ! " ( 6 ) .
وإحكام الحصار حوله أدى به إلى نزول البحر حيث الهلاك. إنه يغيب عن عالمهم إلى عالم آخر أبدي، واضعا حدا للتراجيديا التي يعيشها. والغريب أن الكاتب لم يصرح بسبب تعقب قاضي البهار وتلفيق التهم له. والدلالة هنا في أن المواطن مثال لحملة التنكيل بالأبرياء . ولعل جريرته لا تتعدى أنه يقرأ الصحف والكتب، إن كان في ذلك ما يدعو إلى الاتهام ! كما أن الدلالة نجدها في طغيان الظلم وشموله كافة المواطنين، والمواطن محمد قاضي البهار مثال نسجت عنه خيوط الرواية .
(يتبع)

د. حسين علي محمد
11-05-2007, 06:43 PM
(الفسم الثاني / من الفصل الثاني)
عبقرية المكان :
لماذا يحتفي محمد جبريل بالمكان ؟ هذا الاحتفاء الذي يعدّ سمة مميزة لكتاباته، معبرًا عنها. نلحظ ذلك في كثرة الأماكن التي ترد في سياق رواية ( قاضي البهار ينزل البحر ) وفي ( رباعية بحري ) ، وفي كل الروايات التي كتبها عن الإسكندرية.. من أسماء شوارع ودكاكين ومقاه وبيوت، وقد يغوص بالقارئ في تاريخ إنشاء المبنى، أو ذكر ما يثار حوله من أقاويل ، بما يشبه الزخم الكثيف. وهو لا يختلق أو يبتدع أماكن من بنات أفكاره، وإنما هو يجد المادة الخصبة الثرية في الأماكن الواقعية ، بما نسميه إحياء المكان في روايات جبريل . فالكاتب لا يتخيل المكان، وإنما يسجل معالمه التي شاهدها وعاصرها في الإسكندرية مسقط رأسه . وحين حدد تاريخ ميلاد قاضي البهار اختار التاريخ 17 فبراير 1958، وهو يوافق عيد ميلاد الكاتب العشرين ! وهي مصادفة مقصودة، برغم ما في المقولة من تناقض بين كلمتي ( مصادفة ) و ( مقصودة ) .. ذلك أن ولعه بتسجيل وقائع الأشخاص والأشياء، جعله ينقل إلى قارئه مجتمع الإسكندرية في حقبة عايشها وانفعل بناسها وأحداثها. فواقعية جبريل جعلته يتمادى في تعرية الواقع، إيمانا منه بأن كل ما هو معروف يمكن كتابته في مسرد قصصي أو روائي .
وفي الأفلام السينمائية، يروق للمصور التجوال بآلة التصوير، للتعريف بمحتويات قصر أو شقة، كما يخرج بآلته إلى الشوارع وواجهات البيوت والعمائر يصورها من الخارج، وهي إطلالة سينمائية عرفناها وألفناها، وخاصة في الأفلام ذات الطابع البوليسي، أو في أفلام المغامرات.
وصف جبريل المكان بقلمه، بديلا عن آلة التصوير، والغوص في أعماق المكان، هو في الوقت نفسه غوص في أعماق الشخصية. فهل يفي البديل بما يتوق إليه القارئ من تحليل للمشاعر الإنسانية أو وصف للمشاهد والشواهد؟ قد يكون الكاتب جغرافيا ، يحدد المكان بأبعاده وتضاريسه وملامحه واتجاهاته. وقد يحدده شيئا مرتبطا بالشخص أو الحدث، لكنه لا يقصده رمزا موحيا، وإنما يتجه إليه ظاهرة تعلن عن نفسها، من خلال منظومة الأقانيم الثلاثة : الشخصية والزمان والمكان . وقد لا نحس بأهمية الزمان إلا من خلال حديثه عن المكان.. وكثيرا ما يتحدث عن جدران البيت حائلة اللون، بفعل تراكم السنين.. وقد يغوص في إنشاء مدرسة كمدرسة البوصيري، ويشغله الضريح المقام في وسط المدرسة، مع شك في صاحب هذا الضريح، وهو نفس ما ورد في رباعية بحري عن غرام جابر برغوت بضريح مدرسة البوصيري ( 7 ) . ويذكر الدكان وصاحبه في موتيفة ترابط وتزامن، كأن عمر الدكان من عمر صاحبه !
ونذكر ـ مثالا لاحتفاء الكاتب بالمكان ـ ما كتبه في تقارير عن المواطن محمد إبراهيم مصطفى العطار، أنه "مقيم في المنزل رقم واحد بشارع المرسي أبي العباس " ( 8 ) . . ويتردد على مقهى فاروق بشارع إسماعيل صبري ـ لاحظ دقة التحديد ـ ويتحدث عن مشربية البيت المطلة على شارع الموازيني . وتتجول آلة التصوير داخل شقة قاضي البهار المكونة من ثلاث حجرات، تتوسطها صالة، ويقيم أبويه في غرفة مطلة على المنور .. " باب المنور في شقة الدور الأرضي، تطل عليه نافذة المطبخ ودورة المياه وغرفة الناحية القبلية. أما الغرفتان المتجاورتان، فتطلان على شارع الموازيني، وإن زادت إحداهما ـ يقيم بها قاضي البهار ـ فهي تطل على بداية شارع الموازيني، وجزء من شارع رأس التين " (9 ) . ثم يتعرض لأثاث الشقة ومحتوياتها .. " الشقة في الطابق الأول ـ فوق الأرضي ـ من بيت ذي ثلاثة طوابق. شقة الطابق الأرضي ـ في مواجهة السلم ـ مخزن للطنطاوي بائع الفول بشارع محمد كريم " ( 10 ) . وما نقلته من سطور قصدت منه بيان نموذج للوصف المسهب للمكان، حتى يجعلك ترتبط به وتألفه وتتعايش معه، فلا تحس أنك غريب عنه، وإنما تصبح واحدا من أصحابه . وهو لا يبخل عليك بالمعلومة عن أصل المكان أو تاريخه أو سبب تسميته، كشارع الموازيني الذي رجح سبب التسمية إلى أن الشارع كان مقصورا على باعة الموازين. وربما سمي الشارع بهذا الاسم لهذا السبب، أو نسبة إلى سيدي الموازيني . كما ولع الكاتب بذكر المقاهي وتاريخها، مثل ما ذكره عن مقهى فاروق وتعريفه بها .. " اسم القهوة يشي بانتمائها إلى عهد الملك فاروق. قيل أنها سميت باسمه بعد ولادته في 1920، فظل هذا هو اسمها إلى زماننا الحالي. عرفت الفونوغراف والراديو والريكوردر كاست والتلفزيون والفيديو . لطول العهد، عرف الشارع ـ إسماعيل صبري ـ باسم القهوة : أنا ساكن عند قهوة فاروق .. نلتقي في قهوة فاروق .. محطة ترام قهوة فاروق .. لا يلتقي فيها أبناء سن محدد، ولا أبناء مهنة بعينها. روادها أخلاط من المهن والأعمار. يجمعهم السكنى في شارع إسماعيل صبري، والشوارع القريبة. ربما قدموا من المنشية أو اللبان أو العطارين، لمجالسة أصدقاء في القهوة " (11 ) . وتعرض تقرير إلى تردد قاضي البهار على مقهى فاروق، بعد إحالته إلى المعاش. وفي أحاديث المقهى لا يشير إلى أسرته من قريب أو بعيد. واعتبر المقهى هي المكان الذي يلتقي فيه بأصدقائه .
الهوامش:
1-محمد جبريل : قاضي البهار ينزل البحر ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1989 ـ 136 صفحة.
2-مقال مصطفى كامل سعد ( قاضي البهار ينزل البحر : مجلة ( الثقافة الجديدة ـ أكتوبر 1992 ـ ص 49.
3-قاضي البهار ينزل البحر ـ ص 73.
4-مقال مصطفى كامل سعد ( قاضي البهار ينزل البحر ) مجلة ( الثقافة الجديدة ) ـ أكتوبر 1992 ـ ص 49.
5-د. سعيد الطواب :استلهام التراث في روايات محمد جبريل – ص 60 .
6-محمد جبريل : حكايات وهوامش من حياة المبتلي – قصص – أصوات أدبية عدد 183 – نوفمبر 1996 – الهيئة العامة لقصور الثقافة – قصة ( النبوءة ) – ص 78.
7-محمد جبريل : البوصيري – ص 157 .
8-قاضي البهار ينزل البحر – ص 9 .
9-المصدر السابق – ص 12.
10-المصدر السابق – ص 12.
11-المصدر السابق – ص 67.

د. حسين علي محمد
11-05-2007, 07:10 PM
الفصل الثالث من كتاب "روائي من بحري" لحسني سيد لبيب
.................................................. ..........................
الشاطئ الآخر

للبحر شاطئان. يتطلع الواقف عند أحدهما إلى الشاطئ الآخر. كلنا نتوق إلى حياة جديدة، غير التي نحياها . وبطل رواية ( الشاطئ الآخر ) (1) ساقته الظروف إلى السكنى مع أسرة يونانية ، فرأى في تلك الإقامة نقلة مفاجئة إلى بيئة مغايرة ومجتمع جديد . وليس غريبا اهتمام الكاتب بالشاطئ الآخر، في معرض اهتمامه بالبحر معلما بارزا من معالم الإسكندرية . فيتعرض هنا إلى مجتمع الجالية اليونانية والعلاقة الحميمة التي تربط اليونانيين بالشعب المصري. وقد أضاء الكاتب هذا الجانب وأبرزه في شكل جيد. واهتمام الكاتب بالإسكندرية، ينسحب بطبيعة الحال إلى البحر ، وإلى شواطئه ، فيتطلع إلى الشاطئ الآخر البعيد، حيث المجتمعات الغربية بعاداتها وأنماط معيشتها المغايرة لنا.
وفي ( الشاطئ الآخر ) تتشابك العديد من الرموز الفنية الدالة، من غير غموض أو تقعر، ومن غير انحراف عن مسار درامي بسيط في تركيبه ، عميق ـ في الوقت نفسه ـ في معانيه ودلالاته . إلا أن ثمة رمزا موحيا أشارت إليه الأديبة منار فتح الباب ، وهو الدور الذي يلعبه الباب الموارب ، فالباب وسيلة الدخول والخروج من عالم إلى آخر .. حين يغلق يصبح العالم بأسره غامضا ومثيرا ، وحين يفتح تنفتح مغاليق الكون ، وحين يوارب فإن البطل يظل في توتره وتردده (2) ..
ويجدر بنا الوقوف عند قصة قصيرة للكاتب بعنوان ( حدث استثنائي في أيام الأنفوشي ) (3) ، لرمزيتها الدالة، رغم أن كاتبها ذيّلها ببلد إقامته وقت كتابتها ( مسقط ) ، إلا أن هذا التذييل أو التنبيه، جعلنا نقف على تطلع الكاتب نفسه إلى بلده الإسكندرية، حبا لها وغيرة عليها. تحدث في قصته القصيرة عن طيور السمان المهاجرة من الشاطئ الآخر ـ الأوربي ـ وغزوها الإسكندرية بكثرة غير عادية، حتى أنها سكنت الشوارع وحنيات السلالم والغرف والمحال، وتساقط منها مرضاها والمصابون في حوادث. وكان الإمساك بها سهلا ميسورا، ولم يجد الصيادون حاجة إلى الصيد. فها هي طيوره تقع مستسلمة ، صيدا سهلا . لكن المشكلة التي تؤرق الكاتب المغترب في مسقط ، وتحفزه إلى صياغة القصة ، أن الكثرة الغازية من السمان أقلقت حياة الناس .. " لاحظ الناس أنهم لم يعودوا يتصرفون مثل ما اعتادوا، وتنبهوا ـ وإن متأخرا ـ إلى ملايين الأعين والأنفاس الغريبة، والقاسمة في المكان مهما كان شخصيا " .. فالطيور المهاجرة رمز لكل ما هو وافد .. لا يستفيد منها الناس ، إلا ما وقع منها في حادث أو أصيب في مرض . هل هي فكرة موحية سطرها الكاتب ليدلل على أن إغراق البلد بكل ما هو أجنبي إنما هو من قبيل العدوان على خصوصية البلد ، ناهيك عن استقلاله ؟ وفي نهاية القصة يتحدث الناس عن المقاومة، التي هي ضرورية، والبديل عنها هو الجنون بعينه ! إلى هذا الحد قلق الكاتب من طيور مهاجرة ، بلا سلاح، فما بالك بمن يفرض عليه عاداته وتقاليده، بأسلوب الإغراق والمحاصرة، بحيث تجد نفسك في النهاية منصاعا له متشبها به !
والكاتب الذي أقلقه الغزو الوافد أيا كان، يتعرض في هذه الرواية إلى اختلاف الثقافات، وإلى تنوعها بما فيه من ثراء . والمثال نجده في شخصية ديمتري اليوناني وقراءاته في الأدب الغربي بصفة عامة واليوناني بصفة خاصة. ويطلع حاتم على أشعار كفافيس .. وينبري في نقل نماذج منها يقرؤها على حاتم . كما أنه تمنى أن يهدي مكتبته إلى صديقه حاتم ، لو كان يعرف اليونانية ! أما حاتم المصري فقد تأثر بطبيعة الحال بالأدب العربي القديم والحديث، لكنه لا يطلع ديمتري على نماذج منه، ويكتفي بذكرها كلما أحس في نفسه بحاجة .. وخاصة كتابات ابن حزم والجوزي .. فالمقابلة هنا بين ثقافتين لا يتصارعان فيما بينهما، وإنما قضيتهما الإنسان، وإن اختلفت طرائق التعبير. ونلاحظ أن الثقافة اليونانية تجد من ينقلها إلى الطرف الآخر ( ديمتري يطلع حاتم عليها ) ، بينما لا نجد من ينقل ثقافتنا إلى الطرف الآخر ( يكتفي حاتم بذكر ما قرأه في الأدب العربي بما يتواءم مع حالته النفسية ) .. فالثقافة الغربية تجد من يطرحها خارج الحدود وينشرها، بينما تتقوقع الثقافة العربية كالشرنقة داخل حدودها .. ومن هنا نستبين الفارق أو عدم التكافؤ بين ثقافتين، ثقافة غربية تغزو العالم الخارجي، والرمز نستشفه في هجرة طيور السمان وفي قراءات ديمتري ، وثقافة عربية لا تتاح لها فرصة الانتشار. والمقابلة بين الثقافتين توضح أوجه المفارقة بينهما ، وأيضا أوجه المشاركة .. فثقافة حاتم العربية لم تمنعه من تذوق أشعار كفافيس، كما أطلعه عليها ديمتري، بينما لم يقم حاتم بالدور نفسه الذي أداه ديمتري . إلا أن الناقد الدكتور عبد الحميد إبراهيم تناول شخصية الراوي بنظرة مغايرة، واعتبره نموذجا لجيل المثقفين في الخمسينيات والستينيات، ووصف هذا الجيل بأنه جيل محبط منعزل ( 4 ) ، وإن كنا لا نقره على هذا الوصف في عمومه، فيما كان يعرف في الستينيات بأزمة المثقفين. كما شهدت الفترة نفسها تيار الوعي القومي، والدعوة إلى القومية العربية، التي نادى بها جمال عبد الناصر، ثم منيت الأمة في أعز أمانيها بهزيمة عسكرية في يونيو 1967. وقد دلل الناقد على ذلك بأن حاتم لم يكن له دور إيجابي في الأحداث السياسية، وبالتالي اعتبر الرواية تطرح نموذجا للبطل المثقف اللامنتمي، وأعرض عما تثيره الرواية في طرحها لحوار الحضارات المتمثل في حاتم وديمتري، كل يمثل ثقافة بلده.
والمزج بين الثقافتين العربية واليونانية بدا واضحا وبارزا في الرواية. تتمثل الثقافة اليونانية في ديمتري اليوناني وقراءاته في الأدب اليوناني والغربي ، وخاصة أشعار كفافيس، التي تركت صداها وأثرها في نفسه . فكفافيس لسان حال ديمتري . أما الثقافة العربية فقد تأثر بها حاتم ، تأثر بما قرأه ، وخاصة كتابات ابن حزم .. وقد تعرف حاتم على الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس من خلال ما قرأه عليه ديمتري. وقد كتب كفافيس معظم قصائده في الإسكندرية، وإن كانت لم تترجم بعد إلى العربية . ورأى في شعره " عالما آخر يختلف حتى عن عالم القصيدة العربية الحديثة . يتحدث عن الإسكندرية والبحر وأنطونيو ودنشواي وإبراهيم ناصف الورداني والعطارين " ( 5 ) . كما نقله إلى عالم كازنتزاكس وناظم حكمت وبلزاك وزولا وفلوبير وفرجينيا وولف وجيمس جويس، وعرف هوميروس وإسخيلوس وأفلاطون وأرسطو، إلى جانب قراءات حاتم للأدباء المصريين .. وبدأ يمرن نفسه في الكتابة ويتخيل نفسه أديبا مثلهم . هكذا كانت شخصية ديمتري ـ في جانبها الثقافي الأدبي ـ مؤثرة تأثيرا بالغا على شخصية حاتم، وإن لم تطغ على ثقافته العربية . وقد غذاه بروافد الثقافة اليونانية والغربية ..وأكمل بذلك جانبا ثقافيا كان يجهله . وفي هذا يتحدث الدكتور جمال عبد الناصر عن الحيرة التي تنتاب حاتم إزاء محبوبته التي " تمثل ازدواجية حضارية مربكة لكونها مزيجا من الحضارة الهيلينية والذي بكى على أطلالها كفافيس، وتلك المصرية التي تاه عنها حاتم في خضم الأحداث الثورية المتلاحقة. لعل هذه الحيرة ترقى إلى موقف أبطال قصائد كفافيس الذين يعكسون بدورهم رؤية الروائي الإنجليزي الشهير م. فورستر الذي كان مشغولا أيضا بصراع الحضارات ( طريق إلى الهند ) 1924. لقد قدم فورستر هذا كفافيس إلى العالم في كتابه ( دليل إلى الإسكندرية ) 1922، حيث ترجم إلى الإنجليزية واحدة من أشهر قصائده، ووصف كفافيس بأنه " سيد يوناني ذو قبعة من القش " ( 6 ) .
تعتمد الرواية على شخصيتين محوريتين : حاتم وديمتري، وإن طغى الأول بحكم روايته الأحداث على لسانه . وقد نمت العلاقة بين الشابين في هذا الطريق نموها الإيجابي في مزج الثقافتين .. وتأسست فنية النص الروائي على الصداقة التي جمعت حاتم وديمتري في قارب واحد .. التقى حاتم بالشاب اليوناني ديمتري كوتوميس الذي عرض عليه صداقته وأشار ديمتري إلى شقته التي يسكن فيها . وأطلعه على عمله وظروفه .. كان يعمل في بنك بشهادة تعادل التوجيهية . ويحيا مع أمه وزوجها المصري وابنته ياسمين، وهي أخته من أبيه . توطدت العلاقة بينهما وتزاورا، وقلب ديمتري في مكتبة حاتم العربية .. وحدثه عن صفقة الأسلحة التي عقدها عبد الناصر مع موسكو، فطلب حاتم منه أن يتحول إلى أحاديث الأدب فهي أفضل. وعزوف حاتم عن أحاديث السياسة يعكس ظروف الكبت التي عاشها هذا الجيل .
وديمتري ليس شخصية سوية، فقد عرض على حاتم مقاسمته النوم على السرير ! وعجب لديمتري المسيحي وأخته ياسمين المسلمة، اللذين يعيشان تحت سقف واحد . فوجد تناقضا عبر عنه بأسئلة وجهها إلى صديقه، لكن صديقه لا تشغله مسألة الدين .. فأمه تذهب إلى البطريركية كل أحد، وأبوه يصلي الجمعة بجامع العطارين . وكلا الزوجين يحترم عقيدة الآخر . وتحير حاتم في أمرهما : كيف يحيا الأخ المسيحي مع أخته المسلمة ؟ وأومأ الراوي ـ حاتم رضوان ـ إلى نواحي شذوذ ديمتري .. حرصه على الجلوس بجواره على طرف السرير، وما إلى ذلك .. وطفق يقرأ لكفافيس،و يذكر لصاحبه رواية أوسكار وايلد ( صورة دوريان جراي ) .. فقال له حاتم أنه لا يحب غير الأسوياء . وعرض الكاتب شذوذا آخر لحمادة بك في ( رباعية بحري ) . وإن كان ثمة فارق بين الاثنين .. فحمادة بك ـ بحكم تقاليد المجتمع ـ كان يمارس شذوذه في الخفاء، ويخشى من افتضاح أمره . أما ديمتري ـ بحكم مجتمعه المتحرر ـ لا يجد غضاضة من مصارحة صديقه بأن ينام معه ، وأن يقبله في شفتيه وما إلى ذلك ! .. وقد اندهش حاتم من سلوكه المعيب .. وحاتم ـ من زاوية مغايرة ـ انبنت شخصيته على جهل تام بالعلاقة بين الرجل والمرأة، ولم يقدم على تجربة من أي نوع ( 7) .
وفي أعقاب عدوان 56 على مصر، استعد ديمتري للرحيل مع أمه اليونانية ضمن الأسر الأجنبية التي تركت مصر وقتئذ، تاركين ياسمين مع أبيها المصري. وود ديمتري لو أن حاتم يعرف اليونانية ليهديه مكتبته .
وثمة محور آخر يتمثل في علاقة حاتم بياسمين ، بنت الخامسة عشرة . علقت في مخيلته أكثر من ترجمات ديمتري للأدب اليوناني ، وتمثل حركاتها وكلامها، وبدت له مخلوقة غير اللاتي شاهدهن في شوارع بحري وفي الكلية. وسأل نفسه إن كان قد أحبها أم لا . وعرف أن ميله لياسمين هو الحب يطرق بابه .. الحب " شاطئ أتوق لدفء شمسه، وبرودة رماله، وامتداد الآفاق من حوله " (8 ) . شغلته ياسمين وخفق قلبه .. استحضر مقولة لابن الجوزي عن العشق الذي يؤدي بصاحبه إلى مرض ! أفصحت له عن رغبتها في دخول كلية الآداب قسم اللغة العربية لتجيد لغة أبيها، مثلما يجيد ديمتري لغة أمه. تعلق بياسمين وبدت عيناها أجمل ما في حياته، وإن كان يخاف من الحب. وحدثته عن عزوفها عن قراءة القصائد والقصص الصعبة وكتب الفلسفة والتاريخ، وإن كانت تميل إلى قراءة روايات الحب لإحسان عبد القدوس ويوسف جوهر وأمين يوسف غراب. حاول الكتابة معبرا عن أحاسيس الحب وتذكر مقولة لابن حزم عن الفرح والصفاء في وصل المحبوب ( 8) . أطلعته على ( ألبوم ) صورها . وعجز عن كتابة رسالة لها . وتذكر مقولة للماوردي في ( أدب الدنيا والدين ) ( 9 ) . أحس بحرارة الحب في الاقتراب منها. وتذكر مقولة لابن حزم عن هيبة محب لمحبوبه التي لا تعادلها هيبة (9 ) . احتضنها وقبلها للمرة الأولى، متذكرا مقولة لابن قيم الجوزية عن العشق، وتذكر حب المجنون لليلاه، وما قاله فيها من أشعار . وحين ودع ديمتري عند رحيله إلى اليونان راوده حنين بأن يتقدم لأبيها للزواج منها ، متذكرا ما قرأه لابن حزم عن عاقبة الحب وهي إما الموت وإما السلوى .. وحاتم يستحضر قراءاته في كتب التراث العربي ليعبر عن حالة الحب التي يعيشها ، في الوقت الذي عجز عن كتابة أحاسيسه، واستنطق ألسنة الكتّاب العرب القدامى ، في إشارة واضحة لانتماء حاتم إلى جذوره العربية، ولعل رغبة ياسمين في إجادة العربية لغة أبيها قد خلقت نوعا من التوحد والتوافق بينها وبين حاتم، وعمقت مشاعر الحب بينهما . وهي حالة حب رومانسية فريدة في كتابات محمد جبريل .
أما علاقة حاتم بأخيه طارق فهي مقطعة الأوصال رغم صلة الرحم . وما إن بدأنا نقف عند طمع طارق في الاستئثار بشقة الأسرة ليتزوج فيها حتى نجد حاتم أخا مسالما يرضخ ويترك الشقة ويقيم بالأجر عند سيدة يونانية . وطارق يكبر أخاه بخمسة أعوام. التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها وتأهب للزواج . بينما يدرس حاتم في كلية الآداب ويعمل بعد الظهر في كازينو .
يحدثنا حاتم عن موت أمه فجأة . وتوتر الأب بعد فقدها . تداخلت الأزمنة في ذهن الأب المتعب ، ومكث في البيت عامين يصارع المرض ، ثم استقال من عمله . واستعان بالخادمات لكنه كان يطردهن واحدة بعد أخرى . وكان حاتم يتوقع موته ويخافه، إلى أن وجده ممددا أمام دورة المياه ! بعد موت الأب طلب حاتم من أخيه أن يقتسما أثاث الشقة لكنه رفض، متعللا بأن أثاث أبيه لابد أن يبقى في الشقة ! وشكا إلى عمه فادّعى انشغاله وأحاله إلى عمته تبارك وأخواله ! وتتوالى أحداث الرواية بعيدا عن طارق، بعد أن سكن حاتم في شقة السيدة اليونانية . اختفى طارق من مسرح الأحداث ولم يرد على خاطر أخيه ، إلى أن باعت السيدة أثاث شقتها عند رحيلها إلى اليونان . وإذا به يلتقي بطارق مصادفة، تلك المصادفة غير المرغوب فيها، لأنها مصطنعة . وكان يمكن لحاتم أن يلجأ إلى أخيه تحت وطأة احتياجه إلى سكن . وقد سأله طارق عن موعد عودته إلى حجرته ! وهو تغير مفاجئ في تصرف الأخ ، وأفهمه أن الحجرة باقية كما هي ، وصالَحَه .وهو تصرف محمود من الأخ الكبير أنهى به أيام الجفاء ، ولعل هذا التحول المفاجئ أملاه عليه ما لمسه من احتياجه إلى سكن .
تتميز الرواية بتعرضها لحياة اليونانيين المقيمين في مصر ، والصلات الحميمة التي ربطتهم بالمصريين . والرواية تؤرخ لهذه الحياة من خلال حاتم الذي قاده السمسار إلى شقة أسرة يونانية يقيم في إحدى حجراتها . وتذكر ديمتري وكازنتزاكس وكفافيس وأريستوفان ويوربيدس وإسخيلوس وفلاسفة الإغريق . ورأى في الإقامة مع أسرة أجنبية انتقالا مفاجئا إلى بيئة أخرى وعالماً جديداً . التقى بالسيدة اليونانية صاحبة الشقة، التي عرفته على ابنتها فرجينيا وزوجها بيروس .. وعرف منها أنها اضطرت إلى تأجير الحجرة ليساعدها في مصروف البيت . تقيم معها فرجينيا وزوجها وابنتها ، لكن مرتب بيروس يكفيه بالكاد .
حكت لحاتم عن حياتها ، فقد مات أبواها في الحرب بين اليونان والدولة العثمانية ، وفرت مع خالها على باخرة متجهة إلى الإسكندرية عام 1898 ، واستقرت في ( باب سدرة ) ، وتزوجت بقالا يونانيا يمتلك دكانان في العطارين والإبراهيمية . وبعد وفاته أغلقت الدكانين وعاشت بعائد مدخرات البنك .
اهتمت السيدة اليونانية بانسحاب المرشدين الأجانب ، في محاولة للضغط على عبد الناصر ، وتفاخرت بأن المرشدين اليونانيين ظلوا في مواقعهم. وتتداعى الأخبار ويشتد خوفها لدي سماعها صفارة الإنذار . وحين انتهى عدوان 1956 ، استمر قلقها ، اعتقادا منها أن عبد الناصر لا يريد الأجانب . وعزمت الأسرة على الرحيل. وباعت أثاث الشقة وترك حاتم حجرته، في الوقت الذي التقى فيه بأخيه الذي رحب بعودته ، وصالَحَه.
ولا يستطيع قارئ روايات محمد جبريل إغفال أثر الأحداث السياسية في تشكيل وبناء روايته . وهي ظاهرة غالبة . ففي ( الشاطئ الآخر ) قدم الأحداث الوطنية التي مرت بها مصر قبل وبعد تأميم شركة قناة السويس . وفي ( رباعية بحري ) قدم الأحداث السياسية والوطنية في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، وتحديدا في الفترة 1946 / 1952 م . ولو استعرضنا أحداث الوطن كما وردت في ( الشاطئ الآخر ) ، نجدها تبدأ باستقالة محمد نجيب من جميع وظائفه وتعيين جمال عبد الناصر رئيسا للوزراء.. صفقة أسلحة عقدها عبد الناصر مع موسكو.. رفض الغرب لصفقة الأسلحة التشيكية .. انضمام الشباب إلى منظمة الشباب والحرس الوطني .. عيد الجلاء الوطني .. إشارة إلى الحرب التي نشبت بين اليونان والدولة العثمانية .. سحب أمريكا تمويل السد العالي .. إعلان عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس، في خطبة له بميدان المنشية، وقبل ذلك بعامين شهد المكان نفسه محاولة اغتيال عبد الناصر بإطلاق الرصاص عليه .. وتدافعت الأحداث السياسية .. هزيمة حزب بغداد .. صفقة الأسلحة التشيكية .. إعلان الدستور . الإفراج عن المعتقلين السياسيين .. جلاء آخر جندي بريطاني عن مصر .. تصاعد نذر العدوان على مصر .. فتتبدل الحياة : " اللون الأزرق يغطي الواجهات والنوافذ، والشرفات الزجاجية. امتلأت الشوارع بالزي الكاكي . جنود الجيش والمتطوعين ورجال الدفاع المدني . أجهزة الراديو تتعالى في الميادين والقهاوي والدكاكين : البيانات ، والموسيقا العسكرية ، والتعليقات، والمناقشات ، وأغنيات المعارك"(12) .. قال عبد الناصر : " لن نستسلم أبدا ، سنبني بلدا وتاريخا ومستقبلا ، وسننتصر . لقد فرض علينا القتال ، ولكن لا يوجد من يفرص علينا الاستسلام " ( 13 ) .. وفتح باب التطوع داخل كليات الجامعات .. كما عمد الكاتب إلى تكثيف الأحداث السياسية في شكل ( مانشيتات ) إخبارية سريعة، فيقول : " تجميد بريطانيا حساب مصر من الإسترليني .. فرض الحماية على أموال شركة قناة السويس وممتلكاتها في لندن .. تجميد الولايات المتحدة لأموال مصر المودعة لديها .. عقد مؤتمر الدول البحرية .. تكوين جمعية للمنتفعين بالقناة .. رفض عبد الناصر فكرة الإشراف الدولي .. فشل بعثة منزيس في مهمتها .. حشد القوات الفرنسية والإنجليزية في المطارات القريبة، وفي عرض البحر المتوسط .. " ( 14 ) ..
ينشغل الكاتب بالهم السياسي، ويبرزه ( موتيفة ) أساسية للعمل الروائي ، وإن شكله في صيغة خبرية ضمن أحداث ( الشاطئ الآخر ) ، تشمل زمن الرواية، في الفترة الواقعة قبل وبعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. وضمن أحداث رباعيته قبل قيام الثورة بنحو ست سنوات، وبعدها بقليل .
وفي ( الشاطئ الآخر ) نلاحظ اهتمام الجالية اليونانية بالتطورات السياسية الواقعة في مصر، ويناقشون تداعياتها، ويرتبون مستقبل إقامتهم في مصر على ضوء ما تتمخض عنه النتائج . ولقد أدى تأميم شركة قناة السويس إلى تهديد مصر بالغزو المسلح، ثم وقوع العدوان الغاشم. ورغم اندحار العدوان، إلا أن الأجانب من اليونانيين والجنسيات الأخرى تخوفوا واحتاطوا، فآثروا العودة إلى بلادهم . ورغم أن السيدة اليونانية اعتزت بالموقف المشرف للمرشدين اليونانيين الذين أصروا على البقاء في أعمالهم ، جنبا إلى جنب مع المصريين . إلا أن هذا الموقف لم يمنع السيدة اليونانية من ترك مصر .
تدخل الأحداث السياسية ضمن النسيج الدرامي لرواية ( الشاطئ الآخر ) وتأتي منطقية ومحكمة .. وإذا أهملت هذه الأحداث لم تجد للرواية دعائم ترتكز عليها .. بعكس الأحداث السياسية الواردة في ( رباعية بحري) التي لم تصنع ـ في الغالب ـ الحبكة الدرامية، ولم تدخل في نسيج الإبداع الروائي .. فيما عدا استشهاد شاب من أبناء بحري في أحداث مقاومة الفدائيين للاحتلال الإنجليزي في منطقة القنال ، جنبا إلى جنب مع الشرطة المصرية التي أبلت هي الأخرى بلاء حسنا، وكل ذلك وارد في تاريخ النضال المصري . إلا أن مثل هذه الأحداث لم تأت في الرباعية على نحو متماسك مثل ما أتت في ( الشاطئ الآخر ) . وهناك أوجه تشابه بين هذه الرواية وما كتبه الروائي السوري عبد الكريم ناصيف في روايته ( الحلقة المفرغة ) ( 15 ) ، التي تروي الأحداث السياسية بدءا من نكبة 1948 إلى نكبة 1967 ، أو هي السيرة الذاتية ليسرى رمضان، بطلة الرواية وراوية أحداثها . والخط السياسي الذي سارت فيه الرواية محور رئيسي لا يمكن إغفاله ، ذلك أن المعمار الفني للرواية بني داخل هذا الإطار ، لدرجة أنه ما من فصل يخلو من مرويات سياسية زخر بها واقعنا العربي في أحرج فترة من فترات تاريخنا الحديث . تروي ( الحلقة المفرغة ) تفاصيل حياة ( يسرى رمضان ) كما دونتها في مذكراتها .. ولدت في حيفا عام 1940 ، وامتدت يد الغدر عام 1948 ، فتشتت شمل الأسرة، بانسحاب القوات البريطانية من فلسطين ، واستأثرت قوات الهاجاناة بحيفا وروّعت الآمنين وطردتهم من ديارهم .. والتزام الكاتب بالخط السياسي نابع أساسا من شخصية يسرى التي رسمها، تحن إلى يافا ، وتعاني من عقدة اغتصاب أمها أمام عينيها، ومحاولة اغتصاب أختها، وقتل أخيها ، وهروب أبيها ‍..
(يتبع)

د. حسين علي محمد
11-05-2007, 07:14 PM
تابع / الفصل الثالث من كتاب "روائي من بحري" لحسني سيد لبيب
.................................................. ..........................
لاحقت الأحداث السياسية وعلقت عليها في مذكراتها ، وبدت حيفا أملا يقترب ويبتعد حسب ما يمليه المناخ السياسي بمدّه وجزره .. ثمة خطان متوازيان حرص الكاتب عليهما : خط اجتماعي هو موضوع الرواية، وخط سياسي عن الأحداث السياسية التي غيرت أوضاع المنطقة العربية في عهد الزعيم جمال عبد الناصر .
ولم أجد مبررا فنيا لحرص الكاتب السوري على سرد الأحداث السياسية، ولو شطبت عشرات السطور من كل فصل لبقي النص الروائي معمارا فنيا متكاملا . ذلك أن سرد الحدث السياسي ، يشبه المذكرة التفسيرية التي لا تهم النص الأدبي . كما أن السرد الإنشائي يجور على البناء الفني ويجترح جزءا لا يستهان به . ولعل المبرر الوحيد لهذا المسرد، هو أن يُسرى تتتبّع بلهفة الحدث السياسي أملا في العودة إلى حيفا . وما دامت يسرى هي الرمز الموحي للوطن السليب، لذا كان تسليط الأضواء على الواقع السياسي، يسرده، خطا موازيا للحدث الروائي . كما أن يسرى مغرمة بمتابعة هذا الواقع، ومطابقة ما يقع لها بما هو واقع في خضم السياسة . وقد كتب ناصيف المسرد السياسي ـ على لسان بطلته ـ وقائع تسجيلية، من صلب عمله الروائي، تتوطد أركانه بحال يسرى . وعمد إلى الإطناب، وأخاله بذلك يرسم جوا يؤهله أن يكون ( كاتب الرواية السياسية ) .. لكنه لم يشأ أن يكون كاتبا سياسيا ( 16 ) .. وكان مبتغاه تتبّع حياة يُسرى وكان يكفيه ذلك، ويغفل المسرد السياسي، ويدع بطلته تروي حياتها هي . ويكون الرمز الموحي أفضل من السرد الإنشائي . و ( يُسرى ) إحدى بنات جيل النكبة، انفعلت بأحداثها، وتحمست لما تسمع وتقرأ، وبنت آمالها على مخطط قومي رسمه الزعيم جمال عبد الناصر، فتجددت هويتها بأنها ناصرية، تجد خلاص أمتها وحنينها إلى حيفا في التوحد العربي ضد المخطط الإمبريالي . يُسرى شخصية شدها الواقع السياسي ، فتابعته بعيون مفتوحة وحس مرهف، حتى أن مذكراتها لم تترك نأمة إلا ذكرتها ، من الخضم السياسي، أملا في الخلاص من واقع مهين . وإذا كان السرد السياسي يمكن حذفه، إلا أنه لا يصح أن نضع قيدا على قلم الروائي. فالسرد السياسي مقصود لذاته ، استكمالا لرسم شخصية ( يُسرى )، وعملا بمقولة مارت روبير : " الرواية الحديثة لا قواعد لها ولا وازع، مفتوحة على كل الممكنات، وغير محدودة من جميع الجوانب إذا صح القول " ( 17 ) .
أما رواية محمد جبريل ( الشاطئ الآخر ) فقد ورد ذكر الأحداث السياسية متضافرة ومتساوقة مع أحداث الرواية، فأكسبتها مصداقية وعمقا . وإذا عقدنا مقارنة بين ( يُسرى رمضان ) و ( حاتم رضوان ) نجد يُسرى ذات حس قومي عال، وتتابع أحداث المنطقة العربية عن كثب ، بل وتسجل وقائعها تفصيلا في مذكراتها . أما حاتم فبعيد كل البعد عن أحداث بلده، بل ويؤثر عدم الخوض في المواضيع السياسية، وإن كانت الأحداث تهم الشخصيات اليونانية التي تعامل معها ! وهو نوع من التناقض قصده الكاتب لبيان انغلاق الشخصية . يتحدث ديمتري والسيدة اليونانية وابنتها فرجينيا وزوجها بيروس في تطورات الأزمة بعد تأميم شركة قناة السويس . وتتشابه ياسمين ، المنتمية إلى فرع الأب المصري ، مع حاتم في بعدها عن السياسة .
ويغرم الكاتب بتحديد بيت أسرة حاتم، الذي تطل شرفته على شارع الميدان، وتطل إحدى حجراته على سيدي الشوربجي، ويذكر المقهى المتواجدة أسفل البيت . كما يذكر مكان عمل حاتم في ( كازينو ) يطل على شاطئ ستانلي . وأفاض في وصف البيت الذي تسكن فيه أسرة ديمتري .. فالبيت من ثلاثة طوابق، ويقع في شارع الكنيسة الأمريكانية، ملاصق للكنيسة الإنجيلية .. وبالقرب من نقطة شريف .. يطل في الجانبين على شارعي سيدي المتولي وتوفيق . وللشقة بلكونة خلفية ينشرون فيها الغسيل، تطل على حارة الدردير .. وهذا الوصف الدقيق حفل به الكاتب لأن حاتم يهتم كثيرا بأسرة ديمتري اليونانية . وإن أسهب في الوصف أكثر من وصف بيت حاتم نفسه، وابتعد عن سياق الرواية . وأما الشقة التي أقام فيها مع أسرة يونانية ، فقد نالت هي أيضا عناية الكاتب . فقد توجه حاتم مع السمسار إلى بيت ملاصق لجامع العطارين، مكون من ثلاثة طوابق، عمارته أوربية، وواجهته تطل على شارع سيزوستريس . الشقة في الطابق الثالث، حيث تقيم الأسرة اليونانية التي سيقيم معها . ولاحظ هنا غرامه بالعدد (3) ـ البيت من ثلاثة طوابق ، وشقة الأسرة اليونانية في الطابق الثالث ـ على النحو الذي لاحظته منار فتح الباب فقالت في هذا : " ولأن الخطوات الأساسية في الحياة في لحظات التحول تقع في مراوحة بين الحياة والبعث ( حياة ـ موت مؤقت انتقالي ـ بعث ) عبر حركة ثلاثية ، فإن تكرار العدد (3) ـ ذلك العدد السامي المقدس القديم ـ وتردد الأفعال ثلاث مرات سمة أسلوبية بارزة للغاية في بنية اللغة التي تمرس محمد جبريل في توظيفها جيدا.."(18). ولعل الكاتب لم يقصد هذا التفسير ، فجاء مقصد ناقد ، أو هي رمية من غير رام، فما أعرفه أن الكاتب شاء أن يرسم بقلمه الواقع المعيش في حي ( بحري ) . وقد أومأت الكاتبة بعقيدة التقديس المسيحية في سياق كلامها عن أن العدد (3) مقدس . ويعكف الكاتب ـ كما حدثني في أحد لقاءاته ( 19) ـ على كتابة ( في القلب منازل ) ، ويدور الموضوع حول المنازل التي عاش فيها الكاتب والأثر الذي تركه كل منزل . وهذا يدلنا على ولعه بالسكن مكانا يستقر فيه ويتكيف معه . كما أن الإسكندرية مكانا وموطنا استأثر بحبه وهواه فكتب عديدا من الروايات عن الإسكندرية ، وتحديدا في منطقة بحري التي عاش فيها الكاتب . علاوة على الروايات التي نشرها عن الإسكندرية : الصهبة ، و قاضي البهار ينزل البحر، و الشاطئ الآخر ، ورباعية بحري ، فثمة روايات أخرى تتخذ الإسكندرية مسرحا لأحداثها وفي طريقها إلى النشر ( 20) ، هي : ( المينا الشرقية ) و ( مد الموج ) و ( نجم واحد في الأفق ) .. علاوة على ما كتبه من قصص قصيرة وفي كتابه ( حكايات من جزيرة فاروس ) .. وهذه الكثرة من الأعمال عن الثغر العريق ، يضع صاحبها في مقدمة الكتّاب السكندريين الذين تركز عطاؤهم في البيئة التي نشأوا وتربوا فيها ، وقد سبقه نجيب محفوظ وفعل الشيء نفسه وأعطى الاهتمام لحي الجمالية العريق وما حوله من أحياء . وهذا الاهتمام يعطي للعمل مصداقية أكثر مما لو لجأ الكاتب إلى الكتابة عن بيئة غير تلك التي عاش فيها . لهذا كانت الإسكندرية هي المكان الأثير لمحمد جبريل . هي مسقط رأسه . لا ينساها أبدا ، رغم سكنه في القاهرة ، إلا أنه دائم السفر إلى الثغر ، وما من مرة أسال عنه إلا أجده عائدا من هناك، أو على أهبة السفر! فالإسكندرية تشكلت في وجدانه وباتت حبه وهواه .
ورواية ( الشاطئ الآخر ) تدور أحداثها في الإسكندرية، حيث تعيش الجالية اليونانية بنسبة عددية كبيرة .. وثمة جاليات أخرى تعيش هناك ، لكن اليونانيين يشكلون الغالبية . يرحل اليوناني إلى الثغر المصري ـ أو الشاطئ الآخر ـ لقربها من بلده، وتاريخها العريق، منذ أيام الإسكندر المقدوني . وتتزاحم في هذا المكان أثار العهود الماضية ، يبلور الصورة في نهاية الرواية على لسان حاتم : " مسحتُ الميدان بعينين قلقتين : مبنى الاتحاد القومي، وتمثال محمد علي ، والكنيسة الإنجيلية، وبقايا عصر إسماعيل في البنايات ذات الطراز الأوروبي، والنخل السلطاني ، والحديقة المستطيلة، وزحام الترام والأوتوبيسات والسيارات والحانطور والكارو والمارة، وسراي الحقانية، والقهاوي، ومكتبة دار المعارف، ودكاكين الطعام والأقمشة والأدوات المنزلية .. " ( 21). وتبين الفقرة زحام الميدان بالمركبات والأبنية والمارة والدكاكين .. وتبين الأعصر التي توالت عليه وتركت بصماتها .. عصور قديمة وحديثة، وحكام تركوا آثارًا تدل عليهم في تلك البقعة الصغيرة .. ميدان المنشية ، ذلك المكان الذي شهد إطلاق الرصاص على جمال عبد الناصر ، وشهد أيضا إعلان تأميم شركة قناة السويس .
والرواية في إطارها العام هي، كما وصفها الناقد الدكتور علي الراعي : " رواية تجمع في اقتدار بين الرومانسية والواقعية في اتزان جميل " ( 22 ) .
الهوامش:
1-محمد جبريل : الشاطئ الآخر ـ مكتبة مصر ـ القاهرة 1996 ـ 128 صفحة.
2- كتاب ( محمد جبريل .. موال سكندري ) : دراسات بأقلام الأدباء ـ دراسة منار فتح الباب : (الخطاب الروائي عند محمد جبريل ) ـ ص 7، 10.
3-محمد جبريل : هل ؟ ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ سلسلة ( مختارات فصول ) ـ عدد 42 ـ يوليو 1987 ـ ص 69 / 72.
4-مجلة ( الثقافة الجديدة ) ـ أكتوبر 1996 ـ مقال ( الهروب نحو الشاطئ الآخر ) ـ ص 12.
5-الشاطئ الآخر ـ ص 22.
6-مقال ( الشاطئ الآخر بين جبريل وكفافيس ) ـ جريدة ( الأهرام ) ـ عدد ؟ ـ ص ؟.
7-الشاطئ الآخر ـ ص 84.
8-المصدر السابق ـ ص 58.
9-المصدر السابق ـ ص 68.
10-المصدر السابق ـ ص 70.
11-المصدر السابق ـ ص 73.
12-المصدر السابق ـ ص 94، 95.
13-المصدر السابق ـ ص 95.
14-المصدر السابق ـ 97، 98.
15-عبد الكريم ناصيف : الحلقة المفرغة ـ ط 1 ـ دمشق 1984، ويرجع تاريخ كتابتها إلى عام 1972م.
16-للكاتب ثلاث روايات أخرى لم نتعرض لها : ( العشق والثورة ) عام 1989، و ( المخطوفون ) عام 1991، و ( في البدء كانت الحرية ) عام ؟.
17-مارت روبير : رواية الأصول وأصول الرواية ـ ترجمة : وجيه أسعد ـ اتحاد الكتّاب العرب بدمشق 1987 ـ ص 64.
18-محمد جبريل .. موال سكندري ـ ص 9.
19-لقاء سبتمبر 1999م.
20-نفسه.
21-الشاطئ الآخر ـ ص 126.
22-مقال ( محمد جبريل في " الشاطئ الآخر " : رواية الاتزان الفني الجميل.. ! ) ـ جريدة (الأهرام ) ـ عدد 1 ديسمبر 1996 ـ ص 22.

د. حسين علي محمد
11-05-2007, 11:58 PM
قراءة في مجموعة «نفس حائرة» لحسني سيد لبيب

بقلم: محمد جبريل
ـــــــــــــــــــــــــــ
هذه هي المجموعة القصصية الخامسة لصديقي الأديب حسني سيد لبيب. صدر له من قبل : حياة جديدة، أحدثكم عن نفسي، طائرات ورقية، كلمات حب في الدفتر، كما صدر له رواية «دموع إيزيس»، وترجمتان لمجموعتي قصص هما "ابن عمي ديكران" و"سبعون ألف آشوري"، فضلا عن دراستين هما "باقة حب" (بالاشتراك مع آخرين )، و "الخفاجي شاعراً"..
ملاحظتي على حسني سيد لبيب ـ على المستوى الشخصي ـ أن الهدوء الذي يسم كلماته وتصرفاته، يذكرني بالدعابة التي خاطبت بها أم كلثوم أستاذنا توفيق الحكيم : من الذي يكتب لك أعمالك ؟..
كانت تستفز هدوء الحكيم وصمته، مقابلا لإعجابها بكتاباته..
كان الهدوء الظاهري للحكيم ـ كما تعلم ـ ينطوي على نفس متألمة، تحيا الفن، ومشكلات الذات والآخرين والعالم، وتمور بإبداعات تبين عن تفردها وتميزها حين يجري بها القلم على الورق..
حسني سيد لبيب أميل إلى الصمت، وإلى عدم المشاركة في المناقشات. لا يسأل، وإن سئل فهو يجيب باقتضاب، وفي حدود المعلومة. وإذا حدث، فبصوت هامس، وبكلمات تؤطرها مقولة " ما قل ودل "..
وفي المقابل، فإن إبداعاته تعني بالتفصيلات الجسمية والنفسية للشخصيات، وتطيل تأمل الملامح التي ربما لا تستلفت انتباه الأعين غير الواعية. القارئ لأعمال حسني سيد لبيب، يسهل عليه تبين أن الفن عنده ليس مجرد تزجية فراغ، لكنه تعبير عن هموم اجتماعية.. وفنية أيضا!
إن العمل الأدبي إعادة تشكيل الحياة من خلال الكلمات، والفنان ليس جزيرة منعزلة. إنه يشارك ـ بصرف النظر عن مشيئته ـ في تيار الحياة من حوله، وكل ما يحدث في الكون يخصه. الوحدة استراحة تنتهي بالاتصال بالآخرين. والمقولة القديمة بأن الإنسان اجتماعي بطبعه هي مقولة صحيحة تماما، وأذكر وصف بيكاسو للفنان بأنه "كائن سياسي دائم اليقظة أمام أحداث العالم، يشكل بها جميعا، سواء كانت أحداثا تمزق القلب، أو أحداثا رقيقة، أو مثيرة "..
يثير ضيقي، وربما سخطي، تدني الوعي السياسي والفلسفي عند المبدع، بالقياس إلى موهبته الإبداعية..
إن كل الموضوعات تقليدية، أو سبق طرحها. والجديد الذي على الفنان أن يقدمه هو إضاءة تلك الموضوعات التقليدية، أو التي سبق طرحها، بتجربته الخاصة، وبرؤيته المتميزة، وبتفهمه لطبيعة اللحظة التي يحياها مجتمعه الأصغر، متمثلا في أسرته والمحيطين به، ومجتمع الوطن الذي ينتمي إليه، والمجتمع الأكبر، وهو العالم كله، وما يتصل بذلك من تجارب وأحداث وموروثات، تشكل في مجموعها خصوصية معطيات الفنان..
وبداية، فلعل الراوي في قصته " معاناة " يعبر عن ذات الفنان ومعاناته : "يكفيني أن أعبر عن نفسي، وأن أكون ضمير الإنسان الكامن في ذواتنا. إنساننا ضائع في زحام الرغبات والنوازع. ماذا لو خرست كل الأصوات، وعلا صوت الأديب ؟ "..
أنت تستطيع التعرف ـ في قصص هذه المجموعة ـ إلى المجتمع المصري، قضاياه ومشكلاته ومعتقداته وعاداته وتقاليده وسلوكيات أفراده اليومية، من خلال قصص هذه المجموعة. ثمة علاقات طارئة ومستمرة، وثمة حب وزواج وطلاق، وثمة مشكلات اجتماعية واقتصادية ونفسية تمثل ـ في مجموعها ـ بانوراما الحياة الآنية..
الظروف المادية القاسية بعد واضح في قصص المجموعة. يتنازل المرء ـ لكي تتواصل حياة أسرته الصغيرة ـ عن بعض الأشياء الثمينة، ولكنه يحرص على القيم، فلا شبهة، ولا مجرد تفكير، في التنازل : نتعرف إلى من يبيع مصوغات زوجته، لمجاوزة الوضع المأزوم، متمنيا أن تسعفه الظروف، فيستعيد ما باعه في أقرب وقت، وتطالعنا من تربي الدجاج، وتبيعه مع البيض والجبن لأهل قريتها، كي ترعى أخوتها وأباها الكفيف.. وأسئلة أخرى كثيرة تبين عن " تحايل " الإنسان المصري على الظروف الصعبة..
والسفر إلى خارج مصر بعد آخر في قصص المجموعة، لا تقتصر على معاناة المواطن المصري على الإحساس بالغربة، وإنما يتلقفه الصراع العربي / العربي في دوامة، فيدفع ثمن جرائم لم يرتكبها، ولا صلة له بها، ولكن الدلالة الاجتماعية، والإنسانية بعامة، هي المعنى الذي يخاطبك في القصة..
المشكلات اجتماعية، فلا يتطرق الكاتب إلى سياسة، ولا يقترب منها. وعندما يجتذبه الحديث عن الوطن والوطنية، فإن كلماته تتسم بالعمومية، بالتجريد والمطلق : " وتسابقن يحاورنه في مظاهر حب الوطن، أن تزرع ياسمينة، أن تزرع البسمة في قلب شقي، أن تعتز بوطنك، أن تنظف المكان الذي تعيش فيه، أن ترتبه، أن تقرأ كتابا، أن تتعاون، أن تشارك الناس آلامهم وأفراحهم.. الخ "..
أما قصة " رأس الأفعى " التي تلامس قضية سياسية عالمية ملحة، فهي تنطلق من مشاعر إنسانية خالصة، تنأى عن توقعات السياسة واحتمالاتها..
وإذا كان الفنان يحتفل بالموروث، من معتقدات وعادات وتقاليد، وهو ما يبين ـ على سبيل المثال ـ في الأمثال الشعبية كالقول ـ الغراب يزن على خراب عشه.. اللي يحب ما يكرهش.. يا بخت مين زار وخفف.. للنهار عيون.. الخ.. فإن غالبية شخصيات المجموعة تنتمي إلى أصول ريفية، وتتوزع في العائلة المصرية : الجدين، الأبوين، الأبناء، الحفدة، وما يتفرع من ذلك كالأعمام والأخوال والأقارب عموما. وتعبير " حس البيت " لا يخلو من دلالة..
يشدد فورد مادوكس على أن الأدب الرفيع لابد أن يتمتع بمغزى أخلاقي. أنت تستطيع أن تدفع بقصص حسني سيد لبيب إلى أفراد أسرتك دون أن تخشى على المشاعر الرقيقة من لفظة نابية، أو تعبير جارح، أو وصف يثير الغرائز. العواطف سامية، تنبو على الحس، والعلاقات تتحدد في الحب العفيف والخطبة والزواج السعيد. قد تحدث مشكلات، لكنها تنتهي ـ في الأغلب ـ بالنهاية السعيدة، ربما لأن ذلك كان كذلك بالفعل، أو لأنه ما يأمله الفنان : " تسمرت عند الباب، منتظرا فتحه، وأنا واقف على أحر من الجمر. وعندما فتح الباب، أذهلتني المفاجأة إذ ألفيت سلوى تهيأت للخروج وقد حزمت أمتعتها في الحقيبة. سألتها :
ـ إلى أين ؟
ـ إلى بيتي..
وكنت أتوقع الجواب. احتضنتها، غامرا وجهها بالقبلات. ولم أعطل وقتا أحيي فيه أبويها، مكتفيا بتلويحة بيدي، مبتسما ابتسامة عريضة، وقد أحطت كتفها بذراعي اليسرى، حاملا في اليمنى حقيبتها الكبيرة، وفي الطريق إلى البيت، حرصت أن تغمرني بفرحة ثانية، فالطبيب قد بشرها ـ بالأمس ـ أنها حامل ".
حتى عندما فوجئ الأديب، الراوي بأن بائع الفاكهة صنع من كتبه " قراطيس " للفاكهة، فعانى إحباطا، ما لبث أن تعرف إلى المفاجأة التالية، السعيدة، حين وصلته ـ بالبريد ـ مجلة تتضمن قصة له، وتيقن أنه مهما تكن العقبات فلابد أن يمتلك الإصرار والمثابرة. وجلس إلى مكتبه يصوغ قصة جديدة.
وحسني سيد لبيب يعي خصائص القصة القصيرة جيدا. وإذا كان يحسن بالروائي أن يهمل الحشو والاستطراد والإطناب، فإنه يجب على كاتب القصة أن يفعل ذلك. القصة الجيدة هي التي إذا حذفت كلمة منها، فإن موضعها في الجملة يظل شاغرا أمام المتلقي. وكما يقول همنجواي فإن النثر ليس مجرد زخارف على الهامش، لكنه بناء معماري فني شديد الحيوية. العمل الفني يتألف من عناصر فنية، لكل منها وظيفته المحددة، والمرتبطة عضويا بوظائف العناصر الأخرى. بما يحقق التفاعل بين كل العناصر، تحقيقا لعمل فني يسعى إلى التفوق..
هذه المجموعة تجيد الغوص في أعماق النفس الإنسانية، تربط بين مكوناتها وتصرفاتها المعلنة، تعني بمجموعة التفاصيل والتقنيات التي يتحقق من خلالها العمل الأدبي، لا تضيف، ولا تحذف، إلا بقدر ما يحتاجه العمل الإبداعي بالفعل..
وإذا كان العمل الفني الجيد هو الذي يولد في مخيلتنا صدمة، يبدو لنا في صورة مغايرة لكل ما سبقه من أعمال فنية، حتى وإن تأثر بها ـ بدرجة و بأخرى ـ كأننا نرى العالم من خلاله للمرة الأولى، فإن ذلك ما تحقق في هذه المجموعة فعلا.

د. حسين علي محمد
15-05-2007, 08:33 PM
الفصل الرابع من كتاب «روائي من بحري» لحسني سيد لبيب

النظر إلى أسفل
....................

تركز رواية محمد جبريل ( النظر إلى أسفل ) ( 1 ) على حياة راوي الأحداث ( شاكر المغربي ) .. ومغزى العنوان يكشف عن رغبة آسرة في النظر إلى أقدام النساء ! أو إلى ما يرمز إليه بالتألق ـ في كثير من المواضع ـ والحلم والتصور والتخيل ، وتنتهي الرغبة بالرجفة ! وشاكر كثير الاختلاء بنفسه بالطبع، فيستدني صورة التألق المتوهج داخله.. فيومئ الكاتب إلى غرامه بطقوس ( العادة السرية ) ! لكنه يكره افتضاح أمره .. وحين تعايره زوجته نادية حمدي بحاله المؤسفة، ووضعه المتدني في هذا، يطلق عليها النار .. وقد كانت تسايره وتجاريه، مقابل أن يترك لها حرية التصرف في حياتها بصفتها سيدة أعمال مثله، لكن الحال لا يرضيه لافتضاح أمره أو تهديدها بذلك ..
وشذوذ حمادة بك في ( رباعية بحري ) ، يمت بصلة ما بالسلوك المنحرف عن الطبيعة السوية لشاكر المغربي. كلاهما يخشى افتضاح أمره، خوفا على سمعته، وكلاهما رجل أعمال يصرف عن سعة وبذخ ، إلا أن شاكر المغربي توسعت أعماله وتعددت شركاته.. هو رجل أعمال ناجح، فيما لا يتوافق مع طبيعته الانطوائية وحاله المنحرفة .. ولعل ما قصده الكاتب أنه قد يعتور النجاح فشل في سلوك معين أو انحراف أو شذوذ، حيث ليس من المفترض في حياتنا سواء الشخصية ، أو كما عبر هو نفسه عن هذه المفارقة، في حوار أجري معه، بأن شاكر المغربي.. " بحكم عقدته الجنسية والنفسية، ينظر إلى أسفل، ولكنه بحكم طموحه المادي والاجتماعي يتطلع إلى أعلى. ويلتقي الضدان في نفسه وفي تصرفاته ليحدث الاصطدام المتوقع في نهاية مأساوية " ( 2 ) . والبطل هنا يشبه بطل رواية نجيب محفوظ ( السراب ) وإن اختلفت طريقة المعالجة بينهما .. فالشخصية تتعقد أمامها سبل الحياة، وتتداخل رغباتها ونوازعها . وما قد نراه غير متوافق، قد يراه الكاتب أمرا طبيعيا أو محتمل الحدوث !
وإطلاقه النار على نادية حمدي، واقتياده إلى السجن والتحقيق معه، يردنا إلى ما ذكره في أول الرواية عن الشجار الدائم بين أبويه . كانت أمه تقول لأبيه أنه مثل حي العطارين الذي يخلو من عطار واحد! فيرد عليها بأنها كالرجل الدميم ! تشبهه بنخلة بلح فيشبهها بشجرة جميز ! وانتهى الشجار في هذه المرة بإصابتها بفتّاحة كتب، وإيداعه في سجن الحضرة، ومات في السجن .. أي أن الرواية حققت التدوير، بمعنى أن الابن انتهى به الحال إلى مصير كمصير أبيه .. رغم اختلاف سبل حياة كل منهما .. ويشبه د. حامد أبو أحمد حادثة القتل الانفعالي هذه " بمشاهد القتل المجانية التي نجدها في رواية ( عائلة باسكوال دوارتي ) للكاتب الأسباني كاميلو خوسيه ثيلا، حيث كان يبدو القتل في كثير من الأحيان وكأنه غير مبرر أو كأنه نوع من التحقق الموضوعي للأزمات النفسية والإحباطات على مستوى الواقع " ( 3 ) .. ويشبهها أيضا " بالتراجيديا اليونانية التي يكون فيها الموت قتلا بمثابة قدر محتوم يمتد من الآباء إلى الأبناء " ( 4 ) .
وكما أن أحداث الرواية تدور حول حياة شاكر المغربي منذ ابتعاد أبويه عنه ( قتل الأم وسجن الأب ) واستقلاله بحياته، حتى قتله زوجته نادية حمدي واقتياده إلى السجن .. فإنها تدور أيضا في خط سردي للأحداث السياسية التي مرت بها البلاد بدءًا بثورة يوليو 52 ، وانتهاء باغتيال الرئيس محمد أنور السادات في 6 أكتوبر 1981 .. كما هي عادة الكاتب في عقد المزاوجة بين حياة شخوص رواياته والوضع السياسي للبلاد .. على النحو الذي عرفناه في رواية ( الشاطئ الآخر ) عن أحداث تأميم شركة قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، وفي ( رباعية بحري ) التي امتدت أحداثها السياسية منذ عام 1946 إلى عام 1952 ( قبيل قيام الثورة ) .. وقد يختفي الحدث السياسي وراء رمز ما كما في رواية ( قاضي البهار ينزل البحر ) عن المطاردة، وفي رواية (إمام آخر الزمان )، عن المهدي المنتظر ، وكل إمام يجبّ ما قبله، ويأمل الناس في الإمام الجديد التقوى والصلاح، لكن الفساد آفة كل إمام حكم الناس..
وتضمنت الروايات التي تناولت أحداثا سياسية، شخصيات من المقهى، يصح تسميتهم (أصدقاء المقهى) . ولعل أبرزها ما جاء في ( رباعية بحري ) ، و( المينا الشرقية ) ، حيث شكل المقهى مكانا حيا تتفاعل فيه الأحداث، وتنسج فيه الحكايات، وتناقش فيه الأمور السياسية ، وإن سيطر في ( المينا الشرقية ) الرعب من الرقيب أو الجاسوس الذي ينقل كل شيء إلى السلطة . وثمة أوجه شبه مع نجيب محفوظ في احتفاء الكاتبيْن ـ ومن سار على نهجهما من الكتّاب ـ بأصدقاء المقهى سواء اقتربوا أو ابتعدوا في السبل والغايات ، سواء كانوا شلة من شلل الأنس والبهجة أو هم موظفين .. ويبرز المقهى عند هؤلاء الكتّاب مكانا يتجمع فيه الناس ،أو منبرا شعبيا يتبادلون فيه الرأي ويتناقشون فيما يجدّ من أحداث . مثلما أغرم الكتّاب والأدباء أنفسهم بالمقهى يجتمعون فيه، وكانت مقاهي الأدباء في مصر ( الفيشاوي ) و ( ريش ) اللتين ارتادهما نجيب محفوظ وتلاميذه ( 5 ) .
انحصرت دائرة أصدقاء شاكر المغربي في شخصيات محدودة مثل عبد الباقي خليل ممثلا للتيار الديني، وعماد عبد الحميد ممثلا للتيار التقدمي الوطني، وقد رفض أن يُصنّف مع الماركسيين ! ولعماد مودة خاصة عند شاكر إذ قال عنه : " عماد طفولتي ونشأتي والأسرار التي لا يعرفها أحد، المذاكرة واللعب في شارع علي مبارك : السيجة وعنكب يا عنكب وأولها إسكندراني والنحلة والبلي، والفرجة على تكية الميرغني، وقراءة الفاتحة لسيدي أبي الدرداء، ومرافقة الجنازات إلى مقابر العامود، والتمشي إلى محطة الإسكندرية وكوم الدكة ، ودخول حفلات العرض المستمر في سينما الدورادو، والجلوس في مدخل البيت، وعلى البسطة المواجهة لشقتنا، ومتابعة حركة البواخر في الميناء الغربية " ( 2 ) .. وقد عمد هنا إلى تكثيف الصورة باسترجاع وقائع جمعتهما منذ الطفولة. كما نلمس في هذه الفقرة تلك العفوية والتلقائية المحببة، وهي سمة الرواية التي وشحتها بالنضج الفني، فيما ذهبت إليه من صدق فني، وتلك التلقائية وقف عندها الكاتب محمد قطب، فقال : " وهذه التلقائية تعطي للعمل الفني بعدا وجدانيا متألقا بحيث يثير النص فيضا من المشاعر والعواطف في لغة موجزة حاسمة، تشي بصور شعرية ذات إيقاع منغم يتنامى مع الموقف النفسي والمادي معا " ( 7 ) . وتترى الذكريات في خاطره عن أماكن أثيرة في حي (بحري )، كشفت ولع الكاتب السكندري بها، فانتقل الولع إلى شاكر المغربي .. شارع علي مبارك ، وتكية الميرغني ، وسيدي أبي الدرداء ، ومقابر العامود ، ومحطة الإسكندرية ، وكوم الدكة ـ مسقط رأس الفنان سيد درويش ـ وسينما الدورادو ، والميناء الغربية .. أو هو الحنين إلى مدينته ومسقط رأسه، دافعه إلى الكتابة، كما قال الكاتب في حوار أجري معه ( 8 ) .
سارت شخصية شاكر المغربي في ثلاثة مستويات تتداخل فيما بينها وتتفاعل : المستوى الأول غرامه بأقدام النساء ، والثاني عمله التجاري ، والثالث متابعته للأحداث الجارية في بلده من حيث صداها أو أثرها في نفسه أو نفوس أصدقائه ..
سعى شاكر إلى كسب رزقه، فعمل في ثلاثة أماكن : مخازن البنداري ومحل سيد الزنكلوني تاجر المانيفاتورة، ومركز الشباب بمدرسة إبراهيم الأول الثانوية . انتعش حاله بعد عدوان 56 ، وإنشاء شركات القطاع العام . وبعد قيام الوحدة بين مصر وسوريا، ووصول التجار السوريين إلى مصر، بدأ يتاجر في البضائع السورية ، وشجعه حسونة النقراشي لقيد اسمه في سجل المقاولين، وأصبحا شريكين . وعقد صفقات كبيرة، واستطاع أن يتابع الخط السياسي من خلال عماد الذي كان يشتغل بالصحافة ، ونصحه حسونة النقراشي أن ينضم إلى الاتحاد الاشتراكي حتى ينجح في تجارته . وأنشأ له مكتبا في القاهرة.. وتردد عماد على المكتب، واستفاد شاكر من خبرته في النواحي الاقتصادية .. وانتهجت الدولة سياسة الانفتاح الاقتصادي بعد حرب أكتوبر 1973 ، فتمكن شاكر من فتح شركات للسياحة والتجارة والتصدير والاستيراد والتوكيلات، بينما امتعض عماد من سياسة (انفتاح الروكفور) كما سماها . واهتم شاكر بالقراءة السياسية لأن " التاجر الناصح هو الذي يبني حساباته على التطورات السياسية ! " ( 9 ) . وافتتح شركات في قبرص، وعرض الزواج على امرأة قبرصية كانت تقيم في مصر، تدعى كاترين نيقولا .. طمعا في الحصول على إقامة دائمة .. ولم تثنه أعماله التجارية عن طبول الغابة تصم أذنيه . لم تصرفه المعاملات التجارية عن الخلو إلى نفسه .
زارته نادية حمدي تشكو له من تناقص العمال الذين تعتمد عليهم في بناء مساكن شعبية، فوعدها بتدبير العمالة.. وتزوجها . أعلن النقراشي أنه وقع عقدا لاستصلاح أرض مع شركة إسرائيلية ، وأخفى شاكر أنه شريك للنقراشي ! وقد اعتاد شاكر إخفاء كل ما يستهجنه المجتمع، فأخفى التألق الذي يلذ له عند رؤية أقدام النساء، وأخفى ـ أيضا ـ علاقاته التجارية مع شركات إسرائيلية من خلال النقراشي ! فهو حريص كتاجر على تجميل وتحسين الصورة الخارجية التي يبدو عليها .

د. حسين علي محمد
15-05-2007, 08:34 PM
تابع / الفصل الرابع من كتاب «روائي من بحري» لحسني سيد لبيب

النظر إلى أسفل
....................
شخصية شاكر المغربي محبة لمهنتها، متطلعة إلى الرواج والكسب المالي . يسخر كل شيء من أجل هذا .. فهو يهتم بالأحداث السياسية من وجهة نظره كتاجر، ناظرا إليها من جانب المصلحة والمنفعة. . ومثال ذلك نجده حين صدر قانون يقضي بضرورة تقديم المستندات الدالة على تسديد الضرائب على البضائع الأجنبية .. فاستغاث شاكر ، مع زملائه التجار ونشروا نداء في الصحف إلى كبير العائلة الرئيس السادات ـ كما كان يطلق عليه ـ .. وبعد حملة اعتقالات 5 سبتمبر حدث كساد تجاري .. فقال لعماد : " إنهم يسجلون أملاكهم وأغلب عملياتهم بأسماء الزوجات والأبناء .. وأنا ، لا أبناء .. والزوجة تعمل لحسابها ! " ( 10 ). كما أن تغليبه جانب المصلحة دفعه إلى عقد صفقة زواج في قبرص من كاترين نيقولا للحصول على تصريح دائم للإقامة في الجزيرة .. كما تزوج نادية حمدي لأنها أرضت غروره وطمعا في إخضاعها لسيطرته .
أما غرامه بأقدام النساء ، وجعلها مفتاح نزوته الجنسية، فقد بنيت عليها أحداث الرواية . يحدثنا عن انطوائيته وعزوفه عن المناقشة خشية التلعثم . وعرض على سوزان النجار ـ زميلته في المعهد الليلي ـ طلبه الغريب بأن يرى قدميها، فاستغربت .. ويحيلنا الكاتب إلى إرهاصات أحداث الطفولة والصبا، التي شكلت مزاجه ، فروى واقعة إصابة بطنه بقدميْ الغسالة . وضرْب المدرس له والزملاء على الأقدام .. وكشفت انطوائية شاكر السر الذي لا يبوح به وتفضحه نظراته المحمومة إلى القدمين ، والرجفة التي ينتهي بها الموقف فيهدأ ! .. تتحقق الرجفة بكشف الفتاة أو المرأة عن ساقيها ، فيرسم له الخيال ما يشتهي .. تحقق ذلك حين مدّت فاطمة شبيرو ساقيها من التعب .. ومواقف عديدة سردها ، وكشف من خلالها إدمانه للعادة السرية، ويومئ إليها بالرجفة والارتعاشة . تتحقق الرغبة واللذة حين تكشف الأنثى عن ساقيها أو يرى القدمين !
ولم تكن نادية حمدي قد تعرفت إلى المارد الذي يسكن داخله ، حين حدثته عن بيكاسو وديستويفسكي وتاليران وتليش .. لكنه كان يحلم بنساء بيكاسو اللاتي عني برسم أقدامهن، وتخيل أنه بطل روايات ديستويفسكي يركع عند قدمي حبيبته، ويرى الجنة قدميْ امرأة ! .. " أرتشف قطرات النبيذ التي تتساقط من أصابع ماتا هاري، أنصت إلى زوجة تليش : لقد رأى قدمي ، فتزوجني ! .. " ( 11 ) . وفي كل الأحوال يخفي السر داخله لا يصرح به وإن كشفته نظراته .. وصحب نجوى هيكل لمشاهدة فيلم ( ساق كلير ) الذي لم تظهر فيه قدم عارية، لكن نجوى رأت أنه فيلم سخيف ، فقال لها أن قصته نفسية، وتقول باستهانة : " هل ضاقت الدنيا ببطلك المسكين ، فاقتصرت رغبته على مجرد لمس ساق فتاة ؟! " ( 12 ) .. وحين كلف عماد بإجراء تحقيق صحفي عن العناية بأظافر السيدات، وجدها فرصة وصحبه بصفته مصورًا ، وأبدى ملاحظة عن سكرتيرة شاكر حافية القدمين، فأوضح له أنه طلب منها خلع الحذاء حتى لا يؤثر الكعب العالي على السجاد، ولم يفصح عن السبب الخفي في التلذذ بمشهد القدمين .. وحين أخبره عماد بالهزيمة القاسية في يونيو 1967 ، استيقظ على رنين جرس الباب، وكان نائما عاريا، بعد أن مارس ما يشبع رغبته، وتحققت الرجفة وما تبعها من إعياء ونوم . والصورة تعبر عن انطواء شاكر على ذاته ، قانعا بخيالاته التي تحقق له لذة منفردة، ترادف صورة نكسة البلد وهزيمتها القاسية .. وبعد موت عبد الناصر ، وسيره مع الجموع الحاشدة الباكية، عاد إلى بيته، ونظر إلى صورة مكبرة ( بوستر ) لصقها على الحائط لفتاة بثياب الشاطيء ، فمارس العادة، وهو في هذا التصرف ، يحاكي ـ من زاوية أخرى ـ الكبوات السياسية التي أثرت على نفسيته مثلما أثرت على أصدقاء المقهى بصورة أو بأخرى، بل أثرت على الشعب كله . وحين سافر إلى قبرص لأعماله التجارية لم تثنه التجارة وأعماله الكبيرة عن طبول الغابة تصم أذنيه لمرأى ( التألق ) .. " لم تصرفني المعاملات المادية، أو الصفقات ، عن الخلو إلى نفسي ـ ولو في حضور الآخرين ـ واحتضان حلمي الغالي . وبقيت على صلتي بالخيالات، لا أفارقها .. وإن ظل السر داخلي، أتحدث وأناقش وأسأل وأبيع وأشتري وأعقد الصفقات ، فلا صلة بين عملي وذلك المارد الذي يعلو صراخه " ( 13 ) .. والولع بقدم الأنثى، الذي يقوده إلى التصور والتخيل وممارسة العادة . له إرهاصات ترجع إلى أحداث هو شديد الوعي بها ، فيذكرها تفصيلا وإجمالا .. " غسلتُ بالدموع قدمي أمي ، وتزاوجت اللذة بالألم في عصا المدرس . وداعبت الغسالة بطني ، وتأملت قدمي في الكورنيش والمحمودية ورأس التين، وتمنيت أن يتوقف الزمن " ( 14 ) .. وحين علم بوفاة أبيه في السجن .. " لم أقدر حتى على تصور أيامي القادمة . حاولت الفرار إلى جزيرة التألق ، فابتعدت، وغابت . جاهدت لكتم دموعي ، ثم بكيت " ( 15 ) .. إنه يعالج توتره بالهروب إلى عالمه ( السري ) الخفي ، نتيجة عجزه عن مواجهة المواقف . لكن وفاة أبيه كان حدثا أكبر من مجرد معالجته بالهروب إلى الجزيرة المنعزلة ، فانهمرت دموعه .
وحين لجأت إليه نادية حمدي في أعمال تخصها، صارحها بما يحبه في المرأة ، قدميها ، فشجعته بأن كشفت عن قدميها، فحقق ما أراد ، وبدا عليها أنها لم تفاجأ بذلك، وقالت أنها بدأت تغير من قدميها ! .. وتزوجها ..
وحين شاهد فيلما جنسيا عند فوزي النمرسي ، قال أن لديه مكتبة كاملة من هذه الأفلام ، وإن سأل نفسه : لماذا لا يتألق الوهج في زحمة التعري ؟
ولما أحب مضاجعة زوجته لينجب منها ، رفضت أن تأخذ إجازة من عملها . وسألته ذات مرة لماذا تأخر في الزواج حتى سن السابعة والثلاثين، فلم يعط إجابة مريحة ، وأنذرها : إما تعطيه حقه كزوج ، أو تفارقه بإحسان .. لكنها بدأت تتأخر عن البيت بحجة انشغالها في العمل، فتشكك من تصرفاتها ، وأعاده الحرمان إلى دنياه القديمة .. " أجوس في دنياي ، تصنع الملامح ذكريات ورؤى ، وربما صورة في مجلة ، أو فيلم ، أغلق الباب، وأشاهده في الفيديو .. " ( 16 ) .. وأحس أنها اقتحمت جزيرته المنعزلة .. فهل تسأل أو تفضح السر ؟ .. ووصل به الحال إلى أن تمنى اختفاءها من حياته أو تموت ! .. وحين تأهبت للسفر إلى الإسكندرية قالت له : "لم أعد أسألك عن تصرفاتك .. فلا تسألني عن تصرفاتي .. " ( 17 ) .. وقال لها : " إذا غادرت البيت ، فلا تعودي " .. فسخرت منه " تبدو كزوج حقيقي " و " نسي المريض مرضه ! " .. و " أنت لا أصل ولا مستقبل " .. وإزاء سيل الإهانات أطلق عليها الرصاص ، قتلها يوم اغتيال أنور السادات وقال في التحقيق أنه قتلها لإهانتها له ، وحدّث نفسه : " مضى ـ برحيلها ـ السر الذي كنت أخشى افتضاحه " ( 18 ) .. والملاحظ أن للكبوات السياسية رد فعل ينعكس تأثيره على نفسه، فينعزل في جزيرته يلوذ بها، ويمارس لذة غريبة هروبا من مواجهة الواقع، أو حتى التفكير فيه . ولو عقدنا مقارنة بين اغتيال السادات ، على المستوى الوطني ، واغتيال نادية حمدي ، على المستوى الفردي .. باعتبار توازي المستويين .. نجد أن فردا أو أفراد قرروا إهدار دم السادات ـ على مستوى الواقع ـ مثلما قرر شاكر ـ على المستوى الروائي ـ إهدار دم زوجته .. كلاهما منحرف المزاج ، متطرف، بطريقة أو بأخرى ..
حفلت الرواية بالأحداث السياسية التي مرت بها مصر، بدءًا من ثورة الجيش عام 1952، وانتهاء باغتيال أنور السادات عام 1981 .. أي امتد زمن الرواية ثلاثين سنة . سجلت الرواية أحداث الوحدة بين مصر وسوريا، التي كانت إيذانا برواج تجاري .. ووفد التجار السوريون ببضاعتهم، فتاجر شاكر في البضاعة السورية . أخبره عماد أن الصحف أصبحت ملك الاتحاد القومي تحت دعوى تنظيم الصحافة ، وتولت مؤسسة النقل العام مرفق النقل .. وحدثه عماد عن الشعارات الضخمة التي تملأ حياتنا ، مثل تصفية بقايا الإقطاع والقضاء على جيوب الرأسمالية وحماية منجزات الثورة .
ودار حديث بين عماد والنقراشي وعبد الباقي خليل عن حرب اليمن وتورطنا فيها ، والأخير اعتقل مرارًا لآرائه المضادة للنظام . كما اعتقل الشيخ عاشور الذي هتف بسقوط رئيس الجمهورية ! ألقي القبض عليه في شارع الميدان وهو ذاهب إلى دكانه ! ونصح حسونة النقراشي شاكر بالانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي والصعود إلى مناصبه القيادية ، حتى ينجح في تجارته .
أطلق عبد الباقي خليل لحيته وانضم إلى الإخوان المسلمين . وحين بدأ عبد الناصر في القبض على أعضاء الإخوان، هجرهم وإن واصل التردد على أعضاء المساجد وحمل الكتب الدينية ، مرددًا أفكار سيد قطب، الإمام الشهيد .. وقال : " لقد جربنا اللجوء إلى أمريكا ، فلم تساعدنا .. وجربنا اللجوء إلى روسيا ، فخذلتنا .. فلماذا لا نلجأ إلى الله ، ولو مرة " ( 19 ) . ورأى في الزكاة علاجًا للمشكلة الاقتصادية .
وأحيل منصور السخيلي إلى الاستيداع بعد محاكمته ضمن من حوكموا عن أسباب النكسة ، فاتجه إلى التجارة .
ومات عبد الناصر فبكاه الجميع .
ونقلنا الكاتب إلى عصر السادات الذي عزل كبار أعوانه . ولم يقتنع عماد بولاء السادات لعبد الناصر ، وآلمه حالة الاسترخاء العسكري .. وتحدث الكاتب عن أحداث حرب أكتوبر وعبور القناة . قال عماد لأصدقائه : " هذا هو يوليو الذي تصورتم أنه مات " ( 20 ). فرد عليه عبد الباقي خليل : " يوليو مات في النكسة .. نحن الآن في الانتصار " .. وعكست المناظرة بينهما إصرار الأول على ناصريته، وإنكار الثاني للعهد الناصري .. ودخلت دول البترول المسلمة المعركة .. و " تفجر نبع ماء في السويس بالقرب من سيدي الغريب . تفجر نبع آخر بالقرب من عيون موسى " ( 21 ) فأفاد من النبعين المحاصرون في السويس وقوات الجيش الثالث . وطبقت سياسة الانفتاح الاقتصادي ، وتحقق رواج للتجارة ، واختفت صورة عبد الناصر من بورصة النيل وحلت صورة السادات .. ورفع اسم عبد الناصر من استاد القاهرة وبحيرة السد، وحظر نشر صوره أو إذاعة أغانيه أو أي شيء عنه ‍ .. ومازال عماد يدافع عن عبد الناصر ، فيهاجمه عبد الباقي لأنه " صاحب اعتقالات الإخوان في 65 .. وهو الذي ضرب القضاء الشرعي ، وصفّى أوقاف المساجد ، وبدّل صورة الأزهر " ( 22 ) .. وبدأ عصر الشتائم ضد عبد الناصر ، وظهور المليونيرات ..
وتحدث الكاتب عن مظاهرات رفع الأسعار ، وحوادث التخريب .. وزيارة السادات للقدس وخطابه في الكنيست وصلاته في الأقصى .. رأى عبد الباقي أنهم يعاملون المتمسكين بدينهم كعصابات الإجرام ، إلا أن أعداد المؤمنين زادت في عهد ( الخليفة محمد بن أنور السادات ) ‍ .. ورأى أن العنف قابله رد فعل مثله . وفرضوا على عماد أن يحرر باب العواطف ( قـلوب حائـرة) ، وهو عقاب أسوأ من الفصل . عمل عماد في الصحافة لأنه يحب الكتابة السياسية . وحين وعد السادات بإطلاق الحريات وهدم السجون وحرب أكتوبر ، أيده عماد وعبد الباقي . لكنه زار القدس ووقع اتفاقية كامب ديفيد ، واستضاف شاه إيران ، فكان لابد من معاداته .. وبدا عماد شديد الانفعال ، رافضًا الكتابة في صحف حزبية ، لأنه ليس حزبيا وليس ماركسيا .. إن الكتابة في صحيفة حزبية تعني أن تعبر عن مبادئ الحزب ، حتى لو كتبت في الفن ‍ . وحلق عبد الباقي لحيته ، و " امتدت التعليقات إلى حل السادات مجلس نقابة المحامين ، وتعيين مجلس مؤقت ، وسحب حزب العمل تأييده لاتفاقيات كامب ديفيد، وخطب المساجد في الأوضاع الداخلية ، واستقلال الوطن ، وإيقاف البابا شنودة صلوات عيد الفصح ، وامتناع الكنيسة عن إرسال ممثليها إلى الاحتفالات الرسمية ، وشائعات الأسلحة والأموال التي تصل من واشنطن، وأخبار الفتن الطائفية في أسيوط والشرابية والزاوية الحمراء والمطـرية … " ( 23 ). وظل عبد الباقي متخفيا. وثمة إجراءات جديدة قالت عنها الصحف ( ثورة سبتمبر ) ، حيث تم " اعتقال المئات من الساسة والصحفيين والشخصيات العامة ، حل جمعيات سياسية ودينية ـ سحب الاعتراف ببطريرك الأقباط ، إلحاق المساجد التابعة للجمعيات الإسلامية بوزارة الأوقاف ، إيقاف مطبوعات عن الصدور ، نقل عدد من أساتذة الجامعات إلى وظائف أخرى " ( 24 ).. وتردد الكلام في الصحف عن الثورة الثالثة ، أخطر من قرار أكتوبر ، ثورة في العمل الداخلي ، الثورة الإصلاحية الشاملة ، ثورة السادات الجديدة . واغتيل السادات في 6 أكتوبر 1981 أثناء مشاهدته العرض العسكري احتفالا بنصر أكتوبر‍‍ .‍‍‍‍‍
الهوامش :
1-محمد جبريل : النظر إلى أسفل – رواية – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 1992 – 200 صفحة .
2- مجلة ( الدولية ) – 27 إبريل 1992 – من حوار أجراه يسري حسان : ( روائي يؤرخ لحياتنا المعاصرة ) – ص 40 .
3- مقال ( رواية " النظر إلى أسفل " لمحمد جبريل ) – مجلة ( العربي ) – العدد 405 – أغسطس 1992 – ص 150 .
4- المصدر السابق – ص 151.
5- للكاتب التونسي رشيد الذواتي اهتمام بمقاهي الأدباء ، وقد أصدر كتاباً عنوانه ( مقاهي الأدباء في الوطن العربي ) – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 1999.
6- النظر إلى أسفل – ص 90 ، 91 .
7- مقال محمد قطب ( انشطار الذات في رواية النظر إلى أسفل ) ـ مجلة ( الثقافة الجديدة ) – أكتوبر 1992 – ص 30.
8- مجلة ( الدولية ) – 27 إبريل 1992 – حوار يسري حسان – ص 40 .
9- النظر إلى أسفل – ص 123.
10- المصدر السابق – ص 183.
11- المصدر السابق – ص 43.
12- المصدر السابق – ص 45.
13- المصدر السابق – ص 128 ، 129.
14- المصدر السابق – ص 131.
15- المصدر السابق – ص 135.
16- المصدر السابق – ص 188 ، 189.
17- المصدر السابق – ص 193
18- المصدر السابق – 196
19- المصدر السابق – 92
20- المصدر السابق – 118
21- المصدر السابق – ص 119
22- المصدر السابق – ص 123
23- المصدر السابق – ص 181 ، 182
24- المصدر السابق – ص 185

د. حسين علي محمد
15-05-2007, 08:35 PM
الفصل الخامس من كتاب «روائي من بحري» لحسني سيد لبيب
رباعية بحري

(رباعية بحري ) ( 1) لمحمد جبريل عمل روائي متميز يستحق الوقوف عنده والحديث عنه . تذكرنا بثلاثية( 2 ) نجيب محفوظ ، و ( الأيام ) لطه حسين، ورباعية الإسكندرية( 3 ) للورنس داريل، ورباعية (العابرون) ( 4 ) للكاتب التونسي البشير بن سلامة، وخماسية عبد الرحمن منيف ( مدن الملح ).. آخذين في الاعتبار الخصائص المميزة لكل كاتب ، مقرِّين بأن لكل عمل خصوصية يتفرد بها . وإن كان من الممتع تناول الباحثين لهذه الأعمال الرائدة بالدراسة والمقارنة .. أيضا صدرت رباعية ( الرجل الذي فقد ظله ) ( 5 ) لفتحي غانم، ورباعية ( الرحيل ) ( 6 ) لعبد المنعم الصاوي، وثلاثية جمال الغيطاني ( التجليات )،ورباعية ( مدارات الشرق ) ( 7 ) للكاتب السوري نبيل سليمان، وثمة رباعية أخرى للكاتب الليبي الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه ، وربما صدرت ثلاثيات أو رباعيات أخرى، ولم أسمع عنها .
و ( بحري ) هو المكان الذي تدور فيه أحداث رباعية جبريل ، وهو ـ أيضا ـ الموطن الأصلي للكاتب السكندري، وصفه في أحد كتبه فقال : " تبدأ بما يلي ميدان المنشية ، وتتجه إلى ميادين وشوارع وحواري وعالم حياة، في الموازيني وأبو العباس والبوصيري والسيالة وحلقة السمك والمسافرخانة والمغاوري والحلوجي والعدوي وقبو الملاح والتمرازية والكورنيش وسراي رأس التين . سميت بقسم ـ أو حي ـ الجمرك ، لوجود أبواب المنطقة الجمركية بها ، فضلا عن العديد من شركات النقل والتوكيلات الملاحية والمستودعات ، وعمل عدد كبير من أبناء الحي في الأنشطة المتعلقة بالميناء من نقل وتخزين واستيراد وتصدير وتفريغ للسفن . وثمة فئات يرتبط عملها بالبحر الذي تطل عليه المنطقة من ثلاث جهات ، كالحمالين والصيادين والبحارة والعاملين في الدائرة الجمركية، ودكاكين بيع أدوات الصيد ، وتجار الأدوات البحرية .. " ( 8 ) .
و ( بحري ) يزيدنا الكاتب قربًا منها، ويتحدث عنها في مودة وحب كي يتعرف القارئ عليها، يقول عنها: "بحري هو أشد أحياء الإسكندرية ازدحامًا بالمساجد والزوايا وأضرحة الأولياء . الدين هو الملمح الأهم : المرسي أبو العباس ، البوصيري، ياقوت العرش ، الطرطوشي ، محمد صلاح الدين ومحمد المنقعي ومحمد مسعود أبناء الإمام زين العابدين بن الحسين ، الشريف المغربي ، أبو وردة ، محمد الغريب شقيق قطب السويس عبد الله الغريب ، أبو نواية ، الطرودي ، نصر الدين ، مكين الدين ، علي تمراز ، عبد الرحمن ، خضر .. العشرات من أولياء الله الصالحين ، مساجد وزوايا وأضرحة وأحواش أذكار " ( 9 ) .
فالدين هو الملمح الأساسي لمنطقة ( بحري ) ، مما دفع الكاتب إلى تسمية الأجزاء الأربعة للرواية بأسماء الأولياء .. سماها ـ أولا ـ ( رباعية بحري ) في إشارة واضحة للمكان وأهميته ، واعتزاز الكاتب وانتمائه للمكان الذي عاش فيه . ثم سمى كل جزء باسم ولي من أولياء الله الصالحين ، في إشارة دالة على أثر هؤلاء الأولياء في نفوس الناس . فتطالعنا عناوين الأجزاء الأربعة بالأولياء : أبو العباس ، وياقوت العرش ، و البوصيري ، وعلي تمراز ، على الترتيب . والدلالة نأخذها أيضا من الجد السخاوي ، الصياد العجوز المحنّك إذ يقول : " هذه المدينة ملجأ الأولياء " ( 10 ). وولع الكاتب بهؤلاء الأولياء يرجع إلى ما تتمتع به سيرتهم من منزلة كريمة ، كأنه قصد ـ من زاوية أخرى ـ إلى الحديث عن ( إسكندرية ) أخرى غير تلك التي يتردد عليها المصطافون كل عام ، هو يقود خطانا في شوارع ودكاكين ومقاهي وبيوت منطقة بحري ، ويقود خطانا ـ أيضا ـ في حلقة السمك وبحر الصيادين ، والجوامع والمساجد والزوايا . نتجول في كل شبر من ( بحري ) ، تلك المنطقة الشعبية التي يتأثر ساكنوها بالأولياء والمشايخ والمريدين والأئمة .. وبلغ حبهم للأولياء منزلة جعلتهم يرونهم في المنام . وتتبدى رموز الرواية ومفاتيحها في هؤلاء الأولياء ، الغائبين الحاضرين .. فقد توفوا منذ زمن بعيد ، وبقيت آثارهم تدل عليهم ، وبقي حب وولاء الناس لهم .. مما يجعلهم بمثابة الضمير الحي الذي يشع في نفوس الناس قيمًا روحية مضيئة، فتردّ المرء عن الحرام، أو توقف الظالم عن غيّه، أو توحي للمرء بالتوبة عن المعاصي .
نجح الكاتب الفذ في أن يجعل منطقة ( بحري ) ـ التي ولد ونشأ فيها ـ ( مكانًا حيًا ) ـ على حد قول المفكر الفرنسي الحداثي هنري لوفيفر، فـ " المكان بالنسبة للإنسان لا يمكن أن يُدرك مجردا عن التاريخ، وأن النزعة التاريخية تسيطر على إدراكنا له ، لأن المكان يُعاش وتُخلق له أبعاده الاجتماعية ، تماما كما يُعاش الزمن " ( 11 ) .. لقد شخصت مقامات أولياء الله أماكن حية، نتلمس فيها عبق التاريخ القديم ، والأثر الذي تركه هؤلاء الأولياء في نفوس الناس. والمساجد بمآذنها وقبابها العالية، كأنها هي الأخرى ترنو إلى السماء، وتبتهل إلى الله أن يحمي عباده ويشد أزرهم. والمقهى نتعرف عليه من خلال أحاديث جلسائه، مكانا حيا يشي بالتفرد والتألق معا. والبحر مكانا يمتد بامتداد الأفق شاهدا على التغيرات في أحوال البشر، والبحر أيضا مقبرة ابتلعت الكثير من البشر، وهو البحر المكان الساحر الذي انبهر به مختار زعبلة فكان عشقه الذي لا ينتهي، فقال في فخر وزهو : "البحر هو أنا " .. وهو كالسمك يموت إذا ابتعد عن البحر . حتى حمدي رخا وهو يتخيل( يوتوبياه ) الحالمة من نسج خياله، يرسم حدود جزيرته ويحدد مكانها ويختار ناسها ..
وفي تحليله المختصر للرباعية ، رأى الدكتور سعيد الطواب أن شخصيات الرباعية تخضع جميعها لسطوة المكان الديني المقدس .. ".. بحيث يمكننا القول إن البطل الحقيقي هو المكان الديني . فحركية الشخوص تضعف وتتلاشى أمام قسوة الأقطاب وقوانين الأوراد الصوفية ، فالشخصيات ، ملامحها ، أفكارها ، تقاليدها ، فلسفتها، نابعة من جزئين لا يتجزآن : [ السلطة الدينية للمكان ، والبحر ]، الأول وجود معنوي ، والثاني وجود مادي " (12) .
واحتفاء جبريل بالمكان انتقلت عدواه إلى فريد محمد معوض، الذي قرأ الرباعية، فالتقط من شخصياتها إبراهيم سيف النصر، لأنه من ( بلدياته )، من قريته ( سامول ).. وكتب عنه كأنه شخصية واقعية من ( سامول )، فتمثله حيا، وتفاخر به، وسط زحام ناس ( بحري ) السكندري. وسلط عليه الأضواء، حتى يخالجك إحساس بأن الرباعية ارتكزت أعمدتها عليه. وهذا النوع من الكتابة الأدبية يشكل ـ في رأيي ـ إبداعا آخر. ولعلي أقف قليلا عند هذه المحطة، لشدة إعجابي بالتناول النقدي الفريد، وبما حققه الكاتب من مزج بين الشخصية ( إبراهيم سيف النصر ) كما رسمها جبريل، وبين حبه لقريته ( سامول ). ولنقرأ هذه السطور التي افتتح الكاتب بها دراسته : " سعدت كثيرا بأن جعل الروائي الكبير محمد جبريل إحدى شخصياته في رباعية بحري من قريتي ( سامول ) واعتبر ذلك بمثابة رسالة حب موجهة لي من كاتبنا الكبير، رسالة جاءت في لحظات إبداعية راقية وفي عمل روائي فذ اسمه ( رباعية بحري ). قبل أ، يصدر الجزء الثالث ( البوصيري ) كنت قد التهمت جزئيها الأول والثاني، حدثته عن سعادتي الغامرة بما قرأت فقال : انتظر المفاجأة في ( البوصيري ). ستجد شخصية من ( سامول ). ثم أردف قائلا : خطرت في بالي يا فلح فجعلتها موطن إبراهيم سيف النصر أحد أبطال روايتي. وانتظرت ذلك الجزء، وما إن صدر حتى رأيت نفسي مدفوعا إلى اسم قريتي ( سامول )، ثم اندفعت ثانية إلى شخص إبراهيم سيف النصر، ترى ما ملامحه ؟ سمات شخصيته، وكيف تبوأ مكانا في هذا العمل الضخم الذي يمور بالحياة السكندرية، ويحفل بجو روحاني صاف وتراث شعبي ثري وشخوص لا أول لها ولا آخر.. الرباعية في تقديري ديوان الإسكندرية الكبير. أشفقت على ذلك الإبراهيم. سيتوه في زخم شخصيات كثيرة.. الجد السخاوي.. علي الراكشي.. حمادة بك.. عباس الخوالقة، وشخوص لا حصر لها ولا عدد، فضلا عن المكان كبطل كبير. هل سيتمالك سيف النصر ؟ قلت : والله إن كان ساموليا بحق فيتحتم علي ألا أقلق لأنه سيكون فلاحا عنيدا متماسكا صلبا أمام كل النوات " ( 13 ) .
ويقول أيضا : " ولأن إبراهيم سيف النصر فلاح نبت في طين القرية، فكان ودودا مثلها سهلا كتدفق الماء في قنواتها، ويبدو سيف النصر على صلة طيبة بعدد كبير من أهل بحري وصديقا قديما لكل من يحدثه يلقي التحية ويتلقاها ـ كأنه يسير في شوارع سامول والابتسامة ثابتة على شفتيه والأسئلة عن الصحة والأحوال " ( 14 ) . و " يمارس إبراهيم حياته العادية وعند الملمات مثل حريق القاهرة نراه يفكر في سامول قريته في وسط الدلتا / العودة إلى الجذور، البداية الموغلة في الأرض أو الثبات / رحلة الشقاء القديمة " (15). ويطلق الأديب مقولته الشاملة بأن شخوص جبريل تحن دائما إلى الأصل والمنبت.. وأورد أمثلة بعدة شخصيات من الرباعية : عبد الله الكاشف من ( بركة غطاس )، والشيخ قرشي من ( العسيرات )، ويوسف بدوي من ( عزبة خورشيد )، وإبراهيم سيف النصر من ( سامول ).. وقد انحاز جبريل نفسه إلى أصله ومنبته ( حي بحري ) السكندري، فكتب عديدا من الروايات والقصص جعل ( حي بحري ) فيها مسرحا لأحداثها. وقد خصصنا هذه الدراسة الأدبية للإبداعات الروائية التي دارت أحداثها في هذا الحي السكندري الشعبي العريق، ليكون الكتاب صورة حية للمكان الذي أحبه جبريل، وتفاخر به وتباهى.. وانتقلت العدوى إلى فريد معوض فالتقط الخيط نفسه وكتب عن شخصية من قريته، ودبج عنها وعن جبريل سيمفونية حب للمكان الذي تمتد إليه جذورنا على اتساع وطننا الحبيب مصر..
والرواية في إطارها العام أشبه بـ ( بانوراما ) مجسمة لمنطقة ( بحري ) ، ناسها ، وأحداثها ، وعادات وتقاليد امتدت في أجيال متعاقبة ، وتتوغل في مجتمع الصيادين ، وتسرد حكايات عن البحر ، الأسطورية والواقعية .. وهي في هذا تشبه رواية الكاتب البرازيلي جوزيه سارني ( 16 )( سيد البحر ) ، التي تحكي أيضا تاريخ الصيادين في مارانيان ، وتسرد أساطير وحقائق عن صيادين غلاظ وبسطاء في آن واحد، مصورا عواطفهم وغرائزهم الفطرية .
ولا تقتصر ( رباعية بحري ) على تصوير آلام وآمال الصيادين، وإنما تقدم عالما سحريا متفردا، وتتحدث عن الجوامع والمساجد والزوايا ، وعن الشيوخ والمريدين .. وانعكاس الأحداث السياسية في نفوس أهل الحي : كمعاهدة 36 وقرار تقسيم فلسطين ، وكراهية الإنجليز ، والانتخابات ، وتضامن الشرطة مع الشعب ، وسرقة معسكرات الإنجليز ، والاشتراك في المظاهرات . والأحداث الاجتماعية مثل : ليلة مولد السلطان ، والختان ، وليلة الحنة ، والزفة الإسكندراني ، وليلة الزفاف ، والطلاق . وأحداث في حياة الصيادين : كالنوّة ، وموسم السردين . وفواجع مثل : حالات غرق جمعة العدوي والبهاء والراكشي وغيرهم ، والشوطة ، وموت مصطفى عباس الخوالقة . ويكثر الكاتب في عرض الشخصيات الرئيسية والثانوية ، ويأتي بأسمائهم ثنائية , وأحيانا ثلاثية ..وهو إذ يحتفي بالأسماء ، ويغرم بكثرة الشخصيات ، فهو لا يعرج إلى وصف ملامح الشخصية، مركزًا على ما تقوله وما تصنعه من أحداث .. ولنأخذ مثالا من هذه الشخصيات،في رسمه لشخصية ( تفاحة ) الردّاحـة ( 17 ) ، ففي وصفه للردّاحة ونوازعها وطريقتها ما يبين عن التصوير الصادق للواقع. وأبان دور الفتوة الذي أتقنته لقاء أجر معلوم، كما أنها تنوب عن الشخص الذي وكّلها في كل ما يريد .وتتجلى بؤرة الأحداث كلها أو معظمها في حي (بحري ) ، الذي بدا للقارئ بؤرة مركزية تستقطب الأضواء وتكشف ، من خلالها ، المستور . وهو يحيل القارئ إلى مجتمع منتصف الأربعينيات وأوائل الخمسينيات ، مصورًا عادات ناسه وتقاليدهم .. مما يشكل براعة فذة من الروائي ، في أن ينقلك إلى عصر قديم ـ ( ولد الكاتب في 17 فبراير 1938 ) ـ عاش فيه صغيرا. ربما بعض الأحداث لم يدركها في حينها .. وربما قرأ عنها أو سمع حكايات كثيرة حولها، ناهيك عن خيال المؤلف في نسج خيوط الرواية . وقد أتقن التعبير عن هذا الزمان ، كأنه واحد من أهله ، وأبرز سلوك الناس وأفكارهم ومعتقداتهم .. وناس الرواية خليط متنوع ، قد يكون متجانسًا أو متنافرًا ، لكن ( بحري ) تجمعهم في قارب واحد ، رغم اختلاف الأمزجة والميول ، مثلما يتجمعون في ليلة مولد السلطان أبي العباس ..
ثمة ملمح هام للرباعية ، يبرز في خصوصية بعض الفصول ، التي إذا فصلتها عن السياق ، بدت استقلاليتها كلوحة فنية تشكيلية ، أو أنها عمل قصصي يصح تناوله ـ بمعزل عن سياق الرواية ـ قصة فنية مكتملة التقنية ، وهي في الوقت نفسه عنصر متفاعل مع بقية العناصر / الفصول .. ولعل ذلك يفسر السر في نشر الكاتب بعض الفصول كعمل مستقل في الدوريات المختلفة أو في مجموعات قصصية له ، دون أن يشير إلى أن القصة فصل من فصول عمل روائي في طريقه إلى النشر. والأمثلة للقصص مكتملة العناصر الفنية، نجدها في قصة (حقيقة ما جرى للصياد جمعة العدوي ) ( 18) ، وقصة ( عنترة يسترد جواده ) ( 19 ) ،وقصة ( بركة ) ( 20 ) ، وقصة (إيقاعات صامتة )( 21). وثمة قصة وردت في مجموعته القصصية ( هل ؟ ) بعنوان ( تسجيلات على هوامش الأحداث بعد رحيل الإمام ) (22 ) ، ضمّنها روايته ( إمام آخر الزمان ) في طبعتها الثانية ( 23 ) . والفاصل الزمني بين نشر الرواية في طبعتها الأولى ( عام 1984 ) والمجموعة المشار إليها ( عام 1987 ) ثلاث سنوات . أي أن الكاتب أضاف فصولا لروايته في طبعتها الجديدة ، مما يبين هموم الكاتب المشغول بإبداعاته قبل وبعد نشرها .
والرباعية مزج رائع بين أحداث بيئة سكندرية شعبية وأثر الموروث الديني، بصرف النظر عن الاعتقاد الصحيح والخطأ فيه، وتزخر الرواية بأحداث تاريخية قد يدعمها بتوثيق أو يكتفي بتسجيل وقائعها ويهتم في الرباعية بتسجيل عادات اجتماعية تمتد جذورها في الماضي ، ويمتد أثر بعضها حتى وقتنا الحالي. ولعل أبلغ ما قاله الكاتب عن رباعيته : " وأذكر أني كنت أقبل على كتابة رواياتي: أبو العباس، ياقوت العرش، البوصيري، علي تمراز، لا باعتبارها قصصًا لها مقومات القصة القصيرة، بل ولا حتى باعتبارها فصولاً في رواية، وإنما باعتبارها " تقارير " عن الحياة في بحري، في الفترة من نهايات الحرب العالمية الثانية إلى قيام ثورة يوليو. كان شاغلي ـ أحيانا ـ تسجيل القيم والعادات والتقاليد، من خلال الشخصيات التي عرفتها ـ أو أخرى شبيهة لها ـ عن قرب، أعوام طفولتي وصباي ".. مع عنايته " بتضفير الحقائق الموضوعية بالقيمة الجمالية ".. وحرصه على فنية القصـة ( 24 ). والذي يشدّ انتباهنا، ما كتبه الروائي عن أنه لا يترك التفصيلات، مهما بدت صغيرة .. " ما يبدو تافهًا قد يبين توالي الأحداث عن أهميته، والشخصية التي لا شأن لها، ربما ـ في لحظة ما ـ تسفر عن ملامحها " (25 ).. أي أنه من أنصار تسجيل الانفعالات والخواطر ، وأن كل شيء صالح للكتابة عنه . وكل شئ نظنه بعيدًا عن محيط ما نكتب قد يكون مفيدًا للعمل الإبداعي، ونخلص من هذا إلى أن الأديب الحق ينبغي عليه أن يكون تلقائيا وعلى سجيته.
والاهتمام بالتفصيلات الصغيرة مهما بدت تافهة أو بسيطة، يتضح فيما بعد أهميتها في البناء الفني وسياق الأحداث، لكن الأديب الناجح هو الذي يجد في الخواطر والتفصيلات والأحداث صلصالاً طيِّعًا يستطيع أن يخلق منه عملاً إبداعيًّا ناجحا. واستخدم النهج نفسه في روايته التسجيلية (الحياة ثانية ) ( 26 ). ويهتم بالشخصية الثانوية اهتمامه بالرئيسية. وتلك طريقته في الصياغة الروائية التي تهدف إلى الإحاطة والشمول، قدر ما يتيسر له ذلك . ومهما تفوق المبدع في عمله الإبداعي فلن يصل إلى الكمال، لأنه ليست هناك كلمة نهائية في الفن. فالفنان يحاول أن يصور ( بانوراما ) الحياة الإنسانية ، بما فيها من ملهاة ومأساة ، ويحرص أن تكون رؤيته شاملة .
ويتجه جبريل نحو الاهتمام بجزئيات يراها تحتوى الصورة الكلية، لذا لجأ إلى المداخلات والحوارات والوصف والاستشهاد بالشعر وعبارات قالها الأعلام، كما يكثر من الشخصيات التي تسهم في بناء المعمار الروائي، وإن شكلت زحامًا شديدًا ليس في طاقة القارئ العادي استيعابه بسهولة.ورغم أن الحوار كتب بلغة عربية سليمة، يصح نطقها بالعامية والفصحى معًا، فيما يعرف باللغة الوسيطة، إلا أن بعض الحوارات تشذُّ عن هذا، وتُكتب بعامية مقبولة، مثل قول بيومي جلال: " كل اللي ييجي من الصعيد مليح .. " (27)، وهو قول سائر على ألسنة العامة، مما استوجب وضعه بحالته.
كما أن الحوار لا يوظف لبناء الخط الدرامي فحسب، وإنما استهدفه الكاتب وسيلة يتعرف منها القارئ على سير الأحداث، كأنه أراد مسْرَحَة الرواية، بجعل أبطالها هم صانعي الأحداث، فيشخصون أمام القارئ وفي مخيلته من خلال الحوار، دون تدخل يذكر من الكاتب . وإن كان التركيز على الحوار ـ في أغلب الأحوال ـ يفقد الرواية متعة الصياغة التي يتلوّن فيها الأسلوب ويتشكل في قوالب مختلفة. كما أن الاعتماد على الحوار وحده لا يكفي لكتابة رواية تزدحم بشخصيات رئيسية وثانوية، ولم يعد يكفي القارئ أو يشبع رغبته في التحليل أو السرد، وإيغاله في عالم الرواية.. فقد ينصرف ذهنه ـ وله العذر ـ عن متابعة الأحداث. وأسوق هنا مثالاً في فصل ( التحليق بلا أجنحة )، ذلك الحوار الممتع بين قاسم الغرياني ومحمود عباس الخوالقة :
" قال قاسم الغرياني :
ـ لو أن المعلمة أنصاف أقامت فرعًا لنشاطها في المولد ..
قال محمود عباس الخوالقة :
ـ منه لله سيد الفران .. استأثر بأنسية وحده !..
قال الغرياني :
ـ تزوجها على سنة الله ورسوله ..
قال محمود :
ـ كانت تقضي ..
قال الغرياني في لهجة معاتبة :
ـ يا رجل ! .. سيد صاحبك ! ..
قال محمود :
ـ ألم يجد إلا أنسية ليتزوجها ؟! .. " ( 28 ).
دار الحوار حول أنسية المرأة التي أرضت نزوات رجال الحي، وتمنت أن يتزوجها سيد الفران ويسترها .. وتحقق لها ذلك بعد عناء ومشقة. لكن الحوار يدلنا على الفراغ الذي تركته لدي طالبي اللذة الحرام والمتعة الرخيصة. يدلل الحوار على القيمة الفنية التي يحدثها النص حين ينسحب الكاتب، ويخلي مكانه لشخوص، كل يعبر عن رأيه.. يتحسر ابن الخوالقة على ابتعاد أنسية عنهم، ويستريح الغرياني لهذا .. ويكشف التباين هنا أبعاد شخصية كل منهما. وللحوار دلالته ومتعته، دون شرح أو إيضاح .. إلا أن الكاتب نقلنا فجأة من هذا الحوار الممتع ـ دون فواصل أو مقدمات ـ إلى موضوع آخر إذ يقول :
" قطب عم إبراهيم القسط جبهته متذكرًا :
ـ زكي تعلب ؟
ثم وهو يهز رأسه :
ـ نعم .. طرد من المعهد، وسافر إلى بلدته ..
اتسعت عيناه بالقلق :
ـ لماذا ؟..
ـ سألت عنه المباحث لصلته بالإخوان المسلمين .. ففصلته إدارة المعهد ..
ـ هل ألقي القبض عليه ؟
مطّ القسط شفته السفلى :
ـ لا أعرف !.. ودّعته حتى نهاية المسافرخانة .. شيخنا يرفض اشتغال الطلبة بالسياسة ..
أردف الرجل بصوت هامس :
ـ قيل إنه فصل لانتمائه إلى جماعة سرية .. " ( 29 ).
هكذا نقلنا الكاتب من جو إلى آخر، من موضوع إلى آخر، من حال إلى حال، دون أن يهيئ القارئ للتغيير المفاجئ. ودون أن يعقد رباطًا مشتركًا بين الموضوعين.. فالحوار الثاني يتحدث فيه إبراهيم القسط ـ الذي لا نعرفه تفصيلاً ـ كأنه يتحاور مع نفسه في مسألة القبض على زكي تعلب، والموضوع منبتّ الصلة بالحديث عن أنسية وزوجها سيد الفران.. إلا أن تباين المواضيع والنقلات الفجائية قد يكون ـ في الإبداع الروائي ـ مقصودًا لذاته لإحداث صياغة جمالية، أو صنع ( بانوراما ) للحياة قد لا تخضع لتسلسل منظم ، محاكاة لمجريات الواقع ..
(يتبع)

د. حسين علي محمد
15-05-2007, 08:36 PM
تابع / الفصل الخامس من كتاب «روائي من بحري» لحسني سيد لبيب

كما أن لغة الخطاب محايدة في أغلب الفصول، تلوذ بضمير الغائب، المناسب لرواية تزدحم بالشخصيات، وتختلف فيها مستويات الحدث، إلا أن الكاتب لجأ في الفصل الخامس والعشرين من الجزء الأول ( أبو العباس ) إلى توجيه الخطاب إلى مختار زعبلة، كأنه صوت آت من داخله . وتتميز إبداعات جبريل الروائية بأنها تعتمد على تعدد مستويات الراوي، من فصل إلى آخر، وأحيانا يكون التعدد داخل الفصل الواحد. ويعتبر فصل ( المسافر بلا زاد ) في الجزء الثالث ( البوصيري ) ، نموذجا جيدا لطريقته في الصياغة بمستويات خطاب متعددة. يبدأ الفصل بتبرم حمادة بك من المجالس، والمجتمعون حوله يتبادلون أحاديث شتى، ونتوقف عند السر الذي يحاول إخفاءه عن الآخرين. بعد هذا الاستنفار ـ أو ترك مجلس الرجال ـ من أثر لهيب الشذوذ الذي يستره عن الناس، ويسكن داخله ، ينقلنا الكاتب إلى جابر برغوت، وينبري يكتب ـ كما عودنا ـ قطعة أدبية فريدة عن التقرب إلى الله، وإطاعة الأولياء، والاهتمام بزيارة مقاماتهم، وكانت الصياغة في منتهى الجودة والاتقان ، لا تواتي إلا كاتبا متمرسا عايش بطريقة ما ذلك الجو الصوفي الروحي.. ولنقتطف فقرة للتدليل، وإن كانت لا تغني عن قراءة النص بكامله ..
" تألقت فيوضات من النور لا يدري مصدرها، ولا إلى أين تتجه. غطس في بحر من الأضواء المتماوجة. أدرك أنه في قلب البحر دون أن يعرف السباحة. اجتذبته التصورات اجتذاب المغناطيس للحديد. انطلقت أمامه ـ بلا حدود ـ عوالم التجلي والمكاشفة والطوالع واللوامع والتمكين، احتوته تماما، وإن فضل أن ينسحب على نفسه. وقف عند حظه من رحمة الله تعالى في مقام المعاملة والرياضة. مجرد سالك لا تؤهله ذاته لمشيخة ولا ولاية. تتستر عنه الأشياء، أو يستمع إلى أصوات علوية. ولا دار في باله أنه يطير ـ يوما ـ أو يمشي على الماء، أو يكلم الحيوان، أو يفعل المعجزات، ولا شغله إقبال الخلق، وتربية المهابة في قلوبهم. زهد في الدنيا، فلا يطلب الكرامة أو خوارق العادات. لم يعد يشغله حتى البعث والقيامة والحساب والصراط والميزان والجنة والنار. هو ليس من الأولياء، ولا من الأبدال، ولا يملك القدرة على خير ولا شر ولا نفع ولا أذى. ما يأمله، ويسعى إليه، أن ينفذ أوامر أولياء الله بالكلية، لا ينقص منها ولا يضيف إليها، ولا يبتدع .." ( 30 ).
والرباعية مليئة بكرامات الأولياء وبالمعجزات التي تحققت على أيديهم. كما ضمّنها ما قيل عنهم في كتب قد يشير إليها وقد لا يشير. ولا يبين رأيه في صحة ما يكتب، تاركًا ما يكتبه أو ينقله يتفاعل مع سياق الأحداث، وينتج ما نسميه الشكل الجديد للرواية، التي لا تعني بالواقع فحسب، وإنما تعني أيضا بإعطاء المعلومة التي قد تساير الأحداث وقد تجئ حشوًا يهدف من ورائه إلى إعطاء شحنة من المعرفة .
الهوامش :
1-( رباعية بحري ) رواية من أربعة أجزاء ـ صدرت عن مكتبة مصر بالقاهرة. صدر الجزء الأول ( أبو العباس ) عام 1997 في 272 صفحة، والجزء الثاني ( ياقوت العرش ) عام 1997 في 264 صفحة، والجزء الثالث ( البوصيري ) عام 1998 في 288 صفحة، والجزء الرابع ( علي تمراز ) عام 1998 في 260 صفحة.
2-( الثلاثية ) رواية من ثلاثة أجزاء : بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية.
3-صدر الجزء الأول ( جوستين Justine ) عام 1957ن والثاني 0 ( بالتزار Balthar )، والثالث ( مونت أوليف Mount Olive ) بعده بعام، والرابع ( كليا Clea ) عام 1960.
5-رباعية ( العابرون ) رواية من أربعة أجزاء. صدر الجزء الأول ( عائشة ) في تونس عام 1982، والثاني ( عادل ) في تونس عام 1991، والثالث ( علي ) في القاهرة عام 1996، والرابع ( الناصر ) في تونس عام 1998.
6-صدرت بين عامي 1962، 1964.
7-صدر الجزء الأول ( الضحية ) عام 1962، والثاني ( مامادا ) عام 1967، والثالث ( النصيب ) عام 1968، والرابع ( التوبة ) عام 1970.
8-رباعية ( مدارات الشرق ) رواية من أربعة أجزاء. صدرت في اللاذقية بسوريا. الجزء الأول ( الأشرعة ) عام 1990، والثاني ( بنات نعش ) عام 1990، والثالث ( التيجان ) عام 1993، والرابع ( الشقائق ) عام 1993.
9-محمد جبريل : حكايات عن جزيرة فاروس ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر والتوزيع ـ الإسكندرية 1998 ـ 144 صفحة ـ ص 55.
10-المصدر السابق ـ ص 87.
11-محمد جبريل : ياقوت العرش ـ ص 214.
12-جريدة ( الأهرام ) ـ عدد 4 يونيو 1999 ـ ملحق ( الجمعة ) ـ صفحة ( ثقافة ) ـ مصطلحات فكرية ـ ص11.
13-د. سعيد الطواب : استلهام التراث في روايات محمد جبريل ـ ص 6.
14-كتاب ( محمد جبريل .. موال سكندري ) : دراسة بأقلام الأدباء ـ دراسة فريد مجمد معوض ( إبراهيم سيف النصر .. بطل من سامول ) ـ سامول الثقافية ـ المحلة الكبرى 1999م ـ ص 39، 40.
15-المصدر السابق ـ ص 41.
16-المصدر السابق ـ ص 48.
17-ولد الكاتب البرازيلي جوزيه سارتي في 24 أبريل 1930. من مؤلفاته الشعرية : ( الأنشودة الأولية )، و ( زنانير النار ). ومن مؤلفاته القصصية : ( شمال المياه )، و ( بريجال دوس جواجاس وقصص أخرى ). وتعد رواية ( سيد البحار ) أولى رواياته.
18-ياقوت العرش ـ الفصل الحادي والعشرون.
19-أبو العباس ـ الفصل السادس.
20-المصدر السابق ـ الفصل الثاني عشر.
21-ياقوت العرش ـ الفصل الرابع والعشرون.
22-المصدر السابق ـ الفصل الثلاثون.
23-محمد جبريل : هل ؟ ـ قصص ـ سلسلة ( مختارات فصول ) ـ عدد 42 ـ يوليو 1987 ـ ص ص 47 / 60.
24-صدرت الطبعة الأولى من رواية ( إمام آخر الزمان عام 1984 من مكتبة مصر بالقاهرة ـ 208 صفحات.
25-حكايات عن جزيرة فاروس ـ ص 77.
26-ياقوت العرش ـ ص 83.
27-محمد جبريل : الحياة ثانية ـ رواية تسجيلية ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ـ الإسكندرية 1999 ـ 120 صفحة.
28-ياقوت العرش ـ ص 21.
29-المصدر السابق ـ ص ص 73، 74.
30-نفسه.
31-البوصيري ـ ص ص 40، 41.

د. حسين علي محمد
15-05-2007, 08:37 PM
الفصل السادس من كتاب «روائي من بحري» لحسني سيد لبيب
أبو العباس

يبسط ( أبو العباس ) ـ في الجزء الأول من ( رباعية بحري ) ـ نفوذه وتأثيره على كل الشخصيات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة . ولا ينسى الكاتب أولياء آخرين وجوامع ومساجد وزوايا أخرى ، والأئمة الذين تولوا أمر بيوت الله . وتبين الرواية الأثر الطيب للأولياء والأئمة الصالحين في نفوس الناس. وثمة بعد آخر ، أو بؤرة مركزية تصب عندها أو تتلاقى شخصيات الرواية . يتمثل هذا البعد في ( البحر ) .. الباعث المحرك للأحداث ، بما يمثله كمصدر رزق للصيادين ، حيث تغوص أحداث الرواية في مجتمع الصيادين ، تصف عاداتهم وسلوكهم ، وتترجم آمالهم وهمومهم .
والبحر هو القضاء الذي يواجهونه بصبر ورباطة جأش ، وهو المجازفة والمخاطرة . البحر ( موتيفة ) هامة وفعالة ومؤثرة في مجرى الأحداث . هو الواقع والأسطورة .. هو اللغز ، وهو الانفتاح على العالم ، وهو يبسط سطحه ويقلصه . تهدر الأمواج ليل نهار، فلا يني ولا يكل. البحر هو الجبروت والطغيان، وهو الأمل والحياة ..
أهم ملمح للجزء الأول ( أبو العباس ) كثرة الشخصيات إلى حد لم أعهده من قبل . فلم أقرأ رواية تحتوي على مثل هذا العدد الهائل من الشخصيات ، فاضطررت إلى إعادة القراءة وتدوين الأسماء وكتابة نبذة مختصرة لكل منها ، لاسيما أن الكاتب قد يتحدث في فصل ما بضمير الغائب عن شخصية ما ، دون أن يصرح بالاسم ، لعلك تستنتجه أو تتعرف عليه ، وفي فصل آخر يواصل حديثه بضمير الغائب أيضا ، فتكتشف أن الغائب الذي يتحدث عنه غير الذي حدثك عنه من قبل . وقد يصرح بالاسم أو يخفيه . والفصول لا تسير كلها على وتيرة واحدة ، فلكل فصل خصوصية تجعله يستقل بها ويتميز ، وإن كان غير منسلخ عن فصول الرواية ، فكل فصل يكوّن مع الفصول الأخرى نسيجًا عضويًّا متماسكًا ، يخدم بعضه بعضًا ويكمل بعضه بعضا . ويكمن هنا سر من أسرار جمال النص الأدبي .
فمثلا ، قارئ الفصل السادس ( حقيقة ما جرى للصياد جمعة العدوي ) ، يلمس النفَس الشعري والحساسية الفائقة في تصوير غرق جمعة العدوي .. فالفصل لوحة شعرية بارعة التشكيل ، غنية بالمعاني والصور ، زاخرة بالظلال والألوان . وتختلف لغته عن الفصول الأخرى . اللغة شاعرية ، ويشفُّ إحساس الكاتب ويدق ، وهو ينفعل بالفاجعة التي يصورها ، كأنه يلقي قصيدة عن جبروت البحر ، ووقوف الصيادين مكتوفي الأيدي أمام القدر المحتوم . الجمل قصيرة مركزة ، والآلة المصورة ـ أو يراع الكاتب ـ تلتقط كل شيء حولها ، وتنسج منها لوحة فنية أو ( بانوراما ) مجسمة للحدث والمكان معا . هي عبقرية الكاتب ، عندما ينفعل بالحدث فيطلق آهة موجعة من آهات الألم .. كأن جمعة العدوي ، هذا الصياد البسيط الذي ابتلعه اليم غدرا، صديق حميم للكاتب، وليس مجرد زميل للصيادين أو لقاسم الغرياني.حتى الجد السخاوي ،رغم أنه اضطر إلى منع الغرياني من إلقاء نفسه وراءه، في محاولة عفوية لإنقاذه ، نحس بقلبه ينوء بحزن صامت على غرق جمعة العدوي .لكن السخاوي مسئول عن سلامة ( البلانس ) بأكمله ، وعليه أن يئد عواطفه ، ويفكر في الأمر بروية .. " حتى قطرة الماء ربما تحمل الخطر ! " ( 1 ) .. ويشع أمل في صدور زملاء جمعة وزوجته ، ربما عاد بعد النوة ، مثلما عاد فجأة رجال كثيرون . ولا ينسى الكاتب أن يشجيك بموال للصيادين . وثمة مداخلات أخرى أضفت على الصياغة الفنية بريقًا أخاذا ، مثل تجزئة الفصل إلى مقاطع ذات عناوين وإحالات ، والمقدمة الصحفية التي تعتمد على التشويق ، يقول فيها : " الموت على رقاب العباد . لكن الزميل الحبيب جمعة العدوي ـ في الحقيقة ـ لم يمت . وكان من الصعب إنقاذه من الأيدي التي احتضنته ، وغابت به داخل البحر .. ورأيناها .. لذلك تفاصيل كثيرة .. " ( 2 ) .
تستغني الصياغة الروائية عن الوصف في أحوال كثيرة ، وتستعيض عنه بذكر المعاني أو المفردات التي ترسم الأجواء، وتحدد أبعاد كل شخصية. وهي بذلك تكسر رتابة الوصف، وتخرج عن تقليديته إلى طريقة مبتكرة يستفيد فيها الكاتب من عمله الصحفي . وعلى سبيل المثال ، يقول عن تحول علي الراكشي:
" اقتصرت دنياه ـ بعد العودة من الحلقة ـ على الجوامع والمساجد والزوايا والحصر والأبسطة والمنابر والأعمدة الرخامية والقباب والأضرحة والأهلّة والمصاحف والكتب الدينية والسبح والبخور والخيام والسرادقات والحضرة وحلقات الذكر وترتيل القرآن والإنشاد وسماع المدائح النبوية والتسابيح والتواشيح والأهازيج الصوفية والدعوات والابتهالات والعزائم ودقات الدفوف وإيقاع الطبول وأنغام الربابة وأصوات المنشدين والصمت والانزواء والانفراد والتواجد والشطح والهزات العنيفة .. " ( 3 ) .
وهي كلها مرادفات لمعنى واحد ، هو اهتمام الراكشي بالدين ، وكان يمكن للروائي أن يكتب الجملة التقليدية : "اهتم الراكشي بأمور دينه، واتجه إلى التصوف الإسلامي وكل ما يمتّ إليه بصلة " .. لكن الجملة وما يشبهها لا ترسم الأجواء التي رسمتها الفقرة السابقة ، بإيجازها ودلالتها ، فجعلت القارئ يتعايش مع الشخصية وما يحيط بها من معالم وما يستهويها ويؤثر فيها. في الفقرة بيان بالمكان (الجوامع والمساجد والزوايا)، وبيان بالأشياء والأدوات التي يشملها المكان ( الحصر والأبسطة والمنابر والأعمدة الرخامية والقباب والأضرحة والأهلّة والخيام والسرادقات ) ، وبيان بالثقافة ( المصاحف والكتب الدينية )، وبيان بأدوات يستخدمها الـمرء (السبح والبخور )، وبيان بتقليد ديني يقوم به البعض (الحضرة وحلقات الذكر )، وبيان بالأصوات الدالة على العبادة وذكر الله وفضائل الدين (ترتيل القرآن والإنشاد وسماع المدائح النبوية والتسابيح والأهازيج الصوفية والدعوات والابتهالات والعزائم ودقات الدفوف وإيقاع الطبول وأنغام الربابة وأصوات المنشدين)، وبيان بحالة المرء العابد لربه الذاكر له، السالك في درب الصوفية ( الصمت والانزواء والانفراد والتواجد والشطح والهزات العنيفة ) ..
وإذا اعتبرنا كل عنصر من هذه العناصر يؤدي وظيفته في رسم الجو وتعميق الإحساس به ، فإن مجموع هذه العناصر يزيد القارئ قربًا من الصورة،بدون الوصف التقليدي للمكان والشخوص والأدوات والشروح ، فمجموع المرادفات تغني عن صفحات كثيرة من الوصف والشرح . ولو أحصينا عدد المرادفات لوجدناها في هذه الفقرة وحدها تصل إلى 37 كلمة، ترد دون تعليق على أي منها، اكتفاء بواو العطف تربط الكلمات بعضها ببعض. وتغني هذه الطريقة ـ كما أسلفت ـ عن الوصف الممل، وتعين على تعميق أبعاد الشخصية واستيعاب الحدث.
فالراكشي هنا قد انجذب إلى أماكن العبادة وأضرحة الأولياء ، وانصرف عن بريق الدنيا ، وجعل جل همّه تعميق صلته بكل ما ينتسب إلى الدين . ونجد الشيء نفسه في ذكر قراءات الراكشي.. " قرأ في الوحي والرؤى والملائكة والشياطين والكرامات والمعجزات والمكاشفات والصفات واللوح والقلم، وحقائق الرسل والأنبياء والموت والقبر والغيبيات والخوارق والحشر والميزان والصراط والحساب والجنة والنار ، وسير الأولياء والقديسين ، وأسرار العوالم الأخرى والأرواح الساكنة في الحيوان والطير والزواحف ، والأحلام وتأويلها ، والطب الشعبي ، وقراءة الطالع ، وبركات العباد والزهاد والورعين والمريدين والعارفين .. " ( 4 )..كلها حصيلة القراءة في كتب الأقدمين ، وواضح انهماكه في قراءة كتب التراث الديني . ولم يبن الكاتب أن صاحبه قرأ كتبًا بعينها ، وإنما اهتم بذكر الموضوعات دلالة تبحره في العلم ، وإن لم يشر إلى القرآن الكريم والأحاديث النبوية ، و أشار إلى الغيبيات والخوارق والأحلام والطالع . وتبلغ هذه الفقرة ثلاثين موضوعا ، تشي بكثرة القراءات في محاولة لمعرفة الكون والخلق والنشأة والمصير . وقد ذكرت الموضوعات دفعة واحدة ، دون تدخل غير مرغوب فيه من الكاتب ، بغية شرح أو تفسير أو تحليل ، مكتفيًا بعناوين الموضوعات التي يقف القارئ عندها على نوع الثقافة التي نهل منها علي الراكشي . وفي هذه الصياغة، تغنيه واو العطف عن صفحات كثيرة اختزلها فأبعد عن القارئ الملل وأغناه عن الشطحات التي لا تعنيه كثيرًا. وهي من أساليب الصحافة في الإيجاز والشمول الذي ينمّ عن الإحاطة وسعة الأفق.
وثمة مثال ثالث، نجده في ذكر أنواع السمك في الفصل التاسع عشر:" الدنيس والقرموط والمرجان والمياس والبوري والبربون والإنش والوقار واللوت والشرغوش والكحلة والطوبارة والقاروص والموزة والسبيط وسمك موسى والكابوريا والجمبري .. " ( 5 ) .. وهي إحاطة ليست سهلة إلا للمتخصص في هذا المجال، تكشف وفرة الأنواع في حلقة السمك بالأنفوشي، وكان يكفيه التدليل ببعض الأنواع التي يبيعونها، إلا أنه مغرم بالإحاطة والشمول ، ولا يكتفي بسرد الأمثلة ، فيضيف إلى عالمه الروائي جانبًا معرفيا .والأمثلة لا تقتصر على الفقرات الثلاث السابقة، وإنما تمتد لتكون ظاهرة عامة في النص الإبداعي ، وتشكل الأسلوب المميز لمحمد جبريل عن سواه من الروائيين العرب . فهو يعنى بالإلمام والإحاطة ، ولا يعنى بالشرح أو المداخلات غير الموظفة فنيا ، مكتفيًا بالتصنيف والتكثيف ، مودعًا بلاغة أسلوبه في ( واو العطف ) التي تصطف بها المواضيع أو الأشياء أو الأدوات ، فتحيط القارئ علمًا وفهما ، وترسم ـ في الوقت ذاته ـ ألوانًا وظلالا يزخر بها النص.
إلا أن هذه الطريقة التراكمية ـ إن جاز التعبير ـ البديلة عن الوصف أو الشرح، لم تمنعه في حالات معينة من الوصف التفصيلي ، مثل تحديده الموقع الجغرافي لبيت الشيخ أمين عزب في فصل ( الباب المغلق ) .. فنقرأ هذه السطور : " البيت يطل على ثلاث جهات . من ناحية على شارع رأس التين، في امتداده إلى الموازيني والحجاري، وعلى شارع فرنسا إلى المنشية . أما الواجهة ، فتطل على شارع إسماعيل صبري ، يتجه ـ في ناحية ـ إلى الميناء الشرقية . وأما النوافذ والشرفات الخلفية ، فتطل على الشارع الخلفي . يشغل جانبه ـ في الناصية ـ جامع علي تمراز ، فبيتان من خمسة طوابق ، ينتهيان إلى فرن التمرازية ، واجهته على شارع الشوربجي . ضيق ، طويل ، يفضي ـ من جهة ـ إلى الموازيني ، ويمثل ـ في الجهة المقابلة ـ توازيًا لشارع الميدان .. "( 6 ) .. في هذه السطور إسهاب في وصف المنزل وتحديد موقعه بدقة ، كأن الكاتب يلتقط بآلة تصوير صورة ثلاثية الأبعاد للمنزل ، وهو لا يترك شاردة ولا واردة لتجسيد موقع المنزل وشكله . على أنه لا يلجأ إلى هذا الوصف الدقيق كثيرا ، وربما اضطر إلى وصف بيت الشيخ أمين عزب في إشارة واضحة لمكانة الشيخ في نفوس الناس . وثمة تشابه واضح بين هذا البيت وبيت الكاتب نفسه الذي وصفه في كتابه ( حكايات عن جزيرة فاروس )( 7 ).
كما يعمد محمد جبريل إلى حشد عدد كبير من الشخصيات المحورية والثانوية على حد سواء . وقد يصرف الحشد القارئ عن متابعة الأحداث . لكن الرواية لا تعتمد على الحدث وحده، وإنما تهتم بأحوال العباد، سواء من حيث كونهم جماعة الصيادين ، أو من المريدين المنجذبين إلى أولياء الله الصالحين ، أو من حيث كونهم نتاج بيئة واحدة ، بما فيها من أشتات متباعدة ، أو ترابط ، أو وشيجة قربى ، أو مصلحة ، أو صداقة .. وهو يعنى برسم الشخصية ويحفل بها أكثر من عنايته بالحدث . وعلى سبيل المثال ، يحشد في قهوة مخيمخ عددًا كبيرًا من الناس . وينقلك بسهولة من شخص إلى آخر ، كأنه يمسك بآلة تصوير ( فيديو ) ، يسجل بها هذا الحشد من رواد المقهى . وما إن تتعرف على ملامح شخص ما ، حتى ينقلك سريعًا إلى شخص آخر . فمن أشخاص تعرفنا عليهم في فصول سابقة ، إلى آخرين ذكروا عرضا ، أو نقرأ عنهم لأول مرة ، ولنذكر الأسماء: الجد السخاوي ـ قاسم الغرياني ـ حمودة هلول ـ عبد الوهاب أفندي مرزوق ـ محمود عباس الخوالقة ـ محيي قبطان ـ الحاج قنديل ـ عباس الخوالقة ـ مصطفى عباس الخوالقة ـ محمد صبرة ـ حمادة بك ـ عبد الرحمن الصاوي ـ خميس شعبان ـ امرأة ( لم يذكر اسمها ) ـ صابر الشبلنجي ـ حسان عبد الدايم ـ الجرسون هارون ـ سيد الفران ـ الشيخ جابر برغوث ـ خليل أفندي زيتون ـ مختار زعبلّة ـ علي الراكشي ـ دياب أبو الفضل ـ المعلمة أنصاف ـ عبد العال حلوفة ـ المعلم التميمي ـ أمين عزب ـ الملكة نازلي .. وعددهم 28 شخصًا في فصل واحد ( الفصل العاشر ) .. مما يشكل زحامًا قد يصرف القارئ عن متابعة أحداث الرواية، وفهمه لأبعاد وملامح الشخصية ..
ولعل الحشد مقصودًا لذاته ، لإبراز مجتمع المقهى ، والثرثرة في مواضيع شتى ، مثل حديثهم عن المظاهرات الرافضة لقرار مجلس الأمن بتقسيم فلسطين ، ومقارنة بين ابنيْ الخوالقة اللذين يعملان معه في البلانسات والحلقة ، وبين أبناء الحاج قنديل الذين أبعدهم والدهم عن البحر ، وحديث عن الكورنيش المحيط بالإسكندرية ، وحديث عن سيد الفران ، ثم حديث عن خليل زيتون الذي أوهن الحشيش صحته، وحديث عن عزوف الغرياني عن الزواج، وحديث عن شقة دياب أبو الفضل.. وما إلى ذلك من أحاديث أقرب إلى الثرثرة التي ترسم جو( المقهى) وما تتميز به .
وفي فصل ( المرأة الجميلة ذات الذيل المتهدل ) يتحدث الكاتب عن عروس البحر ، وعن الأساطير التي نسجها الناس عنها . فعروس البحر تضاجع الريح ولا تلد إلا الإناث . وسعيد من تظهر له ! ويذكر صيادون وبحارة أنهم رأوا ذكر البحر ! ويتخيل الناس عروس البحر نصفها العلوي لامرأة والسفلي لسمكة لها ذيل . وهي فائقة الجمال . وبرروا كل من اختفى من الرجال بأن عروس البحر أخذته ليعيش معها في أعماق البحر. وحين ابتلع اليم جمعة العدوي، أرجعوا ذلك إلى أنه تزوج عروس بحر واستقرا في الأعماق . وذكر الجد السخاوي أن جنية من البحر عشقت حودة التيتي ، فأغرته فغاص معها في الأعماق، وأنجبا الأولاد والبنات، ولم يعد إلى الأنفوشي. وروي عن سباعي سويلم الذي سحبت عروس البحر شبكته ، وظل في البحر مقيمًا سنوات طويلة ، ثم عاد محملاً بالذهب والجواهر ، فبنى قصرًا وانزوى فيه إلى أن مات ‍‍‍‍‍‍‍‍‍.
ويتمثل البحر لدى العامة قوة قاهرة ، أكبر من إمكاناتهم .. وحين يعجز الإنسان ، ينسج خياله أساطير يؤمن بها. إلا أن مختار زعبلّــة ينفرد بعشقه للبحـر حتى أنـه كان يقول بحماس : " البحر هو أنــــــا ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ‍ " ( 8 )‍ .. "ابتعادي عن البحر معناه الموت ‍ " ( 9 ) .." أنتَ في البحر سيد نفسك .. حر نفسك .. " ( 10 ) .. " أنا أحب الحياة في البحر .. مثل السمك .. " ( 11 ) .. ورسم على ذراعه وشم سمكة ، تعبيرًا عن حبه للبحر ..
وليس البحر وحده الذي نسجت حوله الحكايات والأساطير .. هناك ضريح المرسي أبو العباس ، ، ولواذ الناس به ، يستغيثون به مما يكابدون ويعانون .. حتى نجاة حمادة بك من الموت ، ترجع إلى بركات مولانا السلطان ‍.. ويحصي الكاتب كرامات السلطان ومكاشفاته ، ويذكر روايات أشبه بالمعجزات .. مثل أنه كان يمشي على الماء ، ويطير ويمسك النار ويحتجب عن الأبصار . وكان يرى الكعبة من موضعه . ويتحدث الإمام عن أبي العباس الذي ظهر فجأة .. " انشق الضريح عن سيدنا " ( 12 ) .. واقتربت أنسية منه توشك أن تقبل قدميه ‍‍‍.. قال أبو العباس : " من احتمى بمقامي لا يقدر أحد أن يبعده عنه " ( 13 ).. وقال : " زادت هموم الناس ، فخرجت لأحمل منها ما استطعت " ( 14 ).. ويحكي الحاج قنديل كيف أتاه المرسي أبو العباس وقال له :" والعافين عن الناس " ( 15 ) .. وقال : " لماذا تحاربه في رزقه ؟! " ( 16 ) .. يقصد الراكشي .. وقال أبو العباس لحمادة بك أن أنسية أولى بسكنى البيت ( 17 ).. وتحدث عباس الخوالقة عن ظهور السلطان يطوف أرجاء الجامع ، إلا أن إمام الجامع عزا كل هذه الحكايات التي رواها الجمع المتحلق حوله ، إلى أنه حلم توزع على الفضلاء من أبناء الحي . هذه الروايات عن معجزات وكرامات السلطان وعن ظهوره ، تعكس ما للسلطان من نفوذ آسر. إن الناس الذين قهرهم البحر نسجوا من حوله الأساطير ، وكان لهم حكايات وحكايات عن عروس البحر وجنيته ! .. فحين تستبد بهم الهموم وتتعقد مسالك الحياة ، يلوذون بمولانا السلطان يحتمون به ، فيتبدى لهم في الحلم ، يملي نصحًا هم في حاجة إليه .
وثمة شخصية طاغية استحوذت على الراكشي ، هي الشيخ يوسف بدوي ، يأمره بألا يفعل شيئًا إلا بإذنه ، وأن يكون " كالميت بين يديْ غاسله، يقلبه كيف شاء " ( 18 ) .. وألا يحضر مجلسًا لغير شيخه ، ولا يزور أولياء الله إلا بإذنه، ولا يستمع إلى درس أو كلمات إلا من هذا الشيخ .. حتى أصبح الشيخ قوة تهيمن على تصرفاته كأنه قوة عليا ! وأذعن لتلك الشخصية الطاغية المستبدة ، لعله يصبح في النهاية شيخًا له استقلاله وكراماته ومكاشفاته ومريدوه ! وقد وصل الطغيان حدًّا جعل قراءة القرآن بإذن منه !! ولا يملك الراكشي إلا الانصياع له ، فهو أرحم من الحاج قنديل الذي يتحكم في رزقه . وهو يساير الشيخ طمعًا في أن يُحزَّم بحزام المشيخة ، فيسير في طريق الصوفية بمفرده ، مستقلا بنفسه .
وهناك حديث عن الحاج محمد صبرة الحلاق ، وكيف تعلم علاج المربوطين والمسحورين ومرضى الصداع والحمى والنزيف ووجع الجنب والدوسنتاريا والبواسير ، بالأعشاب والوصفات والرقى والأحجاب وقد يستعين بآية الكرسي .. كل هذه الحكايات والأحداث والأفكار نتاج بيئة ترى القوة الغيبية متجسدة في أمور خارقة يفسرونها حسب الهوى والخيال .. وهي انعكاس لأحداث فاجعة يواجهونها مثل :
1 ـ صعود فتحي عبد ربه من الماء مشلولاً ( الفصل الأول)
2 ـ ابتلاع البحر للصياد جمعة العدوي ( الفصل السادس ).
3 ـ تعطل اللنش بحمادة بك ، بعيدًا عن الشاطئ ( الفصل الثامن عشر ).
4 ـ اكتشاف سلامة أن عبد الرحمن الصاوي ليس أباه ( الفصل الرابع والعشرون ).
كما أنهم يلجئون إلى الشيخ أو الإمام إذا ألمّ بهم مكروه ، أو اعترضتهم مشكلة تقلقهم . فإذا أشار إليهم بنصيحة ، أخذوا بها .
وقد تأثر علي الراكشي بالشيخ أمين عزب أيضا ، الذي تصدى لأحد الفتوات ، وهو يختلف عن الشيخ يوسف بدوي باعتداله . لجأت إليه أنسية تطلب وساطته ليترك حمادة بك بيته لها لتعيش فيه . وأمين عزب منعزل عن جيرانه ، رافض للخزعبلات والغيبيات وحلقات الذكر بما فيها من بدع ، أعلن " رفضه للأعلام والرايات والطبول والدفوف والرقص والانجذاب والمواكب والتحلق حول شيوخ الجهل " ( 19 ) .. وأصر على ألا ينهض من مكانه في جامع علي تمراز ، المخصص لجلوس الملك ، لولا تدخل إمام الجامع . وقد هاجم مختار زعبلّة لرسمه وشمًا على ساعده ، وذكر له حديث الرسول  في هذا . أمين عزب شيخ معتدل وإيجابي ، يوجه الناس إلى طريق الهداية ويحل مشكلاتهم .
أما الشيخ يوسف بدوي ، فيختلف عنه . حيث نجح في استمالة الراكشي إليه ، وترك أمين عزب !
والجد السخاوي شخصية تحار في أمرها . قد تبدو ثانوية، لندرة ورودها في سياق الأحداث، أو لعدم تكثيف الحدث حولها . وتبدو ـ أيضا ـ شخصية فاعلة مؤثرة .. لكن لا يمكن إغفالها في كل الأحوال . وإذا استعرضنا مـا ذكره الكاتب عن السخاوي ، لمسنا تأثيره في الناس المرتبطين به المتعاملين معه :
1 ـ حين وجد الراكشي صعوبة في صيد السمان ، حدثه الجد السخاوي عن مواعيد قدوم وارتحال طيور الفصول .. وينكسر الضوء الصادر من نافذة غرفة السخاوي عقب أذان الفجر ، عبر شيش نافذة غرفة الراكشي . فنستبين الدلالة في تأثر علي الراكشي بالجد السخاوي (الفصل الأول ) .
2 ـ وللجد السخاوي دوره الهام في منع قاسم الغرياني من إلقاء نفسه وراء جمعة العدوي ، في محاولة عفوية لإنقاذه ، رغم ما ينوء به قلبه من حزن صامت . فالسخاوي مسئول عن سلامة البلانس بأكمله ، لذا حتم عليه أن يئد عواطفه ، ويفكر بروية حتى لا يقع المزيد من الخطر ( الفصل السادس ) .
3 ـ والجد السخاوي من رواد قهوة مخيمخ، لذا تتوطد صلته بكل الصيادين من رواد المقهى ( الفصل العاشر ).
4 ـ ويتحدث الجد السخاوي عن عروس البحر بما يشبه حكايات الأساطير . وعروس البحر ـ في عرفه ـ تضاجع الريح ولا تلد إلا الإناث ، وهنيئًا لمن تظهر له . وذكر السخاوي أن حودة التيتي عشقنه جنية من البحر ، فأغرته فغاص معها في أعماق البحر وأنجبا الأولاد والبنات ، ولم يعد إلى الأنفوشي !( الفصل الحادي والعشرون).
5 ـ ولما رغب قاسم الغرياني في رسم وشم على ساعده لسمكتين وثعبان، حذره الجد السخاوي فالوشم حرام . ولما دق مختار زعبلّة وشمًا على ساعده لسمكة ، قال له : " أنتَ بهذا تغير ما صنعه الله " ( الفصل الثالث والعشرون ).
ورسم الكاتب شخصية الجد السخاوي بعناية ، فجعلها مؤثرة في الآخرين ، ولها مكانتها لدي الصيادين .. تشعّ ضوءها إلى الخارج ، ولا ينعكس ضوء عليها ، بمعنى أنها تؤثر في الآخرين ولا تتأثر بهم ، أو أن الكاتب لم يُبٍنْ هذا الأثر .. فالضوء الصادر من سكن السخاوي ، يحاكي الأثر الذي يتركه في نفوس الناس . فهو يرشد الراكشي ويدله على مواعيد قدوم وارتحال طيور الفصول ، ويمنع الغرياني من إلقاء نفسه في البحر لينقذ جمعة العدوي ، ويرتاد قهوة مخيمخ ويجالس روادها ، ولديه مخزون أسطوري عن عروس البحر التي تضاجع الريح وتلد الإناث، وعن الجنية التي عشقت إنسيا فتزوجته وأنجبا ! ويرى أن الوشم حرام لأنه تغيير فيما صنعه الله. لكننا لا نقف على خط درامي لنمو شخصيته ، أو تفصيل لحياته ، سوى ظهور المرسي أبو العباس له ، مثلما ظهر لآخرين ، أو تهيأ لهم أنهم رأوه .. إلا أن السخاوي لم يكن وليا من أولياء الله الصالحين . كان عونًا للصيادين. لكن الكاتب لم يتحدث عنه بإفاضة ، مثلما تحدث عن مشايخ الصيادين السبعة ، أمثال : الحاج قنديل وعباس الخوالقة وعبد الرحمن الصاوي . والسخاوي شخصية مرموقة ذات إشعاع دافئ ، أو قل أنه يمثل الجانب الإيجابي مثل أمين عزب ، أو هو صوت الضمير ، أو هو العقل الجمعي ـ إن جاز التعبير ـ الذي تستنير به جماعة الصيادين ، قال عنه أحمد فضل شبلول : " ولعل شخصية الجد السخاوي تقترب في بعض ملامحها من عجوز بحر أرنست هيمنجواي " (20) .

د. حسين علي محمد
15-05-2007, 08:38 PM
تابع / الفصل السادس من كتاب «روائي من بحري» لحسني سيد لبيب

أما حمادة بك فهو من الأثرياء ، صاحب فرن وبيت ، ويرى أن الصدقة لأنسية حرام . نجا من الموت غرقًا أكثر من مرة . رشح نفسه للانتخابات فسقط وأدرك أن للانتخابات رجالها .
أما الحلاق محمد صبرة ، فقد حرص على اقتران اسمه بالأثرياء ، أمثال حمادة بك والحاج قنديل وعباس الخوالقة وعبد الرحمن الصاوي والشيخ طه مسعود , يداوي مرضاه بالأعشاب . يداوم على قراءة الكتب القديمة . وهو مولع بتركيب الأدوية ، وتعلم إجراء عملية الختان في المناسبات الدينية .
وقد اختار محمد جبريل اسم ( أبو العباس ) عنوانًا للجزء الأول . يقول عنه : " أما المرسي أبو العباس ، سلطان الإسكندرية وحاميها ، فإنه الرمز للإسكندرية كلها : اقروا الفاتحة لابو العباس .. يا إسكندرية يا أجدع ناس .. الزفاف يظل ناقصًا ما لم تسبقه جولة للعروسين وأصدقائهما حول الميدان المواجه للجامع سبع مرات ، وكرامات السلطان في حوائج الغلابة والمنكسرين من أبناء الإسكندرية والمدن المجاورة ، لا تقل عما يعتقده أبناء القاهرة ـ والمترددين عليها ـ في أم العواجز وزين شباب أهل الجنة والشافعي والرفاعي وأولياء الله الصالحين " ( 21 ) .. فأبو العباس يمثل الرمز الديني الذي يتجه الناس إليه . إنه الملاذ والوسيط لقضاء الحوائج . يتحلق الناس حول ضريح الإمام ، يستلهمون منه الإرادة والعزيمة .
يتحدث الكاتب في الفصل الثاني عن حلقات الذكر بعد العشاء ، وأحاديث الناس مع الإمام في أمور دنياهم . يتقلد الشيخ طه مسعود إمامة مسجد أبي العباس . وتتصدر الفصل السادس والعشرين مقطوعة عن أبي العباس ليلة وفاته . ذهب يودع أخاه ، ثم قدم إلى مريده أبي عبد الله الحكيم بأشموم ، ثم ودع أخاه وعاد إلى الإسكندرية يقضي بها ليلته ثم لحقته الوفاة . تذهب أنسية إلى ضريحه ، تستغيث به ، وتقدم رسالتها الثانية والثلاثين ، تطلب فيها أن يبعدها عن الطريق الحرام ، وفي طريق عودتها شهقت لرؤيته ،فطمأنها بأن مشكلتها لها حل . ثم ذهب متلاشيًا كأنه لم يكن ‍‍‍‍.
في الفصل التالي ، وصف لليلة التاسعة ، آخر ليلة في مولد السلطان ، بطريقة الكاتب المعتادة في حشد عدد كبير من الناس ، ومن الأشياء والعلامات المميزة ، حتى أنه لا يفوته شيء .‍ ووصف عملية الختان التي تفرغ لها الحلاق . ويروي الحاج قنديل أن حمادة بك نجا من الـموت ببركات مولانا السلطـان . وفي الفصـل الأخير بيان بكرامات السلطان ومكاشفاته ، وروايات أشبه بالمعجزات ، مثل أنه كان يمشــي على الماء ويطير ويمسك النار ويحتجب عن الأبصار . وكان يرى الكعبة من موضعه . ويتحدث الإمام عن أبي العباس الذي ظهر فجأة .
تقترب أنسية من المقام توشك أن تقبل قدميه ،فيزجرها الإمام . ويحكي الحاج قنديل كيف جاءه أبو العباس وهو جالس أمام دكان الحاج محمد صبرة ، وكان الحاج قد اعتذر عن عدم التوسط للإفراج عن الراكشي،أتـــــاه المرســي أبو العبــاس واقتعــد كرسيا وقال له : " والعافين عن الناس " ( 22 ) .. وقال أيضا : "لماذا تحاربه في رزقه ؟! " ( 23 ) .. ومضى .. وقد انتظر السلطان حمادة بك على ناصية شارع سيدي داوود، وقال له : " المرأة أنسية أولى بأن تسكن هذا البيت " ( 24 ).. ونصحه الإمام : " نفذ ما يقضي به مولانا السلطان ! " ( 25 ) .. وتحدث عباس الخوالقة عن ظهور السلطان يطوف بأرجاء الجامع . وغادر الرجال الجامع واستكانوا إلى رأي الإمام بأن ما جرى كان حلما ، توزع على الفضلاء من أبناء الحي . ويثور سؤال ملح : " هل كان ما جرى حلما، أو أنه شيء آخر ، ينتسب إلى معجزات سيدنا السلطان ؟! " ( 26 ).
.. وفي رواية ( أبو العباس ) شخصيات أخرى كثيرة . والملاحظ أن محمد جبريل يحفل بعالم الرجال، ويغفل دور النساء، إلا فيما ندر. وإذا استثنينا ( أنسية)، المرأة الوحيدة التي حفل بها ، لا نجد دورًا مهما لأية امرأة ذكرها عرضا . وأنسية نموذج لامرأة سخرت جسدها لإمتاع الرجال، نظير أجر، وما من رجل إلا جامعها . وهي تتوق إلى التوبة من حياة الدنس ، فتلجأ إلى الشيخ أمين عزب ، ثم تلجأ إلى مقام السلطان أبي العباس ، تطلب الإنصاف والشفاعة والعون ، وكل أملها أن يترك لها حمادة بك البيت لتقيم فيه ، إلا أن الشيخ أمين عزب نصحها بأن تترك حياة الحضيض ، وتخدم في البيوت ، فهذا أرحم ، أو ترجع إلى أسرتها الطيبة . وهي تود التوبة عن المعاصي . تأمل أن يتزوجها سيد الفران . ولما ساعدها عبد الرحمن الصاوي في الابتعاد عن كل ما يسئ إلى الإسلام ، عاب عليه حمادة بك ذلك ، فالصدقة في عرفه لأمثالها حرام ‍ ‍‍‍.. وفي طريق عودتها شهقت لرؤيته ، فطمأنها بأن هناك حلا لمشكلتها ، وذهب متلاشيا كأنه لم يكن ‍ .. وحين ظهر أبو العباس لحمادة بك ، نصحه بأن يترك البيت لأنسية ( 27 )..فأنسية احترفت البغاء لتعيش ، لكنها تتمنى بيتًا يؤويها ( بيت حمادة بك ) وزوجًا يسترها ( سيد الفران ) ، وأحبت أن تتوب عن المعاصي فسعت إلى ذلك سعيًا جادا . لجأت إلى الشيخ أمين عزب ، وإلى مقام أبي العباس ، لكن مجتمع الرجال لا يرحم . هذه هي المرأة الوحيدة التي اضطلعت في الجزء الأول بدور رئيسي .
ويشبه محمد جبريل في هذا الكاتب الأمريكي ، الأرمني الأصل ، وليم سارويان في ولعه برسم شخصيات من الرجال ،وإغفال المرأة ( 28 ) .. وإن اختلفا في المرحلة العمرية للذكور ، فمحمد جبريل يحفل بعالم الرجال ، وهم في الغالب متزوجون ، وسارويان يحفل بصغار السن الذين يتطلعون إلى الحياة والمستقبل . وثمة شخصيات نسائية أخرى ذكرت عرضا ، في معرض اهتمامه بالرجل .. نذكر زوجة الراكشي مثالا ـ لاحظ أنه أغفل اسمها ـ يقول الراكشي للمرأة المستلقية على طرف السرير ـ يقصد زوجته ـ : " اليوم أحسن " ( 29 ) .. وطلب منها ألا يلعب الأولاد خارج البيت خوفا من المظاهرات. سألته أم الأولاد مشفقة : " هل تنوي ترك مهنتك ؟‍‍‍‍‍‍‍ ‍.. نحيا على نقود الطير معظم أيام السنة .. ولولا الحاجة ما نزلت البحر .. إذا غضب منك الحاج قنديل .. لن يقبل بقية المعلمين أن يتعاملوا معك " ( 30 ).. ويحلم بامتلاك قارب فيقول لزوجته :" المصيبة أني أكلم نفسي .. فماذا تفهم امرأة غبية مثلك ؟‍ " ( 31 ) . فزوجة علي الراكشي هي المرأة التي لا نعرف اسمها ، فقط نتعرف عليها منسوبة إلى زوجها ..فهي المرأة المستلقية على طرف السرير، وهي أم الأولاد ، ويصفها زوجها بأنها امرأة غبية لا تفهم ما يقول .. كل همها اللقمة والمستقبل الآمن ، وهو مستقبل محدود متواضع لا يجاوز ظلها ‍.
وكما لم تحفل الرواية ( أبو العباس ) بعالم النساء ـ باستثناء أنسية ـ لم تحفل أيضا بمعاني الحب .. فلم نجد شيئا يذكر عن لواعج النفس ، وخفقات القلب .. كأنما قست قلوب الصيادين وأضرابهم ـ باستثناء حادثة غرق جمعة العدوي ـ وكل ما يشغلهم السعي للرزق وإرضاء النزوات العابرة، واللواذ بالمشايخ وأولياء الله الصالحين . وتضمهم قهوة مخيمخ وغيرها . واكتفى الكاتب برسم شخصية أنسية لإمتاع الرجال ‍ .. وهناك حديث عن خطيئة عبد الرحمن الصاوي ، واعترافه لابنه سلامة بأن أمه كانت على علاقة ( بمكوجي رجل ) .. وذكر سكينة التي واجهت سلامة بأنه ليس شقيقًا لها .. وتخون يسرية زوجها المسافر .. فدور المرأة ثانوي هنا ويأتي ذكرها لإرضاء نزوات الرجل وخدمته، وتأكيد زلات المرأة ، ولم نجد هنا اغتصابًا لامرأة ، وإنما هي رغبة الأنثى في أن تضاجع رجلا ، مما يعد ظلما للمرأة .. لم يتمثل هذا الظلم في شخصية (أنسية ) فحسب ، وإنما يمتد إلى الأسماء التي وردت ولعبت أدوارًا هامشية ‍ . ولعل قصد الكاتب أن يصور حقبة، أو أن مجتمع الصيادين ملئ بهذه الصور .. إلا أن إهمال أو إغفال عاطفة الحب من الملاحظات التي نقف عندها ونضع علامات استفهام حائرة ؟‍؟
ومثلما يحفل جبريل بدور الرجل ، يحفل بالمكان أيضا ، يصفه ويرسم خريطة لحي بحري بالإسكندرية ، ويذكر الجوامع والمساجد والأضرحة والأولياء ، ويذكر المقاهي ، ولا ينسى ذكر أسماء الشوارع ، وكورنيش الإسكندرية الذي أنشأه صدقي باشا .
الهوامش :
1-محمد جبريل : أبو العباس ـ ص 75.
2-المصدر السابق ـ ص 67.
3-المصدر السابق ـ ص 104.
4-المصدر السابق ـ ص ص 105، 106.
5-المصدر السابق ـ ص 184.
6-المصدر السابق ـ ص ص 170،171.
7-محمد جبريل : حكايات عن جزيرة فاروس ـ ص ص 61 / 64.
8-أبو العباس ـ ص 207.
9-المصدر السابق ـ ص 211.
10-نفسه.
11-المصدر السابق ـ ص 217.
12-المصدر السابق ـ ص 261.
13-نفسه.
14-نفسه.
15-المصدر السابق ـ ص 265.
16-نفسه.
17-المصدر السابق ـ ص 266.
18-المصدر السابق ـ ص 148.
19-المصدر السابق ـ 172.
20-مجلة ( راقودة ) : عدد 8 ـ يونيو 1999 ـ مقال أحمد فضل شبلول ـ ( محمد جبريل في " رباعية بحري") ـ ص 91.
21-حكايات عن جزيرة فاروس ـ ص ص 79، 80.
22-أبو العباس ـ ص 265.
23-نفسه.
24-المصدر السابق ـ ص 266.
25-نفسه.
26-المصدر السابق ـ ص 267.
27-المصدر السابق ـ ص 266.
28-وليم سارويان : مجموعتا قصص : ( سبعون ألف آشوري ) و ( ابن عمي ديكران ) ـ ترجمة : حسني سيد لبيب ـ دار الصداقة للترجمة والنشر والتوزيع ـ حلب 1994م.
29-أبو العباس ـ ص 8.
30-المصدر السابق ـ ص 13.
31-المصدر السابق ـ ص 15.

د. حسين علي محمد
15-05-2007, 08:39 PM
الفصل السابع من كتاب «روائي من بحري» لحسني سيد لبيب

ياقوت العرش
................

الرواية في جزئها الثاني ( ياقوت العرش )، مليئة بالحكايات والأساطير النابعة من اعتقادات شعبية، كما أنها مليئة بكرامات الأولياء، وواضح أثر أبي الحسن الشاذلي وتلاميذه على المعتقد الديني لدى البعض. يلقي الكاتب أضواء كاشفة على الشخصيات، ويفسر سلوكهم، ويدفع بالأحداث إلى التطور والتنامي، وإلى الانحدار والتردّي أحيانًا. فأنسية ـ مثلا ـ ترى ياقوت العرش في منامها، وقد ابتعدت عن المعاصي، وصدّت كل من حاول النيل منها. وخصص لها سيد الفران مصروفًا تنفق منه، بعد ما وجد مصدر رزق يتعيشان منه، بإقامته كشكًا يبيع فيه أدوات المراكب والصيادين. وبدأنا نقترب من الشخصيات ـ رغم كثرتها ـ ونحن أكثر فهمًا وأقدر على الولوج إلى عالم محمد جبريل والتعايش معه في منطقة بحري، كأننا نسكن في المنطقة ونتعايش مع ناسها.
فمثلا الجد السخاوي الذي عرفناه يخاف على رفاقه الصيادين ولا يضن عليهم بحنكة السنين، دون أن نعرف شيئا عن حياته، بدأنا نتعرف عليه ونقترب منه أكثر. ويتمثل الجد السخاوي صوتًا للضمير اليقظ، يردّ الناسّ عن أخطائهم ونزواتهم بعبارات مغلفة بالحكمة النابعة من تجارب السنين الطويلة التي عاشها. فقد عمّر طويلا، ويذكر تجديد جامع أبي العباس في ديسمبر 1929 .. وعُرف عنه أنه يمضغ الطعام جيدًا ولا يشبع، ويستغني عن طعام العشاء، ويقلل من مجامعة زوجته، ويفضل السير على قدميه، ويعود بالبلانس إذا صادف ما يدعو للتشاؤم. والبحر بيته. وثمة مقارنة ذكية بينه وبين الغرياني، فهما يختلفان في كل شئ، ويتفقان في حب البحر، أو هما الزناتي وأبو زيد، كل منهما عظيم في ذاته، لكنهما أصبحا عدوين ( 1 ).
يعقد الكاتب مزاوجة بين الهم الشخصي والهم العام، فتيار الأحداث الوطنية ينعكس على أهل (بحري)، سواء بالسلب أو الإيجاب . فالغرياني سرق فخذة لحم من عربة جيب إنجليزية فسجنوه، وبرر فعلته بأنهم يسرقون البلد ، فماذا لو سرقنا طعامهم ( 2 ). ويصف الكاتب مظاهرة تهتف بسقوط معاهدة 36، وتنادي بالاستقلال التام أو الموت الزؤام، فيتصدى العساكر للمتظاهرين، ويصاب مصطفى عباس الخوالقة ابن الرابعة عشر، ويكون محل فخر لأنه تظاهر ضد الحكومة( 3 ). ويتحاور رواد المقاهي حول المظاهرات التي عمت الإسكندرية، وأرجعوا سببها إلى التخاذل في المفاوضات، وانهيار أسعار القطن، وكادر الموظفين، والبطالة.. وهتف المتظاهرون بسقوط النقراشي، وحثوا النحاس على قيادة الثورة. وهي مظاهرة فريدة، إذ ضمت الشرطة مع الشعب في تلاحم آسر( 4 . ودعت أم محمود ـ زوجة عباس الخوالقة ـ على الملك والحكومة، وعلى ابنها مصطفى الذي كاد يحرق قلبها باشتراكه في المظاهرات والإضرابات ( 5 ). كما علل الناس وباء الكوليرا الذي اجتاح البلاد إلى أغذية ملوثة في معسكرات الإنجليز بالتل الكبير( 6 ).. وقيل أنها أفاعيل الإنجليز، بدليل ظهورها في ( القرين )، كما قيل أن الإنجليز دسوا المرض في الزبالة !( 7 ). ودعا إمام أبو العباس لخوض الحرب، ثم طلب من المصلين تأدية صلاة الجنازة على الشهيد عبد القادر الحسيني، وهو قائد فلسطيني قتله اليهود، وهو يدافع عن مدينة (القسطل) ( 8 ). وقيل أن الإخوان المسلمين ذهبوا إلى فلسطين لتحويل المتطوعين إلى جيش مسلح يدخلون به القاهرة ( 9 ). وأصدر الملك أوامره بدخول فلسطين، وثمة حديث يتناقله الناس عن الحرب والقنابل والغارات والأضواء الكاشفة والمخابئ والهجرة إلى الريف، وتفاؤل بأن النصر للعرب لأن أعدادهم هائلة !( 10 ). كما اندلعت المظاهرات بسبب تقسيم فلسطين وطلاق فريدة من الملك ( 11 ).
وواضح أن الرباط الدرامي بين الأحداث التي تمر بها البلاد وسياق أحداث الرواية رباط غير قوي، فباستثناء اهتمام حمادة بك بترشيح نفسه في الانتخابات، واشتراك مصطفى الخوالقة في مظاهرة، نجد المظاهرات وأحداث الوطن ترد على ألسنة رواد المقاهي أو ألسنة الناس.لعل جبريل يحذو حذو نجيب محفوظ في احتفائه ( بأدب المقهى )، أو ثرثرة الرجال في المقاهي ( 12 )، وإن اختلفت الصياغة وطريقة المعالجة الفنية بينهما. إلا أن جبريل لديه مخزون أسطوري من الحكايات الشعبية عن عروس البحر والجنية والعفاريت، وإن تمثل البحر لدي البعض أسطورة كبرى مليئة بالحكايات والألغاز، وتمثله آخرون ممتدًّا باتساع الكون وآمال الإنسان في الحياة ، والمثل في هذا نجده عند الجد السخاوي ومختار زعبلة وغيرهما. حتى صبية المدارس، يترسب في نفوسهم مخزون قصصي عن حكايات عروس البحر يتأثرون به. إنهم يعودون من الشاطئ قبل الغروب، حتى لا تطلع عروس البحر وتصطحب الرجال إلى الأعماق، والفواجع في هذا كثيرة. غرق الرجال حوادث تتكرر من حين لآخر. وأصبح الموت يشكل اللغز الغامض الذي يؤرق الإنسان. ويشكل لدى الكاتب علامة استفهام كبرى، على المستوى الروائي والمستوى الشخصي أيضا .. يقول محمد جبريل عن الموت : " الموت همّ رئيسي في العديد من أعمالي. بل إن الموت هو الحدث الرئيسي في روايتي ( اعترافات سيد القرية ) عندما يمثل الإنسان أمام محكمة الآخرة، ليجيب عن أسئلتها الاثنين والأربعين، فيحاول تبرئة ساحته، حتى لا يواجه مصير الخاطئين!.. " ( 13 ). ويقول في موضع آخر : " أوافق أستاذنا يحيى حقي على أن الخط الأصيل في الكون هو القوس، وليس الخط المستقيم. الحضارات تبدأ وتزدهر، ثم تضمحل، وتذوي. الشمس، تشرق وتعلو في السماء حتى تتوسطها، ثم تبدأ في المغيب. الطفل يكبر فيمسي شابا، ثم يكبر فيمسي شيخًا ينتظر الموت، قوس محكم صارم.. " ( 14 ) .
وأثر الموت عند الكاتب لا يقتصر على مقولات نستشهد بها فحسب، وإنما يمتد هذا الأثر إلى معظم أعماله الأدبية، وإلى سيرته الذاتية التي ضمنها كتابه ( حكايات عن جزيرة فاروس ) وروايته التسجيلية ( الحياة ثانية ).
وكما رأينا في الجزء الأول من الرباعية، يمثل الموت الفاجعة الإنسانية، فيتناوله بشفافية وشجن وأرق ، كما لمسنا في غرق جمعة العدوي. وفي (ياقوت العرش ) فواجع ومآس كثيرة، يشخص فيها الموت بطلا أساسيا لمعظمها. وفيما يلي نذكر أهم الفواجع التي احتواها الجزء الثاني :
1 ـ غرق البهاء ( 15 ) :
كان الأب إسماعيل سعفان قد ابتلي بموت زوجته في انهيار البيت عليها، فترك فدادينه لأخيه الأصغر، وارتحل إلى الإسكندرية ليحيا بالقرب من أولياء الله، فاختطف البحر ابنه الوحيد. يصف ابن الراكشي الحادث بقوله : " رأى عروس البحر تختطف الصغير لتجعله ابنًا لها في مدائن الأعماق. كان محمد يسبح بالقرب منه. وكانا يعبثان، ويضحكان، ويصرخان في نشوة، عندما أتت الموجة، فأبعدت بينهما. غطس البهاء، وقب، وغطس، وقب، وصرخ، واستغاث بيديه.اجتذبته من داخل الموجة امرأة، تيقن محمد أنها عروس البحر. أطلق البهاء ثلاث صرخات، وصخب الموج من حوله. ثم اتسعت الدوائر الضيقة، حتى اختفت. وهدأ الموج، وحل الصمت. كأن الموج علا ليبتلع الولد، لتنفذ عروس البحر من داخله فتأخذه إلى دنيا الأعماق " ( 16 ). وأثار الكاتب تساؤلات عديدة عن غرقه. ثم صوّر حال الأب المكلوم، وقد خلا إلى المصحف ودلائل الخيرات، وأحب المشي وسماع الشيخ محمد رفعت، والجلوس على سور الكورنيش، ويبدي قلقًا للأصوات المرتفعة.
وعن عروس البحر، يرى أبناء مدرسة البوصيري أنها اصطحبت البهاء إسماعيل سعفان، وسباعي سويلم، وحودة التيتي، والمليجي عطية، وجمعة العدوي. وقال مصطفى أنه رأى عروس البحر تمشي على سور الكورنيش رأسها لامرأة وذيلها لسمكة ( 17 ). وقال إسماعيل سعفان في ألم : " بحركم لا قلب له!.. ابتلع البهاء فقتلني! " (18 ).
2 ـ الشوطة :
هي وباء الكوليرا الذي اجتاح البلاد في الأربعينيات ـ وتسمى أحيانا ( الهيضة ) ـ كما قال الجد السخاوي. وقد أصابت الناس بالرعب والهلع، وتذكرنا بما كتبه ألبير كامي في رواية ( الطاعون ). ضعفت حركة البيع، وأعدم الطعام المكشوف، ودفنت الجثث في الجير الحي، وأحرقت البيوت التي توفي ساكنوها. قلق الناس من اقتراب الموت إلى منطقة ( بحري ). وأرجع إمام جامع علي تمراز ذلك، إلى نسيان الله والدين والشرع، والإقبال على الدنيا ( 19 ).
ولعل أبلغ وصف لهلع الناس وجزعهم ما قيل عن الحاج محمد صبرة الحلاق الذي " أخذته لوثة، فراح يعمل بمقصه في الهواء أمام الدكان.. المسكين!.. يريد أن يقص الميكروبات قبل أن تدخل دكانه! " ( 20 ).. بهذا التصوير البليغ عبر الكاتب عن جزع الناس ويأسهم من درء خطر داهم مرتقب، حتى ظنوا أن يوم القيامة اقترب. ورأى السخاوي أن بركة الأولياء هي التي ستنقذهم. وطفق جابر برغوت يكتب أدعية وإشارات وأسماء الله الحسنى وأسماء ملائكة وآيات قرآنية ورسم أشكالا ومربعات سحرية ( 21 ).
3 ـ موت مصطفى عباس الخوالقة عند أخواله في دمنهور ( 22 ):
4 ـ إصابة دياب أبو الفضل:
كان دياب ينظف السمك في الحلقة، فهوى الساطور على أصابعه( 23 ).
5 ـ موت التميمي :
تعددت الآراء حول موته، منها أن وفاته كانت لإفراطه في الجماع، ومنها أنه دخل جامع ياقوت العرش وهو مسطول( 24 ).
6 ـ نوة الغطاس :
الأمواج جبل حقيقي من الماء يتحرك.. " كورت النوة قبضة الشراسة، وتوالت ضرباتها. هبت بصفير كالنواح. بدا البلانس في الترنح تحت ثقل الموجات المتتالية " ( 25 ).. قفز الجميع إلى البحر، بما فيهم الجد السخاوي، وسبحوا حتى الأنفوشي بعد غرق البلانس.
7 ـ موت يسرية ( 26 )
وهناك فضائح جنسية ذكرت ضمن النسيج الروائي، وتشكل تقلب أحوال المجتمع، الذي يضم خليطًا مختلف الأمزجة والميول…
1 ـ علاقة زعبلة بزوجة ثروت، كثير الأسفار. أسلمت له نفسها، وإن كان يشك في أنه الرجل الوحيد في حياتها! ويخشى اكتشاف ثروت لعلاقتهما المشينة، فيقتله أو يقتلها أو يقتلهما معا ( 27 ).. ويبين الكاتب حب مختار زعبلة لحكايات ثروت عن المدن البعيدة، وانعكاس ذلك الحب إلى زوجته يسرية، فحملت منه سفاحا. وحين أرادت التخلص من الجنين، قتلها الإجهاض ( 28 ).
2 ـ حديث مصطفى الخوالقة للأولاد عن ذهابه إلى كوم بكير، واصطحابه امرأة في الخامسة والعشرين ، لكنه أصيب بغثيان فهرب !( 29 ).
3 ـ عزوف التميمي عن الزواج، بعد وفاة زوجته العقيم، ثم أتـى بجمالات من كوم بكير، وتزوجها. لكنها لم ترض نزواته، فلجأ إلى الخادمات ( 30 ).
4 ـ اصطحاب صابر غجرية إلى داخل اسطبل خيل المعلم التميمي، ومفاجأة التميمي له وضربه ( 31 ).
5 ـ علاقة جمالات بفتحي الخياط ( 32 ).
6 ـ شذوذ حمادة بك ( 33 ).
نقف عند مغاليق الرواية، ونتلمس البناء الفني في احتفاء الكاتب بالأثر الديني في نفوس الناس، وهم يواجهون المحن والخطوب بالصبر والإيمان بما كتبه الله، لكنهم يقفون عاجزين أمام الموت، فيلوذون بالحكايات الخرافية والأساطير الشعبية، في محاولة لتفسير الغيبيات، وإن كانت كرامات الأولياء تسد الفراغ النفسي . والعلاقات الجنسية غير المشروعة تعد بالنسبة لهم فضائح جنسية، تأتيهم من كوم بكير، فهي أشبه بغزوة من خارج هذا الحي المتدين.. وهناك مهجة بنت المعلم عباس الخوالقة، ومرضها النفسي.. لم ينفع دواء الطبيب الأرمني، ولا أعشاب الحاج محمد صبري، ولا علاج الأسياد، ورقية الكردية نظلة. ويؤكد جابر برغوت أن هشام الذي تقدم لخطبتها رضع من ثدي زوجته. أوصت الكردية بالزار، ثم رأت أن تصنع رقية تخرج العين الحاسدة من جسمها ( 34 ). لجأ عباس الخوالقة إلى جابر برغوت لما عرفه عنه بأنه شفى ما هو أقسى من مرض مهجة.. فبرغوت له باع كبير في السحر والطب الروحي. كما أنه يرفض كتابة أعمال سحرية للضرر والإيذاء، ويوجهها لأعمال الخير والشفاء، والمصلحة والهداية، مستعينًا بآيات قرآنية.. قال برغوت أن البنت تعاني أذية سحر(35).. وصنع لها حجابًا. تقدم فؤاد أبو شنب لخطبتها، فعارضت أمها لأنه في سن أبيها. وعارض أخوها لأنها ستكون الزوجة الثالثة. لكن أباها رغب في تزويجها ليضمن حياتها، بدلا من أن يراها تموت. وتم الزواج، فحاولت مهجة التملص منه ليلة الزفاف والهرب إلى أمها، فاضطر الخوالقة إلى تطليقها!
ثمة ملاحظة عرضية حول الجزء الثاني ، منها ما لاحظناه من ورود بعض العبارات المركبة، التي قد تجهد القارئ، وبعض العبارات فيها تزيد، مثل قوله : " ومرسوم في أعلى صدغه رسم عصفور أخضر "( 36 ).. فكلمة (رسم ) زائدة..
الهوامش :
1-محمد جبريل : ياقوت العرش ـ ص 23.
2-المصدر السابق ـ ص 17.
3-المصدر السابق ـ ص27.
4-المصدر السابق ـ الفصل الخامس.
5-المصدر السابق ـ الفصل الحادي عشر.
6-المصدر السابق ـ ص 161.
7-المصدر السابق ـ ص 166.
8-المصدر السابق ـ الفصل الثاني والعشرون.
9-نفسه.
10-المصدر السابق ـ الفصل الثالث والعشرون.
11-المصدر السابق ـ الفصل السابع والعشرون.
12-حسني سيد لبيب : مقال ( قراءة في الكرنك ) ـ مجلة ( الضاد ) الحلبية ـ أكتوبر 1977.
13-محمد جبريل : الحياة ثانية ـ ص ص 63، 64.
14-نفسه.
15-ياقوت العرش ـ الفصل الحادي عشر.
16-المصدر السابق ـ ص ص 105، 106.
17-المصدر السابق ـ الفصل الحادي عشر.
18-المصدر السابق ـ ص 178.
19-المصدر السابق ـ ص 165.
20-نفسه.
21-المصدر السابق ـ ص 167.
22-المصدر السابق ـ ص 168.
23-المصدر السابق ـ الفصل الثالث والعشرون.
24-المصدر السابق ـ الفصل السادس والعشرون.
25-المصدر السابق ـ ص 217.
26-المصدر السابق ـ ص الثلاثون.
27-المصدر السابق ـ الفصل الرابع.
28-المصدر السابق ـ الفصل الثلاثون.
29-المصدر السابق ـ الفصل الخامس عشر.
30-المصدر السابق ـ الفصل السادس عشر.
31-المصدر السابق ـ الفصل السابع عشر.
32-نفسه.
33-المصدر السابق ـ الفصل السابع والعشرون.
34-المصدر السابق ـ الفصل الثالث.
35-المصدر السابق ـ ص 68.
36المصدر السابق ـ ص 21.

د. حسين علي محمد
15-05-2007, 08:40 PM
الفصل الثامن من كتاب «روائي من بحري» لحسني سيد لبيب

البوصيري
.............

يقودنا الحديث عن البوصيري إلى بردته المسماة ( الكواكب الدرية في خير البرية ). وقد أضاف الكاتب جانبا معرفيا،وأحال القارئ إلى حياة البوصيري نفسه، الذي كتب قصائد كثيرة في مدح الرسول  .. وحين أصيب بالفالج، تشفّع بها إلى الله كي يعافيه، وكرر إنشادها وهو يبكي ويتوسل .. إلى أن رأى الرسول الكريم في رؤيا، وأنشد أبياتًا من البردة .. وعند ما بلغ القول :
فمبلغ العلم فيه أنه بشر،
توقف، وخلع الرسول الكريم بردته عليه. وبذلك رقّي " إلى مرتبة لم يبلغها أحد من السادة الأولياء، أو ذوي الكرامات. رؤية الرسول لا يدانيها شرف .. " (1) . وقام من نومه معافى البدن .
واستطرد الكاتب في ذكر فائدة البردة .. " لكل بيت منها فائدة. بيت أمان من الفقر، وبيت أمان من الطاعون، وبيت يشفي من الصداع والأوجاع، ولها فوائدها في التمائم والأحجبة. تعلق على الرءوس، وتحقق الكثير من أنواع البركة، وتلتمس الفرج من كل ضيق " (2) . وتسمى البرأة " لأنها تشفي من الأمراض، وتفرّج الكروب " (3) . ويضفي الكاتب أهمية بالغة لرؤيا البوصيري، فيردف: " حين يظهر الرسول في منام امرئ، فإنه يكون قد ظهر فعلا، لا حلم ولا توهم. هو الرسول حقيقة، وما يقوله هو قول الرسول. من رآني في المنام، فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل بي " (4) .. تمتد الإحاطة بالبوصيري وبردته إلى صفحات طويلة، ويلتحم البعد الديني الصوفي مع نسيج الرواية، ويتساوق معه، فيبدو الثوب متجانسا، ومتوائما مع ميل الكاتب إلى استدعاء الإرث الديني، ذلك الكنز الروحي الضخم الذي تتميز به منطقة ( بحري)..
يقود الكاتب خطانا إلى المكان الذي اختاره مسرحًا لأحداث روايته. يحدد المكان ويصفه ويبرز أهميته، جاعلا القارئ لصيقًا به، عاشقًا له. يتصدر الفصل الأول من رواية ( البوصيري ) إشارة إلى أماكن كثيرة.. يذكر زاوية الرصيف، والمقهى، والنافذة المطلة على سيدي الأباصيري، وكشك السجائر على ناصية الطريق المؤدي إلى الميدان، وجدران الشرفة، والميناء الشرقية، والباب الخلفي لجامع البوصيري، والماسورة الملاصقة لجدار الشرفة، والأفق البعيد .. ولو تتبعنا الرواية كلها ، بأقسامها الأربعة، لرأينا احتفاء الكاتب بالمكان سمة يتكئ عليها في الصياغة، فالمكان منطقة جذب لأبطاله، وللقارئ أيضا. هو يحدثك عن المكان ، ولا يملّ الحديث، حتى يجعلك شديد القرب منه، أو أنك مقيم فيه .. وبذلك حقق الكاتب صلة حميمة بين القارئ وبين ( بحري ).. فخلق نوعًا من المعايشة في المكان، وعقد صلة وثيقة به، مما يجعلنا نألف المكان الذي يألف.
وفي القديم، يرمز للفارس الهمام باسم ( عنتر ) المشهور في الحكايات العربية ، فيقال أنه ( عنتر زمانه ) .. وفي عرف السكندريين ، يُكنى الفتوة بـ ( أبو أحمد ) ، كما ذكر الكاتب عن حنفي قابيل الذي كان ( أبو أحمد زمانه )، ثم هدّته الأيام ! (5) .
الشخصية المحورية التي انبنى عليها هذا الجزء من الرباعية هي شخصية عبد الله الكاشف بعد إحالته إلى المعاش، وهو الموظف الدءوب على عمله، يجد نفسه فجأة خارج سور الحقانية، وحيدا ، لا زوجة ولا ولد .. والكاشف استأثر باهتمام الكاتب في الغالب، وسلط عليه الأضواء. ونقترب من صورته المميزة له ، أو ( بروفيل ) الوجه والملامح ، ذلك الرجل المولع بالبوصيري وبردته المعروفة.. يفاجئنا الكاتب في صدر الرواية بإحساس الكاشف بدنو الأجل . يعيش الرجل وحيدا في شارع الأباصيري، أمام الباب الخلفي لجامع البوصيري.. وأسهب الكاتب في وصف الجامع من الداخل. التقى الكاشف مصادفة بأنسية الذي اقترح عليها أن تعود للخدمة عنده.. وفي إحساس حاد بالعد التنازلي للعمر، يقول :
" خيل الحكومة تواجه القتل في نهاية أيامها، أما موظفو الحكومة فإنهم يكتفون بإحالتهم إلى المعاش " (6). وهو انعزالي بدرجة كبيرة ، حتى أنه يرى أنه من بحري وليس منه ! ولا يخرج من بيته إلا للعمل. يرى أن الزمن ينقضي منه دون أن يدري . اقترب من أنسية. وبدأ يتردد على الحضرة الشاذلية، ثم يعود إلى البيت وقد اشتاق إلى المرأة والأولاد، إلا أن الزواج فات أوانه وليس أمامه إلا الملل والرتابة. يعاني الوحدة الممضة. وحين عثر على قطة ، أخذها معه لتؤنس وحدته، إلا أنها انسلت هاربة، حتى القطط تتركه لوحدته. وفي اليوم التالي وجدها في يد طفل، فأدرك أن القطط تألف المكان لا البشر، ولاحظ أهمية المكان يبرزها في هذه الصورة الفنية! وليس أمام الكاشف من مهرب من وحدته التي تحاصره إلا الجلوس في المقهى، وترتيب مكتبته، والقراءة. وتبدى له البوصيري ـ كأنه يحلم ـ أمام الباب ، فأفسح له الطريق وجلس . أطال تأمله بنظرة فيض إلهي قبل أن يختفي .. كان عبد الله الكاشف يتحسس الصمت ويتنفسه ! .. يعاني الوحدة والسأم والفراغ، فيشغل وقته بالقراءة والصلاة، ويجلس إلى المقهى ، لكن هذا كله لم يمنع القلق الذي يستبد به وخشيته أن يموت دون أن يشعر به أحد ! وجسّم له الوهم صوتا آتيا من النافذة .. " أقنع نفسه بأنه نبش قطة في الزبالة. أصاخ السمع، فرجح أنها عضعضة كلب في قطعة عظم. ثم خمن أنها هبة هواء مفاجئة. ثم خاف أن يكون الصوت من خدع الشيطان " (7) . يتصاعد إحساسه بالخوف في صور سريعة متلاحقة " نبش قطة في الزبالة / عضعضة كلب في قطعة عظم / هبة هواء مفاجئة / صوت من خدع الشيطان .. هذه الصور السريعة تعكس النبض السريع لقلبه المرتجف والتخيل السريع لهيئة الصوت .. إنها الوحدة المستبدة التي تقلبه من حال إلى حال .
ثمة شيء في داخله يخوفه ، يتوقع ما لا يتخيله، ولا قبل له على مواجهته "(8) .. وحدة تؤدي إلى الخوف ، والخوف يؤدي إلى تصور أشياء لا وجود لها. يهرب من البيت إلى الشارع.. يلجأ إلى الله، حيث طمأنينة النفس بالبسملة واستدعاء الآيات المنجيات وأسماء الله الحسنى. زوّج أختيه نبيلة وعلية . تزوجت نبيلة زميلاً له في الحقانية . وتزوجت علية جار الطابق الثاني ، وحين أحيل إلى المعاش، اصطحب علية وعاشا في قريته تاركين الكاشف في وحدته، فبدت الشقة قبرا. اقترحت أخته علية أن يعيش في قريتهم ( بركة غطاس )، لكنه تعلل بأنه لا يعرف أحدا فيها ! واقترحت علية ـ أيضا ـ أن يتزوج صديقتها إقبال .ولم يظهر حماسا للفكرة .
يهرب من كل هذا وينضم إلى الحزب . ويشدنا الكاتب إلى الوضع السياسي في مصر في تلك الفترة. شارك الكاشف في الدعاية الانتخابية لجمال كاتو مرشح الوفد. وبعد نجاحه، عاد الكاشف إلى وحدته. وقد أفاد من الدعاية حيث تعرف على حي بحري وازداد قربا منه. ولما سأله صديقه إبراهيم سيف النصر : لماذا لم تتزوج ؟ أرجع ذلك إلى القسمة والنصيب. وقد انتقل الجو الروائي من اهتمام بالكاشف وغيره من الشخوص إلى نقل الحالة السياسية للبلاد، وسخر نماذجه البشرية وسيلة يتعرف منها القارئ على التقلبات السياسية التي مرت بها مصر في تلك الفترة. وأقحم الكاشف للاشتراك في المظاهرات ، وجرح من ضربة قايش ، فتورمت جبهته. وفي نهاية الرواية يعلن الكاشف عن رغبته في أن يعيش في قريته بركة غطاس.
سلط الكاتب الأضواء على جابر برغوت، راسما أبعاد شخصيته، التي تعتبر امتدادا طبيعيا لشخصية علي الراكشي. وقد تأثر كثيرا لوفاته واعتبره وليا.. ولو أمدّ الله في عمره لأصبح قطب غوث، وأستاذا وشيخا يهتدي به (9) . يتحدث الكاتب بإفاضة عن جابر برغوت، الذي " هجر الخدمة في جامع ياقوت العرش، وحمل قربة ماء يطوف بها شوارع الحي. يروي منها العطشى ظمأهم. قبل الصدقة، وإن لم يطلبها " (10) .. ألزم نفسه بالمجاهدة، وسعى للقاء سيدي الأنفوشي ـ كما أمره ياقوت العرش ـ ولم يحاول مخاطبة ساكن الضريح. أجهد نفسه لاستحضار صورة الأنفوشي الذي لم يره. زاره في المنام، ودعاه إلى إعلان ولايته على ( بحري ) ، الذي حماه من (الشوطة ) .. لزم جابر جدار الضريح بمدرسة البوصيري .. " حتى الأولاد الذين كانوا ضايقوا علي الراكشي بتصرفاتهم، لم يكرروا ما فعلوا مع جابر برغوت. ربما لتذكر الجميع خطأ التصرف مع ولي الله الراكشي" (11). ثم ينقطع اتصالنا بجابر برغوت حتى سطور الختام ، حيث ينزع جلبابه، فبدت ثيابه الداخلية متهرئة ومثقوبة. وحين طلب منه سيف النصر أن يستر نفسه، قال : " استروا أنفسكم أولا ، أو يحل عليكم غضب سيدي الأنفوشي ! .. " (12) .
يتتبع الكاتب تطور شخصية أنسية، التقي بها الكاشف مصادفة فسألها : " لماذا لا تعودين للخدمة عندي ؟ " وكانت قد ارتضت الخدمة في بيته لقاء أجر، لكنها لم تعد تخدم الآن في البيوت. عانت من آلام الحمل والإجهاض المتكرر. تتمنى أن تلد ذكرا. لكن الأمنية مجرد ارتعاشة حلم منطفئ ‍‍‍‍.. طمأنها الطبيب .. ثمة علاج لحالتها .. ولبّى سيد كل طلباتها ، وقام بكل الأعمال . تحاشت الاختلاط بجاراتها منذ صدمتها إحداهن وذكرتها بماضيها . لجأت إلى الحجاب والتعويذة، ونذرت القيام بتسحير الناس في شوارع ( بحري )، إذا منّ الله عليها بولد . حين ترددت على بيت الكاشف تنظفه، باحت له بتأخر الإنجاب ، فعرض عليها إجراء تحاليل هي وزوجها. وأن يقرأ سيد بردة البوصيري على رأسها، فأفهمته أنه يفك الخط بالكاد. فكتب لها على ورقة تكون حجابا لها. وصف الكاتب ارتعاشة الحلم المنطفئ في نفسها التواقة إلى الخلاص، واتسم الوصف ببلاغة آسرة، تجعل القارئ يرق لها ويتعاطف معها : " تحيا بالأمل منذ يعلق الجنين في الرحم. شحذت الطفل من الله تعالى. نذرت إن ولد الجنين في موعده، وعاش، تشحذ له من المصلين على باب المرسي أو ياقوت العرش " (13) .
من الأحداث الهامة، والفواجع والمآسي التي زخرت بها رواية ( البوصيري ) نذكر :
1ـ إحالة عبد الله الكاشف إلى المعاش.. ومعاناته من الوحدة والإحساس الحاد بدنو الموت.
2 ـ تمرد محمد ابن الراكشي. يريد أن يصبح فتوة، ويتحلل من شخصية أبيه المتواكلة. وأبوه مات ولم يترك لهم ما يحيون به.
3 ـ نكوص حمادة بك عن ترشيح نفسه في الانتخابات، بسبب فوات وقت الترشيح، بسبب جريه وراء امرأة أغوته !
4 ـ شكوك حول حقيقة الأنفوشي .
5 ـ أحداث العنف السياسي : اغتيال النقراشي، وحسن البنا، ومحاولة اغتيال النحاس.
6 ـ الحكم بإعدام أدهم أبو حمد لاتهامه بقتل عسكري إنجليزي، فظل مختفيا حتى توقيع اتفاقية الاستقلال.
7 ـ معاناة أنسية في انتظار الفرج. تأخر الإنجاب فتزايد القلق النفسي.
8 ـ تخلص يوسف بدوي من لحيته، وتركه الإمامة لمن يعينه وقته، على حد قوله !
وتحول يوسف بدوي المفاجئ ، يجعلنا نقف على تفاهة الشخصية أو استبدادها دون مدلول إيماني أو منظور فكري. ورغم أنه لا غرابة في أن يمارس المرء حياته العادية، إلا أننا نندهش من تحول الشخصية التي استبدت بالآخرين، ولما شاء لها الهوى التحلل والتحرر من إسار فكري معين، فعلت ذلك دون حرج !
9 ـ حريق القاهرة في يناير 1952 ، وهو حدث تاريخي مرت به مصر.
10 ـ استشهاد ممدوح ابن إبراهيم سيف النصر، ضمن من استشهد من الفدائيين في السويس.
في ( البوصيري ) أفسح الكاتب المجال للأحداث السياسية التي توالت وتصاعدت قبيل قيام الثورة. وواضح اهتمام الكاتب بتسجيل وقائع الأحداث كعناوين الصحف، وإن نطقت بها شخوص الرواية الأساسية أو الثانوية على حد سواء. وتفاعل البناء الروائي مع الحدث السياسي كان تفاعلا هامشيا لم يثرِ الخط الدرامي، فقد جاء في صيغة خبرية لإعلام القارئ !
غلب على أسلوب الكاتب الطابع التسجيلي للواقع السياسي، الذي كان إرهاصا وإيذانا بقيام الثورة. لعله قصد هذا لأهمية المرحلة التاريخية في حياة ووجدان المواطن المصري. وقد عمد إلى الأسلوب الصحفي في تلخيص الأحداث بصيغ خبرية تركز على العموميات وتدع التفاصيل والجزئيات. يكتفي بالإيجاز حتى يمكنه حشد هذا الكم الهائل من الأحداث، وإن كان القارئ لا يستطيع استيعاب كل الأحداث، ما لم يكن ملما بها، مثل ذكره لكفر أحمد عبده، وأم صابر، عمر شاهين، والبريجادير أكسهام ..
ونجد تفاعل أبطال الرواية مع الأحداث السياسية منحصرا في الانتخابات التي تهمهم، على مستوى الدائرة الانتخابية. ونجد اهتمام عبد الله الكاشف بالانتخابات، وإن كان الاهتمام نابعا أساسا من حياة الوحدة المستبدة، هو لم يهتم بالجلوس إلى المقهى أو المشاركة الانتخابية إلا بعد إحالته إلى التقاعد، وقبل ذلك لم ينشغل بشيء غير عمله وتزويج أختيه.. حتى أنه لا يعرف حي ( بحري ) الذي يعيش فيه كأنه ليس من ( بحري ) !
ونجد علاقة بحري بالأحداث تتمثل في استشهاد ابن إبراهيم سيف النصر. كان ممدوح فدائيا يشارك في مواجهة الإنجليز في خط القنال ، أنيطت له مهمة في السويس. تلقى الأب نبأ استشهاده برباطة جأش.. " سافر إلى منطقة القناة، وترك ورقة يعتذر فيها، ويطلب الدعوات. مات في منطقة وابور المياه. معركة بين الأهالي وقوات الإنجليز، شارك فيها كتائب الفدائيين. استشهد خمسة فدائيين، وكان ممدوح واحدا منهم .. " (14) .
الهوامش :
1-محمد جبريل : البوصيري.
2-المصدر السابق ـ ص 58.
3-المصدر السابق ـ ص 54.
4-المصدر السابق ـ ص 56.
5-المصدر السابق ـ ص 19.
6-المصدر السابق ـ ص 52.
7-المصدر السابق ـ ص 172.
8-المصدر السابق ـ ص 173.
9-المصدر السابق ـ فصل ( مسافر بلا زاد ).
10-المصدر السابق ـ ص 134.
11-المصدر السابق ـ ص 157.
12-المصدر السابق ـ ص 282.
13-المصدر السابق ـ ص 92.
14-المصدر السابق ـ ص 262.

د. حسين علي محمد
15-05-2007, 08:41 PM
الفصل التاسع من كتاب «روائي من بحري» لحسني سيد لبيب

علي تمراز
..............

في الجزء الرابع لا يحدثنا كثيرًا عن تفاصيل حياة علي تمراز. وهو ولي آخر يلجأ إليه الناس في الشدائد والملمات. وإن لجأ إليه جابر برغوت لعله يجد عنده البشارة، لكن " علي تمراز مجذوب بدا منه ما يشبه الكرامات في وقت حسن باشا الإسكندراني ، فأمر بإنشاء هذا الجامع باسمه " ( 1 ). وقال عنه الشيخ عبد الحفيظ وهو إمام المسجد: " علي تمراز لم يكن وليا .. إنه مجذوب أخلص في محبة الله " .
ولعل جابر برغوت هو الشخصية الرئيسية في ( علي تمراز )، الذي ألف الناس رؤيته أمام مدرسة البوصيري لصق الضريح. يروى عنه أنه مُجاب الدعوة، يطوف بالمبخرة يبسمل ويحوقل.. " انسلخ من حوله وقوته، لبسه سيدي الأنفوشي. ظهر له في المنام، وأنبأه أنه سيركبه كما يركب الجواد. يتكلم باسمه، وينطق كلماته " ( 2 ). وأصبحت لجابر كرامات وشطحات وخوارق !.. يلجأ إليه الصيادون في شدائد البحر ومضايق البر وتتسلل إليه الحوامل ليضع يده على بطونهن، فيعرفن منه إن كان ما يحملنه ذكرًا أم أنثى. وتتردد أوصاف ذات دلالات صوفية ، كما هي عادة الكاتب كلما يمم وجهه شطر الصوفية ، يقول عن جابر : " يعاني الإحساس بالحنين والذبول والإحباط والعجز والغربة والوحشة والهزيمة والاضطهاد والقهر والجدب " ( 3 ) . وتتراكم مثل هذه الصفات لترسم صورة للغارق في الاتجاه الصوفي، ويعزله عن دنياه.. وقد فاجأ برغوت الناس يومًا بعصا ينهال بها قائلا : كيف ستواجهون عذاب يوم عظيم ؟! ينسلخ عن دنياه، يقول عن نفسه : " أعوذ بالله أن أدّعي الولاية .. أنا خادم الأولياء ! " ( 4 ) . وهو يسير على درب الصوفية منذ ظهر له ياقوت العرش وأمره واختفى .وأتاه هاتف بأنه ربما يجد البشارة في علي تمراز، فأكثر التردد على الجامع. وطالت جلسات برغوت بجوار مقام علي تمراز، ولوحظ أن المكان الذي يجلس فيه يظل مضاء حتى الصباح ! واعتبر ظهور قناديل البحر نذيرًا بيوم القيامة.. ويسترسل الكاتب في الإفاضة عن حالة الوجد التي يمر بها جابر برغوت، وطاعته للأولياء، وإن لم يذق ما ذاقوه، ولا عرف ما عرفوه. وانتظر جابر ظهور ولي الله الأنفوشي . ثم يفاجئنا الكاتب في نهاية الرباعية ، وبعد قيام الثورة، بسفر جابر برغوت إلى القاهرة، تاركًا ( بحري ) بناسه ومقامات أوليائه، وإن كنا لا نجزم بأن ثمة علاقة بين قيام الثورة وسفره المفاجئ .. إلا أن طبيعة جابر قلقة لا تستقر على حال.. فقد انتقل من كونه مريدًا للأنفوشي، ليكون مريدًا لعلي تمراز.. كما أنه لازم منطقة ( بحري ) زمنًا طويلا لا يغادرها، وفجأة تركها إلى القاهرة .. هي النفس القلقة التي لا تجد نفسها في الاستقرار في مكان واحد. فجابر برغوت ذو طبيعة متمردة على المكان بمعناه الحرفي والرمزي . ولا يحمل ذكريات لمكان أو مقام، إنه نفس ثائرة متمردة لا تهدأ ولا تستقر على حال .
ولم يزل كاتبنا يتتبع أنسية، وهي شخصية رئيسية في الأجزاء الأربعة. يتتبع عذابها، بتكرار الحَمْل والإجهاض، " داخت من اللف على الحكيمات والمستشفيات والمشايخ والمقامات والأضرحة " ( 5 ).. تؤلمها تعليقات النساء. طلب منها الطبيب إجراء تحاليل لها ولزوجها. انتقلت هي وسيد للعيش في شقة بالبلقطرية، وأبطل سيد شُرب الكِيف. وسلمت نفسها لما يطلبه ( الأسياد ) منها ، ورضخ سيد لهم ، من أجل أن تكمل حَمْلها وتضع طفلا ! يوجعنا الكاتب وجعًا شديدًا على حال أنسية. نتمثلها سيزيف عصرها . كان سيزيف الأسطوري يرتقي الجبل بحجر ضخم، فيسقط منه إلى السفح، فيعاود الكرة، وتتكرر الخيبات، مرة بعد مرة.." حكمت عليه آلهة الإغريق بأن يظل إلى الأبد وهو يدفع بحجر ضخم إلى قمة الجبل. وفي كل مرة كان يبلغ فيها القمة بحِمْلِه الثقيل كان هذا الحِمْل ينزلق منحدرًا إلى أسفل الجبل مرة أخرى. ويقال إن غاراته المتكررة على البلاد المجاورة نهبا وسلبا حتى لقد كان يكدس الأحجار فوق من يُنكل بهم ليموتوا شرّ ميتة بعد عذاب أليم، هذا كله كان السبب في الحكم عليه بتلك العقوبة الشديدة " ( 6 ).. هكذا أنزل الكاتب عقوبته على أنسية التي باعت جسدها ، قد عاقبت الآلهة سيزيف ـ في عُرف الأسطورة ـ بأن جعلته ينوء ويشقى بـ ( حِمْل ) الحجر، وجعل الكاتب أنسية تشقى وتتعذب بـ ( حَمْلٍ ) لا يثمر . . تظهر عليها دلائل الحَمْل، ثم يسقط في كل مرة.. تكرر الحَمْل والسقوط كثيرا، وحق عليها القول بأنها " امرأة متعوقة، وهي عندها السقط. الجنين لا يستقر في أحشائها، وينزل قبل موعده، وهي مصارينها ناشفة، وهي امرأة جلد، وهي مدكّرة، وهي كالبيت الوقف، كالأرض البور، كالنحلة الذكر، كالشجرة التي بلا ثمار، كالشيخ المقطوع نذره !.. " ( 7 ) . يكثف الكاتب وصف حال أنسية، بحيث تكاد لا تجد وصفًا آخر لم يذكره الكاتب.. فهو يلوذ بكل تشبيه ومثال.. تستجدي عطف الطبيب الذي حار في حالتها، وأحالها إلى أنه ربما أصيب زوجها بزهري، فتسقط الحال عليها، تحت وطأة عقدة الذنب التي تزاملها وتلازمها. يكاد ينفد صبر سيد، تتغير تصرفاته معها.. وحين تتأثر، يسترضيها، لكن القلق لازمها من احتمال تطليق سيد لها . ووافق سيد على اجراء تحاليل .. ثمة " أمل يحيا داخلها، ملامحه شاحبة، ولا صوت له، لكنه قائم، يشاركها أنفاسها .. " ( 8 ) . ونصحها الطبيب بأن تسترد عافيتها سنتين أو ثلاثا. زار سيد الشيخ كراوية فأخبره أن رحم زوجته مغلق ولا يجدي معها علاج طبيب، أما الشيخ عبد الحفيظ فأرجع الحالة إلى إرادة الله، وأوصاه أمين عزب بالصبر. قال له صابر الشبلنجي : " أحلّ الله الزواج من ثانية .. وأحلّ الطلاق " ( 9 ). فيجيبه : " أنسية بنت حلال .. الطلاق مستحيل .. زواجي عليها يقهرها " .. وبطريقة ( الفلاش باك back flash ) أو ( تداعي الصور ) يسترجع علاقته بها .. حبها له، وحبه لها .. وأشياء كثيرة لا ينساها .. من المستحيل أن تحل امرأة أخرى مكانها. وتلوذ أنسية بمقام علي تمراز. اقتربت من الشيخ جابر برغوت الجالس لصق المقام .. للشيخ سره الباتع.. اقتصّ لها سيدي أبو العباس من الظلم ، ووهبها سيدي ياقوت العرش ما بدا في حياتها مستحيلا .. الله لن ينساها .. وفي نوبة يأس، لجأت أنسية إلى البيت المهجور، وجامعت الشيخ حماد، في إشارة يائسة لحالها المزرية، ومضت نحو البلقطرية !!
وثمة شخصية تتألق في حبها للبحر، منذ عرفناها في الأجزاء السابقة، هي شخصية مختار زعبلة، الذي قاد ( لانش ) حمادة بك، فلاقى سمكة كأنها جن بحر، ورأى أنها كالوحش يترصد له فقاومها وقاتلها بسكين، إلا أنه أصيب . لجأ إلى الجد السخاوي الذي نبّهه إلى سقوط سمكة في حلق صاوي رزق فمات ! واستغرب سيد الفران لجوءه إليه يسأل عن أدوات الصيد، فعتب عليه، فحياته مع الصيادين وقهوته اسمها البحر ! وسعى لامتلاك بلانس فصنعه عند نجار. وعرض على محمد الراكشي أن يعمل معه التماسا لبركة أبيه فرفض . والتقى بثروت. عرض عليه العودة إلى البحر رئيسا للبلانس الذي يملكه، إلا أنه تشبث بقراره بالبعد عن البحر . فأوكل مختار أمر البلانس إلى قاسم الغرياني إلا أن البلانس ينفجر ويتحطم فيضيع أمل مختار زعبلة في ركوب البحر !
والجد السخاوي إنسان بسيط يستلفت نظرك منذ السطور الأولى للرباعية. رامزا للحنكة والحكمة، والصوت المعبر عن آلام وآمال الصيادين. لم يتعرض لحياته الشخصية إلا في الفصول الأخيرة، وحرص على أن يصحبنا عبر أحداث الرواية، ناصحا أمينا لزملاء مهنته، ولا يضيره أن يكون الرجل الثاني أو ( السكوندو ) ـ على حد تعبيره ـ .. وفي الجزء الأخير ( علي تمراز ) يفجعنا في موته ، بعد أن حببنا إليه ، بعد أن اقتربنا منه وعقدنا صلة حميمة مع هذا الرجل البسيط . قد يكون الجد السخاوي صوتا للضمير اليقظ ، معبرا عن العقل الجمعي للصيادين . ومن المدهش والرائع في آن أن يمتثل الصيادون لآرائه ولا يناقشونه كثيرا ، أو يضجرونه بتعليقاتهم، أي أن الصلة الحميمة التي عقدها القارئ معه، هي نتاج صلة حميمة انعقدت بين الرجل وزملائه الصيادين. وقد سماه الكاتب ( الجد السخاوي ) ، و ( الجد ) تشي بالاحترام والثقة والسنين الطويلة والعمر المديد. وإن كنا لا نعلم ما إذا كان اسم ( السخاوي ) لشخصية واقعية عرفها الكاتب في ( بحري ) وإن كنا لا نستبعد ذلك، وإن كان الدليل يعوزنا.
ويظهر الجد السخاوي في لقطات معينة. فحين يلجأ إليه مختار زعبلة، أعطاه دروسا في صيد السمك، وروى له ما حدث لصاوي رزق، إذ سقطت سمكة في حلقه فمات ! ( 10) . وفاجأ الجد السخاوي رواد قهوة البحر، بدخوله وجلوسه. ولما سألوه عن نقوده، قال أن كفنه أولى بها ! رويت حكايات عن صداقته لأهل الباطن الذين يلبون طلباته منذ وفاة زوجته ! قال لرواد المقهى أنه سيموت بعد أيام قليلة ! واختار قاسم الغرياني لقيادة البلانس بدلا منه .. " أنت الريّس وأنا السكوندو في الرحلة القادمة " ( 11 ). ونقرأ عن تدهور صحته لتقدمه في السن، وأحزانه بعد وفاة زوجته .. وطلب من كل منهم أن يعطيه وصيته أو رسالته يحملها معه للموتى !! وعقب على قفشاتهم قائلا : " عندما أحس مختار زعبلة بنهايته، نزل البحر . ومات فيه ! " ( 12 ) .
أخيرا، مات الجد السخاوي . وقبل أن نتلقى نبأ موته ـ في فصل ( الدخول في دائرة النور ) ـ مهّد الكاتب بإشارة رامزة من عم رجب حين لمح سمكة ثعبان المارينا ذي الأسنان الحادة، فخشي مواجهة خطر الموت، فألقاها في البحر تخلصا منها، وأقفل راجعا، فصدمه حمودة هلول بنبأ موت السخاوي.. وكان قد " ألف وجود الجد السخاوي في حياته، مثلما ألف طلوع الشمس والقمر، ووجود البحر، وأضرحة الأولياء، وتوالي النوّات " ( 13 ) .. وكان الرجال يستغربون العمر الذي طال به .. كان " يعرف التيارات البحرية، وأماكن الصيد، وترقعات الرياح، والنوّات، والأمواج، والمد والجزر .. " ( 14 ) .. مشى في جنازته خلق يبكون ويدعون، رجالا ونساء .. كأنه والد الجميع .. وقبيل موته، تذكر زوجته ( هنية ) التي سبقته إلى الدار الآخرة .. وأصابته حمى، ورأى عرائس البحر يراقصن جمعة العدوي وسباعي سويلم والمليجي عطية وحودة التيتي ، ورأى البهاء إسماعيل سعفان.. وفي يوم الجنازة " لم يركب الرجال البحر، ومضى اليوم في الحلقة بلا بيع ولا شراء، واختفى الفريشة والعربات من الساحة المقابلة. وأغلقت دكاكين وقهاوي السيالة أبوابها، وانصرف المصلون في الجوامع إلى تلاوة القرآن " ( 15 ).
وهي الجنازة الأسطورية الثانية بعد جنازة علي الراكشي.. والاثنان عرف الناس صلاحهما واستقامتهما. فالراكشي انصرف عن متاع الدنيا وملذاتها واتجه إلى التصوف، والثاني عرك الحياة وخبرها وأخلص النصح والقول السديد . ولعل انخراط الناس في الحزن على فقدهما كان فعلا إراديا ذاتيا لم يفرضه أحد، وفي المقابل نجد أحداث قيام ثورة يوليو 1952، وإرهاصات ما قبل الثورة ، أمورا تتعلق بمصير الوطن ، إلا أن مثل هذه الأمور لم ينفعل بها رجل الشارع كثيرا، وإن كانت مثار تعليقات من رواد مقهى مهدي اللبان. فالتأثر بالأحداث السياسية كان تأثرا سطحيا، أو هو تأثر من الخارج، بمعنى أن ناس ( بحري ) في الرباعية لم يلتحموا مع آمال الثورة وتطلعاتها إلى تغيير أنماط الحياة المصرية .. وصورهم الكاتب متفرجون على الأحداث كأنهم يشاهدون مسلسلا تليفزيونيا ، ويتابعون أحداثه. وإن نما الخط الدرامي السياسي بعض الشيء باستشهاد ممدوح ابن ابراهيم سيف النصر ، وكان ضمن الفدائيين الذين قاوموا الإنجليز في خط القناة . وقتل أدهم أبو حمد لعسكري إنجليزي فحكم عليه بالإعدام فهرب . وترشيح حمادة بك نفسه لانتخابات مجلس النواب ، وإن صوره الكاتب في صورة هزلية، منغمسا في فضائحه الجنسية، واشتراك عبد الله الكاشف في الانتخابات والدعاية لمرشح الوفد. واتهام أمين عزب ـ بعد حريق القاهرة ـ أنه يؤوي الفدائيين في بيته، فاعتقلوه وسجنوه، ولم يُكتشف الخطأ إلا بعد ثلاثة أشهر، فأفرجوا عنه ! وما عدا ذلك، بدا أهل ( بحري ) مجرد عينٍ راصدة للأحداث السياسية .
وثمة شخصية أخرى تأسرنا ، ولم تظهر بوضوح إلا في الجزء الرابع. هي شخصية حمدي رخا .. ذلك الشارد العازف عن لغو الأحاديث، منشغلا بعالم مثالي يتوق إليه.ورخا من رواد المقهى وإن لم يشارك في الأحاديث مع أحد وعرف عنه شروده وصمته، وإن تكلم فقليل من الكلمات، مكتفيا بتأمل المرئيات من حوله، وتأمل أحوال الناس . وتجتذبه عوالم يصوّرها لنفسه، أو هي عوالم من بنات أفكاره. يدخل محارة صمته، لا يحادث أحدا عن الأماكن التي تردد عليها ! وفي فصل ( انتقال إلى الأسمى ) ، حديث عن الجزيرة وطلاسمها، وتوقه للوصول إليها . وفي قاع البحر أسرار لا يفهمها البشر ! وطفق يجدف بمجدافين ، في محاولة ـ خيالية ! ـ للوصول إلى التقاء زرقة السماء بزرقة البحر ! يمر حمدي رخا بلحظات تأمل يستغرق فيها، فيتصور مياه البحر ميادين وشوارع وبيوتا وحدائق، وإن اختلف ناس المدينة الخيالية عن ناس الإسكندرية. ويترك نفسه للحظات هادئة.ز ولاحظ جلساء المقهى شروده، وتعلق ذهنه بالسحر المليئة به حواديت جدته وأمه، وعوالم غريبة عن أخت لا تفارقه ! وأحاديث الأب عن عفاريت القيالة التي تظهر في صورة البشر العاديين ! وعثوره على خاتم ـ قد يكون خاتم سليمان ـ تحت زعنفة سمكة ، فأخفى أمر الخاتم عن زوجته فايزة، وتطلع إلى مدينته الجميلة الحالمة التي يتخيلها كأنها ( يوتوبيا ) من طراز فريد ، غير مدينة أفلاطون الفاضلة ! .ز والمدينة ذات صلة بالإسكندرية. ناس المدينة ليسوا حزبا سياسيا ولا جماعة دينية أو اجتماعية، وإنما هم صفوة : إبراهيم سيف النصر وعبد الله الكاشف والشيخ قرشي ونجيب المهدي والشيخ أحمد أبو دومة وفهمي الأشقر وأدهم أبو حمد وزكي بشارة. ولما شفت الظلمة ، بدت الجزيرة المدينة، أرضا ممتدة فوقها بنايات وحدائق وجوامع وميادين وشوارع.. وبنى جسرا يصل بين شاطئ الميناء الشرقية والجزيرة.. وسرح به الخيال ليرى عبد الله الكاشف ، يحيا في هذه الجزيرة مطمئن الخاطر، فلا ينزل إلى الإسكندرية ولا يعود إلى قريته.. وطفق يوزع ـ في الخيال ـ المناصب على جماعته الصفوة، بما يكفل انتظام الحياة في الجزيرة. ثم يردنا إلى الواقع، حيث لم يتحقق الحلم، وإن ظل هاجسا يشغل النفس ‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍.. فيلقي بالخاتم في البحر.. في فصل ( الاستغراق )، يتغير مستوى الخطاب، فيتوجه الكاتب بخطابه إلى حمدي رخا، وهو مستوى بلاغي يختلف عن سواه من الفصول. وهي طريقة يرتقي بها الكاتب خيال الشخصية الميتافيزيقي البعيد عن الواقع، فحمدي رخا حالم بطبعه ميال إلى التأمل، ينسج في خياله مدينة مثالية، تختلف عن سواها من مدن الواقع. كما أنه لم يُشر إلى اسم الشخصية ( حمدي رخا ) ، وإنما عمد إلى إغفاله، وهي عادة الكاتب فيس العديد من الشخصيات الرئيسية ، وفي الوقت نفسه، لا يرى مثلبة في ذكر أسماء ثانوية ليست فاعلة في الأحداث ‍ .. ويضطر القارئ إلى أن يراجع الفصول التي قرأها ، حتى يصل إلى فصل ( الطيران بجناح الهمة ) ، حيث ذكر فيه الاسم صراحة، وبتلك المراجعة من القارئ يستطيع أن يصل ما ذكره فيه عن حمدي رخا بما كتبه في هذا الفصل عهه . وقد تبدو المراجعة عملية شاقة وسط زحام شخصيات الرواية وتعدد الاهتمامات، وقد تبدو كشفا يعتمد على البحث والتركيز . وقد اهتم حمدي رخا بقيام ثورة يوليو 1952، فبدأ يشارك رواد المقهى في الحديث عن الثورة ، وتخلى عن شروده . و لم يظهر رخا بصورة ملموسة إلا في الفصول الأخيرة من الرباعية ، كأنه المبشر بتحقيق الحلم، لكن الشخصية إذا حرص الكاتب على جعلها رئيسية من بداية الرباعية لكان ذلك أوقع و أبلغ في الدلالة ، ولا يقتصر على مصاحبة القارئ لشخصيتي الجد السخاوي وأنسية .
ومن الأحداث الفاجعة والمواقف المصيرية في ( علي تمراز )، نذكر :
1 ـ شارك وزير الأوقاف في وضع تقرير مع نقيب الأشراف يبرهن فيه كذبا نسب الملك فاروق إلى سلالة الرسول، رغم أن الملكة نازلي هي حفيدة سليمان باشا الفرنساوي ! ( 16 ) .
2 ـ اكتشاف فضيحة حمادة بك في حمام الأنفوشي .
3 ـ غرق طه ملوخية نتيجة خطأ في استعمال جهاز الغوص (سكوبا).
4 ـ موت هشام ، الذي كان يحب مهجة ويريد الزواج منها لولا فرية طه مسعود الذي ادّعى أنهما أخوان في الرضاعة .
5 ـ ذكر ما جرى لصاوي رزق، إذ سقطت سمكة في حلقه فمات !
7 ـ ذكر غرق فتحي عبد ربه، حين طلع من المياه بسرعة، مما أضاع توازن الدم !
8 ـ فتونة حنفي قابيل.
9 ـ اعتقال أمين عزب بتهمة إيواء الفدائيين في بيته، فقضى في السجن ثلاثة أشهر !
10 ـ القاء القبض على فؤاد أبو شنب بالمخدرات داخل الجامع !
11 ـ ظهور قناديل البحر .
12 ـ موت الجد السخاوي .
13 ـ قيام ثورة يوليو 1952

الهوامش :
(1) علي تمراز ـ ص 69
(2) المصدر السابق ـ ص 21
(3) المصدر السابق ـ ص 22
(4) المصدر السابق ـ ص 58
(5) المصدر السابق ـ ص 7
(6) د. ثروت عكاشة : المعجم الموسوعي للمصظلحات الثقافية ـ الشركة المصرية العالمية للنشر ( لونجمان ) ، و مكتبة لبنان ـ ط 1 عام 1990 ـ ص 435
(7) علي تمراز ـ ص 131
(8) المصدر السابق ـ ص 147
(9) المصدر السابق ـ ص 212
(10) المصدر السابق ـ فصل ( التذوق .. للمعرفة )
(11) المصدر السابق ـ ص 193
(12) المصدر السابق ـ ص 196
(13)، (14) المصدر السابق ـ ص 225
(15) المصدر السابق ـ ص 228
(16) المصدر السابق ـ ص 18
(يتبع)

د. حسين علي محمد
15-05-2007, 08:43 PM
الفصل العاشر من كتاب «روائي من بحري» لحسني سيد لبيب

تضمين الموروث الصوفي في رباعية بحري
.................................................. .....
يغوص الكاتب في أفكار رجال التصوف الإسلامي، وعلى رأسهم أبي الحسن الشاذلي والمرسي أبي العباس وابن عطاء الله السكندري وياقوت العرش والبوصيري وغيرهم من الأقطاب .. هؤلاء الأعلام هم المناخ الذي تأثر به أهل ( بحري ) وشكل فكرهم وتدينهم. فأولياء الله الصالحون يؤثرون في نفوس الناس. بما يحيطهم من هالات النور ونفحات الإيمان. يدلّون الناس على الطريق القويم، من خلال سيرتهم وتجردهم من الأهواء والميول الدنيوية، فيمثلون في الخاطر صوتا للضمير الحي اليقظ.. ينتفع الناس بعلمهم ويعجبون بسلوكهم الحافظ لتعاليم الله وسنة نبيه  . إنهم يدخلون في نسيج الرواية ويصيرون مكونًا أساسيًّا له. الاتجاه إلى التصوف له مبرراته، نتعرف عليها من خلال تساؤلات عبد الله الكاشف ـ وهو من المهتمين بالبوصيري وبردته ـ : " هل كان افتقاد العدل هو الدافع للتصوف ؟ .. وهل كان تصوف الناس رفضا للواقع أم فرارا منه ؟ " ( 1 ) .
ويجمل بنا أن نعطي إلمامًا سريعًا لنشأة الصوفية وأهم أفكارها، حتى يتهيأ القارئ لمتابعة التحليل النقدي للنص الأدبي، هذا النص المرتبط أشد الارتباط بالاتجاه الصوفي.
يقول الدكتور ثروت عكاشة في معجمه : " وكانت غاية المتصوفة هي السعي إلى صفاء الروح لتسمو إلى معرفة الذات العليا وما تتصف به من وحدانية وجلال وقدرة. والطريق إلى هذه المعرفة يجئ إما عن طريق الاستدلال والاستبصار، وهو سبيل العلماء، وإما عن طريق الفيض الإلهي وهو ما يسمى بالعلم اللدُني.
ولهذا لم يعدّ المتصوفة أنفسهم بتحصيل العلم وتتبع الحجج والأدلة، بل ذهبوا إلى أن بلوغ تلك الدرجة يكون بمجاهدة النفس وقطع الصلة بين النفس والوجود ومتاع الدنيا وملاذها. فسبيل المتصوف إلى بلوغ الغاية المنشودة يكمن في تطهير النفس من أدرانها وتطلعها ( للتللي الإلهي ) " ( 2 ) .
وقد تأثر المسلمون ـ بعد اتصال العرب ـ بشعوب أخرى ذات معتقدات دينية مغايرة، لها نزعات صوفية "كرهبانية نصارى الشام وفيدا الهنود وزردشتية الفرس ونظرية ( الفيض الإلهي ) في الأفلاطونية الحديثة " (3).. ثم أصبحت " فلسفة روحية أخذت تسمو إلى استكناه الذات الإلهية غدت في تأويلهم المنبع الأول الذي يفيض على الوجود أجمع "( 4 ).. وبعد تأثر العالم الإسلامي بالفلسفة اليونانية منذ القرن الرابع الهجري، شملت مصطلحات لما وراء الطبيعة مستقاة في الغالب من فكر أرسطو وأفلاطون. وقد لخص ثروت عكاشة فكرة التصوف في خصائص ثلاث : الإسناد الذي يزعمون أنه يصل أنساب شيوخهم بالنسب النبوي الشريف. والثانية هي الأبدال، بمعنى أن الوجود لا يخلو من أولياء. والثالثة هي الرخصة ، حيث يرخصون لأنفسهم ما لا يرخصونه لغيرهم من تحليل بعض المحظورات .. و " كل مريد مرهون بما يبذل من مجاهدة للنفس " .. و " يرقى المريد بمجاهدته مراقي يطلق عليها المتصوفة المقامات أو المنازل أو الأحوال " ( 5 ) .
لعل أبرز ملامح الرباعية، اهتمامها بالموروث الديني المتمثل في أولياء الله الصالحين، وأثر الأولياء في حياة الناس من أبناء منطقة ( بحري ) السكندرية. يعيش في هذا الحي الشعبي البسطاء وقلة من الأغنياء، من شيوخ الصيادين والتجار. لكن الأثر الديني يبسط سلطانه على الجميع ، بنسب متفاوتة. وقد عمد الكاتب إلى تصدير بعض فصول الرباعية بأقوال الأولياء، إذا كان الأثر الديني طاغيًا على موضوع هذه الفصول. وهي سمة تتميز بها الرواية، ذلك أن الكاتب شاء أن يخلط بين أقوال الأولياء الصالحين وأفعالهم، ليضيف بعدًا آخر، يتمثل في استحضار هؤلاء الصالحين، ليكونوا شخصيات مكملة للعمل الروائي، وهم أصلا في حالة حضور في نفوس شخوص الرواية، كبيرهم وصغيرهم، على السواء. يكاد الأولياء يستنفرونهم إلى العمل الصالح . مثلما ظهر السلطان أبو العباس للناس، ينصح كلا منهم بحسب حالته وظروفه.وحين اجتاح وباء الكوليرا البلاد، وخاف أبناء ( بحري ) من اقترابه منهم، تبدّى سلطان الإسكندرية من جديد، لرجال ونساء تصادف مرورهم في الميدان، وهو يقف على المئذنة يتمتم بالدعوات، ثم يدخل إلى المئذنة ويختفي( 6 ) . يظهر الأولياء في المنام لدي بعض الناس فيتفاءلون بهم خيرًا . وقد أضافت المداخلات التي استهل بها بعض الفصول ثراء ثقافيا وبعدًا فنيا مكملاً لكافة الأبعاد و(الموتيفات ) التي صنعت ما نسميه ( العالم الروائي لمحمد جبريل ) .
وبدا الأثر الديني واضحًا في الأحداث التي مرّ بها علي الراكشي، الذي يصدق عليه قول أحد مشايخ الصوفية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، هو الجنيد بن محمد الصوفي البغدادي : " إذا أراد الله أن يتخذ عبدًا وليًّا سلط عليه مَنْ يظلمه "( 7 ) .. فقد ظلم الحاج قنديل الراكشي ومنعه من اكتساب رزقه. كما وض الأثر الديني في تحول أنسية من طريق الغواية وتوبتها، وتحوّل تفاحة من مهنة الردح إلى ملازمة الشيخ يوسف بدوي وخدمته.
يستهل فصل ( في حضرة السلطان ) ( 8 )، بالدعاء الذي يتردد كثيرًا على ألسنة العابدين .. " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " ( 9 )، وآيات قرآنية . ومداخلة أخرى عن أبي الحسن الشاذلي. وهو مدخل جيد ليحدثنا عن علي الراكشي وشكواه من قسوة الحاج قنديل، وتردده على الشيوخ والأئمة والمريدين . شكا للشيخ طه مسعود فعاب عليه استغاثته بمخلوق، فالاستغاثة لا تكون إلا لله . وقال له الشيخ يوسف بدوي أن من يترك معلمًا لا يعمل عند آخرين، وأن الله ابتلاه باحتمال أذى الناس، فإما أن يرضى عنه شيخ الصيادين أو يأنس بحضرة الله.
ويستهل فصل ( متى يأذن الله ؟ ) ( 10 ) بدعاء في شكل مقطوعة شعرية، ويضيف حوارًا بين رجل وأبي الحسن الشاذلي ( 11 ):
سأل الرجل : ما لي أرى الناس يعظمونك، ولم أرَ لكَ كبير عمل ؟
فأجاب : بسنة واحدة افترضها الله على رسوله تمسكتُ بها، الإعراض عنكم وعن دنياكم !
وهو استهلال مناسب حيث تعرض الكاتب بعدها لعلي الراكشي، الذي ترك الشيخ مسعود، واتجه إلى الشيخ يوسف بدوي، الذي أعطاه أوراقًا ليقرأها ويسأله فيما لا يفهم منها.
و يستهل فصل ( فلنعبر النهر أولا ) ( 12 ) بدعاء للشاذلي، ثم يتابع تطور شخصية الراكشي، الذي يسير على نهج الشاذلي ، وطريقته الصوفية ، ولكن من خلال شيخه يوسف بدوي . يستجير الراكشي بالشيوخ والأئمة ليحلوا الخلاف بينه وبين الحاج قنديل حتى يعود لعمله في البلانس . ويلازم شيخه ملازمة المريد، وانكبّ يقرأ بنهم منصرفًا عن الدنيا ومتاعها، إلى العزلة والخلوة والصمت، مهملاً هيئته وثيابه، فانتقده أمين عزب، إلا أنه كان يتطلع إلى أن يكون قطبًا شاذليا..
وفي فصل ( أولى مراتب السالكين ) ( 13 ) إنشاد ديني . والتوبة أولى مراتب السالكين كما قال الغزالي . وأفهم الشيخ مريده أن بداية الطريق إلى التصوف أن يطيعه طاعة عمياء، فيكون معه على صورة الميت! ويذعن له إذعانًا تامًّا، لعله يصبح في النهاية شيخًا له كراماته ومكاشفاته . وواضح أن الشيخ طغى على مريده، الذي انصاع له انصياعًا تامًّا، حتى أنه جعل قراءة القرآن بإذن منه!! طاعة غريبة مستبدة تتنافى مع روح الدين الإسلامي الحنيف . ويومئ الكاتب من طرف خفي إلى التطرف الديني وأثره السلبي في نفوس الناس، دون أن يطل برأيه وفكره شارحًا أو محللا. وتتنامى شخصية الراكشي فينعزل عن دنياه، وينجذب إلى الشيخ راضخًا لتعاليمه القاسية.
ويبدأ فصل ( السائر إلى الله ) ( 14 ) باستهلال لأبي العباس المرسي في تعريفه للعارف والزاهد والولي. ويظهر الراكشي على نقيض زكي تعلب الذي يحضر دروس الشيخ بالمعهد الديني ويقرأ القرآن في البيوت مؤقتًا لحين تخرجه. أما الراكشي فالشيخ يبشره بأنه على عتبة مقام المريد، مقام المجاهدات والمكابدات. وطلب منه ترك شهوات الدنيا وملازمة الخلوة والمداومة على الصلاة والذكر والصوم.
وفي فصل ( الحلقة ) ( 15 )، دعاء في شكل إنشاد ديني، والدعاء متوافق مع حال الصيادين الساعين إلى الرزق . يصف الكاتب حلقة السمك، كما يعرج على الموقف المتأزم بين الراكشي والحاج قنديل الذي لا يعطيه سمكًا يبيعه، فتزداد عزلة الراكشي عن الدنيا، ويقترب أكثر من الشيخ المستبد. هي الظروف راغمته واضطرته أن يسلك طريق الزهد ويبتعد عن سبل العيش.
ويستهل فصل ( يا مريدي .. لا تضق بي !) ( 16 )، بتعاليم لأبي العباس : " من أحب الله، وأحب الله فقط، تمت ولايته. والمحب على الحقيقة لا سلطان على قلبه لغير محبوبه، ولا مشيئة له غير مشيئته، فإن من ثبتت ولايته من الله لا يكره الموت " ( 17 ). وينصح الشيخ الراكشي بأن يمشي في طريق الله ويبتعد عن الحاج قنديل الذي يتحكم في رزقه. وبهذا لا يقدم الشيخ حلا واقعيا بديلا لاكتساب الرزق، وطفق يعمق إحساسه بضرورة اعتزال الدنيا، وطاعته طاعة عمياء. فتحوّل الشيخ إلى قوة تهيمن على تصرفاته وتسلبه إرادته،فانقاد لشيخه باعتباره أرحم من الحاج قنديل، وإن كان يتوق إلى التحرر من سطوته وتكون له شخصيته المستقلة! ويتطلع إلى اليوم الذي يُحزّم فيه بحزام المشيخة. وهكذا انتقل من تحكم الحاج قنديل إلى استبداد الشيخ ، وهو في الحالين مأمور مقهور، تابع لغيره!
ويستهل فصل ( اليقين ) بتساؤل : " متى تنزل أمطار المدد على أرض النفوس الطيبة، والقلوب المطهرة، والأرواح المضيئة، والأسرار المقدسة؟ " ( 18 )، ثم يذكر من الشعر الصوفي : " أنا من أهوى ومن أهوى أنا / نحن روحان حللنا بدنا / فإذا أبصرتني أبصرته / وإذا أبصرته أبصرتنا " ، ثم يتحدث عن الصوفية وشفافية الروح، المتسامية عن كل ما هو مادي، الشاخصة إلى الملأ الأعلى، تحلم بالجنة والحور العين.. فقد تملكت الراكشي نزعة صوفية. ويبشره شيخه بأنه تجاوز كل المقامات .. وتظل المتعة الروحية نتعايش معها في دائرة وجد تضوي وتشف، لا يستطيع رسم هذه الدائرة إلا يراع كاتب خاض التجربة بنفسه، أو عرفها من أحد المتصوفة المقربين إليه.
وفي فصل ( مواصلة المدد ) ( 19 )، وردت أقوال من حزب الشاذلي، تتبع بعدها مسيرة الراكشي الذي أصابه هزال لزهده عن الطعام وتطلعه لنعيم الجنة. حتى أنه لا يقرب موائد الطعام، و قالوا عنه إنه بركة، وقالوا أيضا إن الخرف أصابه حين رأوه يلوك شيئًا لا يرونه، فيرد التهمة قائلا : " المخرف أبوك ! .. هذا طعام من الجنة لا تراه الأعين الكافرة ! " ( 20 ) .
وفي فصل ( التحليق بلا أجنحة ) ( 21 )، نقرأ أقوالا أخرى لأبي الحسن الشاذلي، منها أن يختار المرء الفرار إلى الله راجيًا ثوابه.. ثم نواصل مسيرة الراكشي الذي اعتاد التردد على المعهد الديني ومعه نبوت يطرد به الأولاد المشاكسين. صبر وتحمّل وهو يسير في منازل السائرين ومراحل السالكين، حاملا مجمرة بخور.. يكتب عنه بشفافية أخاذة : " نور في قلبه، يشغله دائما بأمور الآخرة. سطعت الشمس في داخله بشدة، اجتذبته، لفّته، استغرقته في أضوائها المبهرة، فذابت نفسه. انقشعت أمام عينيه سحب الأغيار والأشكال والإشكال. وامتلأ القلب بعظمة الله ومحبته وجلاله. لم يعد على صلة بالخلق ورسومهم. أزالهم من نفسه، وانفرد إلى الحق .. " ( 22 ). هكذا قطع الراكشي صلته بكل ما هو دنيوي، وتاق إلى كل ما هو أخروي.
وفي فصل ( المجاهدة ) ( 23 )، أقوال أخرى للشاذلي، ونقف على مجاهدات الراكشي، الذي مال إلى جابر برغوت، وابتعد عن يوسف بدوي. اقترح عليه جابر أن يُحيوا مولد سيدي الأنفوشي أحد تلاميذ ياقوت العرش. مال الراكشي أكثر إلى العزلة. وظن الناس أن جابر برغوت خاوى جنية، لقراءته الطالع وعمل السحر وإن كان يوظفه في أعمال الخير .
وفي فصل ( أسواق من النور ) ( 24 )، يعيد كتابة رواية للشاذلي، سبق أن كتبها في فصل ( متى يأذن الله ؟ ) (25).. ويصحبنا مع الراكشي في رحلة زهد تامة بعيدة عن الناس، وتوقه إلى فيوض إلهية . وهو دائم اللواذ بمساجد أولياء الله. اختلف الناس في أحواله . قال أحدهم : " الراكشي ليس مجنونا .. أسرف في التعلم، فتشوش مخه! " .. وطالب آخر أن يتولى الحاج قنديل علاجه، فرد عليه بأنه أصح منا . شبّهه الغرياني بأيوب السكندري. وقال عنه الحاج قنديل إنه بركة، فاعترض الغرياني لأن امرأته تنفق عليه من مساعدات أهلها . وقال الحاج قنديل : " قد يكون علي الراكشي في حياتنا وليًّا جديدا ! " ( 26 ). فاجأ الراكشي الناس بسيف خشبي يرفعه، ويخدم المصلين في المسجد، وينفر من مداعبة زوجته . قال له أمين عزب : " هل أفقدك يوسف بدوي عقلك ؟ " ( 27 ) .. في إشارة غير صريحة لتطرفه هو وشيخه في فهم الدين ، وإن اعتبراه زهدًا وانقطاعًا عن دنيا المحسوسات. وثمة عبارة للكاتب قد يكتنفها الغموض في معرض تصويره لحال الراكشي : " جاوز سجن عبادات صفات النفس إلى الصفات الروحية في عالم الأمر " ( 28 ).. فهي جملة مركبة وإن كان المعنى مفهوما .
ويستهل فصل ( اتساع ضيق الأكوان )(29) بأقوال للشاذلي ، يتحدث بعدها عن طلب أمين عزب من الراكشي أن يسعى لرزقه . فعاد للصيد والبحر، لكنه اصطدم بعسكري السواحل الذي منعه من الصيد في الممنوع . وفي محاولة لإخفاء نفسه منه، سحبته المياه تدريجيا وغرق . يصف الكاتب موته قائلا : " اتسع ضيق الأكوان. وحصلت أنوار المواجهة، وصارت الروح سرًّا من أسرار الله، وأقبل القلب على رؤية مولاه. لا ظلمة، ونور العرش دائم في الليل والنهار " ( 30 ) . والعبارة موصولة بمداخلة تتصدر هذا الفصل عن أقوال للشاذلي . ويختتم الكاتب حياة الراكشي بجنازته في فصل ( جسر إلى الحبيب ) ( 31 )، الذي يبدؤه بقول للشاذلي ومقطوعة شعرية . توقف نعشه أمام جامع المرسي، فوصفه المشيعون بأنه وليٌّ فاضل، واندفع جابر برغوت يمسح النعش بيده وهو يقول : "كراماتك محفوظة يا شيخ علي ! " ( 32 ). وطلب يوسف بدوي له المغفرة والرحمة. وسمعوا صوته من داخل القبر يتلو الشهادتين ويذكر الله والرسول . يعلق الكاتب بقوله : " الوصول إلى مقام المشاهدة، لا يكون إلا بعد المفارقة من هذا العالم " ( 33 ) . وفي آخر سطور الجزء الثاني ( ياقوت العرش ) يقول الكاتب : " بلغ درجة النفس المطمئنة، سدرة المنتهى، البرزخية الكبرى، نهاية مراتب الأسمائية التي لا تعلوها مرتبة. جاوز قناطر النار، واستوجب الجنة ". وهكذا انتهت حياة الراكشي بنظرة حب وتعاطف من الكاتب له.
وكما أن الراكشي شخصية لجأت إلى الدين فرارًا من واقع ظالم، لجأت أيضا أنسية وهي امرأة ارتكبت الكثير من الخطايا، سعيًا إلى كسب تعيش منه، ولكن أنسية لا تعرف القراءة، قراءة كتب دينية مثلما قرأ الراكشي، إنما هي امرأة بسيطة تفهم الدين بفطرتها، فلجأت إلى الأولياء الصالحين تدعوهم أن يتزوجها سيد الفران لتعيش معه في الحلال، وأن يبعد عنها حمادة بك ومضايقاته، وقد رأت في منامها السلطان المرسي أبي العباس وياقوت العرش، وكانت تلك الرؤى بشرى بأن الله استجاب لدعواتها وتوسلاتها . وكما رسم شخصية علي الراكشي بعناية ااقتدار في فصول الرواية المختلفة، كذلك اعتنى بشخصية أنسية التائبة .
في فصل ( الغوث ) ( 34 )، يسوق الكاتب حكاية لأبي العباس الذي توقع موته، فزار مريده أبا عبد الله الحكيم بأشموم ليودعه، ثم سافر إلى أخيه ليقيم عنده أيامًا قليلة ثم يعود إلى الإسكندرية يبيت فيها ليلة لحقته فيها الوفاة ( 35 ). وقد استغاثت أنسية به ليبعدها عن مضايقات حمادة بك بعد أن تابت عن المعاصي، وترجوه أن يتزوجها سيد الفران . وقد شهقت لرؤية السلطان الذي طمأنها بحل مشكلتها، وذهب متلاشيًا كأن لم يكن !
وفي فصل ( رؤيا ) ( 36 )، استهلال بين قاضي القضاة شمس الدين بن اللبان والفقير، الذي طلب منه السفر إلى الإسكندرية والاجتماع بسيدي ياقوت العرش، فيلقى الفرج على يديه. ولما وصل الشيخ شمس الدين إلى باب الخلوة، وجد سيدي ياقوت العرش يقول : " أبشرْ، فقد قُضيت حاجتك، فإني سُقتُ عليه جميع الأولياء، فلم يقبل، فسُقتُ عليه سيد الأولين  .. وطلب منه السفر إلى طنطا والطواف حول صندوق سيدي أحمد البدوي حيث تُقضَى حاجته. وتلا ذلك مداخلة أخرى روتها سيدة رأت كأن الأستاذ ياقوت العرش قابلها وبشّرها بتوظيف زوجها، وتحقق له ذلك. وقد استقى الكاتب المداخلة من ( دائرة معارف القرن العشرين ) لمحمد فريد وجدي . وأورد تصحيحًا حيث أن السيدة لم تصرّح بأن ياقوت العرش صرّح لها بتوظف زوجها، وإنما بشّرها بالخير والرزق . وقد سجل الرؤيا موثقة . ونقلها كما هي بنفس التصحيح الذي وردت به ، جريًا على الطريقة الصحفية بتصحيح الخطأ في عدد تال .وبعد الحديث عن كرامات ياقوت العرش في حدثين بارزين، ولج عالمه الروائي بقوله : " رأت أنسية ـ فيما يشبه الحلم ـ سيدي ياقوت العرش " ( 37 9 .. ويسأل : " لماذا اختار زيارتها حيث تقيم ؟ .. وهل يعرف أنها منعت تردد الرجال عليها ؟ " ( 38 ).. وروى لها سيد الفران ـ وقد لزمت بيتها بعد زواجها منه ـ الأيام التالية لمغادرة السلطان ضريحه حيث " أزال عن وجه الحياة في بحري التصرفات الخاطئة " ( 39 ).. وتبدّى كأن ياقوت العرش يحاور أنسية، ويهمس لها : " ما يدفعه سيد في قهوة كشك يكفي إيجار شقته " ( 40 ). ولما قالت إن أصحاب البيوت يرفضون، دلّها على التاجر كمال مصباح، وقال لها عن الرسول الكريم : " لست بملك !..والشكوى لغير الله طريق السائرين وراء راية إبليس !.."( 41 ) . وروى التاجر أنه استقبل ياقوت العرش في نومه، عقب زيارته لها، ودلها على الشقة، تنفيذًا لأمر سيدي ياقوت العرش .. إلا أن سيد الفران اعترض على الشقة لأنها في الشارع الذي يتاجر فيه فؤاد أبو شنب في المخدرات .
وبذلك حقق الكاتب التوازي بين ما هو وارد في الكتب التي تناولت سير الأولياء الصالحين، وبين أحداث روايته. والتوازي يحقق التوازن بمعنى المواءمة بين هذا وذاك . فيصبح الاستهلال عنصرًا مكملاً للعمل الإبداعي، وليس مجرد إضافة أو استطرادًا يمكن حذفه. فرؤيا أنسية للإمام في المنام، سبقته رؤى ناس آخرين، منها ما نقله من ( دائرة معارف القرن العشرين )، كأنه بهذا التسجيل يدخل عنصر صدق الحدث، لمن يداخله شك . وبيان مكانة الإمام ونفوذه الروحي .كأنه يعقد علاقة حميمة بين الواقع التاريخي وبين شخوص عمله الروائي، متأثرًا بالكتابة الصحفية التي أعطت لرواياته مذاقًا جديدًا يتميز به محمد جبريل عن سواه من الروائيين العرب .
وتحدث الكاتب عن امرأة أخرى نهجت الدرب نفسه الذي نهجته أنسية، وإن كان بطريقة مختلفة . وقد عايشنا أنسية منذ بداية الرواية ، أما المرأة الثانية موضوع حديثنا ـ وتدعى تفاحة ـ فلم يذكرها إلا في فصل واحد، بعنوان ( الخدمة في ساحة الطهر ) ( 42 )، يبدؤه برواية عن الشاذلي وقول له، ثم ولج عالماً مغايرًا لعالم الراكشي، إذ صوّر الردّاحة تفاحة التي هجرت الردح، وسعت إلى الشيخ يوسف بدوي وترددت عليه، فانصلح حالها.. وتزوجت فكهانيا حين استحال زواجها من الشيخ، لكنها رأت أنها مكتوبة للشيخ، فطلبت الطلاق من زوجها حتى تعيش مع الشيخ بالحلال، وانصرفت إلى عبادة الله وخدمة الطريقة، واشترط الشيخ عليها ـ مثلما اشترط على الراكشي من قبل ـ أن تحيا معه كأنها ميتة، فقبلت الحياة معه دون زواج، تخدمه وتخدم مريديه مقابل طعامها. وتابت عن المعاصي كتوبة رابعة العدوية . وهي تشبه توبة أنسية، لكن أنسية اختارت الطريق الصحيحة وتزوجت . أما الردّاحة، فقد أذعنت لشروط الشيخ مثلما أذعن علي الراكشي، فهي ضحية أخرى لانحراف مزاج الشيخ واستبداده، وقبلت العيش معه بالحلال تحت سقف بيته !
ولا يقتصر الميراث الديني على الراكشي وأنسية وتفاحة، وإنما يتغلغل الأثر الديني في كل الشخصيات بصورة أو بأخرى. حتى تلاميذ مدرسة البوصيري يتساءلون عن صاحب المقام.. هل هو البوصيري، وبنيت المدرسة على قبره، أم هو سيدي الأنفوشي، أم هو ولي مجهول انقطع نذره) ؟( 43 ). وحين ظهر أبو العباس في المنام، رأينا العديد من الشخصيات تتحدث عن الرؤيا الخاصة بهم. واهتمام الكاتب بهذا الأثر الديني المتغلغل في النفوس، واضح في ظواهر أخرى يحتفي بها، كوصفه لليلة الكبيرة لمولد السلطان أبي العباس ( 44 ) ، وما تضمه من فرق الإنشاد الديني التي تدعو الله وتمدح الرسولٌ  .. و " تلاغط من مدائح الرسول وأذكار الشاذلي، والأوراد، ودلائل الخيرات. والدعوات، وصيحات المنشدين، وحشرجات أهل الذكر، وطالبي البرء والشقاعة والنصفة والمدد.. جماعات يتلون القرآن الكريم، وأناشيد الترنم بحب الرسول، والصلاة والسلام على النبي " ، ويطلبون المدد : " مدد مدد .. سيدنا النبي مدد / مدد سيدنا الحسين مدد / مدد مدد .. يا طاهرة مدد / مدد مدد يا شاذلي مدد / ويا بدوي .. يا مرسي .. يا حنفي / يا راضي يا رفاعي يا سيدي إبراهيم / مدد مدد .. يا شاذلي .. مدد " (45).
و ( في حضرة ياقوت العرش ) ( 46 )، فصل كامل يصوغه الكاتب عن ياقوت العرش، نشأته منذ ولادته ببلاد الحبشة، وما قاله النبهاني عنه ، بأنه " سمّي العرش لأن قلبه كان ينظر دائما إلى العرش (47 )، وذكر بعض المرويات عنه..فقد ظل يباع ويشترى إلى أن جاء إلى أبي العباس. يمتد نسبه إلى سيدي أبي الحسن الشاذلي. ودعا تاجر أن يهب عبده ياقوت لأبي العباس المرسي إذا نجاه ربه من العاصفة. ونفذ أمره . ولزم ياقوت مجلس السلطان لا يغادره حتى مات ودفن في المسجد. وقد رفض أبو العباس خطبة ابنته مهجة لابن والي مصر الناصر بن قلاوون، واختار ياقوت زوجًا لها بعد عتقه إياه. و قد يظن ظان أن هذا الفصل منسلخ عن السياق الروائي، إذ أن الكاتب يتحدث فيه عن أحد الأولياء الصالحين، مبتعدًا عن السياق الروائي، تاركًا شخوصه بعض الوقت ليقدم لقارئه نبذة تاريخية عن قطب من أقطاب الصوفية، إلا أنني أرى منحى جديدًا في الكتابة الروائية يتميز به محمد جبريل عن سواه من الروائيين، باعتبار ياقوت العرش شخصية من شخوص روايته، وليس مؤثرًا فقط في شخوصه. والفائدة التي نخلص إليها هي اقترابنا من واقع الشخوص، فياقوت وأبو العباس وغيرهما شخصيات تاريخية لعبت دورها البارز في تشكيل الوجدان المصري، وحضورهما القوي في الرباعية يوحي للقارئ بأن الكاتب يتحدث عن شخوص عاشت في حي ( بحري ) فعلا، فلا يجد في الراكشي وأنسية ومختار زعبلة والغرياني وسيد الفران وغيرهم ناسًا من بنات أفكار المؤلف ، وإنما هم ـ هكذا يوحي المؤلف للقارئ ـ شخوص عاشت في هذه الفترة ، فيشحن إحساس القارئ ويكون في حالة حضور قوي مع هؤلاء الناس.
استهل فصل ( رحلة الاتجاه الواحد ) ( 48 )، بآيات قرآنية عن الجنة ونعيمها، ترسم الجو في تناوله لعلي الراكشي وما ينتظره من حسن الثواب. وروي عن صلاة الجنازة التي زاحم الصفوف فيها رجال، حاول جابر برغوت التعرف عليهم فاختفوا. وحكت زوجة الراكشي عن أحواله وعن كراماته ومكاشفاته، وهي أحوال أقرب إلى المعجزات التي ولى زمانها ! وثمة روايات أخرى على لسان الغرياني. واستطرد يحدثنا عن أحوال الراكشي في الجنة واستقبال الملائكة له، ومظاهر النعيم الذي يعيش فيه، وعن تزاوره مع من سبقوه .
ومن بردة البوصيري، استهل فصل ( أصوات الأحلام القديمة ) ( 49 ) ببعض الأبيات ، وانتقل مع عبد الله الكاشف إلى داخل جامع البوصيري المواجه لبيته. يصف الجامع المزين بكتابة بخط فارسي لرقائق الذهب لبردة البوصيري، وآيات قرآنية مكتوبة بخط الثلث. ويغوص الكاتب في وصف جوامع الحي ومساجده وزواياه وأضرحته للأئمة الإثني عشر المتواجدة في مكان واحد.
وحديث شريف استهل به فصل ( المسافر بلا زاد )( 50 )، وكلام لأئمة الصوفية .. ثم يذكر مقولة للراكشي:"عرفت من الجد السخاوي أن وليّ الله الأنفوشي يرقد في الضريح المسمّى باسمه في قلعة قايتباي.." .. فيجيبه برغوت : " قلبي يحدثني أن الضريح بلا ولي يرقد تحته .. ( 51 ). واتجه برغوت إلى الضريح وهو يستعيد كلام الراكشي، ويتردد قول عن الأنفوشي بأنه يرى ما لايراه الناس، وتتكشّف له خبيئات نفوسهم، ويدلهم للى الطريق إلى الله, ويرى برغوت أن الراكشي لو أمد الله في عمره لأصبح قطب غوث، وصار له أستاذا وشيخا يهتدي به. وهذا الفصل لا يقتصر على جابر برغوت ومروياته عن الراكشي، فقد بدأه الكاتب وأنهاه بشخصية حمادة بك غريبة الأطوار. والفصل يشي بالتناقض الشديد بين شخصية دينية ( جابر برغوت)،وأخرى عابثة ( حمادة بك) . هل هو مجتمع متقلب الأحوال؟ أم هو الفعل ورد الفعل يتبادلان المواقع فيما بينهما ؟ هل هو الزهد عن الدنيا والإقبال عليها في آن ؟ إنهما حقا شخصيتان متناقضتان، تشبهان قطبي مغناطيس متنافرين على الدوام. فبينا يتطلع جابر إلى لذة روحية ينصرف بها عن دنياه اللاهية، يتطلع حمادة بك إلى لذة حسية يتقرب بها إلى دنياه اللاببة !! وإن كان ثمة نظرات عفوية لحمادة إلى المآذن والقباب. جميل من الكاتب أن يعبر عن تناقضات المجتمع، وجميل منه أن يصوغه بما يشبه التدوير، فيبدؤه بانصراف حمادة بك من مجلس الرجال، وينهيه بإطلالة عليه وخشيته من الفضيحة، إلا أنه لا يكف عن السلوك المعيب. وفي المقابل، يتحدث الكاتب بإفاضة عن صوفية جابر برغوت، واستعادته لصورة علي الراكشي الذي كاد يصبح وليا.
(يتبع)

د. حسين علي محمد
15-05-2007, 08:44 PM
تابع / الفصل العاشر من كتاب «روائي من بحري» لحسني سيد لبيب

وفي فصل ( أنس المحبة ) ( 52 )، يروي على لسان البوصيري رؤيا الرسول الكريم " فمسح على وجعي بيده المباركة، وألقى عليّ بردة، فانتبهت، ووجدت فيّ نهضة، فقمت وخرجت من بيتي " وتأتي الإحاطة المعرفية بالبوصيري وبردته في صفحات طويلة، في سياق اهتمام عبد الله الكاشف بالبردة . وفي الفصل التالي ( طيور الخريف ) ، تدور أحاديث المقهى حول البوصيري والتعريف بنشأته. هو الموظف الوحيد الذي صار وليا . وقد طالب بقانون من أين لك هذا ؟ قضى حياته الوظيفية مناضلا بلسانه وشعره حتى فصل . وأفاد عبد الله الكاشف بقراءاته عنه .. " منذ ولد في البهنسا حتى أسلم الروح ـ وهو قطب ذائع الصيت ـ في الإسكندرية : شرف الدين الدلاصيري، حاول أن يجمع بين نسبه إلى دلاص و بوصير، وسمى نفسه الدلاصيري، لكن الناس درجوا على تسمية البوصيري : محمد بن سعيد بن حماد بن محسن بن أبي سرور بن حيان بن عبد الله بن ملاك الصنهاجي. امتداد الانتماء إلى فروع قبيلة صنهاجة العربية في بلاد المغرب " ( 53 ). مرة أخرى، يلوذ الكاتب بالجانب المعرفي، وإن كان من خلال عين عبد الله الكاشف القارئة، فالكاشف اتخذ وسيلة يشبع بها رغبته في استكمال التعريف بشخصية البوصيري، ليمتزج بشخوص الرواية التي ابتدعها، وربما هي أسماء من واقع ناس ( بحري ) أو أسماء مستعارة لهم. ويقطع المعلومة بتساؤل يكسر حدة السرد..
هل كان افتقاد العدل هو الدافع للتصوف ؟..
وهل كان تصوف الناس رفضًا للواقع أم فرارًا منه ؟..
لماذا رفض وظيفة محتسب القاهرة ؟ أي جابي الضرائب ..
لماذا أبى أن يتقلدها ؟
و التساؤلات تشي بالظلم في جباية الضرائب، ورفض الوظيفة إعلان صارخ برفض الظلم والاستبداد.. ولاحظ هنا أن الكاشف موظف ارتقى السلم الوظيفي حتى أحيل إلى المعاش، فاستماله البوصيري الذي كان موظفا مثله، وإن كان شجاعا حين وقف ضد الظلم والاستبداد.
واستهل فصل ( قوت القلوب )( 54 ) بآية من الذكر الحكيم، وإن نسبت سهوا إلى الشاذلي ! كما وردت أدعية للشاذلي ومقولة لابن عطاء الله، وأبيات من بردة البوصيري .. كتمهيد قبل أن يتحدث عن امتناع الكاشف عن التردد على الجوامع، وبدأ يتردد على حضرة الأحمدية الشاذلية في جامع سيدي عبد الرحمن بن هرمز، ومسجد الحامدية الشاذلية وزاوية الطريقة. يكتفي بالإنصات والمشاهدة.. ويسمع حودة بدران يردد : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله.. ويتلو آية قرآنية، وتعلو أصوات المتحلقين حوله بالصلاة على النبي . وتتلى الأحزاب والأوراد والأهازيج الصوفية والمدائح النبوية والأدعية والابتهالات ثم تنشد البردة.
وفي فصل ( الانتظار )( 55 ) استهلال بسورة ( الشرح ) ، التي كان ينبغي أن تسبق المقولات التي ذكرت للشاذلي، التي تندرج في باب الحكم والمأثورات.. ونقرأ في هذا الفصل عن انتظار الكاشف للموت، الذي يتوقع مجيئه، وكانت لوحدته دخل كبير في سيطرة هذه المشاعر عليه.
وفي مستهل فصل ( مشارق الفتح )( 56 ) نقرأ مختارات من أقوال الشاذلي وأبي العباس، بعدها يتحدث عن اتجاه جابر برغوت إلى التصوف . هجر الخدمة في جامع ياقوت العرش، وحمل قربة ماء، يطوف بها شوارع الحي. سعى للقاء سيدي الأنفوشي ـ كما أمره ياقوت العرش . وينقلنا الكاتب ـ كما هي عادته ـ إلى جانب معرفي لتبين حقيقة سيدي الأنفوشي، الذي لم يره أحد. ويرجح أن العائلة الإيطالية أنفوس احتكرت صيد السمك وبيعه، ويذكر أن الضريح الغارق في الظلمة داخل قلعة قايتباي بلا أتباع ومريدين، ولا يذكره أحد. الرواية غير مؤكدة . قال عنه ياقوت العرش : " الأنفوشي حقيقة .. رفاته في الضريح الذي يتوسط فناء مدرسة البوصيري الأولية بالموازيني " ( 57 ). وشكك أمين عزب في وجود رفات. لا يوجد تحت القبر أنفوشي ولا رأس التين. قال له: " جعلتَ الوهم وليًّا يا برغوت ؟! " ( 58 ). ورغم الإنكار إلا أن برغوت ما زال مؤمنًا بوجود رفات له : " إنه سيد ناس الحي كلهم .. بركاته تشمل المنطقة من المنشية إلى رأس التين " ( 59 ).
ويستهل فصل ( ارتحال إلى الأسمى )( 60 ) بمقولة للشاذلي عن المريد الحقيقي الذي " تترشح فيه أنوار المنّة"، وأخرى لأبي العباس . والمقولتان تتساوقان مع حديثه عن جابر برغوت الذي لزم جدار ضريح سيدي الأنفوشي بمدرسة البوصيري. قد يختفي فجأة. تضئ وجهه مسحة من الطهر. روي عنه قدرته على تمييز الوجوه في الظلام، ومعرفته وقائع المستقبل، والتنبؤ بقدوم النوّة، وقيل إن أولياء الله يتراءون له، وإن الجن تقمصته، وقيل إنه أعقل العقلاء، وإن الله اصطفاه لحضرة أنسه!
ويستهل فصل ( ونفس وما سوّاها )( 61 ) بآية قرآنية وقول للشاذلي وآخر لأبي العباس،ثم يحدثنا عن الشيخ عبد الحفيظ إمام سيدي علي تمراز. اعتبره الناس إمام وقته، وهو القائل : " ما جاء به الرسول علينا أن نأخذ به، وما نهى عنه علينا أن ننتهي عنه " ، وأفتى بعدم جواز الشفاعة، والتوسل بالأنبياء والأولياء، وقال إن كتابة الرسائل للأولياء خرافة، وإنهم قدوة فقط. ونهى عن قراءة ( دلائل الخيرات ) وهاجم جماعات الطرق الصوفية، لما وجده من أباطيل. ورفض السحر والرقي والعين الحاسدة وتحضير الأرواح، ورفض قراءة أحزاب الشاذلية قائلا : " لا أحب إلى الله من لا إله إلا الله " ، و " لست وليا ولا صاحب طريقة، ولا مريدين لي ".
ويبدأ فصل ( النذير )( 62 ) ، بحديث شريف و أقوال لأبي الحسن الشاذلي .. والفصل خليط من أحداث سياسية تشي بقرب قيام الثورة ضد فساد الحكم، وكرامات جابر برغوت وتحذيره الناس من عذاب يوم عظيم .
وفي ( بحر بلا ساحل ) ( 63 ) أقوال لأبي الحسن الشاذلي وابن عطاء السكندري، ويواصل الكاتب حديثه عن اتجاه جابر برغوت إلى التصوف وانسلاخه عن الدنيا الفانية، وهو القائل : " أعوذ بالله أن أدّعي الولاية .. أنا خادم الأولياء ! " ( 64 ) .. وهويسير في دروب الصوفية منذ أمره ياقوت العرش واختفى، وقد حفر قبره بجوار قبر علي الراكشي ، دلالة سيره على نهجه وخطاه .
وفي ( السباحة في بحار الشوق )( 65 )، أقوال وأدعية لأبي الحسن الشاذلي يستهل بها حديثه عن جابر برغوت، وتشككه في ضريح الأنفوشي واتجاهه إلى ضريح علي تمراز، لعله يجد البشارة ، و " علي تمراز مجذوب بدا منه ما يشبه الكرامات في وقت حسن باشا الإسكندراني، فأمر بإنشاء هذا الجامع باسمه " ( 66 ).. وطالت جلسة جابر بجوار المقام، ولوحظ أن الموضع الذي يجلس فيه يظل مضاء حتى الصباح.
وفي ( بحر الأنس ) ( 67 ) ، أقوال لأبي الحسن الشاذلي عن دفع الضر عن أنفسنا، وتعريف لأبي العباس المرسي، لأهل المحبة والشوق.. ثم يعرج بنا إلى جابر برغوت الذي اعتبر ظهور قناديل البحر نذيرا بيوم القيامة. ويسترسل الكاتب في الإفاضة عن حال الوجد في نفس جابر، وإطاعته الأولياء .. وهومحب للتصوف وأربابه، وإن لم يذق ما ذاقوه، ولا عرف ما عرفوه. لم يتعظ الناس بالبلاء الذي حاق بهم في الوباء ، ولا في الحريق، ولا في قناديل البحر .
وفي فصل ( الوقوف على باب الولاية )( 68 ) ، استهلال بكلام لأبي الحسن الشاذلي عن عبادة الله كما أمرنا، ومقولة لابن عطاء الله عن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء " ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك " .. أما أحداث هذا الفصل فعن مناقب وكرامات أولياء الله.. وهاك جابر برغوت ما زال يأمل في ظهور وليّ الله الأنفوشي.. ولما شاهد نجما يضئ ويختفي، اعتبر ذلك إنذارا من السماء !
ويستهل فصل ( الآن .. عرفت ) ( 69 )،بأدعية لأبي الحسن الشاذلي ..ينقلنا الكاتب نقلة مفاجئة إلى الشيخ جابر برغوت، الذي قرر السفر إلى القاهرة، وترك ( بحري ) ، ويصرح الكاتب في نهاية الرباعية أن وجود الأولياء لم يحل دون ارتكاب المباذل والشرور، والانغماس في الذنوب والشهوات .. فقد غرق الناس في الغفلة وتعلقت القلوب بالأغيار !
والملاحظ أن الكاتب يعمد إلى إثبات نصوص من التراث الصوفي في بدايت الفصول التي تتحدث عن علي الراكشي ثم جابر برغوت ، كما أورد فصولا عن حياة ياقوت العرش ..
مراجعة واجبة لآيات القرآن الكريم :
وردت في الرباعية آيات قرآنية استشهد بها الكاتب في مقدمات بعض الفصول، وبمراجعتها لوحظ الآتي :
1 ـ كان ينبغي أن يذكر اسم السورة ورقم الآية التي استهل بها الفصل .
2 ـ ورد دعاء من الآية القرآنية 286 من سورة البقرة دون إشارة إلى ذلك ( 70 ) .. " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ".. وفي الصفحة نفساا أورد آية قرآنية أخرى من سورة الأحزاب ( آية 56 ) دون إشارة.
3 ـ وردت كلمة خطأ في الآية 72 من سورة ( الزخرف ) ( 71 )، وصحتها ( تعملون ) بدلا من ( تفعلون ).
4 ـ كما وردت كلمة خطأ في الآية 52 من سورة ( الدخان ) ( 72 )، وصحتها ( عيون ) بدلا من ( نعيم ).
5 ـ كما وردت الآية 35 من سورة ( الأحزاب ) ، ونسبت خطأ إلى الشاذلي ( 73 )!
6 ـ كان ينبغي أن تسبق سورة ( الشرح ) ـ كلام الله العزيز ـ أي قول آخر ( 74 ).
والمرجو تدارك هذه الأخطاء غير المقصودة في الطبعة التالية للرواية..

الهوامش :
1. محمد جبريل : البوصيري ـ ص 67
2. د. ثروت عكاشة : المعجم الموسوعي للمصطلحات الثقافية ـ لونجمان ومكتبة لبنان ـ القاهرة 1990 ـ ص 236
3. نفسه
4. نفسه
5. نفسه
6. ياقوت العرش ـ ص 168
7. د. طيبة صالح الشذر : ألفاظ الحياة الثقافية في مؤلفات أبي حيان التوحيدي ـ القاهرة 1989 ـ ص 236
8. محمد جبريل : أبو العباس ـ الفصل الرابع
9. المصدر السابق ـ ص 41
10. المصدر السابق ـ الفصل الخامس
11. المصدر السابق ـ ص 53
12. المصدر السابق ـ الفصل التاسع
13. المصدر السابق ـ الفصل الحادي عشر
14. المصدر السابق ـ الفصل الثالث عشر
15. المصدر السابق ـ الفصل التاسع عشر
16. المصدر السابق ـ الفصل العشرون
17. المصدر السابق ـ ص 192
18. المصدر السابق ـ ص 249
19. محمد جبريل : ياقوت العرش ـ الفصل السادس
20. المصدر السابق ـ ص 61
21. المصدر السابق ـ الفصل الثامن
22. المصدر السابق ـ ص 75
23. المصدر السابق ـ الفصل الثاني عشر
24. المصدر السابق ـ الفصل الرابع عشر
25. أبو العباس ـ الفصل الخامس
26. ياقوت العرش ـ ص 130
27. المصدر السابق ـ ص 134
28. المصدر السابق ـ ص 133
29. المصدر السابق ـ الفصل الثاني والثلاثون
30. المصدر السابق ـ ص 251
31. المصدر السابق ـ الفصل الثالث والثلاثون
32. المصدر السابق ـ ص 256
33. المصدر السابق ـ ص 258
34. أبو العباس ـ الفصل السادس والعشرون
35. المصدر السابق ـ ص 234
36. ياقوت العرش ـ الفصل الأول
37. المصدر السابق ـ ص 9
38. المصدر السابق ـ ص 10
39. المصدر السابق ـ ص 12
40. المصدر السابق ـ ص 13
41. المصدر السابق ـ ص 14
42. المصدر السابق ـ الفصل الحادي والثلاثون
43. المصدر السابق ـ الفصل الثالث عشر
44. أبو العباس ـ الفصل السابع والعشرون
45. المصدر السابق ـ ص ص 242، 243
46. ياقوت العرش ـ الفصل التاسع
47. المصدر السابق ـ ص 81
48. البوصيري ـ ص ص 16، 17
49. المصدر السابق ـ ص 30
50. المصدر السابق ـ ص ص 37، 38
51. المصدر السابق ـ ص 43
52. المصدر السابق ـ ص ص 47، 49
53. المصدر السابق ـ ص 66
54. المصدر السابق ـ ص ص 97 / 99
55. المصدر السابق ـ ص ص 124، 125
56. المصدر السابق ـ ص ص 132، 133
57. المصدر السابق ـ ص 138
58. المصدر السابق ـ ص 139
59. المصدر السابق ـ ص 140
60. المصدر السابق ـ ص ص 155، 156
61. المصدر السابق ـ ص ص 215، 216
62. علي تمراز ـ ص ص 15، 16
63. المصدر السابق ـ ص 54
64. المصدر السابق ـ ص ص 67، 68
65. المصدر السابق ـ ص 58
66. المصدر السابق ـ ص 69
67. المصدر السابق ـ ص ص 170، 171
68. المصدر السابق ـ ص ص 184، 185
69. المصدر السابق ـ ص ص 244، 245
70. أبو العباس ـ ص 41
71. البوصيري ـ ص 16
72. المصدر السابق ـ ص 17
73. المصدر السابق ـ ص 98
74. المصدر السابق ـ ص ص 124، 125
(يتبع)

د. حسين علي محمد
15-05-2007, 08:45 PM
الفصل الحادي العاشر من كتاب «روائي من بحري» لحسني سيد لبيب

المينا الشرقية
..................

حين بدأ محمد جبريل كتابة روايته ( المينا الشرقية )(1) ، أحب أن يضمنها شيئا من واقعه كأديب ـ وهي سمة بارزة في معظم كتاباته ـ فشاء أن يجعل من الندوات واللقاءات الأدبية موضوعا لروايته، وجعل من مقهى المينا الشرقية مقرا لها، مما جعل الكاتب أقرب إلى عالمه وهو ينسج خيوط الرواية ويرسم شخصياتها. وإن انتقل بالندوة ـ في روايته ـ إلى مكان آخر غير القاهرة ، إلى المكان الذي عاش فيه طفولته وصباه ، إلى المكان الذي أحبه وعشقه وشده الحنين إليه ، حتى أنك إذا سألت عنه وجدته قد سافر بجناح الشوق إليه ، إلى المكان الذي كتب عنه العديد من الروايات ، إلى الإسكندرية ، وبالتحديد منطقة ( بحري ) .. والمقهى في المكان نفسه .. وهذه الواقعية الممزوجة بالحنين إلى المكان خلقت جوا يأنس إليه الكاتب فيأنس معه قارئه ، لما فيها من مصداقية القول وجيشان الأحاسيس . واستتبع ذلك صياغة لغوية متفردة . وقد ضمن الرواية شخصيات من الواقع ومن الخيال،في مزج دقيق لا يواتي إلا الفنان ذا الطبيعة المرهفة ، والريشة المبدعة في رسم الشخصية المتوائمة مع النسيج الروائي .. الذي يستوحي أحداثه ويستلهمها من بيئة شعبية اتتمى إليها فكتب عنها ما يشكل (رحلة إلى العالم القديم ) (2)، وهي رحلة ذات طبيعة خاصة، لما فيها من حنين إلى الماضي و( حلاوة زمان ) (3) .
والرواية إضاءة لأحوال الأدباء ، سواء في معاناتهم فيما يكتبون ، أو ما يعانيه البعض منهم من أجل الحصول على عمل . ولم يبدُ على أيٍّ من رواد الندوة مظهرا من مظاهر الغنى ، فهم إلى الطبقة الفقيرة ينتمون .
و ( البطل المطارد ) الذي ركز عليه الدكتور حسين علي محمد في دراسته القيمة عن أدب محمد جبريل(4) ، ما زال مطاردا ـ أيضا ـ في ( المينا الشرقية ) . فالبطل إما مطارد من السلطة دون ذنب جناه، أ و مطارد من الأب أو الأم، كما في روايات : ( الأسوار )، و ( الصهبة )، و ( قاضي البهار ينزل البحر.وفي رواية ( النظر إلى أسفل ) نجد شاكر المغربي مطاردا من أزمته النفسية، يستمرئ لعبة الاستمناء التي تعني عدم المشاركة في الحياة، وكأنه يشير إلى الرأسمالية المصرية الجديدة بعد الانفتاح، التي تنمي ثرواتها دون اهتمام بإنماء مجتمعها وتطويره.. وفي رواية ( الخليج ) نجد البطل مطاردا من الحياة جميعها، من الأسرة بمطالبها، ومن رئيس التحرير في صحيفته، ومن الكويت التي احتلتها العراق، ومن جنود الحدود في السعودية.. وقد نجح الدكتور حسين علي محمد في إلقاء الضوء على هذا الجانب المهم في إبداعات جبريل، ناهيك عن قضية الحرية، التي تشغل بال كاتبنا ويعتبرها قضيته الأولى. وهو لا يصرح بها، لكنه في الشخوص التي رسمها، وفي تناوله لقضايا التعذيب وقهر الفكر، إنما يشي بذلك إلى المطلب الحيوي للإنسان، حريته التي لا تقل أهمية عن توفير الملبس والمأكل والمأوى.. من هذه الزاوية، نقرأ رواية ( المينا الشرقية )، ونصب أعيننا حكاية البطل المطارد، وأهمية الحرية للإنسان.. وقبل الاسترسال في الحديث عن ( المينا الشرقية ) نلاحظ أن معظم أبطال رواياته انطوائيون أو انعزاليون، أو قل إن علاقاتهم الاجتماعية محدودة. وبطل ( المينا الشرقية ) أديب، ومن ثم فالعزلة ديدنه حتى يتمكن من القراءة والكتابة، وقد دلل جبريل على ذلك بمقولة أرنست هيمنجواي : " كلما ازداد الكاتب انغماسا في عمله، بعد عن أصدقائه، وأصبح وحيدا ".. وما قاله جابرييل جارثيا ماركيز عن الكتابة، التي هي في تقديره أكثر المهن عزلة في العالم، فلا أحد بإمكانه مساعدة الكاتب في كتابة ما يكتب ( 5 ) . فالراوي هنا هو الأديب عادل مهدي يترأس ندوة أدبية، وهو المسئول عن إدارتها وما يثار فيها من آراء . فنتعايش معه.. ذلك الكاتب الذي دق حسّه وتحول انتباهه إلى شخص ما يظن أنه يراقب تصرفاتهم ، واتجهت به الظنون إلى كل شخص ينطوي على نفسه ، أو ينزوي في ركن ، أو يواظب على حضور الندوات . ويجدّ في البحث عنه ، حتى أن الراوي صار عينا حساسة ، تبحث في كل الاتجاهات عن العين الأخرى المراقبة ‍‍.. وتدل تصرفات عادل مهدي على فقدان الثقة بين الكاتب والدولة ، أو هي أزمة متبادلة بينهما ، بمقدار ضيق مساحة الحرية التي تمكّن الكاتب من أداء رسالته .
والراوي أو رئيس الندوة ، لم يُبدِ تعاطفا مع رأي أو إبداع ، مكتفيا بعرض وجهات النظر ، وتقديم الأدباء .. وقلما نجد كاتبا اهتم بكتابة رواية عن هموم الأدباء وأحوالهم . لذا تميزت ( المينا الشرقية ) في موضوعها ، بل إنها كسرت أيضا الحاجز المصطنع بما قدمته عن حياة الأدباء .
إن تضييق الخناق على أعمال الندوة ، من قبل رجال المباحث ، أثّر بالسلب على عملية الإبداع ذاتها . فالمطاردة والشك ينغصان عيشة الكاتب ، ويجعلانه في مواجهة أحد أمرين : إما ألا يحفل بمن يراقب ، ويصر على الجهر بما يراه من رأي ، وإما يتحفظ فيما يقول ويكتب ، إيثارا للسلامة .. ويبدو لنا الراوي متخوفا من العين الراصدة ، لكن الكاتب لم يطلعنا على آراء الراوي التي يخاف من الجهر بها ، وإن أطلعنا على آراء رواد الندوة . وبات الخوف من المطاردة أسلوب حياة تعكر مزاج الكاتب وتوقعه في اضطراب ، سواء جهر بقول أو التزم الصمت .. فالمراقبة قاعدة أساسية سواء شكلت الندوة خطرا ما أو لم تشكل، فالمراقبة أمر لازم ، أو هي نظام اتبع مع أي تجمع ، فيندس من يراقب دون أن يشعر به أحد . في ضوء هذا ، أدار الكاتب أحداث الرواية ، حول العين الجاسوسة التي لا يعرفها أحد ، ولا تكشف عن نفسها , فبدأ الراوي يشك في كل عين ويرتاب من كل قول.
وها هو رجل لا يخفي أن عمله حضور الندوات والتجمعات ليراقب ما يقال فيها ..وتشكك من مسئول بمكتب الجريدة التي يعمل بها محررا ، بسبب قراءته لكل شيء يرد إلى المكتب ، حتى الرسائل التي تخص موظفي المكتب كان يطلع عليها (6) . وبعد خروج محمد الأبيض من المعتقل ، زاره في بيته ، فحذره من أن يراقب بسبب هذه الزيارة ! (7) . وتحدث عادل مهدي عن بسيوني الذي أعطاه أوراقا جرى فيها بالشطب والإزالة ، فقرأ إسمه ضمن أسماء المترددين على الندوة . وأفهمه رأفت الجارم أنه عين على الندوة ، فاعتقد الراوي أنه هو الذي يراقب الندوة وأعضاءها ! (8). وتطرق شك عادل مهدي إلى محمد الأبيض ، وإلى آخرين ..
وضرب الكاتب مثلا بأحد الممالئين للسلطة، المنافقين لها بذلك الكاتب الذي يحث الحكومة على الإسراع في الخصخصة، بينما كان الكاتب نفسه يتحدث في عهد عبد الناصر عن حتمية الحل الاشتراكي ‍‍1
الحديث عن الرجل الذي يراقبه حديث متكرر ، وتتجمع عنده بؤرة الحدث الرئيسي للرواية ، أو أنه العمود الفقري للبنية الروائية .. من ذلك حديثه في الفصل الثامن عن رجل لمحه في المرآة ، كان يجلس على طاولة ويتظاهر بقراءة جريدة . وقد ظن ـ ذات مرة ـ أن محسن سالم هو الذي يراقب الندوة ، لكنه بعد ما اقترب منه ، عدل عن اتهامه له .. وقد ظن أن صاحب مخزن يراقبه ، لكنه أهمل هذا الظن ، وتشكك في الضابط مجدي الأسيوطي (9) .
تنطبع صورة عادل مهدي في الذهن لرجل خائف متوجس ، الخوف يلازمه كظله ، إنه خائف من شيء يتوقع حدوثه ، وإن كان لا يدري التفاصيل . وعاش بهذه الشخصية من بداية الرواية حتى نهايتها . وتركزت الرواية عند هذه البؤرة . وهكذا كان عادل مهدي في كل ظنونه ، ما إن يرمي ظلال الشك في شخص ، حتى تتلاشى ويتولد الشك في آخر , ولما اقترح فض الندوة ليستريح من المراقبة ، حذره محمد الأبيض ، حيث يمكن الظن بأنه انتقل بنشاطه إلى تنظيم سري . ونصحه باستمرار الندوة مع عدم الخوض في مواضيع سياسية . ومادام لا ينتمي إلى تنظيم ما ، فإنهم لا يقتربون منه ‍‍‍‍.
وثمة لقطات سريعة موحية ، حين يبتعد الراوي عن عالمه المأزوم ، ومثال ذلك ، حين انتابه أرق حرمه من النوم ، فتطلع إلى العالم الخارجي ، فلم يجد إلا الصمت والهدوء .. ووقعت عيناه على " عجوز وحيدة ، التف جسمها ببالطو من التيل الباهت اللون . جلست على المقعد الحجري ، قبالة الكورنيش ، تطعم ثلاث قطط فتات خبز مغموسا في اللبن " .. وهي لقطة حانية ، توحي بحنان رومانسي نفتقده في الواقع ‍.. ولقطة ثانية من هذا العالم الخارجي ، حين عبرت عربة زرقاء مغلقة ، وبداخلها تتردد أصوات الرجال بالهتاف : إسلامية .. إسلامية .. في إشارة واضحة للواقع المأزوم الذي عاشته البلاد في الثمانينيات (10).
وتنتهي الرواية بالأزمة ، المتمثلة في موت عيد جزيري ، وهي أزمة نفسية أصابت عادل مهدي ألما من مصير الإنسان ، وتضاءل ـ أمام قدر الموت ـ خوفه وقلقه من المراقبة والمطاردة , وفي هذا يقول : " ما الحياة ؟ وما الموت ؟ وما معنى أن ينتهي المر في لحظة ، يتلاشى ، كأنه لم يكن . تغيب الأحلام والرغبات والأشواق والتطلعات ؟ لماذا القراءة والكتابة والندوة والمناقشات والمراقبة والخوف ، ما دامت الملامح الثابتة ماثلة في مدى الأفق ؟ لماذا نولد إن كان العدم حتمية النهاية ؟ " (11). ثم لقي مصيره الذي كان يطارده، فقد أخبرته أمه أن ثلاثة رجال سألوا عنه ، ثم " ذهبوا إلى سيارة سوداء بلا أرقام في ناصية الشارع ، وجلسوا داخلها " (12) .. فنـزل إليهم مسلما نفسه إلى مصيره المحتوم ‍‍.‍. وتنتهي الرواية بهذه الصورة الرمزية ، ولا أدري هل قصدها الكاتب ، أم جاء الرمز عفو الخاطر؟ فالرمز يستشفه القاريء في المزج بين الاعتقال ، أو الخوف منه ، مع الموت .. الأجل .. لم يعد يحفل بالمراقبة أو يخاف منها ، إنه وصل إلى نقطة النهاية .. وترمز السيارة السوداء إلى المصير المحتوم ، وأن السيارة بلا أرقام ، لأن الإنسان يجهل ساعة أجله . أما الرجال الثلاثة الذين كانوا ينتظرونه ، فإشارة إلى القضاء والقدر ‍. واختلط معنى الموت بالاعتقال ، والخوف من المراقبة يتوازى مع خوف الإنسان من الموت . والمراقبة قد تعني هنا أن الإنسان مسئول عن كل تصرف وسلوك ، وسيحاسب على كل أفعاله . هنا ، تأخذ المراقبة معنى أكثر شمولا من اقتصارها على البعد السياسي فحسب. وبهذا ترتقي الرواية وتتثبت معانيها ومراميها في النفوس ، أكثر ثراء وغنى ، وأبعد غورا وعمقا ، من غير شرح أو طنطنة أو إسهاب ، وتلك عظمة الفن ...
وحين طالعتُ ( رباعية بحري ) ، جال تساؤل في خاطري عن أهمية ازدحام الرواية بالشخصيات ، ثم ترددت في الإجابة على أساس أن الرباعية البالغ عدد صفحاتها 1084 صفحة تحتمل هذا . وأن ما يبدون شخصيات ثانوية ، قد تجيء أدوارهم في فصول تالية ، ما دامت هذه الشخصيات تحقق في مجموعها ترابط أحداث الرواية ، وتلاحمها وتفاعلها ، يؤثرون في الواقع بقدر ما يتأثرون به ، ويكونون بؤرة الحدث بوسيلة أو بأخرى .. ولما أنهيت الرباعية وجدت شخصيات غفل الكاتب عن دورها ، فبدت هامشية وثانوية .. وخاصة عندما تثار مناقشات فيما بينها ـ غالبا في المقهى ـ وحين تتصدر النقاش ، نظن أن لها أدوارا رئيسية أو أن لها دورا في تفعيل الحدث ، إلا أن دور بعضها يظل محدودا ، أقحمها الكاتب بقصد إثراء المناقشة حول قضية أو موضوع سياسي ، فكانوا أشبه بـ ( كومبارس ) الأفلام السينمائية .. وها هي رواية ( المينا الشرقية ) تزدحم بالشخصيات كأختها ( رباعية بحري )، والقضية التي تعنيني هنا، هو مدى ما حققه الكاتب من ( لذة النص ) على حد قول رولان بارت، أو فلنقل مدى ما حققه النص الروائي من متعة للقارئ.
وقد أجاد الكاتب رسم الشخصيات النسائية أسامة صابر وسنية عبد المحسن وإيناس عبود .. وكثرة الشخصيات يقتصر على عالم الذكور ، أما الإناث فلهنّ أدوار محددة مرسومة بإتقان .
وشخصيات ( المينا الشرقية ) تبدو مراوغة ، مثل شخصيات ( رباعية بحري ) ، ما إن يتعايش القاريء مع إحدى الشخصيات ، وقبل أن نصل إلى حد التعايش معها ، أو الإشباع ، حتى يسحب الكاتب البساط من تحت أقدامنا ، وينقلنا قسرا إلى شخصية أخرى ، ويفعل الشيء نفسه مع الشخصية الثانية ، حيث ينقلنا إلى الثالثة ، وقد يرجع إلى حديث سبق أن قطعه عن إحدى الشخصيات ، فتنفتح مغاليق العمل بالتدريج ، ويتم التعرف على معالمه وأحداثه وشخصياته . وهو بهذه الطريقة ينقل قارئه بآلة تصوير سينمائية تلتقط مقاطع ، أو تصور مشاهد من هذا العالم الروائي ، وقد تلتقط الآلة المصورة لقطات عشوائية ، تشبه إلى حد ما عشوائية حياتنا وعبثية مشاهدها التراجيدية .
على أن كثرة الشخصيات ليست سلبية، إذا نظرنا إليها من منظور العالم الحي الذي نعيشه ، وتشابك العلاقات وتداخلها ، بما يكون شبكة متلاحمة يصعب تبين بدايات ونهايات خطوطها وخيوطها .. وما دام الكاتب يقترب من هذا العالم الحي ـ أو الواقع ـ الذي نعيشه ، انعقدت الصلة بينه وبين المتلقي . وحلا لهذه الإشكالية ، إشكالية كثرة الشخصيات وكونها تشكل ـ في الوقت نفسه ـ نسيج العالم الموار ، فيما قد يعدّ ضرورة فنية أمينة عن هذا العالم ، يتعايش معها القاريء ، فإن مزيدا من الغوص في أعماق هذه الشخصيات ، ومزيدا من التعريف بها ، يكون ضروريا لاقتراب القاريء أكثر من النص الروائي ، وتعايشه واندماجه بطريقة يسيرة هينة، تجعل القراءة أكثر متعة وأقل عناء .
إلا أن الكاتب حقق مزجا بين شخصيات واقعية وشخصيات الرواية التي هي من ابتداعه ، وإن كانت الشخصيات المبتدعة تلتحم بالواقع ، وإن غيّر الأسماء وبدّل الأحداث .. وفي هذا ، اقتطع جزءا من قصيدة لحسين علي محمد وأنطقها على لسان يحيى عباس (13). كما أشار إلى ثلاث شخصيات أخرى من الواقع : الأولى للشاعر السكندري أحمد فضل شبلول ، حيث عرض نموذجا من شعره عن الإسكندرية ، عشقه وهواه ، كأن الكاتب يشي بأنه ليس الوحيد المتيم بعشقها .. أما الشخصية الثانية فهي الشيخ المحلاوي الذي حرض الناس على التظاهر ضد العدوان على المصلين في الحرم الإبراهيمي (14) .. والشخصية الثالثة لبيرم التونسي حين استشهد نادر البقال بما قاله بيرم متفاخرا بالمكان الذي نشأ وتربّى فيه : " وانا اللي جيت م السيالة .. فيها العيال والرجالة .. شجعان ولكن بهباله .. يا ننتصر .. يأكلناها .. " (15) .. والملاحظ أن ( السيالة ) ربما صادفت هوى في نفس الكاتب، حيث ذكر في الفصل الأخير من رواية ( إمام آخر الزمان ) أن المهدي المنتظر اغتيل على رصيف مقهى السيالة، طبقا لما تؤكده معظم الروايات. وهذا التعاطف والحنين إلى مكان معين أمر طبيعي للكاتب، سواء قصد ذلك أو جاء عفوا، مثلما قرأنا لفريد محمد معوض في دراسته عن ( رباعية بحري ) حبه لشخصية إبراهيم سيف النصر، لكونه من قريته ( سامول ). إنه تعاطف فطري وجنين إلى المكان الذي عشنا فيه، وخاصة فترة الصبا والشباب. وذلك علاوة على ذكره لشخصيات سياسية في معرض سرده للأحداث عن الواقع السياسي ، وهي عادته في معظم رواياته ، مزج الواقع الروائي بالواقع السياسي المتزامن مع الأحداث . علاوة على ما ذكره عن أعلام الصوفية في الثغر في الرباعية وفي غيرها من الروايات .
وينقلنا قلم الكاتب اللماح في سطور وجيزة إلى ثقافة العصر من خلال الكتب المعروضة لدي باعة الكتب القديمة .. " كتب بأحجام متباينة ، وملونة ، عن عذاب القبر ، وحساب الملكين ، وهول يوم القيامة ، والسحر ، والتنجيم ، والفلك ، والأبراج ، والتصرف السليم في ليلة الزفاف ، وأغنيات أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ، وكيف تقرأ الإنجليزية في أربع وعشرين ساعة " (16).. وهي ثقافة تضم الشتات والأضداد . يختلط فيها الجيد بالتافه ، والثمين بالغث. وتجمع بين الدين والسحر والفن وتعلم اللغات والغيبيات . لكنها ثقافة تفتقر إلى التعريف بالهوية والانتماء للوطن ، تفتقر إلى التاريخ ، ذاكرة الأمة في استيعاب دروس الماضي لبناء لبنات المستقبل .

الهوامش :

1. محمد جبريل : المينا الشرقية ـ رواية ـ مركز الحضارة العربية ـ القاهرة 2000
2. جاءت العبارة ( رحلة إلى العالم القديم ) عنوانا لقصة للكاتب حسني سيد لبيب نشرها في مجلة (الأديب) اللبنانية.
3. اسم مسرحية لرشاد رشدي
4. د. حسين علي محمد : البطل المطارد في روايات محمد جبريل ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ـ الإسكندرية 1999
5. مقال محمد جبريل ( ماذا يريد الكاتب ؟ ) ـ مجلة ( الفيصل ) ـ عدد 233 ـ مارس / أبريل 1996م ـ ص 77
6. المصدر السابق ـ الفصل الثالث عشر
7. المصدر السابق ـ الفصل التاسع عشر
8. المصدر السابق ـ الفصل العشرون ( الأخير )
9. المصدر السابق ـ الفصل الثاني عشر
10. المصدر السابق ـ الفصل الثالث
11. المصدر السابق ـ ص 106
12. المصدر السابق ـ ص 107
13. المصدر السابق ـ الفصل الأول
14. المصدر السابق ـ الفصل التاسع
15. المصدر السابق ـ الفصل الرابع عشر
16. المصدر السابق ـ ص 101

د. حسين علي محمد
15-05-2007, 08:47 PM
الفصل الثاني العاشر (الأخير) من كتاب «روائي من بحري» لحسني سيد لبيب

روايات عن بحري .. لماذا ؟
...................................

نورد فيما يلي مقتطفات من كلمات قالها محمد جبريل، في كتبه، وفي حوارات أجريت معه عن سبب اختياره منطقة ( بحري ) مسرحا للعديد من رواياته..
( 1 )
انشغالي بمنطقة بحري، لا يقتصر على البعد العاطفي وحده. نعم، هي المنطقة التي عشت فيها طفولتي وصباي. أدين لها بذكريات كانت نبضا للعديد مما كتبت. بحري منطقة حياة مكتملة، لها خصائصها التي تختلف عن سواها من المناطق، داخل الإسكندرية وخارجها. وإذا كان جو القاهرة المملوكية هو الذي دفع أستاذنا نجيب محفوظ لاختيار منطقة الجمالية نبضا للعديد من أعماله، فإن الحياة المعاشة، الخصبة، والثرية، هي الدافع ـ في الأغلب ـ لاعتبار منطقة بحري موضعا لكتاباتي..
( 2 )
أستطيع أن أقول إنني استفدت من بيئة الإسكندرية السخية، ليس على المستوى العاطفي والوجداني وحسب، وإنما على مستوى الحياة اليومية والتعامل مع الواقع والاستفادة من خبراته. ولقد كانت حياة صيادي السمك في الأنفوشي، وعسكر السواحل، وصغار الموظفين والحرفيين، بالنسبة لي نبعا لا تغيض مياهه. كنت أجد متعة كبيرة في الوقوف على شاطئ الأنفوشي ومتابعة عملية الصيد بالشباك والسنارة وصناعة السفناالصغيرة والتعرف على العلاقات السرية البسيطة والمشبوهة أيضا. وإذا كان تعرفي على تلك الحيلة البانورامية المتميزة قد انعكس في العديد من أعمالي الفنية مثل " الأسوار "، " إمام آخر الزمان "، " حكايات عن جزيرة فاروس "، " قاضي البهار ينزل البحر "، وعشرات القصص القصيرة، فإن صور الحياة في بحري ـ ماضيه القريب تحديدا ـ تلح علي في أن تكون نبض أ‘مال أخرى مقبلة..
( 3 )
في إحدى قصصه القصيرة، اعتذر " بلزاك " لقارئه أنه أسرف في وصف الشارع الذي جرت فيه أحداث القصة لسبب بسيط أن ذلك الشارع هو الذي ولد فيه " بلزاك " ونشأ. وأعتقد أن هذا الشعور نفسه هو الذي أكتب من خلاله غالبية أعمالي، فأنا لا أستطيع أن أتخيل أبطالي ـ إلا نادرا ـ في غير تلك المنطقة التي تبدأ بسراي التين، وتنتهي بنهاية شارع الميناء.. عالم يفرض نفسه في كل ما أكتب. وأحيانا فإنني عندما أكتب قصة قصيرة أكتشف أن أحداثها تدور في ذلك البيت الذي قضيت فيه طفولتي وصباي. ولعل ابتعادي عن الإسكندرية وإقامتي في القاهرة ثم سفري إلى منطقة الخليج في رحلة عمل مدتها تسع سنوات كان محركا لمشاعر الحنين التي كانت نافذة تطل منها غالبية أعمالي. إنني كنت وما زلت ـ أشفق على أبناء الأنفوشي ورأس التين وبالذات تلك البيوت المتساندة التي إذا تهدم أحدها فإنه ما يلبث أن يجر وراءه بيوتا متلاصقة، ومع ذلك فإن الشعور بالأسى يغمرني كلما تبدلت صورة المكان الذي عاش فيه من قبل عبد الله النديم، وسيد درويش، وسلامة حجازي، ومحمود سعيد، وبيكار. أنا لا أطمح أن يصبح حي " بحري " في أعمالي مثلما أصبحت قرية " ماكوندو " في روايات جابريل جارثيا ماركيز .. إلا أن بحري يتميز عن " ماكوندو " بأنه واقع وليس خيالاً . وأعترف أنني كنت أقبل على كتابة " حكايات عن جزيرة فاروس " لا باعتبارها قصصاً لها مقومات القصة القصيرة ولا حتى باعتبارها فصولاً في رواية ، وإنما باعتبارها تقارير عن الحياة اليومية في بحري في الفترة من نهايات الحرب العالمية الثانية إلى قيام ثورة يوليو .
( 4 )
لقد ولدت ونشأت في الإسكندرية، لذلك فمن الطبيعي أن تكون مكاناً للعديد من أعمالي، حتى التي جرت أحداثها الحقيقية في أماكن أخرى جعلت الإسكندرية فضاء لها ! فأحداث روايتي " الصهبة " الحقيقية في قرية بالقرب من الجيزة، لكنني فضلت أن أنقلها إلى الإسكندرية - إلى حي بحري تحديداً – لأنه المكان الذي أعرف ملامحه جيداً، ومن ثم فإنه بوسعي أن أتحرك فيه بحريتي ! .. ومع ذلك فإن المكان في رواياتي لا يقتصر على الإسكندرية. أذكرك برواياتي : قلعة الجبل، واعترافات سيد القرية، والأسوار, ومن أوراق أبي الطيب المتنبي، وبوح الأسرار … الخ.
( 5 )
وإذا كان فوكنر قد اخترع مدينة تدور فيها أحداث رواياته، هي جيفرسون، في حين اخترع جارثيا ماركيز مدينة ماكوندو تعبيراً عن الحياة المتميزة في أمريكا اللاتينية، فإني حرصت على الكتابة عن حي " بحري " بالإسكندرية باعتباره كذلك. لم أحذف ولم أضف إلا بمقدار الاختلاف بين الواقع والفن، فإن الفن ليس نقلاً فوتوغرافياً للواقع، لكنه إيهام بذلك الواقع. حي بحري ليس " ماكوندو " جارثيا ماركيز. ليس فردوساً أرضياً وفرصة رائعة أمام الإنسان، ليحقق ما عجز عن تحقيقه من أمنيات. أهل بحري يعانون ويقاسون ويعملون ويمرضون ويفرحون ويموتون ويألمون ويأملون. لا أضيف جديداً لو قلت إن المحلية هي البيئة الحقيقية التي يجدر بأعمالنا الفنية أن نتحرك في إطارها، توصلاً للإنسانية.

الهوامش :
.........
1. محمد جبريل : مصر المكان ( دراسات في القصة والرواية ) – الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة – سلسلة ( كتابات نقدية ) – فبراير 1998 – العدد 71 – ص 6
2. جريدة ( الشرق الأوسط ) – 27 يناير 1989 – حوار أجراه الأمير أباظة مع محمد جبريل
3. المصدر السابق
4. د. حسين علي محمد : من وحي المساء – دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر – الإسكندرية 1999م – فصل ( حواران مع الروائي محمد جبريل ) – ص 199
5. مقال محمد جبريل ( ماذا يريد الكاتب ؟ ) : مجلة ( الفيصل ) – عدد 233 – مارس / إبريل 1996 – ص 77

***

صدر للكاتب:
...............

1-باقة حب : ( دراسة أدبية ) بالاشتراك – القاهرة 1977م.
2-حياة جديدة : ( قصص ) – ( طباعة ماستر محدودة ) – سلسلة ( أصوات ) بالشرقية 1981م.
3-أحدثكم عن نفسي : ( قصص ) – اتحاد الكتاب العرب – دمشق 1985م.
4-طائرات ورقية : ( قصص ) – المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة 1992م.
5-كلمات حب في الدفتر : ( قصص ) – اتحاد الكتاب العرب – دمشق 1993 – ط1.
6-سبعون ألف آشوري : ( قصص مترجمة ) – وليم سارويان – دار الصداقة للترجمة والنشر والتوزيع – حلب 1994م.
7-ابن عمي ديكران : ( قصص مترجمة ) – وليم سارويان – دار الصحافة الصداقة للترجمة والنشر والتوزيع – حلب 1994م.
8-الخفاجي .. شاعراً : ( دراسة أدبية ) – تقديم البشير بن سلامة – رابطة الأدب الحديث - القاهرة 1997م.
9-كلمات حب في الدفتر : ( قصص ) – تقديم خليل أبو دياب – سلسلة ( أصوات معاصرة ) بالشرقية 1997 – ط 2.
10-دموع إيزيس : رواية – مركز الحضارة العربية – القاهرة 1998م.
11-نفس حائرة : قصص – دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر – الإسكندرية 1999م.
12-مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي بين الإنصاف والمغالطة : بحث – مكتبة الملك عبد العزيز العامة – الرياض 1999م.
(انتهى الكتاب)

د. حسين علي محمد
28-08-2007, 01:11 PM
صدور رواية « نفق المنيرة » لحسني سيد لبيب
.................................................. ..........

صدرت رواية "نفق المنيرة" عن اتحاد الكتاب والهيئة المصرية العامة للكتاب.وهي الرواية الثانية لحسني سيد لبيب بعد "دموع إيزيس".
وتدور أحداث"نفق المنيرة" أيام الستينيات، وقد اتخذ المؤلف من مدينته "إمبابة" مسرحا لأحداثها. وتقع في 304 صفحات، وتضم 51 فصلا. وقد أهدى المؤلف الرواية لروح والده. يقول في سطور الإهداء: "إلى من علمني أسمى المعاني وأنبل القيم.. إلى الذي علمني الصبر وقت الشدائد.. إلى والدي رحمه الله وغفر له".

د. حسين علي محمد
21-02-2008, 07:22 PM
قراءة في رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب

بقلم: إبراهيم سعفان
ـــــــــــــــــــــــــــــ

الأستاذ حسني سيد لبيب أديب ملتزم بالقضايا الاجتماعية والسياسية، وهو منحاز للطبقة المتوسطة والفقراء، ويعتني أيضا بالأسرة باعتبارها النواة الأساسية التي يرتكز عليها المجتمع. إنهم يعيشون في الأرض، ويسعون في مناكبها بحثا عن الرزق، ولتحقيق أحلامهم البسيطة، كأحلام "حمزة" صاحب الغرزة الذي "يدعو الله أن يصلح الأحوال، ويحقق الآمال، كانت آماله محدودة متواضعة، لا تتعدّى أن يعينه الله على مواجهة ما تأتي به الأيام، وأن يحقق "لحميدة" حلمها في ولد تفرح به".
الرواية صورة واقعية حقيقية، لأناس يكافحون من أجل توفير أدنى متطلبات الحياة، فالنفق يمثل قوة من قوى الضغط النفسي، فالخوف ساكن في قلوبهم خشية انهيار النفق في أي لحظة، أصبح يمثل كابوسا يهدد حياتهم في يقظتهم، وفي أحلامهم، وهناك أيضا "سيد سبرتو" الفتوة يمثل قوة ضغط وخوف وتهديد.
ويبين الكاتب الروح الشعبية المتألقة بشكل واضح. ولذا يمكن القول: إن الشعب يحركه أمران هامان هما:
1. الوجدان الديني،
2. الروح الشعبية.
فالوجدان الديني يحرك فيه الصدق والأمانة والعدل، والروح الشعبية تحرك في الإنسان الشهامة. وهذان الأمران يسريان في الشخصيات، ونتبين ذلك في سلوكهم.
هذه الروح جعلت والد فتحي يتراجع عن الهروب من كمساري الأتوبيس حتى لا يدفع ثمن التذكرة، ثم يفيق إلى نفسه فينادي على الكمساري ويعطيه ثمن التذكرة في إباء. لننظر إلى كلمة "في إباء" وما تكشفه عن اعتزازه بنفسه. وعند عودة "فتحي" من الخارج سمع حديث والده مع والدته. ماذا فعل؟ أخذ يعاقب نفسه بتأنيب الضمير، فيقول الكاتب "أنّب نفسه لمجرد التفكير في قضاء ليلة في المولد يلهو فيها ويعبث، باحثا عن اللذة.. بدأ يفيق على صورة الأب المكافح الذي هزمته الحياة في مواقع عديدة، لكنه يواجهها برباطة جأش، وتحمّل. بدأ يتنبه إلى أنه ينتمي للأسرة الفقيرة، وابتأس لحاله".
يبين الكاتب أن الإنسان يحمل الشر والخير، فشخصية "سيد سبرتو" الفتوة وما عرف به من قوة شريرة نجده يسارع فورا في إنقاذ غرقى الأتوبيس في النيل، وكذلك والد فتحي يتراجع عن الهروب من الكمساري حتى لا يدفع ثمن التذكرة. لم يمنع فتحي إحساسه بفقره من محاولة تحقيق حلمه وحلم الأسرة بدخوله كلية الهندسة.. يعيد الثانوية العامة بعد حصوله على مجموع 56 % لا يؤهله لدخول كلية الهندسة، فقدم أوراقه إلى معهد الخدمة الاجتماعية، فلما طلبوا منه كتابة بحث اجتماعي، اختار موضوع "التسول كظاهرة اجتماعية".
وافق الوالد دون تردد على تحقيق رغبة ابنه. لم يتردد في بيع طقم الصالون، ودفع الرسوم المقررة.
تحول النفق إلى كابوس يجثم على الأهالي في اليقظة، وفي النوم، يضج مضاجعهم، ويؤثر في أعصابهم، فها هو "حمزة"، يرى في منامه حلما مزعجا فيقول:
" لم ينم هذه الليلة. إن غفلت عيناه، حلت كوابيس أفزعته من نومه في حالة لم يعهد لها مثيلا. أتاه حلم مرعب لعمال بأفرولات زرقاء، وجوههم غير محددة المعالم، يحفرون مقبرة بعمق لا نهاية له. وهو مستكين ينتظر حتفه في هذا الجب العميق. ولما حان أجله أحس بقوة تحاول دفعه للسقوط، فصرخ صراخا عاليا، لكن الصراخ لا صوت له، تردد صداه في المقبرة التي لا قرار لها، ينهض هلعا.
أما الحلم الثاني لحمزة بن محمد، فقد استغرق في نومه وسبح في دنيا الأحلام، ورأى فيما يرى النائم نفق المنيرة قد تشققت أحجاره، فإذا به يجري وهو جزع، يتحسس الجدران.. يمرّر سبابته على شق من شقوقه، تجزع نفسه.. يصيح.. أبي.. حلم أو علم.. يقرص فخذه حتى يتنبه، يصيح.. يتردد صدى الصيحة في فضاء لا نهاية له.. يا هُو.. يا خلق الله.. النفق ينهار.. انقذوا النفق.. أهو زلزال مفاجئ، أم انهيار كامل.. لا يدري.. لا أحد يجيب.. يجري كالمجنون.. الناس في بيوت مغلقة، لا تسمع، أو أنها تتجاهل الصرخات".. وهذه إشارة إلى لا مبالاة الأهالي. ويصف الكاتب الحلم بأنه "إشارة لما سيحدث في المستقبل، فيقول: "الحلم إرهاصات الغافل عن الدنيا السابح في ملكوت الله. عجيبة هي الأحلام، ترينا فانتازيا تخلط بين الواقع والخيال.. قد تنبئ عما هو آت في مقتبل الأيام، وقد تكون الحاسة السادسة تري المرء بشفافية تخترق كالأشعة حجب الغيب.. تريه ما لا يراه بعينيه، وما لا يطوف بخياله".
أما حلم اليقظة: فهو القدرة على استحضار صور شتى، تخدع العقل، وتخضع الإرادة الشخصية، وحسها الانتقائي، فالتخيل هنا إرادي، مجاله لا وعي لليقظة. وفق الكاتب في تصوير معاناة أهل الحي، نتيجة لما مرّ من حروب في الماضي، وما يتحملونه من أزمات اقتصادية شديدة. إنه شعب لديه إرادة على تحمل الصعاب. لقد ربط الحزام ولم يفكه.. ورغم ذلك يدبر حياته متحديا ظروفه القاسية مستعينا بالله سبحانه وتعالى.
أما اللغة فالكاتب يحسن اختيار ألفاظه السهلة الحميمية، كما يتميز بالأسلوب والصور الفنية غير المعقدة، ليحدث التواصل بين المتلقي وبين النص. لذلك نراه يحرص على تنقية اللغة من أي إغراب، لذلك يمكن القول: "إن الأسلوب هو المبدع"، وإن "اللغة العربية هي التي تحدد خصوصية المبدع وهويته الحضارية".
اللغة الإبداعية نسج بديع يبهر ويسحر، وعلى الأديب أن يعرف كيف يتعامل مع لغته، كما يقول الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه "في نظرية الرواية": "حتى يجعلها تتنوع على مستويات، دون أن يشعر القارئ باختلال المستويات في نسج اللغة". فالأستاذ حسني واع لمهمة اللغة وأهميتها في تحديد المستويات، كما يولي أيضا لغة الحوار اهتماما كبيرا، فهو يحرص أن تكون لغته عربية فصيحة بسيطة سلسة، يفهمها المتلقي بمستوياته المختلفة، فهو لا يستخدم العامية حتى في الأمثال الشعبية.
واختلف في ذلك النقاد، فمنهم من يرى بقاء الأمثال بلهجتها العامية مثل الدكتور علي الراعي ـ رحمه الله ـ الذي قال إن الأمثال الشعبية تكتب بلهجتها لتحتفظ بزخمها.
وسبب تمسك حسني سيد لبيب باللغة العربية الفصيحة يرجع إلى أن العامية لا تقدر على التعبير عن العواطف والأفكار والواقع اليومي مثل اللغة العربية.
الكتابة الروائية عمل فني جميل يقوم على نشاط اللغة الداخلي، ولا شئ يوجد خارج تلك اللغة، وإذا كانت غاية بعض الروائيين العرب المعاصرين هي أن يؤذوا اللغة ( ليس بالمفهوم الفني ولكن بالمفهوم الواقعي للإيذاء)، بتسويد وجهها، وتلطيخ جلدها، وإهانتها بجعل العامية لها ضُرّة في الكتابة.. فلم يبق للغة العربية إلا أن تُحزّم حقائبها، وتمتطي ركائبها، وتمضي على وجهها سائرة في الأرض لعلها تصادف كتّابا يحبونها من غير بني جلدتها.
أمام كل هذا فإننا لا نقبل اتخاذ العامية لغة في كتابة الحوار.. ونؤثر أن تكون للغة الحرية المطلقة لتعمل بنفسها عبْر العمل الإبداعي، فلا واقعية، ولا تاريخ، ولا مجتمع، ولا هم يحزنون، إن هي إلا أساطير النقاد الآخرين.
استعان الأستاذ حسني سيد لبيب بوسائل فنية تعمق الحدث، وتنشط ذاكرة المتلقي، فيسترجع ذكرياته ويحل رموزها، ويصل إلى مفاتيحها، ودلالاتها، ونتبين ذلك في: الحديث النفسي، والمناجاة، وحمزة صاحب الغرزة الذي يتذكر أحداث عصره، ومذكرات فتحي الذي يسجل وقائع زمنه، وأحوال الشخصيات. وكذلك الأحلام سواء الأحلام التي نراها في النوم، أم في أحلام اليقظة.
لقد قدم الأستاذ حسني سيد لبيب بانوراما لمدينة إمبابة، وسجل الحركة الدقيقة لسكان الحي، حالتهم النفسية، والاجتماعية. كما اهتم بإبراز شخصية ابن البلد عن إيمان عميق يسري في وجدانه، ولا يظهر ذلك إلا في الملمات، كما أبرز أن الإنسان فيه الخير وفيه الشر، ولكن الخير هو المقدم عنده، ويتضح ذلك في سلوك "سيد سبرتو" الفتوة الذي يهب لنجدة أبناء حيّه ومساعدتهم. فشخصيات الرواية سوية إيجابية، لذا نراها متكاتفة، متعاونة في أي ظرف من الظروف.
ونورد أخيرا الكلمة التي ختم بها الكاتب الرواية: "عكف فتحي يسطر في مذكراته مأساة أمة نكبت في أعز أمانيها. بللت الدموع الصفحة التي يكتب فيها.. تطلع إلى السماء، عساه يهتدي إلى نجم ما، لعل أملا جديدا يضئ الأفق".. وهذا الأمل هو الذي يعيش له أهالي حي المنيرة.
الجوانب الفنية:
1. بدأ الكاتب ببيان جغرافية المكان ووصفه وصفا دقيقا. الأماكن الجديدة والأماكن القديمة، ذاكرا كل الأماكن المشهورة، التي لها ذكريات في حياته، وفي حياة سكان إمبابة، التي تحرك أشجان الإنسان وتعيده إلى مراتع الصبا.
2. بيّن الأزمات والمعاناة من الآثار النفسية المتراكمة نتيجة الحروب في الماضي، ونتيجة الأزمات الاقتصادية التي يعيشونها دون أمل في حل الحزام الذي ربطوه منذ سنين.
3. من يقرأ الرواية قراءة سريعة يعتقد أنها رواية تعالج مشاكل اجتماعية ومشاكل الشباب فقط، ولكنها رواية تعالج قضايا سياسية، لم يشأ أن يعرضها بالتفصيل، ولكنه عرضها كأسماء شخصيات، أو أماكن، أو مواقف سياسية مثل الحديث عن عبد الناصر، واعتقال الشيخ محمود خطيب المسجد، غير الإشارات والتلميحات التي استخدمها.
4. وفق الكاتب في توزيع الأسماء في فصول حتى لا يقع الإنسان في لبس لكثرة ذكر الأسماء.
5. كما أنه وفق أيضا في تقسيم الفصول فهي تتتابع حينا وتتبادل حينا آخر.
6. لم يذكر الكاتب بعض أسماء الشخصيات في بداية الفصول لإحداث شئ من الإبهام ليستثير القارئ ليتابع أحداث الرواية.
7. الرواية واقعية اجتماعية سياسية، أي أن أحداثها مستمدة من الواقع المعيش لسكان الحي. والواقعية التي استخدمها الكاتب واقعية نظيفة ليس فيها هبوط أو استخدام ألفاظ رديئة تجرح مشاعر المتلقي، كما نرى في إبداع بعض الأدباء من إسفاف وخروج عن الذوق مما يفسد الجانب الفني والخلقي. أما حسني لبيب، فقد استخدم الواقعية النظيفة التي تفيد المتلقي فنيا وخلقيا.
8. نلاحظ أن الكاتب حسني لبيب يضع نصب عينيه المتلقي، فهو ملتزم، فلا نجد في الرواية وصفا خارجا جارحا، ويبدو ذلك في التالي: "يدخل فتحي المسرح، ويرى الراقصة العارية، عندما وصل إلى بيته، ماذا فعل؟ هل سلك سلوك الشباب الطائش؟ لم يفعل ذلك، بل تصرف تصرفا عاديا، "حضن المخدة كما فعل عبد الحليم حافظ في فيلم "الوسادة الخالية". كما أن الكاتب لم يستغل هذا الموقف في وصف جنسي يداعب به غرائز الشباب، ويرجع ذلك إلى رفضه هذا حماية للشباب واحتراما لأمانة الكلمة، والتزاما بالخط الخلقي الذي التزم به..
9. لم يحقق أهل الحي أحلامهم أو بعضا منها، ولكن لم يسدّ الطريق عليهم، فهو كعادته يؤمن بالمستقبل الذي سيحمل تفاؤلا وأملا جديدا يضئ الأفق.
إبراهيم سعفان
....................................
*ألقيت هذه الدراسة في ندوة رابطة الأدب الحديث بمناسبة احتفالها بصدور الرواية.

د. حسين علي محمد
22-03-2009, 05:30 PM
ما جناه أبي

قصة قصيرة، بقلم: حسني سيد لبيب
........................................

منذ رقد أبي على فراش المرض، بات يقلقني رنين الهاتف. أهرع لالتقاط السماعة. غالبا ما يكون المتحدث أمي، أو أختي، أو أبي نفسه. أعرف منهم تطور حالته، ربما يستدعونني، لوقوع أبي من فوق السرير، ويخشى أن يكون الكسر لم يلتئم، أو أنه أصيب بكسر ثان..
لم أنتظر رنين الهاتف، فأكثرت من المرور على بيت الأسرة الذي يبعد عني مسيرة عشر دقائق على الأقدام.
سمعت مؤخرا صوت أبي، عبر أسلاك الهاتف، كأنه صادر من بئر عميقة. صوت واهن، لكنه واضح.. يحكي لي عما حدث صباح هذا اليوم.. إذ استطاع النهوض عن الفراش والمشي. قلت أستوثق من كلامه:
ـ هل مشيت يا أبي ؟
ـ نعم.. مشيت..
صمت برهة ثم قال:
ـ وعبرت الشارع.. وحدي..
ـ ما شاء الله..
طفق يحدثني عما حدث تفصيلا. وكيف مشى مع رجال الشرطة وجمع من الناس، حتى وصل إلى قسم الشرطة، فوجد والدتي سبقته إلى هناك!
حكى لي عن ضابط الشرطة الذي رنا إليه، لكنه لم يتهمه بشيء. قلت مندهشا:
ـ والدتي.. ماذا كانت تفعل ؟
ـ لا أدري..
قلت معقبا:
ـ كثيرة هي الأحلام.. تصور لنا عالما جميلا، أو غريبا..
كانت والدتي دائمة الشجار مع أبي. لعل الحلم إسقاط طبيعي للعلاقة غير الودية بينهما.. لكن أبي نفى بشدة أنه كان يحلم.. إنه يسرد واقعة. يؤكد لي ذلك، ويؤنبني، أو يعاتبني على ظني الخاطئ..
كرر رواية ما حدث، فرفعت عقيرتي متضايقا من تحويله الخيال إلى واقع:
ـ يا أبي.. اخرج من دائرة الحلم.. عد إلى الواقع..
قال بصوت هادئ:
ـ تعال..
ـ حاضر..
وضعت السماعة وقد خشيت أن يكون أبي يعاني ما يسبق الموت من روايات لرؤى لا تمت لواقعنا بصلة. لكن أبي طلبني على الهاتف، أي أنه طلب رقم هاتفي، دون أن يخطئ، هذا دليل على أنه في حالة من الوعي لا أنكرها.. أما السير على قدميه، وهو طريح الفراش من جراء كسور العظام في الفخذ والحوض، فهذا لا أصدقه، إلا إذا حدثت معجزة من السماء. أجرى جراحة في العظام لعلاج الكسور، لكنه لم يبرأ من الجراحة بعد. عدوت الطريق إلى بيت والدي، وعندي أمل أن أجده يمشي. أصبحت مثله، أتوهم الأمنية واقعا.
راجعت علب الأدوية الموضوعة على (الكومودينو). تأكدت من تناوله العلاج في موعده. حدثني بتلقائية، وهدوء نفس.. عاد يروي لي ما حدث له. نفس الرواية لم يزد أو ينقص منها حرفا واحدا. كأنه يعيد قراءة نص في كتاب دون تغيير أو تبديل. عزوت ما حكاه إلى أنه حلم، فتنهد في ضيق من سوء ظني أو سوء فهمي. عدتُ إلى الواقع، فألفيته متنبهاً لي، لم يشرد أو يغفُ. شكا لي من أمي..
تركتَه في غرفته بالطابق العلوي، وجالستُ أمي في الطابق الأرضي. لابد يا أمي من مصالحة أبي. إنه يعاني. تصمت. لا تجيب! تشكو لي هي الأخرى من مرضها.
سمعتُ صوت أبي ينادي على أمي وهو على درج السلم. هرعتُ إليه. وجدته يحبو هابطا الدرج، على يديه وقدميه.. طفلا يجلس إلى جوارها.. يصالحها.. يتأمل غرفتها التي لم يزرها منذ مرضه. مضت شهور لم يبارح غرفته العلوية. قال لي وهو يشير إلى عدة الهاتف الجديدة:
ـ لم أرها من قبل..
ـ اشتريناها منذ أسبوعين..
صمت طويلا، يتوقع من أمي الاستجابة لكلماته. رجوتها أن تتحدث إليه، ولو بكلمة واحدة، فأعرضت عني وعنه. يا لها من قسوة. ما الذي جنيته يا أبي في حقها ؟
انحدرت دمعة حبيسة على خدي..
عاد أبي من حيث أتى. لكني، في هذه العودة، أمسكت به وساعدته على الوقوف. ساعدتني أختي من الجهة الأخرى. صعد درجتين، وعند الدرجة الثالثة توقف. صدره يعلو ويهبط من ضيق شديد في التنفس.. فحملته بين ذراعيّ، وصعدت به إلى غرفته. أرقدته الفراش. جالسته أخفف عنه الجفوة. أروي له عن مرض أمي. هي تعاني كثيرا. غاليت في وصف مرضها المفاجئ، فصدق ما قلت.. كأنني مددتُ إليه قارب نجاة يعبر به نهر الهواجس.. كان مستعدا أن يصدق أي شيء يطمئن خاطره، ويخمد زوابع القلق.
نزلت الدرج لألتقي أمي. ما كان يجب أن تجافيه، أو تخاصميه.. فزجرتني.. حدثتُ نفسي:
"هل قدّتْ قلوبنا من الصخر ؟".
عدتُ إلى بيتي، أستغفر الله له، ولأمي، ولي..
حسني سيد لبيب
.................................................. ...
*نشرت مؤخراً في مجلة "الرافد".

د. حسين علي محمد
06-05-2009, 05:05 PM
الذات وعالمها الخارجي
في قصص «بسمة على وجه مالك الحزين»

بقلم: حسني سيد لبيب
...........................

في قصة "المرايا" عالمان، يتناوبان التعبير عن أحاسيس الراوي، أو أن الكاتب يتخيلهما عبر الشخصية الرئيسة، لرجل يجلس في المترو، وتنحسر مع سرعة المترو، الأشياء خلفه، وأسراب الطيور. يلحظ أشباح الأشياء، وهذا عالمه الداخلي، أما الخارجي فيتبلور فجأة على شكل توقف للأشياء أو أشباحها ، حين يفيق لواقعه، أو حين يتعرف على عالمه الخارجي في صورة شخص جالس في مواجهته. هي إفاقة مفاجئة من عالم داخلي يخصه، وعالم خارجي يتعرف من خلاله على الجالس قبالته. أو أنه تشكيل فني بين الظاهر والباطن، ظاهر النفس وباطنها.
يقول الكاتب في هذا: "تتوقف الأشباح في مواجهتي تماما، مما يوقعني في ارتباك ذاتي، ويسقطني في حيرة خاصة، فأتساءل مع نفسي عن عين السبب في توقف هذه الأشباح" [ ص 9 ]. يُحلّ اللغز حين يجد نفسه يجابه بشخص يجلس قبالته، شاغلا المقعد المواجه له. كأنه كائن يهبط عليه من السماء، نظرا للمباغتة التي أخرجت صاحبنا من تتبع الأشباح، ونقلته من الباطن إلى الظاهر، أخرجته من شوارد الأفكار مع أشباح المباني التي تنحسر خلفه مع حركة المترو، إلى هذا الرجل الذي جلس فجأة قبالته.
يبرع القاص في وصف الهيئة التي يكون عليها الشخص. يسهب في الوصف، كأنه المبتدأ والمنتهى، كأنه غاية في حد ذاته. وصف دقيق لا ينتقل منه إلا بعد أن يحيط القارئ علما بكل دقائق الصورة وخلجات الإنسان. هذه البراعة نجدها في جل قصصه، وخير مثال لهذا ما نطالعه في قصة "المرايا" في وصف النسائم التي تتدفق على بشرة الراوي فيقول: " كانت النسائم لا تزال تتدفق على بشرتي بسرعة هائلة، وها هي ذي تتخلل شعر رأسي. تبدأ بالجزء المواجه لها، ثم تمضي إلى الأجزاء التالية، وتحيط بكل شعرة فيه، وشعر رأسي يرتعش والنسائم تتدفق عليه، في سرعة جنونية، والشعر كله يتطاير وقد تمدد واستطال إلى حد رائع ونسائم الهواء تجتاحه في سرعة خرافية، وتكتسحه أمامها ليبدأ رحلة هروب متواصلة نحو الوراء" [ ص 10 ]. إنه يتتبع الصورة كأنه ينجز بنيانا معماريا، يخلص منه ، أو يلقي في روع المتلقي، أن النسائم قد تكون سببا لهروب الشعر إلى الوراء!
المفاجأة التي فجرها إمعان النظر في وجه الرجل الجالس قبالته، أن دارت خواطر في رأسه بأنه التقى به ذات يوم، لكنه يجهل متى وأين.. مرة أخرى تواتيه الخواطر ويطيل التأمل، والتعرف عليه. انتقل القاص إلى العالم الداخلي للراوي، الذي يرى ثمة علاقة تربطه بهذا الشخص. الأشياء والشخوص المحيطة به يحيلها إلى معرفة سابقة، هي علاقة ما ينسجها بين العالم الخارجي، المتمثل في الراكب المواجه له، وبين ذاته، في شكل علاقة ما أو لقاء ما جمعهما ذات مرة! وبدت حاجته الشديدة لمحادثته.. "كنت أفكر في طريقة ذات لياقة وجدوى أخترق بها حجب هذا الإنسان الكثيف الرابض في مواجهتي" [ ص 13 ]. تأمل بحثه عن طريقة لاختراق حجبه!.. وتأمل معي إلى أي درجة أفسح لنفسه فضاء فسيحا، بما يبين عن رغبة أكيدة لسبر أعماقه، والغوص داخل ذاته.
ويدور حوار مقتضب يكتشف فيه أن صاحبه كان زميله في الجامعة. وبنزوله في المحطة المختارة، تنقطع صلته بهذا العالم الخارجي المتمثل في الزميل القديم. وبدأ يجتر كلمات جالت في خاطره، وهو يفكر، حتى أنه يصف الكلمات بأنها "تتنزه بحرية في خاطري" [ ص 16 ]. كما أنها "راحت تتقافز وتحف بي ككرات بلورية تمضي من حولي وأنا ماض في طريقي" [ ص 16 ]. الكلمات تتنزه وتتقافز وتبدو جلية من بين شفتيه. الكلمات تشخص له كائنا يزامله رحلة العودة إلى البيت.
هو، وإن انقطع عن العالم الخارجي، عالمه الذي نجهله تماما، إلا أنه يجتره في خاطره، دون أن يفصح عنه للقارئ، حتى أنه في تعارفه على جاره في المترو، لم يَبُح لنا، لشدة كتمانه، عن اسم الكلية التي تخرجا منها، ولا اسم الجامعة. تشخص الكلمات ككرات بلورية، على حد وصفه، أو فقاقيع كالصابون تخرج من فمه، على حد تخيلي لها، أو تأثري بما كتب. ولنا في وصف الكرات عودة في قصة "بسمة على وجه مالك الحزين". وربما نجد ذات الوصف في قصص أخرى له. وما يتأمله خارج ذاته، يتفاعل مع ذاته، كأن ثمة مرآة عاكسة للعالم الخارجي، يرى من خلالها الأشياء المحيطة به، داخله بمكونات أخرى أو أشكال غريبة. المثل نجده في وصف الكلمات بالكرات البلورية. ولعبت المصادفة دورها، في أن يتصادف جلوس هذا الرجل بالذات فيجد فيه وجها التقاه منذ أكثر من خمسة عشر عاما. هي مصادفة نادرة الحدوث لكنها ممكنة. المصادفة هنا شكّلها الكاتب عجينة لدنة، طوع بنانه، لتخدم أفكاره الطارئة.
لغة السرد في معظمها تخدم البناء المعماري للحدث، وتأتي بكلمات وأوصاف في محلها، إلا أنه قد يتنكب الطريق ويأتي بتفاصيل زائدة لا لزوم لها، وهي قليلة، أذكر منها وصوله إلى المسكن.. "وأخرجتُ المفتاح وتحسستُ موضع ثقبه وعالجتُ الباب فانفتح" [ ص 16 ]. كان يمكنه حذف العبارة دون أي تأثير على السرد. على عكس هذه العبارة، تأتي الفقرة التالية لها، تؤدي دورا مهما. للتفاصيل هنا ضرورة فنية. يقول الكاتب: "ودخلتُ وسط ظلام دامس، وتوجهتُ في أناة إلى مفتاح أقرب مصباح، وضغطتُ عليه، فانبثق الضوء، ثم أضأتُ مصباحا ثانيا وثالثا، ولم تمض لحظات حتى كنتُ قد أضأتُ جميع المصابيح، فراح المكان يتوهج سابحا في بحر من الضياء" [ ص 16، 17 ].
وفي المسكن، ينظر إلى صورته الآنية في مرآة، فيزعجه تجاعيد رسمها الزمن على وجهه، وشعر أشيب يتخلل رأسه. يأتي بألبوم الصور، يسترجع صورته في الماضي البعيد، حيث لا توجد تجاعيد. تقوقع على صورته في الماضي، يتأملها، وما تصوره المرآة اليوم. تبين التجاعيد عن سطوة الزمن وتأثيره على الإنسان. الحالة التي يمر بها الآن، وهو متقوقع على ذاته، منكفئ عليها!.. يقهره الزمن. يبدو الزمن كائنا أسطوريا يهزمه. يصيب المرآة بقبضة يده، فتنكسر، يواصل كسر المرآة حتى تتحول إلى شظايا تدميه. هي حالة انفصال عن الواقع أو هي عدم انسجام معه. الغريب الذي نلاحظه أن هذا الواقع نجهله تماما، لا يشير إليه تفصيلا أو إجمالا. المكان مغيب أيضا، فيما عدا مقعده الذي يجلس عليه في المترو، وعودته إلى شقته. كما أننا نجهل عالم الراوي والمحيط الخارجي الذي يتعامل معه. وقد عاد بالمترو من مهمة نجهلها. لا نعرف له أبا أو أما أو أخا أو أختا أو زوجة أو ابنا أو ابنة أو صاحبا أو حبيبة!! مغرق في الانطوائية. الانفراجة التي أخرجته من عالمه الداخلي، حين التقى زميلا قديما بالمصادفة، أرجعته إلى أيام الشباب التي ولت مدبرة، ولم يبق له من علامات إلا ما حفره الزمن من تجاعيد، وما ابيضّ من شعر رأسه.
وفي قصة "بسمة على وجه مالك الحزين"، إغراق في وصف الطبيعة بأسلوب يقترب من لغة الشعر، في يوم من أيام الشتاء، حيث تتلبد الغيوم ويهطل المطر. يخايله وجه معهود ـ على حد وصفه ـ لتلميذة تجلس في الصف الأول، ولدهشته يجد نفس الوجه المعهود في فصل دراسي آخر. وكأنه ينطبق عليه المثل "يخلق من الشبه أربعين". ومجموعة من الكرات الزرقاء تصطف في خط واحد، ومجموعة كرات ثانية صفراء اللون تصطف في خط مماثل. صفان متماثلان متشابهان.. وتنتهي القصة بهذا التكوين الجمالي للكرات، مكونة ذات الكلمات في كل من الصفين: "نحن... أختان... شقيقتان... توءم". كأنه يشي بأن التشابه في الطبيعة، يحاكيه تشابه في الإنسان. كأنه يبوح بمنظومة الكون الواحدة. هل نستطيع قراءة النص من جديد على أنه مبني على الثنائية؟ .. الرجل والمرأة.. الموجب والسالب.. الذكر والأنثى.. الأزرق والأصفر.. ربما هي خاطرة مستوحلة من القصة ذاتها، وربما هناك تفسيرات وخواطر أخرى إذا ما حاولنا إعادة القراءة من جديد. وقد تغرينا القصة بالقراءة مرات ومرات.
يضبط الراوي وقته عند الساعة صفر، بما يعني التوقف والسكون، بينما الكون يمور بالحركة.. ولنقرأ هذه الفقرة الموحية، نتبيين منها الذات الجامدة الساكنة وإحساسها بالعالم الخارجي وهو في حالة حركة دائبة:
" ورحت أتابع الكرات، في حركتها اللولبية يميناً ويساراً، وقد راحت تملأ المكان بهجة وتثريه بألوانها البراقة، وراحت نفسي تبتهج وهي تتابع في إشراق مهرجان الكرات المنسابة، وهاهي ذي الكرات تتسابق في انسيابها، صاعدة نحو الأعالي، ترتاد آفاقاً جديدة تغمرها أضواء الشمس المتدفقة عبر النافذة ، ويدخل سرب الكرات إلي دائرة الضياء، ويسبح في شلالات الشمس، وتدهشني روعة المشهد، ويسكرني سحره وأنتشي، وأنطلق صاعداً أيضاً، هائماً، سابحاً وسط سرب الكرات السابح، والكرات تتقافز فرحة بي، تتطاير بألوانها الزاهية من حولي، وأنا، أنا نشوان مبتهج.
كنت أسبح لا أزال، والكرات لا تزال تتطاير من حولي، حين راحت إحدي الكرات المتطايرة تدور حولي، ثم تتبعها كرة ثانية، وثالثة، ورابعة، و، و... كانت الكرات من حولي تدور، وأنا أتابعها وأدور، والكرات تزيد من سرعتها، وأنا معها في طوفان الضوء ندور وأرنو إليها، عبر شعاع الشمس، فألمح بداخلها شيئاً، يلمع عبر الضوء، لكن الأشياء الكروية تهرب مني، تمضي وتدور، وأنا أمضي وألاحقها وأدور، لكني لا أدرك منها شيئاً. ما جدوي أن أمضي أجهد نفسي معها وأدور؟ لماذا لا أتوقف، أتوقف عن دوراني ؟".
وفي قصة "الزلزال"، يحكي الراوي ما شعر به حين اهتزت الأرض وتمايلت البناية التي يسكن فيها. يحكي الراوي رؤيا وكان حاضرا داخل مصعد ارتفع به إلى أعلى طابق بالبناية، التي اهتزت وتمايلت كأنها قوس يكاد يلامس الأرض وهو يتأرجح. ويشرف الراوي على أراض جديدة وأزمنة غير زمانه.. وهي تداعيات أفكار لما حدث في زلزال 12 أكتوبر 1992. يرصد زمن الفراعنة، ولغتهم الغريبة عليه، أيام توحيد القطرين، ثم ألقت به الاهتزازات عند أرض يحتفل فيها الناس البسطاء بمولد أحد الأولياء الصالحين. ثم حطت به البناية المتمايلة عند قرية غمرها فيضان النيل، ثم ألقت به عند أرض كان البناءون يبنون الهرم الأكبر. ثم يعرج على قرية "إمبابة" حيث احتشدت القوات المصرية . ودارت رحى معركة بين الفرنسيين والمماليك. وكان نابليون قد فرح بوصوله أرض الفراعين . ويغرقنا القاص في تفاصيل المعركة، وكان يمكنه إجمال الوصف حتى لا يطغى على فنية القصة، فبدت القصة تتركز بؤرتها حول تلك الحقبة وتفاصيل أحداثها. فقد صاغ الكاتب قصة بفكرة جيدة، عن تنقله عبر الزمان الماضي والمكان المتغير، وأصبحت عينه لاقطة للأحداث والأرض والناس.. وتنتهي القصة بإفاقته إلى عالمه الواقعي، ويخبره مَنْ حوله أن زلزالا ألم بالبلاد، ودهشوا وانزعجوا من أجله.. قال له البواب: "أقلقتنا عليك... كل ساكني البناية غادروا مساكنهم... سارعوا خارجها... وتركوا أبوابها مفتوحة... كلهم إلا أنت..." [ ص 55 ].
والفجوات ـ في القصة الرابعة ـ في عرف الكاتب بديل لفظي لمعنى الوقوع في حفرة الزواج! وهو ما حذر الناس المحيطون بالراوي من الوقوع فيه. وهي أطول قصص المجموعة الخمس . تكررت فيها كلمة (الفجوات). حذره أبوه من الوقوع مثله فيها. أبوه لا يني يكشف عن حقده الدفين، لوقوعه فيها. ظل راوي القصة يعزف نغمة غير مألوفة بتحاشي الوقوع في المصيدة، وبدا شديد الحذر، ثاقب الرؤية، أشبه بالشخص الذي يخشى من المرض فيقي نفسه حتى بات هذا الخوف هاجسا يطارده في لفتاته وسكناته، وشبحا يلازمه كظله. تبدّّى لنا الراوي كأنه شديد الذكاء وهو يعزل نفسه عن بنات حواء، كي لا يقع في فجوة من الفجوات! وبذلك يتأكد الخط العام لشخصية الراوي، وإن اختلف الزي الذي يتزيى به، أو اختلطت أمامه الرؤى والسبل، فهو يعزل ذاته عن الآخرين. كلما تفهم الحياة أكثر، انطوى أكثر. ديدنه الحذر والحيطة يجابه بهما الأحداث ومجرياتها. وطوال قصة (الفجوات) ـ في عشرين صفحة ـ لم تفلح بنت من البنات في اصطياده إلى عش الزوجية، كأنه بنى قلعة يعيش داخلها بعيدا عن النساء، حصونها المنيعة القوية، تستعصي على الغازيات. كأن قلبه انتزع من صدره، فما يخفق لأي واحدة من بنات حواء. كأنه السوبرمان الذي يتعملق أمامنا وهو يسير في عكس التيار، يبتني لنفسه عالما أحاديا يتشرنق داخله، غير آبه بسنة الحياة. أسرف الكاتب في التكرار إسرافا لا تحتمله القصة ولا يخدم تكنيكها الفني ، كما أسرف في تكرار أسماء الإشارة والوصل وأساليب الاستفهام، وخاصة في الحوار. وأحيانا يلجأ إلى تقطيع حروف الكلمة، من غير ضرورة. جو القصة مضبب، ولعل الحكمة ـ وأظنها هندية أو وردت في سياق فيلم هندي ـ بأن بيتا بلا امرأة لا يصلح لتنشئة طفل، وأضيف إليها.. "ولا يصلح لمعيشة رجل".. على عكس فكر صاحبنا راوي القصة. وإذا كان الزواج شرا ـ كما يقال ـ فإنه شر لابد منه، بل ربما ـ من زاوية أخرى ـ خير لتواصل الأجيال، وإعمار الكون.
وراوي قصة (تراكمات) مثل الرواة الآخرين، يعاني هو الآخر الوحدة المستبدة. هو لا يبوح بشكواه لأحد. تخايله أشباح وهو راقد على فراشه، وعند باب شقته، وفي الطريق الموحش. وهي أشباح يجسدها الخيال ويهجس بها الخاطر، فيلعب الخيال لعبته في التصور والنظر المحدق في الظلمة الدامسة.
يشخص الراوي بقايا آدمي أو حطام جسديصف الراوي نفسه فيقول: "لملمتُ نفسي، وبقيت جالسا على الفراش، كنت أشعر أن ضنى النفس لا يزال يتراكم، والرَهق يتسلل إلى خلايا ذهني دونما هوادة، وأنا جالس القرفصاء متكأكئ على نفسي رافعا رأسي مسندا إياه إلى ما ورائي..." [ ص 81 ].
هذا الوصف ينطبق على جثمان ووري لتوه الثرى، لا يملك من أمر نفسه شيئا.
حسني سيد لبيب
e-mail: hosni_labib@yahoo.com
hosni_labib@hotmail.com

د. حسين علي محمد
08-12-2009, 08:45 AM
جمالية المكان في رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب



بقلم: أ.د. حسين علي محمد

...........................

تعد رواية «نفق المنيرة» (2007م) للروائي حسني سيد لبيب الرواية الثانية في مسيرته الإبداعية بعد رواية «دموع إيزيس» (1998م)، وكان قد أصدر من قبل ست مجموعات قصصية، هي: «حياة جديدة» (1981م)، و «أحدثكم عن نفسي» (1985م)، و « طائرات ورقية» (1992م)، و«كلمات حب في الدفتر» (1993م)، و«نفس حائرة» (1999م)، و«الكرة تختفي في الأعالي» (2005م).
وفي هذه الرواية يسجل الروائي وثيقة فنية عن المجتمع المحيط بنفق المنيرة (إمبابة) في زهاء ثلاثمائة صفحة، يتناول فيها مرحلة الستينيات الميلادية من القرن الماضي ـ قبيل ما اصطلح على تسمسته نكسة 1967م، وما بعدها.
ولا يُراد بكلمة المكان في الرواية «دلالتها الجغرافية المحدودة، المرتبطة بمساحة محدودة من الأرض في منطقة ما، وإنما يُراد بها دلالتها الرحبة التي تتسع لتشمل البيئة وأرضها، وناسها، وأحداثها، وهمومها وتطلعاتها، وتقاليدها، وقيمها. فالمكان بهذا المفهوم كيان زاخر بالحياة والحركة، يؤثر ويتأثَّر، ويتفاعل مع حركة الشخصيات وأفكارها كما يتفاعل مع الكاتب الروائي ذاته»(1).
ومما لاشك فيه أن الأحداث التي تتعلّق بمكان ما، قد يتعذَّر أو يستحيل حدوثها في مكان مُغاير، فالحدث الذي يدور على سفينة في البحر يختلف عن غيره الذي يكون في صحراء، عن ثالث يكون في مدينة تمور بالحركة والحياة، ومعنى هذا أن الحدث الروائي «لا يُقدَّم إلا من خلال معطياته الزمانية والمكانية، ومن دون هذه المعطيات يستحيل على السرد أن يؤدي رسالته الحكائية»(2).
ولذا «يجب أن يهتم الكاتب القصصي بتحديد المكان اهتماماً كبيراً ليعطي الحدث القصصي قدراً من المنطق والمعقولية ... كذلك ينبغي أن يعنى الكاتب بتصوير مفردات المكان الذي تتحرك فيه الشخصيات، لأن القارئ قد يستشف من هذا التصوير دلالات كثيرة، تفسر أو تعمق أموراً تتصل بالحدث أو بالشخصيات أو بهما معاً»(3).
والمكان لا يتشكل في الرواية ولا يأخذ شكله الروائي إلا من خلال ما يرتبط به من أحداث «وليس هناك أي مكان محدد مسبقاً، وإنما تتشكّل الأمكنة من خلال الأحداث التي يقوم بها الأبطال … وعلى هذا الأساس فإن بناء الفضاء الروائي يبدو مرتبطاً بخطة الأحداث السردية، وبالتالي يُمكن القول إنه هو المسار الذي يتبعه تجاه السرد، وهذا الارتباط الإلزامي بين الفضاء الروائي والحدث هو الذي سيُعطي للرواية تماسكها وانسجامها … إن المكان هو أحد العوامل الأساسية التي يقوم عليها الحدث»(4) ، ولن تكون هناك رواية ما لم يكن هناك مكان ما يلتقي فيه شخص بشخص، ويقع فيه حدث ما، تحتاجه الحبكة الروائية والموضوع الروائي.
فالمكان «لا ينفصل عن أشيائه، فهي التي تملؤه، وتمنحه ذلك الثراء الذي يتميَّز به مكان عن آخر»(5). ويرى كثير من النقاد أن المكان يرتبط بالأشياء التي توجد فيه، و«ليس مستقلا عن نوعية الأجسام الموجودة فيه»(6).
وللمكان في رواية «نفق المنيرة» حضوره اللافت، بدءاً من العنوان الذي يتحدث عن مكان مجسدٍ هو «نفق المنيرة»، وتبدأ الرواية بتحديد النفق من خلال رؤية السارد، الذي يمزج بين شخصية البطلين اللذين يتقاسمان النص الروائي: نفق المنيرة، وحمزة:
«أهاجته الذكريات وهو يسترجع العمر الذي ولى. بلغ الستين من العمر. شخص نظره إلى الجسر أو النفق كما اعتاد الناس أن يطلقوا عليه، وتحديدا يشير إليه المارة من أهل المنطقة قائلين «نفق المنيرة»، أما الوافدون من خارج المدينة فقد يسمونه "نفق إمبابة".. وهو جسر تعبر فوقه قطارات السكة الحديدية الذاهبة والقادمة من الصعيد، وثمة فرع عند بشتيل يتجه إلى الخطاطبة وكوم حمادة في الوجه البحري. أما الجسر عند حمزة فوضع يختلف تماما عما ألفه الناس، فقد اعتاد أن يحكي لكل من يأنس منه مودة كيف بنوا الجسر. كيف شارك والد جده في أعمال حفر لخطوط السكك الحديدية مع زملائه عمال اليومية، وإن كان لا يحدد تاريخ بناء النفق بالضبط، مكتفيا بقوله إن أجداده عاصروا بناءه منذ عشرات السنين» (7).
فهذا المكان الذي أشارت إليه الفقرة الأولى في الرواية هو المكان المرجعي الذي يدور النصُّ فيه (وتبعاً لذلك الشخوص والأحداث والزمان)، وفي فضائه نرى عالماً يتخلَّق، وتغتني دلالاتُه بقدرة مؤلفه على أن يجعل من الأمكنة الفرعية في النص سواءٌ أكانت مفتوحة (كالشارع، والمدرسة) أو مغلقةً (كالبيت، والحجرة، والدكان) روافد صغيرة تثري المكان المرجعي وتُغنيه، وتُكمل لوحته. ولا تجعل عناصر الففن الروائي الأخرى (كالشخوص، والمكان، والأحداث ...) غريبةً على هذا الفضاء المكاني.
الوصف والمكان:
يرتبط وصف المكان في الرواية بثلاثة أشياء يحرص عليها الراوي:
أولاً: الدقة التي تُشعرك بأن الراوي يعرف تفاصيل عمله مكانيا؛ ذلك الفضاء الذي سيشهد تحرك الأحداث والشخوص، وسيشهد فصولاً من التدافع بين شخصيات عمله الروائي.
ثانياً: الاهتمام بالملمح الشعوري والنفسي للبطل تجاه المكان، وهل هو مكان / صديق يحس تجاهه بشعور الحب والألفاة والاهتمام، أم هو مكان / عدو .. يُحس تجاهه بالنفور.
ثالثاً: العلاقة بين وصف المكان والحدث الذي ينطلق منه، أو يدور في إطاره، وخصوصية ذلك بأن يرينا الروائي مقدرته الفنية في إقناعنا أن هذا الحدث ما كان ليقع إلا في المكان الذي وقع فيه..
وفي البداية يُواجهنا هذا الوصف الذي يحدد إطار النفق، مما يكشف عن أهمية المكان الذي اختاره عنوانا لروايته، ومن الوصف سنعرف حميمية العلاقة بين الشخوص والمكان.
وهو هنا يتحدث عن المكان من خلال وعي شخصية «حمزة»:
«منذ وعى الدنيا والجسر شاخص في مخيلته، وإن كان يرى أن عمر الجسر من عمر آبائه وأجداده. لا يدري أحد كيف حسب حمزة هذا العمر الطويل، إنما يتمثل الجسر شريانا في قلبه، مثلما هو شريان يتدفق منه الناس يعبرونه إلى أحياء إمبابة.. إلى المنيرة الشرقية والغربية، وإلى مدينة العمال، ومدينة التحرير، ووراق العرب، ووراق الحضر، بل بات الجسر منفذا آخر إلى بشتيل..
ما زال حمزة يلذ له استرجاع صورة المنطقة التي تضم سيدي إسماعيل الإمبابي وأرض عزيز عزت والجرن وسوق الجمال وسوق الجمعة والكيت كات وعزبة الصعايدة.. والمدرسة الثانوية.. والترعة الممتدة في شريط واسع يمر من الجهة الغربية لكل هذه المناطق، ثم يقع النفق في نهاية الترعة. كان يمر منه الناس إلى مزارع المنيرة، وبيوت متناثرة شحيحة يعيش فيها البسطاء..
هكذا كانت الصورة في الماضي.. تغيرت الأحوال.. هجم سكان من بولاق أبي العلاء والفرنساوي والسبتية وجزيرة بدران والسيدة زينب وغيرها من أحياء القاهرة ليستوطنوا إمبابة. هجموا كالتتار، فأتوا على كل شيء أخضر, وأقاموا بيوتا أسمنتية. وفد السكان الجدد عابرين النهر إلى الغرب. إمبابة من أكثر مدن مصر كثافة سكانية، ومركزا جاذبا للنازحين من الريف إلى القاهرة خاصة أبناء الوجه القبلي لقربه من العاصمة ورخص القيمة الإيجارية وانخفاض مستوى المعيشة. تقع إمبابة على الضفة الغربية من النيل في مواجهة جزيرة الزمالك في الجزء الممتد بين كوبري الزمالك وكوبري إمبابة، وتمتد شمالا إلى صوامع الغلال وما بعدها. إمبابة في الأصل من القرى القديمة»(8).
وقد لاحظنا في هذا الوصف:
الاهتمام بالملمح الشعوري والنفسي للمكان: من خلال وصف ملازمة حمزة للنفق بـ«العمر الطويل» ومن خلال العلاقة الحميمة بين المكان والبطل: «يتمثل الجسر شريانا في قلبه، مثلما هو شريان يتدفق منه الناس يعبرونه إلى أحياء إمبابة».
المكان والزمان:
يرتبط نفق المنيرة بأحداث عاشها البطل (حمزة)، يستدعيها من خلال كلمة كُتبت خلال العدوان الثلاثي (1956م) على جدران النفق، وظلت محفورة على في وجدان حمزة، تستثيره، وتذكره بمشاركته في الدفاع المدني، وذهابه متسللاً إلى بور سعيد، وتذكره دائماً بالرصالصة التي استقرت في فخذه ومازال أثرها ظاهراً للعيان: «في جعبة حمزة مرويات كثيرة تتداعى إلى خاطره، أشهرها ما كتب من عبارات تثير الحماس، على جدران النفق أيام حرب بور سعيد : سنقاتل.. سنقاتل.. سنقاتل.. يستطرد مزهوا بأنها كلمات الزعيم جمال عبد الناصر في خطبة الأزهر المشهورة. ألهبت الكلمات حماسه فانضم إلى صفوف المقاومة الشعبية، وشارك في قوات الدفاع المدني. تسلل مع المتطوعين عبر بحيرة المنزلة إلى بور سعيد. يستطرد باعتزاز راويا قصة الرصاصة التي استقرت في فخذه، وأثر الجرح ما زال ندبة تزين جسمه. يرفع طرف الجلباب ليعرض أثر الجرح، كلما استدعت المناسبة أن يحكي وقائعها، أو أنه يقحمها بلا مناسبة لكل من يأنس منه أذنا منصتة.. وتتداعى الخواطر معتزا مزهوا بأنه لم يترك مكانه بجوار النفق» (9).
فكأن جدران النفق لوحة حية لمشهد معاصر من تاريخ مصر، وتتسع دلالة المكان هنا وتصير أكثر رحابةً، فكأنَّ «نفق المنيرة» شاهد حي على تاريخ مصر المُعاصر.
(يتبع)

د. حسين علي محمد
15-12-2009, 09:16 PM
وفي مشهد مؤثر ينقل الكاتب غرق مركبة في النيل «ظهر الاثنين الأول من نوفمبر عام 1965.
طرق متواصل على الباب جعل أم فتحي تهرع من المطبخ إلى الباب تفتحه، فإذا مصطفى متقطع الأنفاس.. ينزل فتحي السلالم ركضا إثر سماعه صوت صاحبه..
ـ ادخل.. ادخل..
لكنه لا يدخل. شده من ذراعه إلى الداخل، وصوته يعلن في ألم:
ـ التروللي وقع في النيل..
صكت صدرها بكفها.. ارتدى فتحي الملابس على عجل، وخرج معه، متجهين إلى حيث سقط التروللي باس رقم 44 أمام مستشفى العجوزة.
خرجت إمبابة كلها لدى سماعها النبأ المروع .. الرجال والنساء والأطفال.. حتى البيوت والمساجد والمدارس والشوارع والحواري والترع والأشجار والمحال، تخرج معهم في مسيرة جنائزية مهيبة. بعض النساء خرجن بجلابيب البيت، حاسرات الشعر حافيات الأقدام»(10).
فهنا يحدد الزمن حيث كانت القرى والمدن الصغيرة مثل أسرة واحدة، ومكان الحادث (44 أمام مستشفى العجوزة)، والحادث كما يرويه السارد (التروللي وقع في النيل)، والاستجابة (خرجت إمبابة كلها لدى سماعها النبأ المروع .. الرجال والنساء والأطفال.. حتى البيوت والمساجد والمدارس والشوارع والحواري والترع والأشجار والمحال).
لقد جعل الروائي للأمكنة (البيوت والمساجد والمدارس والشوارع والحواري والترع والأشجار والمحال) حضوراً ومُشاركةً في المأساة المروعة.
وقد تأنف شخوصه من البيت، وتتصوره في لحظات الضيق كالسجن، ومن ثم تخرج، لتمشي، وتتجول، وتجلس على المقاهي:
«طلب من صاحبه الخروج، تحررا من حبسة البيت. تجولا كعادتهما في شوارع المنيرة ومدينتيْ العمال والتحرير.. وعلى مقهى الربيع كانت جلستهما المفضلة، إلى منضدة في ركن داخلي، اتقاء لسعات البرد. لعبا النرد فتعادلا. ارتاحا للنتيجة فنهضا.. وجل حديث فتحي عن مارسيل ومريم، اكتشافه المذهل، وتهيؤه للقائهما غدا الخميس.. وأن عليه مذاكرة واجب الأستاذ شفيق الليلة.. إلا أن الثرثرة ـ داءه المزمن ـ يقابلها عند أمين صمت مطبق!
عرجا على نفق المنيرة، وتجالسا مع حمزة وصاحبه عويس، الذي أكمل لهما السهرة بأغنيات أم كلثوم من مذياعه الترانزستور، حتى انتصف الليل، ثم انصرف كل إلى بيته..» (11).
المكان والأحداث:
من البديهي ـ كما يقول رشاد رشدي ـ «أنه ما من حدث يقع بالطريقة المعينة التي وقع بها، إلا كان نتيجة لوجود شخص معين ـ أو أشخاص معينين ـ يترتب عليه وقوع الحدث بطريقة معينة … لأن الحدث هو الشخصية وهي تعمل»(12).
ومعروف أن «الحدث هو الموضوع الذي تدور حوله القصة، وهو مجموعة من الوقائع الجزئية المترابطة، وهذا الترابط هو الذي يميز العمل القصصي عن أي حكاية يروي فيها شخص لصديقه ما وقع له من أحداث، فأحداث القصة الفنية لها إطار عام، يدفعها في تسلسل إلى غاية محددة»(13).
والحدث الرئيس في هذه الرواية يدور حول تشقق جدار نفق المنيرة، حيث رأى حمزة فيما يرى النائم أن النفق تشققت أحجاره، ويبدأ السارد الحدث برؤيا مماثلة للعالم الأثري محمد نافع الذي كان يقوم بترميم قبة السلطان الغوري.
وللمكان حضوره اللافت في الغوري ونفق المنيرة، وما جاء ذكر الغوري والعالم الأثري محمد نافع، إلا ليُطلعنا السارد على اهتمام لشخوص بالأمكنة التي التي احتلت وجدان الرجلين، فأبعدت عنهم السكينة، حينما وجدا ـ فيما يرى النائم ـ أن الجدران تتشقق وتنهار، ومن هنا يكون النهوض للعمل:
«يحدثنا أحد الكتّاب عن تفاني العالِم الأثري الجليل محمد نافع في عمله وولعه به، حين كان يقوم بترميم قبة السلطان الغوري، التي تشققت جدرانها، فرأى فيما يرى النائم أن الجدران انهارت.. فقام فزعا من نومه ولم يصبر حتى يطلع النهار، وغادر منزله بالعباسية ماشيا على قدميه إلى الغورية فوجد الحال كما هي وأن ما رآه أضغاث أحلام.
ما حدث لمحمد نافع حدث مثيل له مع حمزة بن محمد بن صابر بن رمضان، الذي استغرق في نومه، وسبح في دنيا الأحلام، فرأى فيما يرى النائم جدار نفق المنيرة قد تشققت أحجاره، فإذا به يجري وهو جزع. يتحسس الجدران، يمرر سبابته على شق من الشقوق، تجزع نفسه، يصيح : ربي.. حلم أم علم ؟ يقرص لحم فخذه حتى يتنبه.. يصيح.. يتردد صدى الصيحة في فضاء لا نهاية له، يا هووه.. يا خلق الله .. النفق ينهار.. أنقذوا النفق.. أهو زلزال مفاجئ أم انهيار كامل ؟ لا يدري. لا أحد يجيب. يجري كالمجنون. يرفع ذراعيه باسطا كفيه على الجدار متحسسا الشقوق، يبكي، يتألم. الناس في بيوت مغلقة لا تسمع، أو أنها تتجاهل الصرخات» (14).
المكان والشخصيات:
إذا كانت الرواية جعلت المكان بطلاً، فإن الرواية مليئة بالأمكنة، التي تتقاطع مع الشحوص، وتؤثر فيها.
فمن شخوص الرواية مصطفى الذي استشهد في الجبهة (في حرب 1967م مع العدو الإسرائيلي)، إن السارد يبدأ سرده عن شخصية مصطفى من خلال المكان «انصرف من المدرسة بصحبة أمين. التقيا مصطفى الذي سيطر بحديثه عن نرجس، البنت التي أحبها. شرح كيف التقاها أول مرة، حين جاءت زبونة تريد رتق صندلها. عرفته بنفسها، تلميذة في مدرسة باحثة البادية. يتبادل معها كلمات قليلة. أبانت له أن أخته سعاد دلتها على المحل. أعجب بحديثها. آلمه أنها تكبدت السير من المنيرة حتى شارع مراد. قالت إنها تسكن في المنيرة أيضا بالقرب من سكنه، وأن سعاد صديقتها. أصر أن يرتق الصندل بالمجان.
التزم أمين الصمت، يسمع ولا يعلق ولا يبدي رأيا. هذه ليست أول بنت يتحدث عنها. عرف كثيرات قبلها. يعمل مصطفى في محل إسكافي. يرتق الأحذية القديمة على ماكينة أو يحيك بالإبرة ما تمزق من جلدها.. ينظف بعدها الحذاء ويلمّعه بالورنيش. يظل يعمل حتى الواحدة ظهرا فيعود إلى داره سيرا على الأقدام، من شارع مراد مخترقا سوق الجمال والجرن وسيدي إسماعيل الإمبابي، مارا بمدرسة التجارة للبنات. ما أكثر أحاديثه مع فتحي عن البنات اللاتي يقصدن المحل، أخراهن نرجس. يعود إلى المحل في الثالثة بعد الظهر، حتى أذان العشاء، فينصرف إلى البيت منهك القوى. يغتسل طاردا رائحة الجلد والورنيش، ويتعشى ويشرب الشاي. ثم يستسلم لنوم عميق، ما لم يخرج مع الصحاب.. حسده فتحي على زبائن المحل من البنات. لم يصدق أن عاملا بسيطا مثله يمكن أن تقع بنت مدارس في هواه»(15).

د. حسين علي محمد
15-12-2009, 09:19 PM
فهنا ذكر لشوارع، ومدرسة، ومحل يعمل فيه مصطفى، ومن خلال محل الإسكافي الذي يعمل فيه يتعرف على البنات، ومنهن نرجس.
وعندما نتعرف على نرجس فإنه يرد ذكرها بعد وفاة أخت مصطفى، ونرى نرجس وهي داخل حجرة في بيت مصطفى تُقدم العزاء للأسرة: «فوجئ فتحي بنرجس تقتحم مجلسهما بصحبة أمها. انتفض كالمذعور ليقف بمحاذاة مصطفى، مادا يده مثله يتقبل عزاءهما. برغم الثوب الأسود الذي ترتديه، إلا أنه أفصح عن جمال صارخ، أكثر مما يكشف عنه ثوب آخر. عقصت شعرها الأصفر إلى الوراء. عيناها الزرقاوان، ووجهها الأبيض المدور، علامتان للجمال لا تخطئهما عين. لم يفلح احمرار العينين من شدة البكاء، في إخفاء الجمال المعلن. توجهت الجميلة الحزينة هي وأمها إلى غرفة السيدات.. أخذ يحدثه عن وفائها. قال إنها غير ما عرف من البنات. أوضح له:
ـ نرجس صاحبة المرحومة.. الروح بالروح..
وأشار بإصبعيْ السبابتين ملتصقين..»(16).
المكان بوصفه رمزاً:
يقدم الروائي وصفاً دقيقاً، جغرافيا وتاريخيا، لإمبابة التي يقع فيها «نفق المنيرة»، فيقول: «إمبابة من أكثر مدن مصر كثافة سكانية، ومركزا جاذبا للنازحين من الريف إلى القاهرة خاصة أبناء الوجه القبلي، لقربه من العاصمة ورخص القيمة الإيجارية وانخفاض مستوى المعيشة. تقع إمبابة على الضفة الغربية من النيل في مواجهة جزيرة الزمالك في الجزء الممتد بين كوبري الزمالك وكوبري إمبابة، وتمتد شمالا إلى صوامع الغلال وما بعدها. إمبابة في الأصل من القرى القديمة.
اسمها الأصلي في قول "نبابة" كما ورد في كتاب "جني الأزهار"، وفي قول ثان إن الاسم يرجع إلى نبات كان يزرع بكثرة في هذه الناحية، على شكل أنابيب، فيقال عن المنطقة أنبوبة أو أنابيب، وأدغمت النون والباء فأصبحتا ميما، فقيل عنها "إمبابة". كانت تقع بين شطيْ النيل، لذلك يسمى جزء منها حتى اليوم "جزيرة إمبابة". وفي سنة 715 هجرية تم تقسيم إمبابة إلى ثلاث نواح هي: تاج الدولة ومنية كردك ومنية أبو علي التي تعرف اليوم باسم كفر الشوام. وفي سنة 1274 هجرية فصلت ناحية رابعة هي كفر الشيخ إسماعيل الإمبابي. وفي سنة 1300 هجرية فصل منها جزء خامس هي جزيرة إمبابة. وظلت إمبابة على حالها حتى عام 1940 ميلادية حين صدر قرار وزير الداخلية بإنشاء بندر شرطة إمبابة»(17).
ومن السطور الأولى في الفقرة السابقة نرى أن عنوان الرواية «نفق المنيرة» ـ وهو في حي إمبابة تتسع دلالته لتشير إلى مصر، من خلال إشارة السارد إلى طوائف الناس الذين أقبلوا على (إمبابة) للسكنى فيها:
«إمبابة من أكثر مدن مصر كثافة سكانية، ومركزا جاذبا للنازحين من الريف إلى القاهرة خاصة أبناء الوجه القبلي لقربه من العاصمة ورخص القيمة الإيجارية وانخفاض مستوى المعيشة»(18).
ويجعل من البيت رمزاً للتجمع والألفة، وبخاصة الاجتماع وقت الطعام، وقد يتناقشون في أمر يكون له ما بعده في الأحداث، مثل هذا المقطع: « ذات مرة جمعه وأباه وأمه لقاء.. ما أندر اللقاءات بينهم.. كانوا ملتفين هو وأخواته حول الطبلية يتناولون الغداء. قالت فاطمة وهي في الإعدادية، إن فتحي يرى صعوبة في اللغة الفرنسية. نفى ذلك بشدة قائلا:
ـ أبدا.. هي مادة لطيفة.. لكن الصعوبة في أنني أحيانا أنطق الكلمة الفرنسية بالنطق الإنجليزي. هذا خطأ نبهني إليه مدرس الفصل.
لم يعلق أبوه.. مضى على تلك الملاحظة يومان، أخبره بعدها أنه اتفق مع زميل له في المصلحة لإعطائه دروسا في الفرنسية. تردد في البداية. طمأنه بأن أجرة الحصة زهيدة لن تكلفه كثيرا، فقد راعى شفيق زمالتهما» (19).
إنه ـ فتحي ـ سيأخذ بعد ذلك دروساً، ويحب ـ وهو المسلم ـ ابنة معلمه ( مارسيل بنت الأستاذ شفيق، وهي نصرانية)، وستتناول بعض الفصول مسيرة هذا الحب المتوهج الذي ينتهي عاثراً لاختلاف ديانتي المحبين.
وتمثل الجامعة ـ وهي مكان مفتوح ـ صورة الحياة، حيث نلتقي بالصحاب والأحبة، وقد توجد في هذه الأماكن المفتوحة المشاكل التي لا تخلو منها الحياة:
«دخول الجامعة بالنسبة له بداية حياة جديدة، كما كتب في يومياته. رأى أن الحياة تبتسم له، تعطيه ما يتمنى. في اليوم الأول، حرص على لقائها وإعطائها جدول المحاضرات. عرّفها برقم الفصل الخاص بها، أو "السيكشن" كما يطلقون عليه بالإنجليزية. تجولا في أرجاء الكلية. تعرفا على شئون الطلبة والمكتبة وغرفة العميد وغرفة الوكيل، ومدرج فلسطين المخصص لطلبة إعدادي. ربما كانت الكلية في القديم قصرا أثريا. في المدرج، جلست مارسيل في الصف الأول، صف الطالبات. آثر فتحي الجلوس في المنتصف، حيث تعرف على زميله القادم من بني سويف. حسان ودود بطبعه صريح القول. تآلفا سريعا، وتصادقا..» (20).
وكان في الجامعة لقاءات فتحي مع حبيبته مارسيل، في أماكن مغلقة ـ كقاعات المحاضرات ـ وفي أماكن مفتوحة، وتحدثا عن الحياة والحب واختلاف العقيدة:
«بدأت هي الأخرى تحدثه عن أسرتها، والصلوات التي تؤديها في الكنيسة. قال في حماس :
ـ كلنا ندعو الله.. نصلي له.. كلنا نعبد الله..
أردفت :
ـ الله محبة..
في جيدها تتلألأ السلسلة الذهبية، يتدلى منها صليب صغير..
تحير في نظرته. هل يمعن النظر في الصليب المتدلي إلى مفرق نهديها، أم إلى البريق المتلألئ في عينيها ؟
أتى النادل بعصير الليمون. انتقلت به إلى المحاضرات وحاورته في مسائل الهندسة الوصفية العويصة. حياهما أحد الزملاء. ذكرهما بمحاضرة الرياضيات قبل أن يغلق الدكتور باب المدرج، فأخبراه أنهما لا يرغبان في الحضور. استمرآ الجلوس في بوفيه الكلية، حيث يمتد الوقت بهما بامتداد وقت المحاضرة التي امتنعا عن حضورها!
اتفقا على الانصراف من البوفيه قبل انتهاء المحاضرة بربع الساعة. ستكون المواصلات أهدأ ويمكنهما الركوب بسهولة ويجد كل منهما مقعدا يجلس عليه. ثمة سبب آخر لم يعلناه، هو ألا يخرج الطلبة من المدرج، وهما ما زالا جالسيْن في البوفيه !
كالمعتاد، انتظر حتى استقلت السيارة العامة المتجهة إلى شبرا، ثم انتظر التروللي باس المتجه إلى إمبابة.
عندما انصرفت مارسيل، افتقد الحنان والرقة والمؤانسة. تشاغل في تأمل وجوه الواقفين بالمحطة. المحاضرة الثالثة لم تنته بعد. حضر التروللي باس. من الممتع والمريح أن تجد مقعدا خاليا تجلس عليه. تهادى التروللي بسرعته العادية» (21).
والأمكنة هنا رموز لمفردات الحياة:
الكنيسة = رمز لدور العبادة.
الجامعة = ترمز للعطاء العلمي، وإعداد الشخص لمعترك الحياة.
البوفيه = رمز للقاء مع المحبوبة.
السيارة العامة = رمز لحركة الزمن ومسيرة الحياة.
كما كان حلم حمزة بانهيار نفق المنيرة رمزاً لانهيار الحلم الذي تجسد في الثورة المصرية التي قام بها الضباط عام 1952م، وحلمنا أحلاماً كثيرة في مستقبل متوهج بالعطاء، وارتفاع الإنسان فإذا بالسجون تمتلئ بالمعتقلين السياسيين، وإذا بهزيمة 1967م تقتل أمل الأمة في النهوض والتقدم.
يقول السارد:
«أشرقت شمس نوفمبر في الصباح، فتبدد ما رآه حمزة في منامه، كأنه غير مصدق. إنه مجرد حلم يتبدد في اليقظة، فخرج من بيته يتطلع إلى البناء الحجري، ينتصب في أوله وآخره أربعة أعمدة حجرية شاهدا على متانته.. ولشد ما عجب من أمر النفق الذي يتحمل قطارات تزن مئات الأطنان.. تعبر فوقه ليل نهار، فلا يكل ولا ينهار. سار بطول النفق من بدايته إلى نهايته.. توقف لحظات يتحسس بكفيه الجدار السميك. لم يلحظ تشققات ولا وجد كسرا. لا شيء يعتور النفق. بدا أمام ناظريه سليما معافى. ما رآه في المنام كذب في كذب. هاهي الحقيقة ناصعة ساطعة سطوع الشمس الدافئة في نوفمبر. إذن هو الحلم وإرهاصات الغافل عن الدنيا السابح في ملكوت الله. عجيبة هي الأحلام، ترينا فانتازيا تخلط بين الواقع والخيال.. قد تنبئ عما هو آت في مقتبل الأيام.. قد تكون الحاسة السادسة تُري المرء بشفافية تخترق كالأشعة حجب الغيب. تريه ما لا يراه بعينيه، ما لا يطوف بخياله» (22).


***
وقد أحسن الروائي توظيف مفردات المكان في روايته، فمنحنا نصا روائيا ذا قيمة فنية عالية، نجح من خلاله ألا يجور الموضوع فيه على عناصر السرد، ومنها عنصر المكان، الذي وظفه في فنية لافتة.
............................................
(1) د. عبد الفتاح عثمان: بناء الرواية: دراسة في الرواية المصرية، ط1، مكتبة الشباب، القاهرة 1982م، ص59. (بتصرف).
(2) حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي: الفضاء، الزمن، الشخصية، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1990م، ص29.
(3) د. طه وادي: دراسات في نقد الرواية،، ط2، دار المعارف، القاهرة 1993م، ص36، 37.
(4) حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، ص29.
(5) خالد حسين حسين: شعرية المكان في الرواية الجديدة، العدد (83)، سلسلة «كتاب الرياض»، الرياض 2000م، ص209.
(6) د. محمود محمد عيسى: تيار الزمن في الرواية العربية المعاصرة، ط1، مكتبة الزهراء، القاهرة 1991م، ص5.
(7) حسني سيد لبيب: نفق المنيرة، كتاب الاتحاد، اتحاد كتاب مصر، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2007م، ص7.
(8) الرواية، ص8، 9.
(9) الرواية، ص8.
(10) الرواية، ص35، 36.
(11) الرواية، ص67.
(12) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة، ط2، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1964م، ص30.
(13) د. حسين علي محمد: التحرير الأدبي، ط6، مكتبة العبيكان، الرياض 1430هـ-2009م، ص296. وانظر: عزيزة مريدن: القصة والرواية، دار الفكر، دمشق 1400هـ-1980م، ص25.
(14) الرواية، ص53، 54.
(15) الرواية، ص29، 30.
(16) الرواية، ص43، 44
(17) الرواية، ص9، 10.
(18) الرواية، ص9.
(19) الرواية، ص163.
(20) الرواية، ص197.
(21) الرواية، ص214، 215
(22) الرواية، ص54.