المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محمد جبريل



د. حسين علي محمد
20-12-2005, 10:25 PM
الروائي محمد جبريل
...................

*محمد لطفي جبريل.
*روائي وقاص.
*من مواليد الإسكندرية 1938م.
*خريج قسم اللغة العربية ـ كلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية 1959م.
*عمل فور تخرجه بصحيفة الجمهورية، ثم المساء (دار التحرير للطبع والنشر).
*أنجزت عنه خمس رسائل ماجستير ودكتوراه.
*درست قصصه في عدد من الجامعات العربية.

مؤلفات محمد جبريل:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ تلك اللحظة ( مجموعة قصصية ) 1970 ـ نفد
2 ـ الأسوار ( رواية ) 1972 هيئة الكتاب ـ الطبعة الثانية 1999 مكتبة مصر
3 ـ مصر فى قصص كتابها المعاصرين ( دراسة ) الكتاب الحائز على جائزة الدولة ـ 1973 هيئة الكتاب
4 ـ انعكاسات الأيام العصيبة ( مجموعة قصصية ) 1981 مكتبة مصر ـ ترجمت بعض قصصها إلى الفرنسية
5 ـ إمام آخر الزمان ( رواية ) الطبعة الأولى 1984 مكتبة مصر ـ الطبعة الثانية 1999 دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
6 ـ مصر .. من يريدها بسوء ( مقالات ) 1986 دار الحرية
7 ـ هل ( مجموعة قصصية ) 1987 هيئة الكتاب ـ ترجمت بعض قصصها إلى الإنجليزية والماليزية
8 ـ من أوراق أبى الطيب المتنبى ( رواية ) الطبعة الأولى 1988 هيئة الكتاب ـ الطبعة الثانية 1995 مكتبة مصر
9 ـ قاضى البهار ينزل البحر ( رواية ) 1989 هيئة الكتاب
10 ـ الصهبة ( رواية ) 1990 هيئة الكتاب
11 ـ قلعة الجبل ( رواية ) 1991 روايات الهلال
12 ـ النظر إلى أسفل ( رواية ) 1992 ـ هيئة الكتاب
13 ـ الخليج ( رواية ) 1993 هيئة الكتاب
14 ـ نجيب محفوظ .. صداقة جيلين ( دراسة ) 1993 هيئة قصور الثقافة
15 ـ اعترافات سيد القرية ( رواية ) 1994 روايات الهلال
16 ـ السحار .. رحلة إلى السيرة النبوية ( دراسة ) 1995 مكتبة مصر
17 ـ آباء الستينيات .. جيل لجنة النشر للجامعيين ( دراسة ) 1995 مكتبة مصر
18 ـ قراءة فى شخصيات مصرية ( مقالات ) 1995 هيئة قصور الثقافة
19 ـ زهرة الصباح ( رواية ) 1995 هيئة الكتاب
20 ـ الشاطئ الآخر ( رواية ) 1996 مكتبة مصر ـ ترجمت إلى الإنجليزية ـ الطبعة الثالثة 2002 هيئة الكتاب
21 ـ حكايات وهوامش من حياة المبتلى ( مجموعة قصصية ) 1996 هيئة قصور الثقافة
22 ـ سوق العيد ( مجموعة قصصية ) 1997 هيئة الكتاب
23 ـ انفراجة الباب ( مجموعة قصصية ) 1997 هيئة الكتاب ـ ترجمت بعض قصصها إلى الماليزية
24 ـ أبو العباس ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1997 مكتبة مصر
25 ـ ياقوت العرش ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1997 مكتبة مصر
26 ـ البوصيرى ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1998 مكتبة مصر
27 ـ على تمراز ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1998 مكتبة مصر
28 ـ بوح الأسرار ( رواية ) 1999 روايات الهلال
29 ـ مصر المكان ( دراسة فى القصة والرواية ) 1998 هيئة قصور الثقافة ـ الطبعة الثانية 2000 ـ المجلس الأعلى للثقافة
30 ـ حكايات عن جزيرة فاروس ( سيرة ذاتية ) 1998 دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
31 ـ الحياة ثانية ( رواية تسجيلية ) 1999 ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
32 ـ حارة اليهود ( مختارات قصصية ) 1999 ـ هيئة قصور الثقافة
33 ـ رسالة السهم الذى لا يخطئ ( مجموعة قصصية ) 2000 ـ مكتبة مصر
34 ـ المينا الشرقية ( رواية ) 2000 ـ مركز الحضارة العربية
35 ـ مد الموج ـ تبقيعات نثرية ( رواية ) 2000 ـ مركز الحضارة العربية
36 ـ البطل فى الوجدان الشعبى المصرى ( دراسة ) 2000ـ هيئة قصور الثقافة
37 ـ نجم وحيد فى الأفق ( رواية ) 2001 ـ مكتبة مصر
38 ـ زمان الوصل ( رواية ) 2002 ـ مكتبة مصر
39 ـ موت قارع الأجراس ( مجموعة قصصية ) 2002 ـ هيئة قصور الثقافة
40 ـ ما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ( رواية ) 2003 ـ روايات الهلال.
41 ـ زوينة ( رواية ) 2004 ـ الكتاب الفضى.
42 ـ حكايات الفصول الأربعة ( رواية ) 2004 ـ دار البستانى.
43 ـ صيد العصارى ( رواية ) 2004 ـ دار البستانى.
44 ـ غواية الإسكندر ( رواية ) 2005 ـ روايات الهلال.
45 ـ الجودرية ( رواية ) 2005 ـ المجلس الأعلى للثقافة.
46 ـ رجال الظل ( رواية ) 2005 ـ دار البستاني.

***

كتب عن محمد جبريل:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-الفن القصصى عند محمد جبريل ـ مجموعة من الباحثين ـ مكتب منيرفا بالزقازيق.
2-دراسات فى أدب محمد جبريل ـ مجموعة من الباحثين ـ مكتب منيرفا بالزقازيق.
3-صورة البطل المطارد فى روايات محمد جبريل ـ حسين على محمد ( دكتور ) ـ دار الوفاء بالإسكندرية.
4-فسيفساء نقدية : تأملات فى العالم الروائى لمحمد جبريل ـ ماهر شفيق فريد ( دكتور ) ـ دار الوفاء بالإسكندرية.
5-محمد جبريل .. موال سكندرى ـ فريد معوض وآخرين ـ كتاب سمول.
6-استلهام التراث فى روايات محمد جبريل ـ سعيد الطواب ( دكتور ) 1999 دار السندباد للنشر.
7-تجربة القصة القصيرة فى أدب محمد جبريل ـ حسين على محمد ( دكتور ) 2001 كلية اللغة العربية بالمنصورة ـ الطبعة الثانية 2004 ـ أصوات معاصرة
8-فلسفة الحياة والموت فى رواية الحياة ثانية ـ نعيمة فرطاس ـ 2001 ـ أصوات معاصرة
9-روائى من بحرى ـ حسنى سيد لبيب ـ 2001 ـ هيئة قصور الثقافة.
10-محمد جبريل: مصر التى فى خاطره ـ حسن حامد ـ 2002 ـ أصوات معاصرة.
11-سيميائية العقد فى رواية النظر إلى أسفل ـ عبد الرحمان تبرماسين ، العطرة بن دادة ـ2004 ـ أصوات معاصرة.
12-التراث والبناء الفنى فى أعمال محمد جبريل الروائية ـ سمية الشوابكة 2004 ـ هيئة قصور الثقافة.
13-المنظور الحكائي في روايات محمد جبريل ـ محمد زيدان (دكتور) ـ 2005 ـ أصوات معاصرة.

د. حسين علي محمد
20-12-2005, 10:27 PM
انظر حواراً مع الروائي محمد جبريل في مجلة "الحرس الوطني" العدد (221) ـ في 1/11/2000م.
ـــــــــــــــــــــــــ
*الرابط: http://www.ngm.gov.sa/Detail.asp?InNewsItemID=10834

د. حسين علي محمد
20-12-2005, 10:28 PM
اليهود بين الأنفوشي والجماليَّة
في قصص محمد جبريل

بقلم : أحمد فضل شبلول
....................................

يدعونا محمد جبريل في مجموعته القصصية "حارة اليهود" الصادرة عن مطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة في سبتمبر 1999، إلى التسلح بالوعي واليقظة والحذر، وإلى المقاومة وعدم الاستسلام، فاليهود يتربصون بنا، يتسللون من بين سكوتنا وخلافاتنا، ينتظرون اللحظة الحاسمة للانقضاض على الوطن والتهامه.
وفي سبيل ذلك يتوسل الكاتب بوسائل فنية عدة، من أهمها استخدام الرمز الشفيف، مثل السمانة في قصة "حدث استثنائي في أيام الأنفوشي". وهذه القصة على الرغم من قصرها فإنها تحمل معظم خصائص فن القصة القصيرة عند محمد جبريل، والتي من أهمها: 1 ـ الجملة التلغرافية أو الجملة القصيرة السريعة الموحية. 2 ـ الوصف، وخاصة وصف البيئة السكندرية، واستخدام مفرداتها الحياتية، ومفردات الطبيعة فيها. 3 ـ التساؤل الذي يحمل في طياته الإجابة لمن أراد التأمل في واقعنا العربي. 4 ـ توظيف المعرفة العلمية توظيفا مناسبا لمحتوى القصة.
ولنتأمل هاتين الجملتين على سبيل المثال: الصاري المرتفع الخالي من العلم، اكتفت (مجموعات السمان) بحجرة في نقطة الأنفوشي، تدير منها أحوالها.
إن الصاري الخالي من العلم يدل دلالة أكيدة على ضياع الهوية. لقد وجدت السمانة أناسا بلا هوية، وبلا زمان محدد أيضا، فوجود العلم فوق سراي رأس التين، ربما كان يسهم في تحديد الفترة الزمنية، وهل هي قبل قيام ثورة 1952 حيث العلم المصري الأخضر يتوسطه الهلال الأبيض أيام الملكية، أم بعد قيام الثورة حيث تغير شكل العلم إلى ثلاثة ألوان: الأحمر والأبيض والأسود.
ويبدو أن الزمن لا يشكل أهمية كبرى بالنسبة للسمانة التي جاءت تستطلع المكان، ونفوس البشر، وتختبر عنصر المقاومة لديهم. وقد وجدت السمانة الفرصة مهيأة تماما لاستيطان قومها هذا المكان. فالمباني تآكلت ـ أي لم يعد لديها القدرة على المقاومة، إنها ستنهار مع أول صرخة ريح. والقوارب الصغيرة تناثرت فوق الرمال، دلالة إما على تعطل أصحابها عن العمل، أو انتهائهم من عملهم وانصرافهم إلى لهوهم ومتعهم. والوقت خريف حيث يخلو الشاطئ أو طريق الكورنيش ـ عادة ـ من المارة بعد انقضاء فصل الصيف وعودة المصطافين ـ والمستفيدين من وجودهم ـ إلى سابق أعمالهم، وتصبح المدينة خالية إلا من أهلها.
إن المكان السكندري، وهو رمز للمكان المصري بعامة ـ له وجوده الحي الملائم لهذه السمانة الرمز أيضا. فمحمد جبريل يحمل في وعيه هذا المكان ليس باعتباره الإسكندرية التي يحبها ويوظفها في معظم أعماله الإبداعية، ولكن يوظف المكان ـ الرمز ـ هنا باعتباره المكان الذي دلف منه الرومان إلى مصر بعد انتصار أوكتافيوس أغسطس على أنطونيوس وكليوباترا في موقعة أكتيوم البحرية سنة 31 ق.م، فكان احتلال الإسكندرية ثم مصر عام 30 ق.م، وهو المكان الذي دخل منه الفرنسيون في حملتهم على مصر في أول يوليه عام 1798، وهو أيضا المكان الذي دخل منه الإنجليز عام 1882.
لم يغب هذا التاريخ عن وعي السمانة، ولا عن وعي الكاتب التاريخي، لذا اختاره ليكون موقع الهجوم القادم لأسراب السمان التي جاءت من أوربا ـ مثلها مثل الغزاة السابقين ـ والتي غطت الشاطئ والشوارع والأزقة وأسطح البيوت، والشقق والدكاكين، حتى الكبائن المغلقة.
إن هذا الهجوم والاستيطان سيكون نقطة انطلاق الكاتب إلى قصة أخرى هي "حارة اليهود" التي حملت المجموعة اسمها، حيث نجمة داود المتداخلة في الأبواب والشرفات، مما يدل على دقة التنظيم والانتشار والنظام وحب العمل والكسب التي أشار إليها المؤلف في القصة الأولى. وكأن القصة الثانية التي دارت أحداثها في القاهرة، تأتي مكملة للقصة الأولى، وكأن محمد جعلص بطل القصة الثانية "حارة اليهود" يحقق رغبات الناس ـ في القصة الأولى ـ الذين تبين لهم أن السكوت عن المقاومة طريق إلى الجنون، فمحمد جعلص اكتوى بنار القروض والشيكات المؤجلة وبضائع الأمانة التي أغرقه فيها اليهود، ثم فجأة هطلوا عليه كالسيل دفعة واحدة يطالبون بأموالهم، فأفلسوه في يوم وليلة. لقد انتهز محمد جعلص فرصة ضرب أطفال اليهود لعلي الصغير، وطاح ـ هو ومن معه ـ في سكان حارة اليهود بالشوم والعصي والنبابيت والسكاكين والخناجر. ويأتي سؤال عبد العظيم هريدي في هذه القصة ذا مغزى ودلالة عميقة. فعندما يقول محمد جعلص بعد انتهاء المعركة: "علقة .. لن يعودوا بعدها إلى أذية الناس". يعلق هريدي بقوله: "هل تظن ذلك ؟". إن هذا التعليق أو التساؤل لم يزل في حاجة إلى إجابة، مثله في ذلك التساؤل الذي ورد في القصة الأولى: هل يعد السمان نفسه لإقامة طويلة؟. وهنا تبرز خصيصة من خصائص فن القصة القصيرة عند محمد جبريل تتمثل ـ كما سبق القول ـ في: التساؤل الذي يحمل في طياته الإجابة لمن أراد التأمل في واقعنا العربي.
ولعل المدقق في القصتين سيجد موقفا غريبا، أشرنا إليه إشارة سريعة في السطور السابقة، ولكن تؤكده قصة "حارة اليهود" تأكيدا باهرا وهو موقف رجال الشرطة من الأحداث. فمن خلال محتوى رمزي يشير المؤلف في القصة الأولى إلى أن أسراب السمان المهاجرة إلى الإسكندرية اكتفت بحجرة في نقطة الأنفوشي، تدير منها أحوالها. ولم يشر المؤلف إلى أنه كانت هناك مقاومة من أي نوع، من جانب مأمور النقطة أو معاونيه، بل أنها أفرزت ـ من بين أسرابها ـ كل ما تحتاجه من جنود وعلماء وحرفيين وموظفين. وبالتأكيد كل هذا كان يتم تحت أعين رجال الشرطة في المنطقة. أما في القصة الثانية وبعد نجاح أسراب السمان في بناء حياتهم، وانتقال أحداث القص إلى القاهرة، فإن مأمور قسم الجمالية ـ صبحي أفندي منصور ـ لا يستطيع أن يفعل شيئا تجاههم، بل أنه أسرَّ إلى جعلص بأنهم يلقون عليه الوسخ من النوافذ وهو في بدلته الميري. ولنقتطع جزءا من الحوار الذي دار بين محمد جعلص والمأمور عندما ذهب جعلص يشكو للرجل ما حدث بين صغار اليهود وابنه علي:
(أذهله صبحي أفندي منصور، مأمور قسم الجمالية، عندما كلمه فيما حدث. أشار الرجل إلى كتفه، وقال في أسى واضح:
ـ ماذا تقول في إلقائهم الوسخ من نافذة، على مأمور القسم؟
غالب الدهشة: ـ كيف ؟
قال المأمور: كنت أختصر الطريق من الموسكي إلى القسم ..
(جعلص) في عدم تصديق: ربما لم يعرفوا من أنت؟
قال المأمور: والبدلة الميري ؟
ـ لعل الوسخ ألقي عفوا أو خطأ ؟
ـ والضحكات التالية لما حدث من المطلين في النوافذ والجالسين أمام الدكاكين ؟
(جعلص) وهو يضرب جبهته بقبضة يده: هذه مصيبة !
دلك المأمور بإصبعيه تحت أنفه: تكررت المصائب كثيرا في الفترة الأخيرة.
ـ هل تأذن لي في التصرف؟
قال الرجل وهو يعاني: أنا موظف رسمي .. أحتاج إلى التدقيق والإثبات ومراعاة الحساسيات .. أما أنت .. وعلا صوته: تصرف يا جعلص.
ترى لو تنبه رجال نقطة الأنفوشي إلى وجود السمانة الأولى، وإلى خلو الصاري المرتفع بسراي رأس التين من العلم، هل كان الأمر يصل في الجمالية إلى ما وصل إليه، وأوردناه منذ قليل.
إن فشل مقاومة الحملة الفرنسية في الإسكندرية، أدى إلى دخول نابليون الأزهر بخيوله، وفشل مقاومة الإنجليز في الإسكندرية، أدى إلى احتلال البلاد لمدة 72 عاما. وعدم طرد أول سمانة ألقت نظرتها المتأملة على مباني سراي رأس التين، شر طردة، أدى إلى إفلاس محمد جعلص (رمز المواطنين) ، وإهانة صبحي أفندي منصور مأمور قسم الجمالية (رمز السلطة المصرية) على هذا النحو الذي صوره محمد جبريل ببراعة في قصة "حارة اليهود".
وربما يعود السبب في عدم طرد أول سمانة ظهرت في الآفاق وحطت على الصاري المرتفع، إلى ما عرف علميا عن السمان، فهو ـ حسبما جاء بموسوعة الحيوان الإلكترونية / قسم الطيور ـ طائر نادرا ما يراه الناس، وتشبه الأنثى الذكر في الحجم، ويفضل عند الفرار أن يجري وسط المزارع أكثر من الطيران، ويطير لمسافات طويلة جدا أثناء الهجرة، ويعيش في أوربا وآسيا، ويهاجر شتاءً إلى منطقة البحر المتوسط وأفريقيا، ويوجد غالبا في المناطق العشبية والحقول.
هنا تبرز خصيصة أخرى من خصائص فن القص عند محمد جبريل، سبق أن ألمحنا إليها، وهي: توظيف المعرفة العلمية توظيفا مناسبا لمحتوى القصة. ومن خلال المعلومات العلمية السابقة عن طائر السمان، نجد أن جبريل يبدأ قصته "حدث استثنائي في أيام الأنفوشي" بقوله: "بعد أن استقرت السمانة فوق الصاري"، وهنا يتحدث عن طائر السمان بأسلوب المؤنث، حيث لا يوجد فرق كبير بين الأنثى والذكر، وخاصة في الحجم، ولأن الصاري مرتفع فلم يبن على وجه اليقين أهو ذكر أم أنثى، وهو من خلال هذا العلو الشاهق لم يتبين منطقة الحنجرة التي تكون في الأنثى وردية اللون، ولعل استخدام الأنثى كمستطلعة في بداية القصة ثم مرشدة، يشير إلى أسلوب من أشهر أساليب اليهود في استخدام أو استعمال الأنثى أو المرأة في تعاملاتهم الحياتية (ومنها الدعارة على سبيل المثال). ثم إن هذه السمانة ألقت نظرة على الحديقة الواسعة برأس التين، وهو ما يتفق علميا مع أماكن وجود السمان في المناطق العشبية والحقول. ثم تفضيله لمنطقة البحر المتوسط في الشتاء، وها نحن الآن ـ أي في زمن القصة ـ في فصل الخريف، والشتاء على الأبواب.
لقد نجح محمد جبريل في هاتين القصتين في تضفير الواقعي بالرمزي، وفي الانطلاق من الرمزي إلى الواقعي، أو العكس، وهو كذلك في معظم أعماله الإبداعية بحيث يكسب القصة العربية القصيرة طعما مميزا، ووعيا متجذرا بالذات والموضوع. فتتحول الذات المنفعلة (محمد جعلص على سبيل المثال) إلى موضوع يكسبه دلالة واقعية وتاريخية على مر العصور.
أحمد فضل شبلول
الإسكندرية 15/6/2000

د. حسين علي محمد
20-12-2005, 10:30 PM
حوار بين محمد جبريل وفاطمة يوسف العلي

النظرة للإبداع يجب أن تتغير لأن مبدعينا ينحدرون للهاوية
لم يكن بمقدوري الكتابة إلا عن البحر
حتى نجيب محفوظ توزيع رواياته انخفض إلى حد كبير
يضطر الكاتب لدفع ما يزيد على القيمة الفعلية لطباعة كتابه

(القسم الأول)
...................
رغم أن الكاتب محمد جبريل متنوع في كتاباته, يوزع قلمه بين الصحافة والتأليف والنقد الأدبي, فإن الشهادة الحقيقية على ما قام به من جهد تكمن في إبداعه الروائي. ولا يعني التركيز على هذا الجانب ترك بقية ملامح الصورة. ولكن هذا الجانب, الذي يعتز به كثيرا,ً يبقى الجانب الأكبر والأكثر حميمية من ذاته. إنه كاتب غزير الإنتاج. فله أكثر من عشرين رواية أشهرها (رباعية بحرى) التي تتألف من أربع روايات متصلة منفصلة هي (أبو العباس) و(ياقوت العرش) و(البوصيري) (وعلي تمراز). وهي الرباعية التي يحلو للنقاد عقد مقارنة بينها وبين رباعية داريل الشهيرة عن الإسكندرية. كما أن إسهام محمد جبريل في القصة القصيرة كبير أيضا فله حوالي عشر مجموعات قصصية, أولها (تلك اللحظة) وآخرها (رسالة السهم الذي لا يخطئ) وله في مجال النقد أكثر من كتاب. وقد نال جائزة الدولة التشجيعية عن كتاب (مصر في عيون كتابها المعاصرين) عام 1975م.
ولد محمد جبريل في مدينة الإسكندرية عام 1938, وتقلد أكثر من منصب صحفي مهم في مصر والعالم العربي.
وقد أجرى الحوار معه القاصة الكويتية فاطمة يوسف العلي وهي من الأديبات النشيطات على مستوى العمل العام ولها ثمانية كتب تتوزع بين القصة القصيرة والرواية والبحث الأدبي وأشهرها: (وجوه في الزحام) 1971, (وجهها وطن) 1995, و(تاء مربوطة) 2001 وهي مجموعة قصصية صدرت من القاهرة.
يبدو البحر شخصية رئيسة في معظم إبداعاتك, وهو أشد ما يكون تجسيداً في روايتك الضخمة (رباعية بحري)... ما تفسير ذلك?
- بداية, أنا لم أكتب عن البحر, ولا عن الصلة بين البحر واليابسة, وهو ما يبين في الكثير من إبداعاتي الروائية والقصصية, لم أكتب لطرافة الموضوع, وإنما لأنه لم يكن بمقدوري سوى الكتابة عن البحر. البحر يحضن الإسكندرية من معظم جوانبها, ويحيط بحى بحري من ثلاث جهات, كان هو المكان الذي تطل عليه شرفة بيتنا, ويطل السطح على امتداد آفاقه. كنت أسير على شاطئه, وأتابع التعامل اليومي معه في صيد الصنارة والطراحة والجرافة, وعمليات الشحن في الميناء الغربية, وركوب البحر نفسه في قوارب صغيرة تعبر المسافة من باب واحد إلى باب رقم ستة, أو في لانشات تمضي إلى قرب البوغاز, حتى في الظلام, كنت أستمع إلى البحر, وإن كنت لا أراه. أتذكر قول رامبو: (إنه البحر وقد رحل مع الشمس). البحر ليس موضعاً طارئاً في حياتي. إنه الحياة نفسها. وعلى الرغم من انقضاء عشرات الأعوام على ابتعادي - بصورة عملية - عن الإسكندرية, فإني أفضل - حتى الآن - أن تدور أحداث أعمالي في بحري, لأني أشعر أن الحي تحت تصرفي, أعرف تاريخه وأسواقه وشوارعه ومساجده وبناياته وسلوكيات حياته اليومية, أعرف المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد, حتى مسميات الأشياء واللهجة هي وسيلة التعبير عندي, حتى مستطيلات البازلت التي تتفق فيها مع المدن الساحلية الأخرى.
حي بحري بالإسكندرية هو الأرضية لمعظم ما كتبت من إبداعات. وقد أردت في رباعية بحري بأجزائها: أبو العباس - ياقوت العرش - البوصيري - على تمراز, أن أكتب فصولاً مستقلة, تتكامل في تصوير حي بحري الذي أحببته, وامتداده الطبيعي إلى المكس, أو إلى الرمل.
صورة الإسكندرية
ما أوجه الاتفاق - والاختلاف - بين رباعية الإسكندرية ورباعية بحري?
- ليست هذه هي المرة الأولى التي يوجه لي فيها هذا السؤال. وقد صدمني السؤال في البداية, وربما تضايقت منه, ثم ألفته بالمعاودة. أصارحك أني تعمدت ألاّ أقرأ رباعية الإسكندرية حتى لا أقع في شبهة تأثر, قراري بكتابة رباعية بحري يعود إلى مطالع حياتي الأدبية, وبالذات في ضوء الحفاوة النقدية الواضحة, والتي اعتبرت رباعية داريل من أعظم إبداعات القرن العشرين.
ثم حاولت - بعد أن صدرت رباعية بحري - أن أفتش عن جوانب الاتفاق والاختلاف, لا كناقد, فقد مللت تأكيد أنه حتى فوزي بجائزة الدولة في النقد لا يلغي تفهّمي لقدراتي النقدية, وأني سأظل دوماً خارج أسوار النقد!
رأيي أنه إذا كانت صلة شخصيات ميرامار نجيب محفوظ بالإسكندرية هي صلة هامشية, حيث اختاروا الإقامة في الإسكندرية كمنفى, لا تشغلهم حياة ناسها اليومية, ولا مشكلاتهم, فإنه من الصعب إهمال التأثيرات الأجنبية في حياة الإسكندرية. وعلى سبيل المثال, فإن يوم الأحد في الإسكندرية يختلف عن اليوم نفسه في بقية المدن المصرية. الشوارع خالية نسبياً, والكثير من المتاجر يغلق أبوابه, ذلك لأن التأثيرات الأجنبية التي تحققت من خلال (مواطنة) أعداد هائلة من الجاليات الأوربية لم تندثر من المدينة بصورة كاملة بعد. لكن الصورة التي رسمها داريل في رباعية الإسكندرية - على حد تعبير صلاح عبدالصبور - تنتمي إلى داريل أكثر مما تنتمي إلى الإسكندرية.
والحق أنه من الصعب أن أجري شخصيا مقارنة بين ما كتبته وما كتبه مبدعون آخرون, لكن الذي أستطيع تأكيده أن الكتابة عن الإسكندرية - وبحري تحديداً - حلمي القديم, الجميل, الذي يرافق محاولاتي الإبداعية منذ بداياتها. السؤال: لماذا, لم أناقشه - بيني وبين نفسي - على الإطلاق? فقد كانت الكتابة عن حي الطفولة والنشأة والسمات المميزة والبيئة التي تختلف عن مثيلاتها في أحياء الإسكندرية الأخرى, كانت شيئا أشبه بالقدر... لكنني أملك - فيما أقدّر - طرح بعض الآراء التي تناولت رباعية داريل, ثم أترك للقارئ - قارئ أجزاء الرباعية وقارئ هذه المواجهة - أن يتعرف إلى ما ينشده من أوجه الاتفاق والاختلاف.
الذاكرة أفضل
هل تختلف صورة بحري الذي عبرت عنه في أعمالك عن صورته الحالية?
- أصارحك بأن الحزن يلفني عندما أزور الإسكندرية, حي بحري بالذات, هذه الأيام, لقد تغيرت الصورة تماما, فأنا أفضل أن أعتمد على صور الذاكرة.
حي الجمالية بعمارته الإسلامية وشوارعه الضيقة وأقبيته ومساجده وزواياه وحرفييه, هو التعبير عن القاهرة المعزية بكل زخمها التاريخي والمعماري والإنساني. ذلك ما يصدق - إلى حد كبير - على حي بحري, وإن انتسب الكثير من أبنائه إلى المهن المتصلة بركوب البحر.
أفلح الانفتاح في أن ينفذ - بمظاهره السيئة - إلى الموطن الذي نشأت فيه, وأحببته. بحري الذي عشت فيه يختلف عن ذلك المبنى الخرساني الهائل الذي احتل ميدان أبي العباس, فذوت الروحانية وحميمية البشر. افتقد الحديقة الهائلة أمام سراي رأس التين تتاح خضرتها للجميع, ويتلى فيها القرآن في ليالي رمضان. شاطئ الأنفوشي احتلته الكبائن وورش المراكب, فضاعت فرص أبناء الحي الشعبي في الإفادة من البحر الذي ولدوا على شاطئه.
غياب المرأة
بعض الآراء تجد في رحيل الأم في سن باكرة سبباً في غياب المرأة عن معظم إبداعاتك... ما رأيك?
- أوافقك على أن المرأة كانت غائبة, أو أنها عانت شحوباً في أعمالي الأولى, لكن الملامح تغيرت تماماً في الأعمال التالية. ثمة نادية حمدي في (النظر إلى أسفل) التي تمثل شرياناً رئيساً في جسد الرواية, والزوجة في (اعترافات سيد القرية) تهبنا مواقف إيجابية مناقضة لما كان يمثله الرجل, وأنسية في (رباعية بحري) تحملت ما لا يحتمله بشر في محاولة تخطى ظروفها القاسية. وثمة ياسمين في (الشاطئ الآخر), وعائشة عبد الرحمن القفاص في (قلعة الجبل), وزهرة الصباح في الرواية المسماة بالاسم نفسه, وبهية الحلواني في (بوح الأسرار) وغيرها من الشخصيات التي تقدم المرأة في أبعاد مختلفة. قد تواجه ما يدفعها إلى اتخاذ مواقف سلبية, لكنها واصلت السعي في اتجاه رفض الظروف المعاكسة, والإصرار على تخطيها.كان لغياب أمي عن حياتي في سن باكرة تأثيره بالنسبة لي على المستويين الشخصي والإبداعي, وقد اتسعت مساحة ذلك التأثير - فيما بعد - في مجموع أعمالي, بحيث تبين المرأة - كما أتصور - عن ملامح يصعب إهمالها.
ما رأيك في مقولة إننا نحيا زمن الرواية?
- مع افتتاننا بالتعبيرات التي تختزل ظاهرة أدبية, فإن أحد النقاد أعلن - ذات يوم - وفاة القصة القصيرة, وأعلن نقاد آخرون أن الزمن ليس زمن الشعر, وأكد البعض أن المستقبل للكتابة الدرامية, وأنها هي رواية المستقبل. ويصدم أسماعنا وأعيننا - بين فترة قصيرة وأخرى - تعبير ينعى وفاة جنس أدبي, أو يؤكد سيادته على بقية الأجناس.
وإذا كان تعبير زمن الرواية هو ما تلوكه أفواهنا وأقلامنا في الأعوام الأخيرة, فإن المأزق الذي يواجهه هذا التعبير, وربما أفقده مصداقيته, ما يحرص الناشرون - على تأكيده بأن زمن النشر الروائي انتهى!... بمعنى حفاوة الناشرين بالروايات, والإقدام على نشرها, دخل - منذ سنوات - في دائرة المستحيل.
قراء الرواية يتناقصون, مقابلاً لزيادة قراء السياسة والمذكرات والدين والمشكلات العاطفية والحسية, بالإضافة إلى الأزمة التي يعانيها الكتاب الورقي بتأثير الوسائل الطباعية المستحدثة, وأهمها - بالطبع - الكتاب الإلكتروني.ثمة وسيلتان لنشر الأعمال الروائية, أولاهما هيئات وزارة الثقافة: هيئة قصور الثقافة, وهيئة الكتاب, والمجلس الأعلى للثقافة. أما الوسيلة الثانية فهي اللجوء لدور النشر الخاصة التي تحصل من مؤلف الرواية على أكثر مما تتكلفه طباعة العمل, فتضمن الربح مسبقا, بينما يحصل المؤلف على نسخ قليلة... هدايا للأصدقاء!
أما الناشرون الذين يعرفون لعملية النشر قدرها واحترامها, فإنهم يرفضون الكتابات الروائية باعتبارها بضاعة كاسدة. وتقتصر اختياراتهم على البضاعة المضمونة الرواج, وبالذات الكتاب الجامعي الذي يمثل - كما نعلم - بضاعة مفروضة من الأساتذة على الطلاب!...
الحديث عن زمن الرواية يبدو بلا معنى أو مستغربا أمام إحجام الناشرين عن قبول الأعمال الروائية.
وإذا كان الزمن هو بالفعل زمن الرواية, فلماذا لا يزدهر سوق الرواية? لماذا يرفض الناشرون قبولها? ولماذا تتدنى أرقام التوزيع?
المثل الأشد غرابة أن نجيب محفوظ بكل ما حققه من مكانة في حياتنا الثقافية, وفي الثقافة العالمية بعامة, هبطت أرقام توزيع رواياته من عشرة آلاف نسخة في العام, إلى ثلاثة آلاف نسخة كل بضعة أعوام.

د. حسين علي محمد
20-12-2005, 10:31 PM
(القسم الثاني)
....................
مَن يعيننا على حل اللغز?!
سوق النشر
كنت نائباً لرئيس اتحاد كتاب مصر, كيف تنظر إلى مشكلة النشر التي تحولت إلى ظاهرة سلبية لم تفلح في علاجها كل المحاولات سواء على المستويات الإقليمية أو القومية?
- المتأمل لأحوال النشر في بلادنا, يستطيع أن يقسم الناشرين إلى ثلاثة أنواع: ناشر يعطى المؤلف مكافأة على ما يكتبه بضع مئات من الجنيهات. وناشر يكتفي بتقديم نسخ قليلة للأديب مقابلا لنشر إبداعه, من قبيل التشجيع, أو المجاملة! أما النوع الثالث فهو يحصّل من المؤلف ما يزيد على تكاليف طباعة كتابه, أي أن الأديب يعطي ولا يأخذ, كل ما يأخذه بضعة آحاد أو عشرات من النسخ!
والحق أن المقابل المتواضع الذي يتلقاه بعض الكتاب, والاكتفاء بمجرد النشر لكتّاب آخرين, واضطرار كتاب لدفع ما يزيد على التكاليف الفعلية لطباعة كتبهم, ذلك كله يعكس نظرة دور النشر بعامة إلى مهنة الكتابة, وأن الهدف في كل الأحوال هو مجرد تشجيع الأديب على توثيق إبداعه, وليس تسويقه, فبعض الكتب لا يصدر منها أكثر من مائتي نسخة أو ثلاثمائة على, وبالذات إصدارات دور النشر التي تقوم بعملية احتيال معلنة حين تحصل على ما يتراوح بين ألف وثلاثة آلاف جنيه مقابلاً لطباعة بضع عشرات من النسخ, مجرد توثيق فلا يجد الكتاب سبيله إلى أرفف المكتبات, ولا عند باعة الصحف.
إن النظرة إلى قيمة الإبداع يجب أن تتغير. ما يكتبه الأديب في معظم بلاد العالم يدر عليه دخلا يتيح له التفرغ لإبداعه. أما النظرة إلى مبدعينا فهي تتحدد في دائرة الهواية. حتى المقابل الذي ربما تقاضاه لا يصل - بالقطع - إلى قيمة الكتب التي قرأها, ولا الوقت الذي أنفقه, ولا أجر الكمبيوتر, وبالمناسبة, فإن دور النشر تشترط الآن أن يسلم الأديب أصول كتابه مطبوعة على الكمبيوتر!
إن تخلفنا - في كل المجالات - سيظل حقيقة يصعب إغفالها, ما لم تحصل الكلمة ومبدعها على المكانة اللائقة, والقيمة المستحقة!
ثقافة العناوين
في تقديرك, ما أخطر السلبيات التي تعانيها الثقافة العربية?
سأحدثك عن ثقافة العناوين, أو السندوتش, أو التيك أواي. سمها ما شئت, لكنها تحولت في حياتنا إلى ما يشبه الظاهرة.
ثمة من يجلسون إلى المثقفين, يستمعون إلى آرائهم فيما قرأوا, ويلتقطون عناوين كتب, وأسماء أعلام, وملخصات أفلام ومسرحيات ونظريات فلسفية, ثم ينقلون ذلك كله - أو بعضه - إلى مجالس أخرى. يتحدث أحدهم عن ديستويفسكي بما ينقل إلى محدثيه شعورا أنه قد قرأ كل أعماله, ويتحدث آخر عن المذاهب الفلسفية والفنية بلهجة الدارس الذي أجهد نفسه في المتابعة والمناقشة والتحليل, وتتناثر في كلمات آخرين أسماء أعلام وكتب واتجاهات, بما يعكس ثقافة واسعة.
ظني أنه قد ساعد هذه الظاهرة أسلوب الملخصات الذي تصدر من خلاله بعض دور النشر أعمالاً عالمية مهمة. ولعلي أشير إلى سلاسل تقدم عشرة كتب عالمية في كتيب محدود الصفحات, أو تختصر التراث الإنساني بكامله في بضعة مجلدات... والهدف المرجو - أو المعلن - أن تكون مؤشرا للأعمال الأصلية, لكن القارئ يكتفي بما قرأ, ويعتبره غاية المراد من رب العباد, ويتحدث عما قرأ من ملخصات وكأنه قرأ الأعمال الكاملة!
وقد أخذت الظاهرة بعداً آخر, غريباً, في اعتبار البعض ما شاهده من أفلام أو مسرحيات مأخوذة من أعمال أدبية, نقلا جيدا عن تلك الأعمال يغني عن قراءتها, ويسمح بالتحدث فيها, توهما أنهم قد عرفوا عنها بما يكفي!.... وكم أذهلني تناول كاتب كبير لرواية أستاذنا نجيب محفوظ (خان الخليلي). ناقش الرجل فنية الرواية, وحلل الأحداث والشخصيات, ثم أنهى ما كتبه بالإشارة إلى أنه لم يقرأ الرواية, وإنما اكتفى بمشاهدة المسرحية المأخوذة منها!
وتبلغ الظاهرة حد المأساة عندما يلجأ ناقد إلى تلخيص للعمل الأدبي كتبه ناقد آخر, فيبني عليه مناقشته للعمل, وهو ما نطالعه - مع الأسف - في العديد من الكتب النقدية المعاصرة. يفلح ناقد في إخفاء سطوه على جهد الآخرين, بينما لا يجد ناقد آخر ما يدعو إلى إخفاء ما فعل. ولعل المثل الذي يحضرني, ذلك الكتاب الضخم عن توفيق الحكيم. ناقش مؤلفه - فيما ناقش - رواية (زينب) لمحمد حسين هيكل, ثم ذكر في الهامش أنه قد اعتمد في كل ما كتب على كتاب علي الراعي (دراسات في الرواية المصرية), أي أنه - ببساطة - لم يقرأ الرواية التي قتلها نقداً!
المبدع قائد ثقافي
ثمة مؤاخذات على أن الكثير من المبدعين لا يعنون في إبداعاتهم بأخطر قضايا عالمنا العربي, وهي قضية الصراع العربي - الصهيوني, فما رأيك?
ـ نظرة بعض المثقفين إلى الأديب أو الشاعر أنه لا يعنى بغير الإبداع. فلا شأن له بقضايا المجتمع ولا السياسة. حتى الرياضة لا يتصورون أنها تعنيه في شيء.إنه يؤثر الحياة في جزيرة صنعها لنفسه, يكتفي فيها بقراءة ما يتصل بإبداعه, أو ينصرف إلى تأملات في فضاء هذا الإبداع, أو ينشغل بالكتابة الإبداعية.. هذا هو عالمه المحدد والمحدود, أشبه بسياج البيت في أيام طه حسين الذي كان الصبي يتصوره نهاية العالم.
تلك - بالتأكيد - نظرة خاطئة.. فالأديب له اهتمامات كل المثقفين, فضلاً عن هؤلاء الذين قد لا تعنيهم قضايا الثقافة, وإنما انشغالهم بواقع حياتهم وظروفهم المعيشية. ربما يجاوزونها إلى اهتمامات ثقافية أو ترويحية مثل التردد على المسارح ودور السينما, أو متابعة برامج التلفزيون, أو مجرد الجلوس على المقاهي.
يتابع المبدع - على سبيل المثال - مناقشة حول مباراة في كرة القدم. يحاول المشاركة برأي.. لكن الدهشة المستغربة تواجهه: مالك وكرة القدم!
الأقسى عندما يبدي المبدع رأيه في بعض قضايا السياسة. تعلو الملاحظة المشفقة: السياسة بحر قد لا تحسن السباحة فيه!
والحق أن المبدع هو أشد الناس التصاقاً بقضايا مجتمعه, وقضايا الإنسانية بعامة. إنه يملك من المعرفة والوعي ما يتيح له النظرة الشاملة, الرؤية التي تناقش وتحلل وتتفق وتختلف.أثق أن النضال المقاوم الذي يخوضه الشعب الفلسطيني ضد العنصرية الصهيونية هو الشاغل الأهم لكل المبدعين, انطلاقاً من الوعي بالقضية, بواعثها وظروفها وواقعها ونتائجها المحتملة.
الصراع العربي - الصهيوني في فلسطين يعني المواجهة بين الحضارة العربية والهمجية الصهيونية, بين إرادة الحياة على هذه الأرض مقابلاً لإرادة الغزو والاحتلال والاستيطان, التعامل مع تطورات الأحداث بمنطق نكون أو يكونون, والقيام بدور المحفز والمحضر, ومحاولة التوصل إلى آراء إيجابية ربما أسهمت في توضيح ما يفيد منه أصحاب القرار. والحق أن المبدع هو أشد الناس التصاقاً بقضايا مجتمعه, وقضايا الإنسانية بعامة. إنه يملك من المعرفة والوعي ما يتيح له النظرة الشاملة, الرؤية التي تناقش وتحلل وتتفق وتختلف.
ذلك هو موقف كل المبدعين. المبدع قائد ثقافي في مجتمعه, وهذه القيادة لا تبين في التغزل بالقمر, ولا التغني بقطر الندى. لا قيمة لأي إبداع يغيب عنه الوعي في مواجهة الخطر. والخطر الذي نحياه - كما قلت - لا يقتصر على قطر بذاته, لكنه يشمل كل المنطقة العربية. إنهم يصرون على اجتثاث الوجود العربي من أرض فلسطين, بداية لتحقيق استراتيجية دامية, تمتد إلى بقية الأقطار العربية.
إعلام الذات
ما ملاحظاتك على الاستراتيجية التي يعمل الإعلام العربي في ضوئها?
- تتنقل متابعتي بين أكثر من قناة فضائية عربية. القضية الأهم ما يجري الآن في فلسطين المحتلة, صور تعكس بشاعة الممارسات الصهيونية وإدانات معلنة وبرامج ومناقشات وتحليلات موضوعية ومتحمسة, وإن التقت جميعها في وجوب استعادة الشعب الفلسطيني أرضه وإرادته وحريته, مقابلاً لإدانة جرائم عصابة شارون وشركائه!
أنتقل إلى قناة أوربية, نشرتها الإخبارية تقدم فقرات عن أحداث الأرض المحتلة.. لكن الصور والتعليقات تختلف تماماً عن تلك التي أجمعت القنوات العربية على تقديمها, ثمة العشرات من اليهود يشاركون في دفن جندي إسرائيلي قتله الفلسطينيون رداً على الاعتداءات الصهيونية المتكررة.
انتظرت بقية الفقرات, ربما تقدم الجانب الآخر من الصورة, وهو الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني.. لكن الأيدي الصهيونية بدت واضحة من وراء تتابع الصور والتعليقات.
المشكلة - باختصار وبساطة - أننا نتوجه بإعلامنا إلى أنفسنا, إلى نحن. نعرّف أصحاب القضية بعدالة قضيتهم! أما الإعلام الصهيوني فهو ينطلق بالأكاذيب والدعاوى الأسطورية إلى الرأي العام العالمي من خلال سيطرة إعلامية مؤكدة, تشمل الكتاب والصحيفة والفيلم والمسرحية والبرنامج الإذاعي والتلفزيوني. يضع نفسه دوماً في موضع البريء, الجزيرة المسالمة المحاطة بالأعداء.. ولأنه بلا تاريخ حقيقي ولا تراث ولا هوية, فهو يسطو على تاريخ شعب المنطقة وينسبه إلى نفسه. فإن لم يفلح نسب ما عجز عن سرقته إلى غير حضارته, فزعم أنه تراث شرق أوسطي!
والأمثلة كثيرة, تطالعنا بها - صباح مساء - وسائل الإعلام الأجنبية, والعربية أحياناً..
الرأي العام العالمي بعد مهم في أي قضية دولية, ومخاطبته تحتاج إلى استراتيجية تحسن العرض والمناقشة والتحليل, وتدحض الأكاذيب بالحقائق الموضوعية. لا يكفي شعورنا بأننا على حق وعدونا على باطل. المهم أن نؤكد حقنا - أمام الرأي العالمي - ونعري محاولات العدو.
حكومة المافيا الإسرائيلية جعلت قتل الفلسطيني روتيناً يومياً, لكنها تخاطب العالم عن العنف الفلسطيني.. والصورة في الغرب - باعتراف البعثات الدبلوماسية العربية - ليست هي الحقيقة, بل إنها النقيض تماماً.المسألة ليست في مجرد إجادة مخاطبة الرأي العام العالمي, لكن ما يتمخض عن ذلك من تأثيرات إيجابية بالنسبة للحق العربي, وسلبية بالنسبة للأكاذيب الصهيونية. أذكّر بإقدام العشرات من دول العالم - من بينها دول أوربية - على إدانة إسرائيل وقطع العلاقات معها عقب عدوان 1967. لم يفلح الإعلام الصهيوني - رغم هزيمة العرب حينذاك - في تغيير الحقائق.
ماذا عن المستقبل?
- أتمنى أن أظل أكتب, وأكتب, بينما نظراتي تتجه إلى البحر.

د. حسين علي محمد
03-02-2006, 11:44 PM
قصص قصيرة لمحمد جبريل
....................................

غوايــــــة

حين صعد الشبان الخمسة إلى عربة المترو ، كان يقرأ جريدة وهو واقف فى الزاوية بين ظهر المقعد والباب المغلق من الناحية المقابلة . كانت المقاعد ممتلئة ، وتناثر الوقوف فى المساحات الخالية . استأنف الشبان كلامهم فى وقفتهم بالقرب منه . تشاغل بقراءة الجريدة ، وإن عكست تعبيرات وجهه ما يبين أنه يتابع نقاشهم ..
التقط ملاحظة الشاب المنمش البشرة عن انتصاف النهار دون أن يتناولوا طعاماً . أخرج من جيب الجاكت قطعة شيكولاتة . همس بلهجة مشفقة :
ـ تصبيرة !
تنبه الشبان إليه ..
أطالوا التحديق في ملامحه وهيئته . في حوالى الخامسة والأربعين . يرتدى بدلة رمادية ، ورباط عنق من اللون نفسه . عيناه قلقتان لا تستقران بين أجفانه الضيقة ، فهو يطبق جفنيه ، ويفتحهما ، فى حركة عفوية ، سريعة ، ويكثر من رفع إصبعه ليعيد النظارة المنزلقة على الأنف إلى موضعها ، ويمسك فى يده منديلاً لتنشيف العرق المتصبب في وجهه ..
قال الشاب الطويل القامة :
ـ وأنا .. أليس لى قطعة شيكولاتة ؟
رسم على وجهه ابتسامة واسعة ، وأشار إلى الشاب المنمش البشرة :
ـ أعطيته قطعة كنت أحتفظ بها لنفسى ..
التقط الشاب ارتجافة فى عينيه ، فقال :
ـ لا شأن لى .. أريد شيكولاتة ..
غلبه ارتباك . بدا منطوياً على نفسه ، ومتخاذلاً . رفع الجريدة بيده كمن يحاول الدفاع عن نفسه . تشجع الشاب الطويل فاختطف الجريدة . علت ضحكات الشبان . امتدت يد الشاب المنمش البشرة إلى الجيب العلوى . أخذ القلم ، وقذف به فى الهواء . التقطه . أعاد ما فعله مرات ، ثم قذف به من النافذة ..
صرخ :
ـ القلم !
انعكست نظراتهم ارتجافة فى عينيه . وشى تلفته أنه يريد الابتعاد . تقدموا نحوه فى نصف دائرة . عاد بظهره إلى الوراء حتى التصق بالجدار . ظلوا يرمقونه بنظرات قاسية ، ويكورون قبضاتهم ، ويقتربون ، ويقتربون ..
كان الشاب الممتلئ الجسد أقربهم إليه . صفعه بظهر كفه . تبعه الشاب الطويل ذو النظارة الطبية بلكمة . شجعهم تكوره على نفسه ، وملامحه الخائفة ، على معاودة ضربه . انهالت قبضاتهم وركلاتهم على جسده ، لا تتخير الموضع الذى تصيبه ..
.................................................. ....




لحظــــــــة

أعادت تأمل الشعرة البيضاء . لم تكن رأتها من قبل . تنظر إلى المرآة إذا وضعت المساحيق ، أو مشطت شعرها ، أو وهى ترتدى الملابس . ربما تأملت وجهها ، أو جسمها كله ، بلا مناسبة . هذه هى المرة الأولى التى تكتشف فيها الشعرة قافزة فى الغابة السوداء خلف الأذن ..
غالبت مشاعر متباينة ، وإن غاب معناها الحقيقي . دارت بإصبعين كدوامة ، حتى اطمأنت إلى اختفاء الشعرة تماماً . تأكدت من البسمة التى لم تكن تغادر شفتيها ..
غادرت الشقة بخطوات بطيئة ..
ثم بخطوات أسرع ..
.................................................. ....




غراب البحــر

لما صوب خضر أبوشوشة بندقيته إلى غراب البحر ، فى وقفته على صارى البلانس ، طلب الجد السخاوى أن يشق الرجال بطن الطائر ليروا ما فيها ..
السمكات السبع فى داخل البطن أذهلت الرجال ..
كانوا قد أهملوا نصيحة الجد السخاوى ـ عندما ظهر غراب البحر على شاطئ الأنفوشى ـ بأن يبعدوا الطائر عن الشاطئ . ألفوا رؤيتهم له بالقرب من الساحل . رفضوا أن يدقوا الطبول والصفائح الفارغة ، لتصاب أسراب الغراب بالتعب فتسقط فى المياه ، أو تبتعد عن أفق الخليج . أرجعوا نصيحة الجد السخاوى إلى خرف تمليه الشيخوخة ..
لكن أعداد الطير حلقت إلى مدى النظر ، وتناثرت فوق الصوارى والقلوع والمآذن وأسطح البيوت ومناشر الغسيل وأعمدة النور وأسلاك التليفونات ..
ناقش الرجال ما قاله الولد صبحى شحاتة عن رؤيته للأماكن التى يبيت فيها الطائر بالقرب من الشاطئ . قالوا : لن تتأثر أسماك البحر من قنص أسراب الطائر ، مهما تتكاثر أعدادها ..
استعادوا نصيحة الجد السخاوى وملاحظة الولد ، لما طلعت السنارة والطراحة والجرافة بأعداد قليلة من السمك ، وعاد الرجال ـ أحياناً ـ بلا محصول . أدركوا أن الخطر أشد مما تصوروه . أربك محاولاتهم لقتله ، أو إبعاده ، أنه قادر على المناورة ، ويجيد الاختفاء والغوص ..
تبادل الرجال نظرات الحيرة . زاد من حيرتهم صمت الجد السخاوى على تهامسهم بالسؤال : ماذا نفعل ؟
.................................................. ....




انكسارات الرؤى المستحيلة

قال أحمد أنيس وهو يضع رزمة النقود على مكتبى :
ـ ثلاث ساعات وأنا أتنقل بين البنك المركزى وبنط مصر وبنك فيصل ..
أودعت رزمة النقود درج المكتب :
ـ ما فعلته جزء من عملك ، فلم تشكو ؟
رسم على وجهه ابتسامة معتذرة :
ـ لم أقصد الشكوى ، لكننى أشرح ما حدث ..
لما ضاق وقتى عن استيعاب مسئولياتى ، عهدت إلى أحمد أنيس بأن يقدم لى من وقته بدلاً من وقتى الذى لم يكن بوسعى أن أضيعه . مكانتى تفرض الحاجة إلى الوقت . أختلف مع ما يحتاجه أحمد أنيس . هو لا يريد إلا الأجر الذى ينفق منه على احتياجات يومه ..
كنت أضيع الوقت فى انتظار المصعد ، دورى أمام شباك السينما ، وفى مكتب شركات الطيران ، وداخل البنك ، وصالة الاستقبال بعيادة الطبيب ، والوقوف بالسيارة فى إشارة المرور ، والوقوف فى طوابير وصفوف ، انتظاراً لشىء أطلبه . واللقاءات الشخصية ، وأحاديث التليفون ، والتوقيع على أوراق مهمة ، وبلا قيمة . وكان الطريق يبتلع أكثر من ساعة بين البيت فى مصر الجديدة ، والمكتب فى المهندسين ..
ماذا يحدث لو أنى لم أعترف بالوقت ؟ لو أنى أنكرت وجوده أصلاً ؟.. أصحو وأعمل وأنام . لا يرتبط ما أفعله بشروق الشمس ولا غروبها ، ولا أيام السبت والأحد إلى نهاية الأسبوع . حتى الساعة انزعها من يدى ، فلا يشغلنى ما فات ولا ما أترقبه . لكن الآخرين يصرون على السنة والشهر والساعة واللحظة . يصرون على الوقت ..
هذا ما أفعله بالضرورة ..
الوقت الذى لا يضيع ، لا يمكن أن أسترده ، أو أعوضه . حرصت على أن أختصر من عاداتى ما يضيف إلى وقت الإنجاز . لم أعد أحلق ذقنى صباح كل يوم . ربما أخرت حلاقتها إلى صباح اليوم الثالث . تبينت أنه لم تعد الذقن غير الحليقة تليق بمكانتى . أوصيت على ماكينة كهربائية ، أستعملها فى الأوقات الضائعة ، فى جلستى وراء السائق . وكنت أرجئ تنفيذ بعض ما يجب إنجازه ، فأنهيه فى وقت واحد ..
قرأت أن الوقت هو الرمز النهائى للسيادة ، وأن هؤلاء الذين يسيطرون على وقت الآخرين لديهم القوة . من يملكون القوة يسيطرون على وقت الآخرين ..
أريد أن أفيد من كل ساعة ، كل دقيقة ، كل ثانية . لدى الكثير مما يهمنى أن أنجزه . الحياة قصيرة إن لم نحسن استغلالها . نضيف إليها وقت الآخرين ، ما نحصل عليه من وقتهم . لن تمضى حياتى على النحو الذى أطلبه ، ما لم تأخذ من حياة الآخرين . إنهم يجب أن يضيفوا إلى حياتى ، يعملون لها ..
أزمعت أن أحصل على الوقت الذى أحتاج إليه من رجل ، شاب ، عنده الفائض من الوقت ..
أطلت الوقوف على باب الحجرة ، حتى رفع أحمد أنيس رأسه من الأوراق والملفات المكدسة على المكتب :
ـ أفندم يا سعادة البك ..
سعدت للذهول ـ وربما الخوف ـ الذى نطق فى ملامحه ..
لم أتردد على مكتبه ، ولا أى مكان فى المبنى . المرئيات ثابتة منذ الباب الخارجى ، وصعودى السلمات العشر ، ثم الميل إلى اليمين ، والسير فى الطرقة المفروشة بالمشاية الحمراء ، الطويلة ، على جانبيها لوحات أصلية ، وإضاءة خافتة . شندى الساعى ـ فى نهاية الطرقة ـ يسرع إلى فتح الباب . تطالعنى الحجرة الواسعة ، المطلة على النيل : الأبواب والنوافذ ذات النقوش البارزة ، والزجاج المتداخل الألوان ، والأرفف الخشبية رصت فوقها كتب وأوراق وأيقونات صغيرة وشمعدانات ، والأرض فرشت سجادة تغلب عليها النقوش الحمراء ، فوقها كنبتان متقابلتان ، يتخللهما طاولات وكراسى ، والمكتب الضخم فى الوسط ، من الأبنوس والصدف ، وقبالة الباب مرآة هائلة تغطى معظم مساحة الجدار ، وتدلت من السقف نجفة كريستال هائلة ..
بدا أحمد أنيس مرتبكاً ، لا يدرى إن كان عليه أن يظل فى وقفته أم يقبل ناحيتى ..
أشرت إليه ، فلم يغادر موضعه . أهملت ما ينبغى على رئيس العمل أن يحرص عليه . يستدعى مرءوسيه ولا يذهب إليهم . تأتيه أخبارهم ، ويضع جداراً غير مرئى بينهم وبينه ..
قلت :
ـ أحيى إخلاصك ..
ـ هذا هو عملى ..
فاجأته بالسؤال :
ـ هل المرتب يكفيك ؟
وهو يغالب الارتباك :
ـ أدبر نفسى ..
ـ ما رأيك فى عمل بعد الظهر ؟
وشى صوته بالانفعال :
ـ سيادتك ..
ثم فى استسلام :
ـ أنت الرئيس ومن حقك ..
قاطعته :
ـ لا شأن لهذا العمل برئاستى .. إنه عمل آخر .. إضافى ..
رنوت إليه متملياً : القامة القصيرة ، المدكوكة ، الجبهة الواسعة ، الوجنتين البارزتين ، الأسنان التى اختلط فيها السواد والصفرة ، البشرة الدهنية ، دائمة التفصد بالعرق ..
حدست السؤال الذى لابد أنه سيخاطب به نفسه : لماذا اخترته دوناً عن بقية الموظفين ؟
فتشت عن الكلمات لأشرح له بواعث اختيارى . ثم تنبهت إلى أنه ليس من حقه أن يسألنى ، ولا أن يناقشنى فيما أختار ..
تركت له معظم الوقت الذى كان يسرقنى . تحكم فيه بما أثار إعجابى ، وربما حسدى . أجاد كل ما أسندته إليه ..
لم يكن يمارس عملاً واحداً ، هو سكرتير ، وسائق ، وطباخ ، وخادم . أدهشنى بما يعرفه فى الأبراج وعلوم الفلك وقراءة الطالع ، وفهمه لقوانين الألعاب الرياضية ، وحفظه لفرق الوقت فى مدن العالم ، وللنكات الحديثة ، وإجادته تلخيص الروايات والمسرحيات والأفلام بما لا يخل بالمعنى ، وتقديم المعلومة التى تعوزنى فى اللحظة التى أطلبها . ربما لجأت إليه فى أوقات الليل يسرى عنى بحكاياته الغريبة ، المشوقة ..
وفر لى النجاح فى استثمار الوقت ساعات أخرى : يعرفنى مفتشو الجمارك ، فيتركون حقائبى بلا تفتيش . لا يفتحون الحقائب أصلاً . يتعرف على التاجر ، ويعرفنى بنفسه ، يجرى لى ما لم أكن طلبته من خصم على ما اشتريته . وكان يخلص ـ بلا متاعب ـ أذون الشحن ، ويتذوق الطعام الجيد ، ويشير بالأماكن المريحة ، ويجيد تقليد الأصوات والحركات ، ويجيد اختيار الطاولة القريبة من " بيست " الملهى الليلى ، ويحسن التصرف فى الأوقات السخيفة ، وينقل فضائح المجتمعات الراقية ، ويتحمل العبارات التى يمليها الغضب ..
ما وصلت إليه من مكانة ، يدفع من ألتقى بهم إلى انتظارى ، فلا يشغلنى انتظارهم . ينتظرون حتى الموعد الذى أحدده . من المسموح لى أن أضيع وقتهم ، وليس من حقهم أن يضيعوا وقتى . أعتذر بالقول : أنا مشغول الآن .. هل يمكن إرجاء هذا الأمر إلى وقت آخر ؟.. هذه المشكلة تحتاج إلى مناقشة ليس الآن مجالها .. سأحدثك عن ملاحظاتى فى فرصة قادمة .. أملى القرار ، لا أتوقعه ، لا أنتظره ..
عاودت النظر إلى ساعة الحائط . تثبت من الوقت فى ساعة يدى . يدخل الخادم بالصحف فى التاسعة صباحاً . أطالعها ، أو أتصفحها ، حتى التاسعة والنصف ..
علا صوتى :
ـ أين الصحف ؟
ـ سألخصها لسيادتك ..
لم أفطن إلى وجوده فى الفراندة المطلة على الحديقة الخلفية . اعتدلت بحيث واجهته :
ـ لكننى أقرأها بنفسى ..
ـ الأخبار المهمة سألخصها بنفسى ..
ثم وهو يربت صدره :
ـ هذا عملى ..
تبادلت كلاماً ـ لا صلة له بالعمل ـ مع أصدقاء فى الكازينو المطل على النيل . أفيد من فائض الوقت ، ولا أعانى قلته . تحدثنا فى السياسة ، والأغنيات الجديدة ، ومباريات الكرة ، وتقلبات الجو ، وفوائد السير ـ كل صباح ـ على طريق الكورنيش ..
لم يعد هناك ما يشغلنى . أحمد أنيس تكفّل بكل شئ . يتابع تنفيذ القرارات دون أن يستأذننى فى إصدارها . حتى المكالمات التليفونية يسبقنى إلى الرد عليها . يؤكد وجودى ، أو يلغيه . يتمازج الإشفاق والود فى ملامحه :
ـ نحن أولى بالوقت ..
علا صوتى ـ بعفوية ـ حين دفع باب حجرة المكتب ، ودخل . تبعه ما يقرب من العشرة . يحملون كاميرا وحوامل وأوراق وأشرطة تسجيل ..
أشار أحدهم ـ دون أن يلتفت ناحيتى ـ إلى مواضع فى المكتب يرى أنها تستحق التصوير ..
لم أكن مشغولاً بقراءة ولا متابعة ، ولا أستمع إلى الإذاعة ، أو أشاهد التليفزيون . كنت أتأمل لوحة الجيوكندا ، وسط الجدار ، أحاول تبين ما إذا كانت نظرة الموناليزا تتجه ـ بالفعل ـ إلى كل من ينظر إليها ..
وضع فمه فى أذنى :
ـ هذا برنامج للتليفزيون .. عن مشوار حياتك ..
ـ لكننى غير مستعد لهذا البرنامج .. لست مستعداً لأى شئ ..
دفع لى بأوراق :
ـ عليك فقط أن تتصفح هذه الكلمات ..
وقلت له ـ ذات مساء ـ بلهجة معاتبة :
ـ يفاجئنى الأصدقاء بالشكر على رسائل تهنئة وهدايا ..
وهو يدفع نظارته الطبية على أرنبة أنفه :
ـ عندى قوائم لكل المناسبات السعيدة للأصدقاء .. وأتابع أنشطتهم الاجتماعية جيداً ..
مددت شفتى السفلى دلالة الحيرة :
ـ أخشى أنهم يفطنون لارتباكى ..
وواجهته بنظرة متسائلة :
ـ لماذا لا تبلغنى بهذه المناسبات قبل أن ترسل تهانيك وهداياك ؟
ـ وقتك أثمن أن تبدده فى هذه التفاصيل الصغيرة ..
أعدت النظر إلى ما كنت أطلبه من أحمد أنيس .
لم أعد أرفض قيامه بشىء ما دون أن يبلغنى به . كان يرد على الرسائل دون أن يتيح لى قراءتها ، ويبلغ المتحدث على التليفون بما يرى أنها تعليماتى ، ويبعث بالمذكرات إلى من ينتظرونها ، ويوافق على الدعوات التى يثق فى ترحيبى بها ، ويرفض ما يثق أنى سأرفضه ..
طويت الجريدة ، ووضعتها على الطاولة أمامى :
ـ أنا لم أقل هذا الكلام ..
بدا عليه ارتباك :
ـ لكنه يعبر عن آرائك ..
ثم وهو يرسم على شفتيه ابتسامة باهتة :
ـ هل فيه ما ترفضه ؟
ـ بالعكس .. لكنه ينسب لى ما لم أقله ..
أحنى رأسه بالابتسامة الباهتة :
ـ دع لى مسألة الحوارات والأحاديث ، لأنها تأخذ من وقتك ما قد تحتاجه للراحة أو التأمل ..
وأنا أعانى إحساس المحاصرة :
ـ إذن ناقشنى فى الأفكار التى ستقولها ..
تهدج صوته بالانفعال :
ـ هذا ما سأفعله حين يصادفنى ما أحتاج لمعرفته ..
بدا لى أن العالم رتب أموره بدونى . لم يعد لدى ما أفعله سوى التأمل واستعادة الذكريات . مللت ما أحبه من أغنيات ، فأهملت سماعها . سئمت مشاهدة الأفلام التى وضعها فى الفيديو . فارقنى القلق والتوقع والتخمين . تنبهت لانشغال يدى بمسح زجاج المكتب بمنديل ورقى . رنوت ناحية الباب الموارب ، أتأكد إن كان أحداً قد رأى ما فعلت ..
قلت :
ـ أنت تأخذ قرارى ؟
ارتعشت أهدابه :
ـ أنا أحدس رأيك ..
غالبت نفسى فلا يبين ما أعانيه :
ـ ماذا أفعل أنا إذن ؟
ـ أنت تخطط وتشرف .. وأنا أنفذ ..
حدجته بنظرة تفتش عن معنى غائب :
ـ هذا لم يعد يحدث ..
حدثنى عما لم أكن أعرفه فى نفسى . أبتعد بنظراتى ، ولا أميل إلى المجتمعات ، ولا أصلح للخطابة ، أو التحدث فى اللقاءات العامة . لا يجتذبنى ما قد يثير الآخرين ، وأعانى التردد فى الاختيار ، وفى اتخاذ القرار ، والمجازفة ..
أومأت على ملاحظاته بالموافقة . لم أحاول السؤال ، أو مناقشة التصرفات التى جعلتنى ذلك الرجل فعلاً ..
أتابعه بنظرة ساكنة وهو يتحرك فى حجرات البيت . يرفع الصور واللوحات من أماكنها على الجدران . ينقلها إلى مواضع أخرى . لا يعنى حتى بأن يلمح ـ فى ملامحى ـ انعكاس ما يفعله . يبدى إشفاقه ، فيغلبنى التأثر . يغادر الفندق ـ فى رحلاتى خارج البلاد ـ إلى الجولات الترفيهية ، وزيارة أماكن السياحة والتسوق ..
لم أعد أعرف القرار الذى يجدر بى أن أتخذه ، ولا ما يجب عليه هو كذلك . اختلطت الرؤى ، وتشابكت ، فلا أعرف إلا أنه ينبغى أن أسلم نفسى للهدوء ، وما يشبه الاستسلام . أكتفى بالمتابعة الصامتة ، الساكنة . لا أفكر ، ولا أتكلم ، ولا أقدم على أى فعل . حتى التصور لم يعد يطرأ ببالى . أحمد أنيس وحده هو الذى يفعل كل شئ ..
.................................................. ....




إيقاعــــــــات

خطرت الفكرة فى باله كالومضة . لم يكن ـ فى تلك اللحظة تحديداً ـ يفكر إلا فى اللقاءات التى تملأ أيامه الأربعة فى بيروت . محاضرتان ، وربما ثلاث ، فى اليوم الواحد ، وأحاديث فى وسائل الإعلام ، ولقاءات بمسئولين . لم يعد نفسه حتى لمجرد السير فى شارع الحمراء الذى يحب محاله ومقاهيه وصخب الحياة فيه ..
ومضت الفكرة . استعادها . أزمع أن يخضعها للمحاولة . إذا جاوز الإخفاق ، فهو يستعيد الثقة الغائبة . وإذا لقيت المحاولة صدوداً فعليه أن يظل السر مقيداً داخل حجرته بالفندق ، القيد نفسه الذى خلفه فى حجرته بالشقة المطلة على نيل الزمالك ..
قال الطبيب : التردد يؤدى إلى الحوادث . كان يقصد حوادث المرور ، لكنه لاحظ أن المعنى ينسحب على كل شئ ..
تحسس ـ بعفوية ـ موضع العملية الجراحية فى صدره . كيف يواجه النظرات المشفقة ، أو المشمئزة ؟
وبخ نفسه لأنه استدعى الفكرة ، وقلبها : يدعو المرأة إلى زيارته فى حجرته . يقضيان معاً وقتاً لم يستمتع بمثله من قبل ..
خادمة الغرف ؟!.
يفر من المشكلة الحقيقية ، فيثير مشكلات هو فى غنى عنها ..
قضى موظف الاستقبال على تردده : هل يقدم نفسه باسمه الحقيقى ، أو يخترع اسماً يختفى وراءه ؟..
طلب الموظف جواز السفر . تأمل البيانات ، وأودعه خانة مفتاح الحجرة :
ـ سنعيده عند نزولك ..
أضاف الموظف بلهجة مرحبة :
ـ عدد الأيام ؟
ـ ثلاثة أيام أو أربعة ..
ثم وهو يتكلف ابتسامة :
ـ مهمة عاجلة ..
استشرفت نفسه حياة غير التى يحياها . غلبته الحيرة ، فهو لا يقدر أن يفعل شيئاً . ما يؤلمه أنه لا يقوى على البوح . السر فى داخله ، لا يكشف عنه . يقاوم الرغبة فى أن يتكلم مع أحد ، يفض عما بنفسه ، يحكى ، ويحكى ، لا يسكت حتى يهدأ . قيمة الصمت أنه يخفى ما نعانيه . لو أن الملامح أظهرت ما فى النفس ، ما قدم من القاهرة . العجز معه يصحبه إلى أى مكان يقصده . ليس فى جسده ، وإنما فى مواجهة الظروف التى تواجهه ..
قالت فادية :
ـ ماجد يستهلك نفسه فى إظهار الغضب ، لكنه لا يؤذى ..
وعلت ضحكتها ، فاهتز صدرها :
ـ ماجد كائن مسالم ..
ينظر ـ فى استياء ـ إلى نظرتها المستخفة . تجيش مشاعره . يعلو صوته بما يمور فى داخله . يبدى رأيه ، ويعلن ما ينوى فعله . الابتسامة على شفتيها تزيد من إحساسه بالغضب . يغلبه ارتباك لا يفلح معه فى أن يقول شيئاً . يغمض عينيه . يروح فى عوالم يصعب عليه تبينها . خليط من المشاعر والذكريات والميل إلى الفضفضة . حتى المواقف التى لم تشغله فى وقتها ، ونسيها ، تستعيدها ذاكرته ، وتملأها ..
أهمل النصيحة بأن يلغى سفره إلى بيروت ، أو يؤجله . تحدث على عبيد عن اتساع حرب الميليشيات ، والقتل على الهوية . داخله شعور لم يستطع تفسيره . كأنه التحدى ، أو الرغبة فى المغامرة . تأكيد ما يطمئن إليه فى نفسه ، ولا يراه فى أعين الآخرين . حتى ضابط الجوازات فى مجمع التحرير لم يوقع بالموافقة إلا بعد أن دفع إليه على عبيد ببطاقة التوصية ..
أدار الولد النوبى الملامح مفتاح الحجرة ، ودفع جرار الشرفة الزجاجى . أطل من الطابق التاسع فى الفندق ذى الطوابق العشرة . فى أسفل طريق الكورنيش فى زاويته المطلة على صخرة الروشة ، كأنها ساقا عملاق فى قلب المياه ، وأكشاك الملابس والكاسيتات والطعام ، وعربات الفول والترمس والذرة متجاورة فوق الرصيف ، ويتقافز فى الزحام باعة الورد والفل والياسمين ، ومياه البحر تمتد إلى نهاية الأفق ، فوقها سماء صافية ، تتخللها سحب بيضاء ..
تأمل وجهه فى مرآة الحمام ..
التجاعيد دوائر أسفل العينين ، وحول الفم ، وتتباين مع شعره المصبوغ بالسواد ، والبشرة باهتة ، والوجنتان غائرتان ..
استعاد الفكرة فى وقوفه أمام المصعد . حرص على أن يتجه بنظراته ـ فور خروجه من المصعد ـ إلى الناحية المقابلة لكاونتر الاستقبال . يفطن الموظف إلى مكانته ، فلا يهبه الفرصة كى يلقى أسئلة ، أو يعرض خدمات . هو واحد من نزلاء الفندق ، لا شأن له بأحد ، ولا شأن للآخرين به . لكن : كيف يجد ما يطلبه ؟ كيف تنشأ العلاقة ؟..
لو أن موظف الاستقبال ، أو أى عامل فى الفندق ، فطن إلى ما أزمع فعله ، فستؤذيه الفضيحة بما لا يتصوره ..
لحقه صوت عادل :
ـ أريد نقوداً ..
اتجه ناحيته بنظرة غاضبة :
ـ أنا أنفق على البيت كله وليس عليك وحدك ..
ـ أردت أن تصبح أباً .. لذلك ثمنه ..
ثم وهو يطرقع أصابعه :
ـ أريد نقوداً ..
هز رأسه دلالة الرفض ..
قال عادل :
ـ إذا لم أحصل على ما أريد .. لن أضمن تصرفى ..
تفجرت فى داخله رغبة فى الشتم ، أو فى العراك :
ـ افعل ما تشاء !
وهو يزيح شهادات التقدير والأوسمة والميداليات عن الأرفف والجدران ، ويقذف بها من النافذة المطلة على بقايا بناية متهدمة :
ـ هذا ما أفعله ..
اكتفى بنظرة الذهول تملأ ملامحه . فكر فى أن يمنعه ، يصرخ فيه أو يدفعه أو يصفعه ، لكن العجز شل تفكيره وتصرفه . خشى تصرفاً لا يتوقعه . ماذا يفعل لو أن الولد رد إليه أذيته ؟!.. يصفعه ، فيرد عادل الصفعة بمثلها . ينتهى كل شئ . لا أبوة ، ولا بنوة ، ولا أسرة . لا أى شئ . يتمنى الموت ..
قال لنبرة الإشفاق فى قول على عبيد :
ـ أنت لا تعمل حساباً للمستقبل ..
ـ معى ما يكفى المستقبل ..
وتلكأت الكلمات :
ـ يهمنى أن أنفق ما أملكه فى حياتى ..
ثم وهو يصر على أضراسه :
ـ لا أريد أن يرثنى ابنى فى مليم واحد ..
ـ أعطاك الله العمر .. لكن الحرص على ألا يرثك عادل يثير التأمل ..
ـ لماذا ؟
يقلب الكلمات فى ذهنه ، فلا يجد إجابة محددة . يرفض لأنه يريد ذلك . ما معنى أن أعمل وأكسب ، ثم يرث أى أحد ما ضيعت العمر لتدبيره ؟. يجب أن يعلم عادل وفادية أنه قادر على اتخاذ القرار . أنا أرفض وأقبل وأمنع وأعطى . اتخذ قرارى بكل الثقة . أملى إرادتى . لا تشغلنى ردود الأفعال . ما أفعله هو حقى ..
اعتذر عن المرافقة بأنه يريد السير فى شوارع الكويت بمفرده . سأل عن السوق . استعاد التسمية :
ـ واجف ؟..
ـ إنها مجرد سوق شعبية ..
أهمل التحذير ، وسأل عن الطريق ..
مضى من ساحة الصفا . الأسقف الشبيهة بالقيساريات دفعت معظم المحال إلى إضاءة الداخل . غالبية البضائع قديمة ، أو مستعملة . فى الوسط طاولات خشبية ، فوقها ملابس نسائية ومفروشات وسجاجيد . استعاد زحام وكالة البلح ..
قال الرجل :
ـ أفهم ما تريد التعبير عنه ..
ثم وهو يحدجه بنظرة تتوقع رد الفعل :
ـ سأعد لك وصفة لا تخيب !
غلبه الارتباك . أدرك أن الرجل خمن عكس ما يعانيه . قال :
ـ أنا لا أشكو ضعفاً ..
ابتسم الرجل بالحيرة :
ـ ماذا تشكو إذن ؟
كان يضايقه التقاط تلميحه بما يعانيه بمعنى لا يتغير . تقتصر الأحاديث على ما يضيف إلى حيويته . تقترن بالإيماءات والكلمات الملتفة بالغموض . ما يعانيه كائن فى داخله ، لا دخل له بمرض ، ولا يحتاج إلى شئ مما يشيرون عليه به . شئ لا يدرى مصدره ، وإن استقر فى داخله ، يثيره ، ويشقيه بالإحباط ، وبأنه غير قادر على التصرف ، وعاجز ..
قال البائع فى شارع الحبيب بورقيبة :
ـ أفهم ما تريد التعبير عنه ..
أضاف وهو يقدم له حبة صغيرة :
ـ خذ هذه .. تجعل ما تعانيه من الماضى ..
وضع الحبة بين شفتيه . تبعها بجرعة ماء . تصاعد ـ فى اللحظات التالية ـ ما لم يخطر له ببال : خيالات ومشاهد ونشوة تقربه من الغيبوبة . سرى ما يشبه الخدر فى أعصابه . أغمض عينيه فى استسلام . تصور ـ بتأثير النشوة ـ أن أنفه طال ، فكاد يسد الطريق . أبطأ من خطواته حتى لا يصطدم بالمارة أو العربات . داهمه التوجس ، فعوج أنفه بأصابعه ليحقق انتظام المرور . خطر له أن يصرخ ، ويغنى ، ويرقص ، ويجرى إلى حيث تذهب به قدماه ..
عبر الطريق إلى الناحية المقابلة . استبدل البائع شرائط كثيرة حتى هز رأسه بالموافقة . الصوت الأنثوى يتغنى بالعلاقة منذ بداياتها . يتعمد المط والتلكؤ والبحة المتحشرجة والأنفاس اللاهثة . مالت الرءوس ، وتقاربت الأجساد ، وتعالت الهمسات الصاخبة ..
قال البائع وهو يقلب الشريط على الوجه الآخر :
ـ أثق أن هذا هو ما تريده ..
ابتسم للتعبيرات والتعليقات التى علقت على الدكاكين المجاورة للكاتدرائية بشارع الحبيب بورقيبة . دفع ـ فى زيارته الأخيرة إلى تونس ـ أربعة دولارات لكى يكتب له البائع أمنية على بطاقة مزينة بالورود . أطال التفكير فيما يتمناه لها . طلب البائع أن يترك العبارة ، الأمنية . استقبلته بما اعتاد من الجفاء ، فلم يتذكر البطاقة إلا عندما فتشت فى جيوبه ، قبل أن يبعث البدلة إلى المغسلة ..
نسى حتى ما قدم من أجله إلى بيروت وهو يجلس فى كازينو لبنان ينصت إلى المغنية الصغيرة ، الممتلئة ، تردد أغنية فيروز : باحبك يا لبنان . وثمة آلاف النقاط الضوئية تفترش مساحات السواد فوق الجبل . حرص على تناول ما يميز الطعام اللبنانى : الكبة والتبولة والفتوش والحمص بالطحينة واللحم بالجبن وورق العنب والمحاشى والمتبلات . حتى الحلويات ـ رغم الضغط والسكر ـ أكل البقلاوة والقطائف وعيش السراية والعثمانلية وزنود الست ..
عانى كثرة الحواجز على مفارق الطرق . مدرعات ، وسيارات جيب ، وبزات عسكرية ذات ألوان متباينة . والميكروفونات يتعالى منها التعليمات والأوامر ، والشعارات مكتوبة بالبويات الملونة والطباشير ، تملأ الحوائط ، وأسفلت الطريق ، وأبواب الدكاكين المغلقة ، وسواتر البنايات المتهدمة ، والملصقات على الجدران ، ولافتات القماش تصل ما بين أعمدة النور فى تقاطعات الشوارع ، تؤيد وتستنكر وتحيى وتبايع وتبشر بالخلاص ، وصور الزعماء والقادة معلقة على النوافذ والمشربيات ، والأعلام التى تنتمى إلى تنظيمات يسمع عنها ، أو لا يعرفها . أذهله الدمار فى وسط بيروت : سوق الطويلة ، وباب إدريس ، وساحة البرج . البنايات المتهدمة ، وفجوات الصواريخ ، وثقوب الرصاص ..
أشار سائق التاكسى إلى النافذة التى كان يقف وراءها وبيده بندقية يصعد بها إلى من يحدده التلسكوب . لم يعد القتل على الهوية ، ولا بعد إلقاء الأسئلة . من يجرى بسرعة ، أو يمشى ببطء ، أو يتلفت ، يصوب عليه دون أن يتلقى أمراً ، أو يعطى إنذاراً ..
استعاد التسمية :
ـ قبرص ؟
أعاد فاروق معوض القول :
ـ قربص .. وهى غير قبرص ..
ثم بلهجة محرضة :
ـ بها نبع ماء ساخن يتدفق من الصخر . لو أنك أكثرت من الغطس فيها فالنتيجة مؤكدة ..
أشفق من الارتفاع الهائل الذي بلغته السيارة على الطريق الصاعدة . بدا الوادى فى أسفل مفروشاً بالخضرة ، تنتهي بالشريط الساحلي . الجبل الصاعد المتعرج نفسه ، ارتقته السيارة فى قريات ، وإن تسربل الجبل العمانى بالصخور والوحشة ، واختلطت ـ فى الوادى ـ مساحات الصخور والرمال وبقع الخضرة القليلة ..
المياه تجرى ، ساخنة ، إلى الدائرة الحجرية المتصلة بالبحر . تبلغ مستوى الركبة . تظل السخونة على ارتفاعها إلى خارج الدائرة ، ,على عشرات الأمتار فى اختلاطها بموج البحر ..
ـ من أين تأتى هذه العين ؟
ـ من الصخور . البداية لا يعرفها أحد ، لكنها تنبثق من الصخور ..
دلى قدميه فى مياه الدائرة الحجرية . لسعته السخونة فرفعها . تشجع عندما أبقت الفتاة قدمها فى الماء . دلى قدميه ، وتحمل الحرارة ..
تنبه على صيحة أربكته . كان الشاب ذو الأفرول الكاكى يتفحصه بنظرة مرتابة :
ـ ماذا تريد ؟
أدرك أنه أكثر من التلفت فيما يثير التأمل والأسئلة . غالب إحساسه بالارتباك :
ـ أنا أتنزه ..
وهو يزغده بكعب البندقية فى جنبه :
ـ تتنزه فى منطقة عسكرية ؟
المناطق متشابهة : الحواجز والمتاريس واللافتات والشعارات والميلشيات العسكرية ..
تعمد ألا يواجهه بعينيه . يخشى أن يلمح التخاذل فى نظرته :
ـ لم أكن أعرف ..
لم يعد قادراً على الفهم ، ولا الاستيعاب ، ولا التصرف . ثمة شئ ينقصه ، وإن لم يدركه على وجه التحديد . عانى ما يشبه شلل الإرادة . اختلطت الرؤى ، والخيالات ، والأصوات التى يغيب مصدرها ..
أعاد الشاب دفعه بكعب البندقية . تأوه وسقط . واصل الشاب دفعه وهو يزحف . اعتمد على راحتيه وركبتيه ، حتى توقفت الضربات ، وانحسر ظل الشاب . زم شفتيه ، وإن ظل على تألمه ، وهو يرقب الشاب مبتعداً ، فى وقفته المنعزلة وسط الميدان الصغير ..
كان ذهنه قد خلا من كل شئ .
.................................................. ....
(من مجموعة "إيقاعات" ـ تحت الطبع)

د. حسين علي محمد
26-05-2006, 11:42 PM
يقول محمد جبريل:
- أتمنى أن أظل أكتب, وأكتب, بينما نظراتي تتجه إلى البحر.
بيبليوجرافيا محمد جبريل‏

* ولد في حي بحري بالإسكندرية في 17/2/1938‏
* كان أبوه مترجماً ومحاسباً. وقد أفاد من مكتبة أبيه في قراءاته الباكرة, ويعدها سبباً أساسياً في حبه للأدب..‏
* غالبية أعماله تتناول مظاهر الحياة في حي بحري بالإسكندرية, وحياة الصيادين والبحارة وغازلي الشباك وصانعي المراكب بصفة خاصة..‏
* أثرت نشأته في حي تغلب عليه النواحي الدينية في اتجاهه إلى القصة والرواية التي توظف التراث. وتناول موضوعات يغلب عليها الدين والفانتازيا والأسطورة..‏
* عمل بالصحافة منذ 1960. بدأ محرراً في القسم الأدبي بجريدة "الجمهورية" مع الراحل رشدي صالح. ثم انتقل إلى جريدة "المساء"..‏
* عمل في الفترة من يناير 1967 إلى يوليو 1968 مديراً لتحرير مجلة "الإصلاح الاجتماعي" الشهرية, وكانت تعنى بالقضايا الثقافية..‏
* عمل ـ لفترة ـ خبيراً بالمركز العربي للدراسات الإعلامية للسكان والتنمية والتعمير. وقد تولى مع زملائه تدريب الكوادر والإعداد لإصدار أول عدد من جريدة "الشعب" الموريتانية (1975).‏
* عضو اتحاد الكتاب المصريين‏
* عضو جمعية الأدباء‏
* عضو نادي القصة‏
* عضو نقابة الصحفيين المصريين‏
* حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الأدب عام 1975 عن كتابه "مصر في قصص كتابها المعاصرين"..‏
* نال وسام العلوم والفنون والآداب من الطبقة الأولى عام 1976‏
* عمل مديراً لتحرير جريدة "الوطن" العمانية في الفترة من يناير 1976 إلى يونيو 1984‏
* عمل رئيساً لتحرير "كتاب الحرية" في الفترة من إبريل 1985 إلى يناير 1989.‏
*رواياته: الأسوار ـ إمام آخر الزمان. من أوراق أبي الطيب المتنبي, قاضي البهار ينزل البحر. الصهبة. قلعة الجبل. النظر إلى أسفل. الخليج. اعترافات سيد القرية. زهرة الصباح. الشاطىء الآخر. رباعية بحري: أبو العباس. ياقوت العرش. البوصيري. على تمراز. الحياة ثانية. بوح الأسرار. المينا الشرقية. مد الموج. نجم وحيد في الأفق, زمان الوصل. ما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله. حكايات الفصول الأربعة. زوينة. صيد العصارى. غواية الإسكندر. الجودرية. رجال الظل.‏
* مجموعاته القصصية: تلك اللحظة. انعكاسات الأيام العصيبة. هل. حكايات وهوامش من حياة المبتلى. سوق العيد. انفراجة الباب. حارة اليهود. رسالة السهم الذي لا يخطئ. موت قارع الأجراس.‏
* كتبه الأخرى: مصر في قصص كتابها المعاصرين. مصر... من يريدها بسوء؟..‏ نجيب محفوظ.. صداقة جيلين. السحار.. رحلة إلى السيرة النبوية. آباء الستينيات. قراءة في شخصيات مصرية. حكايات عن جزيرة فاروس. مصر المكان. البطل في الوجدان الشعبي..‏
* درّس الدكتور شارل فيال كتابه "مصر في قصص كتابها المعاصرين" على طلاّبه في جامعة السوربون. ويدرس د. عبد المجيد زراقط أعماله على طلابه بالجامعة اللبنانية, كما يدرس د. عبد الرحمن تبرامايسين على طلابه بجامعة بسكرة بالجزائر.‏
* ترجمت روايته "الشاطئ الآخر" إلى الإنجليزية. كما ترجم العديد من قصصه القصيرة إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والماليزية. وكان الأب الدكتور جاك جومييه هو أول من قدمه إلى القارئ الفرنسي بدراسة في مجلة "ميديوى"..‏
* صدر عنه: "محمد جبريل وعالمه القصصي" و"دراسات في أدب محمد جبريل" بأقلام مجموعة من الأدباء والنقاد... و"البطل المطارد في روايات محمد جبريل للدكتور حسين علي محمد... "فسيفساء نقدية ـ تأملات في العالم الروائي لمحمد جبريل "للدكتور ماهر شفيق فريد..." محمد جبريل... موال سكندري "لفريد معوض وآخرين. استلهام التراث في روايات محمد جبريل للدكتور سعيد الطواب. محمد جبريل روائي من بحري لحسني سيد لبيب, محمد جبريل,مصر التي في خاطره لحسن حامد. التراث والبناء الفني في روايات محمد جبريل للدكتورة سمية الشوابكة.‏
* حصلت الباحثة الأردنية سمية الشوابكة على درجة الدكتوراه من الجامعة الأردنية عن رسالتها "التراث والبناء الفني في أعمال محمد جبريل الروائية".‏
* نوقشت أعماله في العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه, ومنها: شخصية المتنبي في الأعمال الروائية والمسرحية لفهمي عبد الحميد, العناصر التراثية في الرواية المصرية لمراد عبد الرحمن مبروك, السجن في الرواية المصرية لأحمد الحسيني, العناصر السردية في الرواية عند محمد جبريل لأحمد عوض, موازنة بين الأعمال التاريخية عند كل من نجيب محفوظ ومحمد جبريل لمديحة يوسف عامر (الإمارات). السرد الفني في روايات محمد جبريل (رسالة ماجستير) لمحمد محمود فرج.‏
* كتب مقدمات لأعمال كل من: مصطفى صادق الرافعي (تحت راية القرآن) (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية). نجيب محفوظ (صدى النسيان) (فتوة العطوف). أحمد زكي مخلوف (نفوس مضطربة). حسين علي محمد (عشان مهر الصبية). محمود الخصيبي (سلطنة عمان). عبد الله هادي سبيت (اليمن). فتحي عزت (الإغراء). محمد كمال محمد (دماء في الوادي الأخضر). سمير فوزي (من ديوان العشق). شحاتة عزيز (كفر الهلالي). عبد الفتاح مرسي (المسخوط من سيرة علي بلوط). أبو المجد شعبان (الطفل الذي يعدو). مهدي بندق (حتشبسوت بدرجة الصفر). أمجد صابر (عندما تبيض الديوك) علاء أبو زيد (فم النهر). فاطمة يوسف العلي (تاء مربوطة). محمود البدوي (قصص قصيرة) وغيرهم.‏
* وضع عن فترة إقامته بسلطنة عمان كتاباً بعنوان "تقرير عن إصدار جريدة يومية" نشر حلقاته الثلاث الأولى في مجلة "الدراسات الإعلامية". ثم أوقف نشر بقية الحلقات بعد تدخل مباشر من الحكومة العمانية بدعوى أن الكتاب يتناول سلبيات التجربة العمانية!‏
* له ندوة باسمه, قدمت الكثير من الأدباء الشباب, تعد من أهم الندوات في القاهرة..‏
* كتبت في أعماله قصائد للشعراء: محمد يوسف. حسين علي محمد, جميل محمود عبد الرحمن. يسري حسان. شفيق أحمد علي. فواز عبد الله الأنور. مؤمن أحمد..‏
* أقيمت له مهرجانات تكريم في المنيا. سوهاج. القاهرة. الإسكندرية..‏
* شارك في مؤتمر الرواية الذي أقامته جامعة القاهرة ـ قسم اللغة العربية, في 1995.‏
* شارك في مهرجان آفاق القصة والرواية في الثمانينات والتسعينيات بكلية دار العلوم في إبريل 1997.‏
*شارك في مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم ـ الدورة الثانية عشرة بالإسكندرية 1997.‏
* شارك في مؤتمر القاهرة للإبداع الروائي (شهادة ومشاركة بحثية) فبراير 1998.‏
* شارك في مؤتمر التنمية في شمال الصعيد ـ كلية الآداب بالمنيا 1998.‏
* انتخب في مارس 1999 نائباً لرئيس اتحاد كتاب مصر..‏
* ترأس المؤتمر الإقليمي لأدباء غرب ووسط الدلتا في إبريل 1999.‏
* مثل اتحاد كتاب مصر في ندوة الرواية العربية وقضايا الأمة التي أقيمت بطرابلس ليبيا في الفترة من 7 إلى 9 أغسطس 1999. كما مثل الاتحاد في اجتماعات المكتب الدائم لاتحاد الكتاب العرب...‏
* ألقى محاضرة عن تجربته الأدبية في مقر اتحاد كتاب سوريا بدمشق 10/8/1999.‏
* اختير عضواً في لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة من أول أكتوبر 1999.‏
* ترأس في سبتمبر 2000 وفد اتحاد كتاب مصر إلى تونس, ووقع اتفاقية للتعاون الثقافي. كما شارك في العديد من الندوات في المدن التونسية..‏
* شارك في مؤتمر عن الكاتب الراحل محمود البدوي في المجلس الأعلى للثقافة (1999)‏
* شارك في المؤتمر الدولي عن الترجمة الذي أقامه المجلس الأعلى للثقافة في عام 2000.‏
* شارك في الملتقى الثاني للفنون الشعبية الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة في الفترة من 14 إلى 18 يناير 2001.‏
* شارك في مؤتمري القاهرة للرواية الأول والثاني اللذين أقامهما المجلس الأعلى للثقافة. قدم شهادة, وبحثاً عن الرواية التاريخية, وقدمت في أعماله أبحاث.‏
* ألقى محاضرة عن تجربته الأدبية في المكتبة الوطنية بالجزائر في يناير 2006.‏
* أقامت الفنانة التشكيلية مها رشدي معرضاً عن شخصياته في نادى الهلال الأحمر بسوهاج..‏
* زار معظم العواصم والمدن العربية, والكثير من دول العالم..‏
* متزوج من الناقدة زينب العسال. وله ابنان: أمل ووليد...‏
* يسكن في 18 شارع الدكتور سليمان عزمي شقة 4 مصر الجديدة ـ ت 6218500 ـ 2618399 ـ 103805251.‏
...........................................
*جريدة الأسبوع الأدبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006م.

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:43 PM
المرأة .. والأدب

بقلم: محمد جبريل


ثمة تعريف للأدب النسائي بأنه كتابة عن المرأة تكتبها المرأة. وفي تقدير البعض أن ما تكتبه المرأة هو دائماً نسائي. ولا يمكنه إلا أن يكون نسائياً. وفي أحسن حالاته يكون نسائياً علي أكمل وجه. وفي العدد الأول من مجلة "فتاة الشرق" [1906] فرقت لبيبة هاشم بين الرجل الذي يكتب عن المرأة كما يعمل ويفكر. وبين المرأة التي تكتب عن نفسها كما تعتقد وتشعر. وقد دعت لطيفة الزيات النقاد إلي إظهار اهتمام أكبر بالكتابات التي تعبر بها المرأة عن المرأة. واكتشاف خصوصية الأدب النسائي العربي. فالمرأة - في رأيها - تتميز بخصوصية في كل ما تكتبه. وهي خصوصية تضيف جديداً وجميلاً إلي الأدب العربي. عبد الله أبو هيف يحدد محور أدب المرأة بأنه "فقدان الحرية. أو الشوق إليها. الحرية التي تعني تحقيق الذات. والانعتاق من قيود النفس والجسد والمواصفات الاجتماعية. والخلاص من التابو. ولوازم المجتمع القديم".
ويذهب عفيف فراج إلي أن الباعث الأهم علي الاهتمام بأدب المرأة. هو رصد وتتبع وعيها لذاتها كحرية مستلبة. وإرادة معطلة الوعي. لكونها قارباً مركوناً علي الشاطيء ينتظر الرجل/ الربان. ولا يسمح له بخوض الماء. ومطاردة التجربة. واستلال المعني. ثم قياس عمق هذا الوعي بشتي تدرجاته. ورصده في تفاعله مع محرضاته وإطلاقاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية.
وثمة رأي مقابل انه لا يمكن ان نعتبر كل ما تكتبه المرأة أدباً نسائياً لمجرد ان الكاتبة امرأة. الكاتبة المرأة تتخذ الكتابة وسيلة للانضمام إلي التقليد الأدبي ذي المعايير الذكورية المصدر والتوجه. والامتناع عن استخدام السرد أداة للسيرة الذاتية للمرأة بما هي سيرة اضطهاد وعزلة. إنها تحاول التعبير من منطلق الكاتبة الانسان. لا الكاتبة المرأة. بمعني نسف الماهية النسوية. وبالطبع. فإن العامل المرجح هنا هو طبيعة مادة المضمون. أو طريقة المعالجة. وثمة اعتراض علي تسمية الأدب النسائي. من حيث انها تضع المرأة في دائرة الأنوثة. أو تقصرها عليها. وإسقاط الصفة الأعم وهي الانسانية.
بالنسبة لي. فإني أتحفظ - أعترف! - علي التسمية لأنها - بالتعميم - ستشمل أدب الرجال. وأدب الشيوخ. وأدب العمال. وأدب الفلاحين. وربما امتدت التسمية لتشمل أدب رواد المقاهي! المرأة حين تكتب عن المرأة. فإنها تكتب عن الرجل ايضاً. الرجل والمرأة وجها العملة. إن جاز التعبير. مشكلات أحد الجنسين تعني مشكلات الجنسين معاً. ومشكلات الجنس الواحد مقابلاً. أو تشابكاً مع. أو في موازاة. مشكلات الجنس الآخر.
ذلك هو نبض الكتابات الإبداعية منذ قصة "الأخوين" الفرعونية. والتي تعد أولي القصص في الأدب العالمي. وفي كل الأحوال - أو هذا هو المفروض - فإن مشكلات المرأة - في إطار العمومية - هي جزء من مشكلات الجنس والجماعة والطبقة والوطن. الأدب تعبير عن الانسان. وليس عن الذكورة والأنوثة. ذلك ما تنبض به كتابات إديث وارتن وبنت الشاطئ وبيرل باك وفرجينيا وولف وكاثرين مانسفيلد وسيمون دي بوفوار وآسيا جبار وإيريس مردوخ وأنجيلا كارتر وغيرهن. لقد مارسن الكتابة الإبداعية. عبر وعي بالهوية النسوية يتكافأ مع الوعي بالحداثة الأدبية. ولعلي أشير إلي قول نبيلة إبراهيم: "هنالك إبداعات المرأة تتجاوز المشكلة النسائية إلي كونها إنساناً. يعيش الحياة بأبعادها المختلفة. محتكة بالعالم الذي تعيش فيه. وترصد كل ما في الحياة من مشكلات وقضايا لتعبر عنها".
م.ج
Mlg- 38@hotmail.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
*المصدر: صحيفة "المساء الأسبوعية" ـ في 30/4/2005م

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:43 PM
.. فالأطياف تُحاورني
(إلى الروائي محمد جبريل)

شعر: حسين علي محمد
...............................

منْ أطْلَقَ نهرَ الماءِ
على الصحراءِ
مقتحماً أقواسَ الظُّلمةِ والأنواءِ ؟
منْ رسَمَ النهرَ وسيعاً كالصيفِ
بديعاً كالحرْفِ
ورفعَ الجنَّةَ فوقَ ضفافِ الطيفِ
وخطَّ حكايةَ عشقٍ للغبراءِ ؟
منْ دفعَ السمّانةَ للبحْرِ
ولوّحَ بالنَّهْرِ
فأقبلتِ الأطيارُ تُغني أحلامَ الشعراءِ ؟
*
هلْ تخشى الأسوارَ
وريشتُكَ الخضْراءُ انتفضتْ
تقتحِمُ النّارَ ؟
أجبني

فالأطيافُ تُحاورُني
والصحراءُ ردائي

ديرب نجم 8/9/1984

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:44 PM
الخيـــــــوط
(إلى محمد جبريل)

شعر: حسين علي محمد
..............................

(1)
كان ترامُ مدينتنا يمشي في الليلِ بطيئاً يتثاقلُ كالسيدةِ الحاملِ، وجباهُ الخلقِ تغوصُ ببحرِ العرقِ اللزجِ، وأجسادُ النسوةِ تلتصقُ، وتختلِطُ روائحُها: رائحةُ الإبِطِ، وكولونيا باريسَ، وعطرُ المرأةِ، وأنا ..
ألصقُ صدري في صدرِ امرأةٍ، فتُعنِّفني عينا رجلٍ ممصوصٍ، ويبسمل، ويحوقلُ، وعلى السلمِ رجلٌ يُرقصُ قرْدتَهُ، ويُغني ـ واللحنُ ذبيحٌ في الحلْقِ ـ
:"أتعرفُ من نحنُ ؟ لقد كنا في يومٍ ساداتِ العالمِ، كنا في يومٍ من فجرِ البشريةِ نعبرُ هذا البحرَ الأحمرَ، نبني الأهراماتِ ونحمي الأديانَ، نُقيمُ الصلواتِ، وكم أعطينا ! .. من أورثني هذا الفقرَ .. وهذا الذلَّ .. فسالَ دمي .. وبدون ثمنْ!"

"في طُرقاتِ الأحجارِ الصلدةِ أمشي
وتفيضُ الأرضُ جفافاً
جوعاً
قهراً
خوفاً
وتفيضُ الأرضُ وتمنحُ مغتصبيها
قمحاً
ونبيذاً
وجسوماً غضَّهْ
وعطوراً باريسيَّهْ
ونهوداً من مرمرْ
منْ يمسحُ عنِّي قهري؟
منْ يمنحني لحظةَ دفءٍ وسعادهْ؟
والدميةُ تلهو في صدري، وتُحدِّثني ..
عاشتْ عمراً بالطولِ وبالعرضِ،
وفاضتْ لحظاتي
قهراً
خوفاً
جُبناً
أبعدْتُ الوجْهَ (فهذا وجْهٌ منْ صلصالٍ
يختلطُ الشعرُ / الموجُ بصدرِ الرجلِ الأصلعِ
يبسمُ منتَشِياً، فتتمتِمُ
"وجدوني وقتَ بزوغِ الفجرْ
لما مزَّقَ ضوءُ القمرِ الشاحبِ أرديةَ الظُّلمهْ
في ذيلِ الشهرِ)، مفاجأةٌ تحتَ الحائطِ
(وجدوني حيا أتكلَّمُ،
وعروسٌ من صلصالٍ في حضنيَّ)
كنا نفترشُ الرملَ، ونضحكُ
والعينانِ تروغانْ
والوجهُ الأبيضُ مصبوغٌ بالحمرةِ
والنهدُ المكسورُ يُحاورُني
(من جعلَ الأرضَ الخصبةَ لا تُعطي غيرَ الأطفالِ الجوفْ؟)

(2)
وَمَضَ البرقُ الليلةَ
فابتلَعَ الضوْءُ تُرامَ مدينتِنا الأملسَ
وتعرَّى جسدي المنخورُ
وكانتْ ساقي المبتورةُ تتدحرجُ قُدَّامي
والنسوةُ يجرينَ ويهبطْنَ، ويبسمْنَ
وساقي مبتورهْ
أرفعُ رأسي للنورِ، وأضحكُ
أصنعُ منْ نغمي قُدْساً
(كيفَ سألحقُ بالفاتنةِ) وأرقُصُ
يتشرنقُ هذا الجمعُ
وقُدامي تمثالٌ آخرُ من صلصالٍ
ينحسرُ الثوبْ

حرسُ الجامعةِ الليلةَ
أخرجَ أسلحةً ما كانتْ تخرجُ
فتدفَّقَ نهدا "سلوى" باللبنِ
وشرِبَ الجمعُ
انكبَّ الشرطيُّ على النهدِ المتكلِّمِ
أخرسهُ بالسونكيِّ،
وظلَّ يُطاردُ "سلوى"
برصاصاتٍ في الجِيدِ
وسونْكيٍّ في الصَّدْرْ

(3)
اختفتِ الفرحةُ منْ وجهي
بعد ثَوانٍ منحوني ديناراتٍ نفطيَّهْ
عُدتُ أُغنِّي للشرطيِّ بصوتٍ يتسربلُ في الفرْحِ اللونيِّ،
ويملؤ هذي الحافلةَ المكتنزةَ باللحمِ البشريِّ

وكان رصاصٌ أرعنُ ..
يقتُلُ هذا الفرحَ المرسومَ على الأوجهِ
فتراني أصرخُ في صوتٍ يتلوَّنُ بالوطنيَّةِ:
كُفُّوا
حتى يستمتعَ كلٌّ منكمْ بِغنائي!!

ديرب نجم 9/5/1978

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:45 PM
محمد جبريل يكتب عن جابر عصفور

بقلم: محمد جبريل
.......................

من حق جابر عصفور أن نثمن دوره في حياتنا الثقافية.
علي الرغم من اختلافنا أحيانا في أداء المجلس الأعلي للثقافة. فان الحقيقة التي لا يختلف فيها حتي الذين لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب. حتي من يلحون في طلب العيب. أن المجلس الأعلي للثقافة في الأعوام الأخيرة هو التمثيل الايجابي لأنشطة وزارة الثقافة. هو التلخيص الذكي لهيئات الوزارة المتعددة.
علي سبيل المثال. فان مهمة هيئة الكتاب هي اصدار الكتب والدوريات والمجلات. بما يتيح لصناعة النشر أن تؤدي دورا مطلوبا في خدمة الثقافة العربية.. لكن اصدارات مجلس الثقافة فاقت بصورة لافتة كل اصدارات هيئة الكتاب. سواء علي مستوي الكم أم الكيف. أذكرك بمشروع الترجمة الذي جعل من مشروع الألف كتاب بهيئة الكتاب خطأ ينبغي التخلص منه!
الطريف أن فاروق حسني أراد أن يهب هيئة الكتاب نشاطا متميزا في معرض القاهرة الدولي الأخير فلجأ الي مطبوعات المجلس الأعلي للثقافة. واجهة لنشاط الهيئة في مجال تخصصها!
ومع تعدد المؤتمرات والمهرجانات والندوات التي تنظمها هيئات وزارة الثقافة. فان ما ينظمه المجلس الأعلي للثقافة من أنشطة. هو الأكثر حضورا. والأشد تأثيرا.. والأمثلة لا تعوزنا.
والمتابعة الواعية للأحداث الثقافية المحلية والعربية والعالمية مهمة يحرص المجلس علي التصدي لها. ومناقشتها. وتحليلها. واتخاذ توصيات وقرارات تضعها في دائرة الضوء أمام المتخصص والمواطن العادي.
حتي المسابقات التي ينظمها المجلس: تيمور. وحقي. ومحفوظ وغيرها. هي الأكثر جدوي وجدية.
والنظرة المتأملة لأنشطة لجان المجلس. تجد أنها تقدم المقابل للركود الذي تعانيه هيئات أخري تابعة لوزارة الثقافة.
أثبت جابر عصفور أن مسئولا واعيا. مدركا لمسئولياته. ويجيد الادارة. يستطيع أن يحقق في الموقع الذي يتولي قيادته ما قد تعجز عنه هيئات. تخصصها المستقل فرع محدد من مجمل حياتنا الثقافية.
قلوبنا مع جابر عصفور.
هامش:
سألت مصطفي علوي رئيس هيئة قصور الثقافة: ما ردك علي الحملة التي تتهم قيادة الهيئة بايقاف مشروع النشر؟
قال: هل تتصور أن مسئولا يتخلي عن واجهة مهمة لأنشطته؟.. النشر كما تعلم من أهم مشروعات الهيئة. وجدواه معلنة. لكن تقلص الموارد المالية. أو غيابها. مشكلة لا حيلة لنا فيها. ميزانية النشر تعاني عجزا من قبل أن أتولي المسئولية. ولاشك ان اصدار الكتب لن يتحقق بالنيات الطيبة. خاصة اذا كنا نطبع في قطاع خاص لغته الربح والخسارة!
م.ج
Mlg- 38@hotmail.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
عن صحيفة "المساء الأسبوعية" ـ في 8/4/2005م

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:46 PM
الأســــــــــــــــوار
(إلى محمد جبريل)

شعر: حسين علي محمد
...............................

ينطلقُ السهمُ إلى القلبِ،
ويغضبُ مني صحبي إذْ أصرخُ
تُفزعُهمْ خطواتي في دربِ الفجرِ
وأنتِ تمورينَ،
وتبتعدينَ،
وترتعدينَ
… وخلفَ الفارسِ نتلو آياتِ الذِّكْرِ،
فقد فرَّ من الميدانِ صباحا
علَّقَ نيشانَ الصبرِ، وأنتِ تموتينَ
وهذا الفارسُ يُطلِقُ في الميْدانِ النارَ
على الجمهورِ
فتملؤ أشجارُ الحزنِ بوادينا
مدَّ الظفرَ المجنونَ إلى جسدِ الوردةِ،
والأطفالُ يمرونَ على الأسلاكِ ..
وورْدِ "الديناميتِ"
وزَبَدِ الموتِ
(الشيخُ يُقامِرُ في المسرحِ ..
ويُعربِدُ مع سيدةٍ في حضنِ الدلتا
والصوتُ الجبليُّ يُطرِّزُ أوجهَنا
بالرغبةِ في الصبحِ الآتي)
والنظرةُ من سيدةِ المقهى ..
تُشعِلُ في جنبيْنا النارَ،
وخادمنا "آمونَ" المُرهَقُ ..
يسألُ عن "هامانَ" ويذكرُ أهوالَ الحراسِ
توقَّفَ هذا الزمنُ الأفعى عنْ نسجِ الثوبِ ـ الرغبةِ
واشتعلتْ في القلبِ النارُ
(وقفتُ أُراقبُ هذا العربيدَ
أُيغرينا بالمسكِ ..
ويغرسُ في أعيُننا شجرَ الوهْمِ،
ويرقصُ فوقَ هشيمِ القشِّ ..
و ..
ـ روما .. كيف احترقتْ ؟
ـ هل تذكرُها ؟
ـ بونابرتُ يُعانقُ حلماً سرِّيا
هذي الأهراماتُ تُحدِّثُكمْ منْ آلافٍ خمسٍ
فاستمعوا يا فتيةَ شمسِ الغربِ مليا
لأحاديثِ الفرعونِ)
وأنتِ هناكَ تروغينَ
فهلُ يُغرسُ في دمِنا شجرُ الخوفِ
هلْ تجرينَ إلى طُرُقِ الوهْمِ
وتنبُتُ أزهارُ الصبارِ
على شرفةِ قصرِ الشيطانِ، تُخوِّفُنا ؟
والمهرُ الأشهبُ يصرخُ في قاعِ النارِ:
لماذا الخوفُ يُقرِّبُني حيناً ..
ويُباعدُني أحيانا ؟
ـ ماذا أُبصِرُ ؟
ـ ماذا يقدرُ أن ينطقَ عاشقٌكِ الأخرسُ
لوْ صرختْ كلُّ حناجرهمْ
وارتفعَ الخنجرُ في الوجهِ،
وفوقَ الظَّهْرِ الأسوارُ،
وهذا العبدُ الأسحمُ
.. يرقصٌ قدامَ تماسيحِ النيلِ،
ويُغريهم بالخصبِ الآتي في زمنِ الجدبِ
وصوتُكِ يملؤ عينيَّ برعدٍ يُمطرُني في الزمنِ القفْرِ،
وتبتسمينَ وتبزُغُ شمسُكِ
قُرصاً منطفئاً
في بحرِ الدمْ !!

ديرب نجم 19/12/1978

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:48 PM
الفن القصصي عند محمد جبريل

بقلم: د.عبد الله أبو هيف
................................

بدأ محمد جبريل الكتابة السردية قاصاً بإصدار مجموعته الأولى "تلك اللحظة" (1970)، ورسخ إبداعه القصصي بمجموعاته "انعكاسات الأيام العصيبة" (1981)، و"هل" (1987)، و"حكايات وهوامش من حياة المبتلي" (1996)، و"سوق العيد" (1997)، و"انفراجة الباب" (1997)، و"موت قارع الأجراس" (2002)، واختار عدداً من قصصه التي تتناول تنازعات الذات القومية إزاء مخاطر الصهينة والعدوان الأجنبي على العرب، سماها "حارة اليهود" (1999). واقتصر في هذه المقالة بالحديث عن الفن القصصي عند محمد جبريل من خلال مجموعته الأخيرة، ومختاراته القصصية المشار إليها آنفاً.‏
بنى جبريل قصصه على التقانات السردية والمجازية والاتصالية الحديثة، ولا سيما المفارقة والرمزية والإيحاء المجازي لابتعاث المعاني والدلالات فيما وراء القصّ. وأفصحت قصص "موت قارع الأجراس" عن ثراء التشكلات السردية لدى العناية بالتحفيز التأليفي الذي يوائم بين الفعلية وأغراضها على نحو غير مباشر، وصورّت قصة "الوحدات" مدى حصار الفلسطيني في وطنه، إلماحاً إلى اغتراب الفلسطيني في الأقطار العربية، حتى أنه فكر مرة أن يركب سيارة يقتحم بها الحدود إلى فلسطين من إقامته المروعة في الأردن، و"إن قتلت فسأقتل في وطن.. وطني" (ص12).‏
وأبان ازدياد آلامه، وهو يعاني عسر تجديد الإقامة في موعدها، وصعوبة الحصول على بطاقة أو هوية، إذ لا يستطيع المواطن أن يحيا" بلا جواز سفر ولا أوراق تثبت شخصيتك" (ص15)، مما عذبته السخرية المرّة عبر المفارقة الموجعة.‏
"-سأصبح إذن مواطناً عالمياً، فليس معي تأشيرة دخول إلى أي بلد!" (ص15)، وهذا هو حال الفلسطيني بخاصة، والعربي بعامة، الذي يقتله الإحباط والخوف، ما دام مربوطاً بمخيم الوحدات المفتقر إلى الثقة والأمان.‏
ووصفت قصة "موت قارع الأجراس" صلابة المقاومة في فلسطين، فقد لاذوا بمجمع الكنيسة ثم داهمهم المحتلون وقناصتهم في هذا المكان المقدس، وصوبوا إليهم رصاصهم، على الرغم من التضامن الديني بين المسيحيين والمسلمين، ونبههم الأب لوقا ألا يحاولوا التعرف على ما يجري خارج الكنيسة، ولو من النوافذ، لأنهم يطلقون الرصاص على كل شيء يتحرك، (ص29)، وبدا فعل المقاومة قوياً باستخدام الإيحاء المجازي النابض بالوعي الذاتي، إذ "ترد نواقيس الكنائس في امتداد المدن والقرى. يرتفع الآذان – كما حدث في مرات سابقة – من الجوامع وأسطح البيوت. يتنبه من تختفي أو تسحب، في أسماعهم، صيحات الاستغاثة، فينصرفون" (37).‏
وامتد ترميز الفعل المقاوم إلى البيرق علامة للضبط الداخلي والمتانة في مواجهة العدو، كلما تأذى المؤمنون في قصة "البيرق"، حرصاً على نصرة الإسلام والمسلمين في أيام الخطر، والبيرق هو الأمل المرتجى إن واجهت البلاد الخطر، و"على كل المسلمين الخروج إلى الجهاد وبيع الأرواح بيع السماح" (ص83).‏
وأفاد المنظور القصصي أن تعضيد فعل المقاومة يستند إلى مجاوزة الاختراقات الداخلية والضعف الداخلي من خلال المفارقة من اللفظ إلى المعنى، عندما "لامست أصابع في موضع البيرق خشونة تسوس العصا والفجوات الصغيرة، تشابك فيها العلم والحبل المهتريء" (ص85).‏
وأبانت قصة "الكسوف" المفارقة أيضاً من اللفظ إلى المعنى انتقالاً من الكسوف الطبيعي إلى الكسوف المعنوي في وعي الذات، وقامت القصة على النشاط الثقافي اليومي لمجموعة أدباء وكتاب من مصر وسورية بدمشق أثناء يوم بعينه تحدثوا فيه عن كسوف الشمس، وأضاءت الفعلية الكسوف الطبيعي الكلي عندما يقع القمر في دورته من الغرب إلى الشرق حول الأرض، ويقع بين الأرض والشمس، وتكون الأجرام الثلاثة على استقامة واحدة، وتصبح الأرض في مسقط ظل القمر تماماً، والكسوف الجزئي عندما تقع الأرض في منطقة الظل القمرية. وربط المنظور القصصي في الكسوف بحراك الحياة والتجربة الأدبية العربية ومدى تمثيلها المعرفي العميق بالحياة الإنسانية، ومدى وعي الصراع مع الأعداء عند الاعتراف بأن "إسرائيل واجهة لتقدم الغرب" (ص53)، وهذا هو حال المفارقة التي تنشر الوعي بأحوال الكسوف في الموقف من العدو كلما دعمت عمليات تصليب الذات، فثمة "كلمات تتخلق في أعماقك، تتشكل حروفها وملامحها، وإن بدت غامضة" (ص55).‏
وتعالى استخدام المفارقة في قصة "العنكبوت" التي تؤشر إلى عنكبوت الموت، حيث مرارة مرض الوالد وعذاب الروح تحت وطأة مؤثرات موت الحياة الكثيرة شأن السؤال المرير: ما معنى أن يستيقظ المرء – ذات صباح – ليجد نفسه ميتاً؟!" (ص67). وجادت ملفوظية العنكبوت في التحفيز التأليفي الجامع بين المادي والمعنوي بمداهمة الموت الذي يخترق الإنسان بصمت: "وثمة عنكبوت – لم تكن قد فطنت إلى وجودها – تغزل خيوطها، فتشكل ما يشبه الغيمة في أعلى السرير" (ص71).‏
ومال جبريل إلى تكثيف السرد مقاربة للعوالم الميتاقصية (ما وراء القص) في قصص قصيرة جداً، كما هو الحال في "الزيف" و"الخيمة" و"العرّاف" و"القنديل" و"الأميرة والراعي" و"الآذان" و"الرؤية" و"القاضي" و"الخواء" و"ومضات منسية"، وتقع القصة منها في حدود صفحة واحدة إثارة لمعانٍ عميقة استعمالاً للأنسنة، على سبيل المثال، ففي قصة "القنديل" تضفى على الحيوان صفات الإنسان للتأمل في أطروحة النسوية والذكورة، إذ استمرت في الحرص على أن تلدغ ما دامت متأكدة أن هذه الأقدام لرجال، وقد أثارها الاختلاط والتشتت من عناء الكينونة أنثى أو خنثى أو ذكراً، وهذا يغيظها كثيراً، و"لم تعد تشغلني القدم الواقفة على الشاطئ، أراها فألدغها، ألدغها بكلّ قوتي" (ص151).‏
واستغرقت الأنسنة في التكثيف السردي في القصة القصيرة جداً "الأميرة والراعي"، عند التداخل بين المواقف من حماية الذات إزاء تفاقم الأفعال الشريرة من آخرين، وأوجز الراوي المضمر القص أن الأميرة ستوافق على الزواج من الراعي الذي يقتل الذئب، لأن هذا الذئب قتل جدتها، بينما خاطب الراعي الذئب، إشارة إلى ذئبية بشرية، عند مجاهرة الذئب بأن "لحم الأميرة الشهي من نصيبي" (ص152)، مما دفع الراعي إلى الخلاص من هذه الذئبية البشرية، فهوى بالعصا الغليظة "على رأس الذئب، أثاره العواء وتناثر الدم" (ص153)، وهذا كله ضمانة للتواصل بين الراعي والأميرة عند مواجهة القتلة.‏
وبلغ التكثيف السردي مستوى الشذرة إيماء إلى مدلولات ما وراء القصّ، كما في القصة القصيرة جداً "الثأر" التي تقع في أسطر، وقام الإيماء على الإشارة إلى قصدية الثأر في مقدور الرجل على الثأر من ظالمه وجائره من خلال وصف "ظل الرجل" وسيرورة الثائر "فوق الظل" الساكن ومواجهة الظالم بحذائه عند "طرف الظل" (ص155).‏
لقد واءم جبريل بين المجازية والاتصالية في الكتابة القصصية لإثارة أسئلة الوجود وقضايا الحياة، وانغمرت قصصه في البنى الاستعارية منذ مجموعته الأولى اندغاماً في التحفيز التأليفي الذي يهتم بالأغراض القصصية كلّما ثّمر التقانات السردية لجلاء المعاني والدلالات الكامنة في القصّ، وأفصحت مجموعته "حارة اليهود" عن هذا المنجز الإبداعي العميق، عند جمع القصص المعنية برؤى المقاومة في مواجهة الصهيونية والتصهين تهديداً للوجود العربي وهدراً لطاقات الحياة عند العب.‏
تناولت قصة "حدث استثنائي في أيام الأنفوشي" مواصلة رحلة الأسراب من السمان ومجاوزة فكرة العجز عن المقاومة، ليتبين لهم بعد حوار طويل أن السكوت عن المقاومة طريق إلى الجنون، وتبدى الإيماء إلى هذه الدلالة في رحابة القص المجازي، فقد "بدا للناس – من كثافة الأسراب، ودقة تنظيمها، وانتشارها في كلّ الأمكنة – عجزهم عن المقاومة. مالوا – مؤقتاً- إلى التريث، فرحلة السمان لا تعرف التوقف" (ص10)، وهذا هو حال المقاومة التي تحمي الوجود والمصائر القومية. ولاذ القص في قصة "الطوفان" بالمفارقة المعنوية انتقالاً من فكرة طوفان إلى غرق الحيوية عندما تضعف المقاومة، وتعجز المواطنة عن القضاء على المخلوق الغريب أو الكائنات المحتلة.‏
وتنابذت أصوات الشجار والمشاكسة في قصة "المستحيل" انتقاداً لدعاة الانعزالية والتجزئة القومية، على أن العزلة تبعدهم عن الخطر، بينما المستحيل نفسه في خروج فئة أو جماعة أو أقوام من مدارات المصائر القومية، والحل دائماً في المشاركة والاندماج مع الناس والانضمام إلى المقاومة.‏
وأفادت قصة "هل" أن المقاومة هي التي تصون الذات القومية، عند تعالق الذات الخاصة مع الذات العامة من خلال الترميز، وهذا هو الرجل الميت الذي دُفن، ثم جرده التربي من كفنه، والسؤال هو ضرورة المقاومة من المعلوم والمختفي في الوقت نفسه عند كشف العدوان، وعمّق جبريل الرؤية عندما ربط هذه المقاومة أثناء الحياة وبعد الموت. فلو حرّك الميت جسده لظل مستوراً، ولو تنامى الوعي بالدمار والاحتلال والفناء لتوقف العدوان، ولا سبيل لذلك إلا بالمقاومة.‏
واعتمد جبريل على الترميز في قصة "حكايات وهوامش من حياة المبتلي" تواصلاً مع الأسطرة عند تعالق شخصية صابر وزوجته سلسبيل، لنلاحظ دلالة الأسماء أيضاً، مع أيوب وناعسة في الأسطورة الشعبية، فهو حرص على الابتعاد عن قريته بحثاً عن الدواء، لأنه المرض هدده بالموت، بتأثير الفساد والمفسدين، وصار الأمل أن يمضي إلى الحج، ليشفيه رب العباد، ثم داهمه المجرمون والأشرار، ومنعوه من أداء فريضة الحج، وهذا هو البلاء المستشري ما لم تشتد المقاومة ضد الظلم والعدوان.‏
واستند إلى الترميز أيضاً في قصة "حكاية فات أوان روايتها" عن الطائر وفقس البيضة ومدى تلاقي الحوار مع وعي الذات وسبل مواجهة تغلغل النفوذ الأجنبي.‏
وترابطت قصة "حارة اليهود" مع عناصر التمثيل الثقافي في رؤى مقاومة الصهينة والتصهين التي تخترق الوجود العربي من خلال الإيماء إلى التهام الغرغرينا الجسد كلّه، مما يستدعي تعزيز فعل المقاومة. وقد بنى القصة على وقائع وأحداث في مطلع القرن العشرين، من خلال ما تعرض له محمد جعلص وأولاده من اليهود ساكني الحارة حتى تسبب لهم المرض وخلل الحياة الاجتماعية والاقتصادية.‏
محمد جبريل قاص متفرد بإبداعه لإنتاج فضاءات "ميتا قصية" شديدة الثراء في مجازية القصّ والإيحاء بالمعاني والدلالات العميقة لدى استخدام تقانات قصصية تعتمد على الاستعارة والترميز والأسطرة.‏
المصادر:‏
...........
1- حارة اليهود، مطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة 38، القاهرة، سبتمبر 1999.‏
2- موت قارع الأجراس، مطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة، أصوات أدبية 329، القاهرة، توفمبر 2002.‏
......................
*جريدة الأسبوع الأدبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006م.

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:48 PM
محمد جبريل: مصر التي في خاطره

بقلم: د.ماهر شفيق فريد
..............................

"محمد جبريل: مصر التى فى خاطره" (سلسلة أصوات معاصرة 2002) لمؤلفه الصحفى الشاعر حسن حامد؛ من أحدث الدراسات التى تضاف إلى المكتبة العربية عن روائى وقاص وناقد وصحفى أصبحت أعماله الإبداعية –مثل "إمام آخر الزمان"، و"من أوراق أبى الطيب المتنبى" و"رباعية بحرى" و"قلعة الجبل"، من كلاسيكيات الرواية العربية فى مصر، كما تميزت مجموعات قصصه القصيرة باتساع رقعة خبراتها الحياتية وتنوع تجاريبها الشكلية، وشكلت دراساته النقدية والأدبية "مصر فى قصص كتابها المعاصرين"، وكتبه عن محفوظ والسحار وآباء الستينيات، لوحة بانورامية لقطاع ليس بالصغير من تطور فن القص –رواية وقصصا قصيرة- فى بلادنا، كما مثل حضوره الصحفى الأسبوعى، مشرفا على صفحة "قضايا أدبية" بجريدة المساء، قدوة أخلاقية وإبداعية فى الصحافة الأدبية الراقية، ونزاهة الضمير، والترفع عن الصغائر، والترحيب بالأجيال الجديدة من الكتاب، والتوجيه القائم على تجربة أدبية عميقة ودراية بفنون القص ومتابعة دؤوب للجديد فى الأدب العربى والأجنبى.
كتب حسن حامد هذا الكتاب عن محمد جبريل من منطلق التقدير لإنجازه الأدبى والمحبة لشمائله الإنسانية، فليست هذه دراسة نقدية فحسب (ولو أنها تتضمن بعض نظرات نقدية صائبة وتحليلا تقنيا بارعا لبعض أقاصيص جبريل: "انعكاسات الأيام العصيبة"، "المستحيل" إلخ..) وإنما هى أيضا صورة لإنسان تتخذ محورا لها حب جبيرل لوطنه، وترى فى عشقه لمصر –بأناسها وتاريخها ومدنها وقراها وصحاريها وبحارها وجمالها وعيوبها أيضا- الجذر الإبداعى الذى تصدر عنه كل كتاباته.
ولد جبريل فى 1938 وهو عام شهد أحداثا كان لها أثرها فى حياة الوطن: ففى ذلك العام –يقول حسن حامد- انتقلت القوات البريطانية من القاهرة والإسكندرية إلى القناة، وتخرج جمال عبد الناصر وأغلب زملائه من الضباط الأحرار فى الكلية الحربية، واستعدت مصر لمواجهة الحرب العالمية التى بدت نذرها فى الأفق، وخرجت إلى الشوارع مظاهرات تهتف بحياة زعيم الوفد وتتهم محمد محمود بمحاولة اغتياله، وأعلن عن تأسيس الاتحاد العام لنقابات عمال المملكة المصرية، وارتفع فيضان النيل إلى حد الخطر، وأصدر طه حسين كتابه العلامة "مستقبل الثقافة فى مصر" وأذاع عدد من الفنانين والكتاب الطليعيين المصريين –متأثرين بسريالية أندريه بريتون- مانفستو "يحيا الفن المنحط". كانت فترة غليان سياسى وجيشان اجتماعى واختمارات فكرية وإبداعية.
فى هذا الجو ولد محمد جبريل فى الإسكندرية وتشرب خصائص بيئته وتلاقت مؤثرات الوراثة والطبقة والنشأة والتربية والتعليم لتصنع منه هذا الروائى الذى يعده حسن حامد بحق روائى الإسكندرية الأكبر. ويوضح حامد كيف تشكلت ذائقته عبر السنين من جراء التفاعل مع البيئة، ومع التراث الشعبى، ومع الإطلاع على آداب الغرب وفنونه وعلومه، ومع الأدب العربى من امرئ القيس إلى يومنا هذا، ومع الموروث الدينى والصوفى، فضلا عن تجاربه الشخصية فى العمل والعلاقات الخاصة والكتابة والصحافة.
ويوضح حسن حامد كيف أن ثالوث الحق والخير والجمال كان بمثابة النجم الهادى والبوصلة الموجهة لمسار جبريل منذ أصدر كتابه الأول المطبوع وهو فتى يافع فى الخامسة عشرة أو نحو ذلك. وقد ظلت هذه الأقانيم تقع من ضميره ووجدانه موقع المركز فيما أعقب ذلك من أعوام، وتدعمت بالقدوات الأخلاقية التى التقى بها واحترمها وأحبها (محفوظ، حقى، إلخ..) فالسلوك الإنسانى لا ينفصل عند جبريل عن النزاهة الفنية، إذ أن الكاتب مواطن وإنسان قبل أن يكون مشتغلا بمهنة الكتابة.
ويرى حسن حامد فى تردد كلمة مصر فى عناوين كتب جبريل ("مصر من يريدها بسوء"، "مصر المكان"، "مصر فى قصص كتابها المعاصرين"، "قراءة فى شخصيات مصرية") مؤشرا إلى هذا التعلق العميق بالوطن، هذه النواة الثابتة فى قلب المتغيرات، ومن ثم كان بروز بعد المقاومة فى أدب جبريل إزاء القهر الداخلى والخارجى على السواء، ورفضه العنيد لكل أشكال التطبيع مع إسرائيل، وتحذيره –المرة تلو المرة- من الأخطار المحدقة، فعل ذلك كله –فى رواياته وأقاصيصه- بلغة الرمز والمجاز –لغة الفن- لا بلغة الخطابة والدعاوة.
ويفيد حسن حامد، عبر فصول الكتاب العشرة، من أعمال جبريل المنشورة (وبعض مخطوطات غير منشورة أيضا) ومن مقابلات شخصية وأحاديث أجراها معه صحفيون وأدباء، ومن النقاد الذين كتبوا عن أدبه، ولأن المؤلف شاعر فإنه يكتب بوجدان محب وأنفاس حارة من المودة والتعاطف. وتتناثر فى تضاعيف كتابه مقتطفات من شعراء آخرين: "الجنوبى" لأمل دنقل، "المنزل الغريب" لمريد البرغوثى، "نشيد الخبز والورد" لجوزيف حرب الذى غناه مارسيل خليفة، "مقامات الرحيل" و"يالثارات الحسين" لمحمد أبو دومة، فضلا عن إشاراته إلى كثير من النقاد والأدباء، عرب وغربيين.
وإذ يسجل حسن حامد، فى مطلع كتابه" أن الأستاذ الجامعى والناقد الدكتور الطاهر مكى كان أول من وجه نظره (وهو طالب جامعى) إلى إبداع جبريل، فإنه يصور كيف تطورت علاقته به كاتبا وإنسانا. ويحلل بنية العمل القصصى عنده ومكوناته من راو وحدث وشخصية ومكان وزمان وسرد وحوار ولغة، كما يرصد ميل جبريل إلى النهايات المفتوحة بما يعبر عن تفاؤله الذاتى الدائم ببداية جديدة تتلافى عثرات الماضى.
إن كتاب حسن حامد عن جبريل، مثل كتاب آخر صدر حديثا لعلى عبد اللطيف وليلى البدوى عن الرائد محمود البدوى، يجمع بين التحليل النقدى الموضوعى والانطباع الذاتى والذكريات الشخصية على نحو ينقل لنا صورة الأديب المدروس وهو يمارس حياته اليومية أبا وزوجا وموظفا، كما ينقل لنا لمحات من ذهنه الإبداعى وصنعته الكتابية، وأسلوبه فى القص، وذلك على نحو يتسم بالمعايشة الطويلة للموضوع، وجاذبية العرض، والحرص على إفادة القارئ وإمتاعه.

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:49 PM
في ذكراها المئوية
دنشواي بين حقي ودلاور
أصيب ضابط إنجليزي بضربة شمس فأعدموا الفلاحين
كيف فرضت السياسة نفسها في اختلاف الرؤية الأدبية؟

بقلم: محمد جبريل
....................

كانت حادثة دنشواي [13 يونيو 1906] التي أعدم فيها بعض الفلاحين. بتهمة قتل ضابط إنجليزي. أصيب بضربة شمس. وأرسلت المشانق إلي دنشواي من قبل أن تبدأ المحاكمة. كانت هذه الحادثة بمثابة الهزة العنيفة لصحوة هائلة. شملت أبناء الأمة جميعاً. بل إنها أضحت دافعاً قوياً للثورة الشعبية الهائلة في عام .1919 وقد عرض غالبية المؤرخين لحادثة دنشواي علي أنها حادثة ضباط إنجليز خرجوا للصيد. فأحرقوا جرناً. وحدث ما حدث. لكن قيمة رواية عذراء دنشواي [صدرت الطبعة الأولي في يوليو 1909]- كما يقول يحيي حقي- أن مؤلفها لم يصطنع أشخاصه اصطناعاً. بل أخذهم بأسمائهم ومواطنهم ومهنهم من واقع الحياة..
محمود طاهر حقي لا يقف عند الوقائع الظاهرة دافعاً لكل ما حدث. لكنه يفتش عن المسببات الفعلية لها. مع اعترافه بأنه لم يضع كل الحقيقة. لأنه- كما يقول في المقدمة- خشي علي نفسه من البطش. وبرغم هذا. فإنه لم يحدث- كما يقول حقي- ان أقبل الناس علي قراءة رواية ما مثل إقبالهم علي قراءة "عذراء دنشواي". لا لأنها عرفت كيف تركب موجة الانفعال الشعبي. بل لأنها عرفت أيضاً- بالغريزة والسليقة- كيف تصب حادثة دنشواي في قالب فيه من الفن القصصي أنفاسه. إن لم يكن عطره كله. احتضنها جيله. واحتضنها الجيل الذي يليه".
عذراء دنشواي تستمد قيمتها من تفوقها الفني. بالقياس إلي الأعمال السابقة لها. بالاضافة إلي اقترابها الحميم- وهذا هو السبب الأهم- من المشكلات الآنية للمجتمع. لكن الارهاصات في علم الدين لعلي مبارك. ولوحات النديم. وليالي سطيح لحافظ ابراهيم. وليالي الروح الحائر لمحمد لطفي جمعة. وزينب لمحمد حسين هيكل. وغيرها. كما أضافت ترجمات السباعي والمنفلوطي والزيات والجميل والمازني لابداعات كبار الروائيين الأوروبيين.. أضافت تلك الترجمات إلي فن الرواية المصرية من خلال أصول الرواية في أوروبا.
محاولة رائدة
لقد ظلم النقاد عذراء دنشواي. حين اعتبروا زينب فاتحة الفن الروائي المصري. ذهب يحيي حقي إلي ذلك الرأي. فتلقف النقاد رأيه- في سلفية لا نحسد عليها!- وانتقت كل الاجتهادات التي تري في زينب رواية تلي عذراء دنشواي باعتبارها محاولة رائدة.
ومع ان يحيي حقي قد عدل عن رأيه في فجر القصة المصرية. وأكد- في حوار صحفي- أنه أخطأ في نسبة الريادة إلي زينب. وأن عذراء دنشواي هي الأجدر بالتسمية. فمازلنا نقرأ اجتهادات سلفية تؤكد ان زينب هي "الرواية العربية التي يعتبرها النقاد بالاجماع- أو يكاد- باكورة الرواية العربية الفنية".
الطريف- والمؤسف- ان أحد النقاد نسب إلي نفسه- فيما بعد- ببساطة. اجتهادنا الذي أقره أستاذنا يحيي حقي. ووافق علي نتائجه قبل أن ينشر الناقد مقالته بأكثر من عشرين عاماً. وذهب الناقد إلي أن زينب تحولت إلي أداة تقييم خاطيء. لأننا نقيس بها ما تلاها من أعمال. بينما لو اعتمدنا عذراء دنشواي لاختلفت النتائج" "الأهرام 7/12/1988".
لم تكن الحادثة وليدة ذاتها. ولا كان مبعث ثورة أبناء دنشواي إصابة فردية. أو احتراق جرن. وإنما جذور الحادثة مغروسة في أرض دنشواي لسنوات طويلة من العنف واللامبالاة والعبث بكل القيم. بل ان حادثة دنشواي لم تكن الأولي من نوعها. سبقها أكثر من صدام بين الفلاحين من ناحية. وبين سلطات الاحتلال وجهات الادارة من ناحية ثانية. حتي أنشئت المحكمة المخصوصة عام 1895- قبل حادثة دنشواي بسنوات- لمحاكمة المصريين الذين يعتدون علي ضباط وجنود جيش الاحتلال.
إن محمد زهران يشكو إلي العمدة ما حدث. فيقسم له العمدة بأنه سيأتي له بتعويض عن الحمام الذي اصطاده الإنجليز. ويكتفي العمدة بالقسم دون محاولة لتنفيذ وعده. وعندما يهم الضباط الإنجليز ببدء رحلتهم. يري أحدهم وجوب أخذ تصريح من القائد. لكن رفاقه يسخفون رأيه. لا لوداعة ولين في طبيعة المصريين. بل لضعف وجبن وتملق من شعب غريب الأخلاق. ولا يفوت الفنان ان يصف الكابتن بول بأن الضعف يظهر علي ملامحه. وثمة عوامل تخللت سطور القصة. كانت- في مجموعها- قواماً للحادثة.
محاكمة ظالمة
يلوذ الكابتن بول بالفرار. بعد ان تشج رأسه طوبة. ثم يبلغ الحدث ذروته بموت بول. ثم المحاكمة الظالمة. وأحكام الاعدام التي أعدت المشانق قبل النطق بها. فقد أحيطت القرية برجال البوليس لمنع الأهالي من الخروج. وأوقف العمدة والخفراء. وحل بدلاً منهم خفراء من القاهرة. وألقي القبض علي كل من اشتبه فيه. فبلغ عدد المقبوض عليهم 250 شخصاً.
كشفت "المقطم" [19/6/1906] عن اعتزام سلطات الاحتلال تنفيذ حكم الاعدام في بعض أبناء دنشواي. وفي اليوم نفسه الذي شهد تنفيذ أحكام الاعدام كتبت "المؤيد" أنه قد تمت تجربة المشنقة في مخازن البوليس كل هذا قبل أن تجتمع المحكمة. وقبل أن تصدر أحكامها.
وفدت أنباء المعركة إلي قصر الدوبارة. وأمر اللورد كرومر بتعيين الهلباوي في وظيفة المدعي العام. وتشكيل محكمة خاصة تضع في اعتبارها وأحكامها "الا يراق دم إنجليزي بسهولة وبساطة" وكانت تلك المحاكمة استمراراً في سياسة كرومر التي جري عليها في أواخر عهده. والتي تنهض أساساً علي عدم الاكتراث بالرأي العام المصري. وازدرائه. ورميه بالتعصب والغفلة. والتأكيد بأن حكم مصر لن يصبح- بزيادة نفوذ الجاليات الأجنبية0 خالصاً لأهلها.
واللافت في عذراء دنشواي ان البطل الفرد يغيب. ويحل بدلاً منه البطل الجماعة.. الجماعة هي التي تتعرض للظلم. وهي التي تثور وتتحرك. وتواجه العقوبات القاسية أيضاً!
ويشير محمود كامل إلي ان السبب الأول في القبض علي عائلة محفوظ- كما دلت التحقيقات- وكان العدد الأكبر من المتهمين منهم- يرجع إلي عداء قديم بين العمدة السابق لدنشواي محمد الشاذلي ونائب العمدة عمر زايد. وبين حسن علي محفوظ. وعندما صعد حسن محفوظ الذي حاوز الخامسة والسبعين إلي المشنقة. صاح وهو يتجه إلي قريته وبيته وأبنائه بنظرة وداع أخيرة. ودعا الله أن يخرب بيت العمدة ومن عاونه علي الايقاع به. وأن يظلمه كما ظلمه.
يشير الكاتب أيضاً إلي ان الحادثة وقعت بجانب جرن المؤذن محمد عبدالنبي لم يكن شاهدها سوي الضباط الأنجليز أنفسهم وهؤلاء لا يمكن أن يتبينوا وجوه عشرات الأطفال والرجال والنسوة الذين تجمهروا حولهم وألقوا عليهم الطوب أو ضربوهم بالعصي.
محكمة استثنائية
وإذا كان مما يدين الأنجليز بالقطع. أنهم شكلوا محكمة استثنائية. كي يحاكموا فلاحين وادعين- القول للخديو عباس- لم يرتكبوا جرماً إلا الدفاع عن حقوقهم وممتلكاتهم. ولكن جرمهم في ذلك لا يقاس بجرم أولئك المصريين الذين قبلوا بغير اعتراض. الاشتراك في تلك المحكمة. وأباحوا للدولة المحتلة تلك الترضيات التي ما كانت لتجرؤ علي المطالبة بها. لو أنها أحست من جانبهم مقاومة بسيطة. إن الوزراء المصريين لم تبدر منهم مبادرة للتخلص من ذلك الشرف المحزن. شرف محاكمة مواطنيهم. ولم تند عن شفاههم كلمة طيبة واحدة.
ومن المنطلق ذاته الذي أملي علي يعقوب صروف روايتيه فتاة مصر وفتاة الفيوم. كتب عبدالحليم دلاور محاولته الروائية دنشواي. "عبدالحليم دلاور: دنشواي- علي نفقة محمود توفيق الكتبي بالأزهر 1906. وقد علمت من يحيي حقي ان الكاتب كان من حاشية الخديو. ثم عمل موظفاً بوزارة الأوقاف". واذا كان إرضاء كل الاطراف هو الهدف الغريب ليوسف صبري في روايته عذراء الثورة العرابية. فان إدانة الشعب المصري. والدفاع عن وجهة النظر الاحتلالية هو هدف عبدالحليم دلاور في دنشواي.
صدرت الرواية في 20 يوليو 1906. بعد انقضاء حوالي الشهر من وقوع الحادثة ويقول المؤلف ان القصد من وضع روايته لم يكن "إلا التفكه بمطالعتها وقت الخلو من العمل. وليس لباعث سياسي يحرك مكامن القراء. ويوقظ في قلوبهم مرامي الهيجة. كما خاض البعض [هل يقصد محمود طاهر حقي؟] في بحار السياسة. فجمع روايته [إذن. هو يقصد محمود طاهر حقي!] علي مبدأ يخالفني تماماً. والفرق بين خطتي والخطة التي سلكها بعيد بمراحل شاسعة. ولهذا السبب قد غيرت الأسماء التي رددتها الجراند مرارا عديدة في حادثة دنشواي.
أقرب وثيقة
فإذا تجاوزنا خيوط الافتعال التي حاول بها الكاتب أن ينسج عملاً فنياً. فان دنشواي أقرب إلي وثيقة عمالة من كاتبها. مقابلاً لرأي عام وطني وعالمي. ساندته. وأيدت مواقفه شخصيات وهيئات إنجليزية مسئولة- برناردشو العظيم مثلاً!- واضطر الحكومة البريطانية لأن تنهي مهمة اللورد كرومر في القاهرة. كما تحولت الحادثة إلي رغبة في الثأر تنتظر فرصة التحقيق. وهو ما تحقق بالفعل في ثورة .1919
وعلي الرغم من ان الحادثة كانت- في واقعها- "صناعة إنجليزية". فان الكاتب يؤكد أن فلاحي دنشواي كانوا السبب فيما حدث. وأنهم قد دبروا الاعتداء علي الضباط البريطانيين. بتحريض من مصطفي. ذلك الذي جعله تجسيداً للشر ومازالوا في جهلهم يعمهون. وخيل لهم أنهم وزراء حول ملك يشير عليهم بالقتال. ويتابعونه علي إتمام أغراضه. وفاتهم أنهم بمناشبتهم العداوة. يغرفون في بحار الضلالة.
كانت مذبحة دنشواي نقطة تحول في تاريخ العلاقات المصرية البريطانية. بل ان ذلك اليوم المأساوي في دنشواي مهد الطريق لقيام الفلاحين بدور مهم ومؤثر في بدايات ثورة .1919
م. ج
mlg 38@hotmail-com

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:52 PM
رسام الضوء

شعر: د.حسن فتح الباب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(إلى الصديق الكاتب الروائي الكبير محمد جبريل)

هذا الملاح الجواب الآفاق
لا يرسو فى مرفأ
ليس يقر على جبل
أو يسبح فى فلك واحد
يمضى العمر جموحا
كجواد أسطورى
أو طير مبهور بالضوء
فوق ضفاف الكلمة
الحرف لديه ينبوع لا ينضب
نغم من يتوهج
قلب يتهدج
يبحث عن سر مكنون
فى أعماق الكون.. النفس
الزمن الدوار
مسكونا بالحب الأول
عشق الأم
أول ما فتح العينين عليها
أم الدنيا
هى عالمه المفعم بالعشق وبالثورة
بالبهجة والحزن
بالحلم وبالمأساة
يكونها وتكونه
يتكتم حينا أوجاع القلب
وحينا ينثرها
فوق الأمكنة.. الأزمنة
يوزعها بين الأوجه والأسماء
أتراه لا يدرى
منذ تلظى بلهيب الوجد
أن الإمساك بغصن الوطن متاهة
ضرب فى المجهول ؟
أم يدرى أن الغصن شعاع
مخبوء فى ظلمات الأرض..
البحر.. الآفاق
وعليه أن يطلعه
لتكون الشمس.. تكون الشجرة
(من أوراق المتنبى)
و(رباعية بحرى)
حدث فى (أيام الأنفوشى)
حيث السمان يعشش سربا سربا
كالغربان السوداء
وملايين الأعين والأنفاس تراقبه
يحتل الدور ويغشى الشرفات
وعلى حين فجاءة
ينبثق الوعى الغائب:
أن الصمت عن الطير الواغل
يحفر درب الموت
ومقاومة الشبح الجاثم فوق الأنفاس
خير طريق للإنسان الصاعد
فى معراج الغد
أن يهوذا الأفاق
يتربص بالآتين
من أطفال النيل
من أبناء العرب الأحرار
أن الصمت عن الوحش الشبح جنون
ينسج جبريل (الطوفان)
بأنامل فنان ورعه
تلمس أعماق الجرح
عبر حكايات الأجداد
لتنير دروب العتمة
و(نبوءة عراف مجهول)
يرويها قصاص ملهم
(محفوظ) الستينيات
أو (ماركيز)
فى مصر المحروسة
قيثارة شعر من منثور الروح
يعزفها فتنة
ترياقا.. بوحا مشروعا
يعلن عن حاجته
أن يولد بين يديه
وأمام العينين
كى نتأمل.. بنصر ما يخفى
مرحى يا رسام الضوء
حرفك لون الفرحة
طعم الأيام الجهمه
والسنوات الخضر
شرف الإنسان المسكون
بالحب وبالثورة.

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:53 PM
الفن القصصي عند محمد جبريل

بقلم: د.عبد الله أبو هيف
............................

بدأ محمد جبريل الكتابة السردية قاصاً بإصدار مجموعته الأولى "تلك اللحظة" (1970)، ورسخ إبداعه القصصي بمجموعاته "انعكاسات الأيام العصيبة" (1981)، و"هل" (1987)، و"حكايات وهوامش من حياة المبتلي" (1996)، و"سوق العيد" (1997)، و"انفراجة الباب" (1997)، و"موت قارع الأجراس" (2002)، واختار عدداً من قصصه التي تتناول تنازعات الذات القومية إزاء مخاطر الصهينة والعدوان الأجنبي على العرب، سماها "حارة اليهود" (1999). واقتصر في هذه المقالة بالحديث عن الفن القصصي عند محمد جبريل من خلال مجموعته الأخيرة، ومختاراته القصصية المشار إليها آنفاً.‏
بنى جبريل قصصه على التقانات السردية والمجازية والاتصالية الحديثة، ولا سيما المفارقة والرمزية والإيحاء المجازي لابتعاث المعاني والدلالات فيما وراء القصّ. وأفصحت قصص "موت قارع الأجراس" عن ثراء التشكلات السردية لدى العناية بالتحفيز التأليفي الذي يوائم بين الفعلية وأغراضها على نحو غير مباشر، وصورّت قصة "الوحدات" مدى حصار الفلسطيني في وطنه، إلماحاً إلى اغتراب الفلسطيني في الأقطار العربية، حتى أنه فكر مرة أن يركب سيارة يقتحم بها الحدود إلى فلسطين من إقامته المروعة في الأردن، و"إن قتلت فسأقتل في وطن.. وطني" (ص12).‏
وأبان ازدياد آلامه، وهو يعاني عسر تجديد الإقامة في موعدها، وصعوبة الحصول على بطاقة أو هوية، إذ لا يستطيع المواطن أن يحيا" بلا جواز سفر ولا أوراق تثبت شخصيتك" (ص15)، مما عذبته السخرية المرّة عبر المفارقة الموجعة.‏
"-سأصبح إذن مواطناً عالمياً، فليس معي تأشيرة دخول إلى أي بلد!" (ص15)، وهذا هو حال الفلسطيني بخاصة، والعربي بعامة، الذي يقتله الإحباط والخوف، ما دام مربوطاً بمخيم الوحدات المفتقر إلى الثقة والأمان.‏
ووصفت قصة "موت قارع الأجراس" صلابة المقاومة في فلسطين، فقد لاذوا بمجمع الكنيسة ثم داهمهم المحتلون وقناصتهم في هذا المكان المقدس، وصوبوا إليهم رصاصهم، على الرغم من التضامن الديني بين المسيحيين والمسلمين، ونبههم الأب لوقا ألا يحاولوا التعرف على ما يجري خارج الكنيسة، ولو من النوافذ، لأنهم يطلقون الرصاص على كل شيء يتحرك، (ص29)، وبدا فعل المقاومة قوياً باستخدام الإيحاء المجازي النابض بالوعي الذاتي، إذ "ترد نواقيس الكنائس في امتداد المدن والقرى. يرتفع الآذان – كما حدث في مرات سابقة – من الجوامع وأسطح البيوت. يتنبه من تختفي أو تسحب، في أسماعهم، صيحات الاستغاثة، فينصرفون" (37).‏
وامتد ترميز الفعل المقاوم إلى البيرق علامة للضبط الداخلي والمتانة في مواجهة العدو، كلما تأذى المؤمنون في قصة "البيرق"، حرصاً على نصرة الإسلام والمسلمين في أيام الخطر، والبيرق هو الأمل المرتجى إن واجهت البلاد الخطر، و"على كل المسلمين الخروج إلى الجهاد وبيع الأرواح بيع السماح" (ص83).‏
وأفاد المنظور القصصي أن تعضيد فعل المقاومة يستند إلى مجاوزة الاختراقات الداخلية والضعف الداخلي من خلال المفارقة من اللفظ إلى المعنى، عندما "لامست أصابع في موضع البيرق خشونة تسوس العصا والفجوات الصغيرة، تشابك فيها العلم والحبل المهتريء" (ص85).‏
وأبانت قصة "الكسوف" المفارقة أيضاً من اللفظ إلى المعنى انتقالاً من الكسوف الطبيعي إلى الكسوف المعنوي في وعي الذات، وقامت القصة على النشاط الثقافي اليومي لمجموعة أدباء وكتاب من مصر وسورية بدمشق أثناء يوم بعينه تحدثوا فيه عن كسوف الشمس، وأضاءت الفعلية الكسوف الطبيعي الكلي عندما يقع القمر في دورته من الغرب إلى الشرق حول الأرض، ويقع بين الأرض والشمس، وتكون الأجرام الثلاثة على استقامة واحدة، وتصبح الأرض في مسقط ظل القمر تماماً، والكسوف الجزئي عندما تقع الأرض في منطقة الظل القمرية. وربط المنظور القصصي في الكسوف بحراك الحياة والتجربة الأدبية العربية ومدى تمثيلها المعرفي العميق بالحياة الإنسانية، ومدى وعي الصراع مع الأعداء عند الاعتراف بأن "إسرائيل واجهة لتقدم الغرب" (ص53)، وهذا هو حال المفارقة التي تنشر الوعي بأحوال الكسوف في الموقف من العدو كلما دعمت عمليات تصليب الذات، فثمة "كلمات تتخلق في أعماقك، تتشكل حروفها وملامحها، وإن بدت غامضة" (ص55).‏
وتعالى استخدام المفارقة في قصة "العنكبوت" التي تؤشر إلى عنكبوت الموت، حيث مرارة مرض الوالد وعذاب الروح تحت وطأة مؤثرات موت الحياة الكثيرة شأن السؤال المرير: ما معنى أن يستيقظ المرء – ذات صباح – ليجد نفسه ميتاً؟!" (ص67). وجادت ملفوظية العنكبوت في التحفيز التأليفي الجامع بين المادي والمعنوي بمداهمة الموت الذي يخترق الإنسان بصمت: "وثمة عنكبوت – لم تكن قد فطنت إلى وجودها – تغزل خيوطها، فتشكل ما يشبه الغيمة في أعلى السرير" (ص71).‏
ومال جبريل إلى تكثيف السرد مقاربة للعوالم الميتاقصية (ما وراء القص) في قصص قصيرة جداً، كما هو الحال في "الزيف" و"الخيمة" و"العرّاف" و"القنديل" و"الأميرة والراعي" و"الآذان" و"الرؤية" و"القاضي" و"الخواء" و"ومضات منسية"، وتقع القصة منها في حدود صفحة واحدة إثارة لمعانٍ عميقة استعمالاً للأنسنة، على سبيل المثال، ففي قصة "القنديل" تضفى على الحيوان صفات الإنسان للتأمل في أطروحة النسوية والذكورة، إذ استمرت في الحرص على أن تلدغ ما دامت متأكدة أن هذه الأقدام لرجال، وقد أثارها الاختلاط والتشتت من عناء الكينونة أنثى أو خنثى أو ذكراً، وهذا يغيظها كثيراً، و"لم تعد تشغلني القدم الواقفة على الشاطئ، أراها فألدغها، ألدغها بكلّ قوتي" (ص151).‏
واستغرقت الأنسنة في التكثيف السردي في القصة القصيرة جداً "الأميرة والراعي"، عند التداخل بين المواقف من حماية الذات إزاء تفاقم الأفعال الشريرة من آخرين، وأوجز الراوي المضمر القص أن الأميرة ستوافق على الزواج من الراعي الذي يقتل الذئب، لأن هذا الذئب قتل جدتها، بينما خاطب الراعي الذئب، إشارة إلى ذئبية بشرية، عند مجاهرة الذئب بأن "لحم الأميرة الشهي من نصيبي" (ص152)، مما دفع الراعي إلى الخلاص من هذه الذئبية البشرية، فهوى بالعصا الغليظة "على رأس الذئب، أثاره العواء وتناثر الدم" (ص153)، وهذا كله ضمانة للتواصل بين الراعي والأميرة عند مواجهة القتلة.‏
وبلغ التكثيف السردي مستوى الشذرة إيماء إلى مدلولات ما وراء القصّ، كما في القصة القصيرة جداً "الثأر" التي تقع في أسطر، وقام الإيماء على الإشارة إلى قصدية الثأر في مقدور الرجل على الثأر من ظالمه وجائره من خلال وصف "ظل الرجل" وسيرورة الثائر "فوق الظل" الساكن ومواجهة الظالم بحذائه عند "طرف الظل" (ص155).‏
لقد واءم جبريل بين المجازية والاتصالية في الكتابة القصصية لإثارة أسئلة الوجود وقضايا الحياة، وانغمرت قصصه في البنى الاستعارية منذ مجموعته الأولى اندغاماً في التحفيز التأليفي الذي يهتم بالأغراض القصصية كلّما ثّمر التقانات السردية لجلاء المعاني والدلالات الكامنة في القصّ، وأفصحت مجموعته "حارة اليهود" عن هذا المنجز الإبداعي العميق، عند جمع القصص المعنية برؤى المقاومة في مواجهة الصهيونية والتصهين تهديداً للوجود العربي وهدراً لطاقات الحياة عند العب.‏
تناولت قصة "حدث استثنائي في أيام الأنفوشي" مواصلة رحلة الأسراب من السمان ومجاوزة فكرة العجز عن المقاومة، ليتبين لهم بعد حوار طويل أن السكوت عن المقاومة طريق إلى الجنون، وتبدى الإيماء إلى هذه الدلالة في رحابة القص المجازي، فقد "بدا للناس – من كثافة الأسراب، ودقة تنظيمها، وانتشارها في كلّ الأمكنة – عجزهم عن المقاومة. مالوا – مؤقتاً- إلى التريث، فرحلة السمان لا تعرف التوقف" (ص10)، وهذا هو حال المقاومة التي تحمي الوجود والمصائر القومية. ولاذ القص في قصة "الطوفان" بالمفارقة المعنوية انتقالاً من فكرة طوفان إلى غرق الحيوية عندما تضعف المقاومة، وتعجز المواطنة عن القضاء على المخلوق الغريب أو الكائنات المحتلة.‏
وتنابذت أصوات الشجار والمشاكسة في قصة "المستحيل" انتقاداً لدعاة الانعزالية والتجزئة القومية، على أن العزلة تبعدهم عن الخطر، بينما المستحيل نفسه في خروج فئة أو جماعة أو أقوام من مدارات المصائر القومية، والحل دائماً في المشاركة والاندماج مع الناس والانضمام إلى المقاومة.‏
وأفادت قصة "هل" أن المقاومة هي التي تصون الذات القومية، عند تعالق الذات الخاصة مع الذات العامة من خلال الترميز، وهذا هو الرجل الميت الذي دُفن، ثم جرده التربي من كفنه، والسؤال هو ضرورة المقاومة من المعلوم والمختفي في الوقت نفسه عند كشف العدوان، وعمّق جبريل الرؤية عندما ربط هذه المقاومة أثناء الحياة وبعد الموت. فلو حرّك الميت جسده لظل مستوراً، ولو تنامى الوعي بالدمار والاحتلال والفناء لتوقف العدوان، ولا سبيل لذلك إلا بالمقاومة.‏
واعتمد جبريل على الترميز في قصة "حكايات وهوامش من حياة المبتلي" تواصلاً مع الأسطرة عند تعالق شخصية صابر وزوجته سلسبيل، لنلاحظ دلالة الأسماء أيضاً، مع أيوب وناعسة في الأسطورة الشعبية، فهو حرص على الابتعاد عن قريته بحثاً عن الدواء، لأنه المرض هدده بالموت، بتأثير الفساد والمفسدين، وصار الأمل أن يمضي إلى الحج، ليشفيه رب العباد، ثم داهمه المجرمون والأشرار، ومنعوه من أداء فريضة الحج، وهذا هو البلاء المستشري ما لم تشتد المقاومة ضد الظلم والعدوان.‏
واستند إلى الترميز أيضاً في قصة "حكاية فات أوان روايتها" عن الطائر وفقس البيضة ومدى تلاقي الحوار مع وعي الذات وسبل مواجهة تغلغل النفوذ الأجنبي.‏
وترابطت قصة "حارة اليهود" مع عناصر التمثيل الثقافي في رؤى مقاومة الصهينة والتصهين التي تخترق الوجود العربي من خلال الإيماء إلى التهام الغرغرينا الجسد كلّه، مما يستدعي تعزيز فعل المقاومة. وقد بنى القصة على وقائع وأحداث في مطلع القرن العشرين، من خلال ما تعرض له محمد جعلص وأولاده من اليهود ساكني الحارة حتى تسبب لهم المرض وخلل الحياة الاجتماعية والاقتصادية.‏
محمد جبريل قاص متفرد بإبداعه لإنتاج فضاءات "ميتا قصية" شديدة الثراء في مجازية القصّ والإيحاء بالمعاني والدلالات العميقة لدى استخدام تقانات قصصية تعتمد على الاستعارة والترميز والأسطرة.‏
المصادر:‏
...........
1- حارة اليهود، مطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة 38، القاهرة، سبتمبر 1999.‏
2- موت قارع الأجراس، مطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة، أصوات أدبية 329، القاهرة، توفمبر 2002.‏
.................................................. ..........................
*جريدة الأسبوع الأدبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006م.

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:54 PM
"الجودرية" النص التاريخي ورهانات التحويل الروائي
"ملاحظات عامة"

بقلم: د.وفيق سليطين
..........................

تثير رواية "الجودرية لمحمد جبريل أسئلة الاشتباك الروائي بالتاريخ, وتفرض علينا إعادة تأمل العلاقة بين الجانبين من داخل الحدود الخاصة بهذا العمل, الذي يستوي بكيفيات محددة تنهض بها المعالجة الروائية للتاريخ, بحيث يمكن النفاذ من خلالها إلى استخلاص التصورات النظرية والتجريدات الفكرية القانونية المتصلة بهذا المسعى.‏
أولى الملاحظات تطالعنا بها عبارة الغلاف المثبتة تحت العنوان الأساسي, وهي: "عن تاريخ الجبرتي بتصرف". مما يشير إلى ارتهان الرواية للمرجع, وخضوعها لمادته في إنشاء نفسها عليه. وتأتي كلمة "بتصرف" لتقيّد من حجم ذلك الارتهان, وتخرق منحى المطابقة, في إشارة إلى الجهد الذي ينحو بالعمل ليحقق صفته الروائية. لكنّ "التصرّف" المشار إليه يبقى ضمن الحدود العامة للوثيقة, مراعياً التسلسل الكرنولوجي, وناصّاً على الوقائع الأساسية والمفاصل التاريخية الكبرى لانبثاق الأحداث وتواليها, بما من شأنه أن يشدّ, على نحو لافت, إلى الزمن المرجعي. فالرواية تبدأ بنزول الفرنجة على الشواطىء الشمالية للبلاد في يوم الاثنين الثامن عشر من المحرّم سنة /1213/ من الهجرة النبوية الشريفة الموافق للثالث عشر من يوليو /1798/ من الميلاد, وهم من رجال الإنكليز الذين يترصدون الفرنسيين لقطع الطريق عليهم وإحباط مسعاهم. وانطلاقاً من هذا التحديد الزمني يتوالى السرد الإخباري في تقديم رحلة الجيش الفرنسي, التي بدأت من طولون, وفي طريقها إلى الإسكندرية تمّ الاستيلاء الفرنسي على جزيرة مالطة في الثاني عشر من يونيو /1798/, ثمّ ظهر الجيش الفرنسي أمام سواحل الإسكندرية في أول يوليو من العام نفسه.‏
وثاني هذه الملاحظات يتصل بشكل الرواية ونهجها في تشييد مبناها, وهو ما يجري اعتماداً على تقسيمها إلى أبواب وفصول, إذ تتم معالجة المادة وفق هذا التقطيع, الذي يوزّع المتن على أحد عشر باباً, يشتمل كلّ منها على عدة فصول, يتفاوت عددها بين باب وآخر, مستجيباً لكتلة الوقائع والأحداث التي تتفاعل وتتنامى وتصل إلى ذروة ما, بحيث تغدو مؤطرة في باب واجد يشتمل على عدد من الفصول. ويبدو الباب, في تقنية التقسيم هذه, علامة على الفصل والوصل في حدوده الزمنية والحديثة التي يُسيِّج بها المادة, ويؤذن بتحولها النوعي في الباب التالي, الذي يُمكن أن ينعطف بها جيئة وذهاباً على النحو الذي يؤمّن قدراً من الاستقلال, في الوقت الذي يؤدي به وظائف التنامي والحبك والتصعيد.‏
وفي ذلك ما يحيل على عمل المؤرخ في تعمله مع مادته تنظيماً وتقطعياً, وربطاً وتسلسلاً. وعلى هذا المستوى الهيكلي تتبدّى استجابة الرواية لتقنية المصادر القديمة في التأريخ, وللنهج الذي اختطّه المؤرخون القدماء في مدوّناتهم. وهذا الأثر الذي ينسرب إلى هنا, ويلقي بطابعه على جسم الرواية, لا يخلو من دلالة على ترشيح عناصر القوة المهيمنة في المعادلة التي نحن بصددها, وهي التي تأتي حصيلة للتفاعل, وخلاصة للتفاضل في النسب والكيفيات والمقادير من كلا الجانبين, على النحو الذي تترجّح معه الفاعلية النصيّة, التي تترجم حصيلة الاشتباك, وتكشف عن قوى الشدّ أو الاستجابة, وعن مدى المتابعة وإسلاس القياد, أو عن شدّة الأثر وقوة المخض وعمق التحويل.‏
وحسب هذا التوجّه تكون الملاحظة الثالثة متولّدة عما سبقت الإشارة إليه, ومعها نلمح قدراً من التمايز بين شطري الرواية. ففي القسم الأول منها تحضر المادة التاريخية, وتطفو القرائن المرجعية في نظام تأسيسي يتكفّل بإظهار الوقائع والأجواء والتواريخ والشرائح الطبقية ومظاهر الفسيفساء الاجتماعية في بنيتها المتراتبة وانقساماتها العميقة الحادّة في تلك المرحلة الخاصة من التاريخ الذي تنصبُّ عليه الرواية, وتتخذ منه موضوعاً لها, وهو القسم الذي يهيّئ لما بعده, ويشكّل المهاد الضروري لانطلاقة الفعل الروائي وتضافر عناصره وتفعيل أثره.‏
وعلى الرغم من أساليب المزاوجة التي تضخ أحد الجانبين في الآخر, وتسهم في تعديل مجراه وكسر حدَّة برزوه, يبقى القسم الأول مجلَّلاً بقوة حضور "التاريخي" وسيطرة مؤشرات المرجع, التي ستتراجع نسبياً في القسم الثاني, تحت الضغط المتصاعد لعناصر البنية الروائية, بخيوطها المتشابكة وحكاياتها الفرعية, التي تشكّل انفراجات سردية, تتنوّع, وتتباعد, وتعود لتندغم في مجرى السرد وإطاره العام. وهنا تتبدّى مقدرة الكاتب على النمذجة, والتمثيل الروائي, وضخّ مظاهر الحيوية في بناء متقن, يزخر بألوان الحياة, ويدفع بنا إلى خضّم المجتمع المصري في ظل الوجود العثماني المتردي, لمعايشة نبضه واحتداماته, ومواجهة صوره وتنوعاته وأجوائه المتوترة وتركيبته الآيلة إلى التحلل, وإلى تفسّخ بنيتها الرثة في ظلّ الحملة الفرنسية التي تنتهي عام /1801/.‏
وعلى الرغم من ذلك تبقى المساءلة واجبة, روائياً, عن مدى بروز الوثيقة في جوانب العمل على النحو الذي تعيق به إمكانات التحويل الروائي.‏
..............
*جريدة الأسبوع الأدبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006م.

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:55 PM
عن عالم محمد جبريل الروائي
قراءة في رواية "حكايات الفصول الأربعة"

بقلم: إدوار الخراط
ــــــــــــــــــــــــــ

من العلامات الفارقة للكاتب الحقيقى الموهوب أن يكون له عالمه الخاص، أن تكون له رؤاه المتفردة لهذا العالم.
محمد جبريل كاتب حقيقى موهوب.
عالمه يقع فى اسكندرية الشمال الغربى، اسكندرية بحرى والأنفوشى والسيالة وراس التين وحلقة السمك، اسكندرية الصيادين والمراكبية، ليسوا فقط صيادى السمك، أو مراكبية البحر، هم أيضاً وربما أساساً صيادوا الأقدار المتقلبة، مراكبية الرحلات المضطربة، ساجية أو جياشة، عبر شواطئ العمر وعبر سنوات الغربة والحنين.
نصوصه دائما نقلة متصلة إلى "الشاطئ الآخر" (وذلك عنوان إحدى روياته الجميلة). لكن الشاطئ الآخر -كما أصبحنا نتوقع- ليس "جغرافياً" فحسب، هو شاطئ روحى آخر، أو شاطئ رؤى أخرى، تصل إليه -أو لا تصل- مراكب الحياة على المدّ والجزر، على القربى العائلية أو قربى المشارب والمنازع والأهواء، وتخوض إليه غمرات الخصومات والخلافات، أو تطفو على مويجات التراحم والحب المترقرقة.
ومن ثم فإن التيمات -أو الموضوعات الأساسية فى عمله الروائى- تيمة الموت مرتبطا بالشغف بالحياة، وموصولا بمتعاتها، ترقب الموت، وترصده، أو اللامبالاة بانقضاضه، تيمة تسرى فى سردية محمد جبريل، أو تستبطن هذه السردية، سافرة حينا ومضمرة حينا، ولكنها ماثلة باستمرار، تستدعى تيمة لصيقة بها، بل تكاد تكون مترادفة معها، هى تيمة الشيخوخة والوهن وتقاعس البدن المتهاوى الذى تحركه شهوات قديمة مؤرقة.
يقول بطل "حكايات الفصول الأربعة" بعد أن كتم ضحكة قصيرة: أشعر أنى شاب لكن حركة جسدى لا تساعدنى على هذا الشعور.
لعل موضوعة الشيخوخة، الموت التدريجى للقدرات نتيجة صراع الجسد ضد الموت الذى يؤذيه بالمجئ، مما يشغل الكاتب فى مجمل عمله الروائى وخاصة فى هذه الرواية، لعل فى عنوانها وحده "حكايات الفصول الأربعة" ما يشير إلى هذه الموضوعة، ليست تلك فقط فصول السنة الأربعة، بل هى أساسا فصول العمر الأربعة. ليست فقط فصولا تمر بها سنوات بطل أو شخص واحد فى غمار الرواية، بل هى أيضاً موزعة على شخوص الرواية بحذق وذكاء سردى ملحوظ، من ربيع الصبا، وعنفوان صيف العمر، إلى خريف التهاوى والإيذان بالسقوط، ومنه إلى الشتاء الموحش القاحل.
تقلبات هذه الفصول تدور فى اسكندرية محمد جبريل النصية التى تخايل بواقعية تكاد تشفى على الطبوغرافية الدقيقة، لكنها تجيش بحياة تتجاوز مجرد محاكاة الواقع الظاهرى، ذلك أن للكاتب ولعا مشبوبا بالأماكن، وأوصافها، وتحديدها، وابتعاث أجوائها: القهوة التجارية، قهوة فرنسا، مقهى ايليت أو التريانون، اتينيوس، فضلا عن معالم اسكندرية الشمال الغربى، وهو ولع يضفى على هذه الأماكن حياة كأنها مستمدة من حياة أبطال أو شخوص العمل الروائى - ولعلها من وهج الكاتب الروحية نفسها، وليس ذلك بالغريب عند معظم الروائيين الحقيقيين إذ تتناوب عندهم وتكاد تندمج أماكن الروح بأماكن الواقع، وهو عند محمد جبريل شغف يكاد أن يكون فيتيثسياً بتسمية الشوارع والمقاهى والجوامع والزوايا، ويكاد يقتصر على اسكندريته تلك، هى اسكندرية قريبة إلى حد ما من اسكندرية الراحل صالح مرسى، على اختلاف الرؤى والموضوعات بينهما اختلافا جذريا، ومختلفة أيضا جد الاختلاف عن اسكندريتى مثلا، اسكندرية الجنوب وراغب باشا وغيط العنب بالقرب من الملاحة وترعة المحمودية التى لا تأتى سيرتها قط فى عمله كله إن لم يخطئنى الحصر والتقصى، حتى لو كان للبحر حضور ماثل بل مسيطر فى كتابتى، وهى أيضا تختلف بالتأكيد عن كاتبٍ أراه من أكثر كتاب الإسكندرية موهبة هو حافظ رجب، إذ تقع اسكندريته الفانتازية فى سرة المدينة، محطة الرمل حيث يجرى الترام فى رأس الرجل وحيث يشغل اليونانيون مكانا روائيا لا يكاد يعرفه يونانيو محمد جبريل الذين لعلهم ينتمون إلى حقبة زمانية أحدث من الحقبة "الكوزموبوليتانية الشعبية" التى عاش فيها "الاجريج" عند حافظ رجب، هم قريبون بشكل ما من جريج قسطنطين كافافى.
ولا أحتاج أن أقول إن اسكندرية محمد جبريل أوقع وأقرب إلى صورة الإسكندرية البحرية المثلى من اسكندرية كاتب مثل إبراهيم عبد المجيد، التى تكاد تقتصر -من حيث الموقع المكانى، ومن ثم الموقع الروائى، على صحرائها الغربية المفضية إلى خط سكة حديد العلمين ومرسى مطروح، وهو الجانب "الصحراوى" الأصيل من جوانب الإسكندرية، لم يهتم به -فى حدود علمى- إلا كاتب اسكندرانى آخر هو أونجاريتى الإيطالى الذى عاش فى محرم بك حتى العشرين من عمره (لعلنى أيضا قد عنيت بهذا الجانب الصحراوى من الإسكندرية). ولعل محمد جبريل لم يعن كثيرا -أو إطلاقا- بهذا الجانب، فهل ثم معنى لاختياره "البحر" أى الانفتاح على الآخر، وعلى الشاطئ الآخر؟ أم أن إضفاء دلالة إثنوجرافية، وربما أيديولوجية على البحر باعتباره الأفق الشمالى المفتوح على العالم الأوربى وعلى "الرمال الصحراوية" باعتبارها المعنى البدوى المنبثق من الخصوصية العربية المغلقة على ذاتها، ربما،.. من الشطح التأويلى ما لعله ينأى به عن المصداقية؟
هذه على أى حال أسئلة خصيبة (فيما أظن) تثيرها رواية "حكايات الفصول الأربعة" من بين ما تثيره من أسئلة.
تيمة الشيخوخة والموت لا تضفى على عمل محمد جبريل كروائى قتامة أو جهمة عابسة؛ فى مفرداته ورؤاه قدر من الرشاقة والسلاسة ينأى بها عن التشاؤم أو العدمية، على العكس، فإن اهتمام الكاتب بالقضايا ذات الشأن العام، من قبيل المسائل والأحداث والآراء السياسية، أو المشكلات والمجادلات الدينية، يكسب عمله الروائى حيوية ومعاصرة وراهنية مشغولة بالهموم والشئون العامة.
إن أحد أبطاله يأخذ على المصريين أنهم "يمتلكون موهبة صنع الطغاة. يحولون البشر العاديين إلى آلهة معصومة من الخطأ، ومحصنين ضد الحساب حتى لو كان إلهيا، يفدونهم بالروح والدم، ويحسنون التغنى بمآثرهم والتطبيل لإنجازاتهم، ويحرقون البخور لذكراهم".
(وبالمناسبة، فإن المصريين لا يجعلون من الساسة والزعماء وحدهم طغاة أو أشباه آلهة، بل هم يحولون من يسمونهم الرموز فى الحياة الثقافية والعلمية أيضا إلى أشباه آلهة معصومين لا يجوز المساس بذواتهم العلية).
اهتمام النص عند محمد جبريل بالشئون العامة لا يقتصر على المسائل السياسية بل ينصب كذلك على المسائل الدينية: "الإسلام لا يعرف رجال دين. من جعلوا الدين مهنتهم. إنه يعرف العلماء والمجتهدين". قد يبدو هذا الاهتمام جانبيا، أو هامشيا، تتناوله حوارات عابرة، وأقدر أنه اهتمام أساسى، يأتى بحذق ملحوظ على هيئة إشارات سريعة فى الحوار أو فى السرد الروائى سواءً، ضربات خفيفة ولكنها نافذة، موجزة ولكنها قاطعة، فهذه هى -فى تقديرى- تقنية رئيسية فى عمله الروائى.
من الموضوعات التى يتناولها محمد جبريل مرة بعد مرة فى عمله الروائى موضوعة الفجوة بين الأجيال.
النزعة نحو الرحيل، ليس فقط من شاطئ إلى شاطئ آخر، ليس فقط من عالم إلى عالم آخر (من الإسكندرية إلى اليونان مثلا) بل هى أيضا وربما أساسا نزعة إلى الرحيل من جيل إلى جيل، ومن هموم مرحلة معينة من العمر إلى هموم مرحلة أخرى -تلك من حكايات الفصول الأربعة- هذه النزعة لا تتحقق فقط بركوب البحر، بل هو ركوب موج السنوات المضطرب المتلاطم.
***
لعل محمد جبريل من أبرع روائي ما بعد نجيب محفوظ، مع فرادة لغته ونعومة انسياب صياغاته، والصياغة بداهة لا تنفصل عن الرؤية ولا عن الموضوعة. ذلك أن لغة محمد جبريل فى إيجازها واقتصادها ونفاذها تتساوق مع رؤيته لعالمه الإسكندرانى والنفسى أو الروحى على السواء، فهى رؤية ناصعة مضيئة ليس فيها تدفق هادر ولا صخب التزاحم، لا نكاد نقع عنده على محاولة للغوص فى أغوار -وأكدار- الحياة الحلمية أو اضطراب ما تحت الوعى، لغته ورؤاه معا صافية صحة سماء الإسكندرية عندما تصحو سماؤها، وهو ما يحدث فى أغلب الأحوال.
وعندى أن الإيقاع الموسيقى فى هذه اللغة -وهو إيقاع ملموس- ينبع من تناغم وتناسق (لعله تنغيم وتنسيق متدبر مقصود، أو لعله ملهم وعفوى، أو هما معا) فى تسلسل السرد وتبادل الحوار والنأى عن محسنات -أحيانا ضرورات- الاستعارة والكناية وكثافة اللغة، لغته -مثل موضوعاته- صافية واضحة وسائغة السلاسة، بقدر ما هى ممتعة وشائقة.

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:57 PM
صورة البطل في الوجدان الشعبي

بقلم: د.فاخر صالح ميا
..........................

قطع التاريخ, منذئذ رحلة وعرة, تطورت خلالها مفاهيم الإنسان حتى غدا البطل في الوجدان الشعبي حاملاً للقيم الإنسانية من مغامرة إلى أخرى, طموحاً, مجابهاً, متحدياً, وغدت الحياة بعد هذه العصور, أكداساً بالغة التعقيد من النقائض والمتضادات والحيوات المتصارعة عاشتها أجيال من الناس. وأنا أريد هنا أن أكتب ببساطة, بلا تقعر ولا تصنع عن البطل في الوجدان الشعبي للكاتب المصري "محمد جبريل", واصفاً تلك اللقطات المهمة التي يأخذها "جبريل" على عاتقه, وهي مسؤولية الكتابة في معمعان المراحل المتخالفة, وبكل ما اختلط فيها الحلو بالمر, وهنا لابد لي وأن أرى بأم عيني تلك القيم الأصيلة التي غرسها الأبطال الشعبيون الذين يبتغون أن يزيحوا عن الآخرين غشاوة ما كابدوه, وما اختلطت عليهم سبل الحياة ومفارق طرقها. إن كل ما أردته لدراستي عن هذا الكتاب هو أن تكون نموذجاً للانكشاف وللتفتح على الحياة وللصراع والعراك مع الطبيعة بل ومع القدر نفسه, فضلاً عن التقاليد والأعراف المألوفة والموروثة والمتخلفة, ولكن ثمة شيئاً يجب أن نلتفت إليه مع مؤلف الكتاب "جبريل" تلك الصور التي تتفتح عن وعي كبير لتعطي الحياة للإنسانية ولدحض آراء عبد الحميد يونس, من أن الهلالين لم يكونوا سوى أهل شغب... ص 7 ـ 8, بل إن ثمة من يرى في ملحمة هوميروس مفتاحاً لفهم بعض عناصر أدبنا الشعبي الذي عكسته السير, وقد توقف بعض الباحثين أمام التشابه الواضح بين أوديسيوس وأبي زيد الهلالي وبين أغاممنون والسلطان حسن, وهيلين والجازية وبريام والزناتي خليفة وآخيل ودياب بن غانم... ومن موقع اهتمام الكاتب "جبريل" بالسير الشعبية, فإننا نجد توصيفاً ضاراً للسير الشعبية بشكل عام وللسيرة الهلالية بشكل خاص, لما قدمه "عبد الحميد يونس" ص63 ومحمد فهمي عبد اللطيف ص65 وكذلك ابن الأثير ص67 من آراء لا تحسن فهم السير الشعبية وقوانينها, فعلى الرغم من توالي الأزمنة ودورة العصور, فإنها لا تزال تتوهج بالمعاني الإنسانية العميقة بفضل وفائها للجوهر الإنساني الأصيل وحضها الدائم على الالتزام بالخير ومحاربتها لكل ضروب الشر والنقائص ـ ومن هذه الزاوية تكتسب صورة البطل في الوجدان الشعبي قيمة تربوية, لأنه تأكيد على الانجذابية الإنسانية نحو اقتحام المجهول وتجاوز حدود الواقع وتحقيق الأحلام. تلك الأخبار التي شغلت مجلدات كثيرة لنتأمل فيها طفولة المجتمع وتفاسيره من خلال حكايات وأقاصيص وسير تذاوب فيها سحر البناء وجاذبية التشويق بكثير من الأبعاد والمعاني التي تدفع بالإنسان إلى التأمل والتفكير.‏
وثمة شيء مهم يراه الباحث "محمد جبريل", من أن غزو الهلالين للشمال الإفريقي هو الذي أفضى إلى تعريب المنطقة وانحسار الجنس البربري الذي كان مسيطراً بحكمه ولغته وعاداته وتقاليده. بل إن البعض يجد في دخول العرب الهلالية إلى تلك البلاد امتداداً للروح البدوية التي ترفض الظلم والقهر. وهو ما تبدى بعد مئات السنين في مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري للاحتلال الفرنسي للجزائر, ومقاومة عمر المختار للرحالة الإيطالي لليبيا ص67, وهنا لابد لي من الوقوف على الحالة التي تعكس تطور المجتمع الإنساني وعلاقة الإنسان بالطبيعة والمحيط كقوة تترك لمساتها الواضحة على التراث الفكري والإنساني.‏
يقدم لنا الكاتب "جبريل" لوحة للوعي الإنساني نحو تلك الأحقاب الزمنية التي لا تزال معلوماتنا عنها محدودة إلى حد ما عندما كانت حياة الإنسان شديدة الخضوع للتراب والأرض ملتصقاً بالقيم يدرك جواهر الأشياء, ولهذا كانت الأرض بالنسبة للبطل في الوجدان الشعبي بمثابة الأم الولود التي ينطلق فيها كل شيء ص119 ـ 120 وما "شجرة الدر" سوى القوة الحية التي تضفي على الوجدان الشعبي استقلالية الذات الإنسانية واحترامها, وعلى هذه الخلفية الواسعة من الأبطال نجد تصدي "شجرة الدر" باقتدار للعدوان الصليبي ص120 ـ 121, ومما يلفت النظر أن مفردات الفضيلة والخير لم تتغير عبر التاريخ فالشجاعة والكرم والعفة والإيثار والمروءة كل هذه الخصال كرمتها السير الشعبية وحضت عليها مثلما أدانت الشرور بكل مفرداتها, بل إن الأغنية الشعبية تسهم في إغناء مضامين جديدة لتغدو أكثر تعبيراً عن عصرها وأدق تصويراً للمجتمع الذي أوجدها, فهاهو ياسين يتوسل إلى الشمس أن تترفق بهم فلا تلسعهم حرارتها:‏
قولوا لعين الشمس ما تحماش أحسن حبيب القلب صابح ماشي ص220‏
وبهذا المنظور تعكس الأغنية الشعبية الواقع الاجتماعي مع تلاشي الأنا الإنسانية أو الأنا الروحية (Ego), فبدت تلك الصور الكئيبة لتحل محلها أساطير لمرحلة جديدة, حيث كان البطل في الوجدان الشعبي, محورها الرئيس لمواجهة ظلم الحاكم لا بمجرد الحلول السلبية التي برع فيها المصريون مثل النكتة والشائعة واللغز الخ, وإنما بالثورة وبالمقاومة المسلحة ص262, التي تدفع الظلم والهزائم والأعراف المتخلفة عن الشعبي والوطن.‏
الهوامش‏
.......
محمد جبريل, البطل في الوجدان الشعبي مكتبة الدراسات الشعبية القاهرة 2000.‏
*جريدة الأسبوع الأدبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006م.

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 03:58 PM
دلالات الكتابة

بقلم: محمد جبريل
.....................

الكلمات تدوم أكثر من الأحجار كثيراً‏
كاميلو خوسيه ثيلا‏

لعلي أتفق مع تشيخوف في قوله "إن الفنان يكتب قصة عندما يريد التعبير عن فكرة" ولعلي اختلف ـ في المقابل ـ مع ألان روب جرييه في أن الحدوتة لم يعد لها قيمة في رواية اليوم, وألح في رفض الرأي بأن رواية القرن العشرين قد انعدم فيها المغزى. إن أهم المشكلات التي تعنى بها البنيوية ـ مع تحفظي المعلن على إمكانية تعبيرها عن مشروعنا الإبداعي أو النقدي ـ هي معنى النص, أو قدرته على الدلالة. المعنى, أو الدلالة, هي كذلك المشكلة الأهم للمشروعات النقدية التي ظهرت عن الحداثة. وإذا كان رامان سلدن يذهب إلى أن مهمة الفن هي أن يعيد إلينا الوعي بالأشياء التي أصبحت موضوعات مألوفة لوعينا اليومي المعتاد (ت. جابر عصفور) فإن الحدوتة, الحكاية, الفكرة ـ المسميات كثيرة ـ تظل هي نواة العمل الروائي, بعداً رئيساً لها. إذا حاول المبدع أن يستغني عنها, فإنه يستغني عن عمود مهم في أساسات عمارته الروائية. أرفض قول فورد مادوكس بأنه على الفنان أن يحتفظ برأسه, فلا يمنح تعاطفه لأحد من البشر, ولا لقضية من القضايا, وإنما عليه أن يظل ملاحظاً بلا مشاعر فياضة ولا شفقة (لطيفة الزيات: فورد مادوكس والحداثة ـ هيئة الكتاب 91). الفنان ينتهي ـ كما يقول مادوكس ـ إذا تحول إلى داعية. وهو قول صحيح تماماً. فللداعية وسيلته, ولعالم الاجتماع وسيلته, وللفنان وسيلته كذلك, وهي ـ ببساطة ـ وسيلة الفن. وإذا كان تشيكوف يرفض أن يكون الكاتب قاضياً يحكم على شخصيات عمله الإبداعي, ويطالب الكاتب بأن يكون شاهداً غير متحيز, فإني أجد انحياز الكاتب لقضية ما, لوجهة نظر معينة, لموقف أو مجموعة مواقف, مسألة مهمة ومطلوبة, ولعلي أتصورها ـ للفنان الحقيقي ـ بديهية. الفنان لا يجدف في الفراغ, ولكن يجب أن تكون له وجهة نظر, رؤية معينة, أو ما يسمى ـ بالنسبة للفنان المتكامل الثقافة والموهبة والخبرة ـ "فلسفة حياة"‏
ثمة رأي أنه يجب أن تقدم القصة القصيرة فكرة في الدرجة الأولى, ثم وجهة نظر مخلصة في الطبيعة الإنسانية, ثم يأتي الأسلوب في النهاية. بل إن وت بيرنت الذي يرى أن قصة بلا وجهة نظر مع فنية متفوقة لا تساوي شيئاً, يفضل أن يكون للمبدع مقولة دون بناء فني, على أن يكون لديه بناء فني دون مقولة. النص المغلق ودعناه في قصص أمين يوسف غراب, النهاية الباترة الحاسمة التي تحرص أن تهب المتلقي دلالة واحدة, وحيدة. والحق أنه لا يشغلني شخصياً إن كان تعدد الدلالة مما يذهب إليه النقاد الجدد أم لا, لكنني أومن بتعدد دلالة العمل الإبداعي. كلما تفوقت فنية العمل الإبداعي تعددت دلالاته, والعكس ـ بالطبع ـ صحيح. الاختلاف بين النص العلمي والنص الأدبي أن النص العلمي يعنى بتحقيق معنى محدد, دلالة واضحة لا مجال فيها للمجاز أو البلاغة. أما النص الأدبي فهو يرفض ـ في دلالته أو دلالاته ـ المعنى المحدد. إن قيمته في تقديري ـ في تعدد معانيه, في تعدد دلالاته, وبتعبير آخر: في تعدد مستويات القراءة. ولعلي أضيف إن النص الإبداعي ليس نصاً واحداً, ولكنه نصوص متعددة بتعدد القراءات والتأويلات. لا أقصد التفكيكية, وإنما أقصد ما يجب أن تكون عليه النهاية الجيدة للنص الجيد. إساءة القراءة كما يذهب التفكيك, معنى لا أفهمه, ولا يهمني, بل أعني القراءة الواعية الفاهمة التي تتعدد بها مستويات التلقي.. ولعل الاختلافات النقدية حول روايتي "الصهبة" ما يبين عن تعدد الدلالات. ثمة من اعتبرها تصويراً للعلاقات الأسرية في تشابكاتها المحيرة, ومن وجد فيها تناولاً لضغوط الواقع الاقتصادي وتأثيراتها, وثمة من اعتبرها رواية واقعية, ومن اعتبرها فانتازيا يختلط فيها الواقع بالحلم... واجتهادات أخرى كثيرة, تنتهي إلى دلالات عابرة تصل ـ في تباينها ـ إلى حد التضاد!‏
***‏
الرواية ـ في رأي روجر ب. هينكلي يمكن أن تكون وسيلة إدراك معرفي, بمقدورها أن تزودنا برؤية صحيحة عن عالم الحياة والأحياء والعلاقات الإنسانية تفوق في قدرتها على التأثير فينا ما يمكن أن نحصّله من علم الاجتماع والتاريخ والنفس والإنسان (قراءة الرواية ـ 19). أما كازنتزاكس فربما كانت الكتابة ـ كما يقول ـ ممتعة في وقت التوازن واعتدال الأمزجة. أما الآن, فالكتابة واجب حزين لتحفيز الآخرين على أن يتخطوا الوحش الكامن في داخل الإنسان" ويقول ميشيل بوتور: "أنا لا أكتب الروايات لأبيعها, بل لأحصل على وحدة في حياتي. إن الكتابة بالنسبة لي هي العمود الفقري".‏
***‏
تقول سيمون دي بوفوار: "إن الرواية الفلسفية إذا ما قرئت بشرف, وكتبت بشرف, أتت بكشف للوجود لا يمكن لأي نمط آخر في التعبير أن يكون معادلاً له. إنها وحدها التي تنجح في إحياء ذلك المصير الذي هو مصيرنا, والمدون في الزمن والأبدية في آن واحد, بكل ما فيه من وحدة حية وتناقض جوهري".. ومع ذلك فإن الرواية التي أعنيها هي التي تعبر عن فلسفة الحياة, وليست الفلسفة بالمعنى الميتافيزيقي. أرفض تحول الروائي إلى مفكر جدلي, كما أرفض أن يتحول المفكر الجدلي إلى روائي. ذلك نوع من الخلط يسيء إلى الفلسفة وإلى الرواية في آن. أعرف أن تولستوي يواجه اللوم ـ حتى الآن ـ للفقرات الفلسفية المقحمة على رواياته. إن أعمال كاتب ما يجب أن تشكل وحدة عضوية ترتبط جزئياتها بأكثر من وشيجة, لأن رؤية الفنان لقضايا الإنسان الأساسية تتردد كالنغم عبر أعماله جميعاً, وتربطها كلها في وحدة عضوية متماسكة" (صبري حافظ: دنيا الله ـ المجلة ـ مارس 1964) على الرغم من ـ أو مع الإشارة إلى ـ تحفظ فورد مادوكس أن تعقد الحياة المعاصرة, قد يتيح لنا تأمل الحياة طويلاً, ولكن من المستحيل أن نراها في صورتها الكلية. ولعلي أشير كذلك إلى قول آلان روب جرييه "الفن ليس فيه شيء معروف قبلاً, فقبل العمل الأدبي لا يوجد شيء ما, لا يقين ولا دعوى ولا رسالة. والزعم بأن الروائي لديه شيء يقوله, وأنه يبحث بعد ذلك عن كيفية قوله زعم فاحش الخطأ, فإن هذه الكيفية, أو طريقة القول, هي ـ بالتحديد ـ التي تكون مشروعه بوصفه كاتباً (ت. شكري عباد).‏
***‏
إن الأدب هو الأسبق دائماً في النظرة, في محاولة استشراف آفاق المستقبل. إنه يسبق في ذلك حتى العلم نفسه. وكما يقول كافكا: "فإن رسالة الكاتب هي أن يحول كل ما هو معزول ومحكوم عليه بالموت إلى حياة لا نهائية. أن يحول ما هو مجرد مصادفة إلى ما هو متفق مع القانون العام. إن رسالة الكاتب نبوية". كانت القيمة الأهم لإبداعات تولستوي هي الترديد المستمر للأفكار العامة. للنظرة الشاملة لفلسفة الحياة, في مجموع تلك الأعمال.‏
وكان ذلك هو الذي أعطى أعمال تولستوي ـ كما يقول أدينكوف ـ "تكاملاً وتماسكاً داخلياً". وكما يقول تولستوي, فإن الكاتب الذي لا يمتلك نظرة واضحة, محددة وجديدة للعالم, ويعتقد أن ذلك بلا ضرورة, لن يستطيع تقديم عمل فني حقيقي. وقد حاول كل من تولستوي وديستويفسكي أن يجيب عن السؤال: هل الحياة جديرة بأن تحيا؟. وكان تقديرهما أن الحياة التي نحياها ليست مجرد جسر إلى حياة أخرى, أو أنها تنتهي بالعدم. ثمة ما ينبغي أن نتطلع إليه, وأن نحاول صنعه حتى ننتزع للإنسانية أملاً من ظلمة المستقبل.‏
ولعل القيمة الأهم في روايات الروسي إيفان جونتشاروف هي "الدعوة الموضوعية إلى العمل الذي تمليه الأفكار الأخلاقية الكبرى: التحرر من العبودية الروحية والاجتماعية عن طريق كل ما هو إنساني وروحي" (أشرف الصباغ: جوانب أخرى من حياتهم: المجلس الأعلى للثقافة ـ 59). وإذا كان الموت هو المصير الإنساني, فإن العمل هو سلاح الإنسان ضد الموت "بالعمل وحده سيبزغ الفجر, ولو في القبر". كان الإيمان بالعمل هو البعد الأهم في الفلسفة الحياتية لأنطون تشيخوف, كان الطب مهنة تشيخوف, وكان الأدب هوايته, لكنه أخلص في العناية بحديقته الصغيرة, كأنه يحترف الزراعة, وكان رأيه أنه لو أن كل إنسان في العالم فعل كل ما بوسعه في الرقعة التي تخصه, فسيكون العالم جميلاً. يقول: "إن ما يحتاجه الإنسان هو العمل المستمر ليل نهار, والقراءة الدؤوبة, والدراسة, والسيطرة على الإرادة, فكل ساعة من الحياة ثمينة". ويذهب إيتالو كالفيو أننا كلما تقدمنا في قراءة تشيخوف, التقينا بشخصيات تقرر ـ في نهاية الأمر ـ أن تعمل بجدية, أو تتكلم عن تلك الحياة الرائعة التي ستقوم على الأرض بعد مائة عام, أو بعد مائتين, أو عن تلك الزوبعة التي سوف تجتاح كل شيء". ويقول الدكتور أستروف بطل مسرحية "الخال فانيا": "كل ما في الإنسان يجب أن يكون جميلاً, وجهه, ملابسه, روحه, أفكاره, ما أمتع لذة احترام الإنسان وتقديره". أما رؤية د. هـ. لورنس المتكاملة, فتعنى بعزلة الإنسان في العالم الحديث, والانفصام الحاد بينه وبين الطبيعة, في مقابل تشوه الثورة الصناعية, وتأثيرها بالسلب على المدينة والقرية في آن. والحرية هي النبع الذي تنهل منه أفكار سارتر وكتاباته الفلسفية وإبداعاته. إنها المحور في فلسفة حياته. حرية الفرد والجماعة والوطن.‏
أما همنجواي فقد تمحورت رؤيته الحياتية في أن العالم قادر على تحطيم أي إنسان, لكن كثيرين يستعيدون قواهم, وينهضون. الحياة ـ في نظر شخصيات همنجواي ـ معركة خاسرة, لكن الهزيمة تصبح نصراً إذا واجهها المرء بنفس شجاعة, ومقاومة. وبتعبير آخر, فإن الإنسان ـ في فلسفة همنجواي الحياتية ـ قد يتحطم, لكنه لا ينهزم, أبطال همنجواي يدركون أن الموت هو الواقع الذي لا مفر منه. إنه اليقين الوحيد في حياة الإنسان. ولعل ممارسة الجنس في أتون المعارك الحربية, والتلذذ بمصارعة الثيران, وبالصيد.. لعل ذلك يمثل تحدياً ـ ولو عبثياً ـ لحتمية الموت. وكما يقول جارثيا ماركيث فإن شخصيات همنجواي لم يكن لها الحق في الموت قبل أن يعانوا ـ لبعض الوقت ـ مرارة الانتصار.‏
والإنسان ـ عند كامى ـ يكتشف عبثية الحياة, لا معقوليتها, وليس بوسعه إلاّ أن يتحدى كل شيء في هذا العالم. شجاعة الإنسان ـ في تقدير كامي, ليست في غياب اليأس, وإنما في القدرة على التحرك ضد اليأس, ضد عبثية الحياة. إن العادلين في مسرحية كامي يحملون رسالة تعطي لحياتهم معنى, فهم يحيون من أجل أدائها, يجعلونها قضيتهم. وباختصار, فإنه لكي يحيا الإنسان يجب عليه أن يبقي على شعور العبث في داخله كي يستمد منه طاقة التحدي اللازمة للبقاء.‏
***‏
إن ما يغيب عن إبداعاتنا هو الفلسفة المتكاملة, فلسفة الحياة التي تستطيع أن تربط الأفكار بالانطباعات. فمعظم روائيينا يرون أن العمل الإبداعي يجب أن يقتصر على المتعة, على تحقيقها, واستثارة اهتمام القارئ ومتابعته, ومشاعره. أذكر قول أستاذنا زكي نجيب محمود: "إن الكاتب في مصر, إنما يكتب في غير قضية أساسية تكون في حياتنا الفكرية والأدبية بمثابة القطب من الرحى" (الأهرام 25/2/1985).‏
حيادية الإبداع مسألة يصعب تقبّلها. بعض الأصدقاء المبدعين يعتز بحياديه إبداعاته، وهو قول ينطوي على قدر من المبالغة. أو من النية الحسنة. المبدع ـ في تقديري ـ يجب أن يكون منحازاً لقيمة, أو لقضية, أو لقيم, أو لجماعة. وهذا الانحياز يبين عن نفسه على نحو ما في مجموع أعمال المبدع, وهو ما سميته بفلسفة الحياة, تلك الفلسفة التي تطالعنا ـ بصورة مؤكدة ـ في أعمال نجيب محفوظ, بينما تغيب ـ أو تكاد ـ في أعمال غالبية مبدعينا.‏
يوماً, سألت يوسف السباعي عن فلسفته في أعماله. وتطرقت المناقشة إلى توفيق الحكيم. قلت: عبّر الحكيم عن فلسفته نظرياً في كتابه "التعادلية" وعبر عنها تطبيقياً في الإبداعات التي أصدرها, ونحن نجد فارقاً كبيراً بين النظرية والتطبيق عندما نفتقد التعادلية فيما قرأناه للحكيم. إنه يتحدث عن فلسفة أخرى يمكن تسميتها "الزمنية". الزمن في حياة الإنسان المصري, وانعكاسه على قيمه ومعاملاته ونظرته إلى الأمور. قال السباعي في تحيّر: الواقع أنني لم أفكر في الزمنية هذه في أعمال الحكيم, ولم أبحث عنها (المساء 18/11/1962).‏
ولعلي أذكرك بقول أحمد بهاء الدين أننا إذا جمعنا أعمال الحكيم الفكرية والآراء التي عبر عنها، فسنجد أنه عبر عن كل رأي، ودعا إلى الشيء ونقيضه (الأهرام) 30/4/1978).‏
واللافت أن الزمن هو نبض العديد من الأعمال الإبداعية العالمية, مثل "عوليس" لجيمس جويس, و"البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست. و"الجبل السحري" لتوماس مان الخ..‏
وبالطبع, فإن الفكرة الفلسفية تصبح ـ في اللحظة التي تدخل فيها إلى العمل الفني ـ خاضعة لقوانين العمل الفني, وليس قوانين العمل الفلسفي.‏
***‏
بالنسبة لي فإني أكاد أتصور أن الكتابة خلقت من أجلي, قبل أن أخلق أنا للكتابة, لا أتصور نفسي في غير الكتابة, وفي غير القراءة والتأمل وتسجيل الملاحظات والإبداع.‏
الكتابة عندي جزء من حياتي اليومية. جزء من تكويني الجسدي والنفسي, وهي مثل احتياجات الإنسان الضرورية مثل الطعام والجنس والنوم والحرية. أذكر قول رايوموني Rayaumoni لقد أصبحت روائياً بالضرورة, وما استطعت تجنب ذلك".‏
لقد بدأت في المعايشة والملاحظة والاختزان من سن باكرة للغاية, ربما لأني كنت مهموماً بكتابة القصة في تلك السن. لم أتعمد أي شيء, لكن ما أختزنه ـ دون تعمد ـ من قراءات, وتجارب لي, وتجارب للآخرين, ورؤى, وخبرات, وملاحظات, يظهر في لحظة لا أتوقعها أثناء فعل الكتابة..‏
ثمة مشكلة, أو مشكلات, تلح على وجدان الكاتب, وتبين عن ملامحها في مجموع أعماله.. هذه المشكلة, أو المشكلات, هي محصلة خبرات شخصية, وتعرف إلى خبرات الآخرين, وقراءات, وتأملات, يحاول التعبير عنها من خلال قدرة إبداعية حقيقية. وحتى الآن, فإني أستعير من توماس هاردي قوله, في إجابتي عن السؤال عن فلسفة الحياة في أعمالي, بأنه ليس لي فلسفة بعد, إنما هي كومة مختلطة من الانطباعات, مثل انطباعات طفل حائر أمام عرض سحري. أنا أحاول أن أفيد من قراءاتي وخبراتي وخبرات الآخرين صوغ وجهة نظر متكاملة. ولعلي أزعم أن عالمي الإبداعي يتألف من تيمات أساسية, يدور حولها ما أكتبه من رواية وقصة. من يريد تناول أعمالي, أو حتى يكتفي بقراءتها, أن يقرأ كل هذه الأعمال, مجموع ما كتبت. ثمة وجهات نظر, نظرة شمولية, إطار عام أحاول أن أعبر ـ من خلاله ـ عن فلسفة حياة مكتملة, بالإضافة إلى محاولات التجريب تقنياً, وربما أعدت تناول "التيمة" الواحدة في أكثر من عمل. لا يشغلني التكرار بقدر ما يشغلني التعبير عما أتصوره من أبعاد فلسفية حياتية.‏
وطبيعي أن نظرة الكاتب إلى الهموم التي تشغله, موقفه الكامل منها, يصعب أن تعبر عنه قصة واحدة أو قصتان, لكننا نستطيع أن نجد بانورامية نظرة الفنان في مجموع أعماله, وفي كتاباته وحواراته التي تناقش تلك الأعمال. لذلك فإن الكثير من أعمالي تنويع على لحن سبق لي عزفه في أعمال سابقة, وربما مهدت لعمل ما بعملين أو ثلاثة, أعتبرها إرهاصاً لذلك العمل, أو إنها استكمال له. إني أفضل ـ مثلما كان يفضل كافكا ـ أن أُقْرأ كعمل كلي, وليس كأعمال منفصلة. أن يقرأ الناقد مجموع أعمالي, ويتأمل دلالاتها المنفصلة, ودلالاتها الكلية, يحاول أن يتعرف فيها إلى فلسفة حياتي, إلى نظرتي الشاملة..‏
للمبدع وجهات نظر في الدين والفلسفة وما وراء الطبيعة والتاريخ والسياسة والعلم والفن. وهو يضمن إبداعاته ذلك كله, أو جوانب منه.‏
وقد حاولت ـ في مجموع كتاباتي ـ أن أعبّر عن القضايا الأساسية التي تلح على ذهني, وأعتبرها قضية حياة..‏
لست الكاتب البريطاني أنتوني باول الذي يؤكد أن هدفه من الكتابة هو إعادة تشكيل العالم, أو تحقيق النظام فيه.. ولا أريد ـ مثل الألماني ستيفن هيرمان ـ أن أترك أثراً, بل ولا أريد ـ بقصد ـ تغيير العالم اليومي للمتلقي, الذي هو واحد ممن تتجه إليهم إبداعاتي.‏
ما أريده أن أتخطى حواجز المكان, بل وحواجز الزمان, فأتخذ من الإنسان موضوعاً, ومن العالم موضعاً, وأجعل وقتي هو العصر الآني. أتفهم قول أندريه موروا أنه ليس على الرواية أن تبرهن على شيء ما, فالعمل الفني ليس جدلاً, ولا برهاناً, وخصيصته ـ بالعكس ـ هي أن يبعث على الإقناع, بمجرد التأمل. "إنه هناك, هذا كل شيء".‏
إن تجربتي الإبداعية ـ على تعدد أبعادها وتنوعها ـ تخضع لوجهة نظر شاملة, لفلسفة حياة تحاول التكامل, وإن استخدمت في كل عمل ـ الأدق: يستخدم كل عمل ـ ما يناسبه من تقنية. إن القارئ المتأمل يستطيع أن يتعرف إلى المبدع, في مجموع ما كتبت...‏
من المؤكد أني لا أميل ـ التعبير الأدق: أني أرفض ـ دعائية الفن وجهارته وتقريريته ومباشرته, لكنني لا أنفي القيمة, لا أرفضها. أجد فيها بعداً مهماً في العمل الإبداعي, وإلاّ تحول إلى ثرثرة لا معنى لها, لا قيمة فيها ولها. وكما يقول بودلير فإن الإنسان يحتاج دائماً إلى المبدعين الذين يعيدون ترتيب الأشياء, ويوضحون له الطريق إلى الأفضل. ربما أكون محمّلاً بفكرة, أو مقتنعاً بها, وربما حاولت أن أعبّر عن ذلك في كتاباتي, لكني أفضّل أن يتم على نحو فني, فلا تقريرية, ولا جهارة, ولا مباشرة, وإنما حرص مؤكد على فنية العمل الإبداعي من حيث هو كذلك..‏
كانت "الأسوار" هي روايتي الأولى. كتبتها بعد إنهاء الأجزاء الثلاثة من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين". ثم شغلتني "إمام آخر الزمان". حاورت فيها أصدقاء, أذكر منهم سامي خشبة الذي سألني وهو يودعني في رحلة عمل إلى منطقة الخليج: لماذا تشغلك دائماً فكرة المخلص؟..‏
يقول مالرو: "إننا نعلم أننا لم نختر أن نولد, وإننا لن نموت باختيارنا, وأننا لم نختر أبوينا, وأننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً ضد الزمان". الموت هو الحقيقة التي تواجهنا, تصدمنا, منذ بواكير حياتنا. يموت الأب أو الأم, فنبدأ بالقول الكاذب: لقد سافر. ثم نعلم الابن السائل بالحقيقة ـ فيما بعد ـ فيبدأ في إلقاء الأسئلة: ما الموت؟ ما الآخرة؟ ما الجنة والنار؟ الخ. نحن نمضي في الطريق إلى الموت دون أن تكون لنا إرادة. إنه ـ كما يقول مالرو ـ يحيل الحياة إلى مصير. من الأصوب ـ على حد تعبير مالرو ـ أن نواجه الموت باسم غاية نحيا من أجلها. يتساءل: ما قيمة حياة لا يقبل المرء أن يموت في سبيلها؟. إن الإنسان يقامر بحياته في سبيل ما يؤمن به من قيم, ويتحدى الموت بوصفه التأكيد النهائي لشخصيته الحقة. سيكون للبذل, للتضحية, معنى: لو أنه اكتفى بما قدمه دون أن ينتظر جزاءً إيجابياً, ولا يفاجأ لو أن الجزاء سلبي. وقد فضّل الحسين ـ كما تعلم ـ أن يستشهد, على أن يتنازل عن الفكرة التي يؤمن بها.‏
المثقف الحقيقي مطالب ـ دوماً ـ بأن يغلب الموضوعي على الذاتي. إنه يرضى بالمنطق الذي ترفضه العلاقة بين حبيبين, فهو يحب من طرف واحد, لا ينتظر من المحبوب اعترافاً بالجميل ولا مساندة, وربما انتظر جزاءً سلبياً. إنه قد يموت وهو يهتف باسم من دفع حياته ثمناً لخذلانه, لخذلان المثقف!‏
***‏
القهر في الداخل...‏
أتذكر كلمات خوان جويتيسولو ـ بعد وفاة فرانكو ـ "لقد عشنا احتلالاً طويل الأمد وغير ملحوظ من الخارج, احتلالاً بلا خوذ ولا بنادق ودبابات, وليس احتلالاً للأراضي, بل احتلال للعقول".‏
الإنسان مطارد منذ الميلاد إلى الموت. إنه ـ كما يقول سارتر ـ مخلوق يطارده الزمن, لكن المطارد في رواياتي ليس الزمن وحده. إنه قد يكون السلطة, أو قيم الجماعة, أو غيرها مما قد يضيع حياته في محاولة الفرار منه. قد يكون البطل مطارِداً, وقد يكون ـ في الوقت نفسه ـ مطارَداً. ذلك ما يسهل تبينه في شخصية منصور سطوحي في "الصهبة", أو شخصية السلطان خليل بن الحاج أحمد في "قلعة الجبل", أو أبي الطيب المتنبي في أوراقه, أو "زهرة الصباح", أو رؤوف العشري في "الخليج", أو "الحاكم بأمر الله في سيرته الروائية, الخ...‏
وإذا كان المصريون القدماء يسمّون الموت "النزول من البحر", فإن محمد قاضي البهار نزل إلى البحر, ولم ينزل منه, فهو إذن قد نزل إلى الحياة. وبالإضافة إلى محاولة قاضي البهار الفرار من القهر, فإني أتصور حياته قد أظهرت الهوة التي تفصل بين عالم المثالية الذي كان يحيا فيه, والواقع القاسي الذي يريد أن يفرض عليه طقوسه وقوانينه وأحكامه, وهو واقع لا يستند إلى قيم نبيلة, ويلجأ إلى الزيف والخداع ونكران الحقيقة..‏
***‏
الآن, فإن التيمة الأساسية التي تلح في غالبية أعمالي, هي مواجهة الآخر, سواء بالمقاومة الجسدية, أو بتفعيل التحدي الحضاري..‏
إن الصراع العربي الإسرائيلي ليس مجرد مواجهات سياسية وعسكرية, إنما هو صراع ذو أبعاد تاريخية وحضارية وثقافية. إنه تواصل واستمرارية حياة, وتناول الإبداع لجوانب من ذلك الصراع لا يعني السقوط في هوة المباشرة أو الجهارة, بل إن الأعمال الكبيرة هي التي تناولت قضايا كبيرة. المثل "خريف البطريرك" لجارثيا ماركيث, و"الحرب والسلام" لتولستوي" و"الطاعون" لكامي و"الحرافيش" لمحفوظ و"الحرام" لإدريس, و"سمرقند" لمعلوف, وغيرها. وبالنسبة للصراع العربي الصهيوني ـ تحديداً ـ فمن الصعب إغفال أعمال غسان كنفاني المهمة, مثل رجال في الشمس, وعائد إلى حيفا, وغيرها. وفي المقابل, فقد ذوى إعجابي القديم بعبقرية زفايج, وروايات كافاكا, واجتهادات فرويد, ونظرية إينشتين, ولوحات شاجال, شحبت الملامح الجميلة في مرآة الصهيونية. فرض التوجس نفسه حتى فيما لم يعد يحتمل ذلك.‏
***‏
ماذا يبقى من ذلك كله..‏
بالطبع فإن المتلقي قد ينشد الدلالة في العمل الإبداعي. وقد يكتفي فحسب بمتعة التلقي, بمتعة القراءة أو السماع أو المشاهدة. لكن الإنسان ـ إذا تعلم أن ينظر إلى الفن على أنه شيء لا ينتمي إلى الجمال والحق, بل إلى الرأي وحده ـ فإنه سيفقد بصيرته, ويصبح كما يريده رجال العصابات, حيواناً ينتمي إلى قطعان.‏
وإذا كان رامان سلدن يرى أن العمل الإبداعي الجيد هو الذي يخبرنا بالحقيقة عن الحياة الإنسانية, بالكيفية التي تكون عليها الأشياء, فإني أستعير قول بورخيس: "المهم أن يبقى أربع أو خمس صفحات من كل ما يكتبه الكاتب".‏
.....................................
*جريدة الأسبوع الأدبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006م.

د. حسين علي محمد
12-08-2006, 04:00 PM
محمد جبريل وحكايات الفصول الأربعة

بقلم: وائل وجدي
......................

" ... تكتب ، وتكتب ، وتكتب .... شعور أقرب إلى الراحة ، تطمئن إليه بأنك تعبر عن نفسك . تستدعي الأفكار والذكريات والرؤى والخواطر التي لا رابط بينها إلا استعادة ما مضى من أعوام العمر. تتلاحق الصور . تتلاقى ، وتتعامد ، وتتشابك . تختلط الملامح والسحن والتعبيرات والمشاعر . تعود للمواقف والحكايات العجيبة . يعود الأمل والقلق والخوف . تتخفف مما لا تقدر على تبين ملامحه . توشي الألوان والظلال قطع الفسيفساء في مساحة اللوحة .." (1)
هكذا ، ينهي الروائي المبدع / محمد جبريل ، روايته - الجديدة - حكايات الفصول الأربعة ؛ والتي تضاف إلى إنجازه الإبداعي ، وكذلك إلى الإبداع الروائي العربي في آن.
وهو - بحق - يأخذ الإبداع بجدية ودأب ؛ وهذا أمر ، يتبينه - بجلاء - المتتبع مسيرته الأدبية.
تدهشك - دوماً - أعماله الإبداعية ، بتطورها - الملحوظ - في تقنيات السرد. ويشغف - محمد جبريل - بالإسكندرية ؛ وخاصة : حي بحري ، والذي يدور فيه معظم إبداعه الروائي:
"..الحنين إلى المكان عندي ، يتمثل في حنيني إلى ( حي بحري) ، وهو الحي الذي ولدت فيه . وإذا كنت أحيا - الآن - بعيداً عنه ، نتيجة لظروف عملي في القاهرة ؛ فإنه يحيا في داخلي دوماً .. المعتقدات ، والعادات والتقاليد ، وحياة الصيادين ، وأضرحة الأولياء ، والحياة في الميناء ، وصيد العصاري ، وليال رمضان ، والموالد ، والأذكار ، وكل ما يجتذبني إلى ذلك الزمن القديم... أنا من المفتونين بالمكان المصري ، وقد تمنيت أن تتاح لي الفرصة نفسها ، التي أتيحت لشتاينبك ، عندما طاف مع كلبه " تشارلي" كل المدن الأمريكية ، وتعرف إلى حياة الناس في مختلف البيئات ؛ وهو ما انعكس على إبداعه بصورة مؤكدة . وبالطبع ، فإن ( حي بحري ) ؛ هو أشد الأماكن قرباً من وجداني وفني في آن ..."(2)
لا تعدو أن تكون - هذه القراءة- سوى وقفات تأمل ، عند بعض الشخصيات ، والأحداث ، التي بثها - الفنان المبدع - بفرشاته ، العبقة بزخم المشاعر والاحساسات - المنداحة ، بشجن شفيف - في السرد الروائي ، المصاغ بحنكة ، وحذق.
ورواية : حكايات الفصول الأربعة ؛ هي، سيرة حياة - رفعت القباني - ، والتي اضطر ؛ لكتابتها ، بعد أن حبس في شقته - بالطابق الثاني عشر- لتعطل المصعد:
"..تشرد عيناك في تلاقي البنايات والسماء والأفق ..
شمس الضحى تصبغ الواجهات والأسطح والمدى . أسراب الطير تلتمع في وهج الأشعة كنثار الفضة . تحط على الأمواج ، تلتقط الأسماك ، ثم تعاود الطيران . الفلوكة الصغيرة تتمايل وهى تجر الطراحة في عومها المتباطيء . أصداء إيقاع الأمواج تنداح على الشاطيء . أصوات الطريق شاحبة من وراء النافذة الزجاجية المغلقة..
حين ترامى صوت من الطوابق التحتية : المصعد معطل ، اصطدم كل ما أعددت له نفسك بحائط مسدود. لم تعد تملك التصرف الذي يصلك بالأماكن التي كنت تعد نفسك للذهاب إليها في داخل المدينة ، مقهى التريانون ، مكتبة دار المعارف بالمنشية ، مبنى الغرفة التجارية . تقدم ترجمة تقرير إنشاء منظمة التجارة العالمية...... الصعود إلى الطابق الثاني عشر ، لم يعد متاحاً منذ ذلك المساء الذي ارتميت فيه - بثياب الخروج - على أول كرسي تصادفه في الصالة . خانك الجسد ، وتهيأ للسقوط...."(3)
ومن البداية ، يدخلنا - الكاتب - في الحدث ، الذي كبل حرية - الراوي - ، وجعله يمكث في شقته ؛ يتأمل حياته الفائته ، بكل ما فيها ... وينثر بقلمه - بحذق - ما يعانيه من وهن الشيخوخة ، ورؤيته للعجز والموت...
" .. لم تعد تجلس إلى مكتبك ، أو تتحرك من موضعك ، إلا بجهد تشعر به وإن حاولت إخفاءه كأنك تداري ما يجب ألا يعرفه الآخرون .."(4)
ثم، أخذ يحدد معالم الشقة - ببراعته المعهودة في وصف المكان - : " أدهشك موقعها المطل - في الطابق الثاني عشر - على شبه جزيرة الإسكندرية . البحر من الجهات الثلاث والكورنيش والبيوت والجوامع والساحات والشوارع والأسواق . لما خصت إيناس أمها بالسر الذي أخفته عن الجميع ، طالبت رئيفة بحجرة لإيناس لا يشاركها فيها أحد . شقة شارع فرنسا ذات الحجرات الثلاث لم تكن تسمح بذلك . حجرة لكما - رئيفة وأنت - والثانية ، والثالثة للسفرة ، والصالة للاستقبال ...... لما نظرت - للمرة الأولى - من نافذة الطابق الثاني عشر ، أحسست بدوار ، وما يشبه الميل إلى إلقاء نفسك . أدركت أنك تعاني عقدة الخوف من الطوابق العليا ..
اكتفيت - في الأيام التالية - بالنظرة الخاطفة السريعة . ثم ألفت المشاهد دون أن تشعر بالدوار، أو بالميل إلى إلقاء نفسك ، أو تغادر موضعك ..."(5)
ويسرد - الراوي - علاقاته المختلفة: بالأصدقاء .. كيفية تعرفه على زوجته، الخلافات في الرأي مع أولاده، والهوة بين الأجيال: رضوخه ؛ لرغبة ابنته إيناس ، الزواج من زميلها ياسر ؛ رغم اعتراضه على ذلك:
" - زوجتك ابنتي!
قال بهجت عبد المنعم العبارة ، ويدك في يده تحت المنديل الأبيض .
- وأنا قبلت .
رددت العبارة خلف المأذون المعمم . قدم من دكانه الخشبي الصغير قبالة أبو العباس . الجلسة مختلفة. اختلف المأذون فهو يرتدي البنطلون والقميص. لم تختلف العبارتان : أزوجك ابنتي ، وأنا قبلت. شعرت - وأنت تردد ما قاله المأذون - بطعم المر في شفتيك . اصطدم رفضك بأفق غائم. تحدثت رئيفة عن الخطر الذي تلوح نذره ، وبكت.. كتمت الرفض ، والألم في داخلك . وضعت ما يجري في إطار الفرجة . تشارك بما أذنوا لك به : أزوجك ابنتي ! . تطلب من ما لا توافق على أن يطلبه ، لو أنه هو الذي ردد العبارة الأولى وراء المأذون . إذا كانت إيناس قد لوحت - بإيعاز ياسر - إلى ما لم يدر لك ببال ولا تصورته ، فإن الشاب هو الذي يجب أن يردد العبارة : زوجني ابنتك!. ترد بالموافقة أو الرفض . لكنك عرضت ما ترفضه ، ومنحك ياسر موافقته!"(6)
وهجرة ابنه هاني ، وعدم الالتفات إلى نصائحه بعدم السفر ، والبحث عن فرصة عمل أخرى:
" قال هاني:
- حصلت على شهادة التجنيد مقابل حصولي على بكالوريوس التجارة..
ثم في لهجة باترة :
- من حقي الآن أن أرحل!
كان قد عرف البلد الذي يهاجر إليه ، وأنهى كل أوراقه . الموعد وحده هو ما أبلغنا به . تستطيعون وداعي على باب الشقة ، أو في المطار ..
وهو يحاول السيطرة على ارتعاشة صوته:
- حتى لا أتعبكما ، يكفي الوداع في الإسكندرية .."(7)
ولقد بث في ثنايا الرواية ، لمسات سياسية خاطفة ؛ ولكنها دالة: "ولدت بعد عام واحد من ثورة 1919، وكنت في السابعة حين توفى سعد زغلول . أحدثت تطورات الفترة تأثيراتها في نفسك . الوفد هو الحزب ... ثم تبدلت المشاعر بمعارك الزعامات ، وإلغاء دستور 1923 ، والقمصان الزرقاء ، والقمصان الخضراء ، والقمصان الصفراء ، وتزييف الانتخابات ، وخيانات الأحزاب ، والأزمة الاقتصادية ، وتدخل قصر الدبارة ، والحرب العالمية الثانية ، وحادثة 4 فبراير ، وحرب فلسطين ، ومعارك القناة ، وثورة يوليو ، وعدوان 1956، ونكسة 1967، وحرب الاستنزاف ، وحرب أكتوبر.."(8)
نجح الكاتب في التعبير عن خلجات - الراوي - وما تعتمل الشخصية من مشاعر : " زاد إحساسك بالوحدة . غلبك التأثر . تمنيت لو تذهب إلى مكان بعيد ، يخلو من البشر تماماً . تتمدد على رمال الشاطيء . تأثر الأمواج . تغطيك ، تغسلك ، تنحسر . تعود لتغطيك ، وتغسلك إلى ما لانهاية .
تضيء النور ، وتعيد تأمل ما حولك : الأثاث الستائر ، المكتبة ، التليفزيون ، النوافذ ، الشرفات . تلاحظ الشقوق الواضحة في السقف والجدران ، والتكوينات التي صنعها تساقط الطلاء.
تنظر - بآلية - إلى ساعة الحائط ، تحت إفريز السقف . الحادية عشرة وخمسة عشرة دقيقة . أكثر من ساعة لم تذهب للتبول..
تنفخ بتلقائية . تمضي إلى النافذة دون أن تتوقع ما ستطالعه . مجرد حركة لم تتدبرها . تسقط احتمال الخطوة التالية ..
كانت حركة الطريق قد هدأت ، وشحبت الأصوات المتصاعدة من أسفل . وكان الظلام قد ابتلع البحر. لا مرئيات سوى نقاط ضوء متناثرة في بلانسات بعيدة . وثمة توالي حركة الموج في مد وجزر متلاحقين ، وغابت أسراب النورس عن سماء الشاطيء."(9)

تتميز الرواية ، بالتقنيات السردية المختلفة ؛ فنجد: الكولاج ، القطع ، المونتاج الزمكاني ، المونولوج.. المزج بين الماضي والحاضر . لا يسير السرد على مستوى أفقي أو رأسي ، وإنما ينساب هنا وهناك ؛ ليعطينا رؤى - الراوي - بلغة متفردة : في اختيار المفردة اللغوية ، والتركيب اللغوي للجملة .. اقرأ هذه الفقرة : " يغطس قرص الشمس في البحر، وإن خلف بقايا ضوء شديد الاحمرار. ينطلق سرب من الطير في الأفق ، يواصل طيرانه حتى يتحول إلى نقطة بعيدة ، ما تلبث أن تختفي. ترين على المكان رمادية شفيفة ، تستطيل الظلال . تفترش مساحات من الطريق والبنايات ، ووميض بقايا أشعة الشمس ينعكس على النوافذ الزجاجية المغلقة . وغربان البحر تنعق ،وتصرخ ، وتزعق ، وهى تحوم فوق بلانس اجتاز حاجز الأمواج ، ودخل نصف الدائرة ما بين السلسلة وقايتباى . طوى الرجال الشراع ، وأعدوا المخطاف ."(10)
اللغة ، مكثفة ، رقراقة ، شفيفة ، تتواءم مع سيكولوجية الشخصيات ، والعالم المحيط بها؛ والذي برع في نسجها بمهارة وتفوق .. واختياره لأسماء الشخصيات ، كان اختياراً دقيقاً ، وحصيفاً - تأمل معي ؛ هذه الأسماء : رفعت ،رئيفة ، إيناس ، هاني ، مسعد، بدر...
ومما لا شك فيه ، أن الروائي المبدع / محمد جبريل ، برواية : حكايات الفصول الأربعة ، يكون قد أنجز عملاً إبداعياً - سامقاً - يضاف إلى المشهد الروائي العربي. وتعد - من ناحية أخرى - نقلة نوعية وكيفية في إبداعاته الروائية ، والمحلقة - دوماً - إلى آفاق جديدة..

هوامش:
1- محمد جبريل – رواية : حكايات الفصول الأربعة – ص 139، 140- دار البستاني للنشر والتوزيع- 2004.
2- مجلة : أنداء – العدد الثاني – 2001 – الهيئة العامة لقصور الثقافة – إقليم شرق الدلتا الثقافي – حوار مع الروائي الكبير / محمد جبريل – ص 5،4.
3- محمد جبريل – المصدر السابق – ص 13، 14.
4- محمد جبريل – المصدر السابق – ص 14.
5- محمد جبريل – المصدر السابق – ص 17،16.
6- محمد جبريل – المصدر السابق – ص 29.
7- محمد جبريل – المصدر السابق – ص54.
8- محمد جبريل – المصدر السابق – ص 49،48.
9- محمد جبريل – المصدر السابق – ص 101.
10- محمد جبريل – المصدر السابق – ص102.

د. حسين علي محمد
21-10-2006, 03:21 PM
من المحرر

بقلم: محمد جبريل
........................


الملاحظ ان زيارات المبعوث الأوروبي السنيور خافير سولانا إلي المنطقة العربية لا تأتي عفواً ولا مصادفة. ولا هي لسماع وجهة النظر العربية في ممارسات الكيان الصهيوني التي لم يعد تأثيرها السلبي يقتصر علي فلسطين. لكنه واضح وملموس في العراق ولبنان والسودان وغيرها من الأقطار العربية. أنت في كل أزمة عربية تستطيع ان تتبين بصمات الموساد والمؤامرات الصهيونية.
ما يشغل سولانا - في كل جولاته - ان ينقل وجهة النظر الإسرائيلية. فضلاً عن إملاءات حكومة اسرائيل. وعلي العرب - في المقابل - ان يتخلوا عن الارهاب. كأنهم - وليس الكيان الصهيوني - هم الذين تحول القتل علي أيديهم إلي ممارسات يومية. وكأنهم هم الذين يجاهرون بالتصفية الجسدية. وتدمير البيوت. والتهجير. ومصادرة حتي الأموال المودعة في البنوك!
لم تنفذ حكومة إسرائيل - منذ زرعت الدولة العبرية في المنطقة - قراراً دولياً واحداً. حتي القرارات الملزمة التي يصدرها مجلس الأمن بما يقارب الإجماع. يتكفل الفيتو الأمريكي بإسقاطها!
حتي استبيانات الرأي في الغرب الأوروبي. والتي تتناول تطورات الصراع في المنطقة العربية. تدين تصرفات إسرائيل. وتجد فيها باعثاً للتطورات السلبية التي تحياها المنطقة منذ عام 1947. إلي الآن.
أشفق سولانا من هذه العزلة التي تواجهها إسرائيل أمام الرأي العام العالمي. حتي الغربي منه. وجد في الرسوم الكاريكاتورية الهولندية. ثم في التصريحات المستفزة لبابا الفاتيكان. فرصة للحديث - مشفقاً - عن عزلة العالم الإسلامي في مواجهة العالم! أصبح المسلمون - وليس الكيان الصهيوني - في عزلة عن العالم!
ناقشت - من قبل - إصرار ساسة الغرب ان يجدوا في بلادهم تعبيراً عن المجتمع الدولي. أما دول العالم الأخري فإن كل ما تملكه ان تصدر - عبر الأمم المتحدة - قرارات غير ملزمة. فهي لا تساوي الحبر الذي سودت به!
إذا كان سولانا يتمم برحلاته إلي المنطقة - في أوقات المآزق الصهيونية - أدوار مبعوثي كونداليزا رايس. فإن تصريحه الأخير يكشف نياته تماماً. وحقيقة مساعيه. بحيث يصبح الجلوس إليه علي طاولة حوار. أشبه بمن يجلس إلي الشيطان. ليتلقي العظات!
فليحتفظ سولانا بقلقه لنفسه. وليتجه بعظاته إلي قادة إسرائيل. علهم يدركون ان الولايات المتحدة. ودول الغرب التابعة. قد تمثل بعض العالم. لكنها - بالتأكيد - ليست كل العالم.
......................................
*المساء ـ في 21/10/2006م.

د. حسين علي محمد
29-04-2007, 07:11 AM
محمد جبريل.. ومعنى الحرية

بقلم: زينب العسال
..........................

فى شهادته المنشورة فى مجلة "فصول" يقول محمد جبريل: "أنا مبدع مهموم سياسيا.. إنها سدى اهتماماتى الشخصية والإبداعية فى الوقت نفسه."
جبريل المهموم سياسيا والمعنى بتحقيق الحرية السياسية التى هى حق المواطنين فى المساهمة فى حكم الدولة.. يوسع من مفهوم الحرية، فالأهم عنده من الكتابة عن الحرية.. هو "أن أكتب فى حرية، وأن يغيب ذلك الرقيب الخارجى الذى يحذف ويصادر ويعتقل، إن لاحظ أن الكاتب قد شط فى رأيه، أو أعلن المعاداة، أو أن يغيب ذلك الرقيب الداخلى الكامن فى أعماقى..
هذا الهم السياسى يبين عن نفسه فى غالبية كتابات جبريل الإبداعية منذ كتابه الأول "الملاك" والذى نشره ولم يتجاوز سن الكاتب آنذاك خمسة عشر عاما بعبارة.. "أشياء ثلاثة كرست حياتى للدفاع عنها: الحق والخير والحرية.. وأرى أن التمتع بالحرية كفيل بأن يحقق الخير والحق.. هل يمكن للإنسان أن يشعر بإنسانيته إلا إذا كان حرا!.. وهل يمكن للإنسان أن يتمتع بالحرية إذا لم يتمتع بها الآخرون؟! إن مبدأ الحرية يلازمه بالضرورة علاقة الفرد الإنسان بالسلطة أيا كانت هذه السلطة.. سواء أكانت سلطة الحاكم أو سلطة الجماعة/المجتمع أو السلطة الأبوية.. البعض لا يرى وجود تعريف محدد للسلطة فإعطاء مفهوم للسلطة سيكون الأمر أكثر سلطوية.. فالسلطة متعددة الوجوه خافية وظاهرة.. من الممكن أن تكون سلطة مركبة.. متعددة.. ومتغيرة الوجوه.. "يمكن أن تعرف نفسها بكونها ذات أسماء عديدة، وتوجد فى كل الأمكنة والخطابات من الأسرة إلى الدولة، من التابو إلى الليبيدو، من العلم إلى الإيديولوجيا، من المستشفى إلى السجن، من العقل إلى الجنون، ومن المدرسة إلى الكنيسة.(1)
السلطة إجمالا قائمة فى كل خطاب نقوم به حتى ولو كان يصدر من موقع خارج السلطة وهى لها آلياتها المتعددة.
كان الحديث عن السلطة فى عصور ماضية لا يتم إلا عن طريق الرمز.. فيكون الخطاب على لسان الطير أو الحيوان أو يلجأ الكاتب إلى استخدام البلاغة. إن السلطة هنا تتعلق بالسياسة، لا تتعلق بمن يحكم بقدر تعلقها بكيف يحكم؟ (2)0
هذا المفهوم تشير إليه روايات "الأسوار" و"إمام آخر الزمان" و"من أوراق أبى الطيب المتنبى" و"قاضى البهار ينزل البحر" و"الصهبة" و"قلعة الجبل" و"الخليج" و"المينا الشرقية".
من الخطأ البالغ أن نقول إن العلاقة بين المصرى والسلطة سارت دائما فى خط واحد ثابت.. القهر من جانب السلطة والخنوع المطلق من جانب المصرى.. فقد حدثت على مدار التاريخ عدة ثورات شعبية فى مواجهة السلطة الغاشمة..
أعلن الإمام فى "إمام آخر الزمان" أن الإمامة منصب إلهى كالنبوة، فالأئمة عليهم نفس مسئوليات الأنبياء، وإن كان لا يوحى إليهم.. محمد جبريل يرصد بذكاء فكر الإمام الطاغية، فهو يصادر كل صوت سيعلو بالرفض لسياسته بأن هذه السياسة هى إلهام من عند الله فلا يحق للمسلم رفضه أو حتى مناقشته!.. تطلع الشعب إلى ظهور الإمام الحق "المهدى المنتظر" فكان أول ما فعله هو القضاء على المباذل "أغلقت دور السينما والملاهى الليلية أبوابها.. اقتصرت مواد الإذاعة والتليفزيون على البرامج الدينية والجادة وتلاوات القرآن الكريم.. أوقفت البنوك معاملاتها بالفائدة، ألغيت المدارس المختلطة، شجع على إنشاء الأسبلة والكتاتيب والمساجد.. خصص للعده يومين كل أسبوع فى مجلس عام.." هكذا كانت البداية وهى فى الغالب هكذا.. فإذا أمعنا النظر وجدنا أن بذور السلطة والتفرد بالحكم بادية لكل لبيب.. فهو الذي يقرر بالإغلاق وتحويل مسار البرامج.. التوجه للدعاية الدينية للنظام.. أى اصطباغ النظام بصيغة دينية واضحة. إعادة نظام قديم للتعليم أمام غلق المدارس المختلطة إيذانا بأن على المرأة أن تختفى ويتراجع دورها فى صنع المجتمع، ومن ثم لم نفاجأ بأنه يعيد النساء إلى بيوتهن وإلزامهن بالتزيى بالزى الإسلامى.. وفى خطوة أخرى للتفرد بالسلطة وإحكام قبضة النظام على مقاليد الأمور "اتخذ رجال أمن الإمام أماكنهم بين المصلين، فلا يصلون ولا يغادرون المسجد إلا وهو يغلق أبوابه.." فقد صار الوطن سجنا كبيرا للجميع. سلطة كهذه نجدها تهمل شئون الناس وأمور حياتهم.. يتفاقم الوضع على قسوة الحاكم الذى يهدد شعبه بالتنكيل والقتل لكل من يفكر فى المقاومة.. ورغم ذلك ترددت الألسنة وتساءل الناس: لماذا لا نقاوم؟!
يدين محمد جبريل أصحاب الرأى الذين يكتفون بالمناقشة ومتابعة أفعال الإمام بالاستهجان والاستنكار.. ولكن لا يتحول الموقف إلى فعل إيجابى ممثلا فى الثورة.. فهم ينتظرون أن يأتى إمام جديد بالحل.. ثم ترجع ريما لعادتها القديمة.. فيعم الفساد والمظالم.
ظهرت فكرة جماعية القيادة التى طالب بها صفوة العلماء والفقهاء المفكرين.. لم تحظ بقبول..
-أية جماعية وأية قيادة؟ النبوة ليست بالشورى.. فلماذا نطلب ذلك فى الإمامة، لقد أعطونى طاعتهم حين أعطونى إيمانهم بى.
انتقل الإمام من خلوته إلى قهوة السيالة.. مكانا شعبيا يلتقى فيه بعامة الناس.. لا يتحدث عن الدين والآخرة –فقط- بل يتحدث عن حياة الناس ومعاشهم.
ولكن هذا الرجل الذى أمل الناس فى إمامته يقتل ذات يوم.. ليظل السؤال قائما. هل لابد من الفرد الذى يقود الجماعة؟! ولماذا لا يحكم الناس أنفسهم؟!
يظل الشعب يعانى وتبدأ الثورة بالهمس.. ثم تعلو النبرة، ليعلو صوت الثورة هادرا فى كافة العواصم العربية والإسلامية، لقد دفع الحفناوى حياته ثمنا لتحرك الناس نحو حريتهم، كان موته هو المحرك الأول لتأخذ الجماعة المبادرة وتتحرك لاختيار من يقودها بينهم.
فى رواية قلعة الجبل تأخذ الجماعة دورها فى الوقوف ضد بطش وقهر السلطان خليل الحاج أحمد.. فالسلطان الذى اختلف النص فى الحديث عنه.. وتعددت الأصوات، وإن ظل الكاتب متعاطفا مع عائشة القفاص، متحدثا عن قضيتها بنوع من التعاطف الذى جمع أهل حدرة الحنة والمناطق المحيطة بها لتقف فى ثورة عارمة أمام بطش السلطان.. ما الحكاية إذن؟
-تعجب السلطان من امرأة مصرية من عامة الشعب.. يشرد زوجها أو يتخلص منه ومن والدها وخالها وكل من يتعاطف مع عائشة.. تبدو المسألة أنها خلافات بين الرواة فيما ذكروه فى شأن السلطان وحكايته مع عائشة.
"فاعلم أن السلطان خليل بن الحاج أحمد كان متدينا وعالما وفاضلا، عنى برفع التهارج، ورد الثوابت، وقمع المظالم ونصرة المظلوم وقطع الخصومات والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.. وكان له فى عقاب المفسدين اختراعات مهلكات وإن استمد أحكامه من مصادر التشريع الإسلامى..

هل يختلف السلطان خليل عن أى إمام ورع صالح.. غير أن حقيقة الأمر تضعنا أمام صورة أخرى رسمها الكاتب لهذا الرجل.. فقهره لم يعلن عنه مباشرة.. فقد استخدم سلطته فى اجتذاب عائشة للصعود إلى القلعة.. ثم التأثير على زوجها خالد عمار.. ووالدها.. فشلت المحاولة.. فكان البطش.. والتخلص من الخصوم بتلفيق التهم.. والتفنن فى العقاب الرادع!
لم يقف الأمر عند أهل عائشة بل امتد إلى كل شخص حاول أن يقف بجوارها أو لجأت إليه.. بدأ القمع بأناس عاديين واتجه إلى رموز فى السلطة ذاتها.. الخليفة لفقت له تهمة الخيانة، تحدث السلطان عن رسائل بعث بها الخليفة إلى أمراء البلاد يدعوهم فيها إلى مخالفة السلطان.. ثم تخلص من زوجته الأولى.. خرج الناس فى الأسواق والشوارع والعطوف ومضوا إلى قلعة الجبل، تجمعوا حول القلعة يدعون ويطالبون بعودة عائشة ونزولها من القلعة..
استجاب السلطان لثورة الشعب، عادت عائشة إلى منزلها فى حدرة الحنة، وفتح التجار حوانيتهم، وفتحت أبواب جامع الأزهر.. سكنت الفتنة..
إن المهادنة هى الطريق الذى سلكه السلطان خليل أمام ثورة الشعب.. لقد أوهم الرعية بأنه يستجيب لطلبهم.. تقرب إليهم.. خرج إليهم حيث كانوا.. يسأل عن أحوالهم ومعاشهم.. يتفقد المساجد ودور العلم ويتأمل بعناية تسوية الشوارع ونظافتها.
أختلف مع د.ماهر شفيق فريد فيما وصل إليه من أن هناك صوتين متجاورين فى رسم شخصية السلطان.. وقد أدى هذا إلى التباس القارئ.. والحقيقة أن القارئ مع مضيه فى قراءة الرواية سوف يكتشف بل يرسم صورة صادقة للسلطان خليل، وهى الصورة التى أرادها محمد جبريل وبث ملامحها، وهى صورة الحاكم الطاغية، فما صوت الراوى أو المؤرخ الرسمى إلا تأكيدا على تلك الملامح التى رسمها جبريل لهذا الحاكم الطاغية. فيقول الراوى "أشفقت على سيرته من تشويه الموتورين لها، ومؤاخذتهم المعيبة عليها، وإلباسها ثوب الفجاجة.. فبدا الكذب حقيقة" فسيرة الرجل بداية مليئة بالمظالم والأخطاء، وما كان على الراوى أو المؤرخ الرسمى إلا أن ينفى هذه الصورة. إن وظيفته تشير إلى وظيفة وسائل الإعلام التى تقوم بتجميل صور الحكام الطغاة.. فتقدمهم فى صورة مخالفة لما يعرفه الناس عنهم.
يصف إريك نبتلى الكاتب –أى كاتب- بأنه "متسائل، منشق، خارجى،متحرر، صانع للمشكلات فى حرب على زمنه، مأخوذ بذلك دائما، يقف إلى جانب الأفضل فى عصره، مساعدا إياه على فهم ذاته.
ويقول جبريل: "إن لى موقفا –أتصوره واضحا- من القضايا الإنسانية والاجتماعية، وهذا الموقف يبين ن نفسه فى أكثر من عمل قصصى وروائى، ثمة وشيجة تربط روايتى "الأسوار" مثلا بقضية التحقيق برواية "قاضى البهار ينزل البحر"، ربما تناولت الفكرة نفسها، الموضوع ذاته فى أكثر من عمل."
يحمل إبداع محمد جبريل ملامح المفكر القلق الذى يبحث دوما عن كل ما هو حقيقى وإنسانى فى هذا العالم، وهذه التيمة التى تفرض نفسها فرضا، فالأدب مهما اختلف النقاد فى تعريفه، هو إفراز فنى للأفكار التى تعتمل داخل أحشاء المجتمع المعاصر"! (3)
فى روايته "الأسوار".. يفتدى البطل الملقب بالأستاذ هؤلاء المعتقلين والذين نسيتهم السلطة، أو تناستهم التعبير الأدق. فالأسوار من بعيد –مدينة أسطورية.. كل ما بداخلها معزول عن العالم الخارجى، أبراج الحراسة من الأركان الأربعة، الممنوعات –ما عدا التقاط الأنفاس، تشمل كل شئ: الأفلام، والأوراق والصحف والراديو والمناقشات. فهى بقعة فى جزيرة رملية يحدها.. الأفق.. لا خطوط تليفون ولا قضبان قطارات ولا طرق رملية.
الأستاذ هو رجل انغمس بالتطورات السياسية فى بلده.. وهو يتمتع بذات مناضلة تحيا واقع الجماعة وتخلص لقضاياها.. أحبه الجميع على اختلاف مشاربهم السياسية فمنهم الوفدى والسعدى والإخوانى والشيوعى، والنشال والقواد وطالب الثأر والقاتل وبائع المخدرات".(4)
فى المعتقل ثمة مواجهة مباشرة للسلطة وآليات قهرها يتعرض لها كل المعتقلين.. قامت الثورة وأسفرت عن إرسال تلغرافين للحكومة لم يرض الأستاذ ولا الجماعة بتحسن الأوضاع، فالحرية لا تتجزأ (5)
شعرت إدارة المعتقل/ السلطة بأن هناك عقلا مدبراً يقود المعتقلين، عملت على التخلص منه، جندت العملاء من ذوى النفوس الضعيفة.. وجدوا فى حلمى عزت ضالتهم المنشودة، هددوه بافتضاح أمره.. نقل حلمى عزت الفكرة إلى الجماعة "بدت الفكرة اقتراحا مجنونا فى بادئ الأمر، لكن الليل البارد والأسوار والصحراء التى لا يحدها الأفق ولدغات العقارب والعذاب والغربة والحراس والوحشة والشوق والملل، ذلك كله جعل من الاقتراح المجنون –فى أقل من يوم- حلا مقبولا".(6)
إن القائد هنا هو واحد من الجماعة.. قدم نفسه فداء لأفكاره ومعتقداته، إنه يعلم بالمؤامرة منذ البداية، فقد دبر أمر الأوراق التى طويت على اسم واحد هو اسمه.. كان على الأستاذ منذ البداية أن يبث الوعى فى نفوس المعتقلين بأهمية الثورة.. والإعلان عن رفض واقعهم المهين داخل المعتقل.. ضحى الأستاذ بنفسه فى سبيل تحقيق مبادئه بالدفاع عن المظلومين حتى لو كانوا من القتلة والقوادين وتجار المخدرات.
إن المواجهة مع السلطة كانت شرسة وعنيدة دفع ثمنها المعتقلون، فإحرق الأستاذ المحرك الفعلى لهم فى مناهضة الظلم والقهر، وكان دافعا لهم لمواصلة النضال ورفضهم الاستسلام لإدارة المعتقل.. سمع صوتهم لأول مرة فكان انتصارهم وهزيمة السلطة أمام عزمهم.. إن الإشارات الدالة التى بثها محمد جبريل فى نسيج روايته وعلى لسان أبطاله، وعبر اقتباسات متعددة تؤكد على قيمة الفداء والتضحية وهى صلب علاقة المثقف بجماعته ومجتمعه.. "ألا تعلمون أنه خير لكم أن يموت رجل واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها" (يوحنا 11/50).
كانت العلاقة بين السلطة والمثقف علاقة يشوبها –دائما- التوتر، بدأت السلطة تعى مع العقد الثالث من القرن العشرين دور المثقف فى المجتمع، يكفى أن نشير إلى ترسانة هائلة من التشريعات المقيدة للحريات مثل قوانين المطبوعات، التشريعات المقيدة لحقوق الاجتماع والتجمهر والتظاهر، بل وتقييد التقاضى أحيانا واستحداث أنواع من القضاء الاستثنائى، بالإضافة إلى اللجوء –بصفة شبه مستمرة- إلى قوانين الطوارئ والأحكام العرفية".(7)
إذا كان الحال هكذا مع المثقف، هل ينتمى محمد إبراهيم مصطفى العطار إلى "قافلة المثقفين الذين عانوا من صلف السلطة، أمثال: على عبد الرازق وبيرم التونسى وسيد قطب وشهدى عطية.. ومجموعة المثقفين التى تم اعتقالها فى خريف1980.. بالطبع لا.. "فقاضى البهار" إنسان بسيط يعمل فى إدارة التخليص الجمركى لا يتعاطى السياسة وليس له أى نشاطات سياسية من أى نوع!.. فلماذا تطارده السلطة؟ وتوجه إليه التهم وحين تفشل فى إثبات تلك التهم تدس عليه "بقلوظة" الراقصة لتلفق له التهم وتراقب جيرانه وأصدقاءه وتسأل عن جميع من يحيطون به فى هجمة شرسة لتبحث عما يشينه ويدينه".( 8 ).
تتكدس التقارير ونتائج الملاحقات، وتقوم أجهزة الشرطة بمطاردة كل من له صلة بقاضى البهار سواء فى الماضى أم الحاضر، فهل وجدت السلطة فى صمت أو لنقل تجاهل الإنسان المصرى العادى حيال آليات قهرها وملاحقتها للفرد فى صور شتى من العنف والاضطهاد نوعا من المقاومة؟ هل انتهت السلطة من ملاحقة كل من له نشاط سياسى وقهره بزجه داخل السجون والمعتقلات فلم تجد أمامها إلا الإنسان البسيط المهموم بلقمة عيشه تكيل له كل الاتهامات وتوقع به فى حبائلها..
كان لقاضى البهار سمعة طيبة بين جيرانه وأهله، هل حنق أجهزة الأمن ضده جاء من حرصه على اقتناء الكتب السياسية والدينية والتاريخية، فقد تحسبت أن يقوم بدور ما.. أليس فى نظرها مثقفاً؟!
الحقيقة أن سيرة محمد قاضى البهار لا تشى بالمرة بوجود ما يعكر صفو العلاقة بينه وبين السلطة التى بطشت به وبأسرته ومعارفه وجيرانه.. تحولت حياة قاضى البهار بسبب ملاحقة أجهزة الأمن له إلى جحيم لا يطاق!
تنتهى الرواية بلغز اختفاء قاضى البهار.. لا يعنى الاختفاء الموت.. هل اختفاء محمد قاضى البهار يساوى اختفاء الإمام المنتظر إلى حين ظهوره؟ هل كان اختفاء قاضى البهار احتجاجا على كل هذا العنت ممثلا فى المطاردات وإدانة أجهزة الأمن للأبرياء أو المعارضين لها؟
إذا كان قاضى البهار لم يشعر بالدهشة لما يعانيه من مضايقات أجهزة الأمن له ولكل المقربين إليه.. فإن عادل مهدى يفاجأ باعتراف مساعد فى مباحث أمن الدولة أنه راقب الندوة لمدة ثلاث سنوات.. هذا ما حدث الضبط فى رواية "المينا الشرقية" التى تتناول خفايا الحياة الثقافية عبر الحديث عن ندوة أدبية يعانى من يتردد عليها من مشكلات متعددة، حيث تتشابك العلاقات وتتعقد فيما بينهم وبين أفراد المجتمع.
كان السؤال الهاجس الذى ظل يردده عادل مهدى.. ما دخل الندوة بالمباحث؟ وماذا فيها لتراقب؟ عانى عادل مهدى من الإحساس بالخوف، ظل يبحث عن هوية هذا المجهول الذى ظل سنوات ينقل التقارير عما يدور فى الندوة، وهل كانت التقارير صادقة، أم أضاف إليها.. من هذا "الشبح الذى ظل يرصد الكلمات والأفعال والإيماءات، لقد زرع الشك داخل نفس الرجل، فشرع فى تمزيق أوراقه وصوره.. وأجندة التليفونات!
لم تبطش السلطة/المباحث بالندوة، وإن ظل الهاجس قائما، من يكون المدسوس عليها؟
-إن ما قاله الرجل عمل روتينى.. فهذه مهمة المباحث أنها تراقب الكلمة والنص، فعلاقة السلطة بالكلام وثيقة جدا، ولذلك كانت السلطة تسعى دوما إلى حماية الكلمة بشتى الطرق، وفرض السكوت إما بالقمع المادى الذى يكشف عن عجز هذا الخطاب على التلاؤم مع النص.. ومن ثم تأتى المراقبة والعرقلة والمصادرة، والحبس وترديد مفهومات مضادة لخطاب النص تقوم بعملية التشويش والتضليل!(9)
هل كان ما تعرض له محمد الأبيض من معاناة سببا فى تعاونه مع أجهزة الأمن؟
-"تقدم الرجلان، ثنيا ذراعيه وراء ظهره، وسدد الثالث الواقف أمامه لكمات متوالية فى بطنه.. علق قدميه فى حبل مبروم متدل من السقف ورأسه فى أسفل.. توالت الضربات على القدمين المعلقتين. لم يشعر محمد الأبيض باليأس ولم يعن بتلك الممارسات وألوان التعذيب كى يعترف على جريمة لم يرتكبها..
-أعترف محمد الأبيض لعادل بأن القراءة وراء عدم شعوره باليأس حتى عندما منعوه من القراءة.. "كنت أستعيد ما أحفظه من قصائد وكنت أغنى أحيانا"!
ظل محمد الأبيض مطاردا.. يشعر بهذه المطاردة.. فكل تصرف مرصود.. هل يرصد تحركات كل من يعرفه.. هل كان محمد الأبيض الشخص الذى جاءوا بسببه إلى الندوة؟
اعترف محمد الأبيض أن الحادثة القديمة تشكل جثة هامدة يجرها.. "عاد محمد الأبيض إلى المينا الشرقية، والندوة والعمل والبيت، لكنه لم يعد إلى الحياة، حياته"!(10)
تظل للسلطة هيمنتها على حياة من اصطدم بها.. وعانى من آلياتها المتفننة فى الاستجواب والتحقيق والتعذيب.. فالإنسان قبل الملاحقة ومواجهة السلطة وقهرها يختلف حتى بعد مواجهتها.. يظل هناك شئ ما انكسر فى نفس هذا الإنسان الذى يحاول جاهدا لملمة شتات نفسه وخاصة إذا كان بريئا لا يعرف ما ارتكب من تهم أو جرائم.. لكن السلطة أبدا لا تعترف بخطئها وعجزها.. تظل تلاحقه إلى أن يعترف بما تريد له أن يعترف به.
فى نهاية رواية "المينا الشرقية" يوصى عادل مهدى أمه بنفسها.. ثم ينزل إلى هؤلاء الذين سألوا عنه منذ ساعتين! عادل هو واحد ممن تعرضوا لاضطهاد السلطة أيا كانت هذه السلطة، فهو يقف بجوار الأستاذ وبكر رضوان فى "الأسوار" ومحمد الأبيض فى "المينا الشرقية" وعائشة القفاص وخالد عمار زوجها فى "قلعة الجبل"، وقاضى البهار فى "قاضى البهار ينزل البحر".
هوامش:
1- راجع بارت
2- راجع عمر أوكان.. مدخل لدراسة النص والسلطة.. الناشر أفريقيا الشرق
3- د.نبيل راغب، مصر فى قصص كتابها المعاصرين، كتاب أصوات العدد24 إعداد د.حسين على محمد
4- رواية الأسوار
5- من حديث إذاعى أجرى مع الكاتب 15/1/1974
6- رواية الأسوار
7- راجع على فهمى، المصرى والسلطة، مجلة فكر فبراير 1985
8- د.حسين على محمد، صورة البطل المطارد فى روايات محمد جبريل، دار الوفاء ـ 1999.
9- راجع جولد شيلفر، نحو سيمياء الخطاب السلطوى، ترجمة مصطفى كمال، العدد الخامس، السنة الثانية، دار البيضاء 1987
10- رواية المينا الشرقية.

د. حسين علي محمد
29-04-2007, 07:12 AM
حوار مع روائي الإسكندرية محمد جبريل
حاوره: د. احمد زياد محبك - سورية
نقلاً عن موقع «عمَّـان» الإليكتروني
***
محمد جبريل روائي وقاص إسكندراني, عاشق للإسكندرية, منها يستمد معظم مواد رواياته, وعنها يكتب, كأنه نذر لها قلمه وحياته. هي في رواياته بريئة شفافة جميلة, أبطالها فيها يتحركون, وعبق بحرها ينتشر في كل الأنحاء. وهو كاتب صحفي, يشرف على القسم الأدبي في جريدة المساء, وله فيها زاوية يحررها كل يوم. وهو أخ كبير يلتقي مساء كل خميس مع ثلة من الأدباء الشباب في ركن جميل من مبنى نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروة في قلب القاهرة, يستمع إليهم ويرعاهم ويشجعهم, وفي بيته العامر يستقبل الصحب والأصدقاء. وهو في كل آن وفي كل مكان سمح وكريم وطيب وبريء, يمزح كطفل, ويتكلم عن خبرة وثقافة وسعة اطلاع, ويتحدث بذكاء وبحس نقدي حصيف, تحس وأنت معه أنك أمام إنسان تعرفه منذ ألف عام, وأنه يعرفك ويحبك.
كنت التقيت الروائي محمد جبريل في ندوة عن الرواية عقدت في طرابلس بليبيا قبل ستة أعوام, ولم يكن لقاء عابراً, وأول قدومي إلى القاهرة صيف عام 2002 اتصلت به فأسرع إلى زيارتي في شقتي المستأجرة بالقاهرة هو وزوجته الأديبة الناقدة السيدة زينب العسال.
وفي صيف القاهرة الجميل كان هذا اللقاء...
* في السؤال الأول صدمة وإدهاش, وسيتقبله مني الأستاذ محمد جبريل بحب, والسؤال: أنت متهم بغزارة الإنتاج, فهل هذا صحيح, وما معنى الغزارة عندك? وكيف تحققت? وهل فيها تنوع في المواقف والرؤى والأساليب والأنواع?
- الغريب أن الذين يوجهون هذا الاتهام هم من أبناء جيلي. وجه الغرابة أن ما أصدرته المطابع لهم يفوق - من حيث الكم - كل ما أصدرته لي. والحق أني اعتبر القيمة الفنية والموضوعية هي المقياس الوحيد للعمل الإبداعي, بصرف النظر عن غزارته أم قلته. فقد صدر للصديق صنع الله إبراهيم من الروايات - على سبيل المثال - ما لا يجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. بينما صدر لأستاذنا نجيب محفوظ ما يزيد على الأربعين رواية.. لكن إبداع كل من صنع الله ومحفوظ يلتقي في القيمة الفنية المؤكدة. ولا أريد أن اضرب أمثلة أخرى حتى لا اتهم بالمجاملة أو بالتجني, وان سهل علينا التعرف على عشرات الأمثلة.
إن محاسبة أي مبدع يجب أن تتجه لقيمة ما يكتبه وليس لكم ما يكتبه. وأصارحك بأن ما يشغلني من إبداعات أتوق لكتابتها يفوق كل ما صدر لي حتى الآن, فضلاً عن أن جهاز الحاسوب عندي - وليواصل أصحاب الاتهام عجبهم! - يضم تسع روايات أنهيتها وتنتظر الموعد المناسب لنشرها, إلى جانب الكثير من القصص القصيرة والمقالات التي يسميها البعض نقداً, واسميها قراءة إيجابية.
وبالنسبة لبقية السؤال فإني أكتفي بالإشارة إلى بعض ملامح مشروعي الإبداعي مثل عفوية الكتابة الإبداعية, ووجوب أن يعبر مجموع المبدع عن رؤية شاملة, أو فلسفة حياتية, تتضمن مواقفه في المجتمع والسياسة والميتافيزيقا وعلم الجمال, وكل ما يستند إلى موهبة الأديب, وثقافته وخبراته وتجاربه.
ولعله يجدر بي أن أشير إلى عامل مهم, لا يفطن إليه رواد مقاهي وسط البلد وهواة الثرثرة ودعاة قتل الوقت, في حين أن الوقت هو الذي يقتلنا...
إني أؤمن بجدوى النظام. انه يكفل مضاعفة الوقت, وإنجاز ما يصعب إنجازه في الفوضى والتكاسل, وإرجاء ما ينبغي التوفر على إتمامه.
*أنت صحفي, عملت في الصحافة طوال عمرك, وقد أخذت منك ثماني سنوات ونصف من التفرغ لها في عُمان, حيث أشرفت على صحيفة «الوطن», فكيف وفقت بين الصحافة والإبداع? وما أثر الصحافة في كتابتك وحياتك?
- سئل ارسكين كالدويل: هل العمل في الصحافة يساعد أو يعوق كتابة القصة القصيرة?... أجاب: لا أعرف شخصاً واحداً اضرّ به التمرين على الكتابة من أي نوع. إن الصحافة, فضلاً على أنها تفيد في التمرين الدائب على الكتابة, فإنها تساعد أيضاً على تكوين عادة الكتابة كل يوم. إن انتظار الوحي عذر قلّما تجده لدى المؤلفين الذين تمرسوا بالصحافة. وحتى الآن, فإن جارثيا ماركيث يحرص على العمل في الصحافة, ذلك لأن الصحافة - في تقديره - تحميه, وتحرسه, وتجعله متصلاً بالعالم الحقيقي. كانت الخبرات الصحفية - باعتراف ماركيث - وراء العديد من أعماله الروائية, مثل قصة غريق, حكاية موت معلن, نبأ اختطاف. بل إن رائعته «خريف البطريرك» استلهمها من تغطيته لوقائع محاكمة شعبية لجنرال أمريكي لاتيني اتهم في جرائم حرب...
لقد تبلورت خططي القريبة في ضرورة أن أظل في عملي بالصحافة, باعتبارها المهنة الأقرب إلى الكتابة الأدبية, وان احصل منها على مورد يتيح لي تلبية احتياجات العيش, فلا أنشغل بأعمال أخرى تنتسب إلى الكتابة, لكنها قد تصرفني عن القراءة والكتابة, وأن ألزم نفسي بنظام - مثلي فيه أستاذنا نجيب محفوظ - يحرص على الجهد والوقت. وأخيراً, أن يكون لي بيت زوجية, فلا تواجه مشاعري العاطفية ولا الحسية ما يمكن أن اسميه بالتسيب.
أذكر أني مارست في العمل الصحفي جميع أنواع الكتابة, كتبت الخبر والتحقيق والمقال والدراسة. أهب كل نوع ما يحتاجه من مفردات لغوية وصياغة وتقنية, باعتبار القارئ الذي أتجه إليه في ما أكتب. وبالتأكيد, فإن كاتب التحقيق الصحفي يختلف عن كاتب المقال الأدبي, واللغة القصصية تختلف عن لغة الصحافة. يسرت لي الصحافة سبل اقتناء الكتب التي تعجز مواردي عن شرائها جميعاً. فأنا اكتب في صفحة أدبية. في هذه الصفحة باب للكتب, فأنا اكتب عن كل كتاب يهديه صاحبه - أو ناشره - للجريدة, ثم أحتفظ به لنفسي, وأتاحت لي الصحافة مجالات ربما لم اكن أستطيع أن اقترب منها في الوظيفة العادية. سافرت إلى مدن وقرى داخل مصر وخارجها, والتقيت بشخصيات تمتد من قاعدة الهرم الاجتماعي إلى قمته, وبثقافات متباينة, وان لم يتح لي عملي في الصحافة امتيازاً من أي نوع. كانت جيرتي للشيخ بيصار شيخ الأزهر الأسبق, ولوزير سابق لا اذكر اسمه, مبعث اعتزازي بأني أجاور ناساً مهمين في غياب أصدقاء من السلطة. وحتى لا أبدو في موضع سيئ الحظ, فإني اعترف بحرصي على الوقوف في الطابور, فضلاً عن عدم ميلي إلى مصادقة السلطة, حتى لو تمثلت في اكتفائي باجترار صداقات أتيح لطرفها المقابل بلوغ مراكز متفوقة في السلطة. وكان عملي الصحفي, الحياة في الصحافة, الأحداث والشخصيات التي تعرفت - بواسطتها - إليها, وراء العديد من أعمالي الروائية, بداية من الأسوار - روايتي الأولى - وانتهاء بأحدث ما كتبت شمس مسقط الباردة, مروراً بالنظر إلى أسفل، وبوح الأسرار، والخليج ... وغيرها. بل إن الصحفي هو الشخصية الرئيسة في هذه الأعمال.
ولكن من المهم أن أشير إلى أن الصحافة قد ترضى بالكاتب قاصاً أو روائياً أو شاعراً في بعض الأحيان, لكنها تريده صحفياً في كل الأحيان. إنها تريده كاتب مقال أو تحقيق أو خبر الخ.. مما يتفق وطبيعة العمل الصحفي الذي يعد الأدب - في تقدير القيادات الصحفية - جزءاً هامشياً فيه. أُصارحك بأني نشرت روايتي "قلعة الجبل" في الجريدة التي أعمل بها. نقلت المسودات على الآلة الكاتبة, وصورتها, ونشرتها في جريدتي, فلم أتقاض في ذلك كله مليماً واحداً, في حين أن الزميل الذي يسبق الآخرين بخبر في بضعة اسطر, يتقاضى مكافأة تبلغ عشرات الجنيهات!.. وهذا كله يعد انعكاساً واضحاً, ومفزعاً, للنظرة إلى العمل الأدبي, وقيمته ضمن مواد العمل الصحفي.
الفن - الرواية والقصة على وجه التحديد - عالمي الذي أوثره بكل الود. أتمنى أن اخلص لهما - تجربة وقراءة ومحاولات للإبداع - دون أن تشغلني اهتمامات مغايرة. لكن الإبداع في بلادنا لا يؤكل عيشاً. ربما أتاحت رواية وحيدة في الغرب لكاتبها أن يقضي بقية حياته "مستوراً", أن يسافر ويعايش ويتأمل ويقرأ ويخلو إلى قلمه وأوراقه دون خشية من الغد, وما يضمره من احتمالات, لكن المقابل المحدد والمحدود الذي يتقاضاه المبدع في بلادنا ثمنا لعمله الأدبي يجعل التفرغ فنياً أمنية مستحيلة!!.. من هنا كان اختياري - الأدق: لجوئي - إلى الصحافة, فهي الأقرب إلى قدرات الأديب واهتماماته, وهمومه أيضاً.
ولعلي اذكر قول المازني لأحد الأدباء الذين عابوا عليه وفرة كتاباته: "ستقول إن المازني كان بالأمس خيراً منه اليوم, وانه ترك زمرة الأدباء, وانضم إلى زمرة الصحفيين, وانه يكتب في كل مكان, ويكتب في كل شيء, حتى اصبح تاجر مقالات, تهمّه ملاحقة السوق اكثر مما تهمّه جودة البضاعة.. أليس كذلك? ولكن لا تنس أن الأديب في بلدكم جبر على أن يسلك هذا السبيل ليكسب عيشه وعيش أولاده, وليستطيع أن يحيا حياة كريمة تشعره بأنه إنسان".
لذلك منيت النفس وأنا ارحب - متحسراً - بالسفر إلى سلطنة عُمان للإشراف على إصدار جريدة أسبوعية - تحولت إلى يومية فيما بعد - بأن أدّخر في الغربة ما يعينني على الإخلاص للفن وحده, لكن الأمنية ظلت في إطارها, لا تجاوزه. وكان لا بد أن اكتب في موضوعات تقترب من الفن أو تبعد عنه. وحتى لا افقد ذاتي في سراديب مجهولة النهاية, فقد فضلت أن تكون محاولاتي أقرب إلى ما يشغلني في الفن, وفي الحياة عموماً. وبصوت هامس ما أمكن فإن مصر - الموطن واللحظة والماضي والمستقبل - هي الشخصية الأهم في كل محاولاتي الإبداعية. ذلك ما احرص عليه, وما لاحظه حتى القارئ العادي. تعمدت أن تكون مصر: تاريخها, وطبيعتها, وناسها, ومعاناتها, وطموحاتها, نبض كتاباتي جميعاً. ما اتصل منها بالصحافة, وما لم يتصل, ما اقترب من الأدب وما لم يقترب. وكانت حصيلة ذلك كله - كما تعرف - عشرات الدراسات والمقالات التي تتناول شؤوناً وشجوناً مصرية بدءاً من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين" مروراً بـ"مصر من يريدها بسوء" و"قراءة في شخصيات مصرية" و"مصر المكان" إلخ... وانتهاء بما قد يسعفني العمر بإنجازه.
* أنت مثقف واسع الاطلاع, تشهد على ذلك مؤلفاتك النقدية, فقد كتبت عن مصر في قصص كتابها المعاصرين, ونلت عن هذا المؤلف جائزة الدولة التشجيعية عام 1975 كما وضعت كتاباً عن نجيب محفوظ, فما دافعك إلى الكتابة النقدية? وما جدواها بالنسبة إليك وأنت الكاتب الروائي? وما أثرها في إبداعك الروائي?
- ثمة حقيقة يجب أن نتفق عليها, هي أن النقد الذي يقيس الزوايا والأبعاد, ثم يصدر أحكاماً, ويدلل عليها, ليس محتوى كتاباتي التي تختلف عن إبداعاتي في الرواية والقصة القصيرة ولا غايتها. أنا لا اتخذ موقف الناقد الذي وصفه تشيكوف بأنه أشبه بذباب الخيل الذي يعرقلها في أثناء حرثها للأرض. إن الآراء التي أتوصل إليها, هي من قبيل الاجتهادات الشخصية التي ربما كانت أخطاء محضة.
القراءة حرفتي وهوايتي. وأنا اعتمد في قراءتي للكتاب أن أثبت أهم المعلومات التي يشتمل عليها, وآرائي في موضوعاته, وأضيف إليها حصيلة مناقشات مع صاحب الكتاب نفسه, سواء في موضوع الكتاب, أم في موضوعات يطرحها النقاش, ويتكون من ذلك بطاقات تكفي لإعداد كتاب, أقبل على تأليفه بروح المبدع وليس الناقد. ومنذ سنوات بعيدة, تحدد عالمي في جدران مكتبي. افرغ للقراءة بامتداد ساعات الصحو, والكتابة الإبداعية يصعب - إن لم يكن من المستحيل - أن تكون نبض عمل أيام متتالية. إنها تهد الحيل, تجعلك في لحظات الإبداع, وربما قبلها أو بعدها, كأنك لست أنت, كأنك أثقلت بما لا تقوى على حمله.
* ما رؤيتك للرواية? وما مشروعك الروائي? هل ثمة تصور لديك عن العالم? أو فلسفة ما تدافع عنها أو تدعو إليها? وما صلة ذلك بحياتك الشخصية?
- ما يغيب عن معظم إبداعنا العربي, وأتصور أنه لا بد أن يكون بعداً أساسياً في أي عمل روائي أو قصصي, هو فلسفة الحياة. والفلسفة التي أعنيها هي الرؤية الشاملة وليست الميتافيزيقيا وحدها. الميتافيزيقا بعد مهم, لكنها جزء من أبعاد الحياة الإنسانية جميعاً. تقول سيمون دي بوفوار "إن الرواية الفلسفية إذا ما قرئت بشرف, وكتبت بشرف, أتت بكشف للوجود لا يمكن لأي نمط آخر في التعبير أن يكون معادلاً له. إنها هي وحدها التي تنجح في إحياء ذلك المصير الذي هو مصيرنا والمدون في الزمن والأبدية في آن واحد, بكل ما فيه من وحدة حية وتناقض جوهري" ومع ذلك فإن الرواية التي أعنيها هي التي تعبر عن فلسفة الحياة, وليست الفلسفة بالمعنى الميتافيزيقي.
إن الأدب غير الفلسفة, لكنه - في الوقت نفسه - تصور للعالم, يرتكز إلى درجة من الوعي وإن صدر عن العقل والخيال والعاطفة والحواس.. طريقة الفيلسوف هي التنظير والتحليل والإقناع والصدور عن العقل, والاتجاه كذلك إلى العقل. أما طريقة الأديب فهي العاطفة والخيال والحواس, والصدور عن ذلك كله إلى المقابل في الآخرين من خلال أدوات يمتلكها الأديب, وتتعدد مسمياتها, كالتكنيك والتنامي الدرامي والحوار واللغة الموحية وإثارة الخيال, إلخ...
والحق انه ما من إبداع حقيقي يمكن أن يخلو - بدرجة ما - من فلسفة ما, وإن عاد الأمر - في الدرجة الأولى - إلى مدى قدرة المبدع في بث الحياة عبر شرايين الفكرة الفلسفية المجردة. وكما يقول شكسبير فليس المهم هو الأشياء, المهم وجهة نظرنا عن الأشياء. وأذكر بقول تين في كتابة الأشهر "تاريخ الأدب الإنجليزي": «إن وراء كل أدب فلسفة».
وطبيعي أن نظرة الكاتب إلى الهموم التي تشغله, موقفه الكامل منها, يصعب أن تعبر عنه قصة واحدة أو قصتان, لكننا نستطيع أن نجد بانورامية نظرة الفنان في مجموع أعماله, وفي كتاباته وحواراته التي تناقش تلك الأعمال. أعمال كاتب ما يجب أن تشكل وحدة عضوية ترتبط جزئياتها بأكثر من وشيجة, لأن رؤية الفنان لقضايا الإنسان الأساسية تبين عن ملامحها في ثنايا أعماله. التجربة الإبداعية - على تنوعها - تخضع لوجهة نظر شاملة, لفلسفة حياة تحاول التكامل, وإن استخدمت في كل عمل ما يناسبه من تقنية, والقارئ المتأمل يستطيع أن يتعرف إلى المبدع, في مجموع ما كتب.
إن الأدب هو الأسبق دائماً في النظرة, في محاولة استشراف آفاق المستقبل. إنه يسبق في ذلك حتى العلم نفسه. وكما يقول كافكا: "فإن رسالة الكاتب هي أن يحول كل ما هو معزول ومحكوم عليه بالموت إلى حياة لا نهائية. ان يحول ما هو مجرد مصادفة إلى ما هو متفق مع القانون العام. إن رسالة الكاتب نبوية". كانت القيمة الأهم لإبداعات تولستوي هي الترديد المستمر للأفكار العامة, للنظرة الشاملة, لفلسفة الحياة, في مجموع تلك الأعمال. وكان ذلك هو الذي أعطى أعمال تولستوي - كما يقول ادينكوف - تكاملاً وتماسكاً داخلياً. وكما يقول تولستوي, فإن الكاتب الذي لا يمتلك نظرة واضحة, محددة وجديدة للعالم, ويعتقد أن ذلك بلا ضرورة, لن يستطيع تقديم عمل فني حقيقي. أما همنجواي فقد تمحورت رؤيته الحياتية في أن العالم قادر على تحطيم أي إنسان, لكن كثيرين يستعيدون قواهم, وينهضون. والإنسان - في فلسفة كامي الحياتية - يكتشف عبثية الحياة, لا معقوليتها, وليس بوسعه إلا أن يتحدى كل شيء في هذا العالم. وباختصار, فإنه لكي يحيا الإنسان يجب عليه أن يبقي على شعور العبث في داخله كي يستمد منه طاقة التحدي اللازمة. والأمثلة كثيرة.
* للإسكندرية مكانة في نفسك وفي رواياتك, فما سر هذا العشق للمكان والإنسان في الإسكندرية? ما رأيك بالإسكندرية نفسها ماضياً وحاضراً? هل هي لديك ماض أو حاضر أو مستقبل.
- حي بحري بالإسكندرية - السيالة والانفوشي ورأس التين - هو الموطن الذي شهد طفولتي ونشأتي, وهو المكان الذي تمنيت أن اكتب عنه, بكل ما يشتمل عليه من تمايز في خصائص الحياة وسلوكياتها.
إن صورة الحياة في الأحياء الشعبية في الإسكندرية لا تختلف كثيراً عن صورة الحياة في الأحياء الشعبية في القاهرة والمدن المصرية الأخرى .. لكن السمة الأهم لصورة الحياة في بحري هي الصلة بين اليابسة والبحر.. البحر بكل ما يمثله من حكايات البحر والصيادين والنوات والسفر إلى الموانئ القريبة والبعيدة.. واليابسة بكل ما تمثله من اعتماد على الحياة في البحر, بداية من حلقة السمك, وتواصلاً مع غلبة الروحانية, والإيمان ببركات الأولياء, والحياة من رزق البحر سواء ببيع السمك, أو العمل على السفن الصغيرة والبواخر الضخمة.
على اليابسة مجتمع بحر بكل ما تعنيه الكلمة. ثمة صيادون وعمال في الميناء وبحارة وموظفون وشركات للملاحة والتصدير والاستيراد.
حي بحري هو اصل الإسكندرية. هو راقودة, وفاروس, والمساحة من الأرض التي تشكلت منها - قبل التاريخ المكتوب - مدينة الإسكندرية الحالية.
وإذا كان الاسكندر المقدوني قد أطلق اسمه على المدينة القديمة, فإن ذلك لا يعني غياب الحياة عن المدينة قبل أن يصل إليها, ويأمر مهندسه دينوقراطيس بالقول: أريد أن ابني عاصمة ملكي هنا! أراد أن يبني عاصمة ملكه في موقع مدينة كانت قائمة بالفعل, وإن أتاح لها التخطيط أن تتسع, وتتطور, وتصبح عاصمة العالم القديم.
أزور بحري بين كل فترة قصيرة وأخرى: المرسي أبو العباس وياقوت العرش والبوصيري وحلقة السمك وورش المراكب ومرسى الميناء الشرقية وقلعة قايتباي والميادين والشوارع والأزقة التي تصنع جواً يفيض بالروحانية, من خلال الجوامع الكثيرة, ومظاهر الحياة الدينية بعامة.. ويفيض كذلك بالحس الشعبي الذي ظل على تماسكه, وعلى معتقداته وتقاليده, وبالذات في العقود التي دانت فيها المدينة لسطوة الأجانب, فتحولت إلى مدينة كوزموبوليتية بمئات الألوف من الأجانب, بينما افتقد العنصر الوطني انتماءه إلى مدينته.
* لك موقعك المتميز في خريطة الرواية العربية, وأنت تعرفه من غير شك, فما رؤيتك للواقع الروائي في مصر وفي الوطن العربي? وما تصورك لمستقبل الرواية? وكيف يمكن أن تتجه وإلى أين يمكن أن تسير? ولا سيما في ضوء الروايات الجديدة كالرواية التاريخية ورواية الحداثة وما بعد الحداثة?
-أشكرك على رأيك في شخصي الضعيف, ورأيي أن الرواية تشهد الآن ازدهاراً ملحوظاً على مستوى العالم العربي. ولا أكون مغالياً لو قلت إن المكانة التي تحتلها الآن رواية أمريكا اللاتينية تستحقها الرواية العربية كذلك. إنها إبداع متفوق بكل المقاييس. وحين نال نجيب محفوظ جائزة نوبل فهو لم يكن - كما ادعت مستشرقة إسبانية - واحة في صحراء مجدبة, إنما هو مبدع كبير ضمن حركة إبداعية خصبة ومثمرة, متصلة الحلقات والأجيال, تجد بدايتها في قصة الأخوين الفرعونية - أول قصة في التاريخ - تتواصل مع عشرات المعطيات في التراث العربي, وحتى زمننا الحالي الذي يطلق عليه البعض تسمية زمن الرواية. وظني أن هذا الازدهار الذي تحياه الرواية سيظل صورة المستقبل. دليلي أن الرواية هي الجنس الأوفر حظاً في إبداعات الأجيال الحالية المختلفة. وقد طالعتنا - في الأعوام الأخيرة - أعمال روائية كتبها شعراء ونقاد وفنانون تشكيليون.
أكرر: إن إبداعنا الحديث يتوازى في القيمة مع إبداعات أمريكا اللاتينية, وهي الإبداعات التي تحتل الآن موضع الصدارة في الأدب العالمي. المشكلة ليست في القيمة, لكنها في الثقة بالذات, وفي الاستراتيجية التي تحرص على تصدير - ومعذرة لرداءة التعبير - الأفضل والأصلح, وليس إبداع التربيطات والمجاملات والشللية.
* لقد حققت الرواية العربية حضوراً واضحاً, في معظم أقطار الوطن العربي, وقدمت تقنيات فنية متطورة, كما واكبت تطور الواقع العربي, فهل يمكن أن تصل الرواية العربية إلى مستوى العالمية? وأين يمكن أن تضع الرواية العربية في خريطة الرواية العالمية?
- بالمناسبة: متى, وكيف, يكون للإنتاج الثقافي العربي موقعه المتميز على خريطة الإنتاج الثقافي العالمي? للأسف, نحن نقصر الإبداع العالمي على ما تنتجه أوروبا والولايات المتحدة. والصورة الحقيقية تختلف عن ذلك تماماً. إن الإبداع العالمي في أعلى مستوياته نتابعه في إبداعات أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا, وفي شرقنا العربي.. لكننا - كما أشرت - ندين بأحادية النظرة. ما يأتي من الغرب وحده هو الذي يسر القلب. وقد استطاعت أمريكا اللاتينية أن تتخلص من طغيان المنتج الثقافي الأمريكي, ليس في الرواية والقصة القصيرة فحسب, وإنما في السينما والمسرح والفن التشكيلي وغيرها من الأجناس الأدبية.
البعض يؤثر الاتكال على منجزات الثقافة الغربية باعتبارها التعبير الصحيح عن الثقافة العالمية بعامة. في إهمال - عفوي أو متعمد - لثقافات أكثر تفوقاً, وأكثر تعبيراً عن الهم الإنساني في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا, فضلاً عن ثقافة المنطقة العربية بل ما يميزها من خصائص, وهي تؤثر في الثقافات الأخرى وتتأثر بها, ليشكل مجموع الثقافات ما يمكن تسميته بالثقافة العالمية. واعتبار الثقافة الغربية هي الثقافة العالمية خطأ معيب, نملك تصويبه بالترجمة عن آداب العالم دون لغة وسيطة, والتعرف على فنون العالم وفكره وإبداعاته, فلا يقتصر ذلك على لغة بالذات, ولا مناطق في العالم بعينها. وفي المقابل, فإن منتجنا الثقافي يجب أن يتجه إلى كل العالم باعتباره تعبيراً عن ثقافة مميزة, هي جزء من الثقافة العالمية ككل.
الثقة بالذات, والإبداع الذي يصدر عن الذات والذي يستند إلى التراث, ويفيد من تيارات العصر, هو تجربتنا المطلوبة, الوحيدة.
وان يكون للإنتاج الثقافي العربي موقع متميز على خريطة الإنتاج الثقافي العالمي, فهذا هو ما يطمح إليه كل المبدعين والمثقفين العرب. وهو طموح ينطلق من مشروعية مؤكدة.
والحق أن موضع الإبداعات العربية على خريطة الثقافة العالمية لا يجاوز بالنسبة للمبدعين العرب - حتى الآن - الطموح أو الأمنية. أما الموضع الفعلي, المكانة التي يستحقها بالفعل, فذلك ما يخضع لاعتبارات عديدة, في مقدمتها الاعتبارات السياسية, بحيث يمكن القول - ببساطة - أن الخريطة الإبداعية العالمية تحتاج إلى مراجعة شديدة, تحرص على التأمل والمناقشة, ومحاولة التوصل إلى الصورة الصادقة.
* الرواية العربية هي بشكل ما تعبير عن الواقع العربي, وهو واقع مؤلم, يعاني من إحباطات كبيرة وكثيرة, ومن توقعات إجهاض حضاري ومعرفي, فما رؤيتك للواقع العربي وللمستقبل العربي, وأنت من مثقفي العصر وشاهد عليه? هل تحلم مثلاً بكتابة رواية تعبر عن هذه الرؤية المستقبلية?
- من الأعمال التي أتممت كتابتها رواية عن أعوام الوحدة بين مصر وسورية من خلال بنسيون يسكن فيه طلبة من أقطار عربية مختلفة. لقد حاولت فيها أن أُعبِّـر عن رؤيتي لأحوال امتنا العربية, من خلال رؤية لا تنظر إلى الكوب نصف الممتلئ, ولا الكوب نصف الفارغ, إنما هي رؤية تستند إلى معايشة حقيقية ومتابعة. والمقولة التي ربما تعبر عنها هذه الرواية أن مشكلة الوطن العربي هي عدم المشاركة السياسية من مواطنيه, ومثقفيه بخاصة, مما يفضي إلى غياب الانتماء والمثل الأعلى والمشاركة, وغلبة الإحساس الفردي أو الإحساس القبلي الذي لا يطمئن إلى القومية, وتحول الديمقراطية إلى أمنية نتحدث عن تطلعنا إليها, لكن الطريق الحقيقية إليها مسدودة بالعديد من العوائق, وجميعها من صنع الحكام, ولا أزيد حتى لا يدفع السائل ثمن صراحتي.
إن مشاركة المواطن في صياغة واقع وطنه ومستقبله, سيبدل الصورة تماماً, بحيث يصبح المواطن مواطناً وليس رعية!
* ما رأيك في المعوقات التي يواجهها الكتاب العربي, ووسائل انتقاله بين أقطار الوطن العربي المختلفة?
- المعوقات كثيرة, أهمها غياب الديمقراطية والحرية وغيرها من الأبعاد التي تعد ضرورة للإبداع. ثم الخلط بين الثقافة والإعلام, وربما الإعلان, والنظرة المتدنية إلى الكلمة قياساً إلى الوسائل الأدائية الأخرى. ولعلي أشير إلى اللا مقابل الذي يتقاضاه المثقف المتحدث في وسائل الإعلام, يتقاضى هو هذا المقابل. فضلاً عن وجوب تحرير قوانين النشر والاستيراد والتصدير من كل المعوقات التي تواجهها صناعة الثقافة, بينما يتقاضى معلق كرة القدم في مباراة واحدة بضعة آلاف من الجنيهات. كذلك فإن النظرة إلى الكتّاب يجب أن تتبدل تماماً, بحيث تنعكس تلك النظرة على قوانين النشر والتصدير, فلا يدفع المبدع مقابلاً لنشر كتبه, بدلاً من أن يتقاضى ثمن الكتاب.
* للمرأة مكانة متميزة في رواياتك, وفي حياتك, ونخص بالذكر الزوجة الوفية السيدة زينب العسال, وهي أديبة وناقدة وباحثة, لها حضورها في الساحة الأدبية, فما دور السيدة زينب العسال في حياتك وفي أدبك? وما دورك أيضاً في أدبها وحياتها?
- لزينب العسال في حياتي أدوار متعددة, فهي صديقة وزوجة وناقدة لأعمالي قبل أن ادفع بها إلى المطبعة, ولأنها أخذت نفسها بصرامة من حيث الدراسة والممارسة, فنالت العديد من الدبلومات, كما حصلت على درجة الماجستير, وتعد الآن رسالة الدكتوراه, ونشرت العديد من الدراسات في الصحف والدوريات. لذلك كله فإني لم أعد أتابع زينب في المؤتمرات والندوات التي تشارك فيها. غاب قلق الأعوام الأولى, وتحريضي لها على أن تصبح واحدة من أهم ناقداتنا, فذلك ما حدث بالفعل.
إن دوري في حياة زينب العسال الآن يقتصر على قراءة ما تكتبه, وإبداء الملاحظات التي لا ألح في أن تعمل بها, فمن المهم أن تكون لها وجهة نظر, وأن تعبر عنها, وأن تحتمل - في الوقت نفسه - نتائج ما تكتب!
* في نهاية هذا الحوار أود أن أسألك: وماذا تقول للشباب? جل المستقبل وحاملي الأمانة, والأمل?
- ماذا أقول للشباب? أترك لك الرد على هذا السؤال, فقد رأيت ندوتي الأسبوعية في مقر نقابة الصحفيين, وشاركت فيها, ولك فيها رأي.
(يسعدني أن أقدم شهادتي في ندوتك, فقد رأيتك ترعى الأدباء الشباب وتشجعهم وتصغي إليهم باهتمام كبير, وتترك لهم حرية التعبير والنقد, ضمن معايير الاحترام والتهذيب والتقدير, ورأيت لديهم حساً نقدياً متطوراً فهم يدركون مسؤولية الأديب عن التجديد ومواكبة العصر في التقنية والبناء وفي الهموم والمشكلات, ويرفضون الاجترار والتقليد, وأنت تشجعهم وتؤديهم, ولا تصادر آراءهم, ولمست لديهم عطاء إبداعياً يرقى في كثير من الحالات إلى مستوى رفيع جدير بالاهتمام, ومما لا شك فيه أن أسماء لامعة لأدباء سوف تظهر من خلال ندوتك, إن لم يكن بعضها قد ظهر فعلاً وحقق حضوره الأدبي المتميز, ولا شك في أنك تقول للشباب أهلاً بكم وأنا معكم والمستقبل لكم, ولكنك أذهلتني, فقد حولتني في النهاية من سائل إلى مجيب, ومن محاور إلى متحدث).
عناوين فرعية
القيمة الفنية والموضوعية هي المقياس الوحيد للعمل الإبداعي بصرف النظر عن غزارته أو قلته
لقد تبلورت خططي القريبة في ضرورة أن أظل في عملي بالصحافة باعتبارها المهنة الأقرب إلى الكتابة الأدبية
أنا لا اتخذ موقف الناقد الذي وصفه تشيكوف بأنه أشبه بذباب الخيل الذي يعرقلها أثناء حرثها للأرض
الرواية العربية تشهد الآن ازدهاراً ملحوظاً على مستوى العالم العربي.. إنها إبداع متفوق بكل المقاييس .

د. حسين علي محمد
29-04-2007, 07:13 AM
محمد جبريل: إننا نحن المثقفين من يصنع الطاغية فهو لا ينشأ من فراغ

الكاتب المصري لـ«الشرق الأوسط»: حياتنا الثقافية تحكمها المصالح والشللية، ولا يهمني أن أصنف في فلك جيل ما


القاهرة: محمد أبو زيد
........................

تشكل الاسكندرية هاجسا رئيسيا في جميع أعمال الكاتب المصري محمد جبريل بشوارعها وناسها وعاداتها.
وفي هذا الحوار يتحدث الروائي محمد جبريل عن هذه المدينة، وعن علاقته بنجيب محفوظ التي يؤكدها فيما ينفيها الآخرون وعن جيل الستينيات الذي ينتمي اليه فيما يستبعده البعض من هذا الجيل، وعن 42 عملا ادبيا له تتنوع بين القصة والرواية والنقد والسيرة الذاتية أهمها «رباعية بجري، الحياة ثانية، زمان الوصل، الشاطئ الآخر، ما ذكره رواة الأخيارعن سيرة الحاكم بأمر الله هل قاضي البهار ينزل البحر، حارة اليهود، الخليج، زوينة» وغير ذلك:
* تبدو الاسكندرية هي الهاجس الرئيسي في كتاباتك فهل كتبت عنها بحكم المولد، أم لدافع آخر؟
ـ بعيدا عن أى مصطلحات أو أي تعبيرات أدبية وبلاغية فأنا أكتب عن الاسكندرية لأني أجد نفسي أكتب عن الأسكندرية، أنا تركت الاسكندرية من أكثر من أربعين عاما، وأتردد عليها في زيارات متقاربة ومتباعدة وأشعر في كل الأحوال بأني حين أفارقها لا تفارقني، انها تسكنني، وهذا هو التعبير الدقيق من دون أدنى مبالغة، ثمة احداث لرواياتي تدور بعيدا عن الاسكندرية لكن الاسكندرية تخضعني لمشيئتها لمكانها، فيتحول المكان من دون أن أدري الى الاسكندرية.
* كتب الكثيرون من المصريين عن الاسكندرية مثل ادوار الخراط، وابراهيم عبدالمجيد، سعيد سالم وجمال القصاص، وكان لكل واحد منهم منطقة تخصه، باعتقادك ما هي المنطقة التي تخصك بعيدا عن هؤلاء؟
ـ منطقة بحري لأنها منطقة الطفولة والنشأة، وان كان ثمة مغايرة ولا أقول تميزا فهي اني كتبت عن ارتباط اليابسة بالبحر، فشخصيات اعمالي الابداعية من الصيادين وباعة السمك; وعمال الميناء والعاملين بالتصدير والاستيراد وجنود السياحل وكل ما له علاقة بالبحر وكل من يتعاملون مع البحر ويقيمون في اليابسة.
* لكن هناك آخرين كتبوا عن هذا أيضا ؟
ـ ربما، ولكن المسألة ليست أساسية بالنسبة لهم مثلي، فانعكاس البحر على اليابسة وانعكاس اليابسة على البحر يبدو واضحا لدي لسبب بسيط هو اني نشأت في هذه البيئة التي تربط الاثنين، فبمجرد ان أصعد على سطح بيتنا أشاهد البحر من ثلاث جهات تشكل قوسا مع المينا الشرقية، والانفوشي والمينا الغربية، بالاضافة الى طبيعة الحياة نفسها مثل حلقة السمك وكل ما يتعلق بالبحر، وبازعاجاته والنوات وغيرها فضلا عن خاصية أخرى لا يمكنني أن أغفلها وهي الجو الروحي الذي يمثله تعدد المساجد والزوايا والحياة الدينية في الحياة.
* يبدو الهاجس السياسي واعتماد الخلفية السياسية في جميع اعمالك واضحا.. لماذا؟
ـ لأني مهموم سياسيا.
* وهل معنى هذا أن تكتب سياسة في الابداع؟
ـ أنا لا أكتب في السياسة ولا ألحظ هذا، وانما أكتبه بعفوية وهناك مجموعة عوامل ساعدت على هذا، منها انني تعلمت القراءة من الصحف وبالضرورة في الصحف سياسة، وهذا اثر علي فيما بعد، ثم عملي بالصحافة لاحقاً. وقد أتيح لي على فترات متقاربة ومتباعدة أن أصادق واتعرف على أصحاب اهتمامات سياسية يمثلون كل التيارات الدينية وقنواتي المفضلة في التلفزيون هي قنوات الاخبار، وقد سأل سقراط أحد الأشخاص ماذا تفعل، فقال أعيش، فقال سقراط، والبهائم تعيش، وأنا لا أريد أن أعيش كالبهائم، أريد أن يكون لي موقف، ولو لم استطع التعبير عنه من خلال عمل ابداعي أكتبه كمقال في الصحف.
* يتهمك البعض بأنك لم تزل تكتب الرواية الواقعية الكلاسيكية ولم تتجه الى استخدام تقنيات الكتابة الحديثة مثلما فعل باقي جيلك، ما ردك؟
ـ من الصعب ان أقول هذا، وكل عمل أكتبه يختلف عن الأعمال التي سبقته وأنا من المؤمنين ان العمل يكتب نفسه، ولا ألوي ذراعه، وعادة أبدأ العمل الابداعي من دون ملامح واضحة، ومؤكدة وهو يكتب ملامحه أثناء تخلق الكتابة، حتى التكنيك يتخلف منذ البداية، فأنا لا أصطنع شكلا.
* لك روايات عن الاسكندرية وروايات تاريخية، ورويات صوفية، وفرعونية وسياسية، أقصد انك تكتب في كل اتجاه، من دون خط محدد، ما رأيك؟
ـ يحركني عاملان أثناء الكتابة: الحنين الى المكان، والحنين الى الزمان. الحنين الى المكان بشكل حي بحري بالاسكندرية بالأساس، فمعظم قصصي التي تتناول هموما انية تدور في حي بحري، ولكن احيانا لأني سافرت أماكن كثيرة يحركني الحنين عن أماكن خارجية من خلال عمل ابداعي فأكتبه. والعامل الثاني هو الحنين الى الزمان. عندما أحب ان أكتب عن فترة ما، أظل اقرأ فيها حتى أتوحد معها، ثم أكتب عنها لأني مؤمن انه لا بد للكاتب المعاصر من أن يصل نفسه بالتراث ولا يتصور ان الحداثة هي اجتثاث للتراث من أصوله.
* هذا يجعلني أسأل، هل تكتب رواياتك التاريخية نتيجة لقراءتك التاريخية؟
ـ الأساس الفكرة طبعا. عندما أشعر بأن شخصية ما تستفزني، أبدأ القراءة عنها، وعندما أبدأ الكتابة أكون قد مشيت في شوارع الفترة التي أكتب عنها، بين بناياتها، وأتحدث بلغتها، واستخدام مفردات معيشتها، بالاضافة الى أني أحاول في التكنيك أن استخدم المفرده بصياغة حديثة وأحاول أن أقيد من اسلوب السيرة والطرفة والنادرة وكل ما ينتمي الى التراث.
*إلام ترد الهاجس الصوفي وانتشار الأولياء والمتصوفة في رواياتك؟
ـ أكتب عن الصوفية لأن الحياة التي عشتها في الإسكندرية فرضت علي ذلك: الأولياء، والطرق الصوفية، والمساجد والمعتقدات الشعبية، فهذا البعد موجود في الحياة السكندرية، ومن المهم جدا أن أعبر عنه، وهو شكل من أشكال الواقعية السحرية كما يسمونها في اميركا اللاتينتية، وأنا أحب قراءة أدب اميركا اللاتينية، وما أكتبه قد يتفق معه، لكنه غير مصنف فالكتابة عن الصوفية، وخصائصها كالمشي على الماء والطيران واللجوء الى الأولياء الذين ماتوا منذ سنين يمكن أن يصنف على انه واقعية سحرية.
* رغم انك تنتمي الى جيل الستينيات، الا أن اسمك غير مطروح بقوة مع اسماء هذا الجيل، هل ترى انك مستبعد؟
ـ لست مشغولا بهذا الأمر ولم يصدر قرار جمهوري ولا أمر سماوي يحدد أسماء هذا الجيل. هم الذين اعتبروا انفسهم يشكلون هذا الجيل وهم الذين يوجه اليهم هذا السؤال. أنا أكثر كتاب الستينيات توزيعا، وأغزر الكتابات النقدية كتبت عني، وأكثر الرسائل الجامعية كانت عني. وأحد الاصدقاء راجع ما كتب عني، ذكر لي أن ما كتب عني أكثر ما كتب عن نجيب محفوظ حين كان في سني. وأنا لم أحرض أحدا على أن يدرسني أو يكتب عني، وأزعم انني متحقق على مستوى القارىء العادي، والاكاديمي والنقدي، وأما أن البعض يحاول التغييب أو التجاهل أو التعامل بمنطق الشللية فهذا لا يعنيني.
* يصدر لك كل عام كتابان الى أربعة، ألا ترى أن هذا كثير في ظل اتهامك بغزارة الانتاج؟
ـ المسألة هي اني قد أكتب رواية واحدة رديئة، وعشرة روايات جيدة، ويجب ان يعامل الأدب بالكيف وليس بالكم، ويجب قبل أن تحكم على أعمالي أن تناقشها، بالاضافة الى أن غيري من أبناء جيلي من يفوقني كما، ومشكلتي ان أعمالي ظهرت في أوقات متقاربة، لأن هناك تسع سنوات قضيتها خارج مصر، كتبت فيها ولم أنشر الا بعد عودتي، فضلا عن مقاطعتي للحياة الاجتماعية، رغم اني صحافي ولكني لا أمارس الحياة الصحافية بمعناها الحقيقي حتى ولو خرجت فاني آخذ في حقيبتي ما يقرأ، أندهش ممن يتكلم عن الغزارة وهو يقضي وقته في »الجريون« أو »زهرة البستان« أو فيما يسمى بالمستودع من الصباح حتى آخر الليل وأسأله، متى تقرأ ومتى تكتب!
* صدرت روايتك »الحاكم بأمر الله« في الوقت الذي سقط فيه نظام صدام حسين في العراق، وربط البعض بينهما ما رأيك؟
ـ الترابط في موعد النشر فقط، وأرفض الربط لأنني عندما أكتب عن شخصية معاصرة وأحاكيها، أتناولها كما يشاهدها هذا العصر. لست مؤرخا ولا عالم اجتماع، وأنما أحاول الابداع، وهو يشترط البعد الانساني الذي يعطي له الاستمرار والديمومة.
* قدمت تيمة الحاكم الظالم بنفس تفاصيلها في أكثر من عمل لك مثل »إمام آخر الزمان« و»سيرة الامام الحاكم بأمر الله« و»اعترافات سيد القرية« والعديد من قصصك القصيرة.
ـ أحاول أن تكون لي فلسفة حياة. هذه الفلسفة تتبدي في اعمالي كتنويعات على ألحان محددة منها على سبيل المثال:الانسان المطارد، والصراع العربي الاسرائيلي، وما لا استطيع التعبير عنه في اعمال الأدبية، أعبر عنه في مقالاتي الصحافية، وأنا أرى أننا نحن المثقفين من يصنع الطاغية، فالطاغية لا ينشأ من فراغ، المثقفون هم الذين يقومون بتأليه الحكام والباسهم هالات البطولة والزعامة، وفي رأيي أن الطاغية لا ينتهي بالصورة التي بدأ عليها، ولكن من يفيدون منه يحرصون على أن يصبح طاغية، وما أريد أن أصل اليه، أنني قد أكرر نفسي، ولكن الأمر بالنسبة لي فلسفة حياة، فضلا عن اختلاف التناول واللغة، والتكنيك من عمل لآخر.
* كتب سالم بنحميش أوخرون عن الحاكم بأمر الله، وكتبت أيضا. فيما أختلفت عنهم. وما رأيك في المقارنة التي اقامها أحد النقاد العرب بينك وبين بنحميش في هذا الصدد؟
ـ لم أقرأ الآخرين، وعرفت بعد أن انهيت روايتي أن سالم بنحميش حصل على جائزة عن هذه الرواية، وعندما قرأتها وجدت انها تأخذ خطا مغايرا، أنا أكتب عن فلسفة حياة. والمضحك ان هذا الناقد الذي أشرت اليه أقام موازنة بين بنحميش وبيني، وقال ان رواية بنحميش أفضل وأكثر فنية لأن عناونيها أكثر شاعرية، وبهذا المنطق يمكنني اعتبار محمد حسنين هيكل أفضل كاتب أدبي لأن عناوينه أكثر شاعرية مثل خريف الغضب وغيره، وهذا منطق يطفح سذاجة.
* علاقتك بنجيب محفوظ تؤكدها وينفيها الآخرون، أين الحقيقة؟
ـ أصدرت كتاب »نجيب محفوظ. صداقة جيلين« أوضحت فيه هذه العلاقة وفي عز صحة نجيب الجسدية، وقرأه، ولم يعترض على كلمة واحدة مما جاء فيه، بل أنني أشرت في مقدمته أنني كنت واسطة التعارف بينه وبين من يدعون أبوة نجيب محفوظ الآن. ومع كل احترامي لمحفوظ، فقيمة الأديب بما يكتبه، وليس بمحاولة الاتكاء على شخصيات أو كتابات أخرى، مهما كانت قيمتها. اوجه هذا الكلام للذين يقحمون أنفسهم عليه في الوقت الذي يحتاج فيه الراحة، والاستجمام ويطرحون مسائل غريبة مثل الأبوة والوراثة، مع أن الأدب لا يورث. لقد كنت لصيقا بمحفوظ حتى سافرت الى الخارج، وذكرت كل هذا في كتابي وأنا أكبر من مثل هذه الصغائر وأنا أعتز بما أكتب، ولا أبحث عن وسائل أخرى للشهرة مثلهم.
* لكنك عندما كتبت مقدمة لمجموعتين قصصيتين هما «صدى النسيان» و«فتوة العطوف» لنجيب محفوظ من أعماله الأولى هاجمك البعض في المجلات العربية ووصفوك «بكاتب مغموريقدم لمحفوظ»؟
ـ ما كتب وقتها كان بتحريض من هؤلاء الأشخاص ونجيب محفوظ هو الذي كتب ورقة بخط يده يزكي فيها ان أكتب هذه المقدمة، وسأفشيك سرا فقد كلفني محفوظ نفسه بمراجعة روايته الأخيرة »اصداء السيرة الذاتية». بعد ان ظل لفترة طويلة متخوفا من نشرها وبها أخطاء، رغم وجود هؤلاء. وعندما هوجمت بسبب المقدمة التي كتبتها لمحفوظ في مجلة «الصدى» جاء محرر المجلة الى، واتصلنا بمحفوظ أمامه وقال انه يعتز بصداقتي وانه وافق على هذا النشر.
أنا اعتزلت نجيب محفوظ حفاظا على صحته، وعندما قابلني محفوظ وسألني لماذا لا تأتي، قلت له عندما ينفض المولد الذي حولك، لكن يبدو انه لا يريد أن ينفض.
* تتسلل سيرتك الذاتية في ثنايا اعمالك، اضافة الى انك اصدرت اربعة كتب عن سيرتك الذاتية هل تعتمد على حياتك الشخصية في الكتابة؟
ـ لا يوجد تعمد لاستعمال سيرتي الذاتية، وأنا أترك العمل الابداعي يكتب نفسه، والكتب التي تحدثت عنها ليست سيرة ذاتية مطلقة، وغير ذلك فأنا أكتب فنا، والسيرة الذاتية الآن جنس أدبي ينتمي الى جنس الرواية.
* أن تفوز بجائزة الدولة التشجيعية في النقد، ألا يبدو هذا محزنا لك كمبدع؟
ـ أنا فزت بالجائزة ولم أكن قد حققت ذاتي الأدبية بعد، فلم يكن وقتها قد صدر لي سوى مجموعة واحدة، وهذه المجموعة رأيي فيها الآن انها أقرب إلى مشاريع للقصص التالية، وعموما فأنا أصغر واحد في جيلي حاز جائرة الدولة على الاطلاق.
* بعد كل هذا هل تشعر بأنك مظلوم؟
ـ أبدا، ولو شعرت بهذا لن أكتب.
...........................................
*الشرق الأوسط ـ في 30/7/2004م.

د. حسين علي محمد
29-04-2007, 07:15 AM
حوار مع الروائي محمد جبريل:
أرفض الخيال المحض في مضامين أعمالي

حاوره: د. حسين علي محمد
...................................

غاب محمد جبريل عن الوطن ثماني سنوات (1976-1984) في سلطنة عمان، حيث كان في مهمة جادة لإصدار جريدة "الوطن" التي جعل منها واحدة من الجرائد القوية في منطقة الخليج، كما أصدر ملحقها الأدبي المتميز الذي يجعلنا نتمنى أن تُصدر الصحف الأدبية المصرية مُلحقا مثله.
وبعد عودته من عمان كان هذا اللقاء معه:
*ثماني سنوات من التجربة وأنت بعيد عن وطنك مصر الأثير إلى نفسك، ماذا قدمت لك التجربة؟ وكيف تنظر إليها الآن؟
-حين اتصل بي المرحوم الشيخ سليمان الطائي وألحَّ في أن أُنقذ جريدة "الوطن" من مأزق حقيقي تبدّى في عدم انتظام صدورها، وانقطاعها ـ أحياناً ـ لفترات تمتد إلى الأشهر، وافتقادها للمقومات الأساسية للعمل الصحفي، إلى حد مُصارحة الزميل حسين أحمد مرسي ـ الذي كان يتولى مسؤولية الإعلان والتوزيع ـ إليَّ أن محررها الأوحد ـ قبلي ـ كان العمل الذي يُجيده هو الطباعة على الآلة الكاتبة! يكتفي بتسجيل الأنباء المحلية من إذاعة عمان، ويبعث بها إلى المطبعة التي تتولى طباعة الوطن في بيروت أو القاهرة أو الكويت، فتستكملها بمواد أخرى منقولة بتصوير الأوفست من الصحف المختلفة. وهكذا كانت تصدر "الوطن"، بل وهكذا كانت تصدر كل الصحف العمانية، فيما عدا "عُمان" بالطبع، التي حاولت أن تعتمد على جهود العاملين فيها، وإن لجأت آنذاك ـ كثيراً كثيراُ ـ إلى أسلوب القص واللصق الذي يُعد الوجه الآخر ـ السلبي ـ لطريقة الطباعة بالأوفست.
أقول: حين عرض عليَّ الشيخ سليمان الطائي مسؤولية إنقاذ "الوطن" من مصير واضح كان يتهددها ترددتُ كثيراً، وألحّ دون يأس. فلم أوافق إلا بضغط مباشر من أستاذي عبد المنعم الصاوي الذي وسّطه الشيخ الطائي حتى يُحاول إقناعي .. ذلك لأن عام 1975 الذي قدّم فيه الشيخ الطائي عرضه كان هو عام فوزي بجائزة الدولة في الأدب، وكذلك كان عام سفري إلى العديد من الأقطار العربية لإلقاء محاضرات في فنية العمل الصحفي بتكليف من المركز العربي للدراسات الإعلامية في السكان والتعمير، بالإضافة إلى أني كنت مشغولاً في كتابة روايتي "حكايات عن جزيرة فاروس"، وكتابي "ملامح مصرية" والجزءين الثاني والثالث من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين". وكان التخلي عن ذلك كله صعباً وقاسياً. لكنني ـ في النهاية ـ لملمت أوراقي، واحتفظت بها في الأدراج ثماني سنوات كاملة، كنت خلالها مشغولاً بتحقيق المعجزة ـ وليس في التعبير أدنى مبالغة ـ أن تُصدر جريدة أسبوعية بمجهود فردي .. ثم أن أُصدر هذه الجريدة ـ فيما بعد ـ يومية بمجهود شبه فردي.
لكن الجانب الإيجابي المقابل في هذه التجربة، تمثل في استفادتي المؤكدة من الممارسة التطبيقية في كل مجالات العمل الصحفي بدءاً من إدارة التحرير وانتهاءً بالسكرتارية التنفيذية، مروراً بالكتابة الصحفية: كتابة العمود السياسي، والخاطرة اليومية، والتحقيق، والدراسة، والخبر. حتى التصحيح كان من بين مهام المحرر الوحيد الذي كنته! وثمة تعرفي إلى اهتمامات، وأسماء ومناطق أخرى ربما لم أكن أتعرف عليها لولا سفري إلى السلطنة .. بالإضافة إلى أن إقامتي في السلطنة كانت هي الباعث لأن أكتب روايتي "إمام آخر الزمان".
*هل كنت تُواكب أدباء جيلك وأنت بعيد عنهم؟
-لم أكن بعيداً على الإطلاق عن أدباء كل الأجيال السابقة؛ فالسلطنة تأذن بدخول كل المطبوعات، بل لقد أُتيح لي في السلطنة أن أتعرّف إلى أدباء في الوطن العربي لم يُسمع صوتهم في القاهرة بعد. ومن بين كتاباتي الحالية دراسة مطولة عن الأديب عز الدين المدني ـ الغائب تماماً عن اهتمامات المثقفين المصريين ـ ومحاولاته التجريبية التي أجد أنها تتفق تماماً مع نظرتي إلى معنى التجريب.
أما بالنسبة لغيابي الجسدي عن القاهرة، فلم يكن حقيقيا، ذلك لأني كنتُ حريصاً على العودة إلى مصر بين فترة قصيرة وأخرى، وجواز سفري مزدحم بعشرات الأختام التي تبين عن أسفاري المتواصلة بين مسقط والقاهرة.
لم أكن بعيداً عن أدباء جيلي إذن، بل ولم أكن بعيداً عن الحياة الثقافية إطلاقاً! ولعل "الملحق الثقافي" لجريدة "الوطن" ـ وهو خير الإسهامات التي أعتز بها في تجربتي الصحفية بالسلطنة ـ يكشف عن مدى علاقاتي المتصلة بالمثقفين المصريين من كافة الأجيال. ولقد تعرّف القارئ العماني ـ من خلاله ـ إلى نبض الواقع في الحياة الثقافية المصرية، وإلى معظم الأسماء التي تُشكِّل هوية الثقافة المصرية، وإني إعتز بأن الوطن حظيت بكتابات نخبة ممتازة من الأقلام المصرية، كان بوسعهم أن ينشروا ما يكتبونه في صحف عربية أخرى بمقابل مادي حقيقي، وليس بالمقابل الرمزي الذي كانت تدفعه "الوطن" لهم.
*نعود إلى عالمك الفني الأثير لديك: كيف ترى إبداعاتك بين أبناء جيلك؟
-يصعب على أي كاتب أن يتصوّر موضع مؤلفاته بين الإسهامات الأخرى التي قدّمها أبناء جيله. مع ذلك فإن تأملي لقائمة مؤلفاتي التي تضمنتها الصفحة الأخيرة من آخر رواياتي يُبيِّن عن اهتمام ملح بقضايا بلدي (مصر)، سواء بالإبداع أو بالدراسة الأدبية.
أما أولى مجموعاتي "تلك اللحظة من حياة العالم" فإني أعترف بالخطأ لعدم قبول نصيحة أستاذنا نجيب محفوظ بالاكتفاء بعبارة "تلك اللحظة" دون بقية الكلمات، فضلاً عن أنها تبدو لي ـ بعد أعوام طويلة من إصدارها ـ أشبه باسكتشات قصصية تُعبِّر عن الرغبة في التجريب أكثر من تعبيرها عن اكتمال مقوِّمات هذا التجريب. بعكس روايتي "الأسوار" التي تبدو لي خطوة أكثر تفوقاً في تحقيق ما أراه من وجوب استفادة القصة بالأدوات الفنية الأخرى مثلما تستفيد تلك الأدوات من فن القصة. فثمة الفلاش باك، والهارموني، والتبقيع، والحوار الدرامي … إلخ. ولقد سعدت ـ في الحقيقة ـ بحفاوة النفاد بهذه الرواية، وحرصهم على مناقشتها وإبراز دلالتها الفنية والمضمونية في آن معاً.
أما كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين" فهو ـ كما أشرت في المقدمة ـ محاولة فنان لقراءة تاريخ بلاده، وتسجيل هذه المحاولة فيما يمكن تسميته بالقراءة الإيجابية. ولقد أسعدني ـ بالطبع ـ أن يفوز هذا الكتاب بجائزة الدولة في النقد الأدبي، وإن كانت سعادتي ستتضاعف لو أني نلت الجائزة في المجال الذي أوثره وهو القصة.
*بدأت محاولاتك مع الفن من خلال القصة القصيرة، هل تحدثنا عن تجربتها معك؟ وهل أثَّرت قراءاتك وتجاربك الشخصية في بداياتك؟ أم أنك بدأت مُغامراً من خلال ما يُمكن أن نسميه قصص الخيال المحض؟
-لعلي أزعم أني لم أبدأ في كتابة قصتي القصيرة الأولى، إلا بعد أن كان في حوزتي حصيلة لا بأس بها من القراءات والتجارب الشخصية وتلك التي عاشها الآخرون. وأضيف: أني رفضت الخيال المحض في مضامين أعمالي الفنية. لقد عملت في مهن متعددة، وقرأت في ثقافات مرتفعة وهابطة، وعايشت أجواء متناقضة، وقضيت أعواماً مقيماً وزائراً في بلاد شتى.
لقد حاولت ـ ولعل ذلك ما أحرص عليه حتى الآن ـ أن أستفيد من كل لحظة قراءة، وكل لحظة تجربة، وكل لحظة تعرُّف ومشاهدة، بحيث يتناثر ذلك كله في محاولاتي دون أن يبين عن مصدره.
*هذا يدفعنا إلى السؤال عن موقفك من "نقل الواقع أو النسخ الحرفي للحياة" من خلال الفن، وهل هذا أمر ممكن؟
-لعلي أوافق أرنولد بينيت على أن النسخ الحرفي أمر مستحيل"، فالرواية ـ بدرجة ما قد تتفوق أو تتأخر ـ لوحة فنية تنبض بالتفصيلات ، وتداخلات الألوان والظلال ، والفكرة والشكل والتلوين .. تلك هي الأشياء التي لابد أن تتوافر في العمل الروائي حتى يستحق هذه التسمية. وكما قلت فإن التصوير في حد ذاته يُعدُّ فنا من حيث اختيار الزوايا والإضاءة والمساحات. ولكن حين يُصبح هو الاختيار الوحيد في رواية ما، فإنها بالقطع لن تكون كذلك.
*إذن ما رأيك في التفسيرات التي يطرحها النقاد على الأعمال الفنية خاصة القصة من منظور الرمز أو المعادلات؟
-المعادلات في معالجة الأعمال الفنية قضية غاية في الخطورة. ذلك لأن القصة ـ كعمل فني ـ يجب أن تحقق المتعة بذاتها. وقد صارحني نجيب محفوظ ـ يوماً ـ أنه يعتبر القصة الفلسفية غاية الفن، ولكنه رفض البحث عن الرمز المقابل لكل شيء، فسيحتاج الأمر إلى لوغاريتمات، وليس إلى فن حقيقي. ساعتها ربما يحتاج القارئ إلى جدول يُطابق من خلاله الواقع على ما يُقابله من رمز. الفنان عندما يبدأ كتابة عمل ما، فإنه لا يعرف كيف أو ماذا يكتب. الفكرة العامة تحيا في ذهنه، لكنها تخضع عند الكتابة لاعتبارات أخرى عديدة، الفنان يكتشف نفسه أثناء الكتابة.
*كخطوة نحو القصة الفلسفية التي يريدها نجيب محفوظ: هل ترى أن الرواية المعاصرة تُقدِّم "فلسفة" للحياة من خلال نظرة مبدعيها؟
-إن الرواية المعاصرة يجب أن تقدِّم فلسفة الحياة الواضحة المتكاملة التي تُعبِّر عن نظرة الأديب الخاصة ومواقفه، لا أعني أن تُقحَم الأفكار الفلسفية المجرّدة داخل إطار العمل الفني. إنها في هذه الحالة تُشكِّل نتوءاً واضحاً في العمل الفني، يقلل من قيمته، إن لم يُبدِّد تلك القيمة تماماً. إن الفنان الذي يصدر عن رؤية فلسفية متكاملة هو الذي يتمكّن من تذويب أفكاره في أحداث عمله الفني، بحيث لا تبدو نشازاً ولا مُقحمة.
وكما يقول "ميرلو بونتي" فإن الفلسفة ليست انعكاساً لبعض الحقائق الجاهزة الموجودة من قبل، ولكنها مثل الفن تمثل التجسيم المباشر للحقيقة. إن الفلسفة الصادقة هي التي تُعلِّمُنا من جديد كيف ننظر إلى العالم. وإن رواية ما ممتازة، يُمكن أن تُصوِّر لنا "بانوراما" العالم، ربما بأدق وأشمل مما تصوّرها الرسالة الفلسفية.
*شاعت في العقد الأخير بعض موجات الحداثة التي تُغفل دور الحدث أو "الحدوتة"، فهل تتعاطف مع هذه الموجات؟
-بالعكس، فإني أرى "الحدوتة" هي النطفة التي يتخلّق منها العمل الفني، وبرغم اختلافي مع "أرنولد بينيت" بأن أساس الرواية الجيدة هو "خلق الشخصيات ولا شيء سوى ذلك"، فلعلي أتفق تماماً على أن خلق الشخصيات دعامة أساسية في بناء الرواية الذي يستند ـ بالضرورة ـ إلى دعامات أخرى، أقواها ـ أو هذا هو المفروض ـ الحدوتة، وإن تصور بعض الذين اقتحموا عالم الرواية الجديدة ـ نقاداً أو أدباء ـ أن الرواية ليست في حاجة إليها، وأن ما يستعين به الفنان من أدوات تضع الحدوتة في مرتبة تالية، أو أنه يمكن الاستغناء عنها إطلاقاً. ولقد كانت الحدوتة (الحكاية، الفكرة، سمِّها ما شئت) هي الباعث الحقيقي لأن تتحوّل روايتي "الأسوار" في ذهني ـ قبل كتابتها بأعوام ـ إلى أحداث ومواقف وشخصيات، ثم تخلّقت في أشكال هلامية عدة، قبل أن تأخذ ـ في طريقها إلى المطبعة ـ سماتها النهائية.
*هل يعني هذا عندك أن الحدوتة هي الدعامة الأولى في الفن الروائي؟
-نعم، الحدوتة هي الدعامة الأولى في بناء أي عمل فني. ثم تأتي بقية الدعامات الأخرى، وهي ـ في الرواية الجديدة ـ محاولاتها للاستفادة من العناصر والمقومات في وسائل الفنون الأخرى، كالفلاش باك في السينما، والتقطيع في السينما أيضا، والتبقيع في الفن التشكيلي، والهارموني في الموسيقا، والحوار في المسرحية .. إلخ.
*المتابع لإبداعاتك القصصية والروائية يجدك تُلح فنيا على ضرورة استفادتهما من معطيات وتكنيكات الوسائل الفنية الأخرى التي أشرت إليها الآن مثل القصيدة والمسرحية واللوحة التشكيلية والمقطوعة الموسيقية ـ فما هي بواعث هذه الرؤية؟
-لماذا لا يُثري الفنان قصته أو روايته بإسهامات الفنون الأخرى وبما تملكه تلك الفنون من خصائص جمالية وتكنيكية، فتتحقق للفن الروائي أبعاد جديدة، وتتحقق أبعاد جديدة للفنون الأخرى، مما يجعل رأي "أدوين موير" بأن بعض الفنون ـ مثل النحت والرسم والموسيقا ـ تتحقق في بُعد واحد فقط، أقرب إلى تسمية الشمس بأنها تقوم كل يوم بدورة من الشرق إلى الغرب، وإغفال "أبعادها" الهامة الأخرى! ولعلي بذلك أُناقض دعوى بعض الروائيين الجدد ـ ناتالي ساروت مثلا ـ بأن المقولة في الفن خطأ يجب تجنبه، وأن الالتزام الوحيد في الفن هو الفن نفسه. برغم أن إبداعات هؤلاء الروائيين ـ وأيديولوجياتهم أيضا ـ ترفض تلك الدعوى، فمهمة الروائي ـ في تقديرهم ـ هي إعادة العلاقة بين الإنسان والعالم.
*في قصصك زخم الواقع والحياة ـ وإن كانت مُغايرة للواقع ـ كيف ترى إمكانية تحقق التغايُر والتماثل في آن مع رفضك للنسخ الحرفي للحياة من خلال الفن؟
-الواقعية ليست هي الواقع، والفن ليس هو الحياة بحذافيرها، الواقع مُصادفة وفوضى والفن اختيار. الفنان يُضيف إلى العمل الفني مهما بلغت درجة اقترابه من الحياة، من قراءاته وخبراته ورؤاه .. إلخ، ومن هنا فإن "ابن نفيسة" (بطل روايتي "متتابعات لا تعرف الانسجام") في الحياة ليس هو "ابن نفيسة" في الرواية، برغم أن الرواية تستند إلى الواقع، وأيضاً شخصيات رواياتي وقصص قصيرة كثيرة مما كتبت.
*ألا ترى أن الصحافة تؤثر تأثيراً سلبيا على الأديب المبدع؟
-لقد أدرك أرنست همنجواي أنه من الصعب أن يكون صحفيا وأديباً في آن معاً، وبالتالي فقد رفض كل العروض الصحفية التي كان يمكن أن تُجنبه المآزق المادية التي واجهها في بداية حياته الأدبية. وفضلاً عن القيمة السامقة لإبداعات همنجواي بالقياس إلى مُحاولاتي، فإن الحقيقة التي تذهب في بلادنا مذهب المثل: أن الأدب لا يُؤكِّل صاحبه عيشاً، ومن ثم فإن الوظيفة مطلب حتمي، ولأن الصحافة هي الأقرب إلى الأدب، فقد كان من البديهي أن أتجه إليها. وحتى ذلك لم يكن مُتاحاً في البداية. واجهتُ صِعاباً قاسية حتى أُتيح لي أن أجلس وراء مكتب في صحيفة "المساء" وألتقي بالآخرين بصفتي مُحرراً، وإن كان الأدب هو شاغلي الأول.
*بعد غيبة ثماني سنوات ونيف بعيداً عن مصر، مُتابعاً لما يدور في تربتها من تخلُّق وتحولات، كيف ترى مصر ـ حبك المقيم وهاجسك الدائم ـ؟ وما هي طموحاتك الأدبية؟
-مع أن "روبرت فروس" يقول في قصيدة له: "إن الوطن هو المكان الذي يكون مستعدا لاستقبالك عندما تذهب إليه" فإن مصر كانت هي وطني الوحيد والدائم برغم الضغوط الاقتصادية والنفسية التي ألجأتني إلى قبول المنفى الاختياري. ثم إن ثماني سنوات من العمل في "الوطن" وتحويلها من صحيفة مُتعثرة تصدر بين الحين والآخر إلى صحيفة يومية جادة أشعرني ببعض الراحة وجعلني أتخذ قرار العودة.
وما فعلته ببساطة ليلة عودتي إلى القاهرة ـ نعم، ليلة العودة تحديداً ـ أني فتحت الأدراج، وبدأت في مواجهة ما كنت قد أرجأته قبل ثماني سنوات.
والحق أن إصراري على تقديم استقالتي من «الوطن» بعد أن حققت أحد أهم أحلامي بإصدارها يومية، كان العودة إلى عالمي الذي أوثره عن كل ما عداه وهو الأدب.
-------------------------------------------------------------
* من كتاب "من وحي المساء": للدكتور حسين علي محمد.

د. حسين علي محمد
29-04-2007, 07:16 AM
الموروث الشعبى فى كتاباتى الروائية

بقلم: محمد جبريل

****

نشأت فى بيئة تحض على عشق الموروث الشعبى . حى بحرى شبه جزيرة فى شبه جزيرة الإسكندرية . إلى اليمين الميناء الشرقى ، أو المينا الشرقية فى تسمية السكندريين . وإلى اليسار الميناء الغربى ، أو المينا الغربية ، وفى المواجهة خليج الأنفوشى ، ما بين انحناءة الطريق من نقطة الأنفوشى إلى سراى رأس التين ..
هذه البيئة تتميز بخصوصية مؤكدة ، فالبنية السكانية تتألف من العاملين فى مهنة الصيد وما يتصل بها ، ومن العاملين فى الميناء وصغار الموظفين وأعداد من الحرفيين والمترددين على الجوامع والزوايا والأضرحة ، فضلاً عن الآلاف من طلبة المعهد الدينى بالمسافرخانة ..
وإذا كان لبيئة البحر وما يتصل بها ، انعكاسها فى العديد من أعمالى الإبداعية ، فإن البيئة الروحية لها انعكاسها كذلك فى تلك الأعمال ..
ثمة جوامع أبو العباس وياقوت العرش والبوصيرى ونصر الدين وعبد الرحمن بن هرمز وعلى تمراز ، وثمة أضرحة كظمان والسيدة رقية وكشك وعشرات غيرها من جوامع أولياء الله الصالحين ومساجدهم وزواياهم وأضرحتهم . وثمة الموالد وليالى الذكر والأهازيج والأسحار والتواشيح ، وليالى رمضان وتياترو فوزى منيب وسرادق أحمد المسيرى وتلاوة القرآن عقب صلاة التراويح فى سراى رأس التين والتواحيش ، واحتفالات الأعياد : سوق العيد وما يشتمل عليه من المراجيح وصندوق الدنيا والأراجوز والساحر والمرأة الكهربائية وألعاب النشان والقوة وركوب البنز والحنطور من ميدان المنشية إلى مدرسة إبراهيم الأول ، وتلاقى الأذان من المآذن المتقاربة ، والبخور والمجاذيب والمساليب ، والباحثين عن النصفة والبرء من العلل والمدد ، بالإضافة إلى المعتقدات والعادات والتقاليد التى تمثل ـ فى مجموعها ـ موروثاً يحفل بالخصوصية والتميز ..
حين أراجع أعمالى الإبداعية بدءاً من قصتى القصيرة الأولى [ إلى الآن حوالى 90 قصة قصيرة و18 رواية ] فإن تأثير ذلك كله يبين فى العديد من المواقف والشخصيات ، وفى تنامى الأحداث ..
***
رباعية بحرى ، عمل روائى من أربعة أجزاء : أبو العباس ، ياقوت العرش ، البوصيرى ، على تمراز . تعرض للحياة فى بحرى ، منذ أواخر الحرب العالمية الثانية إلى مطالع ثورة يوليو 1952 . لوحات منفصلة من حيث تكامل اللحظة القصصية ، ومتصلة من حيث اتصال الأحداث ، وتناغم المواقف ، وتكرار الشخصيات ..
أنسية التى طالعتنا فى بداية الجزء الأول من الرباعية ، هى أنسية التى انتهت بها أحداث الجزء الرابع والأخير . وما بين البداية والنهاية نتعرف إلى دورة الحياة من ميلاد وطفولة وختان وخطبة وزواج وإنجاب وشيخوخة ووفاة ، فضلاَ عن الحياة فى المعهد الدينى بالمسافرخانة ، وحلقة السمك ، وحياة الفتوات ، والعوالم ، وما يتسم به ذلك كله من اختلاف وتميز ، بقدر اختلاف البيئة وتميزها ..
على سبيل المثال ، فإن الحياة فى البحر ، وصلة البحر واليابسة ، والمؤمنين بطهارة الماء ، وقدرة البحر على أعمال السحر ، والحكايات والمعتقدات عن عرائس البحر والعوالم الغريبة وكنوز الأعماق ، والخرافة ، والأسطورة ، والزى التقليدى ، والمواويل ، والأغنيات ، والأمثال ، والحكايات ، وخاتم سليمان ، والمهن المتصلة بمهنة الصيد كالصيد بالسنارة والطراحة والجرافة ، وأسرار الغوص فى أعماق البحر ، وغزل الشباك ، وصناعة البلانسات والفلايك والدناجل وغيرها ، وركوب البحر ، وبيع الجملة فى حلقة السمك ، وبائعى الشروات .. ذلك كله يتوضح فى الشخصيات التى كانت الحياة فى البحر مورد الرزق الأهم ـ أو الوحيد ـ لها ..
أما الروحية التى تمثل بعداً مهما فى حى بحرى ، فهى تبين عن ملامحها فى كثرة الجوامع والمساجد والزوايا والأضرحة ، ورفع أولياء الله عن الغلابة والمنكسرين ما يحيق بهم من ظلم ، وكرامات الأولياء من اطلاع على الكائنات ، وطى الأرض ، والسير على الماء ، والطيران فى الهواء ، وإتيان بالثمار فى غير أوانها ، وتحويل ماء البحر إلى ماء عذب ، وتواصل الكرامات حتى بعد أن يرحل الولى ، والمكاشفة التى تحققت على يد أبى الدرداء حين أنقذ الإسكندرية من طوربيد ألمانى فى غارات الحرب العالمية الثانية ، والخضر الذى يظهر للمراكب حين يهددها خطر النوات ، فينقذها ، وتجليات الصوفية فى الإشارات والأسرار والرموز ، وارتقاء الدرجات من المريد إلى المقدم فالنقيب فالخليفة خاتمة الدرجات الروحية ، ودروس المغرب ، وتصورات مشاهد الجنة والنار ، والخوف من الجن والمردة والعفاريت ، وإيقاد الشموع على أضرحة الأولياء ، وتقديم النذور ، وكنس النساء للأرض بالملاءات ، أو التمرغ عليها ، يطلبن الخلفة والمصلحة والشفاعة والمدد ، والوصفات الشعبية ، وأعمال السحر ، والتربيط ، والأعمال السفلية ، والوسائل التى بلا حصر لعلاج الإجهاض ، أى سقوط الجنين قبل أن يكتمل نموه : وَصْفات غريبة ، وقاسية ، وتجارب لابد أن تخوضها المرأة الحامل لتحتفظ بالجنين ، ودلالات ظواهر الطبيعة من شمس وقمر ونجوم وكواكب ورياح وعواصف ونوات ومناطق وفرة ـ وجدب ـ السمك . الشمس تجاوز صفتها الظاهرة ، فتتحول إلى صديق للجد السخاوى ، يعرض عليها مشكلاته ، ويأخذ منها ويعطى ، وحين يحس بدنو الأجل فإنه يتطلع إليها ويخاطبها بما لم يتبينه أحد ..
***
روايتى القصيرة الصهبة تتناول طقساً شعبياً ، تغلب عليه الأسطورة . المرأة المنقبة التى تخضع لمزاد وهمى ، من يرسو عليه ، يرفع عن وجهها النقاب ، فيتجدد أملها فى الإنجاب . ويختلط الواقع بالحلم فى أحداث الرواية ، فتغيب الملامح . لا يدرى إن زارته فى الصحو أو فى المنام ، ولا يبين ناس الصهبة عن هويتهم حتى يهمس صوت الأم وهى ترى ابنها ينزل درجات البيت إلى حيث يتجمعون : هل انجذب ؟!
***
أما روايتى زهرة الصباح فهى محاولة لتوظيف حكايات ألف ليلة وليلة فى عمل أدبى حديث . زهرة الصباح هى الفتاة التى تلى شهرزاد فى قائمة الفتيات اللائى ينتظرهن سيف " مسرور " . كانت تحيا فى ظل الخوف من أن يمل شهريار ، أو تخفق شهرزاد فى الحكى ، فيحل دورها . وحاول أبوها ـ وهو من المقربين إلى شهريار ـ أن يفيد من تلك الفترة فى رواية الكثير من الحكايات والطرائف والنوادر والأخبار والعبر والنوادر والسير والمواويل ، تنصت إليها زهرة الصباح ، وتحفظها . تحيلها مخزوناً حكائياً ليعينها على مواصلة الحكى ..
كانت قدرة شهرزاد على استدعاء الحكايات ، أو اختراعها ، وروايتها ، هى وسيلتها للإبقاء على حياتها ، فهى إما أن تصل الحكايات ، كل حكاية بأخرى ، أو تموت . فإذا نفد ما بحوزتها من الحكايات ، أو فقدت القدرة على الإدهاش ، وفقد شهريار بالتالى فعل المتابعة والدهشة ، واصل السياف مسرور حلقات سلسلة الإعدام .. ذلك كله كان يعلمه عبد النبى المتبولى ، فشغل معظم وقته بتحويل ذاكرة زهرة الصباح إلى خزانة تستوعب كل ما استطاع حفظه فيها من الحكايات والحواديت والعظات والعبر ..
تضمن السرد الروائى الكثير من جوانب الموروث الإبداعى العربى . ضُفّر فى نسيج العمل الروائى ، لا لانتساب الرواية إلى عالم ألف ليلة وليلة باعتبارها تراثاً إبداعياً فحسب ، وإنما لأن أحداث الرواية تدور فى أجواء شعبية ، ففيما عدا الشخصيات الرئيسة القليلة ، فإن غالبية الشخصيات من الطبقات الأدنى والمهمشين ..
***
ونحن نستطيع التعرف إلى البدايات الأولى للموروث الشعبى فى حياتنا الآنية ، من خلال توالى الإجابة عن الأسئلة الاثنين والأربعين التى أعادت تقديم سيرة حياة المواطن زاو مخو فى صورتها الصحيحة ، فى روايتى اعترافات سيد القرية . الإيمان بالخلود ، تقديم النذور والقرابين ، الأدعية والرقى والتعاويذ ، العلاقات الأسرية ، السيرة ، الأسطورة ، الخرافة ، الحكاية الشعبية ، الخطابة ، الطرفة ، الطب التقليدى ، التيقن من القدرات العلاجية لشجرة الجميز ، الصفات الشعبية التى تشعل الشبق فى جسد الرجل ، وتسرى بالخصوبة فى جسد المرأة ، الموسيقا الوطنية ، إلخ ..
***
روايتى بوح الأسرار تحاول ـ من خلال معالجة فنية ـ أن تجيب عن السؤال : لماذا اختار الوجدان الشعبى هذه الشخصية أو تلك ، ليضفى عليها من هالات القداسة والعظمة ما يجعل منها أحد أبطاله الشعبيين ؟
حاولت أن أجيب عن هذا السؤال ـ بصورة مطولة ، تقترب من العلمية ما أمكن ـ فى كتاب لى صدر مؤخراً بعنوان " البطل فى الوجدان الشعبى المصرى ، ناقشت فيه جوانب البطولة فى عدد من الشخصيات التى وضعها الوجدان الشعبى فى ذلك الإطار : لماذا اختار عنترة من بين مئات الشعراء فى الجاهلية ؟ ولماذا اختار الظاهر بيبرس من بين حكام المماليك ؟ ولماذا اختار السيد البدوى من بين الكثير من أولياء الصوفية الذين نسبت إليهم مساجد وأضرحة ؟ ولماذا اختار على الزيبق وابن عروس وياسين ومتولى وأدهم الشرقاوى وغيرهم ؟..
التقيت بالمجرم محمد أبو عبده ، أو ابن بمبة فى قرية السمارة الواقعة على حدود الشرقية والدقهلية . بدا فى أحاديث الجميع شخصية أسطورية . كان أبناء القرية يتحدثون عنه بتوقير وحب ، فى حين حذرنى مأمور مركز السنبلاوين وعمدة القرية من محاولة التعرف إلى الرجل ، وأظهروا خشيتهم من أن يرفض لقائى ، أو لا يحسن استقبالى . لكن الرجل استقبلنى بحميمية مصرية ، ودعانى إلى تناول الغداء . وتأملت توسطه لحل مشكلات أبناء القرية ، ومساعدته لهم فى كل ما يطرأ على حياتهم . حتى الحريق الذى أشعلته شرارة حطب ظهر يوم الصيف الذى تصادف أنى زرته فيه ، أذهلنى تصدّيه لإطفائه رغم أعوام عمره المتقدمة ..
بدا لى الرجل وأنا أغادر القرية ، تجسيداً للبطل فى الوجدان الشعبى ـ فى بالى الكثير مما استمعت إليه من الحكايات فى أعوام النشأة ـ : كيف يكتسب صفاته ، فيصبح ـ فى توالى الروايات والحكايات والمواويل والسير ـ ذلك البطل الذى تنسب إليه الأفعال الخارقة والمعجزات [ روى الصديق رفعت السعيد فى ذكرياته ـ فيما بعد ـ عن تعرفه إلى ابن بمبة فى رحلة الاعتقال والسجن . بدا معجباً بالرجل ، وأشار إلى أنه ـ الرجل ـ قتل تسعة أشخاص ، لكن الرجل أكد لى أنه لم يجاوز التخويف ، ولم يقتل أحداً ] . تصورت ابن بمبة ذلك البطل فى عملية التحول داخل الوجدان الشعبى . ولجأت إلى تقنية تعدد الأصوات التى اختلفت رواياتها فى تصاعد درامى ، تتحول فيه شخصية فرج عبده زهران ، أو ابن شفيقة ، من شاب يحترف الإجرام إلى ولى له بركاته وكراماته ومكاشفاته ، وضريحه الذى يقصده الناس لالتماس المدد ، والمولد السنوى ، وحفلات الذكر .. ما بواعث التحول ؟ وكيف ؟ وما نتائجه ؟..
تباينت الروايات فى طفولة ابن شفيقة ، ونشأته ، والظروف التى أفضت إلى تحوله إلى بطل شعبى . بالتحديد إلى ولى صوفى . لكن الروايات لم تختلف فى أن فرج خليل قد أصبح له ضريح ومقام وخليفة وتلامذة ومريدون ، يؤمنون بكراماته ، ويذكرون الله تعالى ..
وكما يقول الصديق الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجى فى دراسته لبوح الأسرار ، إنه إذا كانت أسطورة فرج قد مرت بمراحل ثلاث : مرحلة المظلوم ، ومرحلة الدافع للظلم الواقع على الناس ، إلى مرحلة المقدس ، فإنه ـ فى المراحل الثلاث ـ كان مطارداً . مطارداً من عمدة ظالم ، ثم من قوة الإدارة المتحكمة فى الجماعة ، ثم محاولة هذه القوة مطاردة أسطورته ، وحتى بعد موته ، فإن استخدام تعدد الأصوات جعل الأصوات المطاردة خافتة ، لترتفع الأصوات الواقفة مع فرج ساعة تكوّن أسطورته . إن الأسطورة هنا تمثل الواقع الاجتماعى للجماعة " .
***
وفى قصصى القصار ، تتناثر لمحات من الموروث الشعبى ، متمثلة فى العديد من سلوكيات الحياة ، والمفردات ، والتعبيرات ، وغيرها مما يعبّر عن التميز الذى تتسم به منطقة بحرى فى حدودها الجغرافية ، المحددة ، والمحدودة : الزى الوطنى ، الطب الشعبى ، ألعاب الأطفال وأغنياتهم ، نداءات الباعة ، الكناية ، النكتة ، المعايرة ، القَسَم ، الطرفة ، المثل ، الحلم ، وغيرها ..
***
والحق أنى حين أراجع إبداعاتى التى وظفت ـ أو استلهمت ـ الموروث الشعبى ، أجد أنها وليدة العفوية ومحاولة التعبير عن الواقع . هذا هو ما أفرزته تجربة الحياة والمشاهدة والقراءة والتعرف إلى الخبرات . لم أتعمد الإفادة من الموروث الشعبى ، بل هو الذى فرض معطياته فى مجموع ما كتبت .

د. حسين علي محمد
29-04-2007, 07:18 AM
«الشاطئ الآخر»

بقلم الدكتور: أحمد زياد محبك
أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة حلب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ

_ 1 _
رواية رقيقة رشيقة ، لطيفة ناعمة ، شديدة التكثيف ، مثل مروحة صينية صغيرة ، مطوية في يد سيدة رشيقة ، تبدو صغيرة ذات بعد واحد ، تفتحها ، فإذا هي ذات أبعاد ، تحمل رسوماً وألواناً جميلة للحب والشباب والتاريخ والسياسة ، تلك هي رواية الشاطئ الآخر للكاتب الروائي والقاص محمد جبريل ، وقد صدرت عام 1995 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ، في القاهرة ، وتقع في 126 صفحة من القطع المتوسط ، ولا تزيد عدد كلماتها على 24 ألف كلمة ، تنثال في ليونة من غير أن تقسم إلى مقاطع أو فقرات أو وحدات .
والرواية تقدم خبرة شاب يطرده أخوه من البيت بعد وفاة الأب ، فيلجأ إلى الأجنبي ، ليتفتح وعيه في "الشاطئ الآخر" ، ويعرف الحب ، ويمتلك المعرفة ، ثم يعود إلى بيت الأب ولقاء الأخ ، بعد أن عرف العالم ، ويرتبط ذلك كله بالواقع الخارجى ، بما فيه من متغيرات ، بخيوط حريرية ناعمة ، فيمكن عندئذ قراءة الرواية قراءة أخرى ، لتغدو بشكل ما تعبيراً عن حياة أمة ، لا مجرد حياة فرد .
والرواية تحكي عن شاب جامعي ، يدعى حاتم ، يعمل نادلاً في مطعم ، يموت أبوه رضوان ، وقبل ثلاث سنوات كانت أمه قد ماتت ، ويفجؤه أخوه طارق ، وهو ضابط في الجيش ، بطرده من شقة الوالد ، ليستأثر بها ، بدعوى الزواج ، حتى إنه ليستأثر بالأثاث ، ولا يعطيه شيئاً منه ، ويلجأ حاتم إلى سمسار ، فيؤجره غرفة في شقة لدى سيدة يونانية ، ترحب به ، في الوقت الذي لا يرحب به بيروس زوج ابنتها فيرجينيا ، وكان حاتم من قبل قد تعرف إلى شاب يوناني ، يدعى ديمتريوس ، ويعرفه هذا الشاب إلى عالم واسع من الثقافة الغربية ، كما يعرفه إلى أخته لأبيه ياسمين ، وسرعان ما يقع حاتم في حبها .
ويرافق ذلك كله كما تذكر الرواية إقالة محمد نجيب في نوفمبر 1954 وميل عبد الناصر في سياسته الخارجية إلى الكتلة الشرقية بشرائه السلاح من تشيكوسلوفاكيا, ثم امتناع الولايات المتحدة عن تمويل بناء السد العالي وتمويل الاتحاد السوفيتي له, وما تلا من تأميم عبد الناصر لشركة قناة السويس, وما أعقبها من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956وزيادة التقارب بين مصر و الاتحاد السوفيتي.
_ 2 _
ويبدو الحب في الرواية العنصر الأكثر بروزاً, فهو حاجه أساسية, ولا سيما بالنسبة إلى حاتم بطل الرواية, ويظهر الحب متأثراً بقوى الواقع وظروفه, ولا يظهر قوة فاعلة مؤثرة, ويرجع ذلك إلى شخصية حاتم, فهو بحاجة إلى الحب, ولكنه لا يعرف المنفذ إليه أو السبيل, أو لعله يعرف ولكنه لا يستطيع أن يبادر- بحكم تكوينه- فهو شاب مثقف, يميل إلى المطالعة والقراءة (ص23) ولعله يشبه هاملت الذي يطيل التأمل والتفكير, بخلاف روميو الذي يميل إلى المبادرة والفعل.
وللحب في حياة حاتم جانبان اثنان, الأول ذهني ثقافي مجرد, والثاني عملي واقعي تجريبي, وفي الجانب الأول, وهو الطاغي يتعرف حاتم إلى الحب من خلال كتب التراث, من كتابات ابن الجوزي (ص61) والمفضل بن سلمة (ص64) وابن حزم (ص68) و(ص73) والماوردي (ص 70) وابن قيم الجوزية (103) وداود الأنطاكي (ص112), فهو يقرأ فيها, ويختار مقبوسات منها, تتعلق بأوصاف الحب والحبيب, وحالات الحب وأشكاله ودرجاته, وهي مقبوسات كثيرة, تدل على ثقافة حاتم وتمسكه بالتراث ولجوئه إليه بعد موت أمه وأبيه وطرد أخيه له من الشقة كما تدل على شعوره بالخلاص من الغربة التي يعانيها في حياته مع ديمتريوس وفي شقة السيدة اليونانية, كما تدل تلك المقبوسات على شخصية مثالية ذهنية تتعلق بما هو كلي مجرد, وبما هو نظري, وهي شخصية تنطلق من الأخلاق والفكر والثقافة إلى الواقع لتتعرف إليه, وتبدو المقبوسات على كثرتها رشيقة, لا تخلو من ذكاء, وحسن انتقاء, وهي تسد فراغاً كبيراً في حياة حاتم, وتدل على شخصيته دلالة قوية, ولا غنى عنها, كما تبدو ملتحمة بالبناء الكلي للرواية, وقد جاء كل منها في موقعه من الرواية وفي الجانب الثاني, وهو الواقع, تبدو تجربة الحب لدى حاتم محدودة جداً, قوامها الحياء والخجل, لذلك كانت عفيفة, بعيدة كلياً عن الممارسة الجسدية, ولم تتجاوز في أقصى أبعادها قبلة واحدة, جاءت عفواً على سبيل المصادفة, وإن كانت تجربة الحب قد مرت لدى حاتم بمراحل وحالات قاربت فيها المحظور, ولكنها ابتعدت عنه بقدرة غريبة كأنما كتب لحاتم أن يحافظ على عفته وبراءته, وهذا ينسجم في الواقع مع شخصيته, فهو مثقف مهذب, تلقى تربية صارمة, ونشأ في أسرة محافظة متماسكة.
وتبدأ تجربة الحب لدى حاتم في الواقع بعشقه الطفولي البريء لابنه الجيران مديحة, وكتابة قصة عنها ثم تمزيقها وهو في الثانية عشرة (ص53-54) وتنمو معرفته عن الحب بما يسمعه من زميل له في الصف عن علاقاته بالبنات ويحاول أن يرسم صورة لها في ذهنه فلا يفلح (ص54) وقد حاول مرة ممارسة الجنس مع باغية ولكنه اضطرب وعف وخرج من غير أن يفعل شيئاً، مما يدل على حشمة فيه وحياء (ص56-57).
لقد احتفظت الرواية لحاتم ببراءته وطهره ونقائه ليكون تفتح الحب لديه في أرض طهور لا يعرف فيها قبل الحب شيئاً, وليكون استقباله له عذباً بريئاً (ص57).
ويعلل حاتم عدم معرفته الحب في الواقع بعدم مصادفته له, أو انتظاره أن تبادر الفتاة (ص55) ولكن ذلك وحده غير كاف, فقد أتيحت له أكثر من فرصة, ولكنه عف, وتردد, ومرجع ذلك في الواقع إلى تكوينه, فهو شاب مثقف متأمل يميل إلى المطالعة والبعد عن الواقع, لقد كانت صفاء ابنة عمه تغلق عليه باب الحجرة, وتحدثه عن الحديقة والأشجار ولقاء الشباب والصبايا, وتقعد قبالته في وسط السرير, وتزيح روبها الوردي عن جسدها, وتسأله إن كانت له صديقة, وهو لا يستجيب لها, فتمل منه (ص85-88)ويحدث أن تنطلق صفارة الإنذار معلنة عن غارة, وتفزع إليه السيدة اليونانية, فتلجأ إليه, وتتمسك بيديه, وتثور في نفسه رغبة غامضة, وينتظر أن تبادر هي, ولكن سرعان ما تنطفئ تلك الرغبة, عندما تنطلق الصفارة الثانية معلنة عن الأمان (ص107-108), ولا ينظر حاتم إلى فرجينيا نظرة اشتهاء البتة, على الرغم من أنه يلتقيها كثيراً في منزل السيدة اليونانية, بل إنه لا ينظر إليها إلا على أنها زوجة لبيروس وأم لوليدها الذي تعني به كثيراً, ولا يفكر في التعرف إلى جسد المرأة من خلالها.
هذه العفة لدى حاتم هي التي جعلت مشاعره تتجه نحو ياسمين أخت ديمتريوس, وهي من أم يونانية وأب مصري, وقد تفتح حبه لها وفق إضاءات مشرقة من قراءاته في كتب التراث عن الحب, مما يؤكد سمو مشاعره ورقيها ، ومما يدل على استناد هذا الحب إلى جذر معرفي تراثي ، ليؤكد البعد الحضاري والإنساني للحب . إن حب حاتم لياسمين هو حب عذري بريء يستند إلى العفة والطهر والنقاء ، ويقوم على الخجل والحياء ، ويرجع إلى ثقافة حاتم وتفكيره وسمو روحه ، وذات يوم تعرض عليه ياسمين ألبوم صورها ، وتغطي بيدها صورة لها وهي بالمايوه ، ويفكر في أن يدفع يدها ليرى الصورة (ص 69 ) ولكنه يكتفي بالتفكير ولا يفعل شيئاً ، ولعل هذه العفة هي التي جعلت مشاعره تنمو وتنضج ، وتسير بهدوء مع حركة الواقع ووفق إرادة الحياة ، لا إرادته هو ، إلى أن كان يوم زار فيه حاتم صديقه ديمتريوس ، فاستقبلته ياسمين وأخوها غائب ، وحدث أن أطلقت صفارة الإنذار معلنة عن غارة على الإسكندرية ، فتفزع إليه ياسمين ، ويضمها إلى صدره ويقبلها ( ص 101 ) وهي القبلة الوحيدة ، وقد جاءت تتويجاً لنضج المشاعر، كما جاءت نتاج المصادفة ، وبدافع من الواقع .
إن هم حاتم هو البراءة والنقاء والطهر ، وبما أن قبلته لها هي أول قبلة في حياته ، دليل طهره وبراءته ، لذلك يسأل نفسه : " هل كان ما حدث أول قبلة لرجل في حياتها ؟ مثلما هي أول قبلة في حياتي ؟ " ( ص 101 ) بل إنه لا يتردد في سؤالها : " هل أحببت إنساناً آخر قبلي ؟ " ( ص 110 ) والسؤال فيه من السذاجة والعفوية بقدر ما فيه من دليل على البراءة والطهر ، ويؤكد ذلك تصوره لياسمين زوجة له في المستقبل ( ص 111 _ 112 ) دليل صدقه أيضاً وبراءته .
ولكن ، إلام سينتهي هذا الحب العذري الصادق الجميل ؟ إن الأسباب التي قادت إلى هذا الحب ، هي التي نفسها ستقود إلى نهايته ، وهذا هو الطبيعي ، إن حاتم لم يملك في الواقع حرية الحب ، ولم يملك في يوم إرادة الفعل، أو القدرة على المبادرة ، هو لطيف ، رقيق ناعم وهو مثقف وقارئ جيد ، وهو نبيل وصادق ، وهو عاطفي وسريع الاستجابة وقوي التأثر ، ولعله يعي ذلك كله ( ص 120 ) ، ولكنه لا يملك القدرة على المبادرة .
إن طرد أخيه له من الشقة ، وتعرفه إلى ديمتريوس ، وزيارته له في منزله ، وحرب السويس ، والغارات على الإسكندرية ، وفزع ياسمين ، ومعانقتها له ، هي جميعاً الظروف التي كونت حبه وصاغته ، وعندما تتغير هذه الظروف سينتهي حبه ، فلقد انتهت الحرب ، وطرد عبد الناصر الإنكليز والفرنسيين ، وتحمس اليونانيون لمغادرة مصر ، بمن فيهم ديمتريوس وأمه ، وطارق الذي طرد أخاه من شقة أبيه يدعوه إلى العودة إليها .
وهكذا تغيرت الظروف التي قادت إلى الحب ، فينتهي الحب ، لذلك يظن حاتم أن العالم كله متآمر عليه، وقد نسي أن هذا العالم هو نفسه الذي وضع ياسمين بين يديه ، يقول حاتم : " لماذا يتآمر العالم على سعادتي؟ ما صلة ياسمين وصلتي بالسد العالي وتأميم القناة والحرب وخروج الأجانب ؟ " ( ص 123 ) .
_ 3 _
وبمقابل حب حاتم لياسمين ، يظهر حب آخر ، شاذ ، غير سليم ، هو حب ديمتريوس لحاتم . لقد ظهر ديمتريوس الملاذ لحاتم ، فهو الصديق الذي استضافه في منزله ، واتخذ منه صديقاً ، ومنحه شعور الصداقة، وعرفه إلى أخته ياسمين ، كما عرفه إلى الثقافة الغربية ، فكان يقرأ له عيون الأدب العالمي ، من هوميروس إلى كافافيس ، مروراً باسخيلوس ودانتي وشكسبير وكازنتزاكي وغيرهم كثير ، وكان حاتم بأشد الحاجة إليه ، في الوقت الذي خذله فيه أخوه وطرده من شقة الوالد ، وحرمه من الأثاث والتراث .
ولكن ، ذات يوم اقتحم ديمتريوس عالم حاتم ، وقبله في فمه ، فصفعه حاتم عدة صفعات ، ووضع حداً لاندفاعاته ( ص 83 ) فأكد له ديمتريوس أنه لا يزوره إلا لغاية في نفسه ، فزجره وكاد يلكمه ، فاعترف بأن الخياط الأرمني في أسفل البناء المقابل قد نال منه ( ص 84 ) . وكان حرياً بديمتريوس أن ينقاد إلى الحب كالحب الذي انقاد إليه حاتم ، فهو مثقف مثله ، فما الذي قاده إلى هذا الشذوذ ؟ لقد دخل ديمتريوس ذات يوم على حاتم ، ليقرأ له صفحات من رواية لكافافيس عن صديقين تقودهما الصداقة إلى ممارسة علاقة شاذة ( ص 81 ) ثم يسأله إن كان قد قرأ " صورة دوريان غراي " لأوسكار وايلد ، فيرد عليه حاتم :
" لا أحب الأصدقاء غير الأسوياء " ( ص 81 ) ويرد عليه ديمتريوس : " أن يكون المرء قاتلاً فذلك لا يدعو لإدانة ما يكتبه ، كما أن الفضائل العائلية ليست أساساً حقيقياً للفن " ( ص 81 ) وهذا الكلام لأوسكار وايلد نفسه ، وهكذا تقف الثقافة الغربية بما فيها من شذوذ وراء شذوذ ديمتريوس ، كما تقف الثقافة العربية بما فيها من حب عذري عفيف وراء عفة حاتم وطهره .
ولكن ، مما لا شك فيه ، أن الثقافة وحدها ليست العامل الوحيد المؤثر في كل من حاتم وديمتريوس ، ولابد من وجود أسباب أخرى . ويمكن أن نرى ذلك واضحاً في أسرة كل منهما، فحاتم نشأ في أسرة متماسكة ، والده رصين متوازن ، له حياة هادئة مستقرة ، لا يغادر المنزل إلا إلى المقهى المجاور ، وهو يحافظ على الصلاة في المسجد ، وعندما ماتت زوجته حزن عليها أشد الحزن ، ولزم بيته ، وطرد عدة خادمات ترددن على المنزل وفاء منه لزوجته ، ثم " دخل في شرنقة من الهدوء السادر " ( ص 13 ) وفقد ذاكرته ، ولم ينطق بعد ذلك بغير كلمة واحدة : " البكاء لن يعيدها " ( ص 13 ) مما يدل على وفائه لزوجته وحبه لها حباً قوياً صادقاً ، وقد توفي بعدها بثلاث سنوات ، وكان قارئاً نهماً ، وقد حول النملية إلى مكتبة كدست فيها الكتب والمجلات وعلى الجدار سبحة كبيرة الحبات ( ص 23 ) ، وكانت الأم حريصة على تأمين حياة هادئة آمنة لولديها حاتم وطارق ، وكانت تريدهما أن ينصرفا إلى الدراسة ولا يشغلا عنها بشيء.
وبالمقابل نشأ ديمتريوس في أسرة تحوي كل التناقضات ، فهو يحيا مع أمه اليونانية وزوجها المصري ، ومعهما ياسمين أخته من أمه ( ص 20 ) وهو يعد نفسه أوروبياً يحيا في مصر ، فهو يعيش في أوربة من خلال الأفلام والكتب والإذاعات والأغاني ( ص 27 ) ويرى الإسكندرية أحد شواطئ البحر الأبيض مثل أثينا ومرسيليا ونابولي ( ص 27 ) ، وهو يعيش مع أمه المسيحية وزوجها المسلم ويدرك أن الدين لا وجود له في البيت ( ص 59 ) .
وتنتهي الصداقة بين حاتم وديمتريوس بانتهاء حرب السويس ، وعودة ديمتريوس مع أمه إلى اليونان ، وينتهي الحب أيضاً بين حاتم وياسمين ، كما تنتهي إقامة حاتم في منزل السيدة اليونانية ، إذ تقرر هذه الرحيل أيضاً إلى اليونان ، ويرجع حاتم إلى بيت والده بدعوة صادقة من أخيه طارق .
_ 4 _
ولقد عنيت الرواية بتقديم صور دقيقة وواضحة للشخصيات ، ولاسيما للوجوه والملامح والقامات سواء في ذلك الشخصيات الرئيسية أم الثانوية , وهي مرسومة من زاوية حاتم , الراوي والبطل , ومنها صورة لوجه ديمتريوس ( ص 17 ) وصاحب الوكالة ( ص 18 ) والعم شقيق رضوان ( ص29 ) وسمسار العقارات (ص31 ) والسيدة اليونانية ( ص34 ) وابنتها فيرجينيا ( ص 38 ) وزوجها بيروس ( ص 38 ) وياسمين (ص 48 ) .
يقول حاتم في تصوير ياسمين : " كانت في حوالي الخامسة عشرة , امتزجت في وجهها الملامح الأوربية والعربية , بما لا تخطئه العين , الشعر أسود ينسدل إلى الظهر ، و الوجه مستدير ، تعلوه عينان واسعتان بنيتان ،تسكن إليهما ، تحيا فيهما ، تتوق لأن تظلا تنظران إليك ، ولا تخفض عينيك عنهما ، تظللها أهداب طويلة ، والأنف صغير ، والشفتان ممتلئتان ، والبشرة بيضاء مشربة بحمرة خفيفة ، ارتدت جلابية من " الفوال " المنقط ، تحتها قميص أبيض ، وانتعلت حذاء مفتوحاً ، تطل منه أصابع مطلية بالمانيكير " (ص48).
والوصف يشمل الوجه والقوام ، والحركة والسكون ، ولا يخلو من تدقيق في بعض التفاصيل الدالة والمعبرة ، ولعل أجمل ما فيه الجمل الأربع الدالة على أثر نظرتها في النفس.
وربما بدا وصف سمسار العقارات أكثر تميّزاً ، وحاتم يصفه على النحو التالي " كان الرجل وراء المكتب الخشبي الصغير مشغولاً بشد أنفاس شيشته ، في حوالي الخمسين ، له أنف ضخم ، وشارب رفيع كالخط المتداخل البياض والسواد ، فوق شفتين زاد من امتلائهما بروز في السنتين الأماميتين ، يركز نظرته على عيني محدثه ، كمن يريد أن ينفذ إلى داخله ويحرص على تحريك يده ، وهو يتكلم ، ليرى محدثه الساعة الذهبية في يده ، وكان يرتدي جلباباً صوفياً ، ويضع على رأسه طاقية من الصوف ، ويغطي عنقه بتلفيعة تدلت حتى الصدر " ( ص 31 ) .
والوصف لا يخلو من بطء وهدوء ، وهو يستغرق في تفاصيل دقيقة ، ولكنها ذات دلالات نفسية واجتماعية واضحة ، ومثل هذا الوصف للوجوه والملامح والقامات أضفى على الرواية تميزاً وخصوصية ، ومنحها قدراً غير قليل من ملامح البيئة .
_ 5 _
وتدور حوادث الرواية كلها في الإسكندرية ، ولا تكاد تستغرق أكثر من عامين ، وغالباً ما تدور في ثلاثة أماكن رئيسية ، هي بيت الأب رضوان ، وبيت السيدة اليونانية ، وبيت ديمتريوس ، والرواية تصور البيوت الثلاثة وهي تمور بالحياة والحركة ، وتصور الحياة من حولها ، وما تطل عليه من بيوت وأزقة ، وحارات وأسواق ، ومساجد وكنائس .
والرواية تصف كل بيت من البيوت الثلاثة من الداخل والخارج ومن ذلك وصف بيت ديمتريوس من الخارج كما يراه حاتم حيث يقول : " البيت في شارع الكنيسة الأمريكانية ، ملاصق للكنيسة الإنجيلية ، وبالقرب من نقطة شريف ، من ثلاثة طوابق ، يطل في الجانبين على شارع سيدي المتولي وشارع توفيق، الوجوه التي تطل من النوافذ والشرفات معظمها لأجانب ، يتطلعون إلى الطريق ويقرؤون الصحف ، ويتبادلون الأحاديث ، وكانت البالوعات على جانبي الشارع قد ابتلعت مياه الأمطار ، لم يعد إلا التماعات متناثرة " ( ص 19 ) .
وتصف الرواية غرفة ديمتريوس كما يراها حاتم . حيث يقول : "في مواجهة الباب بوفيه ذو مرآة بيضاوية مطوية في بعض جوانبها ، وعليه قطعة رخام تكسرت حوافها ، تتوسطها فازة زرقاء يتصاعد منها ثلاث ريشات طاووس ، إلى اليمين فوتيل بامتداد معظم الحائط ، يقابله كرسيان ، تغطت جميعها بكرتيون أبيض ، فصل عليها ، وفي المنتصف ترابيزة خشبية مستطيلة ، عليها مفرش من الدانتيل الأبيض، وتدلت من السقف نجفة عنقودية الشكل ، انطفأ معظم لمباتها ، وعلقت على الجدار _ أعلى الفوتيل _ لوحة زيتية لبنات بملابس شفافة " ( ص 20 )
والوصف لبيت ديمتريوس من الداخل والخارج لا يخلو من التتبع للجزئيات والتفاصيل ، والغاية من أكثرها الدلالة على نمط من الحياة فيه قليل من الغنى وكثير من الاختلاف عن البيت المصري ، أي أن الغاية من هذا الوصف هي القول إنه بيت أجنبي من الداخل والخارج ، وفي نمط الحياة ، ويبدو الوصف هادئاً فيه قدر غير قليل من البطء ، بسبب تتبع التفاصيل ، وربما كان أكثر منه إغراقاً في التفاصيل وصف منزل السيدة اليونانية كما يراه حاتم ، حيث يقول : " على يسار المدخل كونصول قديم ، مشغول بالأرابسك ، تعلوه مرآة بيضاوية الشكل ، ومن أعلى الطرقة تتدلى نجفة ذات أربعة أذرع ، يفضي المدخل إلى صالة واسعة ، يشغلها أنتريه أسيوطي ، وترابيزة سفرة مستطيلة ، عليها منفضة خالية من أعقاب السجاير ، وحولها ستة كراسي ، وتتوسطها علبة من الصدف مغلقة ، وعلى الجدران صور عائلية ، ولوحات مقلدة لأعمال فنانين عالميين ، ومشاهد خمنت أنها لمدن يونانية تطل على الساحل ، وأعلى باب الشقة من الداخل علق صليب خشبي ، عليه نحت للمسيح وهو يضع إكليل الشوك ، وعلى يمين الباب ممر ضيق نسبياً ، توقعت أنه يفضي إلى المطبخ والحمام وغرفة النوم " ( ص 34 ) .
والتدقيق في الوصف واضح ، والغاية منه تأكيد بعض الصفات منها هدوء الحياة في البيت وسكونها ، وقدم الأثاث ، وطابعه الأجنبي ، مما يؤكد محافظة أهله على حياتهم الأجنبية بالإضافة إلى دلالته على ديانة سكانه ، وهي المسيحية .
وعلى الرغم من غنى الدلالات وأهميتها ، يظل الوصف هادئاً ساكناً ، لا يخلو من بطء ، يضعف من إيقاع السرد ، بسبب الاعتماد على الوصف المحض ، بعيداً عن ربطه بحياة الناس وحركتهم داخل المكان وعيشهم فيه .
وتصور الرواية الحياة الموارة داخل بيت الأب رضوان ، من غير أن تصف أي ركن فيه أو جزء أو مكوّن من مكوناته ، ويأتي التصوير دالاً موحياً ، وحافلاً بالحياة ، على نحو ما يروي حاتم حيث يقول : "أبي يعود عقب صلاة العشاء ، يجلس في الصالة أو الشرفة المطلة على شارع الميدان ، يستمع إلى الأغنيات في فونوغراف القهوة ، أسفل البيت ، إلى موعد نشرة الأخبار ، يدير الراديو حتى يسمع السلام الوطني ، فيغلق الراديو ويدخل حجرة نومه المطلة على الشارع الخلفي " ( ص 9 ) .
وواضح أن قيمة المكان لا تكمن في وصف جزئياته وتتبع تفصيلاته ، إنما تكمن في تصوير الناس وهم يملئون المكان بالحياة .
وبصورة عامة تبدو الإسكندرية في الرواية جميلة متألقة ، تمور بحياة الناس البسطاء العاديين ، حيث تنتشر فيها المساجد والمآذن والمقاهي والمطاعم ، وتتخللها بيوت اليونانيين ، لتزيد من بهائها وجمالها . ولكن حاتم يراها في النهاية وقد فقد حبه ، سوداء معتمة ، ملوثة كريهة ، وقد أسقط عليها كل خيبته ومرارته حيث يقول : " فسدت الحياة ، أفرغت ناقلات البترول ما بجوفها ، فتحول سطح البحر الذي أحبه إلى بحيرة واسعة من السواد الميت المتعفن ، تلاحقت سنوات واكتسح المد الضاري كل الأماني والأحلام والتصورات المنطلقة, علت الأمواج السوداء, فابتلعت ما بداخل البحر, وما على الشاطئ, انتزعت الصخور الأسمنتية, قذفت بها إلى آخر المدى, حتى ناس الطريق, كانوا شائهي الملامح, تطفح أعينهم توجساً وكراهية وحقداً" (ص125).
-6-
ويبدو الناس على "الشاطئ الآخر" على قدر غير قليل من العدائية والنفور والشذوذ, فكلهم يقررون مغادرة أرض مصر, لدى ظهور بوادر التغيير, إذ تقرر فجأة السيدة اليونانية مغادرة القاهرة, بعد انتهاء العدوان الثلاثي, من غير وجود أي مبرر لذلك, فقد أمر عبد الناصر الفرنسيين والإنكليز بالمغادرة, لأن إنكلترة وفرنسا شاركتا في العدوان الثلاثي على مصر, ولم يمس أحد اليونانين بسوء, وكذلك تقرر ابنتها المغادرة مع زوجها, كما يغادر ديمتريوس مع أمه.
وقرار المغادرة ليس غريباً, لأنهم كانوا يعيشون على أرض مصر بأجسادهم, في حين كانوا يعيشون في أوربة بأرواحهم, فهم يعيشون في الغرب بثقافتهم وقراءاتهم ومشاعرهم وأفكارهم وعاداتهم وأغانيهم ونمط حياتهم, ولا يرون في الإسكندرية إلا واحدة من موانئ المتوسط يقول ديمتريوس لحاتم: " الإسكندرية أحد شواطئ البحر الأبيض مثل أثينا ومارسليا ونابولي " (ص27), بل إنه يقول لحاتم: " هل تعرف أن اليونانين هم الذين أنشئوا الإسكندرية " (ص24) ثم يصرخ قائلاً: " أنا أوربي يحيا في مصر " (ص25).
وكانت فرجينيا وزوجها بيروس أكثر عدائية لحاتم, إذ لم يقرّا السيدة اليونانية على تأجيرها غرفة له في شقتها, وكانا طوال إقامته عندها صامتين تجاهه, لا يبادلانه الفكر ولا الشعور ولا الحوار, بل ينظران إليه بنفور شديد, وكانا على عداء واضح لعبد الناصر وثورة يوليو 1952 وكانا أول المتحمسين لمغادرة مصر.
إن نظرة الناس على الشاطئ الآخر إلى مصر والمصريين هي على الأقل نظرة نفور, ولا تكاد تخلو من نظرة عرقية, إذ ينكر ديمتريوس على حاتم أن يكون أشقر الشعر فهو يتصور أن كل المصريين سود الشعر (ص51) .
-7-
ومن هنا تبدو الصداقة بين حاتم وديمتريوس اليوناني صداقة عابرة كما يبدو لجوء حاتم إلى منزل السيدة اليونانية مجرد لجوء مؤقت, لم يوفر لحاتم الاستقرار، حتى حب حاتم لياسمين يبدو أشبه بمرح الأطفال، هو تفتح القلب على أول حب, اكتسب منه حاتم بعض الخبرة, ونضجت مشاعره, واكتوى ببعض الألم، ولكن الأجمل من ذلك كله أنه ظل محافظاً على نقائه وطهره وصفائه وبراءته, مستنداً إلى تراث عريق وأسرة متماسكة, ربته فأحسنت تربيته.
إن غربة حاتم خارج منزل أبيه لمدة عامين تقريباً من أواخر 1954 تاريخ إقالة محمد نجيب إلى انتهاء حرب السويس أواخر عام 1956, غربة أنضجت شخصية حاتم, وأفادته خبرة, ولكنها لم تلغ شخصيته, ولم تشوهها, بدليل حفظه على طهره وبراءته ونقائه, ولقد عاد إلى منزل الأب ولقاء الأخ.
إن غربة البطل, ولاسيما الشاب القليل الخبرة و خارج وطنه, ثم عودته إليه بعد كثير من المغامرات, فكرة رئيسية عالجتها كثير من الحكايات الشعبية و الروايات .
ومن هنا يبدو العنوان : " الشاطئ الآخر" واضحاً و شفافاً و دالاً ، وقد جاء معرفاً بأل وموصوفاً، فهو ليس الشاطئ الذي يقف عليه المرء ، إنما هو الشاطئ الآخر، وغالباً ما يبدو الشاطئ الآخر أجمل و أكثر إغراء، وهذا ما ينطق به المثل القائل: "الضفة الأخرى من النهر أجمل"، وهذا بعض ما يوحي به العنوان، وبعض ما تحققه الرواية أيضاً، فقد وجد حاتم فى الشاطئ الآخر المأوى و الصداقة والحب، في حين طرده أخوه من الشاطئ الذي هو واقف عليه .
ولكن بقدر ما يبدو الشاطئ الآخر سوياً وجميلاً ودافئاً بقدر ما يتبين أنه غريب وعابر ومؤقت , مما يترك في النفس شجناً وحزناً و أسى ، وهو حقيقة شاطئ غريب ولكن ما يطمئن النفس ويريحها ، هو العودة إلى البيت ، وهي عودة سليمة ، سلم فيها الجسد وسلمت فيها الروح .
ولذلك كله يبدو العنوان أليفاً ولطيفاً وشفيفاً ، لا غموض فيه ولا إبهام ، كذلك لا ابتذال فيه ولا مجانية ، وقد أبت الرواية ألا أن تشير إلى دلالة العنوان قبل النهاية, حيث يقول حاتم:" نقلني ديمتريوس إلى الشاطئ الآخر, أسماء لم أكن أعرف غالبيتها, ولا قرأت لها, وإن ظللت أجذف بقاربي في بحر الكتب العربية " (ص122), ويبدو توضيح حاتم أقل مما توحي به الرواية في بنائها الكلي, ولذلك تبدو الرواية بغنى عن توضيح حاتم.
ولحاتم نفسه من اسمه نصيب كبير من الدلالات والإيحاءات فهو بثقافته وشهامته وعفة نفسه وطهره وحبه, يذكر بحاتم الطائي بما امتاز به من كرم وجود وشهامة، وربما كان لأخيه طارق نصيب من اسمه أيضاً, فهو ضابط عسكري, وهو على قدر غير قليل من الغموض, والتفرد بالرأي والتسلط, وهو يذكر بطارق بن زياد القائد العسكري الذي لا يعرف المرء سوى الخطبة المنسوبة إليه, مع إنه كان بربرياً لا يجيد العربية, وربما في كون طارق ضابطاً عسكرياً ما يوحي بالمرحلة التاريخية التي تشير إليها الرواية إشارات متناثرة هنا وهناك, ولعلها توحي بما شهدته مصر بعد ثورة يوليو من معاناة المثقفين من سلطة رجال الثورة العسكريين.

- 8 -
وتتجاور الحوادث داخل الرواية وتتوازى مع الحوادث خارجها ، وفى بعض الحالات تتعانق ، بقدر كبير من إغراء المقارنة والبحث عن رمز ما أو كناية أو إشارة ، فالضابط طارق يطرد أخاه حاتم من المنزل بعد وفاة الأب، في الوقت نفسه الذي يقيل فيه رجال الثورة الرئيس محمد نجيب في 14 نوفمبر 1954، ويلجأ عبد الناصر إلى الكتلة الشرقية فيشترى السلاح من تشيكوسلوفاكيا ، ويأخذ قرضا من الاتحاد السوفيتي لبناء السد العالي، في الوقت الذي يلجأ حاتم إلي منزل السيدة اليونانية ليستأجر غرفة لديها ، وفي الوقت نفسه يقيم صداقه مع ديمتريوس و يحب أخته ياسمين، ومثلما قادت الغارات الجوية على الإسكندرية إلي العناق بين حاتم وياسمين ، كذلك قاد العدوان الثلاثي الذي شنته انكلترة وفرنسا وإسرائيل على مصر إلى تقارب شديد مع الاتحاد السوفيتي الذي أرسل إنذاراً إلى الدول الثلاث يطلب فيه إنهاء العدوان ، وإذا كانت علاقة الحب بين ياسمين وحاتم قد انتهت ، مثلما انتهت علاقة الصداقة بين حاتم و ديمتريوس مع انتهاء الحرب ، فإن علاقة الود بين عبد الناصر والاتحاد السوفياتى قد ضعفت كثيرا بعد انتهاء الحرب ، ومال عبد الناصر إلى أمريكا .
حوادث ومواقف كثيرة ،متوازية ومتجاورة ، داخل الرواية وخارجها ، بإشارات ذكية من الرواية نفسها ، ولكن ربما كان من الأجمل قراءة الرواية بمستوييها الداخلي والخارجي ، ومنح كل من الزمنين حريته، وشخصيته الاعتبارية ،وقد حققت الرواية لهما ذلك ، بعيداً عن القول بالرمز أو التأويل .
(يتبع)

د. حسين علي محمد
29-04-2007, 07:19 AM
-9-
والرواية مسرودة بضمير المتكلم على لسان البطل حاتم ، وضمير المتكلم لا يتيح بصورة عامة للرواية من الحرية ما يتيحها له ضمير الغائب إذ يضطر الراوي إلى السرد من زاوية واحدة ، ولكن هذا يجنبه مزالق الراوي العالم بكل شيء ، ويمنحه بالمقابل بدائل منها وعى الذات ، وصدق الخبر ، ومعاينته الشخصية والتأمل ، وتحليل المواقف ، وحرارة اللغة وشاعريتها .
ومع أن الراوي واحد هو حاتم ، فقد جاءت لغته ذات مستويات متعددة ، فيها الوصف الهادئ المدقق ، وفيها التصوير الحي ، وتمتاز دائماً بالإيجاز والتكثيف، وقصر الجملة ، كما تظهر فيها حرارة الانفعال، والقدرة على التعبير عن أدق الخلجات والمشاعر .
ففي كثير من الحالات يعي حاتم ذاته ، ويعلل مواقفه ، ويفسر نفسيته ، ويتحدث عن نفسه عن ماضيه ، وعن أحلام المستقبل. يذكر حاتم غياب خبرته في عالم المرأة ، ويرد هذا الغياب إلى سبب خارجي يحدده بقوله : " كنت أنتظر وأتوقع البنت التي توارب أمامي الباب فتساعدني الجرأة على اقتحامه ، وأبوح بمشاعري " ( ص 55 ).
وهذا السبب الذي يعيه هو سبب واضح مباشر، يخفى في الحقيقة وراءه أسباباً أخرى قد لا يعيها حاتم ، منها تربيته وثقافته .
ويصف حاتم نفسيته، فيصور ما هو عليه من عاطفية وقوة تخيل واستحضار ، فيقول: "عاطفتي قوية ، أتابع مواكب الجنازات في طريقها إلى جامع الشيخ ، فتدمع عيناي لصوات النساء ، أبكى للمشاهد المؤثرة في الأفلام ...أهتز لبكاء طفل.. حتى التسابيح التي تسبق أذان الفجر من جامع الشوربجي تحرك في داخلي مشاعر حزينة " (ص 120 ) .
ويعبر حاتم عن حبه لياسمين وشوقه إلى لقائها ، فتأتى اللغة حارة رشيقة، حيث يقول:
" ياسمين ! الصورة تملأ خيالي ،لا تفارقني ، وأنا أصحو ، وأنا أنام ، وأنا أقعد ، وأنا أفكر وأنا أعمل ، وأنا أجالس الآخرين، تطايرت السدادة من القمقم في وقت لم أكن أعددت نفسي له ، انبعثت الحمم من البركان ، فاكتسحت حتى التصورات " ( ص 89 ).
ويعبر حاتم عن أدق الخلجات والمشاعر والحالات ، حيث يقول: " أدركت أن حياتي قد ارتبطت بهذه الفتاه الجالسة أمامي ، لا أتصور عالماً يخلو منها ، كان حبي لها يختلف عن حبي لأبى ولأمي، من قبل كنت أحب أبي دون أن أتدبر بواعث ذلك الحب ولا حالاته, لا يشغلني حبي لأبي فهو قائم ومستقر وملتصق بلحمي ويخالط ترددات أنفاسي, أنا لا أعنى بمتابعة دقات قلبي, ولا قياس ضغطي, ولا التأكد من قوة إبصاري, فهي حالات قديمة وممتدة, حالات من صميم حياتي, نشأت معها وترافقني, أما حبي لياسمين فهو حالة استثنائية, تبدل من حياتي, ينتشر نورها فيغمر نفسي " (ص69).
ويظهر التصوير في صنع معادل موضوعي خارجي لعالم داخلي, فلقد أدرك حاتم أن حبه انتهى, فعبر عن هذا الشعور بمقطع قوامه صورة شعرية متكاملة يقول فيها: " جاءت بلا توقع لحظة الفراق, كنت أسير في النهار المتألق بالضياء, عندما أظلمت الدنيا فجأة, ظلمة كثيفة متراكمة, لا تريك حتى داخلك, لا ترى شيئاً على الإطلاق, بدا لي الكون ضيقاً وموحشاً وقاسياً انزاحت في داخلي موجات متتالية من القهر والإحباط والعجز, تحسست لزوجة الدم في أنفي, والسن المكسورة في فمي, والشج في أوسط رأسي, وتخاذلت للضربات الموجعة, تاه قاربي, ولم يكن معي ما أطمئن به إلى الطريق الصحيحة, لا خريطة, ولا بوصلة, ولا مرئيات في الأفق, والسماء من فوقي ملبدة بالغيوم, فلا نجم أهتدي به, أعاني الظلام والغربة والضياء, اختلط طريقي, وفقدت الاتجاه" (ص124-125) .
إن السرد بضمير المتكلم من زاوية حاتم ساعد على إغناء الرواية بمقاطع من التحليل والتصوير بلغة لا تخلو من شاعرية, تناسب الحالة والموقف والانفعال , وتنقل ذلك كله بحرارة , من غير أن تفسد متعة السرد أو بناء الرواية .

-10-
ولم يكن حاتم بطل الرواية والراوي فيها فحسب , بل كان العنصر الأساسي المكون لها , والمحور الذي تنشد إليه عناصرها كافة , تتحد به , ويتحد بها وهذا ما يمنح الرواية وحدتها وتماسكها .
ولعل أبرز ما يميز حاتم هو طابع الثنائية , فحاتم يعيش الحب على مستويين , الثقافة والواقع , وحاتم يعاني من الغربة وهو في الوطن , فلديه بيت الأب ولكنه مطرود منه ولذلك يلجأ الي بيت السيدة اليونانية , وحاتم يصادق ديمتريوس ويحب أخته ياسمين , وحاتم يهرب من الواقع , والواقع يؤثر فيه .
ويظهر طابع الثنائية في عناصر الرواية كافة , فطارق يطرد أخاه من منزل الأب ثم يدعوه إلى العودة إليه , والأول ضابط عسكرية والثاني جامعي مثقف , وديمتريوس مسيحي وأخته ياسمين مسلمة , وهما يعيشان معاً في منزل واحد , الأب فيه مسلم والأم مسيحية , والسيدة اليونانية تعطف على حاتم , وينفر منه بيروس وزوجته فيرجينيا , وعلى أرض مصر في الإسكندرية يعيش ديمتريوس والسيدة اليونانية وابنتها وزوجها ولكن أرواحهم جميعا معلقة بأوربة , ولا ينسى المرء ثنائية الثقافة العربية التراثية والثقافة الغربية الأوربية من هوميروس إلى كافافيس ومن ابن حزم إلى داود الأنطاكي , وكذلك ثنائية الشاطىء والشاطىء الآخر .
والثنائية المشتركة بين عناصر الرواية هي ثنائية اختلاف ولقاء واتفاق , لا ثنائية صراع وصدام وخصام , والحركة تسير وسط هذه الثنائيات هادئة لينة رخيّة , من خروج حاتم من منزل الأب مطرودا مفارقا لأخيه , ليجري مع ديمتريوس وياسمين والسيدة اليونانية وليسير هؤلاء معه جميعاً في وفاق , ثم لينفضوا عنه , ويرجع ثانية إلى منزل الأب بدعوة من الأخ , وليس في هذه المسيرة صدام أو صراع أو خصام , إنما ثمة الوفاق والوئام .
وتبدو الحركة سائرة من اليمين حيث الأخ إلى الشمال حيث ديمتريوس اليوناني وأخته ياسمين والسيدة اليونانية , وفي هذا الاتجاه الذي هو نحو الغرب في الحقيقة يسير حاتم بصحبة ديمتريوس وأخته , ثم تنقلب الحركة في آخر الرواية , حيث يتخلى ديمتريوس والسيدة اليونانية عن حاتم بسفرهم إلى اليونان ويرجع حاتم وحده إلى منزل الأب بدعوة من أخيه فينقلب اتجاه الحركة ليصبح من الشمال إلى اليمين .
يقول حاتم في نهاية الرواية : "مسحت الميدان بعينين قلقتين ..مبنى الاتحاد القومي , وتمثال محمد علي, والكنيسة الإنجيلية وبقايا عصر إسماعيل في البنايات ذات الطراز الأوربي ..غالبت الحيرة والتردد , ثم لزمت الرصيف الأيمن , في طريقي إلي شارع الميدان " . ( ص 126 ).
وبمثل هذه الحركة داخل الرواية كانت الحركة تسير خارجها , إذ مال عبد الناصر إلى المعسكر الاشتراكي فاشترى منه السلاح وأخذ القرض لبناء السد العالي , وبعد العدوان الثلاثي علي مصر عاد فمال إلى الغرب الأمريكي .
وهنا تظهر ثنائية الذهاب والإياب, وثنائية الداخل والخارج, وثنائية اليمين والشمال , وهذا ما يؤكد طبيعة الثنائية التي تحكم بناء الرواية , وتمنحها التماسك والوحدة .
*
وتظل رواية " الشاطئ الآخر " لمحمد جبريل قابلة لقدر كبير من المقارنة والدرس والبحث ، وليس من الغريب تشبيهها بمروحة صينية صغيرة، مطوية في يد سيدة أنيقة ، تبدو المروحة في البدء صغيرة ناعمة ذات بعد واحد ، وهي مغلقة ، ولكن تفتحها ، فإذا هي ذات أبعاد وطبقات تمتد وتمتد لترسم ألواناً وصوراً كثيرة .

د. حسين علي محمد
05-05-2007, 06:08 PM
حوار مع د.ناصر الأنصاري رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب
.................................................. ................................

د.ناصر الأنصاري: ليس عندنا أزمة في النشر.. هناك بعض المشكلات
الكتاب المطبوع له قراؤه.. رغم التطور الاليكتروني
المركز القومي للترجمة.. لن يؤثر علينا بالسلب

حاوره: محمد جبريل
........................

علي الرغم من تعدد الحلول لمشكلة النشر فإن الأزمة لاتزال قائمة. سواء من خلال القوائم الطويلة في هيئات الدولة. والتي تمتد إلي أكثر من خمس سنوات. أو من خلال تقاضي دور النشر الخاصة مبالغ مرتفعة من المؤلفين مقابلاً لنشر كتبهم. وهو ما اضطر كتاباً مرموقين إلي التنازل عن حقوق نشر كتبهم دون مقابل. بل إن الأديب الكبير إدوار الخراط اتجه بأصبع الإدانة ضد هيئة الكتاب لأنها لم تصدر حتي الآن أعماله الكاملة.
ونسأل د.ناصر الأنصاري رئيس هيئة الكتاب: من وجهة نظرك كمثقف. ما الحلول الجذرية لأزمة النشر؟
قال: هناك فرق كبير بين أن تكون هناك أزمة. وأن النشر يعاني بعض المشكلات. أي أن هناك عملاً يجب أن يقيم. بحيث تحل المشكلات. ونحن كمسئولين يجب أن نضع تصورات موضوعية لحل هذه المشكلات. وإن كنت لا أوافق علي القول إن هناك أزمة.
هناك مشكلات في التوزيع. لدينا شركتان فقط تحتكران التوزيع. ومعظم دور النشر ليس لديها مكتبات. فهي تنتظر معرض الكتاب من العام إلي العام كي تعرض إصداراتها علي الجمهور. الشيء نفسه علي المستوي العربي. مع أن لدينا ميزة لا نحسن استغلالها. وهي أن 22 دولة تتكلم لغة واحدة هي اللغة العربية. بالإضافة طبعاً إلي الناطقين بلغتنا الجميلة وهم كثرة في أرجاء العالم. لكن كتب الوطن العربي لا تباع للأسف في مصر. والعكس صحيح. هذه واحدة من المشكلات التي يمكن أن نجد لها حلاً. وإن كان هذا لا يعني أن نطلق عليها تعبير أزمة.
قلنا: ما رأيك في دور النشر الخاصة التي تحصل علي ثمن النشر بدلا منا دفع مكافأة للمؤلف؟
قال: هذه ظاهرة فريدة. لكنها ليست منتشرة. وأنا لا أدري لماذا يلجأ الكاتب إلي ناشر كهذا؟!
قلنا: لأن منافذ النشر غير متاحة
قال: لدينا نظام عمل معروف للجميع. عند نشر العمل يوضع عقد. ويحصل المؤلف علي مكافأته. هل يوجد كاتب يحترم عمله ويرضي بالتنازل عن حقه؟!
حق المؤلف
قلنا: هناك الشباب.
قال: لا أعتقد. فلدينا سلاسل لإبداع الشباب. صحيح أن هناك ضغطاً في النشر. لكن الذي يستحق النشر هو الذي ينشر. قد يلجأ مؤلف رفض عمله إلي هذا الأسلوب. ولكن هناك دور نشر محترمة تعرف حق المؤلف. وتحرص علي أن ينال هذا الحق. وأحدثت بالفعل طفرة في نشر الكتب.
قلنا: سلسلة الجوائز من إنجازات الهيئة.. لكن أي جوائز.. ألا تري أن بعض ما نشر دون المستوي؟
قال: نحن نقصد الجوائز العربية والعالمية. بالإضافة إلي الجوائز المصرية. وفي مقدمة الضوابط أن يكون المطبوع حاصلاً علي جائزة كبري معروفة في مصر. وجوائز الدولة لا غبار عليها لأنها تصدر عن المجلس الأعلي للثقافة. كما أخذنا من جائزة أبها وجائزة سلطان العويس. لكن يبقي التركيز علي الجوائز العالمية. أخذنا من جائزة نوبل. ثم جوائز الدول مثل فرنسا وانجلترا والولايات المتحدة. وسوف نلجأ إلي دول أخري ذات ثقل ثقافي معروف.
مكتبة الأسرة
قلنا: ما الجديد في مشروع مكتبة الأسرة هذا العام؟
قال: لم تجتمع اللجنة التي تضع الأسس والخطوط الرئيسية. ثم يبدأ التنفيذ. وأذكر أننا قدمنا في العام الماضي شيئاً جديداً لم تلتفت إليه الصحافة. وهو أن جميع مطبوعات مكتبة الأسرة اعتمدت في أغلفتها علي أهم الأعمال الفنية لعدد كبير من الفنانين التشكيليين. من جميع الاتجاهات والأعمار. كما أننا قدمنا إلي جانب النص الأدبي تعريفاً بالفنان التشكيلي.
قلنا: ما أثير حول مجلة "إبداع" في الفترة الأخيرة يجعلنا نسأل: من الذي يشرف بصورة فعلية علي المجلات التي تصدرها الهيئة؟
قال: بالطبع أسرة التحرير. ولها حرية. لكنها حرية مقيدة. فالمجلة تصدر عن هيئة الكتاب المصرية المعنية بالنشر في مصر. هناك سياسة خاصة بالنشر داخل الهيئة. بالنسبة للمجلات والدوريات التي تصدرها. وأي دار نشر لها سياسة تخضع لها المطبوعات التي تصدرها. لابد من معايير لتحقيق أهداف بعينها. ولابد أن تترجم هذه الأهداف إلي سياسات. وكل ناشر يراجع دائماً سياساته. ومدي تحقيق أهدافه.
مجلات
قلنا: ألا تلحظ أن هناك توقفاً للكثير من مجلات الهيئة؟
قال: بالعكس. فصول تصدر بانتظام بعد أن توقفت في فترة سابقة. وعادت إبداع. ونعد للعدد الجديد من عالم الكتب. وهناك مجلة ترصد الكتب التي تصدر داخل مصر وخارجها. وأن أشرف عليها إلي الآن. هناك أيضاً مجلة العلم والحياة. أريد أن أعيدها بطريقة أفضل من خلال تعاون مشترك بينها وبين المجلات العلمية في العالم كله. وبالنسبة لمجلة الفنون الشعبية. فقد اتفقت مع د.أحمد مرسي علي أن يشرك جمعية الفنون الشعبية في التكلفة. كي نوفر علي القارئ عبء السعر.
قلنا: سمعنا كثيراً عن تعاون الهيئة مع هيئات ومؤسسات عالمية؟
قال: نحن نرحب بأي تعاون. ونسعي إليه. لكن لم يعرض علينا حتي الآن شيء جاد. أنا مع التعاون العربي بالكامل. وأفكر فيه دائماً. وقد بدأنا بالمعرض العربي بالإسكندرية في العام الماضي. وسنعيده هذا العام.
قلنا: هل سينشأ تعاون بين الهيئة ومركز الترجمة؟ وإلي أي مدي؟
قال: لا مانع بالطبع من قيام تعاون ما. سواء في مجال النشر أو الطبع أو التوزيع بالنسبة لمشروع الترجمة. هذا التعاون لابد أن يكون موجوداً. أما أن يتأثر دور الهيئة بالنسبة للترجمة. فإني أقولها صراحة: لن يحدث ذلك!
قلنا: هل تري أن الكتاب الورقي مهدد بالنشر الالكتروني في السنوات المقبلة؟
قال: الدول الأكثر تقدماً في النشر الالكتروني لم تشعر بأي تأثير أو خطر. وأشك في أن يحدث هذا التأثير بالنسبة للغة العربية في الوقت القريب. الكتاب سيظل الكتاب. فلا يقرأ علي الشاشة. وإذا طبعناه فهي طباعة رديئة إذا ما قورنت بالكتاب الورقي. الكتاب الورقي يقرأ في أي وقت. ونحن تربينا علي أن نلمس الورق. هناك صلة بين الكتاب والقارئ. ولا أعتقد أن الشاشة ستقوم بهذا الدور. بل إني أعتقد أن النشر الالكتروني سيروج للنشر العادي.
قلنا: بالمناسبة: أين الهيئة في مجال النشر الالكتروني؟
قال: لدي الهيئة موقع دائماً ما نطوره. وهناك عقود جديدة أعدتها الهيئة وضعت فيها بند النشر الالكتروني. وحق النشر الالكتروني.
أفضل كتاب
قلنا: لماذا لا تقدم الهيئة جائزة متميزة لأفضل كتاب نشر خلال العام. علي غرار ما يقدمه اتحاد الناشرين في انجلترا.
قال: هذه فكرة جيدة. وإن كانت فكرة الجوائز دائماً ما تقابل بالتشكيك والهجوم من جانب من يتقدم ولا يحصل عليها. متناسياً أن المتقدمين كثر. لكن واحداً فقط هو الذي يفوز!
قلنا: أخيراً. هل أفدت من سنوات عملك في الخارج؟
قال: الحقيقة أن الخارج هو الذي أفاد من سنوات عملي هنا. والخبرة التي اكتسبتها في مؤسستي الأوبرا وهيئة الوثائق. عند اختياري لمركز العالم العربي بباريس جعلتهم يدركون تماماً مدي خبرتي.
..........................................
*المساء ـ في 5/5/2007م.

د. حسين علي محمد
05-05-2007, 06:10 PM
من المحرر

بقلم: محمد جبريل
.......................

الأدب مجهود فردي.
حقيقة. وإن حاول كمال الملاخ واسماعيل ولي الدين في السبعينيات ان يجعلا من تأليف العمل الأدبي بروايتهما المشتركة "الاستاذ" عملا ثنائيا. كيف كانا يفكران؟ من الذي كان يكتب؟ من كان يراجع ويضيف اللمسات؟
أسئلة لا أجد حتي الآن أجوبة لها.
واذا كانت صورة العمل الفني : فنان يخلو الي فنه وقلمه واوراقه. يحيا في جزيرة تبعد به عن الذي يقاسمه حجرة مكتبه بالمناسبة: يعلن القلم عجزه عن الكتابة اذا تابعت عينان ما احاول كتابته. تثيرني النظرات. اتصور أنها تقتحم عالمي الفني بلا استئذان!
اقول : اذا كانت صورة الفردية هي قوام العمل الفني. فإن الحياة الادبية بكل ما تشغي به من آراء وافكار ومناقشات هي الارضية التي لابد اكرر : لابد ان يقف. ويتحرك عليها اي عمل فني. تناقشني في محاولاتي. تناقشك في محاولاتك. نعرض للقضايا الأدبية. نتفق ونختلف. نشارك في الندوات. نستمع الي المحاضرات. نشاهد فيلما جيدا. نتابع عملا اذاعيا متميزا. أو مسلسلا تليفزيونيا جعل مؤلفه من الفن هدفا أوليا.
الحياة الثقافية المتميزة تفضي بالضرورة الي فن متميز. مجرد الغيرة من ان زميلك يكتب. وأنك تكتفي بالحضور الشخصي. دافع لأن تحاول. وان تكتب. الادب الفرنسي مزدهر. والجيل الادبي يكتفي بخمس سنوات. ليظهر جيل آخر. له محاولاته المغايرة التي تضيف جديدا. في الرؤي والتقنيات.
أدبنا العربي المعاصر تتحيفه الامراض او هذا هو الاتهام الذي يواجهه لان اهله اغلقوا عليه الابواب والنوافذ. ومنعوا الزيارات الخاصة والعامة. يضع الكاتب عمله حتي يتاح له النشر في بوتقة السرية والتكتم يحدده بالمسطرة والمثلث والبرجل. يحرص علي المساحة المتاحة. فلا يجاوزها. يرفض والحكم مسبق محاولات الآخرين. يعتذر عن حضور الندوات والمحاضرات. وينهي كل المناقشات في الاغلب بما يعني: لا احب ذلك!
لكن الادب العربي في الحقيقة ابعد مايكون عن الظلال. وربما القتامة التي تصر اجتهادات مشبوهة ان تحيطه بها. وهي اجتهادات ليست وافدة من الغرب باعتبار ان ما يأتي من الغرب لايسر القلب. فهي قد تنتسب للاسف الي نحن. الي شعور بالدونية تغيب مبرراته وبواعثه.
لعل وضع أدبنا العربي في موضعه الصحيح. هو المسئولية الأولي لجابر عصفور في عمله الجديد أمينا عاما للمركز القومي للترجمة.
..........................................
*المساء ـ في 5/5/2007م.

د. حسين علي محمد
12-05-2007, 04:59 PM
من المحرر

بقلم: محمد جبريل
.........................

الثابت - تاريخيا - ان عنترة كان واحداً من الفرسان الذين يعتز بهم العرب في العصر الجاهلي. ثم أضاف الوجدان الشعبي إلي سيرة حياته. فهو ذلك البطل الذي دافع عن حبه. وعن حقه في الحرية والمساواة. ولم يكن الهلالية - علي حد تعبير عبدالحميد يونس - سوي أهل شغب. قليلا ما يهدون. يقطعون الطريق علي السفر حجاجا وتجاراً ويكرهون النظام أيا كان مصدره والسلب عندهم غنيمة مشروعة تقضي بها خلقيتهم ويقوم عليها مجتمعهم. بحيث صاروا خصوم الدولة النظامية الألداء. أما الظاهر بيبرس فإن بداية التحقق الفعلي لمكانته البطولية حين قتل قائده العظيم المظفر قطز. بعد أن دحر المغول في موقعة عين جالوت. وأما السيد البدوي. فثمة ظلال علي سيرة حياته. تخالف ما ألف الرواة الشعبيون ترديده عن تلك السيرة. ولعلي أذكرك بكتابات محمد فهمي عبداللطيف وسعيد عبدالفتاح عاشور وغيرهما وتقول سجلات الشرطة ان ابن عروس وأدهم الشرقاوي وياسين ومتولي وبهية وغيرهم من الذين وضعهم الوجدان الشعبي في مكانة متفوقة. قد ارتكبوا جرائم يعاقب عليها القانون الجنائي. كالقتل والسطو والخطف والزنا ومقاومة السلطة.. إلخ.
فلماذا أسقط الوجدان الشعبي ما يشكل - في حياة هؤلاء - نقاط ضعف - أو سلبيات وبتعبير آخر: كيف يصنع الوجدان الشعبي نموذجه البطولي؟
السيرة الشعبية والحكاية والرواية التاريخية الشعبية. ليست مجرد رواية ما حدث. وإنما رواية ما كان يجب أن يحدث. أو ما يتمني الوجدان الشعبي أن يحدث من رغبة في تغيير الواقع إلي اصطناع التاريخ الذي يريده. إن كل تلك الأجناس الأدبية والفنية تسجيل شعبي. شفاهي. لحياة الجماعة الشعبية. أضيف إليه. وحذف منه وخضع عموما لرؤية الناس المتجددة والمتغيرة لأحداث تاريخهم. لذلك جاء القول إن الموروث الشعبي نوع من القراءة الشعبية للتاريخ.
الواقعة التاريخية ليست مقدسة في رواية الوجدان الشعبي. لأن قداسة الواقعة تقتصر علي ما يشغل الوجدان الشعبي هو اثراء الصورة التي يبتدعها خياله. بصرف النظر عن الأحداث والشخصيات.
والحكاية الشعبية - أو الحدوتة - ينبغي أن تصل إلي النهاية التي يريدها المتلقي. لا يشغله مسار الأحداث. ولا تطوراتها. ولا الحبكة. أو ماذا تريد الحكاية - أو الحدوتة - أن تقول. المهم أن تعود الأمور إلي ما كانت عليه في بداياتها. والنهاية السعيدة مطلوبة في الحكاية الشعبية بعكس ما تقدمه السيرة - الموال كما في ياسين وبهية وأدهم الشرقاوي وشفيقة ومتولي.
وإذا كانت السيرة الشعبية تتناول - في الأغلب - بطلا تاريخيا حقيقيا. وأحداثا تاريخية حقيقية. فإن الوجدان الشعبي قد أضاف إلي الأبطال الحقيقيين. والأحداث التاريخية الحقيقية. بما أعاد تشكيل البطل. والحدث. علي الصورة التي يريدها. أو يتمناها. بل ان بعض الشخصيات التي قدمتها السير والحكايات الشعبية. يشك في وجودها مثل المهلهل وسيف بن ذي يزن. وذات الهمة وحمزة البهلوان.
السيرة الشعبية - شأنها شأن التراث الشعبي - يضاف إليها بتوالي الأعوام وتجري تعديلات. حذف واضافة. يساعد علي ذلك ان السيرة الشعبية شاعر أو محدث من جانب. ومتلقون من جانب آخر وعلي الشاعر أو المحدث أن يستجيب إلي رغبات المتلقين في الاطناب أو الايجاز "أو حتي علي الحذف والتبديل في نص القصة" ربما أضافت السيرة شخصيات غير حقيقية وأحداثا لم تقع بالفعل لتحقيق الدلالة التي يستهدفها الوجدان الشعبي من صياغة السيرة أضافتها في توالي العصور. ثمة من يشترط علي كاتب الرواية التاريخية ألا يتصرف في تغيير الحوادث أو الأزمنة التاريخية. لكنه لا يرفض ذلك في السيرة الشعبية. فقد يكون لها أساس تاريخي لكنها تتصرف في الحوادث التاريخية تصرفا واسعا يخضع لظروف رواية السيرة أو الحكاية أو الوقائع التاريخية. وبتعبير آخر فإن السيرة الشعبية. الحكاية. الوقائع التاريخية تمثل - في تقدير البعض - الكتابة الشعبية للتاريخ العربي.
..........................................
*المساء ـ في 12/5/2007م.

د. حسين علي محمد
19-05-2007, 01:56 PM
عن الأدب .. وعالم الفتوات

بقلم: محمد جبريل
.....................

روي لي أستاذنا نجيب محفوظ -يوما- أن نشأته في الأحياء الشعبية قد أتاحت له التعرف -بصورة مباشرة- إلي حياة القنوات وما كانت تزخر به من بطولات وخيانات ومعارك لا تنتهي وقد انعكس ذلك كله -بالطبع- في عالم كاتبنا الكبير الروائي منذ بداية ونهاية إلي الحرافيش وبقدر ما كان نجيب محفوظ الطفل يضمر إعجابا بالفتوات فإنه لم يكن يملك إلا الإشفاق علي هؤلاء الذين تجددت وظيفتهم في تلقي الضربات أثناء المعارك المتوالية وكانت قواهم الجسدية هي عنصر امتيازهم الوحيد.
ولأن الفتونة ليست قوة جسدية فحسب إنما هي إرادة وذكاء وقوة شخصية وحسن قيادة للآخرين فقد كان مساعدو الفتوات تكوينا أساسيا في ذلك العالم المثير بدونهم تزول سيطرة كل فتوة علي حي أو مجموعة أحياء وتتحول معاركه مع فتوات الأحياء الأخري إلي خناقات فردية. دون أن يجاوز تأثيرها الفتوات أنفسهم. أما المساعدون. فبالإضافة إلي أنهم كانوا يتلقون الضربات فقد كانوا -في الوقت نفسه- يبلغون الإنذارات ويتلقون الإتاوات. ويضعون أعينهم علي تحركات القنوات الآخرين. وعلي الشرطة في آن معا.
باختصار. فإن مساعدي كل فتوة كانوا هم العامل الأساسي في إبرازه وتقديمه وفرض سطوته. وإن ظلوا علي الهامش دوما في عالم الفتوات.
والحق أن ذلك العالم الاسطوري -كما رواه لي استاذنا نجيب محفوظ- يذكرني بواقعنا الأدبي والفني المعاصر. فما أكثر مساعدي الفتوات في دنيا فنان الشعب سيد درويش. وفي النقلة التي أحدثها الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب. وفي استاذية نجيب الريحاني. وفي أداء أم كلثوم. وفي لوحات محمود سعيد. وتماثيل محمود مختار. وما أكثر مساعدي الفتوات في عالم نجيب محفوظ نفسه بل إن جيل يوسف إدريس بكامله لم يزد دوره عما كان يفعله مساعدو الفتوات في مطالع القرن.. أبدعوا. ولقيت أعمالهم قبولا ورفضا. وذاعت أسماء واختفت. وأثيرت المعارك الفنية والنقدية. ونوقشت الرسائل الجامعية. وصدرت الدراسات وعقدت المؤتمرات والندوات. فلما انحسر المد بدا يوسف إدريس متفردا في الساحة.
لعل المشكلة التي تحياها أجيال ما بعد يوسف إدريس. أن رأيا عاما لم يتكون -بصورة حاسمة- حول اسم محدد فالأسماء تظهر في حياتنا الثقافية كالفلاشات التي تضيء جدا. ثم تختفي بالكيفية ذاتها!
أخشي أن يكون مبدعو هذه الأجيال قد تحولوا جميعا -والظواهر كثيرة- إلي مساعدين- وهنا الحسرة! -لفتوات الأجيال السابقة.
من فتوة هذا الجيل؟!
.........................................
*المساء الأسبوعية ـ في 19/5/2007م.

د. حسين علي محمد
19-05-2007, 01:58 PM
د.سعد أبوالرضا:
لا تعارض بين الأدب الإسلامي وحرية الإبداع
الكتابة للطفل يجب أن تقتصر علي المتخصص
مشكلة الجامعات الإقليمية في قلة الإمكانيات

حاوره: محمد جبريل
.........................

الحوار مع الدكتور سعد أبوالرضا ينبغي أن يشمل -بالضرورة- ما يشغله من اهتمامات ثقافية وإبداعية. فهو كاتب للقصة القصيرة. ولأدب الأطفال. وأستاذ جامعي. وناقد. وله نظرياته في مجال الأدب الإسلامي التي لا تشترط الاجتهادات الدينية الفقهية. وإنما تعني بالقيم الإسلامية في عمومها. وقد تحدث عنها في مؤتمرات دولية في السعودية والمغرب العربي والأردن وفلسطين واليمن فضلا عن إنجلترا وفرنسا.
* قلنا: بداية هل هناك تعارض بين مفهوم الأدب الإسلامي وحرية الإبداع؟
** قال: لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين الأدب الإسلامي وحرية الإبداع فالأديب المسلم يمكنه أن يتحدث في أي موضوع. ويكتب في أية قضية المهم أن تكون هناك مرجعية إسلامية ضابطة لهذه الحرية.. بمعني ألا يكون هناك -مثلا- خروج علي الأخلاق أو تجاوز غير مشروع في حقوق الآخرين. وهكذا.
* قلنا: بهذا المفهوم يمكن القول إن كل من يلتزم بهذه الضوابط هو كاتب إسلامي. حتي لو لم يكن مسلما؟
** قال: مثل هذا الأدب يسمي "أدب موافق" إذا وجدنا فيه خصائص وملامح للأدب الإسلامي.
* قلنا: إذن. من هو الكاتب الإسلامي في هذا المنظور؟
** قال: نجيب الكيلاني روائي متميز علي مستوي الوطن العربي. وثمة عماد الدين خليل وحسن الأمراني من المغرب. وكتاب في أرجاء العالم الإسلامي يلتزمون بما تدعو إليه اتجاهات الأدب الإسلامي.
* قلنا: هناك إذن -في رأيك- آداب تنتسب إلي الأديان؟
** قال: أنا لا اعترف بهذا. لكنه واقع. هناك أدب مسيحي وأدب يهودي. وهناك الكثير من الرسائل في كليات اللغات والترجمة عن هذه الإبداعات وهو أمر ليس جديدا فقد أكد الشاعر والناقد البريطاني الأشهر ت.إس.إليوت إن الحكم النقدي لابد أن تكون له مرجعية أخلاقية مردها الدين المسيحي. من حقنا إذن أن ندعو إلي فكرة الأدب الإسلامي دون تعصب أو اتهام أي شخص بالكفر أو غيره. هذه مسائل لله سبحانه فقط ولا تعني البشر!
* قلنا: ألا تري في كتابات كل من العقاد وطه حسين والحكيم ومحفوظ ما يصح نسبته إلي الأدب الإسلامي؟
*. قال: عبقريات العقاد تضعه في مقدمة الكتاب الإسلاميين. وطه حسين خرج عن بعض التوجهات الإسلامية في كتابه الأدب الجاهلي. لكنه من أكبر الدعاة إلي الاهتمام بالقرآن الكريم. والحفاظ علي اللغة العربية. وهو ما يتفق مع أهداف الأدب الإسلامي الحكيم أيضا له كتابات طيبة تدعو إلي الحرية والقانون والعدل ونجيب محفوظ في أسلوبه السردي متأثر تماما بالقرآن الكريم وإن كان لي ملاحظة تتصل بتعامله مع الجنس بإفراط هذا لا يعني أن الإسلام ضد تناول الجنس لكن بصورة لا تثير رغبات الشباب نحن في حاجة إلي أدب يرتقي بالناس وبعواطفهم ويبث في نفوسهم الأخلاق والسلوك القويم ويدعو إلي الخير وينبذ الشر.
* قلنا: ما رأيك في المشهد الثقافي في مصر الآن؟
** قال: هو عامر بالكثير من النماذج الأدبية في الشعر والقصة والرواية والمسرحية. لكن الملاحظ أن بعض جهات النشر ربما وضعت مواصفات لا تساعد الشباب الموهوب أخشي أن أقول إن الشللية تسيطر ولا تسمح بظهور الأدب الجيد لكل الأجيال فالمكتبات الخاصة حريصة علي المشهورين وفي المؤسسات الثقافية هناك قوائم انتظار وهنا يأتي دور النقد الأدبي في مواكبة الإنتاج المعروض وبالمناسبة فإني اقترح أن تصدر لجان المجلس الأعلي للثقافة نشرة شهرية عن أنشطتها لتحقيق المزيد من الفعالية بين المثقفين وكل من لديه موهبة أضيف أن كل المشاركين في هذه اللجان من القاهرة رغم إعلان جابر عصفور ان أعضاءها من المثقفين في القاهرة والأقاليم أنا أجد أن هذا غير متحقق!
* قلنا: أنت متعدد المواهب.. فأين تجد نفسك؟
** قال: كنت خارج مصر عشر سنوات وهذا أحدث قطيعة. أحاول الآن أن استعيد دوري وفي مؤتمر الشعر الأخير أرسلت بحثا إلي مسئولي المجلس الأعلي للثقافة لكنهم اعتذروا قبل موعد المؤتمر بيومين! لقد شارك في المؤتمر 35 شاعرا وناقدا منهم 12 من أعضاء المجلس وما لايزيد علي اثنين من خارج المجلس بينما قدم الآخرون من خارج مصر واتساءل: لماذا لا يتاح للمصريين القادرين علي الاسهام وإثبات الوجود كما يتاح لهم في أقطار الوطن العربي؟
نماذج جيدة
* قنا: ما رأيك فيما يكتب للأطفال الآن؟
*. قال: لا شك أن أدب الأطفال في الولايات المتحدة متقدم كما وكيفا وأذكر إحصائية في الثمانينيات تتحدث عن مائة ألف كتاب هناك وأربعة آلاف كتاب عندنا يجب أن يقدم أدب الطفل من قبل متخصصين والاهتمام بعلم النفس والعلوم الاجتماعية وغيرها من الاهتمامات المطلوبة لكاتب الأطفال هناك نماذج جيدة لكنها قليلة فثمة من هو غير مؤهل للكتابة للطفل وما يكتب للأطفال الآن غير مدرج عليه المرحلة السنية التي يتوجه إليها فكل مرحلة لها خصائصها ولها أسلوبها الذي يجب أن يعرفه الكاتب ويتبعه حتي تصل رسالته وكما قلت فإن لدينا بعض الكتاب المتميزين مثل عبدالتواب يوسف الذي أقدر موهبته وإنتاجه الوفير إلي جانب أن لدينا مؤسسات مهتمة بثقافة وأدب الطفل مثل كليات رياض الأطفال والدراسات العليا في الجامعات المختلفة وقد اسهمت جهود السيدة سوزان مبارك من خلال المسابقات المختلفة في تشجيع ومساعدة أجيال جديدة لاقتحام هذا المجال.
* قلنا: الأجناس الأدبية.. هل أصبحت من التراث بعد أن ظهر ما يسمي "النص"؟
** قال: تداخل الأجناس الأدبية أمر مفيد وفيه إثراء للأدب بشرط ألا يؤدي ذلك إلي اختفاء الحدود بين الأجناس الأدبية المختلفة نعم لتداخل الأجناس الأدبية شريطة أن تكون هناك حدود واضحة تدعم الأنواع الأدبية. وقد أصبح لدينا الآن درامية القصة وشعرية القصة وشعرية الرواية لكن من المهم ألا يقدم إلي مثل هذا التجريب غير المتمرسين بالمقياس العلمي والموضوعي للكلمة!
* قلنا: كأستاذ في جامعة بنها.. ما تعليقك علي ما يقال من أن الجامعات الإقليمية أقرب إلي المدارس الثانوية؟
** قال: المجاميع الآن مرتفعة لأن طريقة التعليم في الثانوي بالإضافة إلي الدروس الخصوصية وطريقة الامتحان.. ذلك كله رفع درجات المجموع ووجود الجامعات الإقليمية ضرورة قومية واجتماعية وإنسانية حتي ينتشر التعليم إضافة إلي أن هذه الجامعات توجد فيها أعضاء هيئات تدريس لا يقلون كفاءة أو مقدرة عن غيرهم في الجامعات الرئيسية لكن المشكلة تكمن في أن الجامعات الإقليمية قد تنقصها الإمكانيات مثل أن تكون معامل اللغات بكليات الآداب غير مكتملة.. الجامعات الإقليمية تؤدي دورها وهو ما ينعكس علي مستوي الخريجين في جامعة القاهرة أو عين شمس أو حلوان.. لكن ذلك لا ينفي وجود تميز في جامعة بنها كما هو الحال في الجامعات الأم مع ضرورة الإشارة إلي أن الإمكانيات التعليمية المكتبية والمعامل المختلفة في الجامعات الأم ذات مستوي مرتفع.
.................................................. ..
المساء الأسبوعية ـ في 19/5/2007م.

د. حسين علي محمد
26-09-2007, 02:30 AM
ماوراء الحكايات
محمد جبريل.. ابداع برائحة البحر

حوار - نعمة عز الدين
...........................

في عام 1938 شهدت مصر انتقال القوات البريطانية من القاهرة والاسكندرية الي القناة، واستعدت مصر لمواجهة الحرب العالمية التي بدت نذرها في الافق، وخرجت الي الشوارع مظاهرات تهتف بحياة زعيم الوفد وتتهم محمد محمود بمحاولة اغتياله، واعلن عن تأسيس الاتحاد العام لنقابات عمال المملكة المصرية، وارتفع فيضان النيل الي حد الخطر،
واصدر طه حسين كتابه العلامة »مستقبل الثقافة في مصر« واذاع عدد من الفنانين والكتاب الطليعيين المصريين - متأثرين بسريالية أندريه بريتون - مانفنستو »يحيا الفن المنحط« وفي خضم هذا الغليان السياسي والاجتماعي ولد الاديب الكبير »محمد جبريل« في حي بحري بالاسكندرية وبرغم انتقاله للعمل والاقامة في القاهرة فان رائحة الاسكندرية لا تغيب ابدا عن معظم اعماله، والتي نذكر منها »إمام آخر الزمان«، »من اوراق ابن الطيب المتنبي«، »رباعية بحري«، »قلعة الجبل«، »ماذكر من اخبار عن الحاكم بأمر الله«، »مصر المكان«، »مصر في قصص كتابها المعاصرين«، »قراءة في شخصيات مصرية« بالاضافة الي أكثر من 90 قصة قصيرة تجعل الولوج الي عالمه الانساني نوعا من الإبحار الممتع.
يقول »محمد جبريل«: حي بحري الذي ولد وعاش فيه طفولته نشأت في بيئة تحض عن عشق الموروث الشعبي، حي بحري شبه جزيرة في شبه جزيرة الاسكندرية الي اليمين الميناء الشرقي، او المينا الشرقية في تسمية السكندريين والي اليسار الميناء الغربي او المينا الغربية، وفي المواجهة خليج الانفوشي، ما بين انحناءة الطريق من نقطة الانفوش الي سراي رأس التين.
هذه البيئة تتميز بخصوصية مؤكدة فالبنية السكانية تتألف من العاملين في مهنة الصيد وما يتصل بها ومن العاملين في الميناء وصغار الموظفين واعداد من الحرفيين والمترددين علي الجوامع والزوايا والاضرحة، فضلاً عن الآلاف من طلبة المعهد الديني بالمسافرخانة.
واذا كان لبيئة البحر وما يتصل بها، انعكاسها في العديد من اعمالي الابداعية، فان البيئة الروحية لها انعكاسها كذلك في تلك الاعمال، مثل جوامع ابو العباس وياقوت العرش والبوصيري ونصر الدين وعبد الرحمن بن هرمز وعلي تمراز وثمة أضرحة كظمان والسيدة رقية وكشك وعشرات غيرها من جوامع اولياء الله الصالحين ومساجدهم وزواياهم واضرحتهم، وثمة الموالد وليالي الذكر والاهازيج والاسحار والتواشيح، وليالي رمضان وتياترو فوزي منيب وسرادق احمد المسيري وتلاوة القرآن عقب صلاة التراويح في سراي رأس التين، والتواشيح واحتفالات الاعياد: سوق العيد وما يشتمل عليه من المراجيح وصندوق الدنيا والاراجوز والساحر والمرأة الكهربائية، وألعاب النشان والقوة وركوب الحنطور من ميدان المنشية الي مدرسة ابراهيم الاول وتلاقي الأذان من المآذن المتقاربة والبخور والمجاذيب والمساليب، والباحثين عن البرء من العلل والمدد، بالاضافة الي المعتقدات والعادات والتقاليد التي تمثل في مجموعها موروثا يحفل بالخصوصية والتميز حين اراجع اعمالي الابداعية بدءا من قصتي القصيرة الاولي (الي الآن حوالي 90 قصة قصيرة و18 رواية) فان تأثير ذلك كله يبين في العديد من المواقف والشخصيات وفي تنامي الاحداث.
في »رباعية بحري« يشعر الكاتب الكبير محمد جبريل أنه كتب كل ما في مخزونه الروحي ووصف طفولته وصباه متنقلا بين الجوامع الاربعة قائلا: رباعية بحري عملي روائي من اربعة اجزاء: أبو العباس، ياقوت العرش البوصيري، علي تمراز، تعرض للحياة في حي بحري منذ اواخر الحرب العالمية الثانية الي مطالع ثورة يوليو 1952 لوحات منفصلة حيث تكامل اللحظة القصصية، ومتصلة من حيث اتصال الاحداث، وتناغم المواقف وتكرار الشخصيات انسية التي طالعتنا في بداية الجزء الاول من الرباعية، هي انسية التي انتهت بها احداث الجزء الرابع والاخير، وما بين البداية والنهاية نتعرف الي دورة الحياة من ميلاد وطفولة وختان وخطبة وزواج وانجاب وشيخوخة ووفاة، فضلاً عن الحياة في المعهد الديني بالمسافر خانة، وحلقة السمك وحياة الفتوات والعوالم وما يتسم به ذلك كله من اختلاف وتميز، بقدر اختلاف البيئة وتميزها، علي سبيل المثال فإن الحياة في البحر وصلة البحر واليابسة، والمؤمنين بطهارة الماء وقدرة البحر علي اعمال السحر، والحكايات والمعتقدات عن عرائس البحر والعوالم الغريبة وكنوز الاعماق، والخرافة، والاسطورة والزي التقليدي، والمواويل، والاغنيات، والامثال، والحكايات، وخاتم سليمان، والمهن المتصلة بمهنة الصيد كالصيد بالسنارة والطراحة والجرافة، واسرار الغوص في اعماق البحر، وغزل الشباك وصناعة البلانسات والفلايك والدناجل وغيره وركوب البحر، وبيع الجملة في حلقة السمك وبائعي الشروات.. ذلك كله يتضح في الشخصيات التي كانت الحياة في البحر مورد الرزق الاهم - او الوحيد - لها.
وفي قصصي القصار تتناثر لمحات من الموروث الشعبي، متمثلة في العديد من سلوكيات الحياة والمفردات والتعبيرات، وغيرها مما يعبر عن التميز الذي تتسم به منطقة بحري في حدودها الجغرافية المحددة والمحدودة: الزي الوطني، الطب الشعبي، العاب الاطفال وأغنياتهم، نداءات الباعة، الكناية، التكية المعايره، القسم، الطرفة، المثل، الحلم، وغيرها..
والحق انني حين اراجع ابداعاتي التي وظفت - او استلهمت الموروث الشعبي اجد انها وليدة العفوية - ومحاولة التعبير عن الواقع، هذا هو ما افرزته تجربة الحياة والمشاهدة والقراءة والتعرف الي الخبرات، لم أتعمد الافادة من الموروث الشعبي بل هو الذي فرض معطياته في مجموع ماكتبت مثل روايتي القصيرة: »الصهبة« وروايتي: »بوح الاسرار«، و»زهرة الصباح« وغيرها.
علي الرغم من نشأة الكاتب محمد جبريل يتيم الام - لقد ماتت والدته وهو دون العاشرة من عمره - الا انه يتحدث عن اثرها البالغ في تكوينه الابداعي قائلا: وعدت القارئ في سيرتي الذاتية »حكايات عن جزيرة فاروس« بأن يقتصر ما اذكره من الاعوام القليلة التي أمضتها امي في حياتنا علي بعض الصور او الومضات السريعة، رحلت امي قبل ان أبلغ العاشرة فتصورت ان ما اذكره لن يجاوز تلك الفترة الباكرة من حياتي فضلاً عن غياب الوعي بصورة كاملة او جزئية في الاعوام الاولي منها، لكن الذكريات التي كانت مطمورة مالبثت ان استردتها الكتابة وهو ما سجلته في »مد الموج« و»الحياة ثانية« و»اغنيات« في العديد من اعمالي الروائية والقصصية.
ولعل رصيد امي هو اول ما اذكره من أيامها بيننا، أشرت اليه في العديد من لوحات السيرة الذاتية، والقصص القصيرة وفي فصول سيرتي الذاتية، قالت الجدة في شقة الطابق الرابع انها كانت تجلس بجوار امي تعودها لما انتفضت امي - فجأة - واشارت الي مالم تتبينه العجوز وهتفت: ابعدوه من هنا! ثم سكت صوتها وجسدها امرني ابي بالنزول الي الطبيب الارمني في الطابق الاول، صعد الطبيب السلم بخطوات متباطئة وكان يقف في كل طابق، امام النافذة المطلة علي الشارع الخلفي، ربما ليأخذ انفاسه وكنت ادعوه - بيني وبين نفسي - الي الاسراع في الصعود كي ينقذ امي، أطال الطبيب تأمل الجسد الساكن، كانت العينان جاحظتين، والبطن منتفخا بصورة ملحوظة والجسد بكامله متصلبا، كأنه وضع في قالب، مال الرجل علي صدر امي وباعد بأصبعيه بين الجفنين، وضغط بقبضة يده علي البطن المنتفخة ثم هز رأسه في اسي: ماتت!
كانت امي مثلاً للحنان والقسوة في آن تثيب للفعل الطيب وتعاقب للخطأ التافه او الذي اتصوره تافها - كانت كما رويت في »مد الموج« تصر علي ان نذاكر حتي موعد النوم وترفض نزولنا للعب في الشارع الخلفي، لكنها كانت تحرص علي ان نجلس بحوار الراديو لسماع بابا صادق ثم بابا شارو في موعد برنامج الاطفال، ووافقت علي اقتراح اخي الاكبر بأن نشتري قطعة جاتوه بنقود العيدية التي اعطاها لنا خالي ووضعتها امي في درج الكومودينو وقالت امي: هل اذنت لكم قال اخي انها فلوسنا، ألقت علي الارض ماكانت تحمله، وسحبت من فوق الدولاب حبلا كانت تخصصه لعقابنا، لفته حول اقدامنا وتوالت ضرباتها بالشماعة حتي اجهدها التعب.
ماتت امي وكبرت انا وتزوجت وانجبت وكان من الطبيعي ان تعود الذكريات وتنشأ المقارنة وتتوضح معان كانت غائبة، من بينها اشفاق الابوين علي مستقبل ابنائهما والفارق بين التدليل والافساد والتعويد علي الحياة السهلة او تلك التي تحرص علي القيم كان الاشفاق والحنان والخشية من الانحراف هو الباعث وراء الايذاء المتواصل من امي.. ادركت ذلك متأخرا وبعد فوات الاوان.
يقول الكاتب الكبير محمد جبريل محدثا نفسه: قد تهبني هامشية من الخبرات اضعاف ما احصل عليه من شخصية اختزنت المعرفة فظلت ساكنة في داخل الذهن والوجدان دون تأثير حقيقي عليها، وعلي من يخالطونها وتعبير آخر فإن التأثير والتأثير، لا صلة لهما بمعرفة ولا ثقافة ولا مرحلة سنية وازعم انني افدت من رحلة امي القصيرة في حياتي ومن رفعة زوجتي زينب العسال الناصحة المشفقة المتدبرة ومن تمازج الطفولة والوعي في ابنتي امل لما لم تبدله الاعوام، ولعلني اذكر زواج خادمتنا »دهب« واستقلالها بحياتها لكنها ظلت علي صلتها الاسرية بنا، تزورنا وتسأل عن احوالنا - بالذات بعد ان رحلت امي - واضطر ابي - بتأثير المرض - الي لزوم البيت والاعتذار عن غالبية الاعمال التي عرضت عليه وكان مترجما! وعانينا ظروفا بالغة القسوة وصارحنا ابي - ذات يوم - ان »دهب« عرضت عليه مبلعا نجاوز به ظروفنا، وارفق ابي شكره باعتذار مؤدب فقد كان - كما قال لنا - يعرف ظروف دهب جيداً.
اذكر ايضا زوجة عم احمد الفكهاني في الشارع الخلفي الواصل بين بيتنا وجامع سيدي علي تمراز كانت اشد منا حرصا علي »الغديوه« التي نقيمها كل بضعة ايام، ابنها فتحي واخي وانا، نفسح لها اسفل عربة الفاكهة الصندوقية الشكل، تضيف الي ما نأتي به ثمار الفكاهة وطبق سلطة خضراء وخبز ساخن من الفرن القريب، تظل طيلة جلوسنا في ظل العربة توصينا بأنفسنا، وبالمذاكرة، وتدعو الله ان يفتح لنا ابواب المستقبل بشخصية الام المصرية في مثالها المكتمل!
................................
*الوفد ـ في 26/9/2007م.

د. حسين علي محمد
29-09-2007, 03:11 PM
من المحرر

بقلم: محمد جبريل
........................

الشخصية في التعريف النقدي هي مجموع مايقال عنها باللغة. الي جانب ما تقوله وتفعله. ومن الطبيعي ان الشخصية تختلف بدرجات متفاوتة باختلاف البيئة التي تنتسب اليها. بتأثير البيئة أولا. ثم بظروف المهنة والحياة الاجتماعية. فباختلاف الثقافة والاهتمامات. الفلاح نتيجة للظروف التي يحياها أكثر بساطة من العامل. الذي يتعامل مع الآلة. ومع الادارة. واسلوب التفكير يختلف عند الفلاح منه عند العامل. وهو ماتفرضه بالطبع طبيعة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يحياها كل منهما. والفلاح يعاني الامية بصورة ابشع مما يعانيها العامل. وشخصية الفلاح تميل الي الحذر والتوجس والشك. بعكس العامل الذي يحيا مع زملائه في المصنع بروح الجماعة المتضامنة. تميز الشخصية الفردية هو الذي يعطي للانسان طابعه الخاص آراءه. عاداته. سلوكياته. مواقفه.. لكن الفرد لابد ان يتأثر بدرجة أو بأخري بالجماعة التي ينتمي اليها. بالاسرة. بالعائلة. بالوطن. وينعكس ذلك بالتالي في تشابه الجماعات في بعض الخصائص العامة. ان لم يكن معظمها.
الفرد اذن يختلف بصورة جذرية واساسية عن الاخرين. لكنه في الوقت نفسه يتشابه في نواح كثيرة مع الافراد الذين يشكلون مجتمعه الخاص والعام. وهذا الاتفاق الذي يشمل ملامح كثيرة تبدو مغايرة واحيانا متفقة لملامح المجتمعات الاخري. هو مايمكن ان نتناوله باعتباره التعبير عن شخصية الجماعة. أو شخصية المجتمع.
التحديد العلمي للشخصية هو انها ذلك التنظيم المتكامل من الصفات والمميزات والتركيبات والملامح الجسمية والعقلية والانفعالية والظروف البيئية التي تبدو في العلاقات الاجتماعية للفرد. والتي تميزه عن غيره من الافراد تمييزا واضحا.
السؤال الذي يطرح نفسه : هل هناك مايمكن تسميته بالشخصية المصرية فعلا؟ وهل يمكن اطلاق تسمية "الشخصية" علي شعب ما؟
أستاذنا سيد عويس يرفض التسمية في اطلاقها.. رأيه الذي يستند الي العلمية ان الشخصية للافراد. وليست للجماعات. لان الجماعة تضم افرادا متوزعي الميول والنزعات والاهواء. متغيري البيئة والتربية والثقافة. ومن ثم فإن الحكم علي الجماعة من خلال الافراد يجانبه الصواب والدقة الي حد كبير. ولعلي اوافق بدرجة ما علي هذا الرأي من خلال احكام المصريين انفسهم علي مناطقهم المحلية . فأهل دمياط علي سبيل المثال مشهورون بالحرص. بينما اهل الشرقية مشهورون بالكرم الزائد. واهل الاسكندرية يعشقون الفتونة. وهكذا.. فهل يعني هذا ان كل دمياطي هو حريص . وان كل شرقاوي مسرف في كرمه. وان كل سكندري عاشق للفتونة؟
الحكم علي الجماعة من خلال الافراد. تجانبه الدقة الي حد بعيد. فإذا أضفنا ان الحكم علي الشخصية المصرية يعني الحكم علي مجموع الافراد المصريين. والمناطق المصرية من السلوم الي شلاتين. بكل ما يشتمل عليه هؤلاء جميعا من آراء ومواقف وميول وأهواء متباينة. بدت الصفات الشخصية للشعب المصري مما يصح اطلاقه علي الشعوب الاخري. مثل الكرم والبخل والعجلة والصبر والشجاعة والخوف. الي غير ذلك من التقابلات والمتناقضات.. ذلك لان كل الشعوب تتكون من افراد. والافراد كما قلنا ليسوا أنسجة متشابهة ان لكل منهم شخصيته التي تخلقت من عوامل بيئية وثقافية واجتماعية مختلفة.
من هنا تبدو أهمية "التاريخ" للتعرف الي شخصية شعب ما. الشخصية هنا تعني المواقف المتماثلة التي تعكس بتوالي حدوثها خصائص متماثلة في هذا الشعب أو ذاك.
.............................
*المساء ـ في 29/9/2007م.

د. حسين علي محمد
06-10-2007, 04:11 PM
الحكم بالإعدام على ديوان شعري*
بقلم: محمد جبريل
......................
mlg_38@hotmail.com

تلقيت هذه الرسالة من الصديق الشاعر عبدالعزيز موافي:
قال لوركا: بالأمس قتلوا واحدة من كلماتي فجلست مع قصائدي في مجلس عزائها واليوم ومن أجل الكلمة الشهيدة نفسها لبست كل الكلمات الجميلة والبريئة في العالم ربطة عنق سوداء حزنا عليها.
وأنا - علي العكس من لوركا - قتلوا كل كلماتي عندما حكموا بالاعدام علي ديوان كامل هو ديوان 1405 الذي يترجم التجربة الإنسانية في حرب أكتوبر والذي يتزامن اصداره مع ذكري تلك الحرب إلا أن بعض مسئولي الهيئة بدلا من احتفائهم بهذا الديوان الصادر في مكتبة الأسرة لم يقتلوه فقط وإنما مثلوا بقصائده فبعد أن انتهوا من طبعه فوجئت بأن الأسطر الأخيرة في قصيدتين قد سقطت عند الطبع بالاضافة إلي سقوط ثلاثة مقاطع كاملة هي بمثابة ثلاث صفحات وما زاد الطين بلة ان هناك قصيدتين متداخلتين معا.
حينما توجهت إلي مكتب رئيس الهيئة أحالوني إلي مكتب مسئول آخر عرضت عليه المشكلة وارتحت لأنه كان عليما بها لكنه فاجأني بطلب أن يبقي الديوان علي ما هو عليه مع اضافة استدراك في آخره أفهمته ان ذلك لم يحدث من قبل في دواوين الشعر وان الاستدراك خاص بالأخطاء الطباعية للمفردات فقط وهو ما لا يتفق والأخطاء الجسيمة الموجودة بالديوان. رد قائلا: الموضوع كدة حايطول. وحينما سألته: إلي متي؟ رفض الاجابة كما رفض الافصاح عن كيفية إصلاح الخطأ.
يبدو أن هذا المسئول تناسي ان الهيئة تتعامل مع المبدعين والمثقفين. الذين يمثلون ضمير ووجدان هذا الوطن ولو ان ذلك كذلك لبادر المسئول- ومن تسبب الحاق في الأذي بديواني وبشخص مؤلفه بالتالي - بالاعتذار عن هذا الخطأ الذي يبلغ حد الخطيئة ولا ستدركوا الخطأ فورا أنه من غير المنطقي أن يتحمل المبدعون وزر اخطاء الآخرين.
اذكر بعض مسئولي هيئة الكتاب - هؤلاء الذين لا يجدون في الخطأ ما يستحق المراجعة ولا التصحيح - بالقول الجميل: الرجوع إلي الحق فضيلة.
انتهت الرسالة.
*العنوان أنا الذي وضعته، والزاوية الأسبوعية بعنوان "من المحرر" (د. حسين علي محمد).
..........................
*المساء ـ في 6/10/2007م.

د. حسين علي محمد
20-10-2007, 06:18 PM
"الحدوتة" وأثرها في بناء الرواية

بقلم: محمد جبريل
.......................

علي الرغم من اختلافي مع أرنولد بنيت في رأيه. بأن أساس الرواية الجديدة هو "خلق الشخصيات. ولا شيء سوي ذلك". فلعلي أتفق تماما علي أن خلق الشخصيات دعامة أساسية في بناء الرواية. الذي يستند - بالضرورة - إلي دعامات أخري. أقواها - أو هذا هو المفروض - "الحدوتة". وإن تصور بعض الذين اقتحموا عالم الرواية الجديدة. نقاداً أو أدباء - أن الرواية ليست في حاجة إليها. وأن ما يستعين به الفنان من أدوات. يضع الحدوتة في مرتبة تالية. أو أنه يمكن الاستغناء عنها إطلاقا.
وفي تقديري أن الحدوتة هي "النطفة" التي يتخلق بها العمل الإبداعي. وأذكر أني حين عرضت - للمرة الأولي في القاهرة - مسرحية بيكيت "لعبة النهاية" أن إعجاب النقاد تركز علي خلوها من الحدوتة. وكان ذلك - في تقديرهم - هو "الجديد في الرواية الجديدة". كانت القاهرة تعاني - كعادتها - غربة حقيقية عن الواقع الثقافي المتجدد في الحياة الأوروبية. وكانت القلة تسافر وتشاهد وتقرأ. والكثرة تنتظر ما يفد - متأخراً - وتقف منه - في كل الأحوال - موقف الإعجاب. ولعلنا نذكر ما فعله الكاتب الساخر أحمد رجب. حين طلب آراء عدد من كبار مثقفينا في مسرحية من تأليفه علي أنها لدورينمات. وتباري مثقفونا في إبراز الجوانب المتفوقة في المسرحية المزعومة. وكتب الحكيم "يا طالع الشجرة" و"مصير صرصار" تأكيدا لريادته المتطورة.. وظواهر أخري كثيرة.
أقول: حين عرضت لعبة النهاية وتركز إعجاب النقاد علي خلوها من الحدوتة كان لأستاذنا نجيب محفوظ رأي آخر. ونشرت معه حوارا في جريدة "المساء" ملخصه أن العمل الفني بلا حكاية. بلا حدوتة. يصعب - مهما يتسم بالجدة - أن يسمي عملا فنيا. لأنه - حينئذ - يفتقد أهم مقوماته. واستطاع - في الحوار - أن يروي الحدوتة. الدعامة التي استند إليها بناء المسرحية.
الحكاية - كما يقول فورستر - هي العمود الفقري. ويقول هيربرت جولد: إن كاتب القصة يجب أن تكون له بالفعل قصة يحكيها. فلا يقتصر الأمر علي مجرد نثر جميل يكتبه. وقيل إن الرواية "فن درامي يقوم علي أساس الحدث". ولعلي أذكر قول تشيكوف: إن الكاتب لا يكتب قصة قصيرة إلا عندما يريد التعبير عن فكرة. حتي ألان روب جرييه يؤكد أن الروائي الحقيقي هو الذي يعرف كيف يقص الحكاية. وفي مقدمة "يا طالع الشجرة" - ذات الشكل السوريالي - كتب الحكيم: "المسرحية لابد ان تحمل معني. ولا يكفي فيها المعني الداخلي في ذات تشكيلها. ربما استطاع الشعر - خصوصا السوريالي والدادي - أن يحمل معني وجوده في ذات صياغته. ولكن المسرحية وكذلك القصة لابد أن تقول شيئا".
mlg_38@hotmail.com
..............................................
*المساء ـ في 20/10/2007م.

د. حسين علي محمد
27-10-2007, 07:48 PM
من المحرر

بقلم: محمد جبريل
......................

لعل غاية ما يأمله المرء في علاقته بالآخرين. أن تكون دائرة الاصدقاء أكثر اتساعاً من دائرة الأعداء..
وعندي أن الحصول علي حب معظم الناس سهل. إذا حرص المرء علي حب الآخرين. أما الحصول علي حب كل الناس. فهو العنقاء التي تتحدث عنها الأساطير!..
لقد واجه الأنبياء العداء.. فما بالنا بالبشر العاديين؟..
لا أحد يحصل علي الإجماع. ثمة ناس يحبونك. وناس يضمرون - أويعلنون - نقيض الحب. قد يضمرون - أو يعلنون - الغيرة والحسد والحقد. مهما بدت آراؤك أو تصرفاتك معقولة. فإنهم ينظرون إليها بعين المساوئ. إنهم يبحثون عن العيب فيها. ومن يريد العيب فلابد أن يجده..
هل تذكر حكاية جحا وابنه وحماره؟..
عاب الناس علي الرجل سوء تربيته للابن حين ترك له الحمار يركبه. واكتفي هو بالسير. ثم عابوا عليه أنانيته لما ركب الحمار. وترك الولد يسير إلي جانبه. وعابوا عليه القسوة لأنه شارك ابنه ركوب الحمار. ثم عابوا عليه الغفلة. بعد ان اختار السير خلف الحمار!
إن مجرد عمل المرء في وظيفة أو حرفة. يضعه في كفة ميزان البشر. ثمة المؤيد والرافض. لكل أسبابه التي قد تكون مقبولة. أو أنها وليدة الغرض..
قد يجتلب النجاح في ذاته عداوات الآخرين. يضيقون بالنجاح. فيفتشون عن بواعث تحقيقه. لا يهم إن كانت تلك البواعث صادقة أو كاذبة. المهم أن يسلبوا من النجاح قيمته ودلالاته..
وحين خضع ياجو لمشاعر الحقد في نفسه. مقابلاً لذلك الشئ النبيل في عطيل. انشغل ياجو بمحاولة تلطيخ اللوحة الجميلة!..
يقول فوكنر: "إذا أردت أن تعيش آمناً من الانتقاد. فلا تقل شيئاً. ولا تكن شيئاً.. وعندها لن ينتقدك أحد!.. وهو قول يحتاج إلي مراجعة. لأنك قد تأخذ موقفاً سلبياً من الحياة تكتفي بأن يكفي خيرك شرك - كما يقول المثل - لكنك لن تأمن ملاحظات الآخرين. واتهاماتهم لك. ومشاعرهم التي تبدأ بالدهشة. وتنتهي بالكراهية!..
هامش:
من كتابات يحيي حقي: "منذ تناولت القلم في سن باكرة. وأنا ممتلئ ثورة علي الأساليب الزخرفية. متحمس أشد التحمس لاصطناع أسلوب جديد. أسميه الأسلوب العلمي. الذي يهيم أشد الهيام بالدقة والعمق. وقد أرضي أن تغفل جميع قصصي. ولكن سيحزنني أشد الحزن ألا يلتفت لهذه الدعوة".
..................................
*المساء ـ في 27/10/2007م.

د. حسين علي محمد
25-11-2007, 02:16 PM
من المحرر:
الرواية والسينما

بقلم: محمد جبريل
.......................

سألت نجيب محفوظ هل تكتب الرواية وعينك علي السينما؟
قال وهو يرنو إلي النيل من نافذة مكتبه بقصر عائشة فهمي: لو أن ذلك كذلك ما كتبت "الشحاذ"!
لم يكن نجيب محفوظ يتصور أن "الشحاذ" تصلح عملا سينمائيا. عبر عن الشخصيات والأحداث بفنية مضمرة. ولغة موحية. بعكس ما طالعناه في القاهرة الجديدة وخان الخليلي والثلاثية والسمان والخريف واللص والكلاب وغيرها.
لكن الشحاذ تحولت ببراعة كاتب سيناريو يجيد أصول فنه إلى إضافة مهمة للسينما المصرية.
لا صلة للرواية الجيدة بالسيناريو الجيد. والعكس صحيح. قد تتحول الرواية الجيدة إلى سيناريو رديء. وقد يحيل السيناريو الجيد قصة عادية إلى فيلم سينمائي جميل. وربما تتضافر الرواية الجيدة والسيناريو الجيد في تقديم عمل يذكره تاريخ السينما.
لا اعني افتقاد الصلة بين الرواية السردية والسيناريو السينمائي. فالأفلام الكبيرة تدين بنجاحها لأعمال روائية وقصصية، أبدعها مؤلفوها دون أن يضعوا حسابا إلا للقيمة الفنية السردية. ثم وجدت السينما في الرواية أو القصة من القيمة الدرامية ما يتيح تماهيا دراميا مطلوبا بين القصة والسيناريو.
ثمة من يجدون في الرواج الذي تحققه أفلام السينما. والعائد الذي تدره القصص المكتوبة دافعا لان يتجهوا بأعمالهم إلى مشاهد السينما بأكثر من أن تتجه إلى قارئ العمل الأدبي. فهم يذكروننا بمثل الغراب الذي أراد أن يقلد في سيره مشية الطاووس!
لا بأس أن يفيد العمل الأدبي من تقنية السيناريو السينمائي: الفلاش باك. التقطيع. المزج. وغيرها وبديهي أن تعتمد السينما علي قصة. أو حكاية تكون محورا لأحداثها. فلا نبتلي بأفلام يدخل فنانوها وفنيوها الأستديوهات كما يحدث الآن ليصنعوا أي شيء بلا فكرة ولا رابط مجرد صور متتالية تعاني السذاجة والسخف!
لكي تجاوز السينما المصرية مأزقا مستمرا. تعانيه منذ سنوات. فإنها لابد أن تنتج أفلاما في مستوي دعاء الكروان وبداية ونهاية وفي بيتنا رجل والبوسطجي والسقا مات والحرام واللص والكلاب والحفيد والطوق والإسورة وغيرها. وهي أفلام مأخوذة كما نعرف من أعمال أدبية وفي المقابل فان علي الروائيين وكتاب القصة أن يخلصوا للعمل الأدبي وحده. بعيدا عن مغريات السينما المادية والدعائية. وألا تكررت مأساة الغراب الذي لم يحسن مشيته الحقيقية. ولا أحسن التقليد!
هامش :
قول حكيم : عندما تبلغ البحر. فما حاجتك للحديث عن الروافد؟
.................................
*المساء ـ في 10/11/2007م

د. حسين علي محمد
25-11-2007, 02:19 PM
كتابات الرواد. .. المجهولة
................................

بقلم: محمد جبريل:
.......................
mlg_38@hotmail.com

أثار الصديق الناقد نبيل فرج في جريدة "القاهرة" قضية المقالات التي لا يعني أصحابها من الأدباء الكبار -في حياتهم- بتجميعها في كتب. فلا تجد -بعد الرحيل- من يعني بعملية الجمع يقتصر مراجعوها علي الدارسين. علي الرغم من أهميتها في التعبير عن فترات تاريخية. أو قضايا فكرية وإبداعية.
أذكر أني وجدت في إشرافي علي كتب دوري فرصة لتجميع الكثير من المقالات التي أهمل أصحابها من كبار المفكرين والأدباء ضمها في كتاب جمعت ذكريات فتحي رضوان مع جمال عبدالناصر التي نشرها في مجلة خليجية. وحين استأذنت رضوان في إصدارها في كتاب بالاسم الذي اختاره لها وهو "72 شهرا مع عبدالناصر". صارحني الرجل أنه قد نسي هذه المقالات تماما. وأحدثت الذكريات -عند صدورها- ردود أفعال لافتة. وأصدر كتاب الهلال طبعة ثانية. أضفت إليها مقالة عن علاقة عبدالناصر بعمه خليل لم أكن فطنت إلي وجودها بين أوراقي.
الشيء نفسه حدث مع عبدالفتاح أبوالفضل نائب رئيس المخابرات الأسبق. من بين آلاف الأوراق التي وضعها أمامي. اخترت مادة كتابه "كنت نائبا لرئيس المخابرات" وعهدت إلي الأديب الراحل الداخلي طه بإعادة صياغة بعض خطب الجمعة التي ألقاها -شفاهة بالعامية- الإمام الشعراوي. وضمنتها كتابا بعنوان "هذا هو الإسلام".
اتصلت بأحمد بهاء الدين أطلب مقالاته في مجلة "المستقبل" الباريسية. رحب بالفكرة. لكنه فضل أن ينشر المقالات بواسطة ناشره.
وطلب يوسف إدريس أن اتصل به قبل أسبوعين من مكالمتنا الهاتفية. حتي ينتهي من إعداد كتاب -تنقصه بعض اللمسات- عن علاقته بثورة يوليو وبتحمسه المعروف روي لي إدريس -عبر الهاتف- ما تتضمنه فصول الكتاب الذي انتهي -كما قال- من وضعه وحين اتصلت به فاجأني بأنه نسي الأمر تماما وأدركت أنه لم يكن قد ألف الكتاب. وأنه اكتفي بالرواية الشفهية دليلي أنه لم يصدر للرجل -حتي الآن- ما يشي بهذا الكتاب!
زرت عبدالرحمن الشرقاوي في "الأهرام" أبدي تحمسه للفكرة. ووعد أن يضع في يدي ما صدر له من مقالات. لتصنيفها وإصدارها في أكثر من كتاب كان يعاني مرضا ألزمه مد قدمه -معتذرًا- علي كرسي مقابل واتصل بي الشرقاوي ذات مساء. يبلغني أنه يعد نفسه إلي الخارج. ووحددنا موعدًا يسلمني فيه -عقب العودة- مقالاته المنشورة في الصحف لكن الشرقاوي عاد إلي مصر دون أن تزايله تأثيرات المرض. ثم ماتت الفكرة بموت الشرقاوي.
ظني أن الاجتهادات الببليوجرافية يجب ألا تقتصر جدواها علي الدارسين. فلابد من إصدارها في كتب ولعلي أجد في مقالات المازني -له مقالات كثيرة لم تصدر في كتب- والزيات وشكري وأحمد عباس صالح ونعمان عاشور وغيرهم. كنوزًا ثقافية. من المهم أن تطالع القاريء في تعدد مستوياته الثقافية.
أعرف أن هيئاتنا الثقافية التابعة للدولة تعاني في اختيار ما تدير به مطابعها ومن المؤكد أن هذه الكتابات الريادية تمثل ملمحًا مهمًا في وجه ثقافتنا المعاصرة.
.................................................
*المساء ـ في 24/11/2007م.

د. حسين علي محمد
02-12-2007, 03:03 PM
مجلة ثقافية جديدة

بقلم: محمد جبريل
....................


أياً تكن التسمية ستطلق علي المجلة الثقافية الجديدة التي أعلن الدكتور أحمد نوار رئيس هيئة قصور الثقافة عن قرب صدورها. فإنها تلبي احتياجا حقيقيا للساحة الثقافية.
كانت "الكاتب المصري" هي المجلة التي قدم من خلاله طه حسين عشرات الأعمال الجادة. ما بين مؤلفة ومترجمة. وكانت "عالم الكتاب" هي المجلة التي تواصل صدورها أعواماً. وأسهمت في ملاحقة إصدارات المطابع. بما شكل "فاترينة" متجددة أمام الدارسين ومحبي القراءة. أما "الكاتب" فهي المجلة التنويرية المهمة التي تعاقب علي رئاسة تحريرها عدد من أبرز المثقفين المصريين: أحمد حمروش وأحمد عباس صالح وصلاح عبد الصبور. وحاولت أسرة تحريرها مقاومة القرار المتعسف بإغلاقها. لكن حجب الدعم المادي عجَّل بالنهاية القاسية.
المجلة المشروع اختير لها اسم من الأسماء الثلاثة التي أشرت إليها. وعلي الرغم مما يثيره كل اسم من دلالات مهمة. فان مجرد إصدار مجلة ثقافية جديدة هو حدث يستحق الاحتفاء.
كانت بعض القيادات السابقة لهيئة الكتاب مولعة بالإلغاء. لم يكن التطوير واردا إنما الحل الأسهل هو إغلاق الباب الذي قد تأتي منه الريح. وغابت عن حياتنا مجلات يصعب تعويضها. أذكرك بمجلة يحيي حقي. وفكر زكي نجيب المعاصر. وقاهرة إبراهيم حمادة وغالي شكري. وعالم كتاب سعد الهجرسي. ومجلات أخري مثلت نوافذ لكتابات الأدباء والشعراء والمفكرين.
وبصراحة. فإن أزمة النشر الحادة التي بلغت حد تقاضي ناشرين مبتزين حق الطباعة من الكتاب بدلا من أن يتقاضي الكتاب مقابلا لما يكتبون.. هذه الأزمة لن تمثل الكتب حلها الوحيد. فالكتاب في الأغلب يؤلفه كاتب واحد أما المجلة فإنها تستوعب الكثير من الكتابات في العدد الواحد. والأمر بالطبع لا يقتصر علي أزمة النشر. لكنه يتجاوزها بحيث تصبح هذه المجلات ملتقيات تطرح فيها الإبداعات الحديثة. والدراسات التي تعني بالتأصيل. وتقديم وجهات النظر الموضوعية وتحريك الراكد بعامة. وفي الموازاة. إعادة المعارك الفكرية إلي مسارها الصحيح.. القديم. بعيدا عن المتاجرة والابتزاز والشللية ومحاولات فرض الوصاية.
اسم المجلة يجب ألا يستوقفنا. المهم أن تبدأ خطوات إصدارها. لتلبي احتياجا فعليا للثقافة والمثقفين.
هامش:
تقول الكاتبة الإيرانية الراحلة فروغ فزخزاد: أؤمن بأني شاعرة في كل الأوقات. أن يكون المرء شاعرا يعني أن يكون إنسانا. أعرف بعض الشعراء الذين لا تمت تصرفاتهم اليومية إلي قصائدهم بصلة. بمعني آخر. هم فقط شعراء يكتبون الشعر. بعدئذ ينتهي الأمر. ويتحولون إلي أشخاص جشعين. منغمسين في اللذات قامعين قصيري البصيرة. يائسين وغيورين لا يمكنني أن أصدق قصائدهم أنا أقدر وقائع الحياة. وعندما أجد هؤلاء السادة يصرخون ويصيحون في قصائدهم ومقالاتهم ينتابني القرف. وأشك في نزاهتهم. أقول لنفسي: ربما يصيحون لصحن من الأرز فقط!
....................................
*المساء ـ في 1/12/2007م.

د. حسين علي محمد
21-12-2007, 09:20 AM
«ذاكرة الأشجار» رواية محمد جبريل الجديدة تنشرها «الوفد »
***
بدأت جريدة «الوفد» صباح الثلاثاء الماضي 18/12/2007م، في نشر رواية محمد جبريل الجديدة «ذاكرة الأشجار»، وسننشر الحلقات هنا بعد أن تنشرها «الوفد».

*ذاكرة الأشجار:
للأديب الكبير محمد جبريل أكثر من 40 عملاً إبداعياً ما بين مجموعات قصصية وروايات، تمثل في مجملها علامات فارقة في مسيرة الأدب المصري والعربي المعاصرين، منها روايات «الشاطئ الآخر»، و«قلعة الجبل»، و«زهرة الصباح»، و«رباعية بحري»، و«من أوراق أبوالطيب المتنبى»، و«أهل البحر» ... وغيرها. وإلي جانب حضور الإسكندرية ـ منشأه وسنوات صباه ـ في كثير من رواياته، ينسج جبريل من خيال حاذق، ما يكسو به شخوصاً عرفها في الواقع، أو أطياف عبرت في أزمنة خلت، أو ترانيم تسبح في مجالس الصوفية ومقامات أولياء الله الصالحين.
آثرنا الأديب الكبير بروايته تلك »ذاكرة الأشجار« التي ننشر فصولها تباعاً كل ثلاثاء.
(الوفد)
(1)
خمن أن نهاية الصداقة الطارئة، حين يهبط أحدهما ـ قبل الآخر ـ في المحطة التي يريدها. لكنهما نزلا في المحطة نفسها. سارا، وتكلما، ودعته لزيارتها.
اعتاد النزول من الأتوبيس في شارع سليم الأول. يخلف وراءه سوق الخضر والبنايات المتوسطة الارتفاع، ومحال بيع الأدوات الكهربائية والأقمشة والخردوات، ومبني كنيسة اللاتين. يميل إلي شارع نصوح الهندي. يخترق تقاطعه مع طومانباي. يستعيد ملاحظته عن الغبار الذي يضيع حرصه علي لمعة الحذاء. تبطئ خطواته أمام بناية حديثة البناء، أمامها بقايا حديد التسليح، وشقفات الطوب الأحمر، وخلطة الأسمنت والرمال والزلط.
علي اليسار، بالقرب من نهاية الشارع، تطالعه الحديقة الصغيرة، تحيط بالفيللا البيضاء ذات الطابق الواحد. تشابكت، وغطت معظم الواجهة، أشجار الجوافة والجهنمية والفل والياسمين والبانسيانا بزهورها الحمراء. يجلس الأب في الشرفة الحجرية المستطيلة، يعلو صوته بالأغنيات التي لا يعرف ماهر لغتها. يصعد الدرجات الرخامية إلي الشرفة. يكتفي الأب بابتسامة مجاملة، ثم يعاود الغناء، أو يتجه إلي الباب المتصل بالحديقة. يضغط علي الجرس. يتوقع ـ كما حدث في المرات السابقة ـ أن تفتح شقيقتها الباب. تفسح له الطريق وهي تنادي: سيلفي..
***
لم يقدر أن لقاء المصادفة سيكون انفراجة الباب لكل ما حدث.
زاحم المندفعين في أتوبيس 153 من ميدان التحرير.
اندفع نحو كرسي ناحية اليمين. طالعته استغاثتها الصامتة تحت النافذة، القامة المتناسقة، الشعر الحنطي المسدل إلي الكتفين، العينان الزرقاوان الباسمتان، الأنف الدقيق، الشفتان النديتان، الغمازتان اللتان تضفيان عذوبة علي وجهها.
بدت غريبة في وقفتها داخل محطة الأتوبيس. ليست غربة المكان، وإنما غربة الملامح والزي الذي ترتديه. فستان فوق الركبة، أزرق، قصير الكمين، وحذاء مكشوف، وبيدها مظروف ورقي.
أومأ لها برأسه، فصعدت لتجلس مكانه. السيدة البدينة ارتمت علي الكرسي بمجرد تخليه عنه، فأفسدت كل شيء. علا صوتها بنبرة توبيخ:
ـ حجز الكراسي في السينما..
اكتفيا بتبادل نظرات الارتباك.
خلا الأتوبيس من معظم ركابه قبل محطة كوبري القبة. وجدت مكاناً، وجلس إلي جانبها. فاجأته بالشكر، وبمؤاخذتها للسيدة البدينة. ودعته في محطة نصوح. تجدد ـ بعد أيام ـ لقاء المصادفة. ابتسما بما يعني تعرف كل منهما إلي الآخر. تشبثت بساعديه، وسبقها في اندفاعهما وسط الزحام حتي جلسا متجاورين.
قدم نفسه:
ـ ماهر فرغلي.. موظف بدار المعارف..
همست باسمها:
ـ صوفيا جوتييه.
لاحظت أنه لم يلتقط اسمها، وإن تظاهر بأنه عرفه.
قالت في نبرة متباطئة:
ـ صوفيا ميكيل جوتييه.. لكنهم في البيت ينادونني سيلفي.
ـ مصرية؟
أدرك ـ في اللحظة التالية ـ سخف السؤال..
قالت في همسها:
ـ طبعاً..
ورفت علي شفتيها ابتسامة:
ـ هل أبدو أجنبية؟
حدس أنها أجنبية. لم يتصور ـ في حدسه ـ البلد الذي تنتمي إليه، وإن بدت غريبة عن المكان، كأنها تنتمي إلي عالم آخر..
أزاحت خصلة متهدلة من شعرها جانباً، وهي ترفع رأسها:
ـ ربما لأن أبوي من أصل أجنبي..
تناثرت الكلمات، فعرف كل منهما عن الآخر ما لم يكن يعرفه. اجتذبه غياب التكلف عن كلماتها وهي تتحدث عن أسرتها المقيمة في الزيتون.
اكتفت بالتلميح في حديثها عن إخوتها. لم تذكر أسماءهم ولا إن كانوا أكبر أو أصغر منها.
قالت: إخوتي، وواصلت الكلام.
حدثته عن أبيها النمساوي الأصل، وعن أمها الإيطالية. كان أبوها رئىساً لبنك باركليز، فرع بورسعيد. قتله المصريون في أحداث 1956. الأم أميرة إيطالية سابقة، لا تعي سيلفي أنها رأتها تغادر البيت إلا لزيارات متباعدة إلي شقيقة لها في بولاق. لا تدري كيف التقيا في مصر، ولا ظروف زواجهما، لكنهما أنجبا أربعة أبناء: ولدين وابنتين.
قال:
ـ ترفضون تحديد النسل.. مثل المصريين.
كان يستنكر في نفسه سرعة الانفعال بما يدفعه إلي إبداء رأي قد لا يتدبره، كلمات تسبق تفكيره. يؤلمه الاستياء الذي تتقلص به الملامح، وربما العبارات الرافضة.
قالت دون أن تجاوز هدوءها:
ـ نحن مصريون..
حدثها عن عمله في قسم المراجعة بدار المعارف. يشغله منذ تخرجه في دار العلوم:
ـ ميزة عملي أن مكتبي يطل علي النيل.
وهي تئد ابتسامة رفت علي شفتيها:
ـ هل تجلس للفرجة؟
ـ لا بأس أن أطل ـ وأنا أعمل ـ علي منظر جميل..
أشارت إلي مبني هائل علي تقاطع سليم الأول وسنان:
ـ هذه مدرستي.. النوتردام دي زابوتر..
قال:
ـ هل هي قريبة من البيت؟
ـ مجرد أن أعبر الشارع..
ـ كانت دار العلوم قريبة من بيتي.
كلمها عن أعوام دراسته في دار العلوم، عن أساتذته: علي الجندي ومهدي علام وأحمد الحوفي وعمر الدسوقي وتمام حسن. قلد كلاً منهم في محاضراته: المفردات، طريقة الكلام، ردوده علي أسئلة الطلاب.
أصاخ سمعه لحديثها عن أيام الدراسة: الدخول إلي الكنيسة قبل الحصة الأولي، البنات المسلمات يقضين فترة ما قبل اليوم الدراسي في حوش المدرسة، الصلوات التي تستغرق وقتاً أطول من وقت تلقي الدروس، الملابس البيضاء ترتديها الطالبات في المناسبات الدينية، وفي الأعياء، يترنمن بالقداس، وبالألحان الدينية، زيارات الآباء من معهد الدومينيكان، والمطران من كنيسة البازيليك، استغناء مدرب الكرة الطائرة عن عضويتها لأنها أقصر مما يجب، ادعاؤها ضرورة العودة إلي البيت ـ في أوقات الدروس الصعبة ـ لرعاية أمها المريضة.
تهمس ضاحكة:
ـ أمي مريضة بالفعل منذ أشهر!
لم تشغله ـ في البداية ـ طبيعة العلاقة، ما إذا كانت الصداقة الطارئة ستثبت في علاقة دائمة. اطمأن إلي أن الصداقة ستشهد نهايتها حين يسبق أحدهما الآخر في النزول إلي المحطة التي يريدها، لكنهما تأهبا للنزول في المحطة نفسها.
سارا متجاورين، تكلما..
تعددت لقاءاتهما علي باب كنيسة اللاتين، في التقاء ناصيتي طومانباي ونصوح، أمام سراي البرنسيسة الملاصقة لمدرسة النوتردام.
يهبط من الأتوبيس علي ناصية السور الخلفي لسراي الطاهرة، يمضي بقية الطريق علي قدميه.
استمهلته ـ ذات عصر ـ قبل أن تميل إلي نصوح الهندي، ويواصل السير في شارع السلطان سليم ـ:
ـ قلت إنك خريج دار العلوم.
أومأ برأسه مؤمناً.
قالت:
ـ أحتاج إلي دروس في اللغة العربية، ستزورنا لهذه الدروس.
استطردت لارتباكه الصامت:
ـ مجرد حيلة لاستضافتك.

د. حسين علي محمد
01-01-2008, 06:55 PM
ذاكرة الأشجار رواية: محمد جبريل (2)
...............................................

عاني ـ لرؤية الرجل الجالس في الشرفة يغني ـ ارتباكاً لم يفلح، حتي أمام سيلفي ـ في مداراته. تأمل اللحن، اجتذبه، وإن لم يفهم الكلمات. ـ أبي. ما عدا الأرض الخلاء في ناصية تقاطع شارع نصوح، والشارع المتفرع منه ـ لم يعن بأن يسأل عن اسمه ـ فإن البنايات تلاصقت في الشارع الصغير.
الفيللا من طابق واحد، تحيط به حديقة، الدرجات الرخامية الخمس، تصعد إلي الشرفة العريضة، الممتدة بطول الواجهة، من خلال الباب الحديدي الخارجي، والعمودين بمساحة المتر، يعلو كل منهما مصباح زجاجي مكور.
الشرفة تطل ـ من الواجهة ـ علي الشارع الصغير، ومن الجانبين علي الحديقة المتكاثفة الأشجار، الأرضية علي هيئة مربعات الشطرنج. تتناثر فوقها كراسي من الخيرزان، تتوسطها منضدة ذات سطح زجاجي. السلم الجانبي، متآكل، يهبط إلي البدروم. الصالة في مواجهة باب المدخل المتداخل الحديد والزجاج. الأسبق عالية، والجدران يغطيها الورق ذو النقوش الملونة. في مساحة الجدار المواجه بوفيه من خشب الماهوجني الأسود، فوقه ثلاثة شمعدانات متجاورة من زجاج من زجاج المورانو، وتماثيل صغيرة من الزجاج الملون. يتوسط الصالة أنتريه مطعم بالصدف من أربعة كراسي وكنبة، تتوسطه طاولة من الخشب المنقوش. علق أعلي الجدار صليب فضي، إلي جانبه صور فوتوغرافية، ولوحات تآكلت حوافها. تتقابل الحجرات الأربع المغلقة، عدا واحدة مواربة. الطرقة ـ علي اليسار ـ تفضي إلي حجرة خامسة، خمن أنها حجرة المائدة، وإلي الحمام والمطبخ.
يتنبه لترامي سقوط الثمار من أشجار الحديقة وارتطامها بالأرض. تعيده إلي نفسه، وإلي حيث هو.
علا صوت بالسؤال من داخل الحجرة الأولي علي اليمين:
ـ أمنا مريضة وتصرين علي البقاء خارج البيت؟!
حدّس ـ من الصورة التي رسمتها في ذاكرته ـ أن الصوت لأنطوان، شقيقها الأكبر. اختلج صوتها بنبرة سخط:
ـ ابحث عن عمل.
ـ تستطيعين الانتظار.
ـ استدرك بنبرة متأثرة:
ـ أمنا تحتاج إلي رعايتك.
وهي تضغط براحتيها علي عنقها:
ـ أحاول إنقاذ نفسي قبل أن أختنق!
سبقت ماهر إلي الحجرة الثانية علي اليسار. الستارة القطيفة، الغامقة الزرقة، المسدلة علي النافذة، تعيق دخول أشعة الشمس، لكنها تهب من الضوء ما يعين علي الرؤية.
في الوسط منضدة صغيرة، عليها مجلات ومنفضة سجاير، وإلي الجانب مكتب صغير من خشب الأبنوس. وفي الزاوية دولاب بضلفة من الزجاج، تكسدت فيه كتب مجلدة.
بدت السيدة الراقدة علي السرير ـ أدرك أنها أمها ـ مريضة، فلا تقوي علي الحركة. العينان ساجيتان، والعروق خضراء تبين من وراء البشرة الأقرب إلي الصفرة، وهالة الشعر الفضي أضفت علي وجهها سكينة. حدس أنها كانت ـ في شبابها ـ ذات جمال رائق.
لم يستطع أن يخمن عمرها، وإن بدت متعبة للغاية.
مالت سيلفي عليها. مسدت شعرها الأبيض المهوش. همست:
ـ هذا ماهر.
قالت ـ بلغة لعلها الإيطالية ـ كلاماً كثيراً، قدمته به لأمها. فطن إلي أن الأم لا تعي كلماتها، ولا تعي شيئاً.
تبين الانفراجات بين الأشجار المتشابكة عن أجزاء من البيت المقابل. خلت واجهته إلا من الطوب الأحمر، وإن وشت بحداثة البناء، وخلت مما اتسمت به فيللا جوتييه، والفيلات والبيوت القديمة، المنجاورة من ميل إلي الارتفاع والنقوش والمقرنصات. امتلأت نوافذ الطوابق الثلاثة العلوية بخزين الطعام وبقايا الأثاث، وتدلت قطع الغسيل من المناشر الممتدة أمامها. نوافذ الطابق الأول مغلقة، وإن ترامي اختلاط ندادات وشتائم وأغنيات وصراخ أطفال.
عرف أن الأب خرج إلي المعاش بعد أن بدلت قوانين التأميم اسم البنك إلي بنك الإسكندرية. قدم من النمسا قبل الحرب العالمية الأولي. التحق ـ بالشهادة المتوسطة ـ موظفاً من بنك باركليز. تزوج ابنة رئيسه الإيطالي. ترقي في وظائف البنك حتي حصل علي حق التوقيع. ظل في فرع الموسكي منذ بداية تعيينه، حتي أحيل إلي المعاش.
ـ لو أن بنك باركليز لم يؤمم، ربما ظل أبي في عمله..
ـ وسن والمعاش؟
فكرت قليلاً:
ـ خبرته تعطيه الحق في تجاوزها.
هل نسيت ـ أو تناست ـ كلامها عن موته بأيدي المصريين في معارك 1956؟ ما حكاية قتل المصريين للرجل في أثناء عمله مديراً لفرع بنك باركليز ببورسعيد؟ ولماذا نسجت هذه الحكاية التي تبدو ـ من فتاة في سنها ـ حقيقية وصادقة؟ لماذا اخترعت ما لا يوجد سبب لاختراعه؟ هل كانت تتصور ابتعاده عن حياة أسرتها، فأرادت استمالته بالحكاية الغريبة؟
كان يستطيع أن يسألها، أو يسأل نفسه: كيف يعمل الأب في بورسعيد، ويقيم في القاهرة؟
خشي أن مجرد التلميح طريق النهاية التي لا يرجوها. بدت سيلفي تكويناً في صورة المستقبل. ربما تقوضت الصورة تماماً لو أنه جذب خيط السين والجيم. ربما قالت ما روته لاختبار مشاعره، أو لعلها أرادت ـ في البداية ـ أن تبعده عنها، ربما أي شيء سيتعرف عليه بتوالي الأيام.
وهو يمسد شعره بأصابعه:
ـ أظن أن تأميم الصحف أفادني.
شجعته ـ بإيماءة ـ تكملة كلامه.
قال:
ـ ضُمّت دار المعارف إلي الأهرام. وسط أبي رؤساءه في إدارة توزيع الأهرام. عينت بدار المعارف فور حصولي علي ليسانس دار العلوم.
تكررت زياراته للفيللا حتي اعتادوا رؤيته، لا يعرف إن سألوا سيلفي عنه، أم أن هذا هو أسلوب حياتهم؟
كلمته عن مشوارها اليومي إلي وسط البلد. تبحث عن عمل بالثانوية العامة. لم تجد في نفسها ميلاً لدخول الجامعة. اقتصر بحثها علي الفنادق وشركات الطيران والسياحة. لو لم أجد سوي العمل في الحكومة، فسأظل في البيت، ما أتقاضاه من أبي يوفر لي الحياة التي أريدها، وإن كنت لا أتصور أني سأظل مع أنطوان في بيت واحد (غالب الحرج في أن يسألها إذا كانت قد صدقت فيما قالته هذه المرة؟!).
وسمت العفوية كلماتها وهي تحكي مغامرتها الأولي في تدخين سيجارة. أطالت الوقوف داخل دورة مياه المدرسة، وتأكدت من زوال رائحة الدخان ـ تخشي أنطوان ـ في النعناع الذي مضغت أقراصاً منه.
لاحظ اهتمامها بما يرويه عن المواردي. تسأل وتجيب، تستوضح، تظهر التأثر والحزن والألم والإشفاق. تبتسم، وتضحك، يعلو صوتها بالتعليقات، المواردي لا يعرف الهدوء، اختلاط الصيحات والنداءات والضحكات، وضربات حجارة الطاولة علي طاولات المقهي، أول الشارع. نصوح يختلف، هو هادئ دائماً.
روي لها عن صحوه علي أذان الفجر في جامع السيدة زينب، عبارات أخته زينب المحتجة حول من يملأ القلة الموضوعية علي نافذة المنور، حرص أبيه علي أن يكشف أغطية الأواني، يتذوق ما فيها من طعام، صرخة أمه للمساحيق التي غطت بها شقيقته الصغري هناء وجهها. ضحكة هناء لتهديد الأم: إذا فعلت ذلك ثانية فسأضربك!.. كلمات أبيه عن تحسن صحته، بعد أن اختار الذهاب ـ سيراً علي القدمين ـ إلي عمله بإدارة التوزيع في »الأهرام«، بدلاً من ركوب المواصلات. مشوار لا بأس به من المنيرة إلي شارع مظلوم.
تحولت الابتسامة إلي ضحكة ـ لم يقو علي إسكاتها ـ حين استعاد ما قالته أمه: لن نستطع استضافة فتاتك، هي خواجاية من الزيتون، ونحن أولاد عرب من المواردي!
استيقظ ذات صباح. وجدها ترنو إليه من سقف الحجرة.
عرف أنه أحبها..
هل تحبه؟
***
يجيش في نفسه الشوق لرؤيتها: وهو في مكتبه المطل علي النيل، وهو يراجع بروفات الكتب، وهو يركب الأتوبيس في تنقله بين دار المعارف وبيوت المؤلفين، وهو يجلس إلي أسرته في حجرة القعاد.
مثلت في حياته ما لا تمثله زميلات دار المعارف، ولا بنات الجيران، ولا البنات القريبات، ولا حتي أخته زينب التي يعدها صديقة حقيقية.
لم تعد صورتها تفارق عينيه، ولا يفكر في غير الأوقات التي يقضيها إلي جنبها، في البيت، أو في الشارع، أو في »أسترا« علي ناصية ميدان التحرير وشارع محمود بسيوني، هو أنسب الأماكن للجلوس بعيداً عن الأعين، وإن حرصا علي الابتعاد عن حركة الطريق. يغيبان عن بعضهما يومين، أو ثلاثة، فلا يشعر أنهما قد افترقا لحظة.
اجتذبته بما يصعب عليه تحديده، آفاق لا حدود لها، ربطته بقيود خفية، لا يراها. لا بد أن هذا هو ما تشعر به.
هو يحبها، ويعرف أنها تحبه.
روت عن مشاهداتها المتباعدة لعروض الأوبرا الأجنبية. تنزل من الأتوبيس في ميدان العتبة. تخترق زحام شارع الموسكي، إلي مبني بنك باركليز، بالقرب من بداية الشارع. تنتظر أباها حتي موعد انصرافه، ساعة أو أقل. يصحبها في الطريق نفسه. يعبران الميدان: قسم شرطة الموسكي، ومبني المطافي، والبريد المركزي، إلي ميدان الأوبرا. تعرف أن تمثال إبراهيم باشا قبالة باب الأوبرا. شاهدت عروضاً إيطالية وفرنسية. رددت مع أبيها ـ في طريق العودة ـ ألحاناً مما استمعا إليه.
حدثته عن سيمفونيات سترافنسكي وبيتهوفن وموزار وباخ وواجنر. استعاد الأسماء، أو تظاهر بأنه يعرفها.
قال:
ـ أحب الغناء من أبيك، لكنني لا أحب عروض الأوبرا، لا أفهم الكلمات، وأجد في الألحان مجرد زعيق!
ورفع راحتيه كالمعتذر:
ـ أفضل أن أكون صادقاً فيما أتذوقه، ولا أنساق إلي ما لا أفهمه!
اتجهت بنظرها إلي الأرض تداري ابتسامة:
ـ ليس الأمر صعباً إلي هذا الحد!
وعدت بأصابعها:
ـ إنها ـ عادة ـ مجرد أربع حركات موسيقية، لو أنك أعطيتها اهتمامك فستجد فيها ما يستحق السماع.
وضغطت علي الكلمات:
ـ لو أنك أعطيت انتباهك، ربما تبدل رأيك.
ـ الموسيقي الشرقية هي التي تجتذبني، تطربني، لا تعادلها عند موسيقي أخري.
تمني لو أن فمه ظل مغلقاً. يؤلمه أنه ـ إذا تحدث ـ قال كلاماً سخيفاً، وبلا معني. لم يكن يحسن التعبير عما في نفسه، أو يخفيه.
روت حلماً استقرت به نفسها: وقفت ـ متحيرة ـ أمام طريقين تظللهما أشجار مشابهة لأشجار حديقة الفيللا.
عادت من أحد الطريقين، بعد أن تساقطت ـ بمجرد الخطو ـ أمطار طينية. اصطبغ بالسواد جسدها، وما عليها من ثياب. وضعت قدمها ـ بالخطوة الأولي ـ في الطريق الثانية. تشجعت ـ بالأوراق الخضراء المتساقطة ـ علي مواصلة السير.
رأت ـ في نهاية الطريق ـ شخصاً يشبهه. تأملته. هو نفسه من كان يقف تحت شجرة هائلة تماثل أشجار الحديقة.
مدت ذراعيها، تحاول التأكد مما رأته.
صحت علي لكزة دومينيك المترفقة في كتفيها:
ـ من تكلمين؟
شيء ما في نبرة صوتها دفعه ـ بينه وبين نفسه ـ إلي استعادة ما قالته: هل رأت حلماً، أو أنها تومئ بما تصورت أنه لا يشغله؟
***
ناوشه السؤال، وإن خنقه في داخله: هل عرفت شباناً قبله؟
فطن إلي أنه ليس أول من عرفته. وشت تصرفاتها بما حاولت إخفاءه. بدت الآفاق ـ بمجرد التلميح ـ غير واضحة، وقد تطالعه بما يبعدها عنه.
يضايقه الكثير من تصرفاتها، وما ترويه، لكن شيئاً غامضاً يربط بينه وبينها، ليس الحب وحده، لكنه شعور بالألفة والطمأنينة.
كان يمني نفسه ـ قبل أن يلتقي سيلفي ـ بعلاقة حب. لم يرسم للفتاة ملامح في ذهنه، ولا تصور كيف تبدأ العلاقة، ولا كيف تنتهي.
....................................
*الوفد ـ في 1/1/2008م.

د. حسين علي محمد
03-01-2008, 01:49 PM
الواقعي والمتخيل فى رواية «كوب شاي بالحليب»

بقلم: شوقي بدر يوسف
....................................

مدخل :
تفصل بين الواقعى والمتخيل شعرة رفيعة ، غير مرئية ، لكنها محسوسة ، تصل الواقع بهواجس الذات وتوجهاتها ، وتفرض حقيقة الفعل الواقعى ورد الفعل التخييلى المصاحب له فى تعامل الإنسان مع ذاته ، ومع ما يدور حوله من ممارسات ، قد تكون هذه الممارسات غرائبية بالنسبة له ، وقد تكون غير مألوفة فى واقعه الذاتى ، إلا إنها تمثل مرحلة الوعى ، ومنطقة الإدراك ، وبؤرة التمييز بين ما هو حقيقى ، وبين ما يدور فى منطقة الهواجس من موضوعات يتمثلها المرء ، ويرسم لها حدود الاسترجاع ، والاجترار فى واقعه الآنى .
ولا شك أن القدرة التخييلية لاسترجاع الواقعى تجرنا فى بعض الأحيان إلى الإحساس بهذا الواقعى الذى ولى ، ومضى ، وكأنه حقيقة نراها الآن ، ونشعر بها ماثلة فى أذهاننا ، بينما هى فى الحقيقة منطقة موجودة فى اللاوعى تبدو وكأنها ذات قدرة على التشكل والتلون والظهور مرة أخرى بمظهر مغاير لما كان يدور فى المخيلة ، وأن محاولة استعادتها مرة أخرى ، ومعاودة استرجاع أحداثها التى مرت عليها سنوات طويلة ، تجعل التلاحم بين الواقعى والمتخيل مؤسساً لواقع جديد ، هو لا شك واقع إبداعى آنى له آليته الخاصة ، قد يختلف عن الواقع الواقعى فى أنه مشحون برؤية فردية أو جماعية خاضعة لقوانين المكان والزمان فى شكلها الذى ينتسب إلى التجربة الروائية فى كثير من الأحيان .
والروائى اليوم ينطلق فى أعماله بدافع التفاعل مع ما يدور فى عصره ، وبدافع التعامل مع المخيلة فى وظيفتها الإبتكارية فى سرد القضايا الدائرة فى حدود عالمه ، والتى قد تكون مختزلة ومختزنة فى بعض الأحيان فى منطقة اللاوعى ، وتلح فى الظهور من آن لآخر ، بحيث يصبح تشكيل مفردات هذا العالم بكل ما كان يحمله من تاريخ وقضايا وشخوص هو الحالة الآسرة لهاجس الكتابة ، وتكون تجليات هذا التشكيل هى المحور الأساس فى التعبير عن واقعه الذاتى والموضوعى من خلال المتخيل ، وما ينداح عنه من موضوعات تؤرّق الكاتب وتمس جوهر الممكن والمحتمل فى عالمه الخاص .
ولا شك أن رواية " كوب شاى بالحليب " للكاتب الروائى محمد جبريل تمتح من هذه الإشكالية ، إشكالية الواقعى والمتخيل ، كما أنها تعمل أيضا على استعادة واقع سردى شبه سيرى تتشكل هواجسه من محاولة تجسيد نسيج عام من ضروب الأحداث المعتمدة على نسيج آخر من التاريخ الواقعى ، يمتزج فى العديد من محاوره بالمتخيل السردى ، وما يصحبه من وجهات نظر خاصة تتمشى وتتوافق مع أحداث شبه مضمرة ، تأخذ من الواقع ملامح وجودها من خلال مجموعة من الشخصيات المتباينة فى الطبيعة ، وفى الاتجاهات ، جمعتها الظروف فى مكان له خصوصيته يرمز إلى واقع يمتد فضاؤه ليشمل هذه الذوات القادمة من أماكن لها أبعادها الخاصة ، من سوريا وفلسطين والبحرين والسودان وتونس ومن مصر أيضاً ، الجميع يجمعهم بنسيون قائم فى هذه المنطقة الشعبية من وسط القاهرة ، كما تجمعهم أيضاً طبائع إنسانية محددة ، ولكنهم يختلفون فى أنماط الممارسات ، وما يتحلق حولها من تسييس لرؤيتهم الذاتية تجاه بعض القضايا الماسة لذواتهم ، وبعض الممارسات الطبيعية التى يفرضها عليهم الواقع فى ظروف مثل ظروف معيشتهم داخل البنسيون ، كالأكل والجنس وممارسة الحياة بكافة تعقيداتها كيفما تكون ، لكل منهم سيرته الذاتية الخاصة ، ولكل منهم وضعيته ، وحياته النابعة من سلوكياته .
وتعد شخصية سمير دسوقى الشخصية المحورية داخل النص والراوى المشارك فى الأحداث ، حيث تمثل شخصيته فى بؤرة الحدث الرئيسى البعد الواقعى النابع والمعتمد على جانب سيرى يفرض نفسه على طبيعة النص ، وهو يحدد منذ البداية ، الواقعى ، السيرى المستمد من تاريخ الشخصية التى هى فى بعدها الرئيس تبدو وكأنها هى شخصية الكاتب بكل ما تحمل من مقدّرات ، وقدرات خاصة ، وبواكير فى ممارساتها الحياتية فى مطلع الشباب ، فمعظم الشخصيات تعيش واقعها المؤقت فى البنسيون فى بدايات الحياة العملية ، بعضهم طلبة من جنسيات مختلفة السودانى والسورى والفلسطينى والتونسى والبحرينى ، وبينهم تاجر من سوريا واثنان من الموظفين المصريين نقلا إلى القاهرة بحكم عملهما ، هذه الشخصيات يجمعهم مناخ الاغتراب فى تيار حياتى له سطوته الخاصة ، ويتفجر دائماً ، ويعكس طبيعة البيئة ، كما تتحلق حولهم " عنابر " وهى امرأة تقوم على خدمتهم داخل البنسيون ولهم فيها مآرب أخرى ، بعكس شخصيات بنسيون " ميرامار " لنجيب محفوظ فقد كانوا فى الجولة الأخيرة من حياتهم ، وكانوا يرزحون تحت واقع من المتناقضات ، والصراعات الدائرة من داخل الذات وخارجها .
السيرة الروائية :
فى الحالة الإبداعية للروائى محمد جبريل يصعب وضع حد فاصل بين النص الروائى فى عالمه وبين سيْرنة هذا النص ، إذ أن الحالتين ممتزجتان فى العديد من جوانبهما ، كما أن عنصر الالتباس يكاد يفرض نفسه على هذه الحالة الروائية المطروحة أمامنا بجميع مقوماتها . فنحن فى كتاباته السيرية فى " حكايات من جزيرة فاروس " ، و " الحياة ثانية " ، و " مد الموج " ، ثم فى " كوب شاى بالحليب " نكاد نستبين نصوصاً ملتبسة تتأرجح ما بين السيرة الذاتية والروائية ، ومع ذلك فهى لها ذائقتها الخاصة، لكننا أيضاً نجد واقع السيرة الذاتية كما حددها كل من فيليب لوجون وجورج ماى فى تنظيراتهما حول هذا الفن ، تمتزج فى بنية هذه النصوص ، كما أن أعماله الروائية الأخرى نجد فيها أيضا شخصيته الذاتية قد تكون مضمرة داخل بنية النص ، وأحياناً أخرى تكاد تفصح عن نفسها تماماً . وفى روايته " كوب شاى بالحليب " تظهر فى بنية النص علامات تدل على أن معمار هذا النص يأخذ من النص السيرى ليمتح فى الواقعى الآنى ، ويحدد وقائع رواية سيرية تمتزج فيها أبعاد الواقعى مع هواجس المتخّيل فى رؤية وتجربة ، مضافة إلى هذا العالم المجسد للتاريخ الاجتماعى لشخصيات الكاتب المستعادة فى معظم نصوصه تقريباً ، فالسرد قد جاء فى هذا النص بضمير المتكلم ، والشخصية واضح من تركيبتها الأساسية ، وبواكير ممارساتها داخل النص ، أنها تبحث لنفسها عن مكان فى هذا العالم منذ أن وعت أن عالم الصحافة هو عالمها الخاص ، وهى سمة تكاد تتطابق مع تجربة الكاتب الذاتية تماماً ، كما أن المكان الجديد الذى بدأ يبحث لنفسه عن موضع قدم فيه كان هو الآخر غير المكان الأصيل لعالمه وهو الإسكندرية ، أى أنه قد ترك الإسكندرية ليمهد لنفسه طريقاً إلى المختبر الجديد ، مختبر الصحافة ، وكانت القاهرة هى محط الأنظار بمركزيتها ، ومكانتها الإعلامية الكبيرة . كما أن وجود بعض الأسماء فى عالم الصحافة مثل سعد الدين وهبة ، وأحمد عباس صالح ، ونعمان عاشور ، وطوغان، والذين جاء ذكرهم فى سياق السرد قد أصل أيضاً هذا البعد السيرى ، وحدد من خلاله البعد الرئيس لهذا الجانب ، لارتباط هذه الشخصيات بالذاكرة الجمعية فى عالم الثقافة فى بواكيرها الأولى عند الكاتب . إضافة إلى أن الأحداث السياسية التى صاحبت تواجد الراوى فى القاهرة فى تلك الفترة المرتبطة بالوحدة بين سوريا ومصر هى الفترة نفسها التى بدأ فيها الكاتب حياته العملية ، وهى نهاية الخمسينيات من القرن الماضى . لذا نجد أن الواقعى التاريخى فى حياة شخصية سمير دسوقى فى رواية " كوب شاى بالحليب " هو نفسه البعد السيرى الذى يرويه الكاتب على لسان الراوى – الذى يمثل الكاتب – وهو هاجسه الخاص وسط هذا الكرنفال السائد فى أرجاء البنسيون الذى أقام فيه بالقاهرة وسط لهجات مختلفة ، وأنماط متباينة من البشر ، ووجهات نظر متعددة تضطرب معها علاقات المعنى والقيمة : " فالجميع يتحدثون فى الفن والأدب والموسيقى والرياضة وأحوال الجو وزحام المواصلات ومباريات كرة القدم ، يخوضون فى مناقشات ودعابات ، يتبادلون قراءة المنفلوطى والحكيم ومحفوظ والسباعى وجوركى والشرقاوى وطه حسين وحقى وتشيخوف ومكاوى وباكثير وقصائد شوقى وحافظ ونازك الملائكة والسياب وكتابات فرويد وسارتر وكولن ولسن ومندور والعقاد وسلامة موسى " . بجانب هذا الزخم الثقافى والمعرفى يبدو الجنس وكأنه وجبة دائمة وميسّرة لسكان البنسيون " : اعتاد الطرقات على باب الشقة يفتحه ويتراجع ، وهو يخفض رأسه ، أو يتجه إلى الفراغ، تدخل المرأة باندفاعة – اندفاعة دائماً – كأنها تلوذ بالبنسيون من مطاردة " .
ولا شك أن البناء الذى أنتجه الكاتب تتبدى فيه التقنيات الروائية المعروفة ، ويلتقى فيه الواقع بالمتخيل ، والممكن بالمحتمل ، والرصد بالتنبؤ ، والتحليل بالتركيب ، كل هذا يخرج من دائرة البطل الذى يدفعه الحاضر ليسترجع ماضيه ، خاصة بواكير تجربته الأولى فى الحياة العملية بكل ما تحمل ، فى بنية سردية سيرية ولكن من منظور روائى ، وكما قال جابر عصفور عن العلاقة بين الرواية والسيرة الذاتية " العلاقة وثيقة بين كتابة السيرة الذاتية وكتابة الرواية من هذا المنظور ، وسواء كنا نتحدث عن تقنيات السيرة الذاتية الأدبية ، أو عن " رواية السيرة الذاتية " أو " رواية الفنان " أو " رواية الروائى " أو ما شابه ذلك ، فإن تداخل الحدود لافت فى المجال السردى الذى يؤلف بين رغبة الاعتراف والبوح ورغبة السرد والقص، وكلتاهما رغبة ملازمة للأخرى فى دلالتهما على بعض ملامح الإنسان المعاصر الذى استبدل الاسترخاء على أريكة المحلل النفسى بالجلوس على مقعد الاعتراف فى الكنيسة ، وبعض ملامح الروائى المعاصر الذى استبدل الكتابة المباشرة عن ذاته اكتشاف هذه الذات وإعادة بنائها فى علاقات الرواية التى تصل الخيالى بالواقعى، والحقيقى بالمجازى ، عبر تعاقب أزمنتها المتداخلة " ( جابر عصفور : زمن الرواية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999 ص 57 ) .
وهذا هو ما احتفى به محمد جبريل فى روايته " كوب شاى بالحليب "، حين استخدم تفاعلات الواقعى بالمتخيل ، فى إقامة سرد سيرى حمل فيه من رواية السيرة الذاتية ، وتجربة الاعترافات ، ورواية الروائى ، إضافة إلى زخم من الشخوص لها تفاعلها الذاتى والكيميائى ، فالكاتب فى هذا النص يكتب عن الآخرين باستفاضة ملفتة ، ثم نكتشف أنه يكتب عن نفسه ، هو يؤرخ للآخرين ، ويستحضر تاريخاً سياسياً مرت به المنطقة ، وتفاعلت معه ، وعايشه معايشة كاملة ، وشارك فى الحديث عنه ، وفى تسييس وقائعه ، وفى الوقت نفسه نجد أن هواجسه المتخيّلة لها نفس الإشكالية .
الواقع المسّيس
لعب الواقع المسيّس دوراً أساسياً داخل النص فى بلورة قضايا وإشكاليات فرضت نفسها على هذا الواقع من خلال تنوع الشخصيات ، حيث يبدو الواقعى المسيّس فى حوار الشخصيات ومناقشاتهم حول ما يدور فى قضايا الساحة من صراعات سياسية وأيديولوجية ، خاصة ما طال منها موضوع الوحدة بين سوريا ومصر ، والحالة الرافضة هناك فى " الإقليم الشمالى " سوريا للقيود الجديدة المستمدة من واقع الحال فى " الإقليم الجنوبى " مصر ، والإفصاح عن أسماء الضباط السوريين الذين بادروا بالانفصال ، والآلية التى نوقشت بها هذه القضية . فالحوار الذى دار بينهم حول العديد من القضايا ، والتى من بينها القضايا السياسية الساخنة ، يضفى على بنية النص بعداً تمهيدياً لما سيسفر عنه الفعل الروائى بعد ذلك . ولعل المواقف الجنسية كانت هى الطرف الآخر من الخيط ، والمكمل للمواقف السياسية الدائرة على الساحة ، والتى تشغل بال سكان البنسيون ، خاصة فى أوقات المساء ، باعتبار أن الجميع طرف فى القضايا المطروحة من بعيد أو قريب . كما كان الجنس وتوابعه فى البنسيون يرمز إلى الطبيعة الإنسانية الباحثة عن المتعة الشبقية ، بجانب البحث عن متعة المناقشة والجدل حول القضايا السياسية الساخنة ، والقضايا التى تشغل بال العامة والخاصة فى ذلك الوقت .
ومن ثم كانت السياسة والجنس وتوابعهما فى البنسيون يرمزان إلى أنهما وجهان لعملة واحدة داخل هذا المكان ، وأن من يتعاطى السياسة ، ويدلى فيها بدلوه هو الذى يدلى بدلوه أيضاً فى دوامة الجنس ، وضبابيته المسيطرة على واقع المكان الرامز إلى الواقع العام . ولعل تسييس الواقع داخل النص وبلورة المتخيّل فى تأصيل واقع كل شخصية ، قد أعطى النص مواقف متشابكة ومتداخلة .
فالشخصيات المتحررة من قيود التركيب ، والباحثة فى نفس الوقت عن متعة الحياة ، والمتواجدة فى ساحة البنسيون ، ترمز إلى الرأى العام الذى كان يرزح آنذاك تحت وطأة وأثقال المغيبّات بأنواعها المختلفة ، وقد كان الجنس وجدل السياسة هما أهم أنواع هذه المغيبّات ، والوهم المستبد بالجميع .
زمن سادوم وعامورة
يحتل الجنس فى رواية " كوب شاى بالحليب " مساحة تبدو داخل البنسيون وكأنها مساحة الزمن كله ، فهو فى تنويعاته المختلفة يعبر عن واقع هذا الزمن ، ولعل الاهتمام الزائد بالجنس فى الرواية ، وما يمثله من بؤرة دالة تشغل مساحة كبيرة من النص ، يمثلها هذا المجتمع شبه المغلق ، بل إن المكان ذاته وهو يحاصر هذه الأجساد ويحتويها ويجعلها خاضعة للحاجة ، إنما يعبر عن طبيعة الزمن ، إضافة إلى طبيعة المكان ذاته ، وطبيعة المشاعر الحاصلة فيه ، ولعل الرغبات الجامحة أيضاً عند بعض شخصيات الرواية تعطينا دلالة على أن المتعة الشبقية العابرة كانت هى عقدة الجميع داخل هذا المكان ، وأن لكل رغبته الذاتية التى يعوّل عليها فى متعته مع الجنس ، وأن الجسد المباع كان هو الآخر يمثل بعداً تأويليا لمنطق هذا الزمن الحافل بالتهرؤ والزيف والفساد . فجميع النساء اللاتى وطئن أرض البنسيون بما فيهن " عنابر " التى تعمل لخدمة النزلاء ، كن من نسيج هذا الزمن ، بل إنهن من صنعه ، لكل حاجته الخاصة المادية والإشباعية ، فالعقدة الأوديبية عند الراوى دفعت به إلى امرأة تعدت الأربعين ، أعطاها عنوانه وهو يعرف فى عقله الباطن أنها ستحضر إلى البنسيون ، بعد أن كان كثيراً ما يغض الطرف عن رغبته وحاجته الخاصة للجنس ، وسط هذه الحالة العامة التى عايشها بين زملائه من نزلاء البنسيون، وكانت تلك هى المرة الأولى التى مارس فيها الجنس فى هذا المكان ، وإن كانت له محاولات لا تتعدى الملامسة والقبل . وإذا تتبعنا ملامح الأيروسية عند باقى النزلاء فسنجد أن المكان والزمان كليهما كانا يعبران عن هذه الأيروسية دون مغالاة ، بل ودون مبالاة أيضاً ، حتى أن صاحب البنسيون نفسه عندما حضر فى زيارة روتينية لم يعر مظاهر الجنس التى سمع عنها أى شيء ، إنما كان همه فقط أن الحديث عن السياسة من وجهة نظره هو الممنوع داخل البنسيون ، ذلك أن الجميع كانوا يعيشون الجنس من خلال الواقعى والمتخيل فى آن واحد ، بما فيهم " عنابر " المرأة التى تقوم على خدمتهم، هم يمارسون الجنس بواقعيته المعهودة ، لكنهم ينفذونه بمتخيلهم الخاص وطبيعتهم الذاتية ، فجلال ضيف الله يهمل المقدمات فى العلاقة الجنسية ، ويقتحم هذه العلاقة مباشرة ، ولا يشغله ما تريده المرأة ، أو ترفضه ، فهى إناء يفرغ فيه ما يلح عليه ، ثم إنه يترك لها النقود على السرير ويغادر الغرفة قبل مغادرة المرأة لها . كما أن له فلسفته الجنسية الخاصة " كان يشتهى الكاحلين بقوة ، يتطلع إلى لحظة – تبدو قاسية فيرجئها – يلامس فيها المساحة التى أحبها من ساق المرأة ، يتشممها، يلعقها، يدفس قضيبه – إن استطاع – فيها، يستغنى عن اللحظات التى يتحدث فيها ، ويتصورها ، من يعيشون فى البنسيون ، ويترددون عليه " . وقد أتى ذات مساء ببائعة فجل من ميدان باب اللوق ليمارس معها الجنس معللاً ذلك بأن رائحتها أثارته .
أما الفلسطينى غسان جبر زميله فى الحجرة فقد كان له وجهة نظر خاصة تجاه الجنس تنبع من مخيلة ذاتية ، فهو يتطلع إلى هذه العلاقة من خلال علاقة حسية وذاتية كاملة ، الجنس جزء منها ، والباقى علاقات تتواصل من خلال العاطفى والثقافى معا " كان يتطلع إلى علاقة الحب بين دماغين ، يصعب إهمال العلاقة الحسية ، لكنها تمثل علاقة فى ذاتها ، هى جزء من كل ، يقرأ وتنصت، تقرأ وينصت ، يتناقشان ، يتفقان ، يختلفان ، يشتد الميل فتتلامس الشفاه ، ربما استغرقهما العناق ثم يعودان إلى ما كانا يقرآنه " , ولما كانت أمه هى المرأة الوحيدة التى يعرفها معرفة كاملة ، إضافة إلى واقعه المادى والرومانسى ، فقد كانت التجربة الجنسية المفاجئة له فى البنسيون تكاد تنحصر فى علاقات قليلة من خلال أنه يريد أن تعطيه المرأة نفسها عن اقتناع ، وبمحض إرادتها هى لا برغبته الجنسية هو " يقرفه أنها تعرى أسفل جسدها ، وتنتظر رد الفعل دون أن تنظر فى عينيه " . أما شخصية السودانى جزرة الشفيع فقد كان على النقيض من الجميع فى عشقه للجنس لذاته ، لا يهمه شكل المرأة ولا ملامحها ، يمارس الجنس فى أى وقت ، وفى أى مكان داخل البنسيون ، ولا يشغله حتى وجود من يتابع الحدث ، هى بالنسبة له أمور ثانوية تافهة ، حتى أن سمير دسوقى كان يرى بنفسه ما يفعله جزرة ، وكانت تذهله هذه الجرأة التى كان عليها " أمام النافذة المغلقة المطلة على شارع منصور ، رأى جزرة يتبادل القبلات مع امرأة ، بدت الرغبة الحسية حياته . دافعاً إلى التفكير، وإقامة العلاقات . كان يقدم على فعل الجنس فى أى مكان ، فى الحجرات، فى الصالة ، فى الطرقة بين الحجرات . لم يكن فى حياته ما يفوق الجنس . اهتياج جسده يفاجئه فى لحظات لا يتوقعها ، قد يحركه تصرف أو عبارة ، ينتهز فرصة خلو البيت فترة الصباح ، يمارس الجنس مع عنابر فى حجرات البنسيون . الحجرة التى يقفان أمام بابها . يحرص على اللحظة ، يطيلها ، حتى الحمام كان يغلقه عليه ، ويمارس الحب ، يتفنن فى أوضاع العلاقة ، يحاول إطالة لحظات المتعة، ربما ترك للمرأة اختيار الوضع الذى تفضله . لم يكن يشغله وجود من يتابع الحدث " .
فى معرض لوحاته وتجسيده الواقعى وهواجس التخيل يبدو الجنس فى رواية " كوب شاى بالحليب " محمّل بالحالتين ، إلا أن الواقعى منه يتحرك تحت قشرة ذاتية ، تختبئ وراءها هواجس المتخيل الدافعة إلى تفاعل الرغبة بهذه الطريقة المفرطة . ولا شك أن للمكان دور فاعل فى إذكاء هذه الحالة حتى إنها تتحول ـ فى بعض الأحيان ـ إلى أسلوب حياة لا يمكن الاستغناء عنه . وهو ما وضح فى ممارسات معظم الشخصيات التى عاشت بطبيعتها الذاتية داخل البنسيون . والبنسيون ـ كمكان ـ يستمد سطوته من الحرية التى يشعر بها النزلاء ، خاصة فى غيبة الوعى والإدراك ، وتعتمل فيه سطوة الجنس لتشمل الجميع حتى ضعفاء الرغبة سرعان ما نجدهم يتحولون إلى النقيض . إلا أن الجانب المعتم من أعماق النفس كثيراً ما يجد بصيصاً من نور ، يتمثل فى محاولة الضمير رأب الصدع الذى يصيب أعماق النفس المظلمة والمعتمة ، يغذيه أحياناً الضغط النفسى وعذاب الضمير . لذا كانت قملة العانة التى أصابت سمير دسوقى فى إحدى ممارسته الجنسية ، والتى ـ ربما ـ أتت بها " مارى "، هى مرحلة التحوّل التى أصابت الجميع داخل البنسيون . ولعل ظهور هذه الحشرة فى نهاية النص ، مع الأخبار التى وردت بحركة الانفصال بين مصر وسوريا ، كان هو الكابوس الفظيع الذى خيم على مناخ الحالة العامة والحالة الخاصة ، وكأنه حشرة كافكا التى تلبسته فى صباح أحد الأيام بطريقة مفاجئة . لقد استحضرها الكاتب ليعبر من خلالها عن المتخيّل المستقر فى البنسيون ، وفى مصر كلها " : استغرقه صمت الليل والقراءة ، انتفض لرؤية حشرة تتحرك فى أعلى الصفحة ، قذف الكتاب دون أن يتدبر رد فعل الصرخة .
رمق رصات الكتب بنظرة متشككة . هل يحرقها ؟
أيقظته يد وردى المتقلصة على كتفه ، وهو يغالب الحشرة الهائلة ، استطالت ، تضخمت ، بدت جسما شائهاً له آلاف الأعين والأقدام والأرجل ، يملأ فراغ الحجرة إلى الجدران والسقف ، تهم بابتلاعه " . ملأت الحشرة المتخيل الواقعى عند سمير دسوقى بحيث أصبحت رفيقته فى صحوه وأحلامه ونومه ، أصبحت هى الواقعى فى حياته ، وفى هاجسه المتخيل ، تبدو وكأنها كابوس يختلط بكل شئ حوله ، ووسط هذا الكابوس الكبير فى حياتهم داخل البنسيون . وفى ذروة تعاملهم مع حشرة العانة يسمعون خبر الانقلاب السورى على الوحدة ، ويسمعون أسماء قادة الانفصال النحلاوى والكزبرى وغيرهم . آراء متعددة حول الوحدة وما حدث لها . أخبره الطبيب بأن الحشرة فى حياتهم ما هى إلا وهم ، ووهم كبير . بلغ الوهم عند سمير دسوقى قمته بحشرة العانة ، وبفشل الوحدة بين سوريا ومصر و لم يوقظه من هذا الوهم سوى العودة إلى الإسكندرية مسقط رأسه . ويترك الجميع البنسيون بناء على طلب الحاج كامل مهدى صاحب البنسيون . ويودع كل منهم صاحبه .
قال الزهراوى لسمير دسوقى وهو يودعه : " سأفتقد دعوتك على كوب الشاى بالحليب "
بهذا النص الملتبس ما بين الرواية والسيرة والمكدس تكديساً لا حد له بالوقائع والأحداث التفصيلية ، وبهذا الوهم الكبير الذى عاشه الجميع سواء على مستوى الحياة الكبيرة فى مصر وسوريا ، أو على المستوى الخاص داخل البنسيون ، وما واجهه الجميع فى الواقعى والمتخيل ، نجد أن النص يتخذ شكل التعبير التسجيلى والتقرير الشديد الدقة ، فى توقيتاته المحددة وتفاصيل أحداثها الظاهرة والباطنة ، الواقعية والمتوهمة ، لهذا كان هذا المناخ الكابوسى الذى ظللت الجميع خطوطه العريضة من الواقعى فى هذه الشخصيات ، ومن المتخيّل الحلم الجميع فى مصر وسوريا ، ومن بنسيون شارع فهمى أيضاً .

د. حسين علي محمد
05-01-2008, 04:51 PM
من المحرر

بقلم: محمد جبريل
.........................................
mlg_38@hotmail.com

من الأخبار التي نشرت في العدد الماضي من هذه الصفحة. ندوة لكتاب استشراقي عن الثقافة العربية. ناقشت ما للاستشراق وما عليه. وحاولت التوصل إلي نتائج موضوعية.
وفي رأيي أن اجتهادات المستشرقين يجب الا تجاوز صفتها كاجتهادات فيما عدا تلك المثقلة بالغرض والبديهي ألا نرفضها. ونستنكرها. ونعدها دون قراءة خطأ وخطيئة. وإنما يجدر بنا أن نضعها في ميزان الاجتهاد. وفي الكفة المقابلة لاجتهاداتنا نحن.
نناقش ونتفق ونختلف. لكن العملية تظل دائما هي لغة الحوار. ثمة من يري في الاستشراق منهجاً غربياً في رؤية الأشياء. والتعامل معها. باعتبار ان هناك اختلافا جذريا في الوجود والمعرفة بين الشرق والغرب. وثمة تعريف يجد في الاستشراق محاولات لدراسة الشرق. بهدف تحقيق السيطرة عليه لصالح الغرب.. والحق أنه طالما عاني العرب والاسلام من اتهام المستشرقين بانه دين مقطوع الصلة بحضارة العصر. فهو يرفضها مقابلا لعجزه عن اللحاق بها. وثمة مزاعم أن القرآن استمد الكثير من موضوعاته من مصادر يهودية ومسيحية. وثمة من ينظر إلي الاسلام باعتباره دينا يدعو إلي الخوف وعدم الاطمئنان. وبخاصة في ضوء "سماحة" الدين المسيحي! وهي نظرة كما تري تهمل دعوة الاسلام إلي العدل والتكافل والمساواة بين البشر. والعديد من كتب الاستشراق لاتزال حتي الآن كما يقول إدوار سعيد "تنشر الكتب والمقالات باستمرار. عن الاسلام والعرب. وهي لا تختلف إطلاقا عن الجدل الخبيث المعادي للاسلام في القرون الوسطي وعصر النهضة" ويركز بعض المستشرقين علي النماذج السلبية من الأدب العربي. مثل الغزل الجنسي. والاتجاهات المنحرفة في التصوف. وتزييف الوقائع التاريخية. واختلاق السير. والتكسب بالشعر. ومداهنة السلطة إلخ.. ويعتبرون تلك النماذج ممثلة للتراث العربي. والإسلامي بعامة. وتبين الخطورة عن ملامحها. عندما نعلم ان الصورة التي صنعها المستشرقون عن دول العالم الاسلامي كان لها أكبر الأثر علي صانعي القرارات في حكومات الغرب.
ربما أسرف البعض في نقل الاجتهادات التاريخية للاستشراق. ولكن من الصعب القول ان الاستشراق قد بدل أفكار العرب في التاريخ فضلا عن الفقه والحديث والتفسير الخ. بل ان عاطف العراقي يؤكد أنه "لولا الاستشراق لما عرفنا نحن علومنا. بكافة أنواعها. وبمسلاتها وميادينها كعرب. لقد وجد الاستشراق لو التزمنا بالدقة في التتبع التاريخي منذ أكثر من عشرة قرون من الزمان. ليبقي. وقدم لنا أهله صفحات بيضاء".. المنهج هو الانجاز الأهم ولعله الوحيد للاستشراق في العقلية العربية. لم تعد الدراسات توضع عفو الخاطر. إنما تؤطر داخل قانون علمي صارم هو المنهج. وهو انجاز ذو أهمية قصوي بالفعل.. والحق أن الاكتفاء بالسخرية من نقداتنا للاستشراق. وللفكر الغربي بعامة. مثل الدعوة إلي عدم استعمال التكنولوجيا الغربية. ينطوي علي مغالطة سخيفة. فلا خلاف علي أن العلم والتكنولوجيا في أبعادهما الايجابية يتسمان بالعالمية وعدم المواطنة. لأنهما يتجنسان بجنسية العلم نفسه. ويحصلان علي هويته. ومن حق أي امريء. في أي مكان في العالم. أن يفيد منها. أما إذا تحددت معطيات العلم والتكنولوجيا في الأبعاد السلبية. كالقنابل الجرثومية أو الكيماوية وغيرها مثلاً. فإن الرفض يفرض نفسه كضرورة أخلاقية وحتمية. الأمر نفسه بالنسبة للثقافة التي تحرص علي الإضافة والتطوير ومستقبل الإنسان في إطلاقه. بعكس الثقافة التي تحمل وجهات نظر استعمارية أو مغرضة.
ولعل أصدق وصف للمستشرقين بعيداً عن المبالغات الكلامية هي أنهم علي حد تعبير ميشال جحا أساتذة وباحثون أكاديميون. تخصصوا في دراسة اللغة العربية. والحضارة العربية. وقضايا العالم العربي الفكرية. والدين الإسلامي. وهم يختلفون بالتأكيد عن أولئك الذين درسوا العربية لهدف تبشيري أو سياسي أو تجسسي أو إعلامي أو ديبلوماسي.
................................................
*المساء ـ في 5/1/2008م.

د. حسين علي محمد
21-01-2008, 03:33 AM
رواية « المدينة المحرمة » لمحمد جبريل
.................................................

صدر مؤخراً رواية « المدينة المحرمة » لمحمد جبريل، وهي رواية قصيرة عن أدب المقاومة لمحمد جبريل، عن مجدلاوي للنشر بالأردن، وفيها يتناول رؤيته للعلاقة مع العدو الصهيوني "نكون أم يكونون"، فلا تعايش مع هذا الوباء السرطاني في منطقتنا.

د. حسين علي محمد
24-01-2008, 06:09 AM
أهل البحر, رواية جديدة للروائي المبدع محمد جبريل
.................................................. .................

صدرت حديثًا رواية : أهل البحر للروائي المبدع الكبير محمد جبريل عن الهيئة المصرية العامة للكتاب .
هذه الرواية ، تتعرض للحياة في بحري ، المنطقة ما بين سراي رأس التين وميدان المنشية ، البشر والأماكن والتاريخ والوقائع والأحداث . بحري أصل الإسكندرية ، التحام قرية الصيادين راقودة بجزيرة فاروس ، شبه جزيرة الإسكندرية .
يحتضن العشرات من الأضرحة والمقامات والمساجد والزوايا . أسماؤها بأسماء أولياء الله الصالحين وأقطاب الصوفية . عاش فيها شعراء وأدباء ومفكرون وفنانون وساسة .
مارس أبناؤه الحياة بصورها الرتيبة والمغايرة . عرفوا الواقع والخيال والسحر ، وبركات اولياء اله ومكاشفاتهم . ولأن الإسكندرية يمتد في قلب العالم القديم ، منذ راقودة وجزيرة فاروس ، واتصالهما في زمن الإسكندر ، بداية لإسكندرية زماننا الحالي ، فقد اقتصرت الرواية على الشخصيات التي عاشت في بحري منذ مطالع القرن العشرين ، وتأثيراتهم . مثل الأولياء وسكان العوالم الروحية . ظلت واضحة في أبعاد الحياة .
..............................................
وائل وجدي ـ عن موقع: منتدى القصة العربية.

د. حسين علي محمد
26-01-2008, 02:55 PM
من المحرر

بقلم: محمد جبريل
.......................

قد لا يكون من حقنا أن نعترض علي اختيار إسرائيل ضيف شرف وحيداً في معرض تورينو للكتاب. وإن كانت المجازر الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية تعطينا الحق في هذا الرفض.. لكننا بالقطع ضد دعوة كل الدول العربية باعتبارها ضيفاً واحداً في هذا المعرض أو ذاك. من منطلق أن الدولة غير العربية تساوي منفردة أقطارنا العربية مجتمعة.
تكرر الأمر من قبل في معرض فرانكفورت. حيث وجهت الدعوة إلي الدول العربية بأسلوب "الشروة". مقابلاً للاحتفاء بدولة واحدة غير عربية. كل عام. ضيفة شرف للمعرض. بصرف النظر عن قيمتها الحضارية والثقافية. مجرد أنها تعتز بهويتها. وتجيد تقديم نفسها. من خلال وعي مسئول. وتفهم لطبيعة الأوضاع الدولية.
نحن نهمل المقولة الشهيرة: أنت حيث تضع نفسك. لا تشغلنا الوسائل. ونتقبل كل النتائج. قد يكون الوضع العربي مأزوماً. ويعاني التخلف. لكن المجاوزة تظل أملاً. أو هذا هو ما ينبغي أن نسعي إليه. التخلف ليس قدراً. ولا هو مكتوب علي الجبين. إنه نحن. إرادتنا. واعتزازنا بأنفسنا. وبهويتنا. نعتز بنظرة العالم إلينا ككيان تربطه وشائج وصلات. لكننا نرفض النظرة التي تجد فينا مجرد كم بلا قيمة حقيقية.
يحزنني علي سبيل المثال ذلك التصور الغريب بأن جائزة نوبل هي التي تمنح الأديب صفة العالمية. فنحن نخوض المعارك المحلية في اتجاهها. ننسي أو نتناسي أن الكثير من الأسماء المهمة في تاريخ الأدب العالمي المعاصر لم تحصل علي الجائزة. وثمة من رفضها لأسباب معلنة!
المنطق العلمي الذي يجب أن تلتزم به وزارات الثقافة العربية. أن تعد خطتين تكتيكية واستراتيجية. لوضع الأدب العربي في المكانة التي يستحقها. وهو ما يرتكز بداهة إلي تصور عام. تشارك في وضعه وزارات الثقافة العربية. فلا يتباهي قطر ما بأنه تميز عن بقية الأقطار بالحصول علي امتياز منح النسخة العربية من مسابقة أوروبية. كأن الأمر يتصل بامتياز للتنقيب عن البترول!
لأن الحديث ذو شجون. فسأكتفي بالإشارة إلي المشاركة العربية في المعارض الدولية. وما ينبغي أن تكون عليه. مأساة فرانكفورت يجب ألا تتكرر. المفروض أن تكون المشاركة بحجم الناطقين بالعربية. وبالإبداع العربي في امتداد عصوره إلي التفجر الإبداعي الذي نعيشه الآن.
أقسي الأمور أن يستكين الأفراد ناهيك عن الدول إلي ما يصعب قبوله. ودعوة إسرائيل ضيف شرف لمعرض تورينو يذكرنا بالدعوات المتوالية لدول صغيرة وكبيرة إلي معرض فرانكفورت. فإذا وجهت إلينا الدعوة نفسها. لم نحاول السؤال. ولا المناقشة. ولا دراسة حقيقة الأوضاع.
نحن نقبل من منطلق اتحاد الضعفاء وليس من منطق وحدة الأقوياء.
وإذا كانت الجامعة العربية تعجز عن أداء دور سياسي فعَّال. فإنها تستطيع أن تؤدي دوراً مطلوبا في مجال الثقافة. ولن يتحقق هذا الدور إلا بالأداء الجاد الذي ينسق. ويضع الخطط. ولا يرضي بأي شيء!
............................
*المساء ـ في 26/1/2008م.

د. حسين علي محمد
26-01-2008, 02:57 PM
في معرض القاهرة..
البحث عن حل..لارتفاع سعر الكتاب

يقدمها: محمد جبريل
.........................

د.البنداري: أكثر من مشروع.. لتلبية احتياجات القراءة
د.نجوي عمر: النشر الالكتروني يعالج المشكلة
حسني لبيب: مطلوب تخفيض أسعار.. كتب المجلس الأعلي للثقافة
فكري النقاش: لا بديل حتي الآن لمكتبة الأسرة

ارتفاع أسعار الكتاب هو الظاهرة التي فرضت نفسها بقوة علي معرض القاهرة الدولي هذا العام.. وهي ظاهرة لا تقتصر علي جناح بالذات. ولا ناشر بعينه. لكنها شملت كل الناشرين. حتي كتب سور الأزبكية داخل المعرض لم تخلص من هذه الظاهرة.
يلاحظ د.حسن البنداري أن أسعار الكتاب في تزايد مستمر. وإن جاء سعر الكتاب في العام الماضي مناسباً لمن يريد اقتناء الكتاب. لكن غلاء أسعار الكتب يواكب الغلاء الذي نعيشه الآن. ليس في مصر فقط. بل في العالم كله. ومن الممكن أن نطرح حلولاً. حتي نشجع من يحب القراءة علي مواصلة هوايته. وذلك باستحداث سلاسل جديدة ضمن مشروع النشر في هيئة قصور الثقافة. ومنها سلسلة للقصة القصيرة. وأخري للشعر. وهكذا.. لأن هيئة قصور الثقافة قادرة علي نشر كتبها بسرعة. وهي تتحمل بعض العبء. وعلينا أن نترك عملية إعادة نشر وطبع الكتب القديمة. لأنها تعطل عملية نشر الكتب الحديثة. أما هيئة الكتاب فهي تنشر كتبها في فترة معينة بسعر زهيد. ضمن مشروع مكتبة الأسرة.. ونحن نريد أن يكون هناك أكثر من مشروع للنشر ليفي باحتياجات القراءة.
وتذهب د.نجوي عمر إلي أن الظاهرة التي تزداد تفاقماً في معرض الكتاب هي ارتفاع الأسعار. قلت الفوضي وضجيج الميكروفونات. لكن زيادة أسعار الكتب تتجاوز كل الخطوط. وإقبال زوار المترددين علي المعرض يتراجع عن الشراء من عام إلي عام. حتي أن الخصم الذي يتم بمناسبة المعرض يصير هامشاً وغير مؤثر في رفع أعداد المشترين.
وبصراحة لقد أصبح ارتفاع سعر الكتاب ظاهرة يجب التوقف أمامها. ومحاولة إيجاد حل حاسم لها. وفي تقديري أن مشروع مكتبة الأسرة يمتلك الريادة. لأنه يقدم خدمات كنا ومازلنا في حاجة إليها. لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلي مساندات. إما من جهات حكومية. أو من دور نشر أهلية. ولكن يبقي السؤال: هل تقبل دور النشر الخاصة بهامش ربح ضئيل في مقابل هذه الخدمة الوطنية؟. لو قبلت بهذا فسيصبح لدينا مشروع يوازي مكتبة الأسرة. وأتمني أن ينشأ مشروع آخر علي الكتاب الالكتروني. حتي يجذب أجيالا جديدة لم يعد يغريها الكتاب الورقي. مثل هذا المشروع سيحل تلك المعضلة الصعبة. وهي غلاء سعر الكتاب. حيث إن القرص المدمج ثمنه رخيص للغاية. وبهذا ينتشر الكتاب بصورة جيدة.
ولعل هيئة الكتاب في تقدير الكاتب المسرحي محمد عبدالحافظ ناصف هي المكان الوحيد الذي تدخله لتشتري كتاباً وأنت مطمئن. ولا تتحسس جيبك طويلاً. وتجد فيها ما تريده إلي حد ما. لذا أري الأمر في حاجة دائمة إلي المراجعة والتدقيق من قبل د.ناصر الأنصاري لاختيار الأفضل الذي يزيد الثقة بين القاريء والهيئة. وخاصة في مكتبة الأسرة التي أصبحت العمود الفقري لمكتبة البسطاء من القراء. الذين يتحسسون دائماً جيوبهم أمام ارتفاع الأسعار والحياة الصعبة.
ويري د.أيمن فؤاد سيد علي أن مشروع مكتبة الأسرة. هو الأقل سعراً في الكتب التي يصدرها. وهناك إقبال عليها منذ افتتاح المعرض. لكن هذا الدعم الذي يذهب إلي القاريء. لا يقابله دعم مماثل يذهب إلي المؤلف. لأن الكتاب يعرض ويباع بعشر ثمنه. مهما كان عدد النسخ المسحوبة. وهي في الغالب لا تزيد علي خمسة آلاف نسخة. إن نصيب المؤلف يصل إلي عشر العائد الذي كان سيحصل عليه لو أصدر طبعة ثانية. ولابد من تعويض المؤلف عن هذه الطبعة التي تصدر في مكتبة الأسرة. كما يجب أن تتحمل جهة حكومية دعم الكتاب ليصل إلي القاريء المتعطش. ويعوض المؤلف في الوقت نفسه. وللأسف. فنحن نجد أن مطبوعات مكتبة الأسرة يتم تشوينها من قبل "الكتبجية" وفي أحيان أخري تنزع أغلفتها الأصلية. وتباع بأضعاف أسعارها في المعرض. بحيث لا يصل الدعم إلي مستحقيه وهم القراء. بل يحصل التجار علي أضعافه.
ويشير الروائي حسني سيد لبيب إلي أن الشكوي تتزايد من ارتفاع أسعار الكتب في معرضه السنوي. وأصبح الكتاب يواجه مشكلة إعراض معظم الناس عنه في ظل منافس أقوي. هو الكومبيوتر. في الوقت الذي نحن فيه في أمس الحاجة إلي الكتاب الورقي. لقد أصبح معرض الكتاب سوقاً لبيع أي شيء عدا الكتاب الذي ضعف الإقبال عليه وإن أثبت مشروع مكتبة الأسرة نجاحاً منقطع النظير لعدة أسباب. أبرزها عرض الكتاب بسعر زهيد. ويمكن الإفادة من هذا النجاح في مجالات أخري موازية أو مشابهة. مثل إعادة النظر في منافذ التوزيع لسلاسل هيئة قصور الثقافة. حيث تشكل هذه السلاسل قوة جذب للقاريء العادي. لكن ندرة منافذ التوزيع وصعوبة الحصول علي هذه الكتب. يشكلان عقبة رئيسية. وأرجو أن تتدارك الهيئة هذه النقطة بالتوزيع الجيد الذي يساعد علي رواج كتبها. وليت المجلس الأعلي للثقافة يعيد النظر في أسعار كتبه. فمشروعه الثقافي أداة تثقيف للمواطنين. ولا يخضع لمبدأ الريح. وهنا يأتي دور الدولة في دعم ميزانية المجلس. لأن الكتاب علي نفس الدرجة في الأهمية مع رغيف الخبز. وثمة دور مهم لدور النشر الخاصة التي تجأر بالشكوي من تضاؤل حجم المبيعات وكساد تجارة الكتب. بينما تضع علي الأغلفة أسعاراً مغالي فيها. من المهم لهذا الدور أن تساعد في حل المشكلة بأن تقلل من هامش الربح. كما ينبغي علي الدولة أن تقلل من الضرائب المفروضة علي صناعة الكتاب. بما فيها الورق والأحبار. وحتي لا يقال إننا أمة لا تقرأ فإنه ينبغي تآزر الجميع من أجل بيع الكتاب بسعر مناسب.
ويجد الكاتب المسرحي فكري النقاش في مكتبة الأسرة حلاً مناسباً لمشكلة ارتفاع سعر الكتاب. إنه مشروع جيد. ومن يقف وراءه يؤمن بأهمية دور الكتاب. ويأتي له بالدعم من الهيئات والمؤسسات. وأعتقد أنه لابديل عن مكتبة الأسرة. وهو ما كان واضحاً أيضاً في المعرض. حيث كان الإقبال كبيراً علي كتب القراءة للجميع. وبخاصة أنها جيدة المستوي. وطبعة بشكل مقبول. لذلك فإني أتمني أن يدوم هذا المشروع. لأنه من الصعب أن ينشأ مشروع مواز له. باعتبار أن دماء هذا المشروع هي الأموال. ومن الصعب علي القطاع الخاص أن يتنازل عن ربحيته. ويبيع كتبه بأثمان زهيدة. فلديه أعباء. ويريد الربح.
والغلاء كما يقول القاص فرج مجاهد يتزايد يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام ولا حل فيما أعتقد إلا برفع الجمارك عن الورق وأحبار الطباعة وغيرها من المستلزمات الخاصة بالنشر. ولعل وجود مكتبة الأسرة وسور الأزبكية في المعرض هو المتنفس الوحيد لرواد المعرض. وخاصة الباحثين والمهتمين بالأدب في الأقاليم. هذه هي طاقة النور الوحيدة في الأفق. كما أشير إلي ضرورة دعم مشروع النشر الإقليمي لكل محافظة. وأن توضع له ضوابط حتي لا يكون سلطة في يد رئيس إقليم أو مدير فرع ثقافي. ينشر لمن يشاء. ولا ينشر لمن لا يعجبه. لابد من تفعيل اللجان الخاصة بالنشر. وأن تكون قراراتها نافذة وليست حبراً علي ورق. إذن فالمشكلة حلها في يد الدولة. ولابد من تدخلها. بهذه الحلول يمكن أن نحد من مشكلة غلاء الكتب ونشرها.
......................................
*المساء ـ في 26/1/2008م.

د. حسين علي محمد
03-02-2008, 12:16 PM
من المحرر:
أستاذ رجاء النقاش.. شكراً!

بقلم: محمد جبريل
.....................

لم أعرف بحفل تكريم الناقد الكبير رجاء النقاش في نقابة الصحفيين إلا من وسائل الإعلام.
من حق رجاء النقاش. ومن واجبي. أن اتحدث عن إسهامه الإيجابي في حياتنا الثقافية. لا كناقد فحسب. وإنما كمكتشف للطاقات الإبداعية الحقيقية.
كان النقاش أول من قدم الطيب صالح إلي قراء العربية. قرأ موسم الهجرة إلي الشمال. وجد فيها عملاً متميزاً. فلم يكتف بنشرها في روايات الهلال التي كان يرأس تحريرها. لكنه قدم لها بدراسة مطولة تبين عن جوانب التفوق. بما أتاح لمؤلفها أن يحصل علي المكانة التي يستحقها.
الدور نفسه قام به النقاش لشعراء الأرض المحتلة. سلط الضوء علي إبداعاتهم من خلال دراسات متعمقة.
وأذكر أن النقاش قدم لمبدع من أجمل أدباء الستينيات وأصدقهم موهبة. هو أحمد هاشم الشريف. لم يقصر مجلة الكواكب علي أخبار المغنيين والممثلين والراقصات. بل خصص جزءاً منها لإبداعات الأدباء.. أليسوا فنانين؟
كان تقديمه لأحمد هاشم الشريف في هذا الإطار. ولا زلت أذكر كلماته المتحمسة التي تبشر بميلاد مبدع حقيقي وموهوب. وإذا كان الشريف قد أهمل فن القصة الذي قدم فيه محاولات جميلة لحساب الخواطر الصحفية فإن النقاش ظل علي حرصه في تقديم من يراهم جديرين بذلك.
بالنسبة لي. فقد زارني الصديق الشاعر أحمد هريدي يوماً. عرض باسم النقاش أن أنشر كتابات لي في جريدة خليجية كان النقاش يشرف علي قسمها الثقافي. كانت لقاءاتي بالنقاش محدودة بحيث يصعب نسبتها إلي الصداقة. لكنه كرر عرضه شخصياً. ونشر لي بالفعل ماقدمته له.
وحين كان النقاش يعد لإصدار مجلة ثقافية في مستوي قومي. نقل لي الصديقان طلعت الشايب وحسين عيد عرض النقاش بأن أنشر فيها كتاباتي. وقدمت إلي المجلة المشروع دراسة مطولة بعنوان "نعم. مصر هي بيت أبي". وقلت للصديقين الشايب وعيد: إذا نشرت هذه الدراسة دون حذف فستكون هي البداية. وفوجئت بأن النقاش جعل الدراسة التي ناقشت وأدانت. أولي مواد العدد الصفر من المجلة. مامثل إلغاء لتصوري أنه ربما يجد فيها مايحول دون نشرها في مجلة حكومية لم تبدأ خطواتها بعد. وانتظرت نشر مقالات أخري في الأعداد التالية. لكن النقاش ترك رئاسة تحرير القاهرة في ظروف لا أعرفها. وطلبت استعادة ماقدمته إلي القاهرة باعتبار أنه كان استجابة لعرض منه.
أمثلة أخري كثيرة تخص الآخرين وتخصني تؤكد الدور الريادي الذي أضاء به رجاء النقاش جوانب حياتنا الثقافية. بداية من الكلمة الناقدة المسئولة. إلي رعاية كل الطاقات المبدعة التي يري أنها بعض دوره.
أستاذ رجاء النقاش.. شكراً!
..................................
*المساء ـ في 2/2/2008م.

د. حسين علي محمد
03-02-2008, 12:17 PM
هل عاد الشعر ديواناً للعرب ؟
....................................

د. فتح الباب : ساحة الإبداع .. ليست "سداح مداح"
هارون رشيد : الغموض سبب ابتعاد القراء الحقيقيين
مجدي :الفصحي في مأزق .. والمستقبل للعامية
شبلول : أرحب بالعودة إلي الوضوح الفني
سمير فراج : المبشرون ب "قصيدة النثر" .. هم الذين أسقطوها !

يقدمها : محمد جبريل
.........................

هل بدأ الشعر يسترد الأرض التي فقدها في الأعوام الأخيرة؟.. ذلك هو السؤال الذي يفرض نفسه في ضوء زيادة اعداد مبدعي الشعر. وكثرة الأمسيات الشعرية. والمسابقات التي رصدت لأجمل القصائد جوائز مرتفعة. والإصدارات اللافتة لدواوين الشعر.
من يتأمل خريطة الشعر المعاصر والقول للشاعر هارون هاشم رشيد يدرك أنه يمر بمنعطف حاد. فهناك قلة قليلة من أصحاب المواهب البازغة التي تبشر بصحوة تعيد إلي الشعر مكانته باعتباره فن العربية الأول. ويعترض طريق هؤلاء كثرة من الأدعياء. مما يجعل ساحة الإبداع الشعري "سداح مداح" علي حد تعبير الراحل أحمد بهاء الدين. وسينجلي الصراع حتماً لصالح الأولين. لا سيما إذا اضطلع النقاد بمسئوليتهم عن فرز الصالح من الطالح. دون نظر إلي أسماء المشهورين أو نفوذهم. ثمة شعراء من جيل الشباب علي قدر كبير من التميز. نظراً لإحساسهم المرهف بالآلام والآمال التي تجيش في وجدان الشعب. وقدرتهم علي الكشف عن النواة الحية للإبداع المعرفي بأغراضه. وجمعهم بين الوعي الذاتي والوعي الموضوعي. وأبرز العقبات التي تعترض مسيرة الشعر الآن ضعف مستوي مدرسي اللغة العربية وآدابها. واختيارهم نماذج رديئة. مما يضعف حاسة التذوق الفني لدي الطلاب. ومن العقبات أيضاً نفور كثير من القراء عن متابعة شعر الحداثة. بسبب الغموض الفني. مما يرجع إلي اضطراب الرؤية. وعدم استيعاب التراث الشعري. لن يعود الشعر إلي مكانته إلا إذا كان معبراً عن الزمان والمكان والبعد الإنساني. حينئذ يصبح الشعر هو الحياة. والحياة هي الشعر. ويتحول الإبداع إلي سلاح لمقاومة كل من. ومايقف عقبة في سبيل ازدهار ملكات الإنسان.
أكثر من سبب
ويذهب الشاعر هارون هاشم رشيد إلي أنه كان هناك أكثر من سبب في الزمن الماضي. كان الشعر يعبر تعبيراً صادقاً عن قضايا الجماهير. وكلما ترددت العلاقة بين الجماهير والقضايا. تردي الشعر أيضاً. ليس الغموض وحده هو السبب لانصراف الناس عن الشعر بمجمله. الشعر دائماً هو التعبير الصادق عن المشاعر. والتعبير الصادق ينتقل من القلب إلي القلب. وقد أسهم الغموض إلي حد كبير في انصراف الجماهير عن الشعر. لكن السبب الأساسي هو عدم حضور الشعر في المناهج الدراسية الحديثة. مثلما كان في الزمن الماضي. كان الذوق الشعري للإنسان العربي يربي من طفولته. وكان مايتعلمه الطفل في مراحل الدراسة يترك في نفسه التعود علي جرس الشعر وموسيقاه. واكتشفت بعد الدراسة أن بعض القصائد التي درستها كانت من شعر العصر الأموي والعصر العباسي. وكنا نتذوقه في أكثر الأحيان ولا نعرف معناه. لكن الموسيقا ترسخه في أعماقنا. وهناك الصحف العربية والصفحات الثقافية في الوطن العربي في مجمله. التي لا تشعر الشعر المعبر. بل تهتم كثيراً بالشعر كلما اتصف بالغموض. ولنتذكر أن قصائد شوقي وحافظ كانت تنشر في الصفحات الأولي لعذوبتها وبساطتها وشعريتها المتألقة. أما الملتقيات والندوات الشعرية. فأشهد مما رأيته في الوطن العربي أن هناك إقبالاً جيداً. والناس تتجاوب مع مايلقي فيها من شعر.
ويلاحظ الشاعر مجدي نجيب غياب الاهتمام بالقراءة بشكل عام. لأن الإعلام التليفزيون أفسد أذواقنا. والكتاب أصبح مشكلة بصرف النظر عن نوعية الإبداع الذي يتضمنه. فجمهور الشعر أقل من جمهور الرواية وأنواع أخري من الكتابات. مثل الكتاب السياسي أو الديني. الشعر يأتي في الآخر لأن النماذج الشعرية التي تقدم بعيدة عن القارئ. ولعل شعر العامية هو الأقرب إلي جمهورنا المصري. لأنه الأكثر انتشاراً. وبصراحة. فإن العامية هي اللغة التي تستعملها في المحاضرات. وعلي شاشة التليفزيون ونقرأ بها معظم ماتكتبه الصحف. الشعر الآن يأتي في آخر مرحلة. وهو يأتي بالمصادفة لدي البرامج الإذاعية والتليفزيونية. أكرر: إن الشعر منقرض بشكل عام. حتي الدواوين الشعرية هي الأقل انتشاراً بالنسبة للمبيعات.
لم يمت !
ويري الشاعر أحمد فضل شبلول أن صوت الشعر والشعراء قد يخفت في وقت من الأوقات لعوامل عدة. ولكنه أبداً لم يمت. وإذا كان الشعر قد شهد خفوتاً في وقت مضي فربما لأسباب منها تلك الدائرة الغامضة التي أدخلنا فيها بعض الشعراء. وإذا بالناس تقرأ أو تسمع شعراً لا تفهم منه شيئاً. بحجة أن الشعر لايفهم ولكن يحس. وللأسف روج بعض النقاد لتلك المقولة. وقالوا انها الحداثة الشعرية. ولأن الجمهور حساس ويستطيع أن يتعامل مع تلك الظواهر بما يناسبها فقد وجدنا عزوفاً عن مثل هذا الشعر. وانسحب ذلك علي معظم أنواع الشعر. وباتت كلمة "شعر" أشبه بالكلمة سيئة السمعة. وأسهم في ذلك بعض النماذج التي قدمت بشكل مضحك ومسيء في بعض أفلامنا. وأعتقد أن ظاهرة الغموض غير الفني في الشعر بدأت تنحسر الآن. وثارت تساؤلات مثل: لمن يكتب الشاعر. لنفسه أم للنقاد أم للناس. فإذا كان لنفسه فلماذا يعرض انتاجه علي الناس. وإذا كان للنقاد فليقرأهم النقاد. ويكتبوا عنهم إذا شاءوا. وإذا كان للناس فلماذا لم يتم مراعاة ذلك؟. ويبدو أن من ينحاز للناس هو الذي يتذكره الناس ويحبون القراءة له. فالقارئ أو السامع يجد شيئاً من نفسه في هذا النص أو ذاك. وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة إعادة تقييم للموقف. وعودة الشعراء مرة أخري إلي الوضوح الفني الجميل والصور الشعرية التي لها أرضية مشتركة بين الشاعر والمتلقي. وعادوا كذلك إلي الاهتمام بالناس والقضايا المشتركة. والجماليات الوجدانية التي تعبر عن الإنسان المعاصر وأزماته. الأمر الذي أسهم في رواج الشعر مرة أخري. وعادت كلمة "شعر" لتأخذها دورها الطليعي. أيضاً من ضمن أسباب رواج الشعر الآن كثرة المسابقات والجوائز والأمسيات والمؤتمرات والملتقيات الكبري. وهو مالاحظناه في العام الماضي. حيث ملتقي الشعر الذي نظمه المجلس الأعلي للثقافة. وملتقي ربيع الشعراء. ومهرجانات شوقي وحافظ بمناسبة مرور 75 عاماً علي وفاتهما والتي بلغت سبعة مهرجانات في القاهرة والإسكندرية. إلي جانب العديد من المسابقات العربية. كل هذا وغيره أسهم في رواج الشعر في الفترة الأخيرة وخروجه من سباته العميق ليتفاعل مع قضايا الناس.
وفي تقدير الشاعر سمير فراج. أن المبدع يمر بحالات دورية من الإحباط والإقدام. بحسب حساسيته. وقوة تمكن الموهبة منه. إذ تجعل فترات إحباطه قصيرة. وارتداده إلي طور الإقدام سريعاً. ويحدث أحياناً مايثير الشاعر وهو في طور الإحباط إثارة تنتشله من إحباطه. وتزج به إلي حيز الإقدام ليواصل دوره في الحياة كمبدع لديه رؤيته في إعادة صياغة الكون حوله. وبالنسبة للوضع العام. يمكن القول إن سقوط المراهنات الزائفة علي الأكاذيب التي ملأت الساحة الأدبية. وانحسار موجات كان مخططاً لها أن تتبوأ الصدارة في الساحة الشعرية. مثل قصيدة النثر التي تخلي عنها من بشروا بها. وكفر بها أنصارها بشكل مفاجئ. جعلني شخصياً اتساءل: هل كان لهذا المشروع تمويل لجهة ما وقد نفدت ميزانيته. كذلك سقوط المقولات النقدية الهدامة التي استهدفت القصيدة العمودية مثل القول بموتها. وإنها لم تعد قادرة علي التعبير عن هموم وآمال إنسان هذا العصر. سقوط هذه المقولة جاء بجهود شراء القصيدة العمودية الذين أصروا علي الالتزام بهذا الشكل المتجذر في الشعرية العربية. وأثبتوا قدرة فائقة لهذا الشكل علي استيعاب طاقات تفجيرية علي مستوي اللغة والصورة. ولا أبالغ إن قلت أن بعض القصائد العمودية التي كتبت مؤخراً. أكثر حداثة من التجارب المزعومة التي سماها كاتبوها قصيدة النثر.
..............................
*المساء ـ في 2/2/2008م.

د. حسين علي محمد
06-06-2008, 04:46 PM
الترجمة

بقلم: محمد جبريل
..................

إذا كانت الخطة التالية التي نأملها من المركز القومي للترجمة. هي الترجمة من العربية إلي اللغات الأجنبية. فإن ذلك ما يعني به مستعربون. أخلصوا لقضية الترجمة من العربية إلي لغاتهم. والمثل الذي يصعب الاختلاف حوله هو الإيطالية إيزابيلا كامرا.
الشروط غير المعلنة التي يترجم بعض المستشرقين في ظلها إبداعات عربية. تشمل كل ما يسم العربي بالتخلف. ثمة الفقر والتخلف والأمية وختان البنات وانسحاق المرأة والعشوائيات والعدوانية وفقدان الوعي وغيرها من الظواهر التي قد تكون شاحبة. أو عارضة. لكنها تتحول -بقدرة الميديا الغربية- إلي ثوابت في الحياة العربية. قرأنا أعمالاً يصعب نسبتها إلي الإجادة في الأدب العربي. لكن أحداثها اقتصرت -للأسف- علي تلك الجوانب السلبية!
تجد ايزابيلا أن المنجز الإبداعي في مجال الرواية العربية يتيح لها مكانة لا تقل عما بلغته الرواية علي المستوي العالمي. بل إن الوشائج واضحة بين العربية ومثيلتها في أمريكا اللاتينية.
الأسباب السياسية -في تقدير إيزابيلا- هي التي تحول بين ما تترجمه والوصول إلي القارئ الأوروبي بعامة. والإيطالي بخاصة. هي تقرأ. وتختار ما يستحق الترجمة. وتستغرقها ترجمة العمل الواحد لأشهر أو لسنوات. حتي يصبح معداً للنشر. وكان ذلك متاحاً من خلال الدعم الذي تقدمه الحكومة الإيطالية. لكن الوضع تبدل بعد تولي اليمين حكم إيطاليا. فقد رفع الدعم المخصص للترجمة إلي العربية -وهو لا يمثل مجرد هامش في الميزانية- وبدأ ما تترجمه إيزابيلا يعاني الركنة في الأدراج.. إذا كنا نتحدث عن ضرورة فتح نوافذ للإبداعات العربية. تطل منها علي القارئ في كل الدنيا. فالبديهي أن تظل النوافذ المفتوحة علي حالها. فلا نغلقها بالصمت البليد واللامبالاة.. الدعم الذي منعه اليمين الإيطالي -يتصور في العرب والإسلام قوة مناوئة بعد الشيوعية الدولية!- لمنع إيزابيلا من خدمة الثقافة العربية. يجب أن تتلقاه المستعربة الإيطالية - ترفض تسمية مستشرقة - فتواصل دورها في خدمة الثقافة العربية؟
أتصور أن جابر عصفور -المشرف علي المركز القومي للترجمة- يستطيع أن يجاوز تسلط اليمين الإيطالي. فيوفر الدعم الذي تطلبه إيزابيلا. بأن يعهد إليها ببترجمة ما اقتنعت بقيمته من إبداعاتنا العربية.
لإيزابيلا مكانة لافتة بين المستشرقين. أو المستعربين. وعلينا أن نفيد من هذه المكانة بأن نعين إيزابيلا علي أداء دورها الذي أنشئ مركز الترجمة لتحقيقه.
..............................
*المساء في 31/5/2008م.

د. حسين علي محمد
19-07-2008, 07:05 PM
نص حوار ناهد خيرى مع الروائي الكبير محمد جبريل
.................................................. ...............

نص الحوار الذى أجرته ناهد خيرى مع محمد جبريل ، ونشر فى جريدة " الجماهير " المصرية ـ 9/4/2008
ـ هل تذكر متى بدأت الكتابة ؟
* من الصعب أن أحدد موعداً لبدء علاقتى بالكتابة . نشأت فى بيئة تحض على القراءة والتأمل والدهشة واكتساب الخبرات . مكتبة أبى الممتلئة بكتب الاقتصاد والسياسة ، باعتبار مهنته كمترجم للعديد من اللغات ، فى العديد من الشركات الأجنبية ، زمن الكوزموباليتينية السكندرية ، لم تكن تخلو من كتب فى الإنسانيات المختلفة . قرأت لطه حسين والعقاد والزيات وتيمور والمازنى والسباعى [ خلت المكتبة من عمل لنجيب محفوظ الذى اكتشفته ، وأحببته مطلقا، فى فترة تالية ] . أقبلت على القراءة إلى حد أزعج أبى ، وأظهر خشيته من أن تدركنى حرفة الأدب [ حدث ما كان يتوقعه ، ويخشاه ] ، ومثلت الروحانية التى يكاد يتفرد بها بحرى بين الأحياء والمدن المصرية دافعأ موازياً أو متشابكاً . لا أذكر متى تحول حب القراءة والمشاهدة والمعايشة إلى محاولات للكتابة . لكن ما أذكره أنى أقدمت فى حوالى الرابعة عشرة من عمرى على طباعة محاولة ، سميتها " الملاك " ، لجأت فيها إلى التوليف بأكثر من عنايتى بالتأليف ، فكلماتى أشبه بأدوات الوصل بين تعبيرات وتشبيهات وكنايات للأدباء الذين أحببت كتاباتهم . ولعل قصتى الصغيرة " يا سلام " كانت أولى المحاولات التى عبرت فيها بصوتى الخاص .
ـ فى سطر واحد : ماذا تعنى الإسكندرية لمحمد جبريل ؟ وهل حقاً تستمد منها معظم موضوعاتك ؟
* تريدين إجابة فى سطر واحد عن سؤال فى سطرين . والحق أن علاقتى بالإسكندرية تبدأ منذ الطفولة ، بحيث يصعب أن أتحدث عنها فى مساحة محدودة ، ومحددة . الإسكندرية ـ وحى بحرى بخاصة ـ هى الأرضية التى تتحرك فيها أحداث أعمالى وشخصياتها . لا تعمد ، وإنما أنا أعبر عما عشته وعرفته . ربما لو أنى لو لم أرحل عن الإسكندرية فى مرحلة الشباب الباكر ، ما كان المكان السكندرى يلح فى أن يكون قواماً لأعمالى الإبداعية . حتى الأعمال التى قد تنتسب شخصياتها أو فضاءاتها إلى مدن غير الإسكندرية ، تتخلق حياتها فى بيئة مدينتى . ذلك ما حدث فى روايتى " الصهبة " التى تتحدث عن طقس حقيقى فى قرية صعيدية ، لكن الموالد والأذكار والابتهالات والأدعية والطقوس الدينية التى تسم الحياة فى بحرى ، كانت هى الدافع لأن تنتقل إلى مساجده وميادينه وشوارعه وأزقته ومعتقداته وتقاليده
ـ قلت فى أكثر من مناسبة أن الحنين هو الدافع الأهم لكى تكتب عن بحرى .. فماذا عن الروايات التى توظف التاريخ أو التراث ؟
* الحنين إلى الزمان هو الباعث للروايات الكبرى فى القرن التاسع عشر . ذلك ما ما يطالعنا ـ على سبيل المثال ـ فى أعمال بلزاك وفلوبير وستندال وتولستوى وغيرهم ، وهو ما يجد امتداداته ـ فى الفترات التالية ـ فى أعمال وولتر سكوت وجورجى زيدان وسارتر وكامى والعريان وأبو حديد وعادل كامل ومحفوظ والسحار ومكاوى وباكثير وغيرهم .
ولعل الحنين إلى الزمان ـ بالنسبة لى ـ يتوضح فى الأعمال التى تحاول توظيف التراث ، سواء كان الزمان فرعونياً كما فى " اعترافات سيد القرية " ، أو هيلينيا كما فى " غواية الإسكندر " ، أو إخشيدياً كما فى " من أوراق أبى الطيب المتنبى " ، أو فاطمياً كما فى " ما ذكره رواة الأخبار من سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله " ، أو عثمانياً كما فى " الجودرية " ، أو ينتسب إلى ألف ليلة وليلة كما فى " زهرة الصباح " إلخ .
حين أنشغل بقصة تحاول توظيف التاريخ ، أو تحاول توظيف التراث ، فإنى أحيا ذلك الزمن البعيد ، أقرأ فى المعتقدات والعادات والتقاليد وسلوكيات الحياة اليومية . أحيا فى كتاباتى ما عشته ، أو قرأته ، من قبل . يصبح الماضى ـ بفعل الكتابة ـ حاضراً ، أحياه بكل تفصيلاته وجزئياته ومنمنماته .
ـ ماذا يعنى لك تدريس قصصك فى عدد من الجامعات ؟
* المبدع يكتب ليقرأه الناس ، وليس ليودع كتاباته الأدراج ، فإذا مثل طلاب الجامعات ـ وهم قاعدة عريضة ـ بعض هؤلاء القراء ، فظنى أن ذلك ما يسعد المبدع .
ـ لماذا كتاباتك متعلقة دائماً بالتراث والتاريخ والحوارى والأزقة والشوارع ؟
* أتحفظ على مضمون السؤال ، أو فى الأقل صياغته ، لكن المبدع يستمد كتاباته من حياته ، من قراءاته وحصيلته المعرفية ومشاهداته وخبراته وخبرات الآخرين وتأملاته . وكما قلت فإنى نشأت فى بيئة لها خصوصيتها على مستوى الأسرة والحى ، وكان لابد لذلك أن ينعكس فى كتاباتى .
ـ يتهمك الكثيرون بالإنتاج الضخم كما وكيفاً ؟
* لعلى أستعيد المقولة الشهيرة عن التهمة التى يجد المرء أنه لا يستحقها . والواقع أن حياتى فى الإبداع . ذلك ما حرصت عليه منذ بداية لا أذكرها على وجه التحديد . أومن بالنظام وبالحرص على الوقت وبأن تسبق اهتماماتى بالقراءة اهتماماتى الإبداعية . أرفض تعبير قتل الوقت لأن الوقت هو الذى يقتلنا ، وحين بدأت مشروعى الإبداعى ، فقد حاولت أن أخلص له بالقراءة والتأمل والتحصيل المعرفى ومحاولة التوصل إلى وجهات نظر . أهملت الملذات الصغيرة ، كالجلوس على المقاهى ، والاطمئنان إلى البلادة ، والمنتديات التى تكتفى بالثرثرة . تكونت فى وجدانى وذهنى ملامح معظمها يعانى الشحوب ، لكنها اكتسبت الوضوح بالانتصار لقضية الفن . رأيى أن المبدع يحاسب على قيمة ما يكتبه ، وليس على كثرة ما يكتبه . هل تستحق أعماله القراءة ، أم أنها تنطوى على استسهال فى الكتابة ، دون معنى حقيقى ؟
ـ ماذا يعنى ترجمة بعض أعمالك ؟
* ما ترجم من أعمالى قليل جداً بالقياس إلى الوفرة التى تفضلت بالإشارة إليها ، نقلاً عن آخرين . وكنت سأشعر بالأسى لو أن هذا الأمر شغلنى أكثر مما ينبغى ، لكن نصيحة أستاذنا يحيى حقى فى بالى دوماً ، وهى أن يكون انشغالى بالإبداع قضيتى الأولى ، فلا أنشغل بقضايا قد تصرفنى عن الحياة التى اخترتها لنفسى .
ـ هل كتبت قصة حياتك ،أو جزء منها ، فى أحد مؤلفاتك ؟
* أنا موجود بصورة كاملة ، سيرة ذاتية يعنى ، فى كتابى " حكايات عن جزيرة فاروس " ، وفى روايتى " مد الموج " وفى " أغنيات " و " قراءة الصور " و " أيامى القاهرية " والأعمال الثلاثة الأخيرة لم يتح لها النشر . بالإضافة إلى أنى موجود ـ على نحو ما ـ فى العديد من رواياتى : الشاطئ الآخر ، قاضى البهار ينزل البحر ، النظر إلى أسفل ، زمان الوصل ، رباعية بحرى ، أهل البحر ، كوب شاى بالحليب ، ذاكرة الأشجار ، وغيرها .
ـ ماذا تعنى القراءة بالنسبة للمبدع ؟
* أصارحك بأنى أعتبر نفسى قارئاً قبل أن أكون كاتباً . كانت القراءة دليلى إلى الكتابة . والقراءة ـ حتى الآن ـ هى الحافز والمستفز لمناقشات وأفكار ورؤى ، تجد سبيلها إلى الورق فى أعمال روائية وقصصية . يذهلنى قول البعض إنه قد حصل من القراءة ما يكفيه ، وأنه يعتمد على موهبته ، تلك نظرة قاصرة ، وعكست تأثيرات سلبية على مواهب كبيرة ، توقعنا أن يعمق صوتها بإيجابية فى إبداعنا الحديث ، لكنها صدقت نفسها ، فلم تلحظ الصدأ الذى ران على موهبتها بالتوقف عن القراءة بكل ما تعنيه من تعرف وتشوف وتجارب وخبرات ، حتى تآكلت الموهبة تماماً .
ـ ما رأيك فى جائزة البوكر التى حصل عليها بهاء طاهر ؟
* ظنى أن فوز بهاء طاهر بهذه الجائزة قد أنقذها من التشكك الذى كان المثقفون العرب ينظرون من خلاله إلى الجوائز الأجنبية ، فضلاً عن عمليات الترجمة والنشر من العربية إلى اللغات المختلفة . وكما قال صديقى الناقد الكبير الدكتور محمد عبد المطلب فإن الكثير من الإبداعات فى الأعوام الأخيرة كتبها أصحابها بشروط ، هم يكتبون عن الجوانب السلبية ومظاهر التخلف فى البيئة تصوراً بأنهم يرضون العين الأجنبية فيسهل ترجمة كتاباتهم ، بصرف النظر عن مستواها . لقد أسرف فاقدو الموهبة على أنفسهم وعلينا بكتابات تطفح بزنا المحارم والشذوذ والعلاقات المشبوهة وتوهم الصراع الطائفى ، سعياً للترجمة وللحصول على الجوائز . والمؤسف أن بعض الناشرين الممولين من جهات أجنبية جعل تلك الطريق معبدة أمام هؤلاء الأدباء ، فقصروا أعمالهم على ما يريده الآخر ، وليس ما يريده الفن . إنهم يمسكون فى أيديهم " مازورة " ويقيسون ويفصلون ، دون اعتبار لما تؤهلهم له قدراتهم الفنية الضحلة ، وثقافتهم الساذجة ، بهاء طاهر جعل من بوكر ـ حين فاز بها ـ جائزة حقيقية ، تستحق الاحترام ، ولعل ذلك ما تحرص عليه فى دوراتها القادمة .
ـ هل توجد علاقة بين الأدب والصحافة ؟
* أثق أنى أدين للصحافة بأفضال كثيرة . إنها هى المهنة الأقرب إلى الأدب من حيث أنها عمل يتصل بالكتابة . وقد أتاحت لى الصحافة قراءات وأسفار وخبرات وعلاقات ممتازة وراتب يعين على الحياة فى مجتمع يحرص على مجانية الكلمة مقابلاً للأجور الفلكية التى يتقاضاها نجوم السينما والغناء والرياضة . أما القول بأن الصحافة تلتهم وقت الأديب ، فإنى أعتبره من قبيل حجة البليد . النظام والحرص على الوقت وإهمال التفاهات وسيلة المبدع الحقيقى للقراءة والتأمل والكتابة الإبداعية . أذكرك بأستاذنا نجيب محفوظ الذى ظل لأعوام طويلة فى وظيفة تمتص أكثر من نصف النهار ، لكن حبه للفن ، ومثابرته ، وحرصه على النظام ، ذلك كله أثمر الإسهامات الأجمل فى الرواية العربية . ولعلى أذكرك ـ فى المقابل ـ بالعديد من المنتسبين إلى الأدب ، يقضون أيامهم فى التنقل بين المقاهى والقعدات الخاصة وأحاديث النميمة ، يكتفون بالنيل من الآخرين دون أن ينظروا إلى داخل أنفسهم .
ـ هل حرية الكاتب مطلقة أم ملتزمة ؟
* فى رأيى أن الحرية هى الأصل . وإذا كان البعض يتعمد الإساءة إلى هذا المعنى الجميل بكتابات تستهدف الإساءة للمشاعر الدينية ، أو دغدغة المشاعر الحسية ، أو افتعال القضايا التى تهدد نسيجنا الاجتماعى ، فإن ذلك لا يعنى المصادرة ولا المحاسبة الرقابية من الدولة ، إنما هى مسئولية المثقفين أنفسهم . إن عليهم أن يقرءوا ويناقشوا ويحللوا ويبدوا الرأى فى مواطن الإيجاب والسلب ، الرأى العام المثقف يستطيع أن ينبه إلى الأعمال التى تستحق القراءة والتقدير ، والعكس ـ بالطبع ـ صحيح . وإذا كان النقد يفضل الاسترخاء فى غيبوبة ، فلعل المجتمع الثقافى فى عمومه يضع أيدينا على ما ينبغى قراءته ، وما يجد موضعه الحقيقى سلال المهملات !
ـ ما رأيك فى النقد والنقاد الآن ؟
* أنا أكتب بعناد أمواج البحر ، وليس بعناد الثيران كما قال أستاذنا نجيب محفوظ . عناد الثور ينتهى بمصرعه ، تلك هى النهاية . أما عناد أمواج البحر فإنه يظل ، قد ينحسر بالجزر ، لكنه يعود بالمد . تهمنى آراء النقاد ، لكنها لا تشغلنى ، لا يشغلنى أن يكتبوا عن أعمالى ، أم ينصرفون إلى كتابات يرون أنها أكثر جدوى عن أصدقاء وأفراد شلة ومحاسيب . مع ذلك فإنى أعتز بكتابات كثيرة لنقاد مرموقين عرضوا لأعمالى بالدراسة والتحليل ، ونشروا كتاباتهم فى صحف ودوريات مهمة على امتداد الوطن العربى ، كما أعتز بأربعة عشر كتاباً تناولت أعمالى ، وأيضا ما يقرب من عشر رسائل جامعية ما بين الماجستير والدكتوراه . يزعجنى التعبير المشفق : أنت لم تأخذ حقك . إذا تمثل هذا الحق فى الأخبار الصغيرة ، الشخصية والتافهة ، بالصحف فأنا لا أريده ، إنما أريد النقد الذى يقوم ، ويقيم ، بموضوعية ، تحتاج إليها حياتنا الأدبية . وهذا ما حصلت عليه بامتياز .
ـ لماذا اختفت الرواية الأدبية من السينما ؟
ـ لقد توصل السادة كتاب السيناريو إلى السر الذى يحفظ عليهم الجهد ويحقق لهم أقصى الكسب . إن كل ما يصدر من أعمال روائية أمامهم ، يقلبونه ويختارون موقفاً من رواية ، ويستوحون شخصية من رواية أخرى ، المهم أن ينسب لهم القصة والسيناريو والحوار ، ولا أريد أن أستطرد فى هذا الأمر ، حزنى يتجدد كلما نبهنى صديق إلى موقف فى أحد أعمالى سطا عليه ـ باستسهال سخيف ـ كاتب للسيناريو ، وضفره فى مواقف أخرى للآخرين ، ومزجها بمواقف أملاها خياله السقيم ، وطالعنا برواية تنسب إليه من الألف إلى الياء ، ويجنى عائداً يصعب عليه أن يتنازل عن جزء منه ، حتى لو كان ذلك التصرف من قبيل إبراء الذمة .
ـ ما آخر أعمالك الإبداعية ؟
* فاجأنى الناشرون فى نهاية العام الماضى بنشر ما كان مودعاً فى أدراجهم طيلة العام ، فصدر لى " كوب شاى بالحليب " عن دار البستانى " ، و " أهل البحر " عن هيئة الكتاب " ، و " المدينة المحرمة " عن دار مجدلاوى بالأردن ، وبدأت الوفد فى نشر روايتى " ذاكرة الأشجار " منجمة . ولى على الكومبيوتر ثلاث روايات أخرى أرجو أن أقدمها للنشر فى وقت مناسب ، فلا تختلط أوقات الصدور .

د. حسين علي محمد
19-07-2008, 07:06 PM
من المحرر:

بقلم: محمد جبريـــــــــــــــــــــل
mlg_38@hotmail.com

تحدث الدكتور أحمد مجاهد رئيس هيئة قصور الثقافة عن ضرورة فك الاشتباك - والتعبير له - بين الثقافة الجماهيرية وهيئات وزارة الثقافة الأخري وأشار إلي التحفظات الواضحة علي تجاوز الهيئة دورها في الفترة الماضية.
والحق ان ما سماه د.مجاهد اشتباكا بين هيئته وبقية هيئات الوزارة يشمل كل هذه الهيئات.
معني انشاء هيئات وزارة ما - لتكن وزارة الثقافة - انها تقدم أنشطة مساعدة كل في مجال محدد بما يعين علي تنفيذ استراتيجية الوزارة في المجالات المختلفة.
أكاديمية الفنون - علي سبيل المثال - تعني بتخريج كوادر من الفنانين والفنيين المتخصصين في مجال الفنون قد تحتاج - تطبيقيا - إلي تقديم عروض مسرحية أو اقامة معارض للفن التشكيلي أو اصدار بعض المطبوعات التي تفيد دارسيها لكن التحفظ يفرض نفسه عندما تقدم مهرجاناً سنويا للمسرح بينما هيئة المسرح التابعة للوزارة تكتفي بالفرجة!
وهدف إنشاء هيئة قصور الثقافة "لماذا استبدل بالثقافة الجماهيرية. الاسم القديم. الجميل؟" هو توفير الثقافة الحقيقية للملايين من أبناء شعبنا وأن تصل أنشطتها إلي أصغر قرية مصرية وأبعدها. لا تغلب نشاطا علي أنشطة أخري وإنما السعي إلي التكامل هو ما تحرص عليه في أنشطتها المختلفة وبالتحديد فإن الثقافة الجماهيرية هي المعني الذي يجب أن تكون له - في أنشطة الهيئة - أولوية مطلقة.
وقيمة المجلس الأعلي للثقافة الأهم في لجانه التي تضع الخطط الاستراتيجية والمرحلية بما يكفل تصحيح الصورة وتصويب الأداء في مجالات العمل الثقافي بحيث لا تتحول - كما نري الآن - إلي قاعة للمؤتمرات التي قد تكون مسئولية هيئات أخري.
ألاحظ ان فاروق حسني يتعامل مع رؤساء الهيئات التابعة لوزارته بالقطعة بمعني انه يكتفي بتبعية كل هيئة للوزارة. دون اجتماعات دورية - يرأسها - للمتابعة والتنسيق والحرص علي عدم تداخل التخصصات فضلا عن تضاربها.
من الخطأ أن تتحول كل هيئة تابعة لوزارة الثقافة إلي وزارة ثقافة مصغرة. تمارس الأنشطة نفسها التي قد تكون من صميم عمل هيئات أخري. المفروض ان تلك الأنشطة تصدر عن استراتيجية محددة هي الوعاء الذي يشمل انشطة الهيئة فلا تختلط الأمور إلي حد ان تقصر هيئة ما عن العمل الذي انشئت لتقديمه بينما تتجه إلي مجالات أخري. لن يخسر العمل الثقافي لو انها اهملتها لسبب بسيط هو ان الاتجاه إلي تلك المجالات مسئولية هيئات أخري تابعة للوزارة نفسها معرفة الدور الحقيقي. وعدم الخلط في الرؤية وضرورة التنسيق. أبعاد مهمة لضمان الحد الأدني الذي يكفل نجاح عمل ما.
هذا هو ما نأمله من فاروق حسني. ومن الهيئات التي نثق انه لم ينشئها للوجاهة. ولا للمظهرية ولا لمجرد أن تتبع وزارته مجموعة من الهيئات.
المراجعة واجبة ان حدث خلط أو انتفت الضرورة.
.....................................
*المساء ـ في 12/7/2008م.

د. حسين علي محمد
19-07-2008, 07:07 PM
ماذا تعني الموهبة؟

بقلم: محـــــمد جــــــــــــــــبريل
mlg_38@hotmail.com

يغيظني إصرار البعض علي أن يكون تعامله مع الآخرين بالأرقام والمسطرة والبرجل والتصورات المسبقة التي يشغله ألا تخرج عن أطر حددها.
جعلت المساء همها -منذ يومها الأول- أن ترعي المواهب الحقيقية. بصرف النظر عن الأيديولوجية. أو المجاملة أو الميل إلي التجريب من عدمه ما يستحق النشر فهو ينشر. وقدمت المساء إلي الحياة الثقافية عشرات الأسماء. هي الآن أهم رموزنا الإبداعية.
ثمة من تصور أنه يستطيع أن يصنع مجداً شخصياً بتقديم من يعانون نقص -أو غياب - ملكة الإبداع. يجعل منهم مريدين يدينون بالولاء للقطب. هذا هو التصور لم يخطر في بال صاحبه أن التطبيق قد لا يأتي في مدي تصوره. وهذا ما حدث بالفعل: اختلط الحابل بالنابل. والحقيقي بالزائف. وشحب الصوت الجاد في زعيق الأصوات المفتعلة. ونشطت نظرية قتل الأب كأقوي ما تكون. ومن كان يعجب بتحطيم اللغة -هذا هو التعبير الذي بصقه الكاتب ببساطة في برنامج التليفزيون- وبالتركيز علي الشاذ الذي لا يعدو هوامش معيبة في حياتنا. راعه تخلق فرص النشر والترجمة من قبل هيئات يشغلها الإساءة لهويتنا وثقافتنا المعاصرة. فهي ترصد الجوائز لمن يكتب وفق شروطها. بداية من رفض اليقين الديني وانتهاء بزنا المحارم. مروراً بالاقتصار علي تدني وضع المرأة والحساسيات الطائفية والعلاقات الجنسية الصريحة والتفكك الأسري وحياة المهمشين وساكني العشوائيات والقوادين والمومسات وغيرها من الظواهر التي لا تخلو منها المجتمعات المتقدمة قد تشكل جزءاً من الصورة. لكنها ليست كل الصورة فضلاً عن أن الفنان الذي يمتلك موهبة حقيقية يرفض التقريرية والمباشرة.
أذكر أن عدداً من أدباء الستينيات حاولوا محاكاة إبداعات الرائد محمد حافظ رجب -وهي محاولات جادة. وذات قيمة فنية عالية - فتصوروا أن الإبداع الذي يستحق القراءة. لابد أن يتسم بالغموض. وكما تري. فقد تلاشت كل تلك المحاولات المقلدة. وغاب أصحابها. ولم يعد إلا الفن الحقيقي.
الفن إضمار. لكنه الإضمار الذي يوميء بالدلالات والمعاني. وهو ما لم يفطن إليه الباحثون عن الطريق السهلة. أو فاقدو الموهبة وهو كذلك ما لم يضعه في اعتباره ذلك الذي شغله البحث عن القطبية. فلم يعن إن كان المريدون علي فهم وأصالة فنية. أم أنهم مجرد استكمال لصورة متخيلة؟!
لسنا -بالتأكيد- ضد حرية الفن. لكننا نرفض أن يتحول الفنان إلي "مقصدار" يكتب ما يمليه الزبون!
هامش:
يقول سارتر: ليس العمل الأدبي بجميل قط. ما لم يستعص علي نحو ما علي الفنان إذا أخذ العمل الأدبي صورته دون تعمد من مؤلفه. وإذا تخلصت الشخصيات من رقابة المؤلف. وتصرفت بحرية لم يتدبرها. ولا يتوقعها. وإذا جري القلم بكلمات هي بالنسبة للكاتب نفسه أقرب إلي المفاجأة. فإنه يكون -حينئذ- قد أنتج أفضل أعماله.
...........................................
*المساء ـ في 19/7/2008م.

د. حسين علي محمد
28-07-2008, 04:29 AM
من المحرر:
عاشور عليش

بقلم: محمــــــــــــــد جبـــــــريل
mlg_38@hotmail.com

مع أن عاشور عليش في تعدد المواقع التي تولاها في الصحف المختلفة كان صحفياً ناجحاً. فإنه لم يكتف بالنجاح الشخصي. وإنما حرص أن يفيد بخبراته وتجاربه ورؤاه عشرات من صحفيي الأجيال التالية. صار لهم قدوة وأستاذاً. يوجه. وينصح. ويرفض أحياناً. ويري أن الصحفي الحقيقي هو من يأتي بالخبر. ويحسن اختيار العناوين. ويجيد كتابة التحقيق والمقال. ويلم بالعمل الصحفي في كل أبعاده.
كان الصحفي في تقديره موهبة أولاً. ثم مجموعة معارف وخبرات بالمهنة التي ينتسب إليها. فضلاً عن الحب والإحساس بالمسئولية.
أذكر مناقشاته معنا محيي السمري وأنا حول بعض القضايا التي تشغل الناس. يسأل. ويستوضح. ويحاول استجلاء ما يراه غامضاً.
يقول لي السمري : الأستاذ عليش يحتشد لمقاله القادم!
وكان ذلك دأب عاشور عليش في كل ما يكتب. فلابد أن يتعرف إلي رأي الشارع. ويستند إلي معلومات صحيحة. ويعبر في الوقت نفسه عن وجهة نظر تستحق الالتفات.
وحين صدرت أولي مجموعاتي القصصية. كتب عنها عاشور عليش كلاماً لا تستحقه. لكنه عكس رغبته في تشجيع أحد تلامذته. وهو التصرف نفسه الذي كان يلتزم به حين يقرأ لواحد من هؤلاء التلاميذ ما يستحق التشجيع. لا يكتفي بالملاحظات السلبية الشفهية. لكنه يزكي ما قرأ بعد أن ينشر بكلمات متحمسة. تدفع كاتبها إلي مزيد من الإجادة.
ومع أنه كان ينتسب إلي جيل الوسط بين قيادات "المساء" في أعوام الستينيات. فإنه كان يتميز بأبوته التي قاربت أبوة أستاذنا الرائد الكبير محمد نجيب الذي تدين له الصحافة المصرية. وليست "المساء" وحدها. بأفضال مهمة. وثمة العشرات من كبار الصحفيين الذين تعلموا علي يديه. أذكر منهم موسي صبري الذي روي أن أول أجر تقاضاه كان خمسة جنيهات. دفعها له محمد نجيب من جيبه!
كانت مساعدة الأجيال الطالعة بالتقويم والنصح والتشجيع. سمة ملازمة لتصرفات عاشور عليش. يرافقها تفوق حقيقي. تمثل في الكتب التي أصدرها. والمقالات التي ناقش من خلالها هموم المجتمع. والتحقيقات والأخبار التي تولي صياغتها وتقديمها.
آثر عاشور عليش أن يخلد إلي الراحة في أخريات أيامه. لكن تأثير معطياته يبين في التطور الذي أحدثه في الصحافة المصرية. وفي عشرات التلاميذ الذين يصعب إغفال إسهاماتهم فيما تحقق للصحافة والصحفيين.
هامش :
يقول أحمد عباس صالح : إذا كان المقصود بأدب الشباب هو الجدة والحداثة. فإن هناك الكثير من الأدباء الشباب الذين يكتبون أدباً رجعياً. ويفكرون بشكل متحجر. بينما أدباء شيوخ يعبرون عن أفكار حديثة. ويمتلئون بالحيوية.
..................................
*المساء ـ في 26/7/2008م.

ماجد رشيد العويد
28-07-2008, 07:12 PM
محمد جبريل أحد أعلام الأدب، وهذه المقالات والحوارات دليل على أهميته.

د. حسين علي محمد
29-07-2008, 08:56 PM
محمد جبريل أحد أعلام الأدب، وهذه المقالات والحوارات دليل على أهميته.


شُكراً للأديب الأستاذ
ماجد رشيد العويد
على التعليق،
مع تحياتي

د. حسين علي محمد
10-08-2008, 12:13 AM
روائي بالبراشوت!

بقلم: محمد جبريل
.....................

في زمن تتصور فيه الماعز أن لها صوتاً مطرباً. ولا يحاول من يعاني لحمية الأنف أن يعالج نفسه قبل أن يكتسب صفة المغني. ويتحول البهلوان إلي نجم سينمائي تدين له أدوار البطولة. ويتصدي لقضايا الدنيا والآخرة صاحب المعرفة الدينية التي لا تزيد عن قصار السور..
في هذا الزمن الذي اختلط فيه الحابل بالنابل. والصحيح بالزائف. لا يبدو مستغرباً أن يهبط علينا بالبراشوت من لا نعرفه. فيقدم نفسه باعتباره روائياً يستحق المكانة الأهم بين المبدعين الحقيقيين!
أين كان؟ لا أحد يدري! أما لماذا فاجأنا بظهوره. فالسر كما تري في ظاهرة السداح مداح التي نواجه أسوأ سلبياتها.
طالعتنا المجلة الثقافية العربية بحوار مطول مع هذا "الروائي" وأضع الصفة بين مزدوجتين فزكي نفسه بما يرفضه احتراماً للنفس أديباً في مكانة الشاروني أو بهاء طاهر والشيخ ومطر وشوشة وصنع الله وأبوسنة وفياض وغيرهم من رموزنا المبدعة.
ظني أن "الروائي" هو الذي كتب الأسئلة والأجوبة مع تقديري لمن وضع اسمه في نهاية الحوار فأجري تقييماً للأجيال المختلفة. وأطلق الأحكام الغريبة والمتعسفة. ثم وضع نفسه في موضع الصدارة!
سألت عدداً كبيراً من الأصدقاء إن كانوا يعرفون هذا الروائي المفاجأة. فأجابوا بالنفي. وأنهم لم يقرءوا شيئاً من إبداعات الروائي الهابط بالبراشوت. حتي الصفة الموازية التي قدم بها نفسه. وهي الأستاذية في الجامعة. لم نتعرف إليه فيها. من خلال متابعات للحياة الأكاديمية. ولحياتنا الثقافية والإبداعية بعامة.
إنه روائي مهم من اللحظة التي قرر فيها أن يهب نفسه هذه الصفة. وهي لحظة تجاوز فيها بلا مبرر موضوعي مئات المبدعين الذين يمتلكون الموهبة. ويعانون التعبير والتوصيل.
اختار كاتب الحوار أن يبدأ من حيث انتهي الآخرون. أو من حيث آخر محاولاتهم. ودس نفسه بين مبدعين حقيقيين من حقهم بإبداعات قرأناها لهم أن يطمئنوا إلي مكانتهم في إبداعنا العربي.
ذكرني الحوار الذي اختار صاحبه لنشره مجلة عربية محترمة. بحكاية أشعب والأولاد حين ضايقوه بمعاكساتهم. فحدثهم عن حفل قريب. وبعد أن جري الأولاد ناحية موضع الحفل. قال أشعب لنفسه: ربما هناك حفل بالفعل. ومضي وراء الأولاد!
لكن حياتنا الثقافية المصرية رغم كل سلبياتها تحفل بالمبدعين والنقاد والقراء المتابعين الذين يجيدون التعرف إلي تكوينات الصورة. وما عرفته بإلحاح السؤال أن أديبنا المجهول لا مكان له حتي خارج إطار الصورة.
...............................
*المساء ـ في 9/8/2008م.

ماجد رشيد العويد
10-08-2008, 09:59 AM
يوجد كثير مثل هذا الروائي في عالمنا. وأظن أن أجمل وصف له ولهم، هو تشبيههم بأشعب.

د. حسين علي محمد
20-08-2008, 09:14 AM
من المحرر:
«الرواية مرآة المجتمع»

بقلم: محمد جبريل
.......................

العمل الفني -في تقدير كورييه- وثيقة اجتماعية. والرواية- كما يصفها بيرسي لوبوك "صورة للحياة" وهي في تقدير ارنست بيكر "تفسير للحياة الإنسانية من خلال سرد قصصي نثري" وهي -كما يقول ستاندال- "مرآة تسير في الشوارع".
وهي -في بعض التعريفات- انعكاس مدرك وواع للواقع الموضوعي والروائي -في وصف الأرجنتيني ارنستو ساياتو" رجل سياسة فهو يعكس الوجدان العام وهذه هي السياسة" ويقول جراهام هو: "إن أي نقد للرواية يهمل روابطها بالواقع التاريخي هو نقد يزيف القيم الحقيقية للرواية. هو نقد يفرغ ما يجب أن يكون ملآن" بل إن ميشيل بوتور- وهو من رواد الرواية الجديدة- يري أن "الرواية هي أداة بحث". وهو رأي -كما تري- إلى جانب اجتماعية الرواية. وليس ضدها ومع أن ماريو فارجاس يوسا معجب بالإبداعات المحلقة في الفانتازيا لبورخيس فإنه لم يجد في عالم بورخيس انفصالا عن الحياة أو عن السلوكيات اليومية ويؤكد يوسا أنه ما من عمل قصصي أدار ظهره إلي الحياة. أو كان عاجزا عن إلقاء الضوء علي الحياة قد حقق البقاء مطلقا بل إن التجديد في التقنية والأسلوب لا يعني إهمال البعد الاجتماعي في الفن حتي الواقعية السحرية التي تزخر بالغرائبية. ليس فيها سطر واحد ـ علي حد تعبير جارثيا ماركيث ـ غير قائم علي أساس من الواقع إن إبداعات ماركيث ويوسا واراجيدس وفوينتيس وبورخيس وغيرهم تعري الواقع السياسي والاجتماعي الذي تحياه بلادهم بالإضافة إلي الأزمات التي يعانيها العالم جميعا أما القول بأن البعد الاجتماعي للأدب قد أصبح في ضوء النظريات النقدية الحديثة -علي هامش الفكر النقدي. وأن الرواية الاجتماعية الواقعية ـ تحديدا ـ فقدت ملامحها بسبب تيار الحداثة. ففقد الأدب قراءه بالتالي. فهو يحتاج إلي مراجعة وإذا كانت الرواية ـ في تقدير الكثير من المبدعين والنقاد المحدثين ـ بناء اختلاقيا. إبداعا. وليس مجرد مرآة تعكس صورة الواقع فإن ذلك لا يلغي أن الفترات- منذ ظهور الرواية كنوع أدبي. والقصة القصيرة كنوع آخر تال للرواية ـ ينطبق عليها- إلي حد بعيد- مقولة "الرواية مرآة المجتمع". نحن نجد تطبيقا لذلك في أعمال الواقعيين الطبيعيين. وكتاب الواقعية باختلاف مراحلها. والأمثلة لا تعوزنا وبتعبير محدد فإن القول بأن البناء الروائي ليس مجرد مرآة تعكس صورة الواقع لا ينسحب علي تاريخ الرواية في إطلاقه لا ينسحب علي تاريخ الرواية جميعا بل إنه علي الرغم من أن التيارات الأدبية والنقدية الحديثة تري أن غرض الرواية ليس وصف المجتمع فإن الأدب- كما تذهب تلك التيارات- "أصبح في بعض الحالات. التعبير الحقيقي الوحيد فعلا. إن لم يكن المباشر عن مشكلات المجتمع الملحة".
.....................................
*المساء ـ في 16/8/2008م.

د. حسين علي محمد
20-08-2008, 09:15 AM
يوجد كثير مثل هذا الروائي في عالمنا. وأظن أن أجمل وصف له ولهم، هو تشبيههم بأشعب.



شُكراً للأديب الأستاذ
ماجد رشيد العويد
على المشاركة والتعقيب،
مع موداتي.

د. حسين علي محمد
31-08-2008, 11:56 AM
من المحرر
مولد نجيب محفوظ

بقلم: محمد جبريل
.....................

في كتابي "نجيب محفوظ.. صداقة جيلين" أشرت إلي خطأ فرضته النقلية في حياتنا عن الرواية الأولي لمحفوظ في مرحلة الواقعية الطبيعية الاجتهادات النقلية هل تستحق صفة الاجتهادات؟! تري أن "القاهرة الجديدة" هي الرواية الأولي. ثم تأتي "خان الخليلي" وبقية الروايات والحقيقة أن "القاهرة الجديدة" هي الأسبق في روايات الواقعية الطبيعية لمحفوظ تلت رواياته الثلاث التي وظفت التاريخ الفرعوني.
كان فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل إشارة البدء ليكتب عنه كل من جعل الكتابة حرفته أو هوايته قرأنا ما نعرف وما لا نعرف عن أدب محفوظ وحياته ما ينتسب إلي الحقيقة وما اخترعه خيال الكاتب ثمة من قرأوا لنجيب محفوظ أعماله الأولي وأعجبوا بها وعرفوا مدى خطورة الفنان وثمة من أقدموا علي الكتابة لمجرد المشاركة في "المولد"!
طالعتنا كتابات تتحدث عن "القاهرة القديمة" باعتبارها الرواية الأولي لمحفوظ في مرحلة توظيف التاريخ الفرعوني و"القاهرة القديمة" كما تعلم ترجمة لدراسة قصيرة عن مصر الفرعونية وتحدث كاتب عن إعجابه برواية محفوظ "نور الصباح" ولم تصدر للرجل رواية بهذا الاسم وخلط البعض بين "أولاد حارتنا" و"حكايات حارتنا". ولأن بعض دور النشر الأجنبية ترجمت رواية "أولاد حارتنا" باسم "أولاد الجبلاوي" فقد كتب غالبية المترجمين الصحفيين اسم الرواية الأجنبي. وغاب عنهم الاسم العربي الصحيح للرواية..
والأمثلة كثيرة..
مناسبة هذه الكلمات ما قرأته هذا الأسبوع في زميله صباحية عن "القاهرة الجديدة". وأن الاسم الذي اختاره لها الفنان عند كتابتها هو "فضيحة في القاهرة". ولأسباب رقابية كما قال كاتب المقال استبدل بالاسم "القاهرة الجديدة". والواقع أن العكس هو الصحيح. فلا أسباب رقابية ولا يحزنون. إنما هي أسباب تخص يوسف السباعي المشرف علي الكتاب الذهبي آنذاك والذي وجد أن اسم "فضيحة في القاهرة" قد يكون أكثر تشويقاً!
وإذا كان تحويل صلاح أبوسيف اسم رواية محفوظ إلي "القاهرة 30" شأناً يخص أبوسيف باعتبار أن العمل الأدبي وحده هو مسئولية الروائي. فإن تحويل الاسم في الكتاب إلي "فضيحة في القاهرة" خطأ شارك فيه محفوظ بالموافقة. لأن عنوان العمل الأدبي شأن المؤلف وليس شأن الناشر. ولم يكن محفوظ في حاجة إلي التغاضي، أو صمت المجاملة. لأن مكانته الروائية كانت قد ترسخت بصدور الثلاثية. ثم بالانتشار الكاسح لزقاق المدق في طبعة الكتاب الذهبي.
سئل نجيب محفوظ في حوار صحفي: ما السؤال الذي لم يوجه إليك. قال محفوظ: هذا السؤال!.
والحق أن الصحف نشرت للرجل قبل نوبل وبعدها آلاف الحوارات وكتبت عنه آلاف الدراسات والمقالات. وصدرت مئات الكتب. مع ذلك فإن النقلية مرض يكاد يكون متوطناً في حياتنا الثقافية. وغالباً فإن المعلومة غير الصحيحة. تجد من يعتمد عليها. لمجرد الاستسهال. ودون تدبر لما قد ينطوي عليه هذا التصرف من نتائج سلبية!
..............................
*المساء ـ في 30/8/2008م.

د. حسين علي محمد
31-08-2008, 12:24 PM
من أروع ما كتب محمد جبريل .. هذه القصة القصيرة
.................................................. ..............

تكوينات رمادية

بقلم: محمد جبريل
.....................

مددت يدي بعفوية، وأضأت النور. كنت قد صحوت على أذان الفجر يتناهى من المرسي أبي العباس.
أطلت التحديق في الظلام السادر أتبين الشبح الواقف وراء النافذة، يتطلع إلى الطريق. بدت المفاجأة في ملامح وجهه أقرب إلى الخوف، وربما الفزع. هلل بيديه فأطفأت النور:
قلت وأنا أزيح الغطاء عن جسدي:
- هل تنوي صلاة الفجر في المسجد؟
قال في همس منفعل:
- أي صلاة؟! وهل يتيح لي الملاعين أن أصل إلى المسجد؟!
فطنت إلى ما يعنيه. حدثنا ‏-إخوتي وأنا‏-‎‎ عن متاعب ‏-‎‎لا يدري بواعثها‏-‎‎ بدأت إدارة الشركة تواجهه بها حين أعلن رغبته في التقاعد، الخواجــة ليفي (سافر فيما بعد إلى إسرائيل، ضمن الأفواج الأولى لليهود المصريين) أظهر قلقاً واضحاً. تمعن في وجه أبي كأنه يستوضح نواياه.
قال وهو يتظاهر بترتيب الأوراق على مكتبه:
- أرى صحتك ممتازة.. فلماذا تتقاعد؟
سعل أبي ‏- بالتذاكر‏-‎‎ وأسند راحة يده إلى صدره:
- هدني الربو.. ولا بد أن أنفذ نصيحة الطبيب بالراحة التامة!
- اكتف بالعمل معنا.. وأعدك بزيادة راتبك
- صدقني مطلبي الراحة وحدها!
- روى أبي ما حدث، دون أن يشير إلى ملاحظة ما. لكنه في الأيام التالية- حدثنا عن الأوراق التي اختفت من مكتبه، والبرود القاسي في معاملة الخواجه ليفي ومعاونيه، واعتذار الصراف بالمرض حتى لا يتقاضى راتبه. علا الإيقاع، وبدت التطورات مثيرة عندما فاجأني أبي -‎ونحن حول الطبلية ننتظر عودته‏-‎‎ بخطوات متعجلة، ووجه يكسوه قلق واضح. وضع الصحيفة وكيس البرتقال على المائدة، وعاد إلى الباب يستوثق ‎أعلى السلم،‎‎ مما رآه.
لم أكن قد رأيت أبي في تلك الصورة من قبل. تنقل ‎‎بعينين مرتعشتي الأهداب‏‎، بين باب الشقة والنافذة المطلة على المنور، ولوحة الكانفاه المعلقة في الجدار، وحركة مفيدة ‏‎‎داخل المطبخ‎ تعد الطعام، ونظراتنا القلقة، والقط السيامي الذي أقعى تحت الطبلية.
غلب التوتر محاولته لعناق السكينة. جلس على الكنبة (الاستامبولي). أطال التحديق في اللاشيء حول نفسه، وتحركت شفتاه بكلمات لم ينطق بها.. أزاح له نافع وشاكر مكاناً بينهما، فجلس. أمسك بيديه طرف الطبلية، كأنه يهم بقلبها:
- هل رأيتم ما رأيت؟
تطالعنا بأعين متسائلة:
- الخواجه ديفيد ‏-‎‎ مساعد ليفي، يختبئ في بئر السلم.
قلت في ضيق:
- ولماذا تتصور أنه يختبئ؟ ربما يريدك في أمر ما؟
– أنت لا تفهم شيئا.. منذ أيام أتابع تنفيذ المؤامرة.
– ضد من؟
– ضد أبيك!
أغضبه ‏-‎وإن لم يعلن‏-‎‎ تنهيدة أخي نافع غير المصدقة.
استطرد وهو يهش ‏-بعصبية‏-‎‎ ذبابة حطت على أنفه:
- صدري مليء بالأسرار.. وهم يخشون أن أذيعها.
تغلف صوته بحشرجة قاسية:
- لقد قرروا قتلي!
لزم أبي البيت، بعد أن تسلم مكافأته. يكتفي بالتنقل بين غرفته والصالة، ويشغل نفسه بمراجعة قواميس الإنجليزية والفرنسية، ويدون جملاً وملاحظات..
لمجرد الرغبة في قطع الصمت الذي كان يعمقه مضغ أفواهنا للطعام، سألت أبي:
- لقد تقاعدت عن مهنة الترجمة.. فلماذا تقسو على نفسك بالمذاكرة؟
قال في استغراب:
- التقاعد لا يعني أن أهجر اللغة.
وعلا صوته في تغيير مفاجئ:
- إذا نسيت اللغة، نسيت كل ما أعرفه من أسرار‏.. وهذا ما لن أمنحه لهم؟
وصرخ في نظرتي الداهشة:
- أنت لا تفهم شيئاً.. لم تعد حياتي تهمني.. المهم أن أرد المؤامرة!
تغيرت حياتنا. خطوات أبي الزاحفة بين غرفة النوم والصالة، تخوفه الواضح من رنين جرس الباب، تطلعه القلق ‏-‎‎في لحظات متقاربة‏-‎‎ من خصائص النافذة.. شروده الساهم وحديثه المفاجئ إلى نفسه أحياناً. لم يعد تشغله المذاكرة، أو مشكلاتنا الشخصية. تناسى حرصه ‏-‎‎منذ وفاة أمي‏-‎‎ بدس الساندويتشات في حقائبنا كل صباح قبل أن نغادر البيت. شاع حولنا ضباب غير مرئي، وغلب التوتر على تصرفاتنا وقال نافع:
- ينقصنا حفل زار لنعيد هذا البيت إلى سابق عهده!
في تلك الليلة، صحوت على حركة أبي خلف النافذة.
أطفأت النور، وأزحت الغطاء عن جسدي. حاولت أن أهبط إلى الأرض برفق، فلا يصحو إخوتي. أحس بصدري خلف ساعده، فقال في صوته الهامس، يشير إلى المجهول من خصاص النافذة المغلقة:
- هذا الذي يقف تحت عمود النور.. إنه الخواجه ليفي نفسه!
قلت وأنا أحدق في الرجل الغائب الملامح:
- هل البالطو الأصفر مما يرتديه الخواجه ليفي؟!
- أنت لا تفهم شيئاً.. (أنهم) يحسنون إخفاء أنفسهم..
لكن هذا الواقف هو الخواجه ليفي بعينه!
أحسست -لخوف أبي‏-‎‎ بإشفاق. بدا مهدوداً ومتحيراً ولا يقوى على التصرف. ذلك الذي يقف تحت عمود النور كان ينتظر سيارة العمل. رأيته مرات من قبل وأنا أطل ‎‎بعفوية‎‎ من النافذة، الأرق يعقب تناهي الأذان من أبي العباس، أو ابتهالات ما قبل الصلاة. لكن البريق الذي التمع في عيني أبي، بما هو أكبر من الخوف، كأنه يرى الموت، جعل السؤال سخافة لا معنى لها. تضاءل العملاق القديم فتمنيت أن أحتضنه وأبكي.
غامت عيناي، فدفعته برفق:
- حديثنا سيوقظ إخوتي. نم أنت، ولن أغادر مكاني حتى أطمئن إلى انصراف الرجل‏.
أيقظني أبي لصوت يتصاعد من نافذة المطبخ.
قال: إنهم يتسلقون المواسير. وأصر أن يتقاضى محصل الكهرباء نقوده من شراعة الباب. وأعلن قلقه لما تأخر شاكر عن العودة من المدرسة. وزاد من تأكده ‏-‎ليلا‏-‎‎ إلى إغلاق الباب والنوافذ بإحكام.. ولمحته يوماً ‏-‎‎ يقلب فى حقيبة نافع. أعاد الحقيبة إلى موضعها وهمس كالمتعذر:
- لا بد أن أحتاط.
لما صحوت كانت الشمس قد ملأت الدنيا. هدني النقاش مع أبي فنمت. كان إخوتي قد انصرفوا إلى مدارسهم، وران على الشقة هدوء. اتجهت ‎بتلقائية‎‎ إلى غرفة أبي.
كان مكورا ‎في الأرض‎‎ على جنبه، وعيناه مبحلقتان في سكون جامد، غريب.
................................
*من مجموعة "هل"، لمحمد جبريل، مختارات فصول.

د. حسين علي محمد
08-11-2008, 04:07 PM
ندوة عن تجربة محمد جبريل الروائية
تُقام غداً ندوة عن تجربة محمد جبريل الروائية) في هيئة خريجي الصحافة بميدان طلعت حرب في السابعة مساءً، أعدها: مجدي إدوارد، ويشترك فيها الكاتب الكبير يوسف الشاروني، والدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي، والدكتورة زينب العسال، ومحمد عبد الحافظ ناصف. ويديرها الدكتور مختار التهامي.

د. حسين علي محمد
22-11-2008, 06:10 PM
من المحرر:
التماثيل المكسورة

بقلم: محمد جبريل
.........................

لصديقي الناقد الراحل رجاء النقاش عبارة تقول: نحن نحب التماثيل المكسورة. الجملة في سياق الحديث عن الشخصيات التي تبلغ مكانة - تستحقها - فيصر البعض علي الاساءة إليها بملاحظات يراها هو وحده دون الآخرين وتسيء إلي ابداعات وانجازات اسهم بها مصريون حقيقيون.
نحن نجد التعبير عن مصر المعاصرة في رموز تبدأ بحسن العطار والطهطاوي وتتواصل في عرابي والنديم وقاسم أمين وسعد زغلول وطلعت حرب وطه حسين والعقاد ومشرفة ومحمود سعيد ونجيب محفوظ وسيد درويش وجمال عبدالناصر ويوسف ادريس وجمال حمدان وأم كلثوم ومحمد رفعت وعبدالوهاب وعشرات غيرهم اضافوا إلي بلادنا فاستحقوا أن يكونوا تعبيرا عن مصر رموزا لها انهم التجسيد لتاريخنا المعاصر ولأن الرمز هنا بشر فلعله من الخطأ ان انشد فيه الكمال السوبرمان الذي يقتصر علي الفعل الايجابي ولايخطيء.
لكي أوضح رأيي فثمة اتهام للطهطاوي بأنه كان ينتمي إلي الأرستقراطية المصرية بامتلاكه مساحات هائلة من الأراضي الزراعية مقابلاً لمؤلفاته التي تدعو إلي الاستنارة والتقدم وحرية المرأة وبالطبع فإن وضع الطهطاوي الاجتماعي لم يحل دون ان يضيف إلي فكرنا القومي والاجتماعي معالم ايجابية مهمة.
أما صلة أحمد شوقي بقصر الخديو فهي لا تلغي أهميته كأهم شعراء عصره وأنه قد اضاف إلي الثقافة المصرية والعربية باختياره أميرا للشعراء العرب والأمثلة كثيرة.
الرمز. المعلم. الرائد والموجه هو الذي تتسق كلماته وتصرفاته لكننا - في الوقت نفسه - لابد ان نقدر الضعف الانساني الذي قد يهبط بالخط البياني دون ان يخل بتصاعده النهائي نحن نعتبر المتنبي أهم الشعراء العرب رغم الاتهامات التي ملأت كتابا في مئات الصفحات عنوانه "الإبانة عن سرقات المتنبي"!
ونحن نعجب بأعمال جان جينيه. نعزلها عن حياته الخاصة ولعلنا نذكر رد جينيه علي تشبيه سارتر له بالقديس بأنه ليس ذلك القديس إنما هو انسان محمل بالخطايا!
يحقق الرمز مكانة ممتازة يستحقها لكن البعض يأبي إلا ان ينال من هذه المكانة بنقائص يخترعها خيال مريض ونأسف للإساءة - بلا سبب - إلي الرموز المهمة في حياتنا عدا الرغبة في رؤية التماثيل المكسورة!
نتحدث عن قيمة مهمة في حياتنا نبدي تقديرنا لاسهاماته يطالعنا من يثني علي أحاديثنا لكنه يضيف كلمة "ولكن" ويتبعها بما يكسر التمثال ويجعل من معني "الرمز" أمنية مستحيلة!
.................................................. ...........
*المساء ـ في 22/11/2008م.

د. حسين علي محمد
27-11-2008, 03:47 PM
من المحرر:
إسكندرية في إبداعاتي

بقلم: محمد جبريل
.................
استفزني السؤال ما الفرق بين اسنكدريتك وبين اسكندرية ادوار الخراط وابراهيم عبدالمجيد؟
قلت: لماذا الخراط وعبدالمجيد؟ لماذا ليس مصطفي نصر ومحمد الصاوي وسعيد بكر ورجب سعد السيد وعبدالفتاح مرسي وسعيد سالم ومحمود عوض عبدالعال ومحمد حافظ رجب واحمد محمد حميدة ومنير عتيبة وعشرات غيرهم عنوا في ابداعاتهم بالمكان السكندري واختلف تناول كل منهم عن الآخرين بما يصعب اغفاله.
بالاضافة إلي ذلك. فإن هذا السؤال قد يجد فيه الناقد مجالا لتقديم وجهات نظر تستند إلي موازنات منهجية. أما المبدع فهو لن يجد في السؤال إلا مجالا للحرج وهو مجال لابد ان يصطدم بالتعالي - أو في المقابل - بادعاء التواضع. ما استطيع ان اقوله باختصار ان علاقتي بالاسكندرية علاقة حنين .
ربما لو أني لم اترك الاسكندرية ما كتبت عنها هذا الكم من الروايات والقصص القصيرة. أثق ان الدافع الأول هو الحنين ومع انتصاري للمخيلة فإن المكان الذي وجدتني أتناوله - في الأغلب - هو حي بحري ذلك الحي المتسم بخصوصية بالغة. مفرداتها البحر واليابسة والصيادون وعمال الميناء والبحارة والجوامع وأضرحة أولياء الله وانعكاس ذلك كله علي مظاهر الحياة اليومية. وعلي سبيل المثال فإن العلاقة بين البحر واليابسة بعد مهم جدا في كل الأعمال التي كتبت فيها عن بحري ذلك الجزء من الاسكندرية بمساحته المحددة والمحدودة والزمان بعامة هو فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي شهدت طفولتي وصباي وشبابي الباكر. كتبت عن فترات سابقة وكتبت عن زماننا الحالي وهو ما يبين - مثلا ثانيا - في روايتي "أهل البحر" التي تجاوزت صفحاتها التسعمائة تعبيرا عن الحياة في بحري عبر قرن من خلال شخصيات حقيقية مثل محمود سعيد وسلامة حجازي وسعيد العدوي وشخصيات تراثية مثل أبوالعباس والخضر والبوصيري وشخصيات تنتمي إلي الموروث الشعبي وشخصيات مخترعة مثلت مع بقية الشخصيات بانوراما متكاملة لتلك العلاقة المميزة بين حي بحري والبحر الذي يحيط به من ثلاثة جوانب .
مناسبة هذه الكلمات ذلك الذي طالعنا علي شاشة التليفزيون يعيب علي مبدعي الاسكندرية انهم يكتفون بالكتابة عن المدينة عن الأرض والميادين والشوارع والحواري والأزقة دون ان تلامس أعمالهم البحر فتكتب عنه وتكتب بالتالي عن الصلة بين البحر واليابسة. هل تقافزه المتواصل بين القنوات الأرضية والفضائية. حال بينه وبين المتابعة الجادة فضمن كلماته ما ألفناه في اطلالاته التليفزيونية من معلومات تستند إلي المخيلة.. والفبركة!
............................
*المساء ـ في 13/9/2008م.

د. حسين علي محمد
07-03-2009, 04:01 PM
مبدعون نقاد
بقلم: محمد جبريل
.........................
حدثني الصديق الدكتور عبدالمجيد زراقط رئيس قسم الأدب العربي بالجامعة اللبنانية عن المؤتمر الذي تعد له الجامعة بعنوان "مبدعون نقاد". وهو عن المبدعين الذين يحاولون الكتابة النقدية. وبالطبع فإن العكس صحيح. بمعني أن العديد من النقاد حاولوا الكتابة الإبداعية: لويس عوض. وأحمد شمس الدين الحجاجي. وماهر شفيق فريد وصلاح الدين بوجاه وغالي شكري. وحسين علي محمد ومحمد قطب وجمال التلاوي وصبري حافظ وحامد أبوأحمد. وسمير عبدالسلام. وصبري قنديل وأمجد ريان وغيرهم.
رأيي أن المبدع لابد أن يماهي الناقد في اكتمال العملية الإبداعية. فهو -فور أن يضع نقطة الختام لعمل ما. قصة أو رواية أو مسرحية أو أية كتابة إبداعية- يلجأ إلي الناقد في داخله. يفيد من ثقافته وخبراته وفهمه لخصائص العمل الفني. يضيف. ويحذف. ويبدل. ويحور. بما يمتلكه الناقد من قدرات جمالية وعلمية وموضوعية. خطوة تالية لما تمليه عفوية الإبداع.
أعرف أصدقاء يعيدون كتابة العمل الإبداعي مرات. ربما تبلغ العشر. في كل إعادة يقرأ الكاتب بعيني الناقد. لا ينقل الكلمات كما هي. لكنه يجري ما تحتاج إليه من "رتوش" -هذا هو التعبير الذي يحضرني- بهدف إثراء جماليات العمل الإبداعي.
وكان همنجواي بترك -آخر الليل- ما كتبه علي الآلة الكاتبة "لم يكن الكمبيوتر قد ظهر في حياة الأدباء بعد" ويعود إلي قراءته في الصباح. ليست الفقرات الأخيرة وحدها. وإنما كل ما كتبه منذ الحرف الأول. والكلمة الأولي. والجملة الأولي. يطمئن إلي خلو السرد من أية نتوءات أو فجوات.
وأكد بلزاك أنه كان يعيد قراءة العمل بعد أن يتمه. ربما صادف في اليوم الثالث زيادة حرف واو العطف. ثم يعيده عقب الأيام الثلاثة التالية. قول لا يخلو من مبالغة. وإن كان المعني ضرورة المراجعة والتقويم والغربلة. والحرص علي جماليات العمل في ترامي آفاقه.
الأمثلة كثيرة. لكن السؤال الذي أتصور أنه سيفرض نفسه علي جلسات المؤتمر المرتقب: ما مدي إفادة الناقد من دراسته للعملية الإبداعية. مقابلاً لإفادة المبدع من فهمه لنظريات النقد.
حصلت علي جائزة الدولة في النقد. وكتب عبدالعال الحمامصي عن الروائي الذي فاز بجائزة النقد. لكنني أعتبر المجال الحقيقي للكاتب هو ما تطمئن إليه موهبته. قد يتطرق إلي مجالات أخري. وربما أجاد التعبير فيها. لكنه يظل حريصاً علي السير في اتجاه تأكيد المعني الذي أهلته له موهبته وقدراته.
لعلي أشير إلي صلاح عبدالصبور: كتب القصيدة المفردة والمسرحية الشعرية. والترجمة والسيرة الذاتية وغيرها من مجالات الأدب. لكن المسرحية الشعرية هي الملمح الذي يبين عن نفسه دوماً. فهي الإبداع الذي اختار له عبدالصبور الأولوية في مشروعه الأدبي.
...........................................
*المساء ـ في 7/3/2009م.

د. حسين علي محمد
14-03-2009, 05:54 PM
لغتنا الجميلة
بقلم: محمد جبريل
........................

لعلنا نتفق علي أن لغتنا الجميلة ليست في أفضل حالاتها وسوء الحال ليس مرجعه اللغة في ذاتها فستظل رغم كل محاولات النيل منها لغة جميلة.
ثمة العديد من الجمعيات التي أخلصت لمناصرة العربية والدفاع عن قضاياها ومشكلاتها وما تواجهه من محاولات لإحياء لغات ميتة علي حسابها رغم تأكيد الموسيقار المصري الوطن. اليهودي الديانة داود حسني ان الخطر علي لغتنا الجميلة غير وارد لأنها لغة القرآن وستظل باقية ما بقي القرآن.
مجمع اللغة العربية هو المسئول الأول عن حماية لغتنا ليس بمجرد العبارات البليغة والإنشائية وتفسير الماء بالماء وانما بتطوير اللغة وتبسيطها وتقريبها من أذهان المتكلمين بالعربية.
قرأت مجلة المجمع وفي مكتبتي اعداد منها أتاح لي الحصول عليها صديقي الروائي الكبير الراحل محمد عبدالحليم عبدالله أعود إليها بين كل فترة قصيرة وأخري. أراجع بعض ما أجهله وما لا نعلمه كثيراً في فصحانا وأفتش عن جذور بعض المفردات والمعاني التي ربما تأثرت بتطورات العصر. الخ.
وإذا كان أفق المجلة محدودا حيث تتجه إلي القلة من العلماء والدارسين ومحبي اللغة فإن الآفاق يجب أن تمتد لتصل المجلة إلي مواطني العربية وبتعبير محدد فإن المجمع يجب أن يضع في أولوياته صدور ملاحق مستقلة أو مجلات لسوق القراءة تعني بتبسيط اللغة وتقريبها من ذهن القاريء العادي فيسهل عليه فهمها واستيعابها والتعامل معها باعتبارها لغة حية ومتجددة وليست مجرد لغة يقتصر تناولها علي علماء أجلاء في قاعات مغلقة فتغيب بلا سبب عن مجاراة العصر بإيقاعاته وتطوراته وأحداثه علي أن تكون هذه المجلة زهيدة السعر لتصل إلي العدد الأكبر من القراء.
من بين ما خلفه أبي قاموسا صغيرا بالمفردات العربية وما يقابلها من مفردات فرنسية أردت أن أعود إلي القاموس في وقت قريب لعمل ما.
بدت مفردات العربية علي حالها ما نسمعه ونقرأة ونكتب به. أما مفردات الفرنسية فقد تأثرت بتطورات الحياة واستبدل بها اصحابها مفردات أخري تعكس الثورات المتلاحقة التي يحياها العالم في مجالات المعلومات والفضاء والهندسة الوراثية والتكنولوجيا وغيرها.
هذا هو الدور الذي أتصور ان المجلة تتحرك في إطاره ولأن الدفاع عن لغتنا الجميلة هو حرص الصديق فاروق شوشة في أكثر من موقع بداية من برنامجه الإذاعي الأشهر إلي أمانة مجمع الخالدين مرورا باختياراته الموفقة لعيون الشعر العربي منذ الجاهلية فإن الأمل يتجه لتصدر هذه المجلة عن المجمع تأكيدا علي ما تتضمنه لغتنا الجميلة من جماليات وحرص علي ملاحقة تطورات العصر.
وظني ان الأمر لن يقتصر علي المعلومات اللغوية من املاء ونحو وصرف وانما يشمل كل ما هو مفيد من قصص اللغويين والنحاة وطرائف اللغة والمقارنات بينها وبين اللغات الأخري وتسليط الضوء علي أهم علمائها في توالي العصور بحيث يقبل المتخصص والقاريء العادي علي اقتنائها.
...........................................
*المساء ـ في 14/3/2009م.

د. حسين علي محمد
26-03-2009, 08:09 PM
هل زينب هي أول رواية مصرية؟

بقلم: محمد جبريل
....................

يذهب محمود تيمور إلي أن رواية زينب لمحمد حسين هيكل هي "أول قصة مصرية كتبت علي النمط الغربي" فعهد زينب كان بدء تحرر الأدب من السيطرة العربية القديمة. واستلهامه من الأدب الغربي. أي بدء ظهور النفوذ الغربي في أدبنا العصري".. ويقول يحيي حقي: "من حسن الحظ أن القصة الأولي في أدبنا الحديث قد ولدت علي هيئة ناضجة جميلة. فأثبتت لنفسها أولاً حقها في الوجود والبقاء. واستحقت ثانياً شرف مكانة الأم في المدد منها والانتساب إليها. وإلا أين كنا نداري وجوهنا لو التف القماط علي خلقة دميمة مشوهة. تجد عذر غثاثتها. أنها من إنتاج قلم غشيم في الكار؟".. ولعلي أميل إلي رفض الرأي بتحديد البداية علي أساس فني. دون مبرر علي الإطلاق. بل إن أستاذنا يحيي حقي يسقط تماماً صدور أية محاولة سابقة لزينب. حين يحمد الله علي أن الوليد الأول [!] جاء مكتمل الصحة. ولا يعاني تشوهات خلقية. بينما صدرت قبل زينب الفصول السابقة دليلنا بضعة أعمال روائية تعاني السذاجة في مجموعها. لكنها تظل وثائق فنية لصورة المجتمع المصري في مطالع القرن العشرين.. ربما جاءت ذات خلق دميمة شوهاء. لكنها تنتسب إلي الفن القصصي. ولأنها تجارب أولي. فهي لابد أن تتسم بأخطاء التجربة وسذاجتها. بل إن أحداً لم يلتفت إلي زينب بالذات. إلا بعد أن أعيد طبعها عام 1929 "وعرف أنها لهيكل باشا. فأخذت أهمية في الأدب العربي الحديث. لمقام هيكل باشا. لا لما فيها من الفن".
إن كل المحاولات التي سبقت زينب. مثل حديث عيسي بن هشام وليالي سطيح. تنتسب في تقدير يحيي حقي إلي المقامة. وليس إلي فن الرواية. ومن ثم فإن زينب. حتي لو جاءت صورة شوهاء. كانت ستظل الأولي لعدة اعتبارات: إنها تخلصت من أسلوب المقامة. وتوخت السهولة والبساطة في العرض والتناول.. إنها أقرب في قضيتها إلي الرواية في أصلها الأوروبي.. إنها لجأت إلي العامية في الحوار. وإنها عالجت لأول مرة وضع المرأة في عمل روائي. إن لهيكل علي حد تعبير الكاتب فضلا في اتخاذ الريف والفلاحين موضعاً لأول رواية مصرية. وكما قلنا. فإن اجتهاد يحيي حقي غادر صفحات كتابه. ليصبح اجتهاداً أساسياً. أو مسلماً به. في كل الدراسات النقدية التالية.
فهل تعد زينب بالفعل أول رواية مصرية؟..
لقد كتب يحيي حقي دراسته في أثناء عمله بدار الكتب. وبالتالي فقد أفاد من كل المراجع التي تضمها الدار. وقدم لنا للمرة الأولي بعض الرواد من الأدباء الذين كانوا شبه مجهولين مثل عيسي عبيد وشحاتة عبيد وغيرهما من أدباء ما بعد زينب إن جاز التعبير ولم يبذل الجهد نفسه في دراسة البدايات الأولي التي تنفي أن زينب كانت هي الرواية الأولي. بحيث توضع رواية هيكل في موضعها المتأخر نسبياً بين المحاولات الروائية المصرية الأولي. وينقذ أصحاب تلك المحاولات من الاهمال غير المبرر. فلا يغيبون عن الدراسات التي تؤرخ للرواية المصرية منذ بداياتها.
إن دراسة "المتن" وليس الاعتماد علي اجتهادات سابقة. هو ما يهب البحث العلمي قيمته الحقيقية. وأحري بنا في هذا الإطار أن نعيد دراسة كل الأعمال الروائية المصرية الرائدة دون التقيد باجتهاد مسبق ليمكن أن نجيب عن السؤال: هل زينب هي أول رواية مصرية.
.................... ............
*المساء ـ في 8/2/2008م.

د. حسين علي محمد
26-03-2009, 08:20 PM
محمد جبريل.. وقضية الانتماء



بقلم: مؤمن الهبّاء
...................

إذا قصدت متعة السرد الروائي الفني فعليك بمحمد جبريل.. وإذا قصدت حبكة الإبداع القصصي وإبهاره فعليك بمحمد جبريل.. وإذا قصدت المتابعة النقدية النافذة فعليك بمحمد جبريل.. وإذا قصدت الدراسة البحثية الجادة فعليك - أيضا - بمحمد جبريل.
إنه عالم متكامل. ومؤسسة شاملة. متعددة النوافذ. من أي زاوية نظرت حصلت علي مبتغاك.. متعة وثقافة وعلم.. ومن دواعي فخرنا. نحن أسرة المساء. أن هذا الفنان المبدع خرج من بيننا. وينتمي إلي قبيلتنا.
رأيته أول مرة في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي. كان عائدا لتوه من رحلة عمل طويلة في عمان.. تناقشنا كثيرا. وتشاكسنا. اختلفنا واتفقنا. وحين أراد أن يحسم الجدل أهداني روايته الثانية. المبهرة. "إمام آخر الزمان". فالتهمتها في يوم. أو بعض يوم. ومن يومها لم أفقد أبدا إيماني بموهبته. واحترامي لقلمه ودأبه وجديته.
وكلما أوغل في الكتابة وأوغلت في قراءته زاد إيماني به واحترامي له.
ولا أستطيع أن أنكر انحيازي لأدب محمد جبريل. خاصة ما يتعلق منه بتوظيف التراث مثل "إمام آخر الزمان" و"من أوراق أبي الطيب المتنبي" و"قلعة الجبل" و"رباعية بحري" و"ما ذكر من أخبار عن الحاكم بأمر الله". فهذه الأعمال تجد في نفسي هوى. ربما لأنها توقظ الماضي. وتبعث فيه الروح. فيتحول بروح الفنان إلي مستقبل. وفي ذلك وصل لحلقات أدبنا وحياتنا. ولقاء بين الأصالة والمعاصرة. وهذا - في زعمي - هو الطريق الصحيح لتطوير أدبنا. بل لتطوير حياتنا كلها.
التطوير لن يأتي من الخارج .. ولن يهبط علينا من السماء وإنما هو عملية مستمرة. متواصلة أطرافها. يرتبط فيها الماضي بالحاضر والمستقبل. ونحن نعيشها ونتفاعل فيها.
ودراسات محمد جبريل لا تنفصل عن إبداعه.. هي في الحقيقة إبداع آخر. بطعم آخر. تدهشك فيها قدرته الهائلة علي الصبر. ودقته في التحري والاستيفاء. ناهيك عن سعة الاطلاع. والاستنتاج المنطقي. تلحظ ذلك في سفره الرائع "مصر في قصص كتابها المعاصرين" و"مصر المكان" و"قراءة في شخصيات مصرية" و"مصر من يريدها بسوء".
لعلك لاحظت - مثلي - أن مصر تتردد كثيرا في كتابات جبريل. مثلما تتردد في رواياته. من خلال الإسكندرية مسقط رأسه وعشقه الدائم. وأيضا من خلال الموروث الشعبي الذي يتناثر كحبات اللؤلؤ في 18 رواية و90 قصة قصيرة قدمها للمكتبة العربية حتي الآن.
إنه متيم بهذا الوطن. مسكون ببحره ونيله وطينه. بأحيائه الشعبية وحاراته وأزقته. بجوامعه وأضرحته وموالد الأولياء والكنائس والزوايا. وليالي رمضان والتواشيح والأعياد والأسواق. بعبق البخور والمجاذيب والدجالين والشحاذين.. هو يكتب عن ذلك كله ليكشف لنا عن حقيقتنا. عن مواطن الضعف ومواطن القوة في شخصيتنا. التي عاش عمره مهموما بها.
وكم كان رائعا أن تتذكر الهيئة العامة للكتاب بإشراف د. ناصر الأنصاري كتاب "مصر في قصص كتابها المعاصرين" لمحمد جبريل لتعيد إصدار الجزء الأول منه هذا العام في سلسلة "مكتبة الأسرة" التي تحظي برعاية السيدة الفاضلة سوزان مبارك. فتتيحه بسعر ميسر للقاعدة العريضة من القراء الذين يتابعون هذه السلسلة. ويعتبرونها نافذتهم علي الثقافة الحقيقية والجادة.
والكتاب عبارة عن دراسة ضخمة. لكنها ممتعة. وقد نشرت لأول مرة في أواخر السبعينيات من القرن الماضي. ونال عنها محمد جبريل جائزة الدولة التشجيعية في النقد. وفيها يتناول العديد من الأعمال القصصية والروائية لرواد السرد العربي أمثال طه حسين والعقاد ويحيي حقي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ويوسف الشاروني. بالإضافة إلي رفاق دربه من كتاب الستينيات. فيرصد تناولهم للمجتمع المصري بكافة تقلباته عبر تاريخه الحديث من زاوية إبداعية بحتة. تدعمها رؤية اجتماعية وسياسية مدققة.
يقع الكتاب في مجلدين. ومجموع صفحاته 1370 صفحة. وهو بذلك ينتمي إلي الأعمال الموسوعية الخالدة. ممتدة المفعول. فقد حاول جبريل أن يقدم لنا تاريخ مصر من خلال مضامين الروايات والقصص. باعتبار أن الأدباء هم ضمير أمتهم. ونبض حركتها التاريخية في مواجهة الأحداث.
بقيت همسة للمثقف الواعي د. ناصر الأنصاري أناشده فيها بسرعة إصدار الجزء الثاني من هذه الدراسة القيمة. التي أظنها أول محاولة في تاريخنا لتأصيل علم الاجتماع الأدبي. وأول تجربة جادة لتعميق الانتماء لدي الأجيال المثقفة بالعلم والأدب. وليس بالأغاني السطحية والهتافات الزاعقة.
..............................
*المساء ـ في 15/12/2008م.

د. حسين علي محمد
28-03-2009, 04:46 PM
الهوية المعمارية لمدينة القاهرة

بقلم: محمد جبريل
..................

الحريق الذي شب- مؤخراً- في بناية أثرية بشارع رمسيس. يعيد إلي الأذهان قضية- أو لنقل مشكلة- تناسيناها. وسط هموم حياتنا اليومية. وهي مشكلة الهوية المعمارية لمدينة القاهرة. أو كما يسميها المصريون "مصر المحروسة".
منطقة القاهرة الخديوية. ما بين ميدان التحرير وميدان رمسيس. وزاوية المثلث في ميدان العتبة. هذه المنطقة تضم بنايات موحدة الطابع في معظمها.. وكان ذلك الحرص حين بدأت عمليات الانشاء في عهد الخديو إسماعيل. ثم من بعده الخديو عباس- أتجاوز "توفيق" لأنه كان مشغولاً بعمالته للإنجلتز- الذي روت زوجته الأميرة جويدان عن إشرافه الشخصي علي العمارات المنسوبة إليه حتي اكتمال بنائها.
تصورت امتداد هذه المنطقة. توسيعها. من خلال استراتيجية الإحلال والتبديل. ليظل الطابع المميز هو السائد في وسط القاهرة. لكن المنطق العشوائي ظل يفرض نفسه. مجرد حوائط وجدران وأعمدة وأسقف. دون دلالة تاريخية أو جمالية أو تعبير عن خصوصية ما.
مخزن للسيور في داخل واحدة من هذه البنايات. وتطل علي الشارع الأهم في العاصمة. تسبب في حريق كاد- بفضل التقصير المعلن!- يدمر المنطقة كلها.
ما أسهل إهدار القوانين التي تحرم. وتجرم. لكن الصعب- بالفعل- هو تحويل تلك القوانين من مجرد مواد وأرقام وبنود إلي واقع فعلي. ليس بالتخويف العقابي. وإنما بتأكيد الحرص علي كل ما يعبر عن الهوية المصرية. والعمارة -بالطبع- في مقدمتها.
المثل المصري يتحدث عن اختلاط السمك واللبن والتمر هندي. بمعني الظواهر السلبية التي تسود حياتنا. فلا اتفاق علي الحد الأدني من الحرص علي التراث الحضاري والذوق الجمالي وحين بدأ تمليك الوحدات السكنية- ربما من أوائل السبعينيات- فقد كان المأمول ان يهب هذا الأسلوب احساساً بالملكية في نفوس الملاك الجدد. وكان غالبيتهم من أبناء الطبقة الوسطي الذين يتعرفون إلي التمليك للمرة الأولي. بحيث يؤدي هذا الاحساس إلي الحرص علي الملكية ومقوماتها البنائية والجمالية. لكن النتائج أفضت إلي عكس المأمول تماماً. فصاحب الشقة- حتي لو كانت حجرات قليلة في بناية هائلة- يتصرف في شقته كأنها جزيرة لا شأن لها بما حولها.
وعلي الرغم من إقامة اتحادات للملاك. فإن الظواهر السلبية تزداد تفاقماً ولعلي أدعوك إلي مشاهدة أية بناية حديثة مملوكة لعدد من المواطنين. لا نافذة مشابهة للنوافذ الأخري. وثمة شرفة بامتداد مساحة الشقة. وأخري استبدلت بها نافذة من الزجاج الفيميه.. وتنأثر المكيفات بعشوائية غريبة. والخراطيم الثعبانية تطل من الواجهة. تشي بالفردية وفساد الذوق باختصار. فان السكلانس هو ما ينطبق علي المشهد الكلي للبناية.. الطريف. والمحزن. ان ذلك كله يحدث في القاهرة. رغم وجود وزارة للبيئة. وجهاز للتنسيق الحضاري. ومحافظ يتبعه نواب ورؤساء أحياء. وغيرها من المؤسسات ذات المسميات المهمة!
..............................
*المساء ـ في 28/3/2009م.

د. حسين علي محمد
02-04-2009, 12:31 PM
عن محمد حافظ رجب

بقلم: محمد جبريل
.....................

هل أخطأ محمد حافظ رجب حين ترك الإسكندرية..؟ وهل أخطأ حين عاد إلى الإسكندرية..؟ سؤال يناوشنى -أحياناً- فلا أعثر له على إجابة محددة.
محمد حافظ رجب -إن كنت لا تذكر، أو لا تعرف- هو صاحب مقولة: نحن جيل بلا أساتذة..
قصصه القصيرة موسومة بطابع فنى لم يقلد، وإن حاول البعض تقليده.. حتى نجيب محفوظ -هذا رأيى- لم يكتب ثرثرته النيلية إلا بعد أن قرأ حافظ رجب جيداً..!!
وصف فؤاد دوارة قصة حافظ "البطل" بأنها أعمق من قصة مشابهة لجوركى، وقال يحيى حقى إن أعماله سبقت زمانها بأعوام كثيرة، وذهب بعض النقاد إلى أن ما يكتبه حافظ رجب لا يعدو هلوسة كلامية..!
لكن حافظ رجب ظل هو الظاهرة الأشد تميزاً بين مبدعى جيله..
تعرف كبار الأدباء إلى حافظ رجب، وإلى إبداعاته، من قبل أن يجاوز مكانه فى محطة الرمل.. وتوالت النصائح بأن حياته الوظيفية فى القاهرة أفضل من السعى إلى رزق يوم بيوم فى مدينته الملحية..
ولأن الزن على الأذان أمر من السحر، فقد توكل حافظ على الله ذات صباح -وربما ذات مساء- وسافر إلى القاهرة.
مثَّل انتقال الشاب ذى الأعوام الخمسة والعشرين عاماً إلى العاصمة، انعطافة -حسب الكليشيه المتوارث!- فى مسار القصة القصيرة المصرية.. تباينت الآراء فى استقبال أعماله بين الحفاوة والرفض، وإن ظلت تلك الأعمال معلماً من المستحيل إغفاله.
إذا استعرت وصف نجيب محفوظ للمهمين من الأدباء، فإن حافظ رجب ينتمى إلى طبقة الفتوات الذين يحسنون توجيه ضرباتهم، بينما يتحدد دور المساعدين فى تلقى الضربات.. إنه فتوة فى جيله، مثلما كان إدريس بين مبدعى الفترة التى قدم فيها إبداعاته، ومن قبله محفوظ فى الرواية، الأمر نفسه بالنسبة لنعمان عاشور فى المسرحية، وعبد الصبور فى قصيدة الفصحى، وجاهين فى قصيدة العامية..
كنت أتردد على حافظ فى المجلس الأعلى للفنون والآداب، التقى به فى الغرفة الخشبية، فى الناحية المقابلة لمبنى المجلس، كان عباس محمد عباس هو أقرب أصدقاء حافظ إليه، فهما فى مكتبين متجاورين، وأحاديثهما لا تنتهى.. فى الغرفة نفسها تعرفت إلى عبد المعطى المسيرى وحامد الأطمس بعد أن هجر أولهما مقهاه فى دمنهور، بينما أغلق الثانى دكانه للنجارة فى المدينة نفسها..
ثم عاد حافظ رجب إلى الإسكندرية بعد أن هدته المتاعب!
بين أوراقى رسالة من محمد حافظ رجب -بخط يده- يعتب فيها على عبد الفتاح الجمل تغاضيه عما سماه وصاية من اثنين أو ثلاثة ينتسبون إلى جيل الستينيات، فهو -الجمل- ترك لهم أمر الموافقة أو الرفض فى الأعمال التى يتلقاها من الأدباء.. وحافظ واحد منهم!
أتردد فى نشر الرسالة التى تعرى بعض الأسماء التى مازالت تحاول فرض الوصاية على حياتنا الأدبية، مع أن المبدعين الذين أضيروا بوصايتهم، ووشاياتهم، ورفضهم غير الموضوعى لإبداعات الآخرين.. هؤلاء المبدعون يستطيعون المطالبة بترحيل السادة الأوصياء إلى محكمة العدل الدولية لمحاكمتهم بتهمة قتل مواهب كانت مبشرة وواعدة!

د. حسين علي محمد
03-04-2009, 11:18 AM
المدينة المحرمة.. «الهامة» تثأر لنفسها

بقلم: د. زينب العسال
.........................

«طاردته المدينة المحرمة فى صحوه ومنامه، صارت البدء والمنتهى».
إن إشكالية الوطن هى إحدى الإشكاليات التى يحرص الروائى محمد جبريل على مناقشتها فى إبداعه الروائى والقصصي، نتذكر الشاطئ الآخر، زمان الوصل، صيد العصاري، قلعة الجبل، وغيرها.
الإشكالية هنا تأخذ شكلاً أعمق من مجرد العودة، والحنين للوطن. إنها إشكالية وجودية كونية.
هذه هى النواة السردية الأم التى تدور حولها رواية جبريل «المدينة المحرمة» التى صدرت أخيرا عن دار مجدلاوى فى عمان.
السرد هنا لا يعنى بتحديد ملامح مكانية ولا زمانية ـ إنها المطلق ـ الذى يبين عن ملامحه مع التقدم فى قراءة العمل الإبداعي، فتبين الملامح عن ذاتها، وتتحدد الدلالات والحافز وراء هذه الأمنية التى يفصح عنها السارد فى غير موضع واحد.
المدينة المحرمة، تطلق التساؤلات، من قبيل ما هى وأين تقع، لماذا لم يعين الروائى اسم مدينته وما المغزى من ذلك؟ إذا حاولنا الإجابة عن هذه الأسئلة لاحقتنا كلمة «محرمة» لماذا هى كذلك؟ لذا فالبطل يتمنى الحصول على الكلمة السحرية، الكلمة المفتاح التى تعينه على إنجاز ما ينتظره من مهام وأعمال شاقة، وما سيلقاه من عقبات ومصاعب ومخلوقات شريرة لا يعرفها، ولا التقى بها من قبل.
هكذا تعبّر الرواية عن كونها رحلة إلى المجهول، إنها رحلة تذكرنا برحلات الأبطال الملحميين فى أساطيرنا.
قال الأب : أنجبتك لتحمل هم العودة؟ هكذا يكون مولد البطل، إنه منذور للعودة للوطن، وأخذ الحق المسلوب.
أجاد الروائى تصوير الرحلة. وهى رحلة نحو المجهول الذى صار معلوماً، رحلة تكتنفها المخاطر والأهوال، المنحدرات الصخرية، البرودة المتصاعدة، الحرارة اللاهبة، الطيور آكلة لحوم البشر التى يربيها السلطان، الجبال الصخرية الوعرة، اختراق الطرق الرملية والترابية، الذئاب والثعالب والأفاعي، صار العالم الموحش الضريبة التى لابد أن يقدمها البطل كى يصل إلى معشوقته «المدينة المحرمة».
لم يعد يخشى الأطياف تتابع قدومها وانصرافها، تحليقها فى سماء الغابة، تقافزها بين الأشجار، جلوسها على ضفاف الجداول والقنوات «هاهى العوالم تتداخل وتتقارب، فالمدينة فى المخيلة والروح تهيم للوصول إليها، وهاهى الأطياف ترحب وتبارك رحلته، يسأل فتجيبه، يستوضح ما قد يكون غامضاً. يستشرف الخطوات التالية.
اتخذت الرحلة أبعاداً جديدة، تعرف الفتى على ما حدث لتلك القبائل الرافضة للسلطان، وعلى هؤلاء الموالين له، إن المعرفة بالتاريخ والتراث هى أول ما أنجزه الفتى فى تلك الرحلة، تعرف إلى السلطان من روايات أبيه له، لكنه أدرك كيف يتعرف هو ذاته على مدينته المحرمة، أدرك أن السلطان تسلح بالقوة والبطش ودعوة القبائل من مختلف الأصقاع، ليستولى على القرى والمدن المجاورة، أعلن للجميع أنه قادر على بسط نفوذه وعدهم بأنهار اللبن والعسل والثمار المختلفة الألوان والأشجار الفينانة، والأطيار الصادحة، والجوارى المغنيات الراقصات».
نحن أمام مدينة متعينة محددة، مدينة نهبها العدو بدعوى وجود تاريخى اعتمد على الأساطير، وأضاف إلى ذلك وجهاً حضارياً وديمقراطياً يفتقده جيرانه من القبائل الأخري!
«جعل السلطان همه أن تتحول القبيلة من الرعى إلى الزراعة، تذوى صور البداوة وصيد الغزلان والأسماك والطيور وسكنى الخيام» هكذا يغوص الروائى فى التاريخ والأساطير ليلتقط ملامح وسمات هذا العدو المحتل لمدينته المحرمة، إذن هى مدينة محرمة على أهلها الأصليين. إن المزج بين التاريخى والدينى والأسطورى هى الفكرة الأساسية التى يعتمد عليها الفكر الصهيونى لقيام مدينته، وفى الوقت ذاته إغفال الحق التاريخى لصاحب الأرض الموجود والعائش فوق أرضه من مئات السنين أمر يجعلنا نناقش فكرة شرعية المواطنة وفكرة الدفاع عن الوطن السليب، هى فكرة لا تنفصم عن الوجود الإنسانى. عبر ستة عشر فصلاً روائياً يصور جبريل رحلة هذا المناضل الذى لم يفقد إنسانيته، فهو يحب ويتعلق بمن أحبته، تلك الفتاة التى تشكل هى الأخرى وجهاً آخر للدفاع عن البشر، عن وجود عشيرتها وناسها،لكنها تفقد حياتها دفاعاً عما تؤمن به.
هذه الرواية التى تتحدث عما نطلق عليه «نكبة فلسطين» تأتى فى الوقت الذى يحتفل فيه الغرب بذكرى قيام دولة إسرائيل، متغافلاً مأساة شعب شرد من أرضه، لكن إصراره على المقاومة لابد أن يتيح له حق العودة لمن شردوا، وحق المواطنة الحقيقية العربية لمن يكتوون بعسف الاحتلال.

د. زينب العسال
.............................................
* مجلة "وجهات نظر"، عدد مايو 2008م.

د. حسين علي محمد
04-04-2009, 04:31 PM
ذاكرتنا القومية

بقلم: محمد جبريل
......................

كان لأستاذنا الراحل كامل زهيري أمنية طالما تحدث عنها. وهي أن تعني مؤسسات الدولة بتنشيط ذاكرة الناس. ليس ناس البلد وحدهم. بل حتي الوافدين إليها من العرب والأجانب.
لي قصة واجه فيها شعب ما مؤامرة لإفقاده ذاكرته. منعوا كل ما يمكن من خلاله أن يتذكر الناس ما مضي. ولكي تظل الذاكرة الجمعية قائمة. فقد تكفلت بذلك حواديت الجدات. خيط متصل من الحواديت. يصل الماضي بالحاضر ويرنو إلي المستقبل.
إذا كانت حواديت الجدات تمثل عنصرا إيجابيا في الحفاظ علي ذاكرتنا القومية. فإن الإسهامات التي يبدو بعضها هامشيا. قد تمثل استفزازا لإلقاء الأسئلة. مثل: متي؟ وأين؟ وكيف؟.
جلستي في قهوة الفيشاوي تجاوز مشاهدة خلق الله. أو الحياة في معلم مهم من القاهرة المعزية. تستعيد الذاكرة - أو الخيال - جلسات الرموز المهمة في حياتنا الثقافية والفنية: نجيب محفوظ - علي سبيل المثال - ونكاته وضحكاته المقهقهة. وسجالات القافية بينه وبين نجمي الكوميديا الفار وسلطان. أخترق درب الطماعين فأبحث عن الأماكن التي ربما تردد عليها طه حسين أعوام دراسته بالأزهر. أمضي وراء سؤال الرجل الذي تصور - من كلماتنا عن بيرم التونسي - أن صديقي الدكتور محمد زكريا عناني وأنا. نعد بحثا عن الرجل. قال: هل تعرفون أين كان يقيم التونسي؟ إنه هناك. في شارع حلاوة. وعرفنا أن بيرم أقام في البيت الصغير. القصير. المتهالك. خلف جامع أبوالعباس. أعواما كثيرة. قبل أن يرحل إلي القاهرة. انتسابه إلي السيالة إذن بالمعني وليس بالإقامة الحقيقية. أطيل التوقف أمام البناية التي كانت تشغل إحدي شققها رابطة النهضة. نادي حسين توفيق علي أمين عثمان وهو يتجه ناحية المصعد. ثم أفرغ فيه رصاصاته. أفتش عن بقايا الأماكن التي تردد عليها أحمد عرابي - عقب عودته من المنفي - وسيد درويش أول قدومه إلي القاهرة.
أميل من ميدان السيدة زينب إلي شارع سلامة. هنا كان يقيم "شعب" عودة الروح: محسن وسنية ومصطفي ومبروك وآل سليم. استدعي في الشوارع المتفرعة شخصيات أجاد تصويرها يحيي حقي وفتحي رضوان ويوسف السباعي في ميدان السيدة زينب وجنينة ناميش وأبي الريش وحارة الميضة. أتخيل الطريق الذي كان يقطعه سلامة موسي كل صباح من بيته بشارع الفجالة إلي دور الصحف ومكتبات وسط البلد.
عشرات الصور. تمثل - في تواليها واتصالها - مشاهد من تاريخنا الحديث. تلح في ضرورة الحفاظ علي ذاكرتنا الوطنية. فلا نكرر مأساة هدم فيلا أم كلثوم. وإهمال بيت سيد درويش حتي لحقه الدمار. والاكتفاء بكلمات متحمسة عن خطط ومشروعات لاستعادة القاهرة المعزية من خلال أعمال نجيب محفوظ.
تغلبني الحسرة وأنا أمضي مبتعدا عن زقاق المدق. في بالي محو كل ما يمت إلي رواية محفوظ. حتي اللافتة النحاسية رفعت من موضعها. وامتدت - لصق الحوائط - أرفف امتلأت بالبضائع. يلاحقني هتاف البائع الغاضب: مللنا سؤالكم عن اختفاء الزقاق.. دعونا نأكل عيشا!.
.............................................
*المساء ـ في 4/4/2009م.

د. حسين علي محمد
07-04-2009, 12:16 PM
محمد جبريل، وعالمه المتفرد


بقلم: أ.د0 السعيد الورقى



محمد جبريل من أبرز كتاب جيل ستينات القرن العشرين وأغزرهم انتاجاً وتنوعاً . هذا الجيل الذى شهد أهم مراحل التحولات الحضارية والثقافية والاجتماعية والسياسية فى نصف القرن الأخير، كان عاش مراحل التحولات الفنية ومغامراتها الابداعية0
ضم هذا الجيل مجموعة الكتاب والأدباء الذين شكلوا خارطة الحياة الأدبية والفكرية فى الأدب العربى المعاصر أمثال غالى شكرى وأمل دنقل وجمال الغيطانى وأدور الخراط ونعيم عطية وعبد الحكيم قاسم ومحمد مستجاب وغيرهم0
عاش هذا الجيل طموحات الحلم الوطنى والحلم القومى، كما عاش انكسار الحلمين فكان من الطبيعى أن تكون تجربتهم الإبداعية تجربة مغايرة وثائرة ومتمردة ، مغامرة مسكونة بالحلم ومسكونة بالغضب، كما تجسدت فى تصويرهم لقضايا الأمة وتناقضات الواقع على نحو يسعى إلى تعميق الرؤى السياسية والاجتماعية والفكرية ورصدها بطرائق فنية ملائمة0
ضم جيل الستينيات عدداً كبيراً من الكتاب، اتفقوا على ضرورة وأهمية الانشغال بهموم الواقع الوطنى والقومى والإنسانى، واختلفوا فيما بينهم وفقا للاختلافات والفوارق الفردية التى تشكلها عوامل كثيرة منها الذاتى ومنها الاجتماعى0
ومن وسط جيل الستينيات برز محمد جبريل ظاهرة أدبية متفردة فى إبداعها وفى خصوصية وتنوع هذا الإبداع0
فهو أولاً أكثر كتاب جيله إبداعاً وتنوعاً فى هذا الإبداع، وهو أيضا أكثرهم تمسكاً بالمصادر التراثية لفنه ومع الحرص على التطوير والتحديث فى إطاره، كما أنه كان أكثر مبدعى جيله وعياً بالعملية الإبداعية تنطيراً وتلقيا، فكانت أول جائزة يحصل عليها هى جائزة الدولة فى النقد الأدبى0
كتب محمد جبريل الرواية والقصة القصيرة وكتب السيرة الأدبية وكتب المقال الصحفى بحكم عمله فى قضايا وهموم اجتماعية وسياسية وفكرية، وكتب المقال الأدبى والنقد كما كتب الدراسات الأدبية والنقدية0
هذا الثراء والتنوع هو ما جعل من كتابات وإبداعات محمد جبريل موضوعاً خصباً للدراسات الأدبية والنقدية وللدراسات الأكاديمية فى الجامعات0
كتب عنه العديد من النقاد والدارسين فى المجالات الأدبية المتخصصة وفى الصحافة الأدبية أذكر منهم أحد دوريش ومحمد نجيب التلاوى وحامد أبو أحمد وحلمى القاعود وصلاح عطية ومحمد محمود عبد الرازق0
كما قدمت عنه الدراسات الأكاديمية والأدبية أذكر منها المنظور الحكائى فى روايات محمد جبريل لمحمد زيدان ، واستلهام التراث فى روايات محمد جبريل لسعد الطواب وصورة البطل المطارد فى روايات محمد جبريل لحسين على محمد والتراث والبناء الفنى فى أعمال محمد جبريل الروائية لسمية الشوابكة، ومحمد جبريل : مصر التى فى خاطرة لحسن حامد0
والملاحظ أن هذه الدراسات اهتمت بالجانب الروائى فى إبداع محمد جبريل، وأغفلت الجوانب الأخرى التى تحتاج إلى دراسات علمية فى موضوعات عديدة منها مثلاً على سبيل الاقتراح:
- المقالة فى أدب محمد جبريل0
- مفهوم النقد عند محمد جبريل وأثره فى إبداعه0
- فن السيرة الأدبية عند محمد جبريل0
- التناص فى أدب جبريل0
- مصر فى أدب جبريل0
- صورة الإسكندرية فى الأدب القصصى عند محمد جبريل0
- تلقى النقد الأدبى لأدب محمد جبريل0
وغيرها كثير.
قلت إن من أهم الملامح الفارقة فى إبداع محمد جبريل الوفرة والتنوع وهذه حقيقة ربما دفعة إليها إحساسه بمنطق الشمولية الذى أخذ به أنفسهم أجيال المبدعين فى العالم العربى قبله ومنذ جيل التنوير الذى كان يقرأ فى كل شئ ويكتب أيضاً فى كل شئ، هذا إلى جانب أن حرصه على تخطى حدود الفردية بالتعمق فى الواقع الاجتماعى والواقع القومى والواقع الإنسانى قدم لتجربته الإبداعية ثراء عريضاً وخصوبة متنوعة .
فى الرواية قدم محمد جبريل ما يقرب من ثلاثين رواية بدأت بالأسوار التى صدرت عام 1972 ثم توالت إبداعاته الروائية بعد ذلك ومنها:
- أمام آخر الزمان 1984.
- من أوراق أبى الطيب المتنبى 1988.
- قاضى البهار ينزل إلى البحر 1989.
- الصحبة 1990.
- قلعة الجبل 1991.
- النظر إلى أسفل 1992.
- الخليج 1993.
- اعترافات سيد القرية 1994.
- زهرة الصباح 1995.
- الشاطئ الآخر 1996.
- رباعية بحرى:
_ أبو العباس 1997.
_ ياقوت العرش 1997.
_ البوصيرى 1998.
على تمراز 1998.
- بوح الأسرار 2000.
- نجم وحيد فى الأفق 2001.
- زمان الوصل 2002.
- ما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله0
- زوينة0
وإلى جانب الرواية فقد قدم محمد جبريل قرابة عشر مجموعات قصصية منها:
- تلك اللحظة 1970.
- انعكاسات الأيام العصبية 1981.
- هل 1987.
- حكايات وهوامش من حياة المبتلى 1996.
- سوق العيد 1997.
- إنفراجه الباب 1997.
- حارة اليهود 1999.
- رسالة السهم الذى لا يخطئ 2000.
- ما لا نراه 2006.
وعالم محمد جبريل فى إبداعه القصصى، عالم غاضب، ثائر ومتمرد، مهموم بأزمة الإنسان فى واقعة الاجتماعى والنفسى والإنسانى عالم يعانى من فقدان العدالة الاجتماعية وغياب الديمقراطية واستلاب الحريات محاصر بكل أساليب القهر الاجتماعى و العنف السياسى، مهموم باستلاب أحلامه الإنسانية ومع ذلك فهو لا يتوقف فلديه قناعاته المؤكدة بهزيمة كل المعوقات وانتصار الحلم المشحون والمسكون بإرادة الإنسان0
وشواهد التاريخ المصرى فى إعادة قراءته قراءة إنسانية حضارية تؤكد هذا، تؤكد انتصار الإنسان بإرادته وإصراره أمام كل أعمال القمع والإرهاب والتسلط0
ولمصر فى أعمال محمد جبريل عشق خاص وللإسكندرية عشق أخص0 فالكاتب مهموم بهما، مهموم بمصرالتاريخ والحضارة والإنسان، مستنجد بالإسكندرية المكان والخلاص والملاذ من قسوة الواقع وجهامة التسلط وعنف الاستبداد ، فالإسكندرية عند جبريل واحة الراحة والأمان خاصة فى حضن أوليائها الصالحين الذين يمثلون فى وجدانه الأمل المنتظر والمتكأ الروحى النفسى0
عالم محمد جبريل فى أدبه القصصى عالم فسيح متنوع رحب المساحة ينتقل فيه الكاتب نقلات عجائبة فى الزمان والمكان ، فمن التاريخ إلى الحاضر إلى الأسطورى ومن مصر القاهرة إلى عمان والخليج إلى اليونان إلى الإسكندرية0
هذا العالم الجديد فى مفرداته وعلاقاته وأزماته واستحضاره وتداخله أوجد بطبيعة الحال بنية سردية جديدة دفعتها الرغبة فى إيجاد أشكال سردية جديدة تتجاوز المألوف التقليدى فى الوقت الذى تتجاوز فيه معه لاستنبات أشكال غير تقليدية فى البناء وفى لغة السرد معاً0
وظف محمد جبريل كل التقنيات الحديثة فى السرد ولكنه استخدمها بطريقة فنية ذكية وفرت الوضوح والبساطة وسهولة التأتى0
فمع اعتماده على الشاعرية الرمزية والشاعرية الصوفية، ومع توظيفه للسياقات الأسطورية والشعبية والتاريخية، ومع تركيزه على أبنية خطابات الوعى واستخدامه الموفق للمونتاج وكولاجات المشاهد إلا أن خطابه السردى ظل محتفظاً بوضوح الرؤية وسهولة التناول جامعاً بين الشفافية الشاعرية فى غموضها الرمزى والوضوح البسيط فى عمق رؤاه. ساعده على هذا لغة سردية جمعت بين الشاعرية والتوصيل. فمحمد جبريل من الكتاب القلائل الذين توافرت لديهم مهارة وذكاء الإحساس باللغة ، فلغته تختزن كل الدلالات اللغوية، التراثية والشعبية والوجدانية والتوصيلية والفردية والجماعية، وتأمل هذا كله فى الفقرة التالية من قول سنوحى فى افتتاحية " زمان الوصل " والتى تكشف حقيقية عن عالم محمد جبريل كما تكشف عن طبيعة الخطاب اللغوى عنده:
" أيها الآلة العظيم، يامن أمرتنى بالهروب، وحميتنى بالغربة كن رحيماً وأعدنى ثانية إلى قصر الملك، لأرى المكان الذى يسكن فيه قلبى، وأن تدفن حثنى فى الأرض التى ولدت فيها، وخرجت منها، وبقرب من أحببت " .
***
ولمحمد جبريل ثلاثة أعمال إبداعية تدخل فى دائرة أدب السيرة الذاتية هى:
- الحياة ثانية 1996م .
- حكايات عن جزيرة فاروس 1998 م .
- مد الموج 2000 م.
- أغنيات 0
وأغلبها لوحات وصور ولقطات من واقع أحداث وأماكن وشخصيات عاشها الكاتب وتعامل معها وتفاعل بها، فسجل ملاحظاته فى إعادة قراءة هذه الأحداث والأماكن والشخصيات فجاءت مشاهد سينمائية سريعة مع عمق نظرتها المتأملة وجاءت لغتها السردية أكثر شاعرية لاقترابها من منطقة الذات0

وتشغل المقالة الأدبية والدراسات النقدية مكانة ملحوظة فى إبداع محمد جبريل0
فمنذ أن عمل بالصحافة وحتى الآن وهو يكتب عن هموم الإنسان المصرى وخاصة الإنسان المبدع وصراعاته وأزماته، كما صدر له كتابان، الأول بعنوان مصر، من يريدها بسوء وصدر عام 1986 وفيه يناقش الكاتب مجموعة من القضايا الفكرية المتصلة بتاريخ مصر مثل دعم البحث التاريخى والتسامح الدينى ورؤية المشترقين لتاريخ مصر0
والكتاب الثانى بعنوان: " قراءة فى شخصيات مصرية " وصدر عام 1995 وفيه قدم الكاتب قراءات تحليلية متعمقة لعدد من الشخصيات المصرية التى ساهمت فى بناء الشخصية المصرية أمثال أحمد بهاء الدين وتوفيق الحكيم وجمال حمدان وزكى نجيب وسيد عويس0
أما الدراسات النقدية، والتى كشف فيها عن وعيه بقضية الفكر والثقافة والمتغيرات الحضارية المعاصرية، كما كشف فيها عن ذائقة أدبية تستند على خبرة تلقى واسعة ومدربة ومثقفة كما تستند على حدس فنى مميز، هذه الدراسات الأدبية والنقدية ضمتها مؤلفاته السبعة التى صدرت حتى الآن وهى:
- قضية الثقافة فى الأقاليم 1971.
- مصر فى قصص كتابها المعاصرين 1972.
- نجيب محفوظ صداقة جيلين 1993.
- السحار: رحلة إلى السيرة النبوية 1995.
- آباء الستينيات 1995.
- مصر المكان دراسة فى القصة والرواية 1998.
- البطل فى الوجدان الشعبى 2000.

هكذا وعلى هذا النحو من خلال هذه البانوراما السريعة فى إبداع محمد جبريل، نحن أنفسنا أمام ظاهرة إبداعية فريدة فى الأدب العربى المعاصر بشموليته وغزارة إنتاجه وتنوعه، وخصوصية خطابه الأدبى وتفرده0
والأمر اللافت للباحث أمام هذا الإبداع هو أين حظ هذه الأعمال بصدقها وخصوبتها وعمقها فى السينما المصرية وفى الدراما التليفزيونية التى حققت لمواهب وقدرات أقل شهرة جماهيرية أخص بها محمد جبريل فى واقع لا يعرف القراءة فيه سوى المنشغلين بالكتابة0



د0 السعيد الورقى

د. حسين علي محمد
11-04-2009, 07:28 PM
جيل بلا أساتذة

بقلم: محمد جبريل

نحن جيل بلا أساتذة!.. شعار رفعه - في الستينيات - صديقي الأديب الكبير محمد حافظ رجب. وكان يقصد ان الأدباء الشباب - حينذاك - اعتمدوا علي أنفسهم في إبداع محاولاتهم الحداثية. وفي الوصول إلي القارئ بلا مساعدة من الكبار!
لم يذكر حافظ رجب أنه قد قرأ الأعمال السابقة لأدباء الشرق والغرب معاً.. ذلك الكم الهائل الذي يمثل - في تلاحقه - تطور الفن القصصي والروائي. بما يجعل الجديد متصلاً بالقديم. والحالي متصلاً بما سبق.
قرأ حافظ رجب - وأدباء جيله - أعمال من سبقوهم. فلم يبدءوا من فراغ. وإن حاولوا التعبير عن الفترة والذات والمغايرة.
اقرأ الآن محاورات مع العديد من الأدباء الشباب. يؤكد غالبيتهم أنهم يتابعون الإبداعات الأدبية في امتداد قارات العالم. حتي الأدباء العرب. يسرفون في التحدث عن متابعتهم الجادة لاعمالهم.
أما أدباء الأجيال السابقة من المصريين. فإن العديد من الأدباء الشباب يحرصون علي نفي قراءة أعمالهم. ويخصون أديب نوبل نجيب محفوظ. فهم قد أبدعوا دون أن يمروا عليه.. لم يقرءوه ولا قرءوا إدريس ولا مكاوي ولا السحار ولا البدوي ولا الشاروني ولا الشرقاوي وغيرهم من رموز الإبداع القصصي والروائي في بلادنا.
الطريف - والغريب - ان محفوظ والعديد من مبدعي الأجيال السابقة. قد بلغوا العالمية. ونال محفوظ أكبر جائزة دولية.. فمحاولة إغفالهم بدعوي التأثر فحسب بالآداب العالمية. لا تعدو سذاجة ومراهقة.. بالاضافة إلي أنه من الصعب تصور أن تقتصر قراءات المبدع علي الأعمال الأجنبية. فالبديهي أن اقرأ في مرحلة التلمذة بالذات لأدباء يعبرون عن البيئة والخصوصية.. إلا إذا ظن البعض في نفسه الأستاذية مطلقاً.
ولعلنا نذكر - بالمناسبة - أحاديث نجيب محفوظ وحواراته. منذ قدم إلي الحياة الأدبية. لقد تحدث عن أساتذته الذين أفاد من كتاباتهم في صياغة تكوينه الثقافي والإبداعي.. ذكر تولستوي وملفيل وزولا وفلوبير. كما ذكر طه حسين والحكيم وتيمور وحقي.
أخشي أن فوز أستاذنا محفوظ بنوبل. قد شكل عقدة في نفوس بعض أدبائنا الشباب.. فهم يتوهمون أن الادعاء بعدم قراءتهم له. يعني عدم التأثر. والقفز إلي العالمية دون جسور.
منتهي السذاجة كما تري!..
هامش: كتب رجا شحادة المواطن الفلسطيني المسيحي. لديفيد جروسمن مؤلف كتاب "الزمن الأصفر": "يخيل لي أن المستقبل البعيد يحمل في ثناياه خطراً لإسرائيل أكثر منه لنا. لا يمكن أن ننكر حالة العالم العربي. إنه عالم يصعب جداً العيش فيه. عالم قمع. لكن إسرائيل قائمة علي تناقضات هائلة وطاقات متناقضة. تجعل وجودها محفوفاً بمخاطر كبيرة. مثلا. هناك فرق كبير بين تصور الاسرائيليين لأنفسهم وبين الواقع. انكم تعتقدون أنكم قادرون علي كل شيء جراء مقدرتكم علي التحكم بنجاح. بهذا العدد الكبير من السكان. لكن الواقع يدل علي أنكم تعتمدون بشكل كلي علي الأجانب. إنكم تذكرونني بالابن المدلل للرجل الغني الذي يعتقد أنه قادر علي كل شيء. إلي أن يجد نفسه مضطراً لمجابهة الحياة وحيداً. ليكتشف عدداً من الحقائق المحزنة".
..............................................
*المساء ـ في 11/4/2009م.

د. حسين علي محمد
11-04-2009, 07:29 PM
إلى محمد جبريل الغني عن الألقاب

شعر: د. حسن فتح الباب

(ألقيت فى حفل توقيع رواية محمد جبريل «أهل البحر»)
هذه الليلة لك
إنها موعد صحبك
جاءوا كى يوفوا لك بالعهد
يقضوا دين صديق لم يتخلف
عن كلمة حق
لحظة صدق
لصحابته .. لحوارييه.. لأبناء وآباء ورفاق
عشاق للكلمة
لم يتردد
فى شق طريق للحكمه
للحرية .. للعدل
لكرامة أبناء الوطن البرره
لجماليات القص الموفى
بشروط الإبداع
قلب خفاق بالمثل العليا
قلم أعلى يتدفق إيماناً بالشعب
ترسم ريشته صور مساجد ومآذن
أسبلة وصوامع
من زمن الصوفية عبَّاد الرحمن
كل ولىّ كأبى العباس سراج وهّاج
يخترق الظلمات
يرفع فوق صوارى الثغر الرايات
رمزاً للمجد الماضى
للنهر الآتى
لحقوق الإنسان
مرحى يا جبريل الملهم
سرد لا كالسرد كما يعرفه التنظيريون
أرحب أفقاً أجلى عمقاً
يستخرج من ظاهر هذا الكون وملكوته
سر نواة الفطره
ويصورها متناً وهوامش
من تاريخ البشريه
بين الفردوس النار الأعراف المَطْهر
ورؤى من مأساة أو ملهاة قدريه
***
سيرته الذاتية تروى
قصة عصفور بجناحى نسر
قصة يونس فى بطن الحوت
إبراهيم خليل الله شهيداً
تنقذه من نار الأفاقين عناية مولاه
المتنبى فى مصر شريداً
" نجم أوحد فى الأفق "
و " الشط الآخر " و " الأسرار "
بينهما يرقى جبريل " قلعة الجبل "
و " رباعية بحرى " بعد " ثلاثية محفوظ "
ترقى آفاق الإبداع محلياً عالمياً
لم لا يحصد جبريل
أعلى جائزة فى تاريخ الأدب المصرى العربى
وهو الطائر منفرداً فى الآفاق
ملاّح يهوى سبْر الأعماق
يبهرنا .. يسحرنا بغوايات العشاق
وعذابات رجال صمدوا فى وجه الإعصار
لا ينضب ينبوع خياله
بل هو بحر موَّار
لا أصدافاً ومحار
فاللؤلؤ مدّ جارف
والجزر عدم
***
إنى لأراه يشعل شمعته
فى أحشاء الليل الساجى .. ويغنى :
مرحى يا رواد الكلمه
لا يهدأ تعب تحت الشمس
لا يهدأ ، أبداً لا يهدأ
حتى نسحق أغلال الأمس
ونشُدَّ شعاعات الفجر
ننسجها ومضات كالحلم
فى أحضان صغير يبسم
والوجنات قلوب تخفق
ننسجها ضحكات تتدفق
فى أعين من يحمى نومه
يوقد فى الليل الشاتى شعله
بشرى للسارين على الظلمه
يتغنون بموال الصبر
فى أعين من يأتى فى الغد
فى موج جياش الفيضان
طام عات بين الشطآن
مترام من أقدام الشعب
محمد جبريل
إنى لأراه أسمعه يغنى :
يا رفقائى عشاق الإنسان
الرحلة كانت قبل الفجر
والقمر السارى لم يسفر عن وجه صديق
وحملته مأساة الليل
إنى أعلم
ألمح فى الوجه نثار غبار
وعلى المنكب من أطباق الغيم
بعض رماد
دميت أقدام تصعد فوق السطح
والسفح تجلله الأشواك
وبلوتم ما صنع الويل
إنى أعرفها
أشباحاً خائنة الأعين
كم غرست شوك الحقد الأسود
فى القاع .. على درج السفح
حتى القمه
إنى لأراه أسمعها خفقات من جبريل :
ها قد عدنا
لم يكذب رائدنا اللماح
لما أذّن إن الفجر على الأبواب
والجيل الصاعد فى شرفات الأفق
درع لمدينتنا السمراء
فى مهد الوادى .. تحت ذراع النهر
مرحى يا رفقائى مرحى
العود حميد
أيديكم يغمرها ظل البيدر
وتضيء الأوجه
وعبير الأرض الفاغم يسبى الروح
إن تخْلف أشواك الحق الهادى
بعض جراح
لا ضير
فلتبق عذابات الرحله
تذكاراً للإنسان الصاعد
***
إنى لأراه أسمعه
هذا ترنيم محمد جبريل :
العود حميد يا عشاق الإنسان
يا صناع الكلمه
غنوا الشمس على أبيات الأحرار
غنوها فى عين مدينتنا
وعيون الأحباب الشرفاء
فى عالمنا الآتى الأكبر
غنوا لن يفنى سحر الكلمه
فالليلة موعد أحبابى

د. حسين علي محمد
12-05-2009, 08:11 AM
من المحرر
لحظات الكتابة

بقلم: محمد جبريل
.......................

طبيعي أن العمل الفني يحتاج إلي تلقائية مساوية للتلقائية التي يريد الفنان أن تكون عليها صورة عمله. بحيث يحدث تأثيرا وجدانيا. هو المطلوب -ابتداء- ليسهل علي القاريء متابعة العمل. والتفاعل معه. والتأثر به. وإحداث التغير في وجهة نظره للحياة من حوله.
بداية لحظة الكتابة عندي في الإمساك بتلابيب اللحظة أبدأ الجملة الأولي. السطر الأول. الفقرة الأولي. فأجاوز العالم الذي تصورته ودخلت عالما آخر. هو عالم العمل الإبداعي: أحداث وشخصيات وملامح وتفصيلات وجزئيات ومنمنمات تتخلق من داخل العمل تفرض نفسها عليه لا شأن لها بتصوراتي المسبقة.
في تقديري أنه إذا أراد الفنان لروايته أن تكون فنا حقيقيا. فإن عليه أن يوجه تأثيرها إلي مزاج القاريء. بإضفاء صورة الحياة الحقيقية علي الأحداث تلك هي الوسيلة التي تحرص الفنون الأخري- مثل الموسيقا والتصويري- أن توجه لها تأثيرها أما الإسراف في "الصنعة" وإقحام بعض المستحدثات التكنيكية لغير سبب والإلحاح علي صورة العمل الفني بزوائد الظلال والتفاصيل فإن ذلك كله يصنع للرواية قبرا جميلا تتنعم فيه بالموت من قبل أن تري الحياة.
بالطبع فإن الفنان لا يكتب محاولاته لتزجية الفراغ أو لحفظها في الأدراج. فالعمل الفني هو وسيلة الفنان للتخاطب مع مجتمعه وهذا المجتمع لا يتشكل من ثقافة واحدة. أو درجات متساوية من الوعي أو ذوق فني عام موحد المجتمع -أي مجتمع- يتكون من أفراد لكل منهم حصيلته المعرفية ووعيه وانتماؤه الفكري والطبقي بحيث ليصح من السذاجة تصور أن فنانا ما يصل إليهم جميعا في محاولاته لذلك فإن الحرص الأهم للفنان هو أن يكون مخلصا في التعامل مع فنه ومع نفسه لتجد محاولاته جمهورها الذي قد تضيق قاعدته أو تتسع لكن هذا الجمهور هو بعض شرائح المجتمع الذي يخاطبه الفنان في محاولاته وبتوالي الأعمال فإن اتساع قاعدة المتلقين سيصبح أمرا شبه مؤكد فضلا عن قيام الاحتمال بانضمام شرائح أخري من المجتمع.
باختصار فإن الرواية الجديدة ليست مودة تختفي بقدوم مودات أخري إنها نظرية واضحة متكاملة الأبعاد قد تطور نفسها وقد تستغني عن بعض المقومات وتضيف مقومات أخري لكن المقومات الأساسية تظل في صلة الرواية العضوية بالفنون الأخري والإفادة المتبادلة بينها وبين تلك الفنون "الرواية الجديدة هي التسمية التي تطلق -الآن- علي التوجهات الطليعية في المشهد القصصي الأمريكي اللاتيني" وإذا كان من البديهي أن تكون للعمل الفني مقولته أو دلالته فإن هذه المقولة /الدلالة يجب أن تبين عن نفسها في ثنايا العمل الفني وليس من خلال الافتعال والمباشرة الإيحاء- لا التقريرية- هو قوام العمل الفني وإذا أفصح الغرض عن نفسه فقد العمل الفني صفته واستحال منشورا دعائيا.
أذكر فيلما أمريكيا شاهدته منذ سنوات بعيدة عن فنانين يعيشان في شقة واحدة أحدهما موهوب والثاني يحاول استكمال موهبته دعا الثاني أحد أصحاب المعارض لشراء بعض لوحاته فلم يجد الرجل فيها ما يستحق الشراء وقبل أن ينصرف لمح لوحة تجريدية مستندة إلي الجدار في أقصي الحجرة وعرض شراءها حالا كانت اللوحة للفنان الأول وكان الفنان ذو الموهبة الناقصة يميل إلي التقليدية في لوحاته فادعي اللوحة لنفسه ثم راح يدلق كميات من الألوان الزيتية علي مساحات من القماش قدمها لصاحب المعرض علي أنها لوحات تجريدية فرفضها الرجل بالطبع. وأتيح للفنان "الحقيقي" -ختاما- أن يحصل علي فرصته الموهبة المتكاملة التي تسيطر علي أدواتها جيدا هي الأرضية التي ينشأ العمل الفني بدونها- في فراغ.
هل يمكن لبناء أن يقوم علي فراغ؟
.....................................
*المساء ـ في 9/4/2009م.

د. حسين علي محمد
17-05-2009, 07:47 PM
محمد جبريل مع الناقد الدكتور محمد عبد المطلب في حوار لا تنقصه الصراحة:

الكتاب الأكثر مبيعاً .. جزء من التصنيع "الإعلامي"
20% من الروايات الحديثة تستحق هذه التسمية


قد يختلف قرَّاء الناقد الكبير د. محمد عبد المطلب في جرأة آرائه واجتهاداته. وقد يبلغ الاختلاف درجة الخصومة. لكن الأمر الذي لا يختلف فيه اثنان أن ما يصدر عن د. عبد المطلب هو تعبير عن قناعاته الشخصية التي تستند إلى قراءات متعمقة وتحليل وتعرف إلى الأبعاد الحقيقية للإبداع الذي يناقشه.
*قلنا ما رأيك في ظاهرة الكتاب الأكثر مبيعاً، والتي يري البعض أنها تستهدف الترويج لبعض دور النشر؟
قال : هذه الظاهرة مرتبطة بمسألة تصنيع الكاتب والكتاب. كنا نعرف أن الكاتب يمر بمرحلة الطفولة والنضج، ثم الاكتمال. مثل نجيب محفوظ ويحيي حقي. وثمة لافتة ظاهرة هي أن المبدع بكتاب وحيد يحاول أن يفرض نفسه علي المجتمع الثقافي وهذا نوع من التزييف؛ لأن الخديعة توحي بأهمية النص. رغم أنه ليست هناك إحصاءات دقيقة، إنما هي جزء من التصنيع الإعلامي. وفي رأيي أن هذه الظاهرة تنطلق مما يمكن أن أسميه تصنيع النصوص فبحكم أني رئيس تحرير سلسلة "أصوات أدبية" أجد أن معظم النصوص التي اقرأها مصنعة تصنيعا حرفيا هناك أعمال مفردة خدمت إعلاميا! ومن ثم فان بعض المبدعين يقرأون هذه الأعمال ويجدون فيها ركائز أساسية ويتشبهون بها وقد تتبعت هذه الركائز فوجدتها تدور حول فساد السلطة. والشخوص المدمرة أخلاقيا والإرهاب والفتنة الطائفية وأولاد الشوارع لم تخرج رواية عن هذه الركائز وقد تجتمع فيها ويتم ذلك بشكل مقصود مما يدفع بالنص إلى الهبوط.
هناك أيضاً ظاهرة في النقد الأدبي تقول إن السرد ـ أو النصوص الحديثة ـ قد تمردت علي النصوص القديمة وعلي القواعد المحفوظة وهي بذلك تفتح لفاقدي الموهبة أن يكتبوا ما يكتبون، ويطلقوا عليه اسم «رواية»!
ثمة ترهلات وتقريرية تضر بالعمل الإبداعي، وثمة من يرى أن الواقعية السحرية منتعشة. ورأيي أن عشرة % أو عشرين% لا يستحق أن يسمي رواية، ما قرأته هو هذيان وخطأ في فهم الواقعية السحرية الواقعية في بعدها الفلسفي تقول إن غير المعقول يمكن أن يصدق علي ما هو معقول، أما ما نقرأه فهو قائم علي فهم خاطئ أدى بالواقعية السحرية إلى أشياء تبعد عنها تماما.
*قلنا: الملاحظ أن الجوائز المصرية والعربية يتحكم فيها مجموعة من النقاد. بحيث غابت قيمة تلك الجوائز؟
قال: الواقع أني عندما اقرأ أسماء أعضاء لجنة تحكيم جائزة ما أعرف فوراً من سيحصل علي الجائزة، وللأسف فقد تدخلت الآن دور النشر بما تملك من وسائل لتفرض اختيارها على المحكمين الذين يختارون الفائز. وهناك جهات تعطي الجوائز ثم تترجم النصوص ومن متابعتي أجد أن معظم النصوص اخترقت السقف الثقافي والديني اختراقا بلا فنية وبلا إبداع! ويوظف هذا الاختراق فنيا. لكن ما يحدث أنها مخترقة عمداً، وأعرف أن البعض أبلغ بنفسه عن كتابه إلى الجهات الرقابية كي يصادر فيحصل علي جائزة!
إنها نصوص أقل من العادية لكن لا ينظر فيها إلى القيمة الفنية، وإنما إلى ما تحمله من اختراقات للثقافة! لقد أصبحت الجهات الإعلامية هي التي تعطي الرنين الإعلامي. وهي التي تشير إلى من سيحصل علي الجائزة! ويسأل النقاد أنفسهم لماذا لا نكتب عن فلان طالما انه قد كتب عنه في الصحف؟ لماذا لا أسير في الموكب؟ وكلما كتبت الصحافة ساعدت النقاد علي تسويق العمل وعلي سبيل المثال فلو أننا نظرنا إلى جوائز الجامعة الأمريكية فسنجد أن من حصل عليها لابد أن يكون مخترقا. الاختراق هنا قد يكون لصالح الآخر؛ فالأعمال الفائزة وفق الشروط الخاصة!! خطورة الأمر أننا بهذه الكيفية نخدع الخارج نحن نعدد الطبعات ونقدم علي الترجمة وهي ظواهر لم تحدث لدى حقي ومحفوظ فيزداد الطلب من الأقطار العربية.
*قلنا : هل للنقاد دور في نشوء الظاهرة واتساعها؟
قال : أنا لا اعفي النقاد من هذا التردي الذي نعيشه. وبخاصة أن بعض النقاد الكبار يكتبون عن نص حقق شهرة أو ذيوعاً أو يتم الأمر مجاملة وأسوأ ما في النقد وبالذات بين الجيل الجديد أنه أصبح مثل الرواية يتم تصنيعه. إنه أشبه بعدة السباكة يحملها الرجل في حقيبته. عدة آلات محددة يتعامل بها مع جميع الأجهزة. والنقاد يتناولون العنوان والاستبطان والاسترجاع وكأن النصوص كلها أصبحت نصاً واحداً لا فرق بين هذا وذاك! والمؤسف أن هذا أدّى بدوره إلى أن الواقع الأدبي جعل المبدعين هم الذين يتابعون النقاد بدلا من أن يتابع النقاد المبدعين فالمبدعون ينشدون رضا النقاد الذين يكتبون عنهم وتحدث مزاحمة غير شريفة بين الرواية والشعر. لكن النص الشعر مازال محترما. لم يجر وراء تلك الظواهر المدمرة.
*قلنا: في كتابك "بلاغة السرد النسوي" قلت إن قراءة الشعر التي تفرغت لها حرمتك من متعة قراءة الخطاب الروائي ثم جاءت قراءات محددة بأسماء بعينها. لماذا الاختيار والترك؟
قال : اعتقد ان الاختيار في ذاته قيمة. ليس هناك ناقد يستطيع مهما أوتي من قوة ذهنية وبدنية أن يتابع كل النصوص فالاختيار مفروض عليه واختيار المرء كما يقول أبو هلال العسكري جزءٌ من مذهبه. لا أاستطيع أن اكتب عن كل الكاتبات. لكن الطباعة لا تسمح إلا بالاختيار. ولعلي أعترف أن هناك مبدعين ومبدعات لم أكتب عنهم. هم جديرون بالكتابة. ربما بدرجة أقوى ممن كتبت عنهم.
*قلنا: أنت من النقاد العاشقين للغة العربية.. ما انعكاس ذلك في قراءتك المختلفة؟
قال: هناك كارثة في النصوص الأدبية كلها، واللغة بخاصة. فهي مهلهلة وكتابها ليسوا فاقدي الموهبة. بل يفتقدون المعرفة اللغوية. ودون تحديد أسماء. فثمة خطاب روائي من 110 صفحات قرأته فوجدت به 293 خطا لغويا ونحويا فضلا عن العجمة والرطانة والألفاظ غير العربية. وقرأن نصا شعريا تعمد التعالم باللغة الانجليزية ويؤسفني أن أشير إلى أن النقاد المغاربة لهم دور في هذه الظاهرة؛ فهم يميلون إلى نحت كلمات لا أصل لها في اللغة العربية! لقد نحت السابقون علينا كلمات مثل الكليات والجامعة والأستاذ والمحكمة والنقض والاستئناف وهي كلمات عربية صحيحة. لكن الترجمة مفسدة. وهناك مترجمون يمثلون عاراً على الأمة العربية.
*قلنا: في تقديرك: ما مدي خطورة انتشار الشعر الشعبي في الأقطار العربية علي الفصحى؟.
قال: في كل لغات العالم هناك مستويات؛ مستوى لغة التخاطب والمستوي الفصيح وله سياقه الذي ينتشر فيه، والعامية لها السياق نفسه، ويجب ألا تكون هناك خصومة بين الطريقتين وأذكر أني كتبت دراسة عن رباعيات صلاح جاهين فوجدت أن 80% من كلمات الرباعيات فصيحة، وديوان سيد حجاب معظمه تقريبا فصيح.
لا خصومة بين الفصحى والعامية فلكل منهما سياقه المطلوب.
قلنا : أخيرا ما رأيك في الجيل الجديد من المبدعين؟
قال : للأسف هذا الجيل سريع الطموح يريد أن يقفز لكن القفز غير المحسوب يقود الي السقوط. ومعظم الجيل الجديد يقفزون. مما يؤدي إلى سقوط النص. وهذا ينسحب أيضاً علي النقاد الجدد.
.......................................
*المساء ـ في 16/5/2009م.

د. حسين علي محمد
17-05-2009, 07:49 PM
من المحرر:
الرواية بين التراث وصورة حياتنا المُعاصرة

بقلم: محمد جبريل


لأستاذنا نجيب محفوظ مقولة مهمة : "مانريده للرواية العربية الآن. هو أن تكون لها شخصية مميزة أصيلة. أنا عربي لا لبس في ذلك. وأريد ان نصل الي رواية ذات شخصية عربية مميزة. كل مانستطيع ان نفعله الآن. هو أننا عندما نجد أن موضوعنا يحتاج الي اسلوب استعمله كافكا مثلا. أن نستعمل هذا الأسلوب بصدق. وأن ندخل عليه من ذاتيتنا. بحيث إن القارئ الذكي عندما يقرأه يقول: هذا كافكا صحيح. لكنه تطور. مانريده هو تطور كاسح في هذا المجالي.
أعيب تلك المحاولات التي استهدفت بعث القالب القصصي الروائي. لكنها عادت كما يقول محمد عابد الجابري: "لتمتح من معين التراث لا لتطويره".. وفي المقابل فإني اعيب من يجعلون الحداثة الغربية وحدها هديا لهم يتبعونها يقلدونها انهم لا أكثر من نقلة واذكر ان محمود صبح وهو من علماء الاندلسيات ويشغل وظيفة استاذ الأدب العربي بجامعة مدريد المركزية روي أن طلبته اعجبتهم أبيات من الشعر العربي القديم. وإن غابت معانيها الي حد ما عن أذهانهم لأن ذلك الشعر هو الاكثر تعبيرا عن طبيعة العربي في محيطه. في حين ان هؤلاء الطلاب رفضوا معظم الشعر العربي الحديث المترجم للاسبانية.
التراث هو حلقات أولي في السلسلة التي نمثل الآن حلقتها الاخيرة. لكننا بالقطع لسنا آخر حلقاتها . نحن نقرأ تراثنا ونستوعبه. ونقرأ تراث الغرب ونستوعبه. لكننا نحرص ان ترتكز ابداعاتنا في الدرجة الاولي الي "نحن" الي تراثنا في الدين والعلم والسياسة والاقتصاد والآداب والفنون. والي قيمنا ومثلنا. هذا هو الابداع الخاص بنا. الذي ينبغي الا نجاوز اطاره المحدد. حتي لايجرفنا التقليد. فنحاكي الغراب حين قلد مشية الطاووس. وحتي لاننكفئ علي الماضي. نجتره. ونرفض الجديد والاضافة. فنرتمي بارادتنا في حضن الجمود .. نحن نستلهم التراث. ونحرص في الوقت نفسه علي الانفتاح علي تقنيات الرواية الحديثة.
أشير الي تأكيد الكاتب الروسي سوفرونوف بأنه اذا وضع الكاتب عينا علي تراث بلاده. فإن عليه ان يضع العين الاخري علي العالم الذي يتحرك من حوله.
نحن نتمثل التراث. نمزجه بثقافتنا وخبراتنا ورؤيتنا للأمور. ثم نحاول ان نصنع من ذلك كله. شيئا جديدا. لانسعي الي بعث التراث. وانما نحاول استنطاقه. استلهامه. توظيفه. قل ماشئت من مسميات. لكن التراث يظل في النهاية تراثا. والمعاصر يجب ان يكون تعبيرا عن الفترة التي صدر فيها. وصدر لها.
نحن في توظيفنا للتراث نغربله بداية. نفرزه. ننقيه. ثم نتجاوز ذلك كله. فنثري معطياتنا بنصوص غير مقلدة. وقادرة علي الاجتهاد.
إن من حق وواجب كل جيل. أن تكون له تجربته الخاصة. المميزة.
وإذا كنا مطالبين بعدم الانكفاء علي الذات. والاكتفاء بما خلفه الاجداد من موروث ثقافي وحضاري فإننا مطالبون في الوقت نفسه بألا نعتبر كل مايبدعه الغرب مثلا يجب ان نحتذيه.
العلاقة الجدلية تفرض الحوار. والموافقة. والرفض. وإبداء الرأي. واتخاذ الموقف الذي يعبر عن خصوصية حياتنا عن عاداتنا وتقاليدنا. ووجوب اتصال ماضينا بحاضرنا. وعن استشرافنا للمستقبل. من الخطأ ان نرتمي في حضن التراث. كما انه من الخطأ ان نرتمي في حضن الثقافة الغربية. نحن نفيد من التراث في تحقيق التواصل. ونفيد من الثقافة الغربية في تحقيق المعاصرة. ونفيد من التراث والثقافة الغربية في آن معا. في تحقيق شخصيتنا المتفردة. في صياغة ملامح متميزة لابداعنا وفكرنا. وثقافتنا الخاصة عموما.
الاصوب ان نقدم معطياتنا نحن. لانكتفي بالتلقي. بالنقل. أو التلخيص. أو حتي الاستلهام. وإنما يجب ان نضيف إبداعنا الآني. وفكرنا الآني. وتعبيرنا الآني عن صورة حياتنا المعاصرة.
.......................................
*المساء ـ في 16/5/2009م.

د. حسين علي محمد
21-05-2009, 01:30 PM
كتابات معاصرة

بقلم: محمد جبريل

أعادني الصديق الشاعر شعبان يوسف في مقالة له في "القاهرة" عن كتابات معاصرة إلي البدايات الأولي لهذه السلسلة. والتأثير الذي كنا نتمنى أن تحدثه في حياتنا الثقافية.
كانت كتابات معاصرة فكرتي الشخصية. بهدف التقليل من حدة المجايلة وما أحدثته من مسافة واسعة بين الأجيال المختلفة. فالنشر يقتصر في عمومه علي الأسماء المعروفة. وليس كما يحدث الآن. لدينا إشراقات وإبداعات والكتاب الأول وغيرها. وغالبية المسابقات تضع الخامسة والثلاثين سقفاً لمن يريد الاشتراك فيها.
كيف أغري القارئ بمحاولة الاطلاع علي ما تصادفه عيناه. بعيداً عن الفوارق الطبقية الأدبية بين الأجيال؟
لأني أعترف لست ممن يجيدون فنون الإدارة. فقد عرضت الفكرة علي صديقي الفنان صبحي الشاروني. ووافق أن يتولي الناحية الإدارية إلي جانب الناحية الفنية. وهو ما أتاح لكتابات معاصرة أن تصدر رغم ضعف الإمكانيات بصورة جيدة.
أظهر نجيب محفوظ والسحار والبدوي وغراب وعبد الحليم عبد الله وغيرهم من كبار الأدباء تعاطفاً مع الفكرة تقاضيت من كل أديب خمسة جنيهات مقابلاً لمشاركة عدد من الأدباء الشباب أيامها مجموعة قصصية. وشارك كبار الفنانين التشكيليين حتى الذين لم يسهموا من قبل في جهد صحفي مجاملة لصبحي الشاروني بلوحات تعبر عن أحداث القصص. حظي الجميل أن قصتي"الخيوط" عبر عنها رسم للفنان الكبير الراحل صلاح عبد الكريم.
اخترنا للمجموعة اسم "قصص قصيرة". وعهدنا بها إلي الناقد الراحل الدكتور غالي شكري. فكتب دراسة مطولة بدا فيها انحيازه إلي الجيل الطالع من الأدباء مقابلاً لملاحظات سلبية في إبداعات الكبار. وكتب يحيي حقي في "المساء" مقالة بعنوان "شتموهم بفلوسهم" أبدي فيها عجبه من أن يدفع الأدباء الكبار نقوداً لتحقيق فكرة المشاركة بين الأجيال. لتطالعهم ملاحظات قاسية في المجموعة التي ساندوها بفلوسهم!
لكن المجموعة والفكرة بعامة حققت نجاحاً تبدي في استقبال وسائل الإعلام. وكم كانت سعادتي وأنا أتابع شكري عياد يتحدث في برنامج تليفزيوني عن هذه المجموعة المهمة والتعبير له واقرأ غسان كنفاني في الحرية البيروتية يتحدث عن اثني عشر أديباً كبيراً صرنا. نحن الطالعين. منهم! صدرت لهم مجموعة قصصية لافتة.. وكتابات أخري كثيرة.
أردفنا المجموعة الأولي الناجحة بمجموعة أخري. كتب لها الناقد الراحل جلال العشري دراسة بعنوان "عاصفة علي القصة القصيرة" فأبدي الكثير من الملاحظات السلبية. إلي حد توقع وفاة جنس القصة القصيرة. وأذكر أني كتبت في "المساء" مقالة بعنوان "عاصفة علي النقد أم علي القصة القصيرة" ناقشت ما ذهب إليه العشري في مقالته.
حققت كتابات معاصرة في إصداراتها التالية. المتوالية ما بين مجموعة قصصية ورواية ومسرحية نجاحاً واضحاً. وظللت علي تحمسي لها بعد أن أدارها الشاروني بمفرده بمقدرة فنية وإدارية جيدة.
............................................
*المساء ـ في 13/10/2007م.

تعليق، بقلم: د. حسين علي محمد:
عاصرتُ هذه التجربة أثناء دراستي الجامعية، وكنتُ أتابعُها من خلال معرفتي بالروائي محمد جبريل، والفنان التشكيلي الدكتور صبحي الشاروني (شقيق القاص يوسف الشاروني وكاتب أدب الأطفال يعقوب الشاروني)، وكتبتُ عن أحد إصدارات السلسلة في مجلة "الأديب" اللبنانية، في الأعوام الأولى من سبعينيات القرن المنصرم.
وقد قدمت هذه السلسلة عدداً من الأعمال، منها "قصص قصيرة" ليحيى حقي وثروت أباظة ونعيم عطية ومحمد جبريل، بمقدمة غالي شكري (قبل أن يصير دكتورا)، و"الأقمر" لإسماعيل ولي الدين، و"سكر مر" لمحمود عوض عبد العال بمقدمة الدكتور حمدي السكوت ... وغيرها.
وأتساءل أحياناً .. لماذا لا يتكاتف الأدباء لإنجاح مشروعاتهم الأدبية في النشر؟ ولماذا لا تستمر مثل هذه المحاولات النبيلة وتقدم جيلاً بأكمله؛ كما فعلت دار النشر للجامعيين التي نشرت لمحفوظ وباكثير والسحار وإبراهيم المصري ... وغيرهم أثناء الحرب العالمية الثانية؟!

د. حسين علي محمد
23-05-2009, 05:02 PM
من المحرر
إلي فاروق حسني

بقلم: محمد جبريل
.....................

ظل عبد العال الحمامصي قاسماً مشتركاً في الساحة الثقافية. خلال ما يقرب من الخمسين عاماً. أسهم - محرراً وكاتباً - في العديد من الصحف والدوريات. وأذكر أن أول لقاءاتي بالحمامصي - بداية الستينيات - في مجلة اسمها "العالم العربي". كان يكتب معظم موادها. باسمه أحياناً . وبأسماء مخترعة في معظم الأحيان. وإذا كانت سلسلة "إشراقات أدبية" وبابه الأسبوعي "شيء من الأدب" في الزميلة "أكتوبر" هما الإسهام الأحدث للحمامصي. فإن إسهاماته تواصلت خلال العقود الخمسة - وربما الستة - الماضية. مابين إبداعات شخصية ومشاركات فاعلة في واقعنا الثقافي. فقد توالي انتخاب الحمامصي في عضوية مجلس إدارة اتحاد الكتاب. منذ تأسيس الاتحاد إلي عام الانتخاب الأخير. الأمر نفسه في أمانة مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم. وفي جمعية الأدباء. ونادي القصة الذي يرأس الآن مجلس إدارته. وتنقل الحمامصي بين القرى والكفور والنجوع. يشارك في المؤتمرات والمهرجانات. ويسلط الضوء علي الطاقات المبدعة. وكانت هذه الأنشطة عاملا مهماً في توثيق صلة عبد العال بالمبدعين. والمثقفين بعامة. علي المستويين الشخصي والجمعي.
ويعترف الكثير من الأدباء - في امتداد الأقاليم المصرية - بمساندة الحمامصي لخطواتهم الأولى، وحرصه علي تقديم المواهب الحقيقية. من خلال مقالاته وتحقيقاته في "الزهور" ثم في "أكتوبر" ومازالت أذكر مهرجان محافظة سوهاج السنوي لتكريم ابن أخميم عبد العال الحمامصي. وهو المهرجان الذي شارك فيه - بالإضافة إلي أدباء المحافظة - عدد هائل من كبار المثقفين المصريين.
أما القيمة الإبداعية لعبد العال الحمامصي. فلعل أبرز ما يميزها هذه السمة التي تبين عن المكونات الأهم للشخصية المصرية في المعتقدات والعادات والتقاليد. وهو ما أفدت منه شخصيا في قراءتي للإبداعات المصرية المعاصرة.
عبدالعال الحمامصي يواجه الآن محنة مرضية قاسية. تحتاج - لإسكات آلامها - إلي آلاف الجنيهات.
ظني أن أبسط حقوقه علي حياتنا الثقافية، التي مثل فيها - علي مدى السنين - ملمحاً أساسياً أن توفر له وزارة الثقافة. ممثلة في الوزير فاروق حسني. إمكانات العلاج. تعبيراً عن الوعي والفهم والتقدير. وأن خدمة الغز ليست علقة دائماً، وإنما قد تكون تعاطفاً ومساندة في الأوقات الصعبة.
لا أعرف موقف اتحاد الكتاب من المحنة التي يعاني عبدالعال الحمامصي تأثيراتها - وكان الرجل عضواً في مجلس إدارته. وتولي فيه مناصب مهمة. منها السكرتير العام. ونائب الرئيس - لكن توالي الأيام أسرع من محاولة السؤال والمحاسبة. ما يحتاج إليه عبدالعال في ظروفه القاسية. الحالية. أن يعالج علي نفقة الدولة. باعتباره مبدعاً. له قيمته بين كتاب القصة القصيرة. ومسئولا ثقافياً. قد نختلف معه. لكن من الصعب أن ننكر إسهاماته الإيجابية في العديد من الإصدارات. وفي الدفع بعشرات المواهب لتحصل علي المكانة التي تستحقها في الساحة الإبداعية.
..........................
*المساء ـ في 23/5/2009م.

د. حسين علي محمد
24-05-2009, 04:13 PM
صورة «منصور سطوحي» في رواية «الصهبة» لمحمد جبريل



بقلم: أ.د. حسين علي محمد




(1)

«منصور سطوحي» بطل رواية «الصهبة» (1990م) طالب بكلية العلوم، لم يختر الكلية، وإنما اختارها له أبوه صاحب السلطة الأبوية القاهرة. الذي يُريد أن يكون ابنه نسخة منه.
والقارئ للرواية يُلاحظ ـ على امتداد صفحاتها ـ أن الأب تعمّقت في داخله مفاهيم «السيطرة الأبوية» عن طريق القهر والقوة، وهو يريد إلغاء الطرف الآخر وإقصاءه ـ الذي هو ابنه ـ .
ويموت الأب، ولكن الأم تحاول أن تُذكِّر «منصور سطوحي» بسطوة أبيه دائماً، وتستحضر جبروته الخفي حتى يظل حاضراً في صفحات الواقع المعيش.
لقد هجر «منصور سطوحي» كلية العلوم ـ التي اختارها أبوه، والتي لم يحبها هو في بومٍ ما ـ ويُريد أن يُدير المكتبة التي تركها أبوه، واستمر إغلاقها تسعة أشهر بعد وفاته، كما يود أن يغير اللافتة، ولكن أمه ترفض.
ويلتقي «منصور سطوحي» في المقهى ـ الذي يقضي فيه أمسياته ـ ببدر المنشاوي (الموظف بأرشيف الحقانية)، وجابر محجوب (ميكانيكي سيارت بشارع قبو الملاح)، وحسن الهُن (بقصر ثقافة الأنفوشي).
يسمع «منصور سطوحي» من صديقيه طقوس «الصهبة»: «إن المرأة التي لا تُنجب، والتي يشق عليها الإنجاب تقف في المزاد، حتى يُرفع النقاب فيزول العقم»(1).
نادت الصهبة البطل «منصور سطوحي» فاستجاب لها، ودخل المزاد، وفاز به، وكانت طقوس «الصهبة» التي نظّمت هذا الاحتفال الحاشد تفرض على «منصور سطوحي» بعد رفع النقاب أن يمضي بالمرأة خطوات، ثم يتركها. ولكنه نسي هذه الطقوس حينما رفع النقاب فرأى المرأة جميلة:
«الوجه كان كالجنة، ليست من السيالة ولا بحري، ولا من الحياة نفسها، كأنها تنتمي إلى عالم السحر الذي يجوس داخله»(2).
ويفقد «منصور» المكبوت دائماً من أبيه ـ قدرته على السيطرة على ذاته، فيقيل المرأة في ثغرها، ويطوقها بساعدي الحنين فلا تستطيع فكاكاً منه، ويخيم الوجوم ـ الممزوج بالدهشة المُباغتة ـ على المتفرجين الذين كانوا يُشاركون في طقوس «الصهبة» ، ولكنهم لا يُحاولون أن يمنعوه من فعلته الشنعاء التي ارتكبها، أو أن ينتزعوا المرأة من بين أحضانه، وحين يفوق من غاشية السحر التي أصابته يتراجع إلى الخلف، فيفسحون له الطريق، ويترك الساحة إلى شارع «حداية».
«تراجع إلى الخلف فأفسحوا لـه الطريق. عدّل من وقفته وسار إلى الأمام فانفرجت اللمة الصامتة، سار بخطوات متثاقلة كأنه يجر خوف الحياة كلها .. بدت المسافة من منتصف الساحة إلى أول شارع «حداية» بعيدة، أو أنها المستحيل. ماذا يفعلون لمن يُخالف ما توارثوه؟ ولماذا تركوه حتى أنهى ما فعل؟ ومن أين تأتي الضربة المُقبلة؟»(3).
لقد قلب طقس «الصهبة» حياة «منصور سطوحي» رأساً على عقب «فهو يعيش ـ منذ هذه اللحظة ـ حياة المُطارَد الذي لا يدري من أين ستأتيه الضربة المنتظرة؟. إن الشك بدأ يسم حياته وحس التهديد الخفي لا يُبارحه، وفي أحلامه تزوره هذه المرأة المجهولة ، فتلاقيه في الميناء الشرقية مرتدية الملاءة وإن خلعت النقاب. وتُوافيه في منامه فيصحو وهو لا يدري إن كان ذلك حقا أم خيالاً. ويلتمس العون من الشيخ عرفة الدجيش إمام المسجد، ومن أصدقائه، ولكن لا أحد يستطيع أن يُنقذه مما يُعانيه، فيقدم بلاغاً لنقطة شرطة الأنفوشي، بناءً على اقتراح من أخته «منيرة»:
ويفاجئه الضابط:
« ـ كل التحريات أثبتت أن الصهبة التي أبلغت عنها من شغل خيالك ..
بحلقت عيناه:
ـ لكنني شاهدتها بنفسي ..
هز الضابط رأسه:
حتى روّاد المقهى نفوْا أنهم حادثوك في الأمر من أصله ..
لم يخف دهشته:
ـ بدر المنشاوي وجابر محجوب؟.
قاطعه الضابط:
ـ وحسن الهن .. وغيرهم .. أجمعوا على أنهم لم يروا شيئاً .. ولم يُحادثوك في أي شيء مما تصورته ..
أهمل ما حرص عليه من تأدب:
ـ أنا لم أتصور! .. كل ما رأيته صحيح .. وشاهدته ..
صاح الضابط:
ـ هل تتعاطى شيئاً؟ ..
قاوم انفعاله:
حتى السيجارة لا أدخنها ..
تخلل صوت الضابط رنة سخرية:
ـ إذن تغط جيداً قبل أن تنام! .. »(4).
فارق «منصور سطوحي» صديقيه بدر المنشاوي وجابر محجوب، وقرر أن يقطع علاقته بالجميع «فلا يفتح المكتبة، ولا يتردد على المقهى، يُلازم حجرته، فلا يهجرها»(5).
ولكن طقوس الصهبة تُطارده.
فما أن اتخذ قراره، حتى طاردته في عقر داره، وهذا النص يكشف ذلك:
«لما سلّم وأولى الطريق ظهره، كان قد اتخذ قراراً بأن يلزم البيت لا يُغادره، لا يرى أحداً ولا يراه أحد. تعالت زغاريد وأصوات طبول ومزامير ونايات ودفوف ودربكات وشخاليل. تصوّر ـ لفرط اقترابها ـ أنها في داخل الشقة.
انتطر من فراشه.
جرى إلى الصالة، أمه ومنيرة وماجد غلبتهم الحيرة فاكتفوا بتبادل النظرات.
قال:
ـ هذه أصواتهم ..
تساءلت الأم:
ـ من هم؟
همس:
ـ الصهبة»(6).
وتنتهي رواية «الصهبة» بانجذاب «منصور سطوحي» إلى «الصهبة» ثانية، وتتساءل الأم: هل انجذب؟ في حين «يهمس في أعماقه هاجس: لكي تفر مما يشغلك، اقذف بنفسك داخله»(7).
(يتبع)

د. حسين علي محمد
24-05-2009, 04:15 PM
(2)
«منصور سطوحي» مُطارد باستبداد والده، وهو ضحية لهذا الاستبداد. ويتجلى استبداد والده في عدة مواقف تختزلها الرواية. فحسبها بصفحاتها القليلة التي تقترب من المائة أن تُشير، لا أن تُفصِّل.
وفي بنية رواية «الصهبة» التي تميل إلى المُقابلة، نرى الموقف والنتيجة متجاوريْن من خلال لا وعْي البطل، وسنتوقف أمام ثلاثة مواقف:
*الأول: حينما أحب البطل قرض الشعر (من الطبعي أن ذلك كان في فترة المُراهقة، لكن القاص لا يُشير) فقد أشار عليه والده بدخول القسم العلمي ـ لا الأدبي الذي يُوافق هوايته ـ ثم أشار عليه فيما بعد بالكلية العلمية، وفي الجمل التالية لاستدعاء هذا الحوار يُقرر الروائي النتيجة بأن البطل رسب، ثم هجر الدراسة في كلية العلوم، بلا تردد، بعد وفاة أبيه.
«كان الشعر هوايته ... لكن انزعاج أبيه بدا واضحاً لمّا عرف نيته:
ـ كيف تفكر في مستقبلك؟
قالت الأم:
ـ اتركْه وما يفضله ..
قال وهو يهز قبضة يده:
ـ حتى الموت .. فأنا المسئول عن حياته ..
همس بقلق:
ـ ذلك ما أحبه ..
اقترب منه كأنه يهم بضربه:
ـ لن تعرف مصلحتك أكثر مني ..
سأل:
ـ ولماذا القسم العلمي؟ ..
قال:
ـ الكليات النظرية تُخرِّج مدرسين أو متعطلين ..
أضاف وهو يضغط على الكلمات:
ـ المستقبل للكليات العملية
رسب أول عامين في كلية العلوم .. ونجح ـ بالخوف من أبيه ـ في العامين التاليين، فلما مات أبوه هجر الدراسة بلا تردد»(8).
*الثاني: تدخل والد منصور في اختياراته لأصدقائه:
«رفض أبوه صداقته من ابن عم هلول الفكهاني:
ـ صادق من هو في ثوبك ..
وهو يُغالب ارتباكه:
ـ عبد الهادي في نهائي الطب ..
عبَّر تدلي الشفة السفلى عن استياء:
يهمني أصله لا مهنته ..
أردف كلماته بنظرة صاعقة، كوّمته في نفسه»(9).
والفقرة السابقة على هذه الفقرة تحدد للقارئ أي صداقة ارتبط بها «منصور سطوحي» بعد رحيل والده. إنها ـ كما أشرنا من قبل ـ صداقته ببدر المنشاوي (الموظف بأرشيف الحقانية، وجابر محجوب (ميكانيكي السيارات)، وحسن الهُن (الموظف بقصر ثقافة الإسكندرية، وهي كلها صداقات مع أبناء الشعب من الطبقات الكادحة والفقيرة.
*الثالث: تدخل الأب في تصرفات ابنه الذاتية، فهو الذي يُقرِّر لـه متى يحلق شعره، فتراه يُقرر ذات يوم أن يحلق رأس ابنه ويتركه دون شعر (ربما فعل ذلك ليجبره على الجلوس في البيت والمُذاكرة، حيثُ يُشير النص بأن الوظيفة المطلوبة من «منصور» هي المُذاكرة فحسب):
«كانت تُشقيه ملاحظات أبيه: هل تظن أنك تقوى على فعل ذلك؟ .. أنت تفعل ما أقرره. وظيفتك الوحيدة هي المُذاكرة. دع لي الأمر ولا تفكر فيه. سأقر الصواب فيما بعد.
وهمس يوماً في أذن الحلاق، وغادر المكان. جرى الحلاق بالماكينة على رأسه في منتصفها، قهرته المُفاجأة، فظل صامتاً، أتم الرجل ما بدأه، وإن لم يُفلح في مُغالبة الدموع التي طفرت من عينيْه»(10).


***
ونتيجة لما مضى لا يحمل البطل «منصور سطوحي» أي ذكرى طيبة لأبيه:
«قال كمن يهمس لنفسه:
ـ كنتُ أتمنى أن أحب أبي بدلاً من أنْ أخافه»(11).
ولعل كلمته «يهمس» في الوصف، مع الإشارة للخوف في الحوار دليل على سلطة الأب، وعلى سطوته، حتى بعد رحيله!
وتُحاول أم «منصور» بعد موت أبيه ـ أن تقوم بنفس دور الأب الذي كان يقوم به «فهي تنتمي إلى ذلك العالم الآفِل، الذي يُحاول مُمارسة نفس طقوسه في القهر والتحكم والسيادة المُطلقة رغم تغير الظروف»(12).
فحينما أراد أن يفتح المكتبة التي ورثتها الأسرة عن الأب بعد الوفاة بتسعة أشهر، وقفت الأم في وجهه:
«قالت في نفاد صبر:
ـ ماذا تريد؟ ..
كأنه ينتظر السؤال:
ـ المكتبة ..
تقوّس حاجباها:
ـ مالها؟ ..
قال وهو يعدل ـ بعفوية ـ ياقة البيجامة:
ـ منيرة تزوّجت .. وماجد يستعد للوظيفة ..
أضاف بسرعة كأنه يقضي على التردد داخله:
ـ حرام أن تظل المكتبة مغلقة ..
حدّقت فيه بنظرة غير مصدقة:
ـ إنها كل ما تركه أبوك .. فهل ترثه بمفردك؟ ..
وهو يُقاوم انفعاله:
ـ ولماذا لا أُديرها لحسابنا؟ ..
اصطنعت التعجب:
ـ وتهجر المقهى؟!..
وشاب صوتَه تذلل:
ـ أريد أن أستقل بحياتي .. فساعديني! ..
قالت في لهجة جادة:
ـ أُفضِّل أن أبيع المكتبة ليتقاسم ثمنها الجميع ..
وعلا صوتها:
ـ لا تنس أني امرأة .. ولا مورد لي! ..
فال بتعمد واضح للدهشة:
ـ أنتِ أمي كذلك .. وأنا مسئول عنك! ..
غلب النشيجُ صوتها:
ـ من كان يتحمل مسئوليتي .. مات! ..» (13).
إن هذه الأم تنتمي إلى الماضي الذي مات ولا يُريد أن يرحل، وإنما يُريد أن يُمارس سيطرته على الأحياء .. وهي تتذكّر زوجها ـ والد البطل ـ وتصفه بأنه «كان رجلاً فاضلاً»(14) (كأن منصور سطوحي غير ذلك، فلا هو رجل، ولا هو فاضل.
إن «منصور سطوحي» في نص «الصهبة» يبحث عن ذاته في مواجهة الآخر الغائب / الحاضر (أو بتعبير آخر: الميت / الذي يُمارس حياته من خلال الأم).
وأمه لا تتركه يفعل ذلك أو يحققه، وتظل هي صوت الأب الراحل المقيم، والغائب / الحاضر من خلال من خلال إعلانها عن وجوده في كل لحظة:
قالت وهي تمسح دمعة في طرف عينيها:
ـ يجب أن تحرص على ذكرى أبيك.
قال باستهانة:
ـ على ذكراه لا على جثته! ..
زعقت:
ـ هل كنت تجرؤ على قول هذا في حياته؟ ..
قال كمن يهمس لنفسه:
ـ كنت أتمنى أن أحب أبي بدلاً من أن أخافه! ..
... تحشرج صوتها:
ـ ألم تكن تحب أباك؟ ..
مسح الحجرة بنظرة غير واعية:
ـ كنت أحبه .. لكني كنت أخافه أكثر! ..
استطرد وهو يغمض عينيه بتأثر:
ـ ليتني أطعته لأني اقتنعتُ بآرائه .. لا لخوفي منه .. »(15).
وهكذا فإن هذه الرواية تُرينا من خلال عرضها لموقف الأب من البطل كيف كان «منصور سطوحي» ـ البطل ـ ضحية استبداد أبيه المتسلِّط، الذي فرض عليه أن يلتحق بالقسم العلمي، فكلية العلوم ـ رغم هوايته للأدب وقرضه للشعر ـ ولهذا فقد فشل «منصور » في دراسته بكلية العلوم في حياة الأب، وهجرها بعد موته.
ولما كان الذي يحكم علاقة البطل بأبيه الخوف (وليس الحب)، والطاعة (وليس الحوار والإقناع)، فإننا يُمكننا أن نقرر أن «منصور سطوحي» ضحية السلطة الأبوية في المجتمع(16). هذه السلطة المستبدة القاهرة عند الأب، والتي تبغي أن يكون الابن صورة متجسِّدة للأب، أو الأب صورة دائمة ومستمرة في الابن.
ويفشل الابن / البطل في تحقيق ذاته، ومن ثمّ يتمرّد، ويُحاول أن يجد نفسه من خلال الانجذاب ـ في طقوس «الصهبة».
(يتبع)

د. حسين علي محمد
24-05-2009, 04:16 PM
(3)
ما الصهبة؟ ..
«لن تجد إجابة واضحة لهذا السؤال، ذلك أن «الصهبة» ليست كياناً ماديا متماسكاً ومحدد الملامح مثل الأماكن التي نعرفها، ليست مولداً أو جلوة، أو حلقة ذكر. تختلف «الصهبة» عن هذه الأماكن جميعها»(17).
ومثلما هي مختلفة في المكان مختلفة في الزمان
«قال جابر محجوب:
ـ للموالد مواعيدها .. أما هذه الصهبة فقد أتت في أغسطس »(18).
إنها طقس يرسمه المؤلف من خلال عيني البطل.
« اختلف المشهد أمامه عن الصورة التي ألفها. ليسوا من طرق أكل الزجاج، وازدراد الأفاعي والقبض على الحديد الملتهب، وغرس الأسياخ في الخدين، وطعن الجسم بالخناجر، وابتلاع النار، ولا من الشاذلية والرفاعية ولا المولوية أو الدراويش مَنْ طالما تابع مواكبهم في مولد الحي. استند إلى الباب الحديدي لبيت، أول الميدان الصغير. أهمل ـ لطول قامته وقوف العشرات أمامه، يُشاركونه، ويُشاهدون ويُعانون الزحام الذي تزايد فصار خانقاً. انفسح المكان لما تشابكت أيدي الرجال. وقفوا في حلقة متجهين إلى الداخل، وتشابكت أذرع النساء داخل الحلقة متجهات إلى الخارج تعالت الدفوف والمزامير والدربكات والشخاليل، وبدأ الرقص: يتحرك الرجال إلى الداخل . وتتجه النساء إلى الخارج. يرفع الرجال أيديهم فيسهل طريق النساء في العودة إلى الداخل. والعشرات أفسحوا للطريق، صنعوا دائرة أوسع لصق الأبواب والجدران، وعلى مداخل الشوارع. شدة انسجام الموسيقى مع الرقص، وحركات التوقف، تبديل الأوضاع والحركات، تشابك الأيدي والأذرع وانفصالها كأنه الذكر، وإن اختلف الذكر بتطوح الرءوس، واهتزازات الأجساد والأيدي، والدعوات الرتيبة المتتالية. بدا كل شيء جديداً، وغير مألوف. ليسوا من الغجر، للغجر سحنتهم ولهجتهم وزيهم، ولم تشر الأحاديث إلى أنهم يُمارسون الغناء وأعمال السحر والتنجيم والوشم وختان البنات، ولا ضبطوا متلبسين بسرقة بيت أو دكان أو خطف طفل، ولا هم جماعة مُغلقة ترفض الاختلاط»(19).
إن محمد جبريل من خلال هذا الوصف يصنع أسطورته الخاصة، أو واقعيته السحرية المنبعثة من بيئته المصرية التي أحبها وعشقها، كما صنع أدباء أمريكا اللاتينية ـ تماماً ـ واقعيتهم السحرية المنبعثة من بيئتهم وأعراقها وتقاليدها.
وطقس «الصهبة» ـ الذي استنبته محمد جبريل في هذه البيئة ـ طقس لجماعة تحتفي بالحياة، وليست كالجماعات الأخرى المغيبة عن واقعها «السحر والتنجيم» أو المُغَيَّبة عن عقيدتها «الشاذلية والرفاعية والمولوية والدراويش»، أو المُغيبة عن بيئتها والتي تحس بانفصالها وعدم انتمائها «الغجر».
إن هذه الجماعة التي تُمارس طقس «الصهبة» تحتفي بالحياة، وتُريد للمرأة العاقر أن تحمل وتلد وتُشارك في تقديم الأطفال (رمز المستقبل) كي تستمر دورة الحياة.
«النساء المنقبات يحلمن بالخصوبة، الجميع يشغلهم علاج العلة، من يرفع النقاب يظفر بثواب إنقاذ حياة»(20)..
ومن ثم يُحاول البطل « منصور سطوحي » أن يُساهم في إنقاذ حياة امرأة، رغم أنه هو نفسه أن يُحقق ذاته في هذه الحياة، أو يعيش الحياة كما يهوى، فلم يُفلح. لقد حاول إنقاذ حياته هو عدة مرات بعد وفاة أبيه، ولكن أمه التي تمثل الماضي المندثر ـ وقفت في طريقه:
وقفت في طريقه عندما أراد أن يترك الكلية التي دخلها رغم أنفه، ولم يستطع الاستمرار فيها:
« لم تصدق الأم: هل يهجر الدراسة بعد أن أوشك على بلوغ الغاية؟! ..
أخلت وجهها للدهشة:
ـ تريد أن تُصبح أقل من أخيك؟! ..
قال وهو يهز رأسه:
ـ لا تشغلني الكثرة ولا القلة .. ما يهمني هو ما أطمئن إليه ..
استطرد من بين أسنانه:
ـ كان همه أن أصبح صورة منه! ..
واجهته بنظرة غاضبة:
ـ كان أبوك رجلاً فاضلاً ..
دون أن يُجاوز هدوءه:
ـ لا أُنكر .. ولكنه اختار التجارة .. أما أنا فقد كانت لي حياة أخرى»(21).
ووقفت أمه في طريقه ـ أيضاً ـ حينما حاول أن يضع لافتة جديدة للمكتبة، رمزاً لحياته المستقلة والمنفصلة عن حياة أبيه، ولكن أمه عاودت الرفض بشراستها المُعتادة التي ورثتها عن أبيه:
«أمه واجهت فكرته بغضب لم يعهده من قبل. اصطبغت عيناها بحمرة، وسرت في وجهها ارتعاشة، وتمتمت شفتاها بما لم يستطع تبينه ..
قال يُحاول تهدئتها:
ـ ستظل المكتبة باسم أبي .. كل ما أطلبه أن نغيّر اسمها! ...
لم تُخف قلقها:
ـ أنا أعرف بك من نفسك .. اليوم تغير اسم المكتبة .. وغداً تصبح المكتبة باسمك ..
عانى للإفلات من حصار نظراتها:
ـ ألم تُقرري وهي مُغلقة أن نعرضها للبيع؟!
وهي تُقاوم الغضب:
ـ كان شرطي أن يظل للمكتبة اسمها .. مكتبة سطوحي! ..
قال:
ـ أغلقناها تسعة أشهر .. فتأثرت مبيعاتها .. والأفضل أن تبدأ من جديد! ..
ضغطت على الكلمات:
ـ سيظل للمكتبة اسمها! ..
واستطردت وهي توليه ظهرها:
ـ إن لم يُعجبك شرطي .. فعندي أغراب يُوافقون عليه! .. »(22).
إن موقف الأم الرافض لتركه الدراسة التي اختارها له أبوه، ورفضها تغيير لافتة المكتبة يشي بثباتها وحفاظها على ذكرى الزوج الغائب، وعدم قدرتها على استيعاب أن يتغيّر الأبناء، وأن تكون لهم حياتهم المستقلة عن حياة الأبوين، أو أن تصير لهم ذواتهم المختلفة عن ذات والدهم الراحل.
ومن هنا فإن «الصهبة» تمثل طقس الحياة، والتجدد، والعطاء، والخصوصية. وكلها أشياء حاول أن يتشبث بها «منصور سطوحي»، وحاول أن يراها ويعيشها بجمالها الأخّاذ في تلك اللحظة التي جرى فيها في «الصهبة» ورفع النقاب عن الوجه الجميل الذي يمثل الحياة، والتجدد، والخصوصية! .. فقد قابل وجهاً كأنه الجنة!
وبدأت نفسه تتحرر من قيود السلطة الأبوية التي أحكمها أبوه الراحل من حوله، ومارست أمه دور المحافظة عليها. هذه السلطة التي حاول دائماً أن يخرج عنها، وأن يفلت من مطاردتها.
وإذا كانت الأم (الوجه الآخر للسلطة الأبوية) قد وقفت منه موقفاً سلبيا وهو يُعاني المطاردة إثر مشاركته في «الصهبة» ، فإن ضابط الشرطة (الوجه الآخر لسلطة الحكم) يرفض هذا الخروج:
«قال له الضابط:
ـ كل التحريات أثبتت أن الصهبة التي أبلغت عنها من شغل خيالك ..
بحلقت عيناه:
ـ لكنني شاهدتها بنفسي ..
هز الضابط رأسه:
ـ حتى روّاد المقهى نفوْا أنهم حادثوك في الأمر من أصله»(23).
(يتبع)

د. حسين علي محمد
24-05-2009, 04:17 PM
(4)
إن «الصهبة» تمثل الحياة بالنسبة إلى البطل «منصور سطوحي» ، هذه الحياة التي ظل يبحث عنها طوال حياته، فما أن وجدها حتى تمسَّك بها، وإن أنكر عليه الآخرون ذلك.
فمن «منصور سطوحي» وماذا يريد؟
ليس هناك فاصل بين الأدب / النص، والمؤلف / الرؤية، والذات، والأعماق. ومن ثم فإنني أرى أن «منصور سطوحي» هذا، فيه ملامح من محمد جبريل ذاته، وإلا كان النص سيرة ذاتية وليس رواية.
فـ«منصور سطوحي» بطل سكندري، ومحمد جبريل روائي سكندري المولد والنشأة والتكوين والهوى، وهو مرتبط ببيئته ارتباطاً كبيراً(24).
يقول محمد جبريل عن بيئة بطله في الرواية:
«وُلِد في السيالة .. شقة تطل على مسجد المسيري .. لم يتركها إلى حي آخر، إلا للمكتبة خلف المرسي أبي العباس، أو للكلية في محرم بك، أو لزيارة أخواله في العطّارين، وآخر أعمامه الأحياء في اللبان»(25).
ويقول عن بيئته هو في حوارٍ معه:
«تفتح وعيي على الإسكندرية. شهِدتْ طفولتي وصباي ومطلع شبابي، هي صورة الوطن في ذاكرتي، وهي المكان الذي تخلَّقتْ فيه حتى الآن غالبية أعمالي، وبالذات تلك المنطقة ما بين المنشية وسراي رأس التين، تضم أبا العباس والبوصيري، وياقوت العرش، وعلي تمراز، والميناء الشرقية، وحلقة السمك، والسيّالة، والصيادين، والمسافر خانة، والحجازي، والموازيني، وشارع الميدان ... وغيرها .. »(26).
فكلاهما: البطل والمؤلف يشاركان في بيئة واحدة، هي بيئة «بحري» في الإسكندرية.
إن محمد جبريل ينتمي إلى ما يُسمى «جيل الستينيات» في الرواية، وهذا الجيل من أبنائه: بهاء طاهر، ومحمد مستجاب، وزهير الشايب، وضياء الشرقاوي، وعنتر مخيمر، وحسني سيد لبيب، وصنع الله إبراهيم، وإبراهيم أصلان، ويوسف القعيد، وجمال الغيطاني ... وغيرهم. وهذا الجيل «بدأ مسيرته في الحياة والأدب مع شعارات يوليو 1952م البراقة وخيال الحلم القومي، الذي كان يسعى نحو تحقيق إمبراطورية ترفرف عليها رايات الحرية والوحدة والاشتراكية. وقد زاد إيمانهم بهذا الحلم لأن الفكر الاشتراكي والأدب الواقعي والنقد الاجتماعي أخذ يغزو ساحة الثقافة العربية وبسط مبادئه الفكرية والجمالية على قضايا الوطن والإبداع، وقد تفتحت مشاعر هذا الجيل وطاقاته الإبداعية في الخمسينيات والستينيات، حيث كان معظمهم يخطو نحو العشرين أو الثلاثين من عمره. وكانت خطب جمال عبد الناصر وبعض إنجازاته توحي لكثير منهم بأن الحلم القومي أمل قريب المنال. ولكن الحلم الجميل سرعان ما تحوّل إلى كابوس مرعب مع تداعيّات الخامس من يونيو (حزيران) 1967م، وكانت السقطة مدمرة للأحلام، وخيبة للآمال»(27).
وحينما صحا هذا الجيل على الحقيقة المروعة، وحاول أن يُبدي رأيه، وهو ابن الثورة ـ كما يرى ـ فإن السلطة أبعدتهم إلى الهامش وجعلتهم خارج المؤسسة الثقافية.
يقول بهاء طاهر وهو أحد مبدعي الستينيّات الكبار، ومن المُجايلين لمحمد جبريل:
«ظللنا ـ جيلي وأنا ـ خارج المؤسسة الثقافية وأحياناً على هامشها، وكان الهامش يتألف بالذات من الملحق الأدبي لصحيفة «المساء» المحدودة الانتشار ... ومجلة « المجلة » ... ثم قلة (؟) الصفحات الأدبية في بعض المجلات الأخرى إلى جانب البرنامج الثاني في الإذاعة. تلك هي المنابر التي كانت متاحة في مطلع الستينيات للإبداع، وقد كانت عظيمة القدر في ذاتها، ولكنها محدودة التأثير لأنها بعيدة أو مُبعدة عن الجمهور الواسع»(28).
كان الأدب الجديد الذي يتشكّل على هامش المؤسسة الثقافية، والذي تكتبه هذه الكوكبة « هو المعبر الحقيقي عن التغيير الذي حدث، فقد تفكك البناء المنظم الذي أشاعته الرواية والقصة الواقعيتان ولم يعد للقصة بداية ووسط ونهاية بشكل محدد، ولم تعد البيئة هي تلك البيئة الواضحة التي يخوض البطل صراعاً في نطاقها ويغيرها بفعله الإيجابي. ذلك أن الكاتب قد شعر على عكس كاتب الواقعية بالعجز عن السيطرة على هذه البيئة، وهكذا فقد تداخلت الأزمنة والأمكنة في القصة الواحدة، وأحياناً في المشهد الواحد من القصة. وفي مُقابل البطل الواقعي الإيجابي الذي يحمل رايات الثورة الظافرة ظهر البطل الضد، أو فلنسمه بصراحة البطل المهزوم، ذلك أن حس الهزيمة الداخلية كان أبرز سمة للواقع الجيد في الستينيات الذي حظر كل محاولة للتعبير الحر عن الذات وللتحرك الفعّال. وكان الوصف الدقيق للأشياء وللجزئيات غير المترابطة يعبر بدقة عن عالم نفسي فقد التماسك والترابط في مقابل عالم خارجي شديد الصلابة والتحديد»(29).
ولقد كانت أبرز سمة مشتركة في تلك المدرسة الأدبية ـ مدرسة الستينيّات ـ هي الاحتجاج والتمرد: «كان عملها كله صيحة احتجاج وتمرد. كانت تلك الأعمال دعوة غير مُباشرة للتغيير لأنها تقول بكل وضوح وصدق: إن هناك صدعاً في الدولة وصدعاً في الروح»(30).
(5)
إننا نرى أن «منصور سطوحي» الذي يريد أن يحتفي بالحياة المتخيلة، أو البكر التي لم تفقد براءتها ليس إلا تجسداً لمحمد جبريل الذي يريد هو أيضاً أن يحتفي بالحياة، وأن يجد ذاته، ولكنه مُطارَد من السلطة « الأبوية » التي هي رمز للرؤساء المباشرين له بدءاً من رئيس المؤسسة الصحفية التي يعمل بها، مروراً بالأدباء الكبار الذين يقفون حجر عثرة في سبيل تحقق الحياة الأدبية بثرائها وزخمها للأجيال التي يسمونها شابة رغم تخطي معظم أفرادها حاجز الخمسين من العمر، ووصولاً إلى القيادة السياسية التي يرى أنه يختلف معها، وأنها متسلطة، ورافضة لرغبة الحياة عند بطلها (الذي هو جزء منه).
وحينما تكون «الصهبة» هي البديل للواقع، فإن ضابط الشرطة يرفض الاعتراف بوجود « الصهبة » وتكون مواجهته للبطل صادمة ومستفزة، فيقول له في غلظة وقسوة، دون مواراة:
«كل التحريات أثبتت أن الصهبة التي أبلغت عنها من شغل خيالك»(31).
ويسخر في لغة تكشف روح السخرية الحارقة:
«تغطَّ جيداً قبل أن تنام»(32).
ومن ثم، فإننا نرى أن «الصهبة» ليست مجرد مرثية فردية لأحلام «منصور سطوحي» المجهضة في واقع مر، يصفع أحلامه، ويجهضها ويجعلها لا تكتمل، وإنما هي مرثية لجيل كامل حاول أن يُحقق ذاته، ولكن العوائق كانت جمة، كما كانت الإحباطات مُروعة.
وقد أحسن الكاتب حينما جعل بطله في النهاية ينزا ويُشارك في طقوس «الصهبة»، التي تعني الحياة والتجدد ومحاربة العقم، حتى لو قالت له السلطة، أو قال الرافضون للحياة: إنها حلم وليست حقيقة، وعليه أن يتغطى جيداً قبل أن ينام.
........................
الهوامش:
(1) محمد جبريل: الصهبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1990م، ص 8 .
(2) السابق، ص 17 .
(3) السابق، ص 18 .
(4) السابق، ص 90 ، 91 .
(5) السابق، ص 94 .
(6) السابق، ص 94 ، 95 .
(7) السابق، ص 96 .
(8) السابق، ص 26 ، 27 .
(9) السابق، ص 42 .
(10) السابق، ص 55 .
(11) السابق، ص 55 .
(12) سمير الفيل: البطل المأزوم بين عجز الذات والخلاص المرير، مجلة «إبداع»، عدد سبتمبر وأكتوبر 1990م.
(13) محمد جبريل: الصهبة، ص ص 24-26 .
(14) السابق، ص 28 .
(15) السابق، ص 55 ، 56 .
(16) مصطفى بيومي: الصهبة ندّاهة منصور سطوحي، عن صورة مخطوطة بالآلة الكاتبة، ص 1 .
(17) محمد جبريل: الصهبة، ص 8 .
(18) السابق، ص 8 .
(19) السابق، ص 12 ، 13 .
(20) السابق، ص 13 .
(21) السابق، ص 27 ، 28 .
(22) السابق، ص 53 ، 54 .
(23) السابق، ص 90 .
(24) لاحظ من كتبوا عن هذه الرواية ميل محمد جبريل إلى اتخاذ الإسكندرية مسرحاً لأحداثه، انظر د. ماهر شفيق فريد في مقالته «صهبة محمد جبريل» حيث يقول: «الإسكندرية هي مسرح هذه الدراما الداخلية المحرمة، ونحن نجد لمحات من أسماء الشوارع والمساجد والشواطئ، فمحمد جبريل سكندري أصيل يرى مدينته بعين التوحد والذوبان والمحبة، وليس كلورنس داريل مثلاً الذي يخلق أسطورته الأوربية الخاصة، ويخلع عليها الإسكندرية»، مجلة «أكتوبر»، العدد (703)، 15 أبريل 1990م، ص 55، وانظر د. محسن خضر في مقالته عن «الصهبة» حيث يقول: «الإسكندرية هي القاسم المشترك بين «قاضي البهار» و«الصهبة»، وهي مسقط رأس المؤلف، والمكان المفضل لأغلب رواياته وقصصه القصيرة » صحيفة «الحياة»، (لندن) في 22/10/1990م، ص10.
(25) محمد جبريل: الصهبة، ص 7 .
(26) محمد أحمد الحمامصي: حوار مع الروائي الكبير محمد جبريل، مجلة «الثقافة الجديدة»، العدد 49، أكتوبر 1992م، ص 51 .
(27) د. طه وادي: محمد جبريل روائيا: قضية جيل بين الوعي الأيديولوجي والوعي الفني، مجلة «الثقافة الجديدة»، العدد 49، أكتوبر 1992م، ص24 .
(28) بهاء طاهر: شهادة عن نفسه وعن جيله بعنوان «... وسأنتظر »، تذييل رواية خالتي صفية والدير، روايات الهلال، العدد 511، القاهرة – يوليو 1991م، ص 159 .
(29) السابق، ص 161 ، 162.
(30) السابق، ص 162.
(31) محمد جبريل: الصهبة، ص 90 .
(32) السابق، ص 91 .
.................................................
*فصل من كتاب «صورة البطل المطارد في روايات محمد جبريل»، دار الوفاء لدنيا الطباعة، الإسكندرية 1999م.

د. حسين علي محمد
28-05-2009, 01:40 AM
قراءات في أدب محمد جبريل

بقلم: نهال قاسم

أجمع المشاركون في الندوة التي أقيمت في مكتبة القاهرة الكبرى، وكانت تحت عنوان ( قراءات في أدب محمد جبريل ) على خصوصية تجربة جبريل الذي يعد أحد أبرز الكتاب الذين يتميزون بتفرد خاص في الإبداع القصصي والروائي، و دوره في تجديد الرواية التاريخية من خلال إدخال أقنعة، وعناصر جديدة تضمن استمرارها في نسيج الفن الإبداعي ، فضلا عن وفائه للإبداع القصصي الواقعي من خلال استلهام الواقع السكندري الذي ولد ونشأ فيه.
تداعى الذاكرة !
و قد قام د . هيثم الحاج علي – أستاذ النقد العربي ـ بإلقاء الضوء على بعض سمات الكتابة القصصية في إبداع "جبريل " من خلال مجموعته القصصية «ما لا نراه» التي تنطلق من الذاكرة و تدور حول السلطان ورؤية الشعب له، و الصراع على السلطة ، و التي تشكل المتوالية المترابطة المنفصلة في جانب ما ، باستخدام العوالم غير المرئية – الميتافيزيقية و البارافيزيقية – و التعبير عن كوامن النفس البشرية ، من خلال عدة مستويات سردية حاول التوفيق ما بينها على مدار تلك المجموعة : الأولى – مستوى الحلم سواء الرؤيا في المنام أو حلم اليقظة ، والذي تقوم النفس عن طريقه بالتعبير عن رغباتها المكبوتة ، و تطلعاتها ، ومخاوفها ، وفي هذه المجموعة نجد البطل يعمد إلى حلم اليقظة في محاولة للنفاذ إلى عمق الواقع الذي يعيشه ورؤية ما لا يراه، بينما يأتي الحلم في النوم لدى ( الجدة رقية ) كمحاولة لمواجهة الأزمة الشخصية التي تعانى منها ، و التنبؤ بمستقبلها عبر الحلم ، أما الرؤيا وهى العلم اليقيني الذي يستخدمه السارد كي يجعل منه وسيلة للنفاذ إلى أعماق المرئي من خلال قصة ( حقائق الجدار ) حيث تتشكل الصور على الجدار بعد نشوع الرطوبة فيه ، ووقوع أجزاء من الدهان ، لتخلق حياة أخرى موازية لحياة السارد أو البطل ، ويتماس هذين الخطان السرديان ، وتتداخل الحقيقة بالخيال ، و تنتهي القصة بمواجهة ما بين البطل وبين ذلك الذي جاء يستلبه جداره ، وإطلاق البطل الرصاص بمسدس متخيل في يده عليه ، كرمز لرفض البطل الوجود في هذا الواقع الزائف الذي لا يعبر عن الحقيقة التي وجدها عبر صور الجدار!
المستوى السردي الثانى- في القصة هو الذاكرة التي يستخدمها السارد لاستكمال واقعه أو منظومته السردية من خلال شخصية ( الجدة رقية ) التي دأبت على الذهاب إلى شاطئ البحر في محاولة لتذكر الموقف الذي لم تتمكن فيه من إنقاذ ركاب المركب الذي أوشك على الغرق نتيجة احتباس صوتها ، و هو الأمر الذي ظل يؤرق ضميرها ، و الذي اضطرت معه إلى اللجوء إلى المشعوذين ، لاستلهام المعونة ، والمدد منهم ، ومحاولة التنبؤ بما سوف يحدث بعد موتها ، و إن كانت سوف تحاسب على ذلك الذنب الكبير!
في قصة ( لماذا يتحدون ضدي ) يستخدم " جبريل " المستوى السردي الثالث - التاريخ ، عبر شجرة العائلة حيث قام أحد الأشخاص وفي غفلة من الحارس ، بإضافة اسمه على هامش أحد المصاحف إلى جوار أسمائهم، للاستيلاء على نصيب من الوقف المخصص لهذه العائلة !
و في قصة (في حضرة الديوان) يستعين "جبريل" بالمستوى السردي الرابع - الموروثات الغيبية للتعبير عن حركة النفس البسيطة جدا في ظاهرها ، المعقدة جدا في باطنها ، و علاقاتها بتلك الموروثات المحيطة بها على المستوى الشعبي، وهو المنطلق الذي سار عليه "جبريل" في محاولة الارتكاز على أرض الواقع عبر استخدام البطل الحلم حتى يتمكن من مقابلة رئيس الديوان والأولياء الأربعة ، بعد أن فشل في مقابلتهم على المستوى الواقعي ، ليعرض عليهم شكواه التي لا نعرف محتواها تحديدا على مدار القصة .
اغتيال !
أما الناقد د. محمد زيدان ، فقد عرض لأحد كتبه الذي تناول فيه ( المنظور الحكائي في روايات محمد جبريل ) و الذي قام فيه بالتفريق ما بين نوعين : الأول – المنظورات السردية الخاصة بالحدث ، والمنظورات الحكائية والفعل الغائب ، مستشهدا برواية ( قاضى النهار) و التي استند فيها "جبريل" على فعل حكائى واحد كان غائبا طوال أحداث القصة، التي تبدأ بمجموعة من التقارير قام بوضعها مجموعة من أصدقاء "محمد قاضى البهار" الذي انصبت عليه كل تداعيات الرواية ، حيث وصلت هذه التقارير إلى أمن الدولة حول سيرة هذا الرجل، وكيف كان يعيش ، و يتعامل مع الآخرين ، ثم شعوره الدائم بأنه مطارد من قبل أشخاص لا يعرفهم، بل و لا يعرف سبب مطاردتهم له ، حتى تنتهي حياته بطريقة مأسوية غرقا في البحر دون أن يتمكن أحد من إنقاذه ، أو حتى التعرف عليه إلا من خلال ملابسه !
كما رصد " د. محمد " الصور المختلفة التي رسمها " جبريل " عن الحياة العامة في مدينة الإسكندرية ، والواقع الجديد الذي دخل فيه المجتمع السكندري ، و التي حاول من خلالها أن يؤسس فلسفة معاصرة تتفاعل فيها الحكاية بشكل مؤثر مع الواقع المغرق في المحلية في الإسكندرية ، و شوارعها ، و عالم الصيادين ، واستخدام "جبريل" التقارير التي وضعها أصدقاء البطل باعتبار أن كل منها موجة من أمواج البحر كنوع من تحقيق الانسجام الدلالي ما بين الشكل و المعاني التي استخدمها"
و في رواية ( قلعة الجبل ) التي استخدم فيها " جبريل " فعلا حكائيا واحدا ثابتا ، والذي يتمثل في مطاردة السلطان خليل لعائشة في قلعة الجبل ، رغبة منه في الحصول عليها بأي ثمن ، بينما تحاول هي مقاومته بكل ما أوتيت من قوة نفسية، ومادية ، و جعل كل الشخصيات ، والعناصر الحكائية ، و المشاهد المصورة ، تشتبك مع التراث بهذا الفعل الحكائي ، حتى إن " عائشة " كلما حاول أحد إغاثتها كان عقابه الموت الممنطق حكائيا سواء على يد السلطان أو أحد معاونيه!
و في رواية ( نجم وحيد في الأفق ) استخدم " جبريل " الحركة الواحدة وكأنها قطعة موسيقية ما أن يبدأ العازف بعزفها دون توقف حتى ينتهي منها تماما ، وهكذا ما أن يبدأ روايته لا يتوقف عن الكتابة إلا مع انتهاء الأحداث التي يتداخل فيها الحلم مع الأسطورة ، و القدر بالجبر و الاختيار ، حيث تدور الأحداث حول شخص مريض يخرج في رحلة مع بعض البحارة بحثا عن علاجه في نجم يظهر في وقت و مكان محدد، وارتباط قدره به، و يستخدم "جبريل" ثلاثة أزمنة ، الزمن الحالي الذي يبدأ فيه الاستعداد للرحلة ، و زمن استرجاع الماضي مع بداية مرضه ، وصولا إلى ما سينتهي إليه مصيره ، و ذلك من خلال لغة و مشاهد حية ، و متدفقة تتشابه مع القصيدة الملحمية الشعرية الطويلة.
المسكوت عنه!
و يؤكد الناقد رمضان بسطاويسي على خصوصية تجربة " جبريل " الإبداعية التي تتعانق مع تجربته النقدية ، و الحضور القوى للجانب المعرفي الذي استطاع من خلاله أن يؤسس عليه معظم أعماله الإبداعية التي لا تخلو من الإشارات الثقافية، والتراث، والوافد الغربي بمكوناته، وتحدى الواقع، وقضاياه، وأحداثه، مشيرا إلى أن الكتابة عند "جبريل" تبدأ بعد انتهاء الحدث الرئيسي، مستعيدا مجموعة من الخبرات الحياتية، والذهنية التي يمكن أن تفيدنا ، لاستمرارها و لكن بأشكال مختلفة ، مشيدا برواية (رجال الظل) وما اتسمت به من جسارة، وجرأة في إثارة عددا من القضايا الحساسة ، و الهامة التي لم يسبق تناولها من قبل، وتدور أحداثها حول تجربة إمارة خليجية، وطبيعة السلطة فيها، كما يقدم لنا نموذج للمثقف الخليجي الموزع ما بين نوعين من الحياة قبل ظهور النفط وبعده، ودوره في التغيير والازدواجية التي يعيشها المثقف، ودور الثقافة الخليجية، وعلاقتها بالغرب بوصفه الملاذ، والمخرج من هذا الاضطراب الذي يعانى منه المثقف، وتنتهي الرواية بحالة من الموت كمحاولة للخلاص الفردي، و التحرر من سلطة الأمير "فضل" العاجز عن التغيير!
و قد تناول د. عبد المنعم تليمة- أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة ، رواية ( زمان الوصل ) التي تدور أحداثها في العشرة أيام الأولى ، التي أمضاها بطل الرواية والشخصية المحورية فيها " هاشم السكندري " - الذي يتشابه مع جبريل من حيث النشأة - في الإسكندرية بعد غيبة استمرت 18عاماً ، نتيجة الظروف التاريخية ، و الاجتماعية ، التي استجدت على المجتمع المصري، ودفعت البطل إلى الهجرة المؤقتة عن موطنه إلى اليونان بحثا عن فرصة عمل أفضل، ثم زواجه من "كرستينا" اليونانية التي رفضت العودة معه ، و فضلت البقاء في موطنها، وقد جاء السرد الذاتي على لسان البطل الذي يحاول أن يصل زمن الماضي الجميل بالزمن الذي يحياه متطلعا إلى مستقبل أفضل ، مستخدما الجملة الاسمية القصيرة جدا، والحس اللغوي الذي ينزع إلى الجملة الفعلية، وافتقاد أدوات الربط، والوصل، والفصل، وهو الأمر الذي نجده في العديد من الكتابات الحديثة، نظرا إلى إننا لا نزال في طور الاستلهام، والتجديد، والتشكيل اللغوي في الرواية العربية، مشيدا "بجبريل" الذي اعتبره "تليمة" من أصحاب الأساليب الفنية الروائية المتميزة ، و نجاحه في احتلال مكانة رفيعة في أفقنا الروائي الراهن!
زمن الماضي الجميل!
الكاتبة د. زينب العسال – رئيس قصر ثقافة الطفل بجاردن سيتى ـ أشارت إلى سكونية المكان وحركته في رواية ( مواسم الحنين) والنقلات الزمنية فيها، والإيقاع النغمي الذي يسير عليه السرد الروائي، حيث يتفحص السارد أحوال البشر وتحركاتهم مع ثبات المكان، وجغرافية حي بحري الذي شهد بعض التغييرات الاجتماعية الملموسة في حياة وسلوك البشر، كما قامت "د. زينب" بالدمج ما بين زمن الحكاية والمرتبط أساسا بحركة السرد ودور الشخصيات في تخليق هذا الزمن الإطار الذي يشيد النص الروائي الذي يقوم على الاسترجاع، محددا نقطة الانطلاق، ويقوم في الوقت نفسه بالإيهام بواقعية الأحداث مما يضفى الحيوية علي الشخصيات الروائية، وعبر العنوان الدال على الزمن وهو حنين البطل لما مضى من سنوات العمر المفقودة، مستعيدا مرحلة طفولته وشبابه في مدينته الإسكندرية، وحي بحري خاصة، والذي كثيرا ما صرح "جبريل" نفسه بحنينه الشديد إليها، مستعرضا ما مر بالوطن من انتكاسات، وهزائم، وانتصارات، وعادات البطل التي لم تتغير بعد عودته من الخارج واستقراره في الإسكندرية، ورفضه لنمط الحياة التي أصبح أسيرها، ويختتم "جبريل" روايته بالتساؤل عن جدوى حياة الإنسان الذي يمضى عمره ، وهو يعيد و يرتب وينظم ويجمل ويضيف ويحذف، ثم يترك كل هذا ويرحل!

د. حسين علي محمد
11-06-2009, 09:27 PM
محمد جبريل عاشق الإسكندرية:
«نجيب محفوظ» هو الكاتب الوحيد صاحب فلسفة حياة

محمد عبد الحافظ ناصف

محمد جبريل أحد أهم كتاب جيل الستينيات الأدبي، صدر له أكثر من خمسة وأربعين كتاباً، أعدت عنه عدة رسائل للماجستير والدكتوراه في مصر والعالم العربي، ترجمت أعماله إلي عدة لغات منها: الإنجليزية والفرنسية والألمانية والماليزية، كتب عنه وعن إبداعه القصصي والروائي حوالي خمسة عشر كتاباً نقدياً. يعمل صحفياً بدار التحرير ويشرف علي صفحة «قضايا أدبية» في المساء. تم اختيار روايته «رباعية بحري» كواحدة من أحسن مائة رواية عربية خلال القرن الماضي ويتم ترجمتها تحت إشراف اتحاد الكتاب العرب.


وعن البداية والإسكندرية والوالد المترجم وأول قراءة قال: لا أعرف متي عرفت القراءة ولكني أذكر أنني كنت قارئاً صغيراً لأنني وعيت علي مكتبة أبي، وكانت جزءاً من حجرة الجلوس. تعلمت القراءة في إعلانات الشوارع والملصقات، كنت أقرأ الأسماء التي لا يعرفها الكبار واشتريت أول كتاب من مكتبة أبي حيث أعطاه لي أخي بقرش صاغ كي يؤجر دراجة!! وكان كتاب «الأيام» لطه حسين ثم بدأت رحلة القراءة للعقاد والمازني والمنفلوطي، وكان ذلك قبل قراءة كتب الأطفال لمحمد سعيد العريان، وعرفت مرحلة أخري من القراءة علي يد ممدوح الطوبجي فأعطاني كتب الأطفال والأدب الروسي.
وعن التحاقه بالصحافة وخاصة «المساء».. قال: كان ذلك بفضل الكاتب «كمال الجويلي» الناقد التشكيلي الكبير، وبدأت في «الجمهورية» مع رشدي صالح وسعد الدين وهبة، وحين رحلا وجدت صعوبة في البقاء، في «الجمهورية» فذهبت لكمال الجويلي وعملت في «المساء» وبدأت أتنفس أدبياً مع الكاتب الكبير عبدالفتاح الجمل، الذي قدم أغلب فرسان هذا الجيل.
وسافرت إلي عمان للعمل هناك وتوقفت حوالي ثمانية سنوات عن كتابة الأدب حتي كتب عني الناقد د. سيد حامد النساج في إحدي كتبه فقالوا له إنه توقف، فبدأت مرة ثانية وعدت للمساء وأشرفت علي صفحتين أسبوعياً بعنوان: «شباب الأدب».
وعن صفحة شباب الأدب وندوة المساء قال: أنا ضد تسمية «شباب الأدب» وكنت أود أن أسميها الأدب فقط، لأن الأديب أديب طالما نشر وطالما كتب كتابة جيدة. كما أن تلك التسمية قد تصرف القارئ عن القراءة، خاصة مع انخفاض أعداد القارئين وكنت أهتم بكتاب الأقاليم خاصة الذين تصل أعمالهم إلي من خلال طابع البريد.
وكانت ندوة «المساء» متنفساً لتلاقي الأجيال وخاصة الشباب وقدمت الندوة العديد من الأسماء اللامعة والمهمة هذه الأيام وشق الجميع طريقه.
وعن أول رواية كتبها وعن الرغبة في كتابة جديدة ومختلفة.. قال: اكتشفت أنني أكتب كتابة عادية مثل الجميع وعرفت أنه لابد من كتابة جديدة ومختلفة، أكتب شيئاً يخصني أنا وأخذت قراراً أن أقرأ عن القصة والرواية من خلال صورة المجتمع، ولم يكن علم الاجتماع الأدبي معروفاً وقتها في مصر ونشرت كتابي «مصر في قصص كتابها المعاصرين» وهو كتاب ينتمي إلي علم الاجتماع الأدبي. وكنت مشتاقاً للفن، فكتابة عمل بعد سنوات طويلة من القراءة وكانت رواية «الأسوار» واستفدت فيها من الفنون جميعاً وأخذت من الموسيقي والمسرح والفن التشكيلي والنصوص القديمة وحاولت تحقيق تناسق بين تلك الفنون، وأحقق ما أعتقد فيه أنه وحدة للفنون أو تفاعل الفنون جميعاً مع بعض.
وعن الأدب وفلسفة الحياة.. قال:
أحاول دائماً أن أخوض أرضاً بكراً في الكتابة وأحاول أن تكون لي فلسفة حياة كما في الأدب العالمي ونفتقد ذلك أحياناً في الأدب العربي وأعتبر أن نجيب محفوظ هو الكاتب الذي له فلسفة حياة وظهرت بوضوح كبير من خلال أعماله الروائية والقصصية، سنجد الدين والعلم والعدالة الاجتماعية وأشبه فلسفة محفوظ بأن العدالة هي العربة التي يجرها حصانان، الدين والعلم. وأحرص علي التلقائية في كتاباتي، كلها مع قليل من الوعي حتي لا تتحول إلي مقالات بعيدة عن الفن والأدب.
وعن حبه الشديد للتاريخ وكتابة عدة روايات عنه.. قال: أنا مولع جداً بالتاريخ، لأنني في حالة حنين دائم للمكان وأري «بحري» أهم حي في الإسكندرية وله حضور طاغ في رواياتي وأشعر دائماً بالحنين إلي فترة زمنية ما في تاريخنا وأجد أنها تصلح كمادة خام لعمل روائي فأقرأ عن تلك الفترة جيداً وعن الحياة فيها والعمارة والناس والأشياء والسلطة والمثقف حتي أتشبع تماماً فأبدأ بالكتابة وقد وظفت التاريخ في عدة أعمال منها «قلعة الجبل» و«من أوراق أبي الطيب المتنبي» و«غواية الإسكندر» وأشعر أن رواية «غواية الاسكندر» الصادرة استشرفت المستقبل قبل أن يحدث بعام، فبطل الرواية الدكتور وليد يخشي علي الإسكندرية من الغرق ويبحث عن الطلسم كي يحمي الإسكندرية من المد الذي سوف يغرقها والمعروف أن الإسكندرية الحالية هي الإسكندرية الثالثة بعد الفرعونية والبطلمية وقد حدث مد وزلزال «تسونامي» الذي أغرق العديد من القري والمدن والرواية صيحة تحذير لكي لا تغرق الإسكندرية الثالثة وأجزاء كبيرة من الدلتا.
بقلم:
.........................
*عن: جريدة الكرامة
</b></i>

د. حسين علي محمد
13-06-2009, 04:25 PM
من المحرر

إلي فاروق حسني



بقلم: محمد جبريل

ظل عبد العال الحمامصي قاسماً مشتركاً في الساحة الثقافية. خلال ما يقرب من الخمسين عاماً. أسهم - محرراً وكاتباً - في العديد من الصحف والدوريات. وأذكر أن أول لقاءاتي بالحمامصي - بداية الستينيات - في مجلة اسمها "العالم العربي". كان يكتب معظم موادها. باسمه أحياناً . وبأسماء مخترعة في معظم الأحيان. وإذا كانت سلسلة "إشراقات أدبية" وبابه الأسبوعي "شيء من الأدب" في الزميلة "أكتوبر" هما الإسهام الأحدث للحمامصي. فإن إسهاماته تواصلت خلال العقود الخمسة - وربما الستة - الماضية. مابين إبداعات شخصية ومشاركات فاعلة في واقعنا الثقافي. فقد توالي انتخاب الحمامصي في عضوية مجلس إدارة اتحاد الكتاب. منذ تأسيس الاتحاد إلي عام الانتخاب الأخير. الأمر نفسه في أمانة مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم. وفي جمعية الأدباء. ونادي القصة الذي يرأس الآن مجلس إدارته. وتنقل الحمامصي بين القرى والكفور والنجوع. يشارك في المؤتمرات والمهرجانات. ويسلط الضوء علي الطاقات المبدعة. وكانت هذه الأنشطة عاملا مهماً في توثيق صلة عبد العال بالمبدعين. والمثقفين بعامة. علي المستويين الشخصي والجمعي.
ويعترف الكثير من الأدباء - في امتداد الأقاليم المصرية - بمساندة الحمامصي لخطواتهم الأولى، وحرصه علي تقديم المواهب الحقيقية. من خلال مقالاته وتحقيقاته في "الزهور" ثم في "أكتوبر" ومازالت أذكر مهرجان محافظة سوهاج السنوي لتكريم ابن أخميم عبد العال الحمامصي. وهو المهرجان الذي شارك فيه - بالإضافة إلي أدباء المحافظة - عدد هائل من كبار المثقفين المصريين.
أما القيمة الإبداعية لعبد العال الحمامصي. فلعل أبرز ما يميزها هذه السمة التي تبين عن المكونات الأهم للشخصية المصرية في المعتقدات والعادات والتقاليد. وهو ما أفدت منه شخصيا في قراءتي للإبداعات المصرية المعاصرة.
عبد العال الحمامصي يواجه الآن محنة مرضية قاسية. تحتاج - لإسكات آلامها - إلي آلاف الجنيهات.
ظني أن أبسط حقوقه علي حياتنا الثقافية، التي مثل فيها - علي مدى السنين - ملمحاً أساسياً أن توفر له وزارة الثقافة. ممثلة في الوزير فاروق حسني. إمكانات العلاج. تعبيراً عن الوعي والفهم والتقدير. وأن خدمة الغز ليست علقة دائماً، وإنما قد تكون تعاطفاً ومساندة في الأوقات الصعبة.
لا أعرف موقف اتحاد الكتاب من المحنة التي يعاني عبد العال الحمامصي تأثيراتها - وكان الرجل عضواً في مجلس إدارته. وتولي فيه مناصب مهمة. منها السكرتير العام. ونائب الرئيس - لكن توالي الأيام أسرع من محاولة السؤال والمحاسبة. ما يحتاج إليه عبد العال في ظروفه القاسية. الحالية. أن يعالج علي نفقة الدولة. باعتباره مبدعاً. له قيمته بين كتاب القصة القصيرة. ومسئولا ثقافياً. قد نختلف معه. لكن من الصعب أن ننكر إسهاماته الإيجابية في العديد من الإصدارات. وفي الدفع بعشرات المواهب لتحصل علي المكانة التي تستحقها في الساحة الإبداعية.
..........................
*المساء ـ في 23/5/2009م.

د. حسين علي محمد
13-06-2009, 04:27 PM
من المحرر

اللغة في القصة القصيرة



بقلم: محمد جبريل

قرأت في الفترة الأخيرة عشرات القصص القصيرة. ضمن مسابقات للعديد من هيئاتنا الثقافية.
إذا أهملنا المحاولات الساذجة والفجة التي يحرص أصحابها علي الاشتراك في كل المسابقات. دون إدراك حقيقي لضعف مواهبهم ـ إن وجدت أصلا ـ ولخصائص فن القصة، تصوروا اكتمال الموهبة. فلم يحاولوا القراءة ..
إذا أهملنا تلك المحاولات، فإن الكثير مما قرأته يبين عن مواهب لافتة؛ استكملت مقوماتها بالقراءة والتلمذة واكتساب الخبرات، والسعي إلي الصوت الخاص. قد يفيد من أصوات الآخرين، من الأساتذة في الأدبين العربي والعالمي، لكنه يحرص أن يحقق الخصوصية والتمايز.
القضية التي شغلتني ـ فأنا أخصص لها هذه المساحة ـ هي النظرة الغريبة إلي اللغة. حتى الذين قدموا معطيات جميلة. حفلت محاولاتهم بأخطاء في النحو والإملاء. ظني أن تلميذ المرحلة الإلزامية يبرأ منها قبل نهاية المرحلة!
سألت مدفوعا بالإشفاق عن التشوه الذي حاق بعمل فني جميل، لأن صاحبه أهمل سلامة اللغة. تحول الإشفاق إلي غضب عندما برر كتبة تلك المحاولات أخطاءهم. يرون اللغة جسراً، أداة توصيل، والقيمة الحقيقية في مضمون العمل، وفي فنيته!
اللغة شيء آخر، يرفض هذا المعنى، إنها جزء في صميم الإبداع السردي. جمالياتها بعدٌ مهم، يصعب قبول الإبداع بدونه. إنها جزء من جماليات العمل. تلتحم به. وتضيف إليه.
من الصعب تصور بنية معمارية تخلو من الأرضية والأعمدة والأسقف. قد لا يكون التعبير دقيقاً، لكن المعنى الذي أريد التعبير عنه أن اللغة مما لا يستغني عنه العمل الإبداعي السردي. لا أتصور طبيبا لا يعرف أدوات مهنته. ولا مهندسا يستغني عن المسطرة والمثلث والبرجل، ولا محاسباًً يغيب عنه فهم الرياضيات. إلخ.
أذكر أن أستاذنا الراحل عبد القادر القط كان يطوي القصة التي يقرأها، ويقذف بها في سلة المهملات. إن طالعه خطأ لغوي. كان رأيه أن من يخطئ في لغته لابد أن يخطئ في كتابته جميعا. إنه يشيد بناية علي غير دعامات حقيقية!
القصص التي أتيح لي قراءتها ـ ضمن مسابقات أدبية ـ وللمسابقات تقديراتها التي تمتد من الواحد إلي العشرة. أو من العشرة إلي المائة.. فالمحكم بتشديد الكاف لا يزكي للنشر. لكنه يرصد الدرجات التي تعبر عن رؤيته لمفردات العمل، بما فيها اللغة، يضيف درجة أو اثنتين لسلامة اللغة، ويحذف للعكس.
هذا ما فعلته!
هامش:
تقول سينكلير دومنتيه: الكتابة عن الأشياء المادية قد لا تكون مختلفة عن تلك الكتابة الجارية وفق الاعتبارات الأدبية. فإن أكتب رواية يعني أنني أكتب تاريخ العالم المحتمل وجوده، وإني أوجد من العالم كتابة جارية، كتابة تركض وتتعثر. فالكتابة مثلها مثل الحديث عن حياة شخص ما. لهذا السبب لا وجود لكلمة واجب بالنسبة لي. كما أنه ليس هناك وجود لها بالنسبة للكاتب بعامة. هناك الكتابة فقط التي تدفع الرجل والمرأة لإعطاء الرأي آراء حقيقية.
..........................
*المساء ـ في 13/6/2009م.

د. حسين علي محمد
17-06-2009, 09:21 AM
مصر في قصص كتابها المعاصرين

بقلم: أسامة الألفي
.......................

سامح الله أديبنا محمد جبريل‏,‏ وجزاه خيرا في الوقت ذاته‏,‏ إذ أتعبني علي امتداد شهر في ملاحقة زخم المعلومات الذي حوته صفحات موسوعته القيمة مصر في قصص كتابها المعاصرين وفي الوقت ذاته أسعدني بما أضافه كتابه إلي مخزون معارفي‏.‏ والكتاب من حيث مضمونه يتشابه ــ مع اختلاف الوسائل ــ مع كتاب موسوعي آخر قيم‏,‏ هو موسوعة وصف مصر‏,‏ التي أعدها علماء الحملة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر‏,‏ والتي ندين بفضل نقلها إلي العربية للراحل الكبير زهير الشايب‏,‏ ففي الجزء الأول من تلك الموسوعة‏,‏ تحدث كاتبه جلبير جوزيف كونت دي شابرول الملقب بـ شابرول دي فولفيك تحت عنوان دراسة في عادات وتقاليد سكان مصر المحدثين معبرا عن ذات المضمون الذي تناوله جبريل في كتابه‏.‏
ويكمن الفرق بين دراستي شابرول وجبريل‏,‏ أن الأول برغم ما تمتع به من مقدرة علي الرصد والتأمل والفهم والإحاطة‏,‏ قد التبست عليه بعض الأمور‏,‏ حيث خلط بين الطقوس الدخيلة‏,‏ وبعض الممارسات الشاذة‏,‏ وبين العقائد والعبادات التي تعذر عليه فهمها‏.‏
وعلي العكس من شابرول‏,‏ فقد تهيأت لأديبنا محمد جبريل‏,‏ الظروف التي تكفل نجاح دراسته‏,‏ فهو مصري أبا عن جد‏,‏ وهو ثانيا مواطن وأديب عايش ظروف مجتمعه وتعايش معها‏,‏ بل وتمثلها في كتاباته وإبداعاته المتنوعة‏,‏ مما يكسب دراسته مصداقية وصحة‏,‏ خاصة أن مصادره ــ في معظمها ــ إبداعات مصرية أو كتابات مصرية‏.‏
لهذا يمكن أن نعتبر كتابه مرآة صادقة لأبعاد الحياة في مصر بإيجابياتها وسلبياتها‏,‏ بل هو ــ علي حد تعبير الشاعر الراحل صالح جودت ــ عمل وطني ضخم‏,‏ إذ أن التاريخ في المفهوم المعاصر لم يعد مجرد دراسات أكاديمية يتولاها المؤرخون‏,‏ وإنما صار ثقافة أصيلة ينبغي علي كل مثقف محب لبلده تحصيلها‏,‏ وليس أصدق من الأعمال الإبداعية وثيقة تؤرخ للحياة والبشر في حقبة ما‏.‏
وفي تقديري أن جبريل قد تأثر في إعداده لكتابه ــ كما يشير بعض النقاد المعاصرين ــ بالتجارب المماثلة التي نفذها مفكرو الغرب‏,‏ وفي مقدمتهم الفيلسوف الفرنسي هيبوليت تين‏(1828‏ ــ‏1893‏ م‏)‏ الذي كان أول من قدم معالجة حقيقية ومنظمة للعلاقة بين الأدب والمجتمع‏,‏ وتبعه آخرون مثل كازانتزاكس‏,‏ وفلوبير وتشيكوف‏.‏
وانطلق أديبنا في دراسته واضعا نصب عينيه مقولة المؤرخ والأديب الفرنسي آلان دوكو الأدب هو التشخيص الفني للتاريخ‏,‏ لكنه ــ في حماسته ــ لم يقصر دراسته علي الإبداعات الأدبية‏,‏ وإنما أضاف إليها كتابات وأقوالا لمؤلفين وكتاب غربيين‏,‏ وأيضا كتاب مصريين لا علاقة لهم بفن القصة‏,‏ ومع ذلك حصر عنوان كتابه في القصة مختزلا للكثير من المضمون‏,‏ وكان أحري به أن يجعله مصر في كتابات وإبداعات معاصرة فهذا العنوان أصدق تعبيرا عن محتوي الكتاب‏.‏
وكان ذكاء من المؤلف اختيار ثلاثية نجيب محفوظ لتكون أرضية لفصول كتابه‏,‏ فمن السهل ــ علي حد تعبير حليم بركات ــ فهم المجتمع المصري من خلال روايات محفوظ أكثر من الدراسات الاجتماعية‏.‏
وهذا ما فعله مؤلفنا‏,‏ حين بدأ كتابه بتأكيد أن أعمال محفوظ برغم محدودية أبعادها المكانية تعبير بالغ الدلالة علي التناقضات التي أحاطت بالمجتمع المصري منذ مطلع القرن العشرين‏.‏
ويتبع ذلك بإلقاء الضوء علي روايات تتناول أحداثا تاريخية‏,‏ مثل ثورة عرابي وحادثة دنشواي‏,‏ عاقدا ما يشبه مقارنة بين صورة عرابي كما جاءت في رواية قلق الأبطال لعبدالحميد جودة السحار‏,‏ وصورته في كتابات مؤرخ الحزب الوطني عبدالرحمن الرافعي‏,‏ ودافعه إلي ذلك تعريف القارئ أن الاختلاف بين الصورتين مرده اختلاف موقفي الفنان والمؤرخ من الثورة‏..‏
وعبر نحو ثلاثمائة صفحة تالية يتحدث عن بعض الشخصيات ــ زعماء ومفكرين ــ مثل الأفغاني وتلميذه محمد عبده‏,‏ وشاعر الثورة العرابية وكاتبها عبدالله النديم‏,‏ مشيرا إلي أنه كان أول من رفع شعار مصر للمصريين كما يتحدث عن مصطفي كامل ومحمد فريد وسعد زغلول وغيرهم من زعماء مصر‏,‏ فيسهب في حديثه‏,‏ وبالمثل يتحدث عن الماسونية في مصر‏,‏ وكيف أدخلها كرومر وأسس أول محافلها‏,‏ وخداعها لكبار زعماء مصر ومفكريها بشعاراتها المزيفة‏.‏
ويعود بقارئه إلي الحديث عن القصص والروايات‏,‏ مقدما صورة الفلاح في الأعمال الابداعية‏.‏ فهو في قلعة الأبطال للسحار قوام الثورة‏,‏ وفي دعاء الكروان للدكتور طه حسين إنسان مؤمن صابر‏,‏ ويقول عنه نجيب محفوظ في خان الخليلي الفلاح مضغوط تحت المستوي الأدني للإنسانية‏,‏ فلا يمكن أن يطالب بشيء وعلي العكس من هذه الكتابات المتعاطفة مع الفلاح‏,‏ فإن الشيخ يوسف الشربيني في هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف يقدمه في صورة تدعو إلي التهكم وينعته بأوصاف سيئة‏.‏
ويخلص المؤلف إلي أن غلبة الطابع الريفي علي المجتمع المصري‏,‏ قد جعلت بواكير القصة المصرية في أوائل القرن العشرين متسمة بتعبير ملح عن حياة الريف‏,‏ بعكس ثلاثينيات القرن نفسه‏,‏ التي عبرت فيها عن إنسان المدينة‏.‏
وتظهرنا الأعمال الإبداعية في تلك الحقبة علي صورة نمطية للمرأة المصرية‏,‏ فلا تكاد نفيسة في قلعة الأبطال تختلف كثيرا عن أمينة في بين القصرين علي الرغم من أن الكتابات التاريخية تذكر للمرأة المصرية بفخر ودعمها ومؤازرتها لثورة عرابي‏.‏
كما تظهرنا روايتا الرئيسة لشريف حتاته‏,‏ وبدرية الاسكندرية لحسني محمد بدوي‏,‏ علي ظاهرة هجرة الآلاف من حثالة أوروبا إلي مصر‏,‏ وكيف سيطروا علي مجري الحياة فيها‏,‏ والمكافآت التي قدمها الاحتلال لمن ساعدوه وأيدوه‏.‏
ونلمح وجودا للأقلية التركية في سياق أحداث القصص والروايات‏,‏ بالشكل الذي يكشف لنا كيف ذابت واندمجت مع المجتمع المصري عبر عدة عوامل مختلفة أهمها المصاهرة‏,‏ ففي بين القصرين‏,‏ سعت أم ابراهيم وخليل شوكت إلي أسرة أحمد عبدالجواد لتزويج ولديها ابنتيه‏,‏ وتتكرر أمثال هذه المصاهرة في ميدو وشركاه للمازني‏,‏ وعودة الروح للحكيم‏.‏
وكان للطبقة العاملة وجودها في الحدث الروائي والقصصي‏,‏ ويري جبريل ــ لكنه لايقدم ما يؤيد هذه الرؤية ــ أن أعمال ثروت أباظة تحقر العامل وتضعه في مستوي أدني من الشخصيات الأخري‏,‏ فيما ترسم أعمال محمد صدقي هالة نورانية من التقديس والعصمة من الخطأ حول رأس العامل‏,‏ وكذلك الأمر في الشوارع الخلفية لعبدالرحمن الشرقاوي‏.‏
ونجد في الأعمال الابداعية التي تدور أحداثها أوائل القرن الماضي وجودا للتجار‏,‏ فرواية السحار في قافلة الزمان تعرض لحياة أسرة من الطبقة الوسطي تنتمي إلي فئة التجار‏,‏ وكذا الشأن بالنسبة لـ بين القصرين لمحفوظ‏,‏ كما كان والد مصطفي في عودة الروح للحكيم تاجرا‏,‏ وأيضا علي يونس بطل الشارع الجديد للسحار‏.‏
وتظهرنا قصة بائعة اللبن لمحمود طاهر لاشين علي ارهاصات الحرب العالمية الأولي‏,‏ وتصور لنا الروايات كيف كان الوجدان المصري مشحونا ضد سلطات الاحتلال‏,‏ خاصة مع المصطلحات التي استحدثها مثل حماية‏,‏ سلطان‏,‏ مندوب سام فالمعلم كرشة في زقاق المدق يعبر عن رفضه خلع الخديوي عباس وتنصيب السلطان حسين مكانه بقرار من المحتل‏,‏ بتعليق صورة عباس في مقهاه حتي الحرب العالمية الثانية‏,‏ وفهمي في بين القصرين يتمني انتصار الألمان‏,‏ ويقول الحكيم في سجن العمر‏:‏ كنا بقلوبنا مع الألمان والأتراك ضد الانجليز الذين نمقتهم‏,‏ وتتصاعد النبرة لدي حسان في الشارع الجديد ليقول‏:‏ لن يخرج الانجليز من بلادنا إلا إذا حاربناهم‏.‏
وتكشف الروايات عن أقدم صفة في الانسان المصري‏,‏ صفة التدين‏,‏ وإيمان المصري منذ قديم الزمن بالقوي الغيبية‏,‏ فالمصري ــ علي حد تعبير د‏.‏ زكي نجيب محمود ــ طول عمره يتدين كما يتنفس‏.‏
والوازع الديني الذي يحكم الإنسان المصري نجده في رفض زينب هيكل خيانة زوجها مع حبيبها‏,‏ وفهمي الذي اعتاد الكذب علي أبيه بشأن عدم مشاركته في المظاهرات ينزعج ويرفض حين يطلب منه والده القسم علي المصحف‏,‏ وحتي الفساق كان الايمان يتصارع في صدورهم مع الفسق والمعصية‏,‏ فالبغي غريزة‏(‏ الأقدار ليوسف المناوي‏)‏ كانت حين تنتهي من آخر زبون لها تغتسل ثم تصلي وتستغفر وتقرأ القرآن‏,‏ وأفراد عصابة كمال الطبال‏(‏ هارب من الأيام لثروت أباظة‏)‏ أقسموا يمين الولاء له علي المصحف‏,‏ ولعل هذا ما دفع بالدكتور عماد أبوغازي إلي القول بأن هناك انفصاما في الشخصية المصرية‏.‏
ومن الطبيعي في ظل التأثير الكبير للدين علي الانسان المصري أن نجد لعلماء الدين مكانة وموقعا مهما وبخاصة في القرية‏,‏ نلمح صورا مضيئة لهم مثل صورة الشيخ شحادة القصبي‏(‏ العودة من المنفي ــ للنديم‏),‏ وهذه الصورة تقابلها صور سيئة أعمال أدبية أخري‏,‏ فالحاج ابراهيم‏(‏ سيدنا ــ لمحمود تيمور‏)‏ أعطي الشيخ ريالا ليفتي بعودته إلي زوجته التي طلقها ثلاثا بحجة أنه كان غاضبا‏,‏ ومحمد عفت يقول لأحمد عبدالجواد‏(‏ بسكرية محفوظ‏)‏ أنت كسائر الوعاظ ألسنتهم في دنيا وقلوبهم في دنيا أخري‏.‏
ويتداخل ايمان المصريين ــ وبخاصة النساء ــ مع اعتقاد بظواهر ما فوق الطبيعة والخرافات‏,‏ فالخوف من الجن والعفاريت والغيلان يسكن الوجدان الشعبي‏,‏ ولذلك نجد أمينة‏(‏ الثلاثية‏)‏ تخاف من الجن إلي حد رفضها أن يتردد اسم الجن في جنبات الدار حتي ولو جاء في سياق آيات القرآن الكريم‏,‏ ونجد نماذج شبيهة في روايات دعاء الكروان‏,‏ شجرة البؤس عودة الروح‏,‏ وزقاق السيد البلطي‏,‏ الحرام ابراهيم الكاتب‏..‏ وغيرها‏.‏
كما تظهرنا الروايات علي نماذج من الاعتقادات الشعبية لا فرق بين مسلم وقبطي في الاعتقاد بها كالايمان بقدرة الزار علي علاج حالات تلبس الجن والعفاريت‏,‏ والحسد‏,‏ والقضاء والقدر‏,‏ والطب الشعبي والتنجيم والسحر‏.‏
وينسب العامة إلي أولياء الله كرامات وبركات‏,‏ ويرفعونهم أعلي المراتب‏,‏ ويعتقدون بقدرتهم علي شفاء المرضي وحل المشكلات وقضاء الحاجات‏,‏ بل ويجعلون لكل ولي كرامة‏,‏ فسيدي الشعراني يشفي مريض النفس والحسد‏,‏ وسيدي العدوي يرد التائه إلي أهله‏,‏ وسيدي الكلشاني يشفي أمراض الغيرة بشرط زيارة ضريحه أثناء صلاة العصر تحديدا‏..‏ وتطول قائمة الأولياء لدرجة أن نجد في المعصرة ضريح ولي يتنافس المسلمون والأقباط علي نسبته إليهما‏,‏ يسميه الأقباط برسوم العريان‏,‏ ويسميه المسلمون سيدي محمد العريان‏!‏
وفي قنديل أم هاشم نجد عيني فاطمة النبوية ترفضان الشفاء بعلاج الدكتور إسماعيل بينما يفلح العشم في زيت قنديل أم هاشم في إعادة البصر إليهما‏.‏
وللصوفية أيضا تأثيرها المسيطر في الوجدان الشعبي‏,‏ وقد صور د‏.‏ طه حسين في شجرة البؤس تأثير الصوفية المسيطر في أواخر القرن الـ‏19‏ م فخالد يذعن لإرادة شيخه ويقبل الزواج من نفيسة الفتاة الدميمة الشوهاء برغم معارضة أمه‏.‏
والمجتمع المصري ــ كما يقول الضوي أحمد الصغير في الشفق الدامي ــ ممتلئا بعادات لا أساس لها يتوارثها الناس كما يتوارثون قطع الأراضي‏,‏ فهي أشبه بقانون غير مكتوب‏.‏
ونلمح عادات المجتمع المصري في طقوس الخطبة والزواج والأفراح‏,‏ فالعريس كان ينبغي ألا يري عروسه إلا ليلة الزفاف‏,‏ ولهذا رفض أحمد عبدالجواد‏(‏ الثلاثية‏)‏ الضابط حين طلب يد عائشة‏,‏ لأنه رآها قبل أن يتقدم لها‏,‏ ويتناول سعد القرش في قصة ثم يرحل الليل عادة إعلان عذرية العروس‏,‏ فيروي أن عريسا أراد تحطيم هذا التقليد والدخول إلي عروسه دون أن يحمل المنديل الأبيض‏,‏ وأصر علي خروج الجميع حتي الداية‏,‏ فجاء والد العروس وضربه قلما‏,‏ وأصر الوالد علي الدخول بالطريقة التي اعتادها الجميع‏!!‏
............................................
*الأهرام ـ في 7/4/2009م.

د. حسين علي محمد
11-07-2009, 03:01 PM
من المحرر:
توظيف التراث

بقلم: محمد جبريل
.....................

لما تكونت المدرسة الحديثة في عام 1917. وافرادها شباب الادباء آنذاك: أحمد خيري سعيد وحسين فوزي ومحمود عزي ومحمد تيمور ومحمود طاهر لاشين وغيرهم.. كان أول مادعت اليه. رفض التراث العربي كمصدر للالهام. واعتبار النموذج الاوروبي هو المثل الذي يجب ان يتجه اليه الادباء حين يبدعون اعمالهم.
وقد يبدو غريبا ان تلك الدعوة رفعت شعارا هو: "فلتحيا الاصالة. فليحيا الابداع. فليحيا التجديد والاصلاح".. فالقسمان الاخيران من الشعار مفهومان ومطلوبان في كل حين أما القسم الأول وهو التأكيد علي إحياء الاصالة فإنه يبدو غريبا. وغير مفهوم. في ظل المناداة برفض التراث العربي. وان كان مما يغفر لذلك الشعار انه ظهر في وقت لم تكن الشخصية المصرية قد تعرفت الي هويتها الحقيقية بعد.. فقد كانت موزعة بين عشرات التيارات والاجتهادات. مابين اسلامية وفرعونية وبحر اوسطية وشرقية وعربية وغيرها. فهي لم تسفر عن ملامحها العربية الواضحة الا في الاربعينيات من هذا القرن.
ومع ان يوسف ادريس لم يستلهم التراث في قصصه القصيرة. فإنه كان تعبيرا فعليا عن الاصالة. بمعني ان اعماله كانت قصصا مصرية خالصة. دون اللجوء الي التقليد. وربما الاقتباس من الاعمال الادبية الاوروبية.. وهو ماكان يفعله كتاب الفترة. بدءا بمحمود كامل. مرورا بالبدوي وجوهر والورداني وغراب وعبدالقدوس وغيرهم.. ولعله من هنا جاء قول ادريس. انه اعتبر مهمته الاولي خلق ادب مصري حقيقي. بدلا من التقليد الباهت للادب الاوروبي المتأنق الذي افترش الساحة الادبية المصرية في اواخر الاربعينيات.
والحق انه اذا كانت دعوة المدرسة الحديثة في الاتجاه الي المثل الاوروبي. بهدف تدمير الفاسد والرجعي واقامة المفيد والضروري فإن الرفض المطلق للتراث العربي. قد عكس تأثيراته السلبية القاسية فيما بعد. من حيث التبعية للاتجاهات الاوروبية. وفقدان الشخصية الفنية المتميزة. بل والنظر الي اعمالنا مهما تفوقت باعتبارها الادني بالقياس الي الاعمال الفنية في الغرب.
ثمة رأي انه ليس للرواية العربية تراث. وعلي كل كاتب روائي عربي ان يختار لنفسه وسيلة للتعبير. دون ان يأنس الي من يرشده في ذلك. ولابد والحال كذلك من ان يعتور عمله النقص. ويشوبه الخطأ لذلك فإن الدعوة الي الارتباط بالتراث. الي احيائه وتحقيق التواصل معه في اعمالنا الفنية المعاصرة. هي دعوة صحيحة وايجابية. لأنها تمثل خطوة مؤكدة في سبيل استرداد الذات. واعادة اكتشافها فالاديب المصري ليس مجرد مقلد للأعمال الادبية الغربية مع بدهية الافادة المحسوبة من فنياتها. واذكرك في المقابل. بإفادة الادب الغربي من فنيات الف ليلة وليلة لكنه يجد ارهاصات أعماله. وبداياته الفعلية. في تراث العرب. وفي تراث المصريين القدامي كذلك.. ومن هنا تأتي اعادة النظر في التراث الادبي المصري والعربي. حتي ذلك التراث الذي تصورناه خاليا من الفنون الادبية المعاصرة. كالمسرحية والرواية والقصة القصيرة. اما المحاولات التي شغلت بالتأكيد علي وجود تلك الاجناس في ادبنا القديم. فإننا يجب ان نوليها ماتستحقه بالفعل من اهتمام وتقدير.
وبالتأكيد. فإن استلهام التراث هو اعادة اكتشاف للطاقات الفاعلة فيه. العودة الي التراث لاتعني الانكفاء علي الماضي. ولا اعتباره النموذج الامثل الذي يصلح لكل زمان ومكان. لكنها تعني تمثل هذا التراث. الاعتزاز به كثقافة قومية اصيلة. بهدف الانطلاق الي المستقبل.
.....................................
*المساء ـ في 11/7/2009م.

د. حسين علي محمد
17-07-2009, 01:17 AM
...............................................

للشمس سبعة ألوان
قراءة فى تجربة أدبية

بقلم: محمد جبريل

الطبعة الأولى
كتاب الجمهورية ـ يونيو 2009م.


...............................................


إلى ماهر شفيق فريد




تعرفين كم هو صعب وثقيل على المرء أن يكون كاتباً
ديستويفسكى فى رسالة إلى قريبته إيفانوفا


.................................................. ...

هذا الكتاب حصيلة شهادات ، كتبتُها فى مناسبات مختلفة حول التجربة الإبداعية فى حياتى . كتبت فى فترات متباعدة ، وإن كان محورها نظرتى إلى العملية الإبداعية من خلال الأعمال التى أتيح لى كتابتها ، أو ما يمكن تسميته " تجربتى الأدبية " [ نشرت شهادتى عن " الأسوار " فى كتاب " قراءة فى أدب محمد جبريل الذى نشر عام 1984 ، فهى أول ما كتبت عن تجربتى الأدبية ] . قد تبدو كل شهادة مستقلة فى ذاتها ، وقد يتكرر الرأى الواحد ـ وربما الواقعة الواحدة ـ فى أكثر من شهادة ، لكن مجموع الشهادات يمكن أن يقدم للقارئ صورة كلية لآراء الكاتب فى العملية الإبداعية ، من خلال محاولة الإجابة على العديد من الأسئلة التى تشغل الكاتب ، وتشغل قارئه فى آن معاً
أردت بهذا الكتاب ، أو بهذه المجموعة من المقالات التى تتناول وجهة نظرى فى قضايا الأدب والفن ، أن أفسر بعض الأمور ، مستعيناً فى توضيح ما أقول ، بما صدر لى من أعمال إبداعية ، فضلاً عن إبداعات الآخرين ، والشهادات التى تتوافق مع وجهات نظرى ، أو تختلف معها ، محصّلة لقراءات إيجابية فى الكثير من كتب النقد الأدبى والدراسات الأدبية ، والسير الذاتية للأدباء . لم تشغلنى فلسفة الكاتب ولا اتجاهه الأيديولوجى أو الفنى . ما شغلنى فحسب هو الرأى الذى أوافق عليه ، أو أختلف معه ، فأناقشه . ربما أميل إلى رأى يصدر عن كاتب ماركسى الأيديولوجية ، وأختلف مع رأى يصدر عن كاتب يؤمن باليقين الدينى ، لا لأنى أومن بالماركسية ، أو لأنى كاتب غير متدين ، وإنما لأن الرأى المحدد يخاطب قناعاتى ، بصرف النظر عن السياق الذى اقتطعته منه . هذه الكلمات أقنعتنى ذاتها ، فلا شأن لى بهوية كاتبها ، ولا ببحر الكلمات الذى كانت تسبح فيه ..
قد يلحظ القارئ إطالة فى بعض الفقرات ، واختصاراً فى فقرات أخرى ، أو مجرد الإشارة إلى ما كان يستحق الإفاضة .. لكن ملاحظتى ـ كقارئ ـ أن طول مساحة القضايا التى تثيرها المقالات ، أو قصرها ، أو غيابها أحياناً ، لأنها تكمل بعضها البعض . فوجهة النظر المستفيضة فى مقال ، أكتفى بالإشارة إليها ، أو أهملها ، فى المقالات الأخرى ..
هذه المقالات ، تشكل ـ فى مجموعها ـ وجهات نظر واضحة ، محددة ، من قضايا العملية الإبداعية فى أبعادها المختلفة . ثمة رأى أن المبدع هو ـ فى الأغلب ـ أسوأ من يستطيع الحديث عن إبداعه . لكن هذه المقالات تتسم بالعمومية لا بالتخصيص ، تتحدث عن العملية الإبداعية فى عمومها ، وتشير إلى نماذج للكثير من المبدعين ، وحسبت نفسى واحداً منهم . وإذا كنت قد أفدت من آراء الآخرين لتأكيد آرائى ، أو للتدليل عليها ، فليس معنى ذلك أنى أتحاشى المؤاخذة ، أو أحاول نفى نسبة تلك الآراء لنفسى على أى نحو ، ولا حتى لاقتناعى بتلك الآراء . إنها آراء ووجهات نظر أومن بها ، أدعمها ـ هل هذا هو التعبير الأدق ؟ ـ بآراء ووجهات نظر أخرى لكتاب عرب أو أجانب ، بصرف النظر ـ كما أشرت ـ عن انتماءاتهم الأيديولوجية ، أو التيارات الفنية التى يدعون إليها ، أو يعبرون عنها . ما وجدت فيه مرآة لآرائى ، نقلته باعتباره كذلك ، وما اختلفت معه ، عرضته للمناقشة والتحليل واختلاف الرأى ..
والحق أنى ترددت فى نشر هذه المقالات ، إدراكاً منى بأنه ينقصها ما يمكن إضافته .. لكن الكمال مطلب يصعب على المرء ـ ويصعب على كاتب هذه السطور بخاصة ـ أن يبلغه . من هنا ، جاوزت التردد إلى نشر المقالات ، فهى ـ فى المحصلة النهائية ـ تعبير عن آراء ووجهات نظر فى العملية الإبداعية . ربما أضيف إليها فى مقالات تالية [ وقد أضفت بالفعل أسماء روايات وشخصيات من أعمال تلت كتابة هذه المقالات ، ونشرها فى الدوريات المختلفة ] ، وقد أجرى بالحذف والتبديل ، لكن يقينى بالملامح المهمة فيها لم يتبدل منذ أصبحت الكتابة ـ بالنسبة لى ـ قضية حياة .
أخيراً ، فلعله يجدر بى أن أشير إلى أن أنى تناولت قضايا تتصل بمادة هذا الكتاب فى كتب أخرى : مصر فى قصص كتابها المعاصرين ، نجيب محفوظ ـ صداقة جيلين ، آباء الستينيات ، مصر المكان ، مصر : من يريدها بسوء ، مصر الأسماء والأمثال والتعبيرات ، قراءة فى شخصيات مصرية ، حكايات عن جزيرة فاروس ، وغيرها .
وأملى أن أكون قد وفقت ،

محمد جبريل ـ مصر الجديدة 16/2/2008م.

د. حسين علي محمد
17-07-2009, 01:18 AM
فهرست
1 ـ مقدمة
2 ـ الأسوار
3 ـ ملاحظات فى فن الرواية
4 ـ ماذا يريد الكاتب ؟
5 ـ دلالات الكتابة
6 ـ كلام عن الحرية
7 ـ المثقف والمجتمع والسلطة
8 ـ التجريب فى القصة الحديثة .. جذوره التراثية
9 ـ الإضافة فى الفن
10 ـ الفن إضمار .. ولكن ..
11 ـ الواقع .. والخيال
12 ـ الواقعية السحرية
13 ـ الحداثة .. وما بعدها
14 ـ القصة تكتب نفسها
15 ـ الفن : هل هو للتسلية ؟
16 ـ دلالة الحكاية بين شهرزاد وزهرة الصباح
17 ـ التراث .. لماذا نستلهم منه قصصنا ؟
18 ـ القــراءة
19 ـ القارئ .. والكاتب
20 ـ الصحافة .. والأدب

د. حسين علي محمد
17-07-2009, 01:19 AM
الأســــــــــــــوار
ـ 1 ـ
على الرغم من اختلافى مع أرنولد بنيت فى رأيه ، بأن أساس الرواية الجديدة هو " خلق الشخصيات ، ولا شئ سوى ذلك " ، فلعلى أتفق تماماً على أن خلق الشخصيات دعامة أساسية فى بناء الرواية ، الذى يستند ـ بالضرورة ـ إلى دعامات أخرى ، أقواها ـ أو هذا هو المفروض ـ " الحدوتة " ، وإن تصور بعض الذين اقتحموا عالم الرواية الجديدة ، نقاداً أو أدباء ـ أن الرواية ليست فى حاجة إليها ، وأن ما يستعين به الفنان من أدوات ، يضع الحدوتة فى مرتبة تالية ، أو أنه يمكن الاستغناء عنها إطلاقاً ..
وفى تقديرى ، أن الحدوتة هى " النطفة " التى يتخلق بها العمل الإبداعى . وأذكر أنى حين عرضت ـ للمرة الأولى فى القاهرة ـ مسرحية بيكيت " لعبة النهاية " أن إعجاب النقاد تركز على خلوها من الحدوتة . وكان ذلك ـ فى تقديرهم ـ هو " الجديد فى الرواية الجديدة " . كانت القاهرة تعانى ـ كعادتها ـ غربة حقيقية عن الواقع الثقافى المتجدد فى الحياة الأوروبية . وكانت القلة تسافر وتشاهد وتقرأ ، والكثرة تنتظر ما يفد ـ متأخراً ـ وتقف منه ـ فى كل الأحوال ـ موقف الإعجاب . ولعلنا نذكر ما فعله الكاتب الساخر أحمد رجب ، حين طلب آراء عدد من كبار مثقفينا فى مسرحية من تأليفه على أنها لدورينمات . وتبارى مثقفونا فى إبراز الجوانب المتفوقة فى المسرحية المزعومة . وكتب الحكيم يا طالع الشجرة ومصير صرصار تأكيداً لريادته المتطورة .. وظواهر أخرى كثيرة ..
أقول : حين عرضت لعبة النهاية ، وتركز إعجاب النقاد على خلوها من الحدوتة ، كان لأستاذنا نجيب محفوظ رأى آخر . ونشرت معه حواراً فى جريدة " المساء " ملخصه أن العمل الفنى بلا حكاية ، بلا حدوتة ، يصعب ـ مهما يتسم بالجدة ـ أن يسمى عملاً فنياً ، لأنه ـ حينئذ ـ يفتقد أهم مقوماته ، واستطاع ـ فى الحوار ـ أن يروى الحدوتة ، الدعامة التى استند إليها بناء المسرحية .
الحكاية ـ كما يقول فورستر ـ هى العمود الفقرى . ويقول هيربرت جولد : إن كاتب القصة يجب أن تكون له بالفعل قصة يحكيها ، فلا يقتصر الأمر على مجرد نثر جميل يكتبه . وقيل إن الرواية " فن درامى يقوم على أساس الحدث " . ولعلى أذكر قول تشيكوف : إن الكاتب لا يكتب قصة قصة قصيرة إلا عندما يريد التعبير عن فكرة . حتى ألان روب جرييه يؤكد أن الروائى الحقيقى هو الذى يعرف كيف يقص الحكاية . وفى مقدمة يا طالع الشجرة ـ ذات الشكل السوريالى ـ كتب الحكيم : " المسرحية لا بد أن تحمل معنى . ولا يكفى فيها المعنى الداخل فى ذات تشكيلها . ربما استطاع الشعر ـ خصوصاً السوريالى والدادى ـ أن يحمل معنى وجوده فى ذات صياغته ، ولكن المسرحية ، وكذلك القصة ، لابد أن تقول شيئاً " ..
الحدوتة إذن هى الدعامة الأولى فى بناء أى عمل فنى ، ثم تأتى بقية الدعامات ، وفى مقدمتها محاولة الإفادة من العناصر والمقومات فى وسائل الفنون الأخرى ، كالفلاش باك والتقطيع فى السينما ، والهارمونى فى الموسيقا ، والتبقيع فى الفن التشكيلى ، والحوار فى المسرحية إلخ . وكما يقول هنرى جيمس فإن الفكرة والشكل هما الإبرة والخيط ، ولم أسمع بعد ـ والكلام لهنرى جيمس ـ عن نقابة للخياطين أوصت باستعمال الخيط دون الإبرة .
ولقد كانت الحدوتة ، الحكاية ، الفكرة ، التيمة ، الحدث ـ سمها ما شئت ـ هى الباعث الحقيقى لأن تتحول الأسوار فى ذهنى ـ قبل كتابتها بأعوام ـ إلى أحداث ومواقف وشخصيات . ثم تتخلق فى أشكال هلامية عدة ، قبل أن تأخذ ـ فى طريقها إلى المطبعة ـ سماتها النهائية ..
فماذا كانت " الحدوتة " التى أملت كتابة الأسوار ؟
ـ 2 ـ
إن السؤال الذى ربما يلح على بعض المتصدين للعمل الوطنى ، دفاعاً عن حق الجماهير فى حياة آمنة ، هو : هل يعى هؤلاء الذين بذلت الحياة لنصرة قضاياهم قيمة ما أفعل ؟.. وهو سؤال يحمل السذاجة والانتهازية فى آن معاً ، ذلك لأنه يعامل مصير الجماعة بمنظور شخصى بحت ، ويناقش الأمور بمنطق المكسب والخسارة .
الإنسان صاحب القضية يختلف عن الإنسان العادى فى أنه يبذل كل شئ ، حتى النفس ، من أجل نصرة ما يرى أنه حق ، ومن أجل دفع ما يرى أنه ظلم . بل لعله يعلم يقيناً أن ثمرة الانتصار لن تصل بحال إلى يده ، بل إن مصيره أقرب إلى الموت . مع ذلك ، فإنه لا يتقاعس عن نصرة الاتجاه الذى يؤمن به . وكما تقول نتاليا بطلة تورجنيف الشهيرة : إن الذى يسعى إلى غاية جليلة يجب أن ينقطع عن التفكير فى نفسه . ربما المنطق العادى يحمّل المسيح مسئولية صلبه ، فقد كان أدرى الناس بصورة المأساة المقبلة ، ويحمّل الحسين مسئولية استشهاده ، فهل يقوى سبعون على محاربة سبعين ألفاً ، ويحمّل جيفارا مسئولية اغتياله فى أحراش بوليفيا ، فهو الذى كان يعلم جيداً بتلمس المخابرات الأمريكية لخطواته . لكن الخطأ فى طرح القضية بهذه الصورة ، ذلك لأن " المناضل " يؤمن بعدالة القضية وقداستها حتى على النصر ذاته ، وبالتالى على الهزيمة له ولأتباعه ، والتى قد تصل إلى التصفية الجسدية . كان الأستاذ فى الأسوار يعلم بالمصير الذى ينتظره فى نهاية النفق ، مثلما كان جيفارا يثق أن المخابرات الأمريكية تترصد له حتى تغتاله ، منذ اختار سبيل تصدير الثورة إلى خارج كوبا " مرحباً بالموت مادامت يد ثورية تمتد لتقبض على أسلحتنا من بعدنا " ، ومثلما كان الليندى ينتظر الاغتيال نهاية لإصراره على البقاء وحيداً ، وأعزل ، فى وجه القوات التى اقتحمت قصره ، ومثلما كان الحسين يعلم باستشهاده وهو يقود فرسانه القلائل من الحجاز إلى العراق . وعلى حد تعبير المستشرق الألمانى حاربين ، فإن " حركة الحسين فى خروجه على يزيد ، إنما كانت عزمة قلب كبير ، عز عليه الإذعان ، وعز عليه النصر العاجل ، فخرج بأهله وذويه ذلك الخروج الذى يبلغ به النصر الآجل بعد موته ، ويحيى به قضية مخذولة ليس لها بغير ذلك حياة " . ويروى عن الإمام على قوله : لا تزيدنى كثرة الناس حولى عزة ، ولا تفرقهم عنى وحشة ، وما أكره الموت على الحق . كان الحسين يمتلك اليقين . وكان أعوانه الاثنان والسبعون يمتلكون اليقين نفسه ، بأن المعركة التى اتجهوا إليها صباح العاشر من محرم ، ستنتهى باستشهادهم ، لكن الدافع لم يكن مجرد الرغبة فى الاستشهاد ، فى الموت . كان الدافع هو التعبير عن رفض القهر والظلم ، حتى لو كان المقابل لذلك هو الموت . سقط كل جند الحسين شهداء ، فظل يواصل القتال بمفرده . حمل على جند الكوفة حتى شق صفوفهم بجرأة مذهلة ، ثم سقط بضربة سيف فى العنق . وأمر عبيد الله بن زياد ، فمثل بجسد الحسين ، وترك جثمانه للجوارح . أما الرأس ، فقد دفن ـ فيما بعد ـ فى كربلاء ، وإن ظلت أعداد كبيرة من المصريين تؤمن بأن رأس الإمام الشهيد مدفون فى جامعه بالقاهرة ..
وأغلب ظنى أن مصطفى كامل كان سيتخلى عن مبادراته الوطنية ، لو أنه عانق اليأس الذى فرضه التصور بأن الشعب المصرى يتقاعس عن التحرك وراءه ، نشداناً لحريته . عاب مصطفى كامل ـ فى لحظات سخط ـ على الأمة أنها " لا تسعى للوصول إلى هذا المرام السامى ، وإلى تحقيق أمنيتها . بل تريد أن تأتيها الحرية وهى نائمة ، فتوقظها من نومها " . وهو يقول فى رسالة إلى صديق : " ها أنا ذا أنتظر من يتبعنى ، وأظن الأيام والليالى تمر ، ولا يتبعنى غير الهواء " . ويقول فى رسالة أخرى : " إنى عالم بأنى لا أستطيع الاعتماد على أحد من أبناء جنسى ، وإنى إذا صودرت يوماً بأية طريقة كانت ، لا أجد من أمتى عضداً أو نصيراً ، وهذا ما يحزننى كثيراً . فإنى مع ارتياحى للمهمة التى عرضت نفسى للقيام بها ، والغرض الشريف الذى أعمل له ، أرى غيرى من الذين أحب التشبه بهم ، كفرانكلين وغيره ، كان يعمل ووراءه أمة تعزز مطالبه ، وتدافع عنه ، بعكس ما أنا فيه " . ويقول فى رسالة : " دعنى بالله عليك من هذه الأمة التى بلانى الله بأن أكون واحداً من أبنائها " إلخ [ لا تنشغل بتذكر مقولاته المعلنة مثل قوله إنه لو لم يولد مصرياً ، لتمنى أن يكون مصرياً ! ] . لكن الزعيم أدرك ـ فيما بعد ـ أن انتفاضات الشعب لا تتحقق يخطب تشتعل حماسة ، فالتحرك الجماعى يستند إلى التوعية أولاً ، فالإعداد والتنظيم ، فضلاً عن دعامة الوقت التى تضع لكل خطوة توقيتها وحسابها . والحقيقة التاريخية تضغط على أن صلب المسيح هو الدعامة التى تماسك عليها إيمان أتباعه بخلود رسالته وتواصلها . كذلك فقد كان استشهاد الحسين بداية طريق طويلة من الثورات المتلاحقة ضد السلطة الظالمة ، أياً تكن . وكان مقتل جيفارا دافعاً للمزيد من الحركات الثورية فى أمريكا اللاتينية . ولا يخلو من دلالة قول سلفادور الليندى ـ قبل دقائق من اغتياله ـ بأيدى قوات الانقلابيين ـ " إنى موقن أن تضحيتى لن تذهب هباء ، وأنها ستكون على الأقل درساً معنوياً لعقاب الغدر والخيانة والجبن " . فماذا أقول عن الخديعة التى استلبت أستاذ الأسوار من وسط أتباعه ، لتودى به إلى المصير المؤلم ؟
كان محمد بن إبراهيم الحسينى العلوى يمشى فى بعض طرق الكوفة ، فنظر إلى عجوز تتبع أحمال الطرب ، تلتقط ما يسقط منها ، وتضعه فى كسائها الرث . فلما سألها عما تصنع بذلك ، قالت : إنى امرأة لا رجل لى يقوم بمؤنتى ، ولى بنات لا يعدن على أنفسهن بشىء ، فأنا أتتبع هذا من الطريق ، وأتقوته أنا وولدى . فبكى محمد بطاء شديداً ، وقال : أنت وأشباهك تخرجونى غداً حتى يسفك تماماً . وفجر محمد بن إبراهيم الحسينى العلوى ثورته العظيمة التى استمرت فترة طويلة ، وتعاقب عليها ـ بعد استشهاده ـ العديد من الثوار ، وامتدت إلى العراق والشام والجزيرة واليمن . ومع أن الصوفى لا يعنيه إن كان مجتمعه يعانى عسف حكامه ، أو أوضاعاً اقتصادية سيئة ، ذلك لأن فلسفة التصوف تكمن فى فناء العاشق فى المعشوق ، العبد الفقير الفانى فى الخالق الأعظم الباقى بعد فناء الأرض ومن عليها ، ثم فى الاعتزال التام لحياة البشر ، والانكفاء على الذات والمجهول من الأسرار ، وتفحص المخلوقات نشداناً لروح الخالق .. مع ذلك ، فإن أبا منصور الحلاج رفض أن يغض بصره عن الظلم الرهيب الذى كان يعانيه مجتمعه فى حكم العباسيين ، فنزل إلى الأسواق ، يبصّر الناس ـ بالرمز ـ بحقيقة أوضاعهم ، ويحثهم على أن يدافعوا عن حقوقهم ، ويثوروا على ظلم الحاكم ، فقبض عليه الحاكم ، وشهد ضده أقرب رفاقه ـ الإمام الشبلى ـ فاتهمه بالزندقة ، وحكم عليه بالصلب على جذع شجرة ، تطل على شاطئ الكرخ ببغداد . وبالمثل ، فلم تكن ثورة الحسين طلباً للسلطة بقدر ما كانت محاولة لاستعادة الحق الذى طال احتجابه على يدى يزيد بن معاوية . وكانت الأهداف التى ناضل من أجلها الحسين ، تمثل المصالح العريضة للجماهير الكادحة . وحين خرج على معاوية ، فقد كان موقناً من تأييد هذه الجماهير له ، ومحاربتها إلى جانبه . لكن الظروف الموضوعية لم تكن مواتية لنجاح الثورة . وكان فى مقدمة تلك الظروف غياب الوعى عن الكثرة الغالبة من جماهير المسلمين ، ومن ثم فقد أخفقت الثورة ، وإن ظلت أفكارها فى عقول القلة التى ظلت تتكاثر بما تبدّى فى تلك الثورات المتلاحقة ، والمتكررة ، فى المجتمع الإسلامى . كان مع الحسين ـ فى كربلاء ـ اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً ، استشهدوا جميعاً ، وواجه الحسين بمفرده جيش عبد الله بن زياد . مع ذلك فإن مقاتلى ابن زياد هموا بالفرار ، خوفاً من أن يصابوا على يدى الحسين ، ولما صاح فيهم شمّر بن ذى الجوشن : " ويحكم ماذا تنظرون بالرجل ؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم " ! حملوا على الحسين من كل جانب ، وضربه زرعة بن شريك التميمى على يده اليسرى ، فقطعها ، وضربه آخر على عاتقه ، فسقط على وجهه ، وقام ، وسقط ، والرماح والسيوف توالى طعنه ، حتى مات بثلاث وثلاثين طعنة وأربع وثلاثين ضربة ، غير الرمية بالنبل والسهام . وأقدم شمر بن ذى الجوشن على جسد الشهيد ، فذبحه ، واحتز رأسه . لقد أصبح الحسين ـ بعد مأساة كربلاء ـ " سيد الشهداء ، ورمز الإيمان والفداء ، وموضع الحب والتقديم والإكبار " . كذلك فلم يكن فى مغادرة جيفارا لموقعه المتفوق فى كوبا ، وانشغاله بالقتال ضد السلطة الديكتاتورية فى بوليفيا ، تطلعاً لمنصب ، لكنه حمل السلاح دفاعاً عن حق شعب بوليفيا فى حياة خالية من الظلم . رفض أن يشاهد الإنسان الضحية فى حلبة المصارعة ، ويتمنى نجاته . إن عليه أن ينزل الحلبة ، ويشارك الضحية مصيرها ، إما إلى الانتصار أو الموت . كان جيفارا ينتمى إلى عائلة موسرة . وكانت مهنته كطبيب تتيح له حياة اجتماعية طيبة ، لكنه ارتدى " الكاكى " ، واختار الثورة ضد الرداءة حيث توجد . كان بوسع جيفارا أن يطمئن إلى منصبه كوزير للصناعة ، بعد أن أفلحت الثورة الكوبية فى انتزاع النصر ، لكنه فضل أن يواصل النضال فى موقع آخر . تخلى عن كل مناصبه وسلطاته فى كوبا ، وترك أطفاله فى رعاية الثورة الكوبية ، وانطلق ليواصل الثورة فى إفريقية ، ثم فى أمريكيا اللاتينية ، حتى لقى مصرعه فى بوليفيا . وكتب إلى كاسترو ـ قبل أن يسافر إلى أحراش بوليفيا : " إنى لم أحزن لأنى لم أترك لزوجتى وأولادى أى شئ مادى . على أنى مسرور لهذا ، ولا أطلب لهم أى شئ " . وواجه جيفارا لحظة المفاضلة بين الكرامة ونقيضها عند أسره فى بوليفيا . حاول أحد الضباط أن يسخر منه ، فركله جيفارا بقدمه ، بحيث ألقاه بعيداً . وحاول ضابط آخر كبير ـ هو الجنرال هوجاريتشى ـ أن يدفعه إلى الكلام ، فبصق جيفارا فى وجهه . ودفع الثمن ـ بالطبع ـ فى اللحظة التالية : " هذا الشىء القليل الذى نستطيع تقديمه : حياتنا وتضحياتنا " . والمؤكد أن جيفارا كان واعياً بالمصير الذى تقوده إليه خطواته ، وبأن الاستشهاد هو المصير الذى ينتظره فى نهاية الطريق . ورغم معرفته اليقينية بذلك ، فإنه أصر على السير فى الطريق إلى النهاية [ أذكرك بما قاله الحسين وهو فى طريقه إلى كربلاء ] لكنه تطلع إلى تحرير الجماعة بتحريكها ، فإذا استشهد مقابلاً لما يؤمن به ، فإنه سيعطى المثل لمعنى الإيمان بالقضية ، وبالمثل الأعلى ، وللمترددين والمتخاذلين ، بما يتيح الصحو لشعوب طال نومها .
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-07-2009, 01:19 AM
لم يكن فى دعوة الأستاذ [ الأسوار ] شبهة غرض شخصى . تحمّل الاشتغال والتعذيب ، وأسلم نفسه إلى الموت دفاعاً عن هؤلاء الذين أحبهم أكثر من نفسه . أما الحسين ، فقد خذله الشيعة الذين استغاثوا به ، وتركوه للمصير المؤلم تحت سنابك خيل الأمويين ، وانطلقت الرصاصة التى قتلت جيفارا من مسدس ضابط بوليفى صغير ، بذل المناضل الأرجنتينى حياته دفاعاً عن حقه فى الحياة . وكان نزلاء المعتقل ـ حلمى عزت بالذات ، ذلك الذى حماه الأستاذ من أذى الآخرين ـ هم الذين دبروا القرعة الظالمة ، ليدفعوا بالأستاذ إلى الشهادة دفاعاً عن الجميع . أسر بكر رضوان [ الأسوار ] إلى نفسه ـ غداة إحدى مرات الإفراج عنه ـ " هؤلاء الناس ـ أبناء الأنفوشى ـ هم محبوبه الذى ضيّع العمر إشفاقاً عليه . فهل كان الحب من طرف واحد ؟ هل تعنى المحبوب اللحظة ، مقطوعة الصلة بما مضى ، وما سيأتى ؟ وهل تعذب القلب لقلوب تجد الراحة فى العذاب ؟.. هذه الكلمات ـ وبكر رضوان يرى أهله وناسه منصرفين عن واقعهم الأليم ، كأنما لم يدفع أعواماً من حياته فى سبيلهم ـ تذكرنا بكلمات الحسين بن على فى حشد الجيش الأموى ، يوم العاشر من المحرم : " تباً لكم أيتها الجماعة وترحاً . حين استصرختمونا والهين ، فأصرخناكم مرجفين . سللتم علينا سيفاً فى إيمانكم ، وحششتم علينا ناراً أوقدناها على عدونا وعدوكم ، فأصبحتم ألباً على أوليائكم ، وبدا عليهم لأعدائكم ، بغير عدل أفنوه فيكم ، ولا أمل اصبح لكم فيهم ، إلا الحرام من الدنيا أنالوكم ، وخسيس عيش نعمتم فيه " . وكان ما أسره بكر رضوان ، أو ما أعلنه الحسين ، هو الهاجس الذى لابد أنهم خاطبوا به أنفسهم ، أو أعلنوه للجماعة ، هؤلاء الذين بذلوا النفس دفاعاً عما هو حق وصدق وعدالة [ فى زماننا الردئ ، فإن شخصية بكر رضوان تذكرنى بقادة اليسار المصرى الذين أمضوا أجمل سنى حياتهم فى معتقلات عبد الناصر . هتفوا بحياته ، وبشعارات المرحلة ، وهم يلقون أبشع ممارسات التعذيب ، حتى الموت . ظلوا يهتفون لعبد الناصر والثورة والاشتراكية ، وسط الضربات المتلاحقة التى لم تهدأ إلا بعد أن هدأت أنفاسهم ، وماتوا . جاوزوا آلامهم الشخصية ، وجعلوا الوطن قضية ، لا يعدلون بها قضية أخرى . كان عبد الناصر على صواب فيما يدعو إليه ، ويطبقه بالفعل ، فتناسوا العذاب الذى لاقوه بأيدى أعوانه ، وأعلنوا ولاءهم للبسطاء ، وللثورة ، وللغد الذى يعلو فوق العذابات الشخصية !. لو أنهم نظروا إلى المصالح العامة من منظور مصالحهم الشخصية ، مثلما فعل الرأسماليون والإقطاعيون الذين أضيروا بقوانين الثورة ، فلعلهم كانوا الآن هم الأعلى صوتاً ضد عبد الناصر ومعطيات عهده ] . لكن البذل لم يهدر ، والصيحة المخلصة لم تواجه التلاشى فى وادى الصمت . كان الشعور بالإثم هو الدافع لأن يقتل يهوذا نفسه بعد أن أسلم المسيح إلى قاتليه . وهو الدافع أيضاً لأن يزداد أتباع المسيح تمسكاً بتعاليمه . وكان الشعور ذاته هو الذى جعل جيفارا قدوة ومثلاً بين حركات التحرر فى دول العالم الثالث ، وارتسمت حول المناضل الشهيد هالة القداسة والأسطورة . وكان أيضاً هو الشعور الذى ارتقى بالحسينية إلى مرتبة العقيدة . ففى مقدمة النتائج الإيجابية لفاجعة كربلاء ، ولعلها أخطر نتائجها ، أنها دخلت الضمير الإسلامى آنذاك ، وهزته هزاً عنيفاً . حركت فى النفوس ما كان خامداً ، وما ران عليها من استكانة إلى الواقع الذى فرضه الأمويون . تمازج الإعجاب بالوقفة الأسطورية لسبعين مقاتلاً ضد سبعين ألفاً ، بالحرص على الشهادة رغم يسر النجاة ، بإلقاء السؤال الأهم : ماذا بعد ؟ ، بحساب الذات عن التقاعس والتواكل ، بإعادة النظر إلى ما سبق ، وما يجرى حالاً ، والتفكير فى ضرورة التغيير . ولعله يمكن القول إن فاجعة كربلاء ـ رغم بشاعتها ـ كانت ثورة كاملة . أحدثت التأثير الذى تحدثه الثورات فى تحريك النفوس ، وإلحاجها على التغيير ، حتى يتحقق المجتمع الأفضل . تعددت ثورات التوابين ، همها تفريغ ما استشعره الحسينيون من الندم والحقد ، فى حركات ثورة متتالية ضد الحكم الأموى . ثم فيما تلا ذلك من السلطة المستبدة ، أيا تكن صورتها ومظاهرها . وربما كان ذلك هو الشعور نفسه الذى تحرك فى نفوس الزملاء القريبين ، بل كل نزلاء المعتقل ، بعد أن بذل الأستاذ نفسه فى سماحة ، دفاعاً عن حقهم فى الحرية ، وفى الحياة . لم تدفعه الخيانة الواضحة إلى رفض القرعة ، لكنه أسلم النفس إلى جلاديه فى قناعة المؤمن بأن شهادة الفرد قد تكون فداء للجماعة ، وخلاصاً لها . وكما يقول برتراند راسل فإننا حين نعرف النهاية نغدو أقوياء ..
أخيراً ، فإنى أتفق مع جون مورلى فى أن " الأفراد الذين يرون الضوء ـ وهم بطبيعة الحال الأفراد المثقفون ـ إذا أحجموا عن احتمال ما عليهم من تبعة ، فإنهم يضاعفون العلل الأخلاقية فى المجتمع . وهم لا يحرمون المجتمع من مزايا التغيير فحسب ، بل من يرون شعوره بالحاجة إلى التغيير ضعفاً ، وإيقاظ الإحساس الأخلاقى فى المجتمع من العوامل الهامة فى تقدمه [ المثقف الذى أعنيه ، هو الذى يملك استعداداً للتضحية بصالحه الشخصى من أجل صالح الجماعة ، لا يكتفى بترديد الشعارات عن الديمقراطية وإنكار الذات ، وإنما يحرص على تطبيق تلك الشعارات بالفعل ] . ولعل السبب المباشر فى انحطاط كثير من المجتمعات ، يرجع إلى ما يطرأ على الضمائر من الفساد وضعف الإحساس الأخلاقى . ولم يصب الضعف والتخلف الإغريق لنقص علمهم بالمذاهب الأخلاقية ، وإنما أصابهم من جراء تناقص عدد الذين يقدرون واجباتهم الأخلاقية ، وما عليهم من تبعات هامة . ويعلل انتصار المسلمين على المسيحيين فى الشرق وفى أسبانيا ، بأنه راجع إلى احترامهم للواجب ، وما كان يثيره فى نفوسهم من حماسة ".

ـ 3 ـ
فى بداية الستينيات ، كنت أنشد البحث عن موضع فى حياتنا الثقافية من خلال العمل بالصحافة . عملت ـ حيناً ـ فى " الجمهورية " مع سعد الدين وهبة فى صفحة عنوانها " صباح الخير " . ولأن الصفحة كانت تعنى بالمادة الترفيهية والاجتماعية : زواج وطلاق وأعياد ميلاد وحفلات تكريم وغيرها ، ولأنى كنت أعانى قلة المصادر ـ الأدق : انعدامها ـ فضلاً عن شحوب استعدادى .. فقد بدا لى الفشل حقيقة فى الأسبوع الأول ، وإن كابرت ، وتعمدت تجاهله ، حتى الشهر الثالث . والحق أن سعد الدين وهبة كان كريماً فى تعامله معى . لم يكن فيما أسهمت به شئ يتصل بلون الصفحة ، إنما هى خواطر فى الأدب والفن . حاولت أن أقفز على مبنى الجمهورية بالمظلة دون الصعود على الدرجات المتآكلة . مع ذلك ، فإن الرجل لم يرفض شيئاً مما قدمته له . وكان يقرؤه بعناية ، ثم يسلمه ـ فى رقة ـ إلى سلة المهملات . فلما انتهى الشهر الثالث دون أن تجد خواطرى سبيلها إلى النشر ، صارحت أحمد عباس صالح ـ وأدين له بفضل مساندة خطواتى الأولى ـ بيأسى ، فأشار على بمعاودة محاولة لقاء الدكتور على الراعى ، المشرف على الصفحة الثقافية فى " المساء " آنذاك . كان الراعى غائباً ، والتقيت بكمال الجويلى ، فعرض على أن أشارك فى الباب الذى كان يحرره ، وعنوانه " كل الناس " . وبرغم أن الباب كان أقرب فى اتجاهه إلى صفحة سعد الدين وهبة ، ولعله كان أقل احتمالاً لنشر خواطرى من صفحة صباح الخير ، فإن صداقة الجويلى الطيبة ، وتسامحه ، وأبوته ، صنعت جسراً إلى العمل الصحفى ، وإلى الحياة الثقافية بالتالى ..
ويوماً ، طلب الجويلى أن أجرى حواراً مع شاب ارتكب ثلاثاً وعشرين حادثة سرقة سيارة ، قبل أن يكتشف أمره فى الحادثة الرابعة والعشرين . وروى لى الشاب عن ظروفه الاجتماعية ، وعن أجواء المعتقل الذى قضى فيه أعواماً ـ جعله تعدد السوابق من المجرمين الخطرين ـ حتى تم الإفراج عنه فى ظروف بالغة القسوة والغرابة : ألح نزلاء المعتقل فى طلب الإفراج . أرسلوا برقيات إلى المسئولين . أضربوا عن الطعام . تظاهروا . تشاجروا ـ إلى حد الاقتتال ـ مع حراس المعتقل . ثم لجأوا إلى وسيلة بشعة لتأكيد مطلبهم فى الإفراج . أجروا قرعة فى أسماء النزلاء ، واختير عشرة أسماء تعرض أصحابها للموت حرقاً ـ علانية ـ فى ساحة المعتقل . وكانت تلك الوسيلة القاسية هى الباعث لاهتمام المسئولين ، ودراسة حالاتهم ، والإفراج عن غالبيتهم . ونشرت الحوار ، ثم نسيته تماماً . حتى عادت ـ بتفكيرى فى كتابة الأسوار ـ صورة الشاب ، والحياة فى المعتقل ، والقرعة التى أحرقت عشرة أشخاص .. كانت تلك الصورة هى الإطار السردى للأسوار ، وإن داخلها ـ بالطبع ـ تصرف أملته طبيعة الرواية ، وتباين الظروف ، والتكنيك ، والدلالة . ذاب النزلاء العشرة فى شخصية الأستاذ . تعرض للمصير المؤلم بمفرده ، وعاش فى معتقل الرواية سياسيون ومجرمون عاديون . وتمت القرعة ـ عكس الحادثة الواقعية ـ بالخيانة . باختصار ، فقد كانت فكرة القرعة هى ما أفادته الأسوار من الحادثة القديمة .
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-07-2009, 01:20 AM
ـ 4 ـ
قد يبدو رأى لابروبير " كل شئ قد قيل ، وقد أتينا بعد فوات الأوان " .. قد يبدو هذا الرأى بليغاً ، لكنه ـ فى تقديرى ـ يكتفى برؤية نصف الكوب الفارغ . الإحساس باللاجدوى يصعب ـ إن لم يكن من المستحيل ـ أن يثمر شيئاً إيجابياً . لكن لابروبير أضاف ، وأضاف أيضاً أبناء جيله من المبدعين ، وأضافت كذلك أجيال أخرى تالية ، وستتحقق إضافات أخرى كثيرة فى أجيال تالية ، مما يضع مقولة لابروبير فى إطار العبارة البليغة دون أن يجاوزها إلى ما هو أبعد من ذلك . لذلك فإنى من غلاة الرافضين للتعميمات فى إطلاق الأحكام ، وبالذات فيما يتصل بنهاية نوع أدبى . فقرار الحياة أو الموت لا يملكهما ناقد ، لأن ذلك القرار ، الذى ربما أصدره الناقد وهو يتأمل السماء فى ليلة قمرية ، لن يحول دون إقدام مبدع موهوب على الكتابة ـ فى الوقت نفسه الذى أصدر فيه الناقد قراره ـ فى عمل ينتسب للنوع الأدبى الذى قرر الناقد موته . لقد أعلن ت . س . إليوت ـ قبل عشرات الأعوام ـ أن الرواية ماتت ، فأعلنت الرواية عن تواصل حياتها فى أعمال محفوظ وكامى وهمنجواى ومنيف وكازنتزاكس وجويس وماركيث وغيرهم . وكما يقول هارولد نيكولسون ، فقد " بدلت الرواية تقنيتها مراراً ، لكنها كانت تصل إلى القارئ فى كل الأحوال " . كذلك فقد أعلن إدموند ولسن ـ فى الثلاثينيات ـ أن الشعر ـ بصورته التى نعرفها ـ فى طريقه إلى الزوال ، وأن الشعراء سيتجهون ـ بالضرورة ـ إلى أشكال أخرى غير الشعر .. لكن الشعراء أهملوا ذلك الإعلان الغريب ، وقدموا معطيات متميزة . ولعلى أذكر أكثر من صيحة لناقد ، ترددت فى حياتنا الأدبية ، تنعى وفاة هذا اللون الأدبى أو ذاك . ثمة من نعى الشعر ، وآخر نعى الرواية ، وثالث نعى القصة القصيرة . أهمل المبدعون ذلك كله ، وتلقفت المطابع ـ والأدراج ! ـ أعمالاً تحفل بالتميز والجدة والإضافة ، وتؤكد انتظام أنفاس الرواية . ظلت الرواية فى موضعها المتفوق بين الفنون الأخرى ، والفضل ـ فى الدرجة الأولى ـ لتلك المحاولات المتفردة ، والمتميزة ، من فنانين متفردين ، ومتميزين ، مما قد يرين عليه من استاتيكية . الثبات والتغير هما الرئتان اللتان يتنفس بهما كل شئ حياته ، ويجد تواصله واستمراره . فإذا أبقى على الثبات دون التغير ، حكم على نفسه بالجمود ، فالموت . وإذا حرص على التغير دون مراعاة للثبات ، تشوهت ملامحه ، وفقد التواصل . من هنا ، فإن القول بنظرية للرواية هو القول بضرورة أن يكون لها خطوطها العريضة ، وسماتها العامة ، فضلاً عن نجاح كل عمل روائى يريد له صاحبه التميز ، فى أن يحقق تميزه بالإفادة من خيال الفن ووعيه وحريته فى مغادرة الأطر والتقاليد ـ فنية أو اجتماعية ـ مهما تكن ثابتة . وكانت الرواية العربية ـ على سبيل المثال ـ قبل أن يبذر نجيب محفوظ محاولاته ـ أقرب إلى ما كانت تعانيه الرواية الأوروبية فى القرن التاسع عشر ، من شوائب الوعظ والترفيه ، حتى حققت تفوقاً على يدى هنرى جيمس وجوزيف كونراد اللذين خلصا فن الرواية من معظم ما كان يعانيه من شوائب ، وأضاف إليه أبعاداً جديدة باستخدام جميع الإمكانيات التى تجعل من الرواية فناً حقيقياً .
ليس المقصود بتحديد الجنس الأدبى أن نقيم الحواجز ، ونفصل تماماً بين الأجناس الأدبية . إن بين سائر الفنون نوعاً من التكامل فى التعبير عن الذات الإنسانية . كانت وحدة الفنون قائمة فى العصور اليونانية الأولى . ثم بدأت تلك الوحدة تذوى ، وتتلاشى بالتدريج ، نتيجة للنمو المتزايد الذى فرضه التباين الاقتصادى والاجتماعى فى المجتمعات بعد العصور الأولى . وهو ما أدى إلى ظهور التخصص فى الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية والاجتماعية . فلما صار تقسيم العمل أمراً جوهرياً بالنسبة لإنتاج السلع ، كان لذلك تأثيره المباشر فى تحويل الأدب إلى وظيفة وعمل متخصص ، تقوم به جماعة خاصة ، منفصلة عن بقية الجماعات الأخرى ( فتحى أبو العينين : نصوص مختارة فى علم اجتماع الأدب ص 116 ) . الصورة المتغيرة الآن فى الروافد التى تأتى من النبع الواحد ، وتتجه إلى المصب الواحد ، روافد متشابكة تشمل الشعر والرواية والموسيقا والتشكيل والمسرح والسينما والتاريخ والموروث الشعبى وعلم الاجتماع وعلم النفس . وكما يقول الشاعر الإنجليزى صمويل بيكر ، فإن فنون الموسيقا والتصوير والكتابة هى شئ واحد . إن محصلة كل فن تأتى بتفاعله مع فنون أخرى ، تفاعل بين الوسائط والأدوات والأساليب الذاتية ، وإن كان من المهم أن نشير إلى أن عناصر علم النفس والتاريخ والاجتماع إلى غير ذلك ، والتى يحتويها العمل فى أحيان كثيرة ، لا تهمنا فى حد ذاتها ، لكن ما يهمنا ـ والكلام لألكسندر سكافتيموف ـ هو الدفعة التى تحققها داخل وحدة الكل . وحدة الفنون تعنى كسر التخوم بين السرد الروائى وفنون الشعر والمسرح والسينما والموسيقا والفن التشكيلى وغيرها ، بالإضافة إلى علوم مثل علم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس إلخ . إسقاط الحواجز المفتعلة بين الفنون المختلفة ـ والعلوم المختلفة أيضاً ـ خطوة مهمة لتطوير فنوننا بعامة ، سواء أكانت فنوناً سمعية أو بصرية . وكما يقول شاعر افريقيا العظيم ليوبولد سنجور فلا يمكن " تصور الموسيقا بدون حركة أو بدون رقص . وهذا ما نستطيع تسميته بالموسيقا التشكيلية . كما أن الرقص لا يمكن أن يعيش بدون رسم أو نحت . والحقيقة أن الرقص ـ على الأقل فى فترة الحماس الدينى فى العصور الغابرة ـ كان يعتبر دراما غيبية أو تمثيلية عن المعجزات ، ومهمة الراقص هى تجسيد الأسلاف أو الأرواح الطوطمية ، وبعثها حية من خلال الزى الذى يرتديه ، والأقنعة والشعر والموسيقا والرقص . وإلى حين ، لم يعد الرسم مقدساً ، فقد احتفظ بالكثير من أصوله " ..
لاحظ كلمات : الموسيقا ، التشكيل ، الرسم ، النحت ، الدراما ، الشعر . وبوسعنا أن نضيف إليها الرواية والسينما ليكتمل معنى وحدة الفنون . نحن نتحدث عن اللون فى الموسيقا ، والإيقاع فى الرسم ، والنغمة فى الشعر إلخ ، ذلك لأنه ليست هناك ـ كما يقول ميخائيل كيسيلوف ـ حدود فاصلة بين الفنون . فالموسيقا توحد الشعر والرسم ولها معمارها . ويمكن للرسم أيضاً أن يكون له النوع نفسه من المعمار كالموسيقا ، ويعبر عن الأصوات بواسطة الألوان . لابد أن تكون الكلمات فى الشعر موسيقا ، ويجب أن يولد ارتباط الكلمات والأفكار صوراً جديدة . ويذهب جبران إلى أن " الموسيقا كالشعر والتصوير ، تمثل حالات الإنسان المختلفة ، وترسم أشباح أطوار القلب ، وتوضح أخيلة النفس ، وتصوغ ما يجول فى الخاطر " ( المؤلفات الكاملة لجبران ـ 40 )
تعددت الأحكام فى تاريخ الفن . قيل إن عصر الشعر انتهى ، وعصر المسرح انتهى ، وعصر الرواية انتهى ، وعصر القصة القصيرة انتهى .. لكن كل الأجناس بقيت ، وتداخلت . ولعل أهم عوامل المفارقة بين الأجناس الأدبية المختلفة ، ان كل جنس لابد أن يقيم عالمه الخاص به . قد يفيد من جنس أو آخر ، لكنه يقدم فى النهاية جنسه الخاص ، صورته المتميزة .
يقول رولان بارت : إن الحكاية كامنة فى الأسطورة والخرافة والقصة والرواية والملحمة والتاريخ والمأساة والملهاة والمشهد الصامت واللوحة المرسومة والزجاج الملون والأحداث المختلفة والحوار بين الأفراد . وهى موجودة تحت أشكال تكاد أن تكون غير متناهية فى كل الأزمنة والأمكنة ، فى كل المجتمعات " ( ت أحمد درويش ) .
الحكاية ، الحدوتة هى الدعامة الأولى فى بناء أى عمل روائى ، ثم تأتى بقية الدعامات ، وهى بالنسبة للتقنية عندى الإفادة من العناصر والمقومات فى وسائل الفنون الأخرى ، كالفلاش باك فى السينما ، والتقطيع فى السينما أيضاً ، والتبقيع فى الفن التشكيلى ، والهارمونى فى الموسيقا ، ودرامية الحوار فى المسرحية إلخ .. أومن بقول بريخت : " يجدر بالكاتب ـ لكى يسيطر على القوة الدينامية للواقع ـ أن يفيد من كل الوسائل الشكلية المتاحة ، بصرف النظر عن جدتها أو قدمها " . وأتصور أن ذلك يتبدى ـبدرجة وبأخرى ـ فى كل رواياتى بدءاً بالأسوار وانتهاء برباعية بحرى ، مروراً بالصهبة و قاضى البهار ينزل البحر ومن أوراق أبى الطيب المتنبى والنظر إلى أسفل وقلعة الجبل وغيرها ..
نحن نجد فى الرواية رداً على كل ما طرح من أسئلة وهى تقدم ردها بصورة أعمق وأشد وضوحاً من الفنون الأخرى كالشعر والموسيقا والرسم وغيرها . إنها ـ كما يصفها بعض النقاد الأوروبيين ـ فن المشكلات ، بوسعها ـ وحدها ـ أن تعالج كل الأبعاد للمشكلة الواحدة .
الرواية تجسيد للحياة على نحو أعمق ، بينما وسائل التعبير الأخرى قد تعنى ببعد واحد . فثمة اللون فى الرسم ، والحركات التى تستهدف توترات صاخبة الموسيقا ، والمزاوجة بين اللغة وفهم الحياة الإنسانية
ناتالى ساروت تجد فى الرواية الجديدة ضرورة ، لأن الأرض الخصبة ـ والتعبير لساروت ـ إذا طال استغلالها ، تتحول إلى أرض عقيم . ومن الواضح أن التجديد المستمر شئ لابد منه لحياة الرواية ، بل لحياة أى فن "
(Les Nouvelles Litteraires 9, 6 ,1966 )
وفى تقديرى أن إفادة الرواية من الفنون الأخرى كالموسيقا والتشكيل والشعر وغيرها ، يعنى إفادتها ـ بلغة ساروت ـ من مخصّبات تضيف إلى الأرض المنهكة تجدد حياة . [ هنرى جيمس ينادى بوحدة الفنون من زاوية أخرى : إن بعض الفنون ـ مثل التصوير والموسيقا والعمارة ـ إذا استعان بها الروائى فى روايته ، فإنها ستساعد فى التخلص من اقتحام ذاتية المؤلف لروايته ] . الرواية الحديثة تفيد من الموسيقا : التركيب الموسيقى للسيمفونية ـ مثلاً ـ أو التركيب الموسيقى للسوناتا ، كما تفيد من فهم الفنان التشكيلى للشكل ، ومن فن المونتاج فى السينما . ويلح د . س بلاند فى أن نتعامل مع الكلمات فى الرواية ، كما نتعامل معها فى الشعر والدراما . أما همنجواى فإنه يشير إلى أن ما يتعلمه الكاتب من الملحنين ، ومن دراسة الهارمونى والكونتربونيت يبدو واضحاً فى أعماله ، كما لا يتطلب تفسيراً
على الروائى أن يثرى إبداعه بإسهامات الفنون الأخرى ، بما تملكه الفنون الأخرى من خصائص جمالية وتقنية ، فيتحقق للنص الأدبى أبعاد جديدة ـ أشارت إليها ناتالى ساروت ـ وتتحقق كذلك أبعاد جديدة للفنون الأخرى ..
وعلى سبيل المثال ، فإن الروائى ينبغى أن يكون ذا حس عال بالشعر ، بالقصيدة الشعرية ، فثمة حس للكلمة ، وحس للصورة ، وهما حسّان شاعريان . اللفظة مهمة فى الرواية ، والصورة أيضاً بالقدر نفسه لأهميتها فى القصيدة الشعرية . " الرواية الحديثة تحتوى إطاراَ شعرياً ، بل انها بدون الشعر لا يمكن أن تحيا ، ولا أن تبشّر بآفاق أخرى للمعرفة غير المنظورة " . إن المزاوجة بين التوتر الشعرى والفن السردى إضافة مطلوبة فى فن الرواية . ولعلنا نذكر اعتراف ميشيل بوتور بأنه لم يكتب قصيدة واحدة منذ كتب روايته الأولى ، فقد أحس أن الرواية ـ فى أكمل أشكالها ـ قادرة على تلقّى ميراث الشعر القديم . وكما يقول جبرا ابراهيم جبرا فإننا " لن ندرك حقيقة الطاقة الفاعلة فى الفن الروائى النثرى مالم نرجع بأصوله إلى محركاته الشعرية الأولى " .
أما اقتراب الرواية من الشعر ، واقتراب الشعر منها فى زماننا الحالى ، فلعلنا نجد تدليلاً له فى قول والتر بيتر : " يطمح الجميع لبلوغ الحالة الشعرية " . إن كل الفنون تطمح إلى الحالة الموسيقية ، وهى تفعل ذلك بواسطة الشحنة الشعرية الكامنة فيها ، والتى تحمل فى تضاعيفها الكثير من سر الموسيقا . فإذا عزلت الشعر عن تلك الفنون سقطت حالاً ، وأضحت شيئاً غير الإبداع . مهمة الروائى المبدع هى أن يحول الحياة بزخمها وتوتراتها إلى ما يشبه القصيدة ، كمن يستخلص الذهب من المعادن الأخرى ، فيتحقق للكتابة الإبداعية تألقها وتفوقها قياساً إلى بقية الكتابات . أذكر قول جبرا إبراهيم جبرا : " فالشعر سمة الأصالة فى كل فن بمعنى الكلمة . وإذا كانت الفنون كلها تطمح إلى الحالة الموسيقية ـ كما قال ولتر باتر ـ فهى إنما تفعل ذلك عن طريق الشحنة الشعرية الكامنة فيها ، والتى تحمل فى تضاعيفها الكثير من سر الموسيقا . اعزل الشعر عنها ، تسقطها جميعاً ، وتصبح شاهداً غيرالإبداع . ولعل واجب الروائى المبدع فى النهاية ، هو أن يكون قد حوّل الحياة ، بزخمها وبؤسها وروعتها ، إلى ما يشبه القصيدة ، فيكون بذلك قد استخلص الذهب من المعادن الأخرى ، وبهذا يحقق الروائى المبدع امتيازه على غير المبدع ، رغم أن الإثنين قد يعرفان الأفراح والمآسى نفسها ، ويتحدثان عن الأفراح والمآسى نفسها ، التى هى إطار الحياة اليومى لكل إنسان " .
(يتبع)

د. حسين علي محمد
17-07-2009, 01:21 AM
لقد بدأ بلزاك حياته الأدبية شاعراً ، ثم انتقل إلى كتابة الرواية . الأمر نفسه بالنسبة لهمنجواى وفوكنر وعشرات غيرهم . وظل فيكتور هوجو ـ إلى نهاية حياته ـ يزاوج بين الشعر والرواية .. وكان وليم بليك شاعراً ورساماً . وكان اليوت شاعراً وناقداً . ويذهب بول فاليرى إلى أن كل كتابة أدبية هى كتابة شعرية ..
أذكر أنى حاولت الشعر فى البداية ، وتأثرت بشعراء أبوللو . فلما أدركت أن القصيدة يصعب أن تكون لغتى التعبيرية ، تبدّت لغة الشعر فى أعمالى الروائية والقصصية ، وهو الأمر الذى يعد ملاحظة أساسية فى التناول النقدى لأعمالى . تهمنى اللغة فيما أكتب . الكلمة المناسبة فى موضعها ، الكلمة الفلوبيرية ـ على حد تعبير بورخيس ـ التى تحسن التعبير عن الفوضى الدنيوية الغامضة ، أو عن الرؤيا اللحظية الكاشفة . لا تهمنى الألفاظ الضخمة أو المهجورة أو القديمة ، ولكن تشغلنى موسيقا الحرف والكلمة والجملة ، أحذف وأضيف وأعدّل بما يحقق الاتساق والهمس الشعرى والإيحاء ذى الدلالة . . وثمة بعض النقاد يطالب القارئ أن يتمرس على تذوق الشعر حتى يمكنه قراءة الرواية الأقرب إلى صورة ذات تركيب شعرى ..
أوافق أدونيس ـ واختلافاتى معه كثيرة ـ فى أنه يمكن للقصيدة أن تفيد من الرواية كثيراً ، والرواية تفيد من الشعر كثيراً ، وبهذا المعنى تتداخل الأنواع ، لكن تظل الرواية رواية ، والقصيدة قصيدة " ( الأربعاء الأسبوعى 21/10/1987 ) . ذلك لأن الموضوع الذى يصلح فى الرواية ، قد لا يصلح ـ أو أنه لا يصلح ـ فى القصة القصيرة ، والعكس صحيح . وإلاّ فلا معنى لاختيار الفنان هذا الجنس الأدبى أو ذاك .
يقول هوجو لايختنتربت : " الحضارة فى أى عصر من العصور تعتمد على الحياة الاجتماعية والتاريخ السياسى والأحوال الجغرافية ، إلى جانب اعتمادها على لغة البلد ، ومن ثم فهناك صلة ضرورية بين الموسيقا وبين هذه الموضوعات كافة ، وفضلاً عن ذلك فإن الموسيقا تستند إلى أساس علمى يتضمن الطبيعة والرياضة . كما أن بينها وبين كل من الأدب وسائر الفنون روابط وثيقة إلى حد ما . ولقد تأثرت الموسيقا بالشعر وفن العمارة والنحت والتصوير والرقص والتمثيل والفنون الآلية ، إلى جانب تأثيرها فى هذه الفنون بدورها " ( ت . أحمد حمدى محمود ) . وكما يقول نيتشة فإن العمارة موسيقا تجمدت .
ثمة علاقة منطقية بين الشعر والموسيقا ترتكز إلى العوامل التى تجمع بين هذين الفنين . والقول بموسيقا الشعر يعنى أهمية الموسيقا بالنسبة للشعر . إن الشعر لا يصبح شعراً بدون موسيقا . ويرى جاتشيف أن الموسيقا هى أقرب الفنون إلى الأدب ، وإن تباينا فى طريقة التعبير عن الإيقاع العام للوجود ، وللعالم الداخلى للإنسان ( ت نوفل نيوف ) . أما السينما ، فإن لنا أن نتصور فيلما خالياً من الموسيقا . الموسيقا ـ كما نعرف ـ بعد مهم فى الفيلم السينمائى ، وهى كذلك بعد مهم فى المسرحية ، وكلاهما يضم القصة والديكور والأزياء والشعر ، وبالذات المسرحية الشعرية ..
ويرى البعض فى القصة اقتراباً من الشعر الغنائى . يؤكده ـ كما يقول أوكونور ـ الوعى الحاد بالتفرد الإنسانى . أما الموسيقا والرواية ، فإنهما ـ كما يقول ميشيل بوتور : " فنان يوضح أحدهما الآخر . ولابد لنا فى نقد الواحد منهما من الاستعانة بألفاظ تختص الثانى ، وما كان حتى الآن بدائياً ، عليه ـ بكل بساطة ـ أن يصبح قياسياً . وهكذا يجدر بالموسيقيين أن يكبّوا على مطالعة الروايات . كما يجدر بالروائيين أن يكونوا مطلعين على بعض المفاهيم الموسيقية " (ت فريد أنطونيوس ) . ويذهب الفيلسوف الألمانى ليسنج إلى أن الرواية والموسيقا تشتركان فى الطبيعة الزمنية التى تميزهما على بقية الفنون ذات الامتداد الفضائى . الرواية هى فن الزمن ، والموسيقا كذلك ( عبد الملك مرتاض : فى نظرية الرواية ص 199 )
لا يخلو من دلالة قول بابلو بيكاسو : " إذا أردت تعلم التكوين فى الرسم ، فإن عليك بدراسة مسرح مايرهولد ، لا يستوقفنى الفنان الذى تدرس مسرحياته ، بقدر ما يبدو مطلوباً تفاعل الفن التشكيلى والمسرح . يغيظنى ذلك الذى يحاول التجريب فى القصة القصيرة ـ مثلاً ـ ويرفضه فى الفن التشكيلى . يكتب أعمالاً يؤطرها النقد فى السوريالية ، بينما يعجز عن قراءة إبداعات تشكيلية مماثلة . الفن التشكيلى يلتحم بالفنون الأخرى ، من خلال التكوين والإطار والأبعاد والأضواء والظلال . واتساقاً مع قول سرفانتس : الرسام والأديب هما سواء ، فإن أرنولد بينيت يذهب إلى أن " التشابه بين فن الرسام وفن الروائى تشابه تام ، فمصدر الوحى فيهما واحد ، وعملية الإبداع فى كل منهما هى نفس العملية ـ مع اختلاف الوسائل ـ ونجاحهما أيضاً واحد ، وبوسعهما أن يتعلما كل من الآخر ، وبوسعهما أن يشرحا ويساندا كل الآخر ، فقضيتهما واحدة ، ومجد الواحد هو مجد الآخر " ( نظرية الرواية ـ 72 ) . أذكرك برواية " ممر ميلانو لميشيل بوتور التى تشبه فى تكوينها لوحات بول كيلى المسماة " تكوين " ، فهى تعرض للحياة فى احدى عمارات باريس أثناء فترة محددة ومحدودة من الزمن . ثمة علاقات متشابكة بين كل شقة والأخرى فى العمارة بقطع صغيرة ، تتحرك على لوحة شطرنج .
لقد نشأت الرواية من الدراما ، ومن ثم فهى تشتمل على بعض المكونات المسرحية . وتؤكد آراء نقدية عمق الصلة بين القصة القصيرة والمسرحية . لقد تنبأت الرواية ـ والقول لكونديرا ـ بفن السينما ، وتمثلته مسبقاً ( الطفل المنبوذ ـ ص 125 ) . السينما هى رواية بالصور ، حتى أن السؤال يثار : ما أساس الفيلم السينمائى : هل هو صور لرواية ، أم رواية لصور ؟. إذا كان رأى جان كوكتو أن " الفيلم هو كتابة بالصور " فإن السينما هى الأداة الشعبية ـ أو الجمعية فى تعبير آخر ـ لتقديم الفنون فى وحدتها . فقد أفادت السينما من المدارس الفنية التشكيلية المختلفة مثل التأثيرية والتعبيرية والتجريدية والسوريالية . كما أفادت الرواية من تقنية المدركات الحسية والبصرية : المونتاج ، التبئير ، الزاوية القريبة ، التناوب ، الاسترجاع . وتبادلت الرواية والسينما بعامة التأثر والتأثير . لقد أوجد كاتب السيناريو والروائى ـ فى زمن متقارب ـ طريقة الفلاش باك ـ ارتدادات زمنية إلى الماضى فى ذهن الشخصية ـ وكان ذلك نتيجة مباشرة للتأثير المتبادل بين المبدعين . كما أفاد الروائيون وكتاب القصة من القص واللصق والمزج والتقطيع ، وغيرها من فنيات المونتاج . من المبدعين الذين طبقوا ـ فى السرد الروائى ـ تقنيات السرد المرئى ، وإفادته من السرد السينمائى : نجيب محفوظ وفوكنر وهمنجواى ودوس باسوس وشتاينبك وفوينتس وماركيث وغيرهم . تبين إفادة نجيب محفوظ من تقنيات السيناريو ، منذ لاحظ صلاح أبو سيف حسه الدرامى المتفوق ، فلم يجد عناء فى تدريس السيناريو لمحفوظ ، بحيث أقبل ـ فى ما يشبه التفرغ ، على مدى خمس سنوات ـ حتى من الكتابة الروائية التى نذر لها موهبته الإبداعية ، وزواج جارثيا ماركيث بين الكتابة الروائية والسيناريو السينمائى . الأمر نفسه بالنسبة لكتاب آخرين . وقد أفدت ـ شخصياً ـ من دراسة السيناريو على أيدى أساتذته الكبار : صلاح أبو سيف وعلى الزرقانى وصلاح عز الدين وغيرهم . تبينت إمكانية ـ بل حتمية ـ تلاقح السرد القصصى وتقنية السيناريو من تقطيع واسترجاع إلخ .
ثمة آراء أن السينما فى منتصف الطريق بين الرسم والموسيقا ، والسينما ـ فى بعض الاجتهادات ـ ثمرة زواج شرعى بين الرسم والمسرح ، وقد أخذت عنهما أهم خصائصهما . أما العلاقة بين السينما والتشكيل فإننا نشير إلى قول مارسيل مارتن : " إنه فى وسعنا أن نزعم أن التاريخ الجمالى للسينما هو خلاصة مركزة من التاريخ الجمالى للرسم " . وعموماً ، فقد " ترك كل فرع من فروع الفنون التقليدية بصماته على الفيلم . كما أسهم فى تحديد قواعد تكوينه . فإلى جانب الرسم التقليدى ، هناك الرسم السينمائى على الشاشة . وإلى جانب الأدب المكتوب هناك الأدب المرئى والمسموع . وإلى جانب العرض المسرحى ، هناك العرض على الشاشة . وأخيراً ، إلى جانب الموسيقا التقليدية هناك موسيقا تحكم تركيب العمل السينمائى " ( عالم الفكر ـ المجلد السابع ـ العدد الثانى ) .
وبالطبع ، فإن العمل الإبداعى يضع قوانينه ، فلا تأتى بالضرورة من خارجه ، لا تقحم عليه ، أو تنبو عن سياقه . وعلى حد تعبير إليوت فإن القانون الأدبى الذى جذب اهتمام أرسطو لم يكن قانوناً وضعه هو ، بل قانوناً اكتشفه . لكن القصة والقصيدة والرواية والمسرحية إلخ .. من خلال التراث الهائل لكل منها ، يظل لها مواصفاتها الخاصة ، شكلها الفنى الخاص . ولعلى أصارحك أمام قول البعض وهو يدفع إليك بأوراقه : هذا نص ! . أنى أعتبر هذه الأوراق مجرد محاولة ، نثرية أو شعرية ، حتى أتبين مدى اقترابها ، أو ابتعادها ، عن هذا الجنس الأدبى أو ذاك . لا أغفل إمكانية توقعى للعمل المتميز ، العبقرى ، الذى قد يفاجئنى بجنس إبداعى لم يكن موجوداً من قبل ، لكن هذا العمل لابد أن يحمل قوانين أخرى ، خاصة ، ومغايرة ..
إن تقييم العمل الفنى ، التمييز بين الفن واللافن ، الجيد والردئ ، لا يصدر عن مجرد الذوق الشخصى ، لكنه لابد أن يخضع لمواضعات ، لمواصفات ، توجد فى العمل الفنى ، أو تغيب عنه . بمعنى أنه لابد للمبدع أن يكون على اتصال بتراث العالم ـ وليس تراث لغته فقط ـ من الإبداع ، وأن يكون على صلة بتراث العالم النقدى ، بالإضافة إلى اتصاله بالثقافة العالمية فى إطلاقها ..
طبيعى أن العمل الفنى يحتاج إلى تلقائية مساوية للتلقائية التى يريد الفنان أن تكون عليها صورة عمله ، بحيث يحدث تأثيراً وجدانياً ، هو المطلوب ـ ابتداء ـ ليسهل على القارئ متابعة العمل ، والتفاعل معه ، والتأثر به ، وإحداث الهزة ـ أو التغير ـ فى وجهة نظره للحياة من حوله . بداية لحظة الكتابة عندى فى الإمساك بتلابيب اللحظة . أبدأ الجملة الأولى ، السطر الأول ، الفقرة الأولى ، فأجاوز العالم الذى تصورته ، ودخلت عالماً آخر ، هو عالم العمل الإبداعى : أحداث وشخصيات وملامح وتفصيلات وجزئيات ومنمنمات تتخلق من داخل العمل . تفرض نفسها عليه . لا شأن لها بتصوراتى المسبقة . فى تقديرى أنه إذا أراد الفنان لروايته أن تكون فناً حقيقياً ، فإن عليه أن يوجه تأثيرها إلى مزاج القارئ ، بإضفاء صورة الحياة الحقيقية على الأحداث . تلك هى الوسيلة التى تحرص الفنون الأخرى ـ مثل الموسيقا والتصوير ـ أن توجه لها تأثيرها . أما الإسراف فى " الصنعة " ، وإقحام بعض المستحدثات التكنيكية لغير سبب ، والإلحاح على صورة العمل الفنى بزوائد الظلال والتفاصيل ، فإن ذلك كله يصنع للرواية قبراً جميلاً ، تنعم فيه بالموت من قبل أن ترى الحياة . أستعير من هنرى جيمس تأكيده بأن الرواية شئ واحد متماسك ، كطبيعة الكائنات الحية ، وبقدر تماسك أجزائها ، واتصال كل جزء ـ عضوياً ـ بالأجزاء الأخرى ، تحصل الرواية على ما يريده لها الفنان من حياة . وبديهى أن الفنان لا يكتب محاولاته لتزجية الفراغ ، أو لحفظها فى الأدراج ، ذلك لأن العمل الفنى هو وسيلة الفنان للتخاطب مع مجتمعه ، وهذا المجتمع ـ بالطبع ـ لا يتشكل من ثقافة واحدة ، أو درجات متساوية من الوعى ، أو ذوق فنى عام موحد . المجتمع ـ أى مجتمع ـ يتكون من أفراد ، لكل منهم حصيلته المعرفية ، ووعيه وانتماؤه الفكرى والطبقى ، بحيث يصبح من السذاجة تصور أن فناناً ما يصل إليهم جميعاً فى محاولاته . لذلك فإن الحرص الأهم للفنان هو أن يكون مخلصاً فى التعامل مع فنه ، ومع نفسه ، لتجد محاولاته جمهورها الذى قد تضيق قاعدته أو تتسع ، لكن هذا الجمهور هو بعض شرائح المجتمع الذى يخاطبه الفنان فى محاولاته . وبتوالى الأعمال ، وتعددها ، فى المقولة والتكنيك ، فإن اتساع قاعدة المتلقين سيصبح أمراً شبه مؤكد ، فضلاً عن قيام الاحتمال بانضمام شرائح أخرى من المجتمع . باختصار ، فإن الرواية الجديدة ليست مودة تختفى بقدوم مودات أخرى . إنها نظرية واضحة ، متكاملة الأبعاد ، قد تطور نفسها ، وقد تستغنى عن بعض المقومات ، وتضيف مقومات أخرى . لكن المقومات الأساسية تظل فى صلة الرواية العضوية بالفنون الأخرى ، والإفادة المتبادلة بينها وبين تلك الفنون [ الرواية الجديدة هى التسمية التى تطلق ـ الآن ـ على التوجهات الطليعية فى المشهد القصصى الأمريكى اللاتينى ] . وإذا كان من البديهى أن تكون للعمل الفنى مقولته ، أو دلالته ـ راجع البداية ـ فإن هذه المقولة / الدلالة يجب أن تبين عن نفسها فى ثنايا العمل الفنى ، وليس من خلال الافتعال والمباشرة . الإيحاء ـ لا التقريرية ـ هو قوام العمل الفنى . وإذا أفصح الغرض عن نفسه ، فقد العمل الفنى صفته ، واستحال منشوراً دعائياً . وكما يقول نور ثروب فتراى فإنه لا يوجد فى الإبداع خطاب مباشر ، ذلك لأن الأمر ليس ماذا نقول ، بل كيف نقول . مع ذلك ، فإن الزيف ما يلبث أن يتكشف ـ ربما للقارئ العادى ـ إن كان الهدف من التجديد مداراة نقص أو قصور فى بعض أدوات الفنان . وعلى سبيل المثال ، فإن بعض الأدباء قد يلجأ إلى اللغة البرقية السريعة ، لا لضرورة يتطلبها العمل الفنى ، أو الرغبة فى التجديد ، وإنما لقصور فى ملكات الفنان الأسلوبية واللغوية . وقد يستغنى الأديب بالحوار عن السرد للسبب نفسه ، وإن غلف محاولاته بدعوى التجديد . أذكر فيلماً أمريكياً شاهدته منذ سنوات بعيدة ، عن فنانين يعيشان فى شقة واحدة ، أحدهما موهوب ، والثانى يحاول استكمال موهبته ودعا الثانى أحد أصحاب المعارض لشراء بعض لوحاته ، فلم يجد الرجل فيها ما يستحق الشراء . وقبل أن ينصرف ، لمح لوحة تجريدية مستندة إلى الجدار فى أقصى الحجرة . وعرض شراءها حالاً . كانت اللوحة للفنان الأول . وكان الفنان ذو الموهبة الناقصة يميل إلى التقليدية فى لوحاته ، فادعى اللوحة لنفسه ، ثم راح يدلق كميات من الألوان الزيتية على مساحات من القماش ، قدمها لصاحب المعرض على أنها لوحات تجريدية ، فرفضها الرجل بالطبع ، وأتيح للفنان " الحقيقى " ـ ختاماً ـ أن يحصل على فرصته . أما ذلك الذى كان يحاول تبين هويته ، فقد ظل يحاول . إن الموهبة المتكاملة التى تسيطر على أدواتها جيداً ، هى الأرضية التى ينشأ العمل الفنى ـ بدونها ـ فى فراغ .. فهل يمكن لبناء أن يقوم على فراغ ؟

ـ 5 ـ
يقول بولان " يعرف كل امرئ أن فى عصرنا نوعين من الأدب : الأدب الغث الذى هو حقاً غير جدير بالقراءة ، وهو المقروء غالباً ، ثم الأدب الجيد الذى لا يقرأ " ..
وكانت المعادلة الصعبة التى طرحت نفسها فى البداية ، هى أن أكتب ما أطمئن إليه ، وأن يطمئن القارئ إلى قيمة ما أكتب . وبالتحديد ، فقد كنت أحب أن أضع القصة فى الإطار الذى أتصوره ـ فى عصرنا ـ مناسباً لها ، وليس فى الإطار السلفية الثابتة . ولم يكن التجديد لمجرد التجديد هو هدفى فى الحقيقة ، بقدر ما كان يصدر عن نظرة يقينية أن دائرة الفنون الخلاقة مكتملة ، وأن الأسلوب الذى يعالج به الفنان لوحة ، ربما يفيد منه كاتب القصة القصيرة . والوسائل التكنيكية التى يلجأ إليها كاتب السيناريو السينمائى قد تحقق التأثير ذاته فى رؤية أدبية ، والهارمونى الذى يحرص عليه المؤلف الموسيقى هو ما يحقق للقصيدة الشعرية وحدتها العضوية . ولفرجينيا وولف مقولة شهيرة " فى ديسمبر 1910 ، أو حوالى هذا التاريخ ، تغيرت الطبيعة الإنسانية " . وكانت فرجينيا وولف تقصد بتغير الطبيعة الإنسانية ، تغير المعرفة بالطبيعة الإنسانية . أما التاريخ الذى كان بداية لذلك التغير ، فهو تاريخ إقامة معرض للرسامين بعد الانطباعيين فى لندن ، عرضت فيه أعمال لسيزان وفان جوخ وماتيس وبيكاسو ، كانت تمثل ثورة على المدرسة الانطباعية فى الفن التشكيلى ، والتى تقف فى موازاة المدرسة الطبيعية فى الرواية [ حددت فرجينيا وولف تاريخ الثورة على المدرسة الانطباعية فى الفن التشكيلى ، والطبيعية فى الرواية ، بأنه ديسمبر 1910 . مع ذلك ، فإن محاولات نجيب محفوظ ـ فى الأربعينيات من القرن العشرين ـ جاءت أشبه بثورة فى دنيا الرواية العربية ! ] . بلغ يقينى بصلة الفنون بعضها ببعض ، وضرورة تأثر كل فن بالفنون الأخرى ، أنى رفضت " قد " فى رأى سارتر بأن الفنون فى عصر واحد قد تتبادل التأثير فيما بينها . ذلك لأنى كنت أومن ـ ومازلت ـ بضرورة ـ إن لم يكن بحتمية ذلك التأثر والتأثير الذى تتبادله فنون العصر الواحد . وطبيعى أن الرفض ينسحب على قول ميشيل بوتور بأن الرواية جديدة انتهت " ومهمتها كانت إزالة الحواجز بين الفنون " . إنه رأى متناقض وغير منسجم ، لأن إزالة الحواجز بين الفنون ليست عملاً طارئاً ، ولا وقتياً ، ولا تعبيراً عن مودة موسمية . إن الأدب ـ على نحو ما ـ محور لبقية الفنون . نقطة جذب واتصال . إيقاع المفردات والتعبيرات يتسلل إلى الأذن ، فيحمل طبيعة الموسيقا ، ويطالع العين ، فيحمل طبيعة الفن التشكيلى . وقد استطاعت الرواية ـ عندما لجأت إلى فنيات الإبداعات الأخرى ، مثل السينما والمسرح والموسيقا وغيرها ـ أن تغادر عنق الزجاجة ، تجاوز الاستاتيكية إلى ديناميكية متجددة ، تستوعب الإبداعات الأخرى ، وتسيطر ـ وربما تفوقت ـ عليها . وبالطبع ، فإن فنية العمل هى التى تفرض اللغة ، وأسلوب التناول ، وإن كنت أحاول أن أفيد من لغة الشعر . ثمة روائى يقبل على روايته بروح " السيناريست " ، كأن يضع فى تصوره حركة مجسدة ، تسترسل ، أو تتصاعد ، أو تمضى إلى الأمام وإلى الوراء ، تماماً كالمونتاج السينمائى [ أذكرك بقصيدة إليوت الأرض الخراب التى تأثرت بالمونتاج السينمائى فى بداياته ] والسيناريو الأقرب إلى الاكتمال هو السيناريو الذى يقترب من الرواية الجيدة . لكن تميز الرواية فى مساحتها العريضة التى يصعب على أى فيلم ـ مهما يستغرق من وقت ـ أن يغطيها . والقصيدة المكتملة هى التى يتشكل بناؤها فى قالب قصصى .
والواقع أنى لم أتعمد طريقة الفلاش باك فى الأسوار . لكن الجلسة التى تشابه عشاء المسيح الأخير مع حوارييه ، كان لابد لها أن تعود إلى نقطة البداية . ولم تكن ـ فى الحقيقة ـ نقطة واحدة ، وإنما كانت عشرات النقاط ، البدايات ، التى يتشكل من مجموعها واتصالها واستمراريتها سدى الأسوار كرواية ..
الرواية هى أشد الأجناس الأدبية قدرة على احتواء بقية الأجناس من قصة وشعر وحوار درامى ، وهى الأشد قدرة على استيعاب الفنون الأخرى من مسرح وسينما وموسيقا وفن تشكيلى إلخ . بل إنها الأشد قدرة على احتواء الموروث الشعبى والأسطورة والاجتهاد الفلسفى والمشكلة الاجتماعية والواقعة التاريخية والتحليل النفسى ، بحيث تتشكل من ذلك كله ـ أو بعضه ـ ضفيرة العمل الروائى . أخيراً ، فإن الرواية هى الأشد قدرة على احتواء الإنسانيات فى إطلاقها ، واستيعابها لصالح بنائها المضمونى والشكلى ، بما يجعل من الرواية فناً يعنى بالتواصل والمعرفة معاً . إن تعبير الرواية الجديدة يستفز التأمل ، ذلك لأنه سوف تولد دائماً رواية جديدة . إلى جانب أن الرواية الجديدة لا تعنى اتجاهاً محدداً لكل الأدباء . فاتجاه ميشيل بوتور ـ مثلاً ـ يختلف عن اتجاه ناتالى ساروت وألان روب جرييه ، واتجاه جرييه يختلف عن اتجاه ساروت وبوتور إلخ . ولعلى أوافق جرييه على قوله بأن تعبير الرواية الجديدة ليس دلالة على مدرسة " بل ولا جماعة معينة من كتاب يعملون بطريقة واحدة ، وإنما هى تسمية مناسبة تشمل كل من يبحثون عن أشكال جديدة للرواية ، قادرة على التعبير عن علاقات جديدة ، أو على خلق هذه العلاقات بين الإنسان والعالم . كل أولئك الذين عقدوا العزم على اختراع الإنسان . هؤلاء يعلمون أن التكرار المنظم للأشكال الفنية التى تنتمى إلى الماضى ، ليس أمراً غير معقول ، وغير مفيد ، فحسب ، بل إنه قد يصبح ضاراً إذ يغلق عيوننا عن موقفنا الحقيقى فى عالم الحاضر ، فيمنعنا آخر الأمر من بناء عالم الغد ، وإنسان الغد .
كانت الرواية جديدة دائماً ، وينبغى أن تظل كذلك . حقق جدة الرواية ـ كل فى زمانه ـ جوجول وبلزاك وتورجنيف وفلوبير وزولا وديكنز وديستويفسكى وبروست وفرجينيا وولف وكافكا وجويس وهمنجواى ومحفوظ وعشرات غيرهم ..
ـ 6 ـ
فى العاشر من ديسمبر 1973 قرأت إعلاناً للهيئة المصرية العامة للكتاب ، عن صدور أول مطبوعات " روايات مختارة " روايتى الأسوار ..
غمرنى شعور عميق بالارتياح .
1975 ـ نشر فى كتاب " محمد جبريل وعالمه القصصى " ـ 1984

د. حسين علي محمد
18-07-2009, 07:20 AM
التراث .. لماذا نستلهم منـه قصصنا؟
..................................

لما تكونت المدرسة الحديثة فى عام 1917 ، وأفرادها شباب الأدباء آنذاك : أحمد خيرى سعيد وحسين فوزى ومحمود عزمي ومحمد تيمور ومحمود طاهر لاشين وغيرهم .. كان أول ما دعت إليه ، رفض التراث العربى كمصدر للإلهام ، واعتبار النموذج الأوروبى هو المثل الذى يجب أن يتجه إليه الأدباء حين يبدعون أعمالهم ..
وقد يبدو غريباً أن تلك الدعوة رفعت شعاراً هو : " فلتحيا الأصالة ، فليحيا الإبداع . فليحيا التجديد والإصلاح ".. فالقسمان الأخيران من الشعار مفهومان ومطلوبان فى كل حين . أما القسم الأول - وهو التأكيد على إحياء الأصالة - فإنه يبدو غريباً ، وغير مفهوم ، فى ظل المناداة برفض التراث العربى ، وإن كان مما يغفر لذلك الشعار أنه ظهر فى وقت لم تكن الشخصية المصرية قد تعرفت إلى هويتها الحقيقية بعد .. فقد كانت موزعة بين عشرات التيارات والاجتهادات ، مابين إسلامية وفرعونية وبحر أوسطية وشرقية وعربية وغيرها ، فهى لم تسفر عن ملامحها العربية الواضحة إلاً فى الأربعينيات من هذا القرن ..
ومع أن يوسف إدريس لم يستلهم التراث فى قصصه القصيرة ، فإنه كان تعبيراً فعلياً عن الأصالة ، بمعنى أن أعماله كانت قصصاً مصرية خالصة ، دون اللجوء إلى التقليد ، وربما الاقتباس من الأعمال الأدبية الأوروبية .. وهو ماكان يفعله كُتّاب الفترة ، بدءاً بمحمود كامل ، مروراً بمحمود البدوى ويوسف جوهر وابراهيم الوردانى وأمين يوسف غراب وإحسان عبد القدوس وغيرهم .. ولعله من هنا جاء قول إدريس ، إنه اعتبر مهمته الأولى خلق أدب مصرى حقيقى ، بدلاً من التقليد الباهت للأدب الأوروبى المتأنق الذى افترش الساحة الأدبية المصرية فى أواخر الأربعينات ..
والحق أنه إذا كانت دعوة المدرسة الحديثة فى الاتجاه إلى المثل الأوروبى ، بهدف " تدمير الفاسد والرجعى ، وإقامة المفيد والضرورى " ، فإن الرفض المطلق للتراث العربى ، قد عكس تأثيراته السلبية القاسية فيما بعد ، من حيث التبعية للاتجاهات الأوروبية ، وفقدان الشخصية الفنية المتميزة ، بل والنظر إلى أعمالنا - مهما تفوقت - باعتبارها الأدنى بالقياس إلى الأعمال الفنية فى الغرب ..
ثمة رأى أنه " ليس للرواية العربية تراث ، وعلى كل كاتب روائى عربى أن يختار لنفسه وسيلة للتعبير ، دون أن يأنس إلى من يرشده فى ذلك ، ولابد - والحال كذلك - من أن يعتور عمله النقص ، ويشوبه الخطأ " ( العربى - مايو 1984 )
لذلك ، فإن الدعوة إلى الارتباط بالتراث ، إلى إحيائه ، وتحقيق التواصل معه فى أعمالنا الفنية المعاصرة ، هى دعوة صحيحة وإيجابية ، لأنها تمثل خطوة مؤكدة فى سبيل استرداد الذات ، وإعادة اكتشافها . فالأديب المصرى ليس مجرد مقلّد للأعمال الأدبية الغربية - مع بدهية الإفادة المحسوبة من فنياتها ، وأذكرك - فى المقابل - بإفادة الأدب الغربى من فنيات ألف ليلة وليلة - لكنه يجد إرهاصات أعماله ، وبداياته الفعلية ، فى تراث العرب ، وفى تراث المصريين القدامى كذلك .. ومن هنا تأتى إعادة النظر فى التراث الأدبى المصرى والعربى . حتى ذلك التراث الذى تصورناه خالياً من الفنون الأدبية المعاصرة ، كالمسرحية والرواية والقصة القصيرة
أما المحاولات التى شغلت بالتأكيد على وجود تلك الأجناس فى أدبنا القديم ، فإننا يجب أن نوليها ماتستحقه بالفعل من اهتمام وتقدير ..
وبالتأكيد ، فإن استلهام التراث هو إعادة اكتشاف للطاقات الفاعلة فيه . العودة إلى التراث لاتعنى الانكفاء على الماضى ، ولا اعتباره النموذج الأمثل الذى يصلح لكل زمان ومكان ، لكنها تعنى تَمثّل هذا التراث ، الاعتزاز به كثقافة قومية أصيلة ، بهدف الانطلاق إلى المستقبل .
ولعلى أضيف أن العودة إلى التراث ، باعتباره النموذج الصالح لكل زمان ومكان ، تعد - على نحو ما - هروباً من مواجهة المشكلات الملحة ، والآنّية .
أذكر قول أستاذنا شكرى عياد : " إن إحدى مشكلاتنا ، هى أننا لانملك حضارة الغرب ، ولكننا نعيش على أبوابها كشحاذين ، لأننا لانملك ، أو لانعتقد أننا نملك حضارة سواها . يقول أقوام : بلى ، إننا نملك هذه الحضارة . وأقول : أجل ، نملك ، ولكنها حضارة ماض فقط ، فنحن مغتربون ، إماّ فى ماضينا الذى نعجز عن وصله بالمستقبل ، وإماّ فى مستقبل ليس مستقبلنا "..
إن عقدة النقص ، إزاء كل مايبدعه الأجنبى ، هى مايجب أن نتخلص منه . والاجتهادات الأجنبية ليست مسلّمات ، ولاهى صحيحة فى إطلاقها ..
وإذا كان إطلاق الخيال مطلوباً فى الأعمال الأدبية ، فإن الإيمان بالركيزة الثقافية ، بالتراث ، بالتواصل ، بالبدايات التى تجد استمراراً لها - بصورة وبأخرى - فى أعمالنا الحالية . ذلك الإيمان هو ماينبغى أن نحرص عليه ، ونؤكده ، فى كل اجتهاداتنا ، سواء على مستوى النقد ، أو على مستوى الدراسات الأكاديمية بالجامعات ..
وكما يقول ابن خلدون ، فإن الماضى والحاضر والمستقبل " كُلّ متصل متفاعل ، يقود بعضه إلى بعض " . بل إن القول بالعودة إلى التراث قول خاطئ تماماً ، لأن التراث متواصل فى الحاضر ، وفى المستقبل ..
التراث ليس الماضى فقط ، لكنه الماضى والحاضر والمستقبل . وهو ليس مقتصراً على النصوص المكتوبة وحدها ، لكنه يمتد فيشمل التاريخ والعمارة والعادات والمعتقدات والقيم والتقاليد .
من الصعب أن نفهم التراث فى غيبة الواقع ، وفى غيبة استشراف المستقبل ..
أتفق مع دعوة أستاذنا زكى نجيب محمود لمحاولة " إيجاد تركيبة عضوية ، يمتزج فيها تراثنا مع عناصر العصرالراهن الذى نعيش فيه ، لنكون بهذه التركيبة العضوية عرباً ومعاصرين فى آن " ( تجديد الفكر العربى ص 14)
لقد تعددت مسميات الإفادة من التراث ، فهى توظيف التراث ، واستلهام التراث ، واستخدام التراث إلخ .. كما تعددت الدراسات التى تناقش استلهامات التراث فى الأعمال الإبداعية المعاصرة ، فى موازاة الأعمال الإبداعية التى تستلهم ذلك التراث ، بما يعنى أننا لانجدف فى فراغ ، ولانشكل ظلالاً لإبداعات الغرب ودراساته . بل إن عملية البحث عن الهوية ، وتأكيد الهوية ، هى التى فرضت قضايا من مثل : التراث والمعاصرة ، الحداثة والأصالة ، الذات والكونية ، إلخ ..
نحن نحاول أن يكون أدبنا فى عمومه تعبيراً عن الذات ، وليس تقليداً للآخرين . ليس فى مجرد التعبير عن مشكلاتنا أو همومنا الآنية ، والتعبير عن البيئة التى نحياها ، وإنما فى خصائص الأدب الذى نقدمه . وهى خصائص لاتقتصر على البعد المضمونى وحده ، بل تشكل عوالم مستقلة ، متميزة ، نستطيع أن نصنفها ، باعتبارها أدباً عربياً ، له امتداداته ، وتواصله ، وملامحه التى تتفق فى مسمياتها مع مايقدمه الآخرون ، لكنها تتفق فى تعبيرها عن فنان مختلف ، ينتمى إلى بيئة مختلفة ..
أدان جارثيا ماركيث أوروبا ، لأنها " لاتعى بأن ثمة لغات أخرى ، وأنماطاً شتى لشرح الواقع " . وأكد " أن قيمتنا الوحيدة هى أننا أصليون ، نعرض ذواتنا كما هى ، لاكما يرغب الآخرون أن نكون " ..
المعنى نفسه يؤكده الكاتب العراقى عبد الرحمن مجيد الربيعى ، عندما يفسر الظهور - المفاجئ ! - لأديب كولومبيا جارثيا ماركيث : " لقد حصل ذلك لأن هذه الرواية - مائة عام من العزلة - قد حققت شخصيتها الخارقة والمتميزة ، دون التعكز على روايات أخرى " ..
لقد كان توظيف التراث اجتهاداً أساسياً فى القصة القصيرة والرواية المصرية : تراث فرعونى ، وإسلامى ، وعربى . النظرة المتأملة للأعمال التى صدرت منذ أواخر القرن الماضى ، تبين عن محاولات الإفادة من التراث ، بدءاً بأعمال جرجى زيدان ، واستمراراً فى أعمال أحمد خيرى سعيد ومحمد فريد أبو حديد وطه حسين وتوفيق الحكيم وسعيد العريان وعبد الحميد السحار ونجيب محفوظ وعادل كامل وسعد مكاوى ، وغيرهم ، إلى أجيالنا الحالية ..
***
فما صلة التراث بالإصالة إذن ؟.. لماذا يتلازمان ، ليصبحا - فى تقدير البعض - شيئاً واحداً ؟!..
إن الفنان يتمثل التراث ، يحيله إلى ذاته ، فيصنع منه شيئاً جديداً . يقول زكريا إبراهيم : " إن العمل الأصيل يستبقى التراث ، ويلغيه فى آن واحد ، أو أنه يحتفظ بهذا التراث بواسطة العمل على تجاوزه " ( العربى / مارس 1975)
الأصالة لاتعنى مجرد العودة إلى القديم ، أو التراث . إنها ليست مجرد دعوة إلى إحياء الماضى ، أو كما يقول البعض " تأصيل الجديد فى تربة القديم " ، لكنها تعنى أن يكون الفنان أصيلاً ، أى يكون أصل نفسه ، فهو لايصدر إلاّ عنها فى كل مايعبّر ، بحيث تبدو الفروق الفردية بينه وبين الآخرين . بل إن أصالة كل فنان هى بمدى اختلافه عن سواه من المشتغلين بالإبداع ، بما يطلق عليه زكريا ابراهيم - بحق - " الحرية الإبداعية " . فالحرية تعنى استخدام القدرة الإبداعية إطلاقاً . تعنى - كما يقول أندريه جيد - ان ماكان فى استطاعة غيرك أن يفعله ، فلا تفعله ، وماكان فى استطاعة غيرك أن يقوله ، فلا تقله ، وماكان فى وسع غيرك أن يكتبه ، فلا تكتبه . إنما تعلق فى ذاتك بذلك العنصر الفريد الذى لايتوفر لدى أحد غيرك ، واخلق من نفسك - بصبر وأناة ، وبتعجل ولهفة - ذلك الموجود الوحيد الذى يصعب لأحد غيرك أن يقدم بديلاً عنه " .
إن الأصالة لاتكمن فى واقعة التمايز ، أو الاختلاف ، بقدر ماتكمن فى عملية الاستقلال الذاتى ، أو النشاط الإبداعى .
الأصالة - بمعنى الإفادة من القديم ، وتضفيره فى أعمال فنية ، تعبر عن الذات المبدعة - هى السبيل الوحيد لتجاوز الأجيال السابقة . لاتعنى الشذوذ ، أو الإغراب ، أو التفرد المطلق ، لكنها تعنى - بأبسط عبارة - الحرية الإبداعية التى تفيد من الآخرين ، تضيف إلى إبداعاتهم ، تهضمها ، وتفرزها ، بما يعبر عن ذات الفنان ، وعن البيئة التى يصدر عنها ، والعالم الذى ينتمى إليه ..
الفارق كبير بين الاستلهام ، التوظيف ، الاستخدام ، وبين التقليد ..
نحن نحاول توظيف التراث ، لكننا لانحاكيه إطلاقاً ، ولانقلده . وعلى حد تعبير جوتة ، فإن ماورثناه عن آبائنا وأجدادنا ، لابد له من أن يعود فنكسبه من جديد ، حتى يصبح ملكاً خاصاً لنا . بل إن الفنان عندما يأخذ عن القدامى " صورة " العمل الفنى ، فإن الشخصية الفنية للفنان تظل هى المسيطرة ، هى المرتسمة فى العمل الفنى . تظل هى الشخصية الأوضح ، لاتصبح ظلاً لشخصيات القدامى ..
نحن نقرأ التراث لنستلهمه ، لالنعبده . الشعراء الأوروبيون يقرأون هوميروس ، يستلهمون أعماله ، يتمثلون فيها البراءة والصفاء . وهذا هو الإطار الذى يتحدد فيه تعاملنا مع التراث ..
نحن لانستلهم التاريخ ولا السير والقص الشعبى ، بصورة مباشرة ، بل نفيد من أسلوب التشخيص التاريخى ، أو الأسطورى ، أو الملحمى . لانلجأ إلى صيغ ثابتة ، أو مكررة ، مما ورد فى أعمال سابقة ، لكننا نستخدم لغتنا الخاصة ، تكنيكنا الخاص ، بما يتواءم وطبيعة العصر الذى نحيا فيه ، ونعبر عنه . أذكرك بما كتبه طه حسين رداً على رسالة للرافعى : " أمّا أنا ، فأعتذر للكاتب الأديب إذا أعلنت - مضطراً - أن هذا الأسلوب الذى ربما راق أهل القرن الخامس والسادس للهجرة ، لايستطيع أن يروقنا فى العصر الحديث "
فى تقديرى ، أن الأعمال التى توظف التراث ، إنما تحاول - على نحو ما - تحقيق التواصل بين التراث والمعاصرة ، بين الماضى والحاضر ، رؤية الواقع من خلال أحداث التاريخ ..
أرفض العمل الذى تقيد حركته داخل سجن الزمن . توظيفى للواقعة التاريخية ، للشخصية التاريخية ، لايعنى أنى أحيا فى زمن غير الزمن الذى أحيا فيه . المادة التراثية تؤدى - أحياناً - دور القناع الذى يستنطقه النص نيابة عن الحاضر . قد لايوظف التراث شخصية معينة ، أو بطلاً من أبطال السير الشعبية ، يحملها بعض الهموم المعاصرة ، وإنما هو يفيد من الملاحم والسير - بشكل غير مباشر - فى صياغة شخصيات ليست موجودة فى التاريخ ، أو فى السير والملاحم ، يقدمها على أنها شخصيات حقيقية ..
وهذا مافعلته - على سبيل المثال - فى روايتى قلعة الجبل ..
إن عائشة ، والسلطان خليل بن الحاج أحمد ، والنائب الكافل ، وخالد عمار ، وعبد الرحمن القفاص ، وغيرهم من شخصيات الرواية ، لاوجود لهم فى الواقع التاريخى ، وإن حاولت ألاّ يكونوا غرباء عن الفترة التاريخية التى تناولتها ، وهى فترة حكم المماليك الجراكسة ، أو البرجية . بالنسبة للواقعة ، أو الوقائع ، فليس هدفى أن أحول التاريخ إلى أعمال إبداعية ، إلى روايات وقصص قصيرة ، لكننى أحاول أن أفيد من التاريخ فى الحديث عن الحاضر . أكره كلمة " الإسقاط " . أفضل القول - وهذا ماأحاوله بالفعل - استلهام التاريخ ، توظيفه ، اعتباره مرجعاً حضارياً ، دلالات للحاضر ، والمستقبل ..
قد ينتمى السلطان خليل بن الحاج احمد - تاريخياً - إلى سلاطين المماليك البرجية ، لكن سلطان قلعة الجبل هو - فى الحقيقة - سلطان آخر ، نستطيع أن نتعرف إليه فى سلاطين عصرنا الحالى ..
أما نجاة عائشة من كل المخاطر التى أحاطها بها السلطان خليل ، فهى تذكرنا بالحماية الإلهية التى ترافق البطل ، أو البطلة ، فى الحكاية الشعبية . إنها حماية ترافق البطل فيما يواجهه من مخاطر ، فتمنع حدوث الأذى له ..
والمثل يتكرر - بصورة وبأخرى - فى روايات : إمام آخر الزمان ، من أوراق أبى الطيب المتنبى ، اعترافات سيد القرية ، زهرة الصباح ، وغيرها ..
***
لأستاذنا نجيب محفوظ مقولة مهمة : " مانريده للرواية العربية الآن ،هو أن تكون لها شخصية مميزة أصيلة . أنا عربى لا لبس فى ذلك ، وأريد أن نصل إلى رواية ذات شخصية عربية مميزة . كل مانستطيع أن نفعله الآن ، هو أننا عندما نجد أن موضوعنا يحتاج إلى أسلوب استعمله كافكا مثلاً ، أن نستعمل هذا الأسلوب بصدق ، وأن ندخل عليه من ذاتيتنا ، بحيث أن القارئ الذكى عندما يقرأه يقول : هذا كافكا صحيح ، لكنه تطور . مانريده هو تطور كاسح ، فى هذا المجال "..
أعيب تلك المحاولات التى استهدفت بعث القالب القصصى الروائى ، لكنها عادت - كما يقول محمد عابد الجابرى - " لتمتح من معين التراث لا لتطويره " ( الخطاب العربى المعاصر )
وفى المقابل ، فإنى أعيب من يجعلون الحداثة الغربية - وحدها - هدياً لهم ، يتبعونها ، يقلدونها . إنهم لاأكثر من نقلة . وأذكر أن محمود صبح - وهومن علماء الأندلسيات ، ويشغل وظيفة أستاذ الأدب العربى بجامعة مدريد المركزية - روى أن طلبته أعجبتهم أبيات من الشعر العربى القديم ، وإن غابت معانيها - إلى حد ما - عن أذهانهم ، لأن ذلك الشعر هو الأكثر تعبيراً عن طبيعة العربى فى محيطه ، فى حين أن هؤلاء الطلاب رفضوا معظم الشعر العربى الحديث المترجم للأسبانية . البياتى مثلاً ، قالوا إن مايكتبه ليس شعراً عربياً ، لكنه مزيج من ناظم حكمت ونيرودا ورفائيل البرتى . إنه شعر غير أصيل !..( الأنباء 22/11/1986)
التراث هو حلقات أولى فى السلسلة التى نمثل الآن حلقتها الأخيرة ، لكننا - بالقطع -لسنا آخر حلقاتها ..
نحن نقرأ تراثنا ونستوعبه ، ونقرأ تراث الغرب ونستوعبه ، لكننا نحرص أن ترتكز إبداعاتنا - فى الدرجة الأولى - إلى " نحن " .. إلى تراثنا فى الدين والعلم والسياسة والاقتصاد والآداب والفنون ، وإلى قيمنا ومثلنا ..
هذا هو الإبداع الخاص بنا ، الذى ينبغى ألاّ نجاوز إطاره المحدد ، حتى لايجرفنا التقليد ، فنحاكى الغراب حين قلد مشية الطاووس ، وحتى لاننكفئ على الماضى ، نجتره ، ونرفض الجديد والإضافة ، فنرتمى - بإرادتنا - فى حضن " الجمود "..
نحن نستلهم التراث ، ونحرص - فى الوقت نفسه - على الانفتاح على تقنيات الرواية الحديثة ..
أشير إلى تأكيد الكاتب الروسى سوفرونوف بأنه إذا وضع الكاتب عيناً على تراث بلاده ، فإن عليه أن يضع العين الأخرى على العالم الذى يتحرك من حوله ..
نحن نتمثل التراث ، نمزجه بثقافتنا وخبراتنا ورؤيتنا للأمور ، ثم نحاول أن نصنع من ذلك كله ، شيئاً جديداً . لانسعى إلى بعث التراث ، وإنما نحاول استنطاقه ، استلهامه ، توظيفه . قل ماشئت من مسميات ، لكن التراث يظل فى النهاية تراثاً ، والمعاصر يجب أن يكون تعبيراً عن الفترة التى صدر فيها ، وصدر لها ..
التجديد ، الحداثة ، مسألة مطلوبة لاستمرار أى فن ، لعدم جموده أو ذوائه . لكى يواصل الفن حياته ، فإن عليه أن يجدد نفسه بمحاولات ، قد ينتسب بعضها إلى الإخفاق ، أو الزيف ، لكن بعضها الآخر يضيف ، ويثرى ، ويهب الاستمرار ..
نحن - فى توظيفنا للتراث - نغربله بداية ، نفرزه ، ننقيه ، ثم نتجاوز ذلك كله ، فنثرى معطياتنا بنصوص غير مقلِّدة ، وقادرة على الاجتهاد ..
إن من حق ـ وواجب ـ كل جيل ، أن تكون له تجربته الخاصة ، المميزة ..
ويقول أستاذنا شكرى عياد إن " النص العربى المعاصر يمكنه ـ بل يجب عليه ـ أن يجرب تجاربه الخاصة ، فلا يكون التجريب دائماً محاكاة لتجريب الغرب "..
علاقتنا بالغرب علاقة جدلية ، وليست علاقة تبعية - أو هذا هو المفروض ..
وإذا كنا مطالبين بعدم الانكفاء على الذات ، والاكتفاء بما خلفه الأجداد من موروث ثقافى وحضارى ، فإننا مطالبون - فى الوقت نفسه - بألاّ نعتبر كل مايبدعه الغرب مثلاً يجب أن نحتذيه ..
العلاقة الجدلية تفرض الحوار ، والموافقة ، والرفض ، وإبداء الرأى ، واتخاذ الموقف الذى يعبر عن خصوصية حياتنا ، عن عاداتنا وتقاليدنا ، ووجوب اتصال ماضينا بحاضرنا ، وعن استشرافنا للمستقبل ..
من الخطأ أن نرتمى فى حضن التراث . كما أنه من الخطأ أن نرتمى فى حضن الثقافة الغربية ..
نحن نفيد من التراث فى تحقيق التواصل ، ونفيد من الثقافة الغربية فى تحقيق المعاصرة ، ونفيد من التراث والثقافة الغربية فى آن معاً ، فى تحقيق شخصيتنا المتفردة ، فى صياغة ملامح متميزة لإبداعنا وفكرنا ، وثقافتنا الخاصة عموماً ..
أكرر : من الخطأ أن نكتفى بإحياء تراثنا القديم ، باستلهامه ، أو توظيفه ، أو بالنقل عن الغرب ..
الأصوب أن نقدم معطياتنا نحن . لانكتفى بالتلقى ، بالنقل ، أو التلخيص ، أو حتى الاستلهام ، وإنما يجب أن نضيف إبداعنا الآنى ، وفكرنا الآنى ، وتعبيرنا الآنى عن صورة حياتنا المعاصرة .

تذييل لمجموعة حكايات وهوامش من حياة المبتلى ـ 1996
(فصل من كتاب: للشمس سبعة ألوان، لمحمد جبريل)

د. حسين علي محمد
27-07-2009, 09:40 PM
من المحرر
محو الهويـــــــــــــــــــــة

بقلم: محمد جبريل
....................

عندما تبدل دولة محتلة أسماء المدن والقري في الأراضي التي تحتلها. ضمن مخطط للقضاء علي هويتها القومية. فهذه جريمة. أما أن تبدل دولة مستقلة بإدارة أبنائها. ويمسك القلم عن تعبير آخر بأسماء معالمها: البنايات والفنادق والحدائق والمحال التجارية وغيرها. أسماء أجنبية. فإن الوصف الذي ينتسب إليه هذا التصرف. يبدأ بالمهزلة. وينتهي بالمأساة!
ظني أن هذا هو الفارق بين ماتحاوله إسرائيل في فلسطين. وبين مانحرص عليه في بلادنا.
أعلنت اسرائيل عن خطة لاستبدال الأسماء العبرية بالأسماء العربية في مدن وقري فلسطين. وهي تسمية لاتقتصر علي مجرد كتابة الاسم العربي بالعبرية. وإنما باستبدال الاسم جميعا. فالقدس تصبح اورشاليم. والقدس والضفة الغربية يهوذا والسامرة إلخ.
من حقنا كعرب أن نرفض هذا التصرف. وندينه. باعتباره محاولة لمحو الهوية الفلسطينية "بالمناسبة. فأنا أصر علي تسمية الشرق العربي. أو الوطن العربي. تسمية صحيحة في مواجهة تسمية الشرق الأوسط" لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا عن المحاولات المستخفة والسخيفة من بعض المحسوبين علينا. لمحو الهوية القومية من خلال استبدال اللغات الاجنبية بلغتنا العربية. والقول باللغات مقصود. فلم تعد الانجليزية وحدها ما يطالعنا علي لافتات المحال والبنايات. ففي مدن السواحل مسميات اخري بالروسية والالمانية والايطالية وغيرها. الهدف المعلن هو اجتذاب السياح من مواطني البلاد التي تتكلم تلك اللغات. لكن النتيجة التي لانفطن اليها هي انعكاس ذلك التصرف سلبا علي هويتنا القومية.
لم تعد الحرب ضد اللغة العربية خافية .. ذلك في الأقل ما أعلنه قادة الكيان الصهيوني عن نجاحهم في تحويل لغتهم الميتة "كانت لغة ميتة بالفعل قبل أن تنشأ الدولة. بل إن معظم مسئوليها فضلا عن المواطنين العاديين لم يكونوا يعرفون حرفا واحدا منها" الي لغة حية. مقابلا لمحاولاتهم المستمرة باضعاف العربية. وتحويلها علي المدي البعيد. أو القريب. الي لغة ميتة!
إذا كان من حقنا ان ندين إسرائيل علي محاولاتها إضفاء الصبغة الصهيونية علي أراض عربية محتلة. فإن من واجبنا أن ندين التصرفات اللامسئولة التي تصدر من الداخل في اساءة متعمدة لهويتنا القومية. لمجرد الابهار وادعاء ماليس حقيقيا. ومن واجبنا ان نتجه بالادانة نفسها الي مسئولي الادارة المحلية. فالقانون يهبهم الحق. ويلزمهم. باقتصار الاسماء علي اللغة العربية. وتقديم المخالفين الي المحاكمة.
أخشي أن يكون الصمت عن تلك التصرفات المجرمة. مبعثه الحرص علي مكاسب شخصية. ولو علي حساب هويتنا القومية!
هامش : سأل الخليفة العباسي أحد مواليه عن نسبه من العرب. فأجاب الموالي : إن كانت العربية لسانا. فقد نطقنا بها. وإن كانت دينا فقد دخلنا فيه.
...................................
*المساء ـ في 25/7/2009م.

د. حسين علي محمد
27-07-2009, 09:41 PM
الروائي محمد جبريل لـ "محيط" :
أبطالي مُطارَدون.. وأرفض تحول مصر لسكن مفروش

محيط – مي كمال الدين
........................

يجمع محمد جبريل بين أستاذية الصحافة والأدب ، وقدم للمكتبة المصرية والعربية عشرات الأعمال الأدبية تنوعت بين القصة والرواية التي اتسمت بنكهة خاصة لا تتكرر إلا بصحبة قلمه المفعم بالحنين للوطن وإعلاء قيمة الإنسان ومقاومة الفساد .
وفي مكتبه بصحيفة "المساء" المصرية التقته شبكة الإعلام العربية "محيط" ، ودار حوار استعاد فيه جبريل أبطال رواياته ومخاوفهم والأزمات الكثيرة التي شهدها في رحلته وفلسفته في الحياة ومشروعاته الأدبية الجديدة ..
محيط : كتبت عن تأثرك بوالدتك في الطفولة .. كيف كان ذلك ؟
جبريل : تأثرت في طفولتي بأمي ولكنه للأسف كان تأثيرا سلبيا ، فالبرغم من وفاتها وأنا طفل في التاسعة من عمري ، إلا أن حزمها في التربية – والذي كنت أبرره بمنطق الطفل على أنه قسوة – كان كثيرا ما يؤلمني .
شعرت بحبها وخوفها الشديد علي عندما كدت ألقى حتفي تحت عجلات إحدى السيارات أثناء اللعب، كما كانت تقف صلبة بوجه أي من يهدد أولادها بسوء، وعندما توفيت متأثرة بمرض القلب شعرت في البداية أنني لن أتعرض للضرب ثانية، ثم ما لبثت أن شعرت بافتقادنا جميعاً لها وتحملت شقيقتي الكبرى أعباء المنزل وهي في الرابعة عشر من عمرها.
محيط : ما الذي جعلك تتجه للقراءة والأدب؟
جبريل : كانت اجواء منزلنا مشجعة للقراءة للغاية ؛ حيث كان والدي يعمل مترجماً للاقتصاد والكتب التجارية، ولديه مكتبة ضخمة زاخرة بمختلف الكتب، فبدأت بقراءة كتب الكبار قبل الأطفال فقرأت لطه حسين والزيات والمازني والعقاد، وعبد الحليم عبد الله.
لا أعلم بالتحديد متى أو كيف بدأت أكتب، فقد كانت البداية بتسجيل عبارات أعجبتني بالكتب التي قرأتها في دفتر صغير، ثم جاءت كتابتي لقصة "الملاك" في الرابعة عشر من عمري وكانت عبارة عن توليفة وليست تأليف حيث اقتبست فيها أجزاءا من كتب طه حسين وعبدالحليم عبدالله والمازني ولم أكن قرأت بعد لنجيب محفوظ، ثم اكملت بينها بعبارات من عندي، وأسميتها "الملاك" على نسق كلمة "الملك" لطه حسين التي قصد بها زوجته سوزان، كانت عبارة عن ملزمة 16 صفحة طبعتها مقابل جنيه وكان يمثل ثروة حينها.
بدأت أتخلص من تأثير الآخرين تدريجياً، ثم جاءت محاولة أخرى لا اعترف بها أيضاً تسمى "ظلال الغروب"متخيلاً أنه لكي أصبح كاتباً يقرأ لي يجب أن اكتب في الجنس ! ولكن سريعاً ما أدركت أن الغوص في الإنسانية أفضل، ثم كانت أول تجربة اعترف بها وهي "يا سلام" وكنت حينها في الثقافة العامة.
بلاط صاحبة الجلالة
محيط : خطواتك العملية في عالم الصحافة .. هل تذكرها ؟
جبريل : كانت لي بعض المحاولات في الإسكندرية فبدأت أكتب في إحدى الجرائد باسم "شخص ما" مثلما جاء في شخصية صلاح بكر في روايتي "صيد العصاري" وأحيانا كنت أكتب باسمي، وعندما قررت أن أصبح أديباً ذهبت إلى القاهرة وقابلت أحمد عباس صالح في وقت كانت "جريدة الشعب" الحكومية تصدر اعدادها الأخيرة ، وقرأ لي قصتي "يا سلام" و"المهية" وأعجب بموهبتي وأصبحت أذهب إليه يومياً فعرفني بأسماء كنت أقرأ لها وانبهر بها دون أن أقابلها، مثل يوسف إدريس، سامي داود، محمد عويضة.
أرسلني عباس بعد ذلك إلى نعمان عاشور بجريدة الجمهورية وكان هذا الرجل العظيم ملء السمع والبصر وقتها فكان أهم مؤلف مسرحي في مصر، والذي أرسلني بدوره للفنان التشكيلي أحمد طوغان فأخذني إلى سعد الدين وهبة، وبعد أن قرأ لي اقتنع بما اكتب وأتاح لي فرصة العمل معه، وبدأت مشواري الصحفي.
عندما شعر سعد وهبة بخوفي في اللقاء الأول قال لي "لا تخف لأنك ستكتشف أن معظم العاملين بالحياة الثقافية بالقاهرة تماثيل ملح ترش عليها الماء تذوب" وقد ذكرت هذه الجملة في كتاب "كوب شاي بالحليب".
محيط : هل تعتقد أن الصحافة والكتابة الإبداعية يمكن أن يقود أيهما للآخر، فقد جمعت بينهما طويلا، وما الفارق الذي لمسته بينهما؟
جبريل : إن الأدب لصيق الصلة بالعمل الصحفي فالاثنان مهنة كتابة، والصحافة مهنة خلق وإبداع وتجربة وقراءة وأسفار ، مهنة تتيح للفرد الجلوس مع الآخرين وتبادل الحوار معهم واكتساب خبرات لا سبيل لمعرفتها إلا عن طريقها، كما تتيح التعامل مع كل فئات المجتمع، ومعظم أعمالي الإبداعية جاءت نتيجة لتعرفي على نماذج تستلفت النظر من خلال عملي بالصحافة، وعلى العكس من الأدب تحقق الصحافة الاستقرار المادي وهو مالا يحققه العمل الإبداعي لصاحبه.
مصر بيت أبي
محيط : ظللت في دولة عمان لتسع سنوات، وتوقفت خلالها عن الكتابة . فما السر؟
جبريل : أردت أن اكتب شيئا مغايرا للآخرين فألزمت نفسي أن أتوقف وأقرأ كثيراً في شتى المجالات، فقرأت عن تأثير القصة في المجتمع وتأثرها به ولم أكن اعلم حينها أن هذا هو "علم الاجتماع الأدبي"، وللأسف طالت هذه الفترة لأكثر من 10 سنوات كتبت خلالها محاولات أقرب لإسكتشات ضمنتها مجموعتي الأولى "تلك اللحظة من حياة العالم" وقد نالت حفاوة نقدية ولكنها لم تكن تمثلني على النحو الصحيح.

اطلعت على الكثير من الكتب وقبل أن أسافر لعمان طبعت الجزء الأول من كتاب "مصر في قصص كتابها المعاصرين" وينقسم الكتاب لثلاثة أجزاء . وقد أخذت عن هذا الكتاب جائزة الدولة التشجيعية وكنت اصغر من حصل عليها.
سافرت بعدها لعمان وظللت بها حوالي 9 سنوات لظروف خارجة عن إراداتي وهناك أسست جريدة "الوطن" وكنت مدير التحرير بها وبذلت الكثير من أجل أن تحقق النجاح.
محيط : قدمت كتابا بعنوان "تقرير عن إصدار جريدة يومية" أوقفته السلطات العمانية .. لماذا؟
جبريل : حاولت من خلال هذا الكتاب صياغة تجربتي في عمان بمنتهى الصدق والحب جامعاً به السلبيات والايجابيات إلا أن أحد الأشخاص من المترددين على السلطنة والمنتفعين منها ابلغ السلطات العمانية بأنني أقدم كتابا عن سلبيات الدولة، فتدخلت الحكومة العمانية وأوقفته، كما كتب أحد الصحفيين مقالاً بعنوان "العمانيون غاضبون" انتقدني به واتهمني بالإساءة إليهم.
السلام الزائف
محيط : ألفت كتاب "مصر في قصص كتابها المعاصرين" .. كيف بدت لك ؟
جبريل : مصر من وجهة نظري عظيمة جدا ومازلنا لا نستوعب سر هذه العظمة حتى الآن، ويجب أن نتنبه للخطر الإسرائيلي الذي توغل للداخل، فأصبح خطر مستوطن وليس عابرا فكل أشكال الاحتلال السابقة جاءت وخرجت ولكن هؤلاء جاءوا ليمكثوا وأحلامهم معلنة "من النيل للفرات أرضك يا إسرائيل" .
ما يجري حاليا بيننا هو سلام زائف وهو في تقديري اخطر من الحرب، ورغم هذا نحن مشغولون بالفساد ونتجاهل الخطر المحدق، يجب أن نرجئ طموحاتنا الشخصية حتى يزول الخطر.
محيط : في رواياتك يحن الأبطال دائماً للرجوع لوطنهم الأصلي .. هل تتعمد هذا ؟
جبريل : في رواية "الشاطئ الأخر" وهي تجربة شخصية أحب البطل فتاة يونانية والدها مصري ووالدتها يونانية وعند خروج الأجانب من الإسكندرية بعد حرب 56 اضطرت الفتاة للعودة للوطن، وفي "زمان الوصل" سافر البطل إلى اليونان وغرق وسط أهلها واعتبر نفسه يونانياً حتى فاق في أحد الأيام على انه غريب عنهم فقرر الرجوع للوطن مرة أخرى ولكن زوجته اليونانية رفضت وتمسكت بوطنها.
وفي رواية "زوينة" قررت البطلة الزواج من قريبها قائلة أنها تفضل أن تحيا مع نصف حب في الوطن على أن تبتعد عنه، كذلك في"صيد العصاري" فضلت البطلة الزواج من الطبيب العجوز لكي ترى وطنها "أرمينيا" الذي لم تره، وفي "أهل البحر" كتبت عن الحنين للوطن والإنسان وموقفه من المجتمع والسلطة السياسية وانه دائما مطارد وهو ما اسميه فلسفة الحياة.
وأنا حالياً أعد لرواية "جزيرة السحر" وهو عمل لم ينشر بعد عن الهجرة للخارج، فالشاب يعلم انه سوف يموت ومع ذلك يخوض التجربة نظراً للظروف القاسية.
الوطن حتى الآن هو قضية تلح علي فالهجرة والفساد والسرقة والقتل كله أشكال لعدم الانتماء، مصر أصبحت شقة مفروشة لا نهتم بها في حين أننا لو شعرنا أنها ملكنا سوف نهتم بها.
أخشى الموتى والظلام
محيط : ما الذي يخيف محمد جبريل؟
جبريل : أخاف من الظلام وذكرت ذلك في روايتي "مد الموج"، كما أخاف من الموتى وليس الموت أتخيل من هو قريب مني كأنه مكفن أخاف على من حولي، أنا لا أخشى الموت ، فنفسي تتقبله على انه حقيقة وهو مثل من يريد منع شروق الشمس أو قدوم الليل.
الخوف عندي يتمثل في أشياء كثيرة الخوف على مصر والخوف من الألم والفراق، ولكن أمام الخوف عندي قدرة كبيرة على المقاومة، ولقد قاومت بالفعل ظروفا قاسية بعضها غير معلن فقد واجهت محاولات من التعتيم من أبناء جيلي والشللية والسراديب الخلفية والتعامل السخيف بمنطق "عدوك ابن كارك" كل هذه الظواهر السخيفة التي طرأت على مجتمعنا أخاف منها علي وعلى المجتمع الذي أعيش فيه.
فلسفة الحياة
محيط : قلت أنه يجب أن يكون لكل منا مشروعه .. فما هو مشروعك في الحياة ؟
جبريل : بدأت الحياة وأنا أحاول أن أضيف جماليات لها ، فظللت سنوات عدة متفرغا للقراءة فقط ، حاولت خلالها أن أشكل وجهة نظري وناقشت صلة المثقف بالسلطة والمجتمع ، وهذه المخاوف كانت تتملك الآخرين مثلي تماما ، وقضايا أخرى مثل الوطن، والانتماء ماذا يعني كل منهما؟ . في رواياتي البطل دائماً مطارد من قبل مولده وحتى مماته يطارد بالموت والمرض والسلطة والقهر فما يشغلني القهر في الداخل والغزو من الخارج.
وكل أديب نجد له فلسفته الخاصة به فعند هيمنجواي نجد فلسفة السقوط الذي يقارب الانتصار، وعند تشيكوف نجد "قيمة العمل"، وتولستوي "قيمة الإنسان"، وفي الأدب العربي نجد "فلسفة الزمن" عند توفيق الحكيم حين كتب "عودة الروح" و"إيزيس" و"أهل الكهف" ، ونجيب محفوظ كتب عن الدين والعلم والعدالة الاجتماعية، وفي كتابي "نجيب محفوظ صداقة جيلين" كتبت 130 صفحة بعنوان "أدب له فلسفة".
محيط : الزواج الذي يجمع بين المبدعين يضيف لهما أم العكس؟
جبريل : تزوجت من الناقدة زينب العسال منذ أكثر من 28 عاما ، وهي الجزء المكمل لي الذي كنت افتقده قبل أن أتزوج بها، وكل منا أكثر إفادة للأخر وتعد ناقدتي وقارئتي الأولى التي استنير برأيها، ولها ملاحظات مفيدة جداً. كما أنني أفيدها بخبرتي النقدية وقد حزت جائزة الدولة في هذا المجال .
صيد العصاري
محيط : في رواية "صيد العصاري" أفردت مساحة للحديث عن مذابح الأرمن . لماذا ؟
جبريل : تناولت هذه القضية كروائي وليس كمؤرخ ، ولم أكن متحيزا معهم أو ضدهم . أردت أن اعبر عن الحنين للوطن من خلال الطبيب الأرمني، وهي شخصية حقيقية اقتبستها من جاري الطبيب الأرمني "ميردروس" الذي رغب في العودة لوطنه حيث استمعت لوجهة نظره فنقلت مشاعره ورأيه ولم استمع لوجهة نظر الأتراك.
لقد وظفت القصة كروائي مصري للتعبير عن الحنين للوطن والذي دفع البطلة للزواج من الطبيب العجوز لكي تعود لوطنها.
محيط : هل وصلت لحالة رضا عن نفسك في مجال الكتابة الإبداعية ؟
جبريل : لا. عندما أبدع عملاً أتصور انه أروع ما كتبت وسأتوقف عن الكتابة بعده ، ولكني أشعر أن به شيئا ناقصا فأعود لكتابة غيره ، وأنا أعتبر أن القراءة والكتابة والتأمل ثالوثا أساسيا في حياتي ، إذا لم أمارسه اكتشف أني أجدبت ولم يعد لدي المزيد ، وهنا يكون موتي الحقيقي، فالكتابة بالنسبة لي حياة لذلك اتهم بغزارة الإنتاج.
محيط : ما هو جديدك الذي تعد له ؟
جبريل : رواية "البحر أمامها" سوف تصدر عن روايات الهلال وتتحدث عن سيدة يموت زوجها فجأة وليس لها سوى ابنة متزوجة وشقة تطل على البحر، يحاول زوج الابنة أن يسطو عليها لكي تنتقل الأم وتسكن في بيت خلفي، فأصرت الأم على تمسكها بسكنها وناصرها البحر في هذا حيث أطلق النوات والرياح فعجزوا على فتح باب الشقة، والرواية هي نوع من الفانتازيا وبها المقاومة في الدفاع عن الوطن الذي يتمثل في الشقة.
كما توجد رواية "صخرة في الأنفوشي" وتدور حول أب رحلت زوجته الثانية فأراد أن يكون لحياته معنى بأن يتولى مسئولية أبنائه الثلاثة المتزوجين، ولكنه فوجئ أنهم ينتمون لدنيا مغايرة ولا يحتاجون إليه لأنهم تجاوزوا هذه المرحلة وأصبح لكل منهم عالمه.
...................
*موقع محيط ـ في 16 - 7 - 2009م.

د. حسين علي محمد
27-07-2009, 10:55 PM
الحداثة .. وما بعدها

بقلم: محمد جبريل
........................

التعريف اللغوى للحداثة Modernity : حدث الشىء ، يحدث حدوثاً ، وحداثة وإحداث فهو محدث ، وكذلك استحدث . والحدوث كون شئ لم يكن ومحدثات الأمور ، ما ابتدعه أهل الأهواء من الأشياء ( لسان العرب ـ 2 / 463 ) .
يرجع البعض استخدام تعبير الحداثة ـ للمرة الأولى ـ إلى النقد الفرنسى ـ بودلير تحديداً ـ فى عام 1859 . وقد أطلق على الاتجاهات الحديثة فى الفن التشكيلى الفرنسى .
وإذا كانت الحداثة كما تصورها اجتهادات نقدية " تقاليد تناقض نفسها ، ولحظة تدمير للشروط والقواعد السائدة ، وتخريب عميق لها " [ يذهب رولان بارت إلى أن الحداثة تبدأ بالبحث عن أدب مستحيل ] ، فإن الحداثة لا تعنى المستقبل فقط . هذه نظرة خاطئة . إن تعريف الحداثة يمكن أن يطلق على كافة تجلّيات الإبداع فى كل العصور ، والتى قامت بالدور التدميرى والثورى للمستقر وتجاوزاته ، فشعر المتنبى وابن الرومى ، ومخاطبات النفرى ، وفلسفة ابن عربى ، وحكايات ألف ليلة ، وأعمال رامبو وديستويفسكى وكافكا وهمنجواى ومحفوظ وإدريس وماركيث .. كلها أعمال حداثية طمحت أن تقدم شيئاً مغايراً وغير متشابه بغية خلق إبداعى جديد . بل إن بودلير يصف الحداثة بأنها " ما هو انتقالى ، عابر ، عارض . هى نصف الفن الذى يتمثل نصفه الآخر فيما هو أبدى لا يتغير " .
الحداثة ـ فى تعريف جيانى فاتيمو ـ " حالة وتوجه فكرى تسيطر عليهما فكرة رئيسة مضمونها أن تاريخ تطور الفكر الإنسانى يمثل عملية استنارة مطردة ، تتنامى وتسعى نحو الامتلاك الكامل والمتجدد ـ عبر التفسير ـ لأسس الفكر وقواعده " . والحداثة تعنى أن العمل الفنى يمتلك هويته الخاصة التى يحددها بنفسه . ربما لهذا اعتبر البعض ثلاثى جيمس جويس ومارسيل بروست وفرانز كافكا هم بداية الحداثة . ومن هنا يأتى قول رامبو : " يجب أن نكون مطلقى الحداثة " ..
والحداثة تعنى أحد مستويين : أولهما هو الاستخدامات اللغوية ، بكل ما تحمله من دلالات . أما المستوى الثانى فهو فلسفة الحياة عند الفنان ، نظرته الشاملة من الكون والعالم والمجتمع والإنسان وعلم الجمال والموروث الخ ..
الحداثة ـ بأبسط عبارة ـ هى التغيّر المستمر ، والحتمى ، ثم التقدم الدائم ، والمتوقع . ومع ذلك ، فإنها لا تعنى رفض الماضى ، أو الانسلاخ عنه ، إنما هى التواصل ، ارتباط الجذور بالأفرع والأغصان .
***
إن النظريات الفنية والأدبية والنقدية تتلاحق من أواسط القرن العشرين . عشرات النظريات تتعارض وتتداخل وتتشابك وتتقاطع ، فتصيب المبدع ـ فضلاً عن المتلقى العادى ـ بحيرة صادمة ..
كان رفض البنيوية [ تينيانوف هو أول من استخدم لفظة " بنية " فى مطالع العشرينيات ، ثم استخدم رومان ياكبسون كلمة " البنيوية " ـ لأول مرة ـ فى 1929 ] ثم التفكيك ، للمذاهب النقدية السابقة والمعاصرة لغياب المعنى .. لكن البنيوية فشلت فى تحقيق المعنى ، بينما أفلحت فى تحقيق اللامعنى . بدا الرفض لذاته إذن دون تقديم البديل أو المغاير . ثم تقلصت النظرية البنيوية . احتلت مساحات من أرضها نظريات ما بعد البنيوية ، وما بعد الحداثة .. مضت البنيوية إلى أفق الغرب منذ العام 1966 ، وتولى جاك دريدا فى محاضرة بجامعة " جونز هوبكنز " خطوات التغسيل والدفن وإحلال التفكيك بديلاً ( المرآة المحدبة ص 15 ) ، ولكن المشكلة عند التفكيكيين إنهم لا يعترفون بوجود النص أصلاً !..
***
ما بعد الحداثة Postmodernity هى موضة هذه الأيام فى حياتنا الثقافية . سبقتها موضات الحداثة والبنيوية والأسلوبية وعبر النوعية والحساسية الجديدة وغيرها من المسميات التى ربما أضافت إلى حصيلتنا المعرفية ، لكنها تضع النقد فى إطار التنظير ، دون أن يجد ذلك الإطار تطبيقاً فعلياً له فى إبداعات " بعد حداثية " !
تقول نك كاى إن " الحداثة هى الأرض التى تقف عليها ما بعد الحداثة ، وتشتبك معها فى جدال ونزاع دائم ، وهى الأرض التى تمكّنها أيضاً من الدخول فى حوار وجدل مع نفسها . ومن هذا المنظور تتضح مشكلة تحديد الملامح المميزة لفن تيار ما بعد الحداثة . وهى مشكلة تتلخص فى أن التوصل إلى معنى وخصائص ما بعد الحداثة لا يتأتى إلاّ عن طريق الخوض فى معانى وخصائص الحداثة والحداثية " ( ما بعد الحداثية والفنون الأدبية ـ المقدمة ) .
والحق أن المذاهب الفنية فى الغرب هى إفرازات لأحداث مهمة ، وانعطافات فى الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية ..
المذاهب المعاصرة فى الغرب لم تظهر عفواً ولا مصادفة ، إنما أملتها طبيعة المرحلة التى حاول المبدعون أن يعبروا عنها ، وحاول النقاد مناقشتها بالتالى فى ضوء التوجه الإبداعى المغاير . وبطبيعة الحال ، فإن الجديد لابد أن يصبح قديماً . حتى أعمال فرجينيا وولف التى اعتبرت بداية للرواية الجديدة ، أصبحت ـ فى رأى ناتالى ساروت ـ فطرية ساذجة ، كما تحولت أعمال جويس وبروست إلى مجرد شواهد تمثل زمناً ماضياً !
ثمة تعريف لما بعد الحداثة بأنها التشكيك فى كل النظريات أو القصص الشارحة . ما بعد الحداثة ـ كما يقول ليوتار ـ لا تتحقق إلاّ فى صورة محاولة لتدمير كل التصنيفات والتقسيمات والإفلات منها ، وفى صورة تشكك جذرى فى كل ما هو معروف ومألوف وثورة عليه . إنها حالة من عدم الاستقرار الدائم . وعلى سبيل المثال ، فإن فنون ما بعد الحداثة تقيم علاقة مركبة جديدة مع الماضى ، وتتخطى كل التصنيفات الفنية ، وتقاوم التقنين والتحديد ، وتكسر القواعد . وتصف نك كاى ما بعد الحداثة ـ فى الفن والأدب والمسرح ـ بأنها تقترن بمحاولات التكسير والقلقلة التى تدفعها الرغبة فى تحدى قدرة عناصر العمل الفنى ما بعد الحداثى ، باعتباره شيئاً يحدث بصورة دائمة دون نهاية .إنها ـ بتعبير آخر ـ سعى إلى مراوغة القواعد وتجاوزها ، أو تدميرها ، وخرق الحدود المتفق عليها ، بمعنى رفض كل التصنيفات ، وخلخلة فرضيات قواعد الفن وقواعده ، وبمعنى تقويض للسعى نحو تحقيق الاكتمال ، والاكتفاء الذاتى للعمل الفنى . إنها تتبنى مبدأى التشظى والتنافر ، وتطرح من خلالهما أسلوباً ينأى عن النموذج المثالى القديم للعمل الفنى المتكامل ، الذى يفقد الكثير من قيمته لو أنه أضيف إليه ، أو حذف منه ..
وإذا كانت الحداثة ترتبط بالحركة الاجتماعية الشاملة التى استهدفت الخروج من مجتمعات العصور الوسطى ، والانتقال إلى مجتمعات تدين بالرأسمالية وما رافقها من ميل إلى التجديد والتحديث ، فإن ما بعد الحداثة تجد بدايتها فى الولايات المتحدة . وبالتحديد منذ انتصارات الحرب العالمية الثانية ، وما تلاها من محاولات للهيمنة ، فضلاً عن أنها التقت فى مرحلة لاحقة باتجاهات ما بعد التعبيرية الأوروبية ، وهى كذلك تعبير عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التى طرأت على المجتمع الأمريكى ، ورفعتها الرأسمالية المتعددة القومية إلى مرتبة نموذج مثالى يجرى تعميمه على مستوى العالم كله ..
واللافت أن اهتمام مثقفينا بالبنيوية قد بدأ عندما بدأ اهتمام مثقفى الغرب بها يقل ويذوى ، بل إنها أصبحت ـ فى أذهان النقد الغربى ـ تنتمى إلى الماضى ..
***
(يتبع)

د. حسين علي محمد
27-07-2009, 10:57 PM
إن التخلف الذى نرسف فى إساره يجعل من الحداثة ضرورة .. ولكن أى حداثة ؟..
هذا هو السؤال ..
الملاحظ أن البعض من فاقدى الموهبة يلجأون إلى أواخر المذاهب الفنية ، دون أن تشغلهم الظروف الموضوعية التى أثمرت ذلك ، وهى ظروف لها إرهاصاتها وبواعثها ، بحيث تشكل النتيجة التى كان المذهب الفنى محصلة لها . أخشى أن أقول إن العديد من تلك الكتابات يحاول ـ ولو بحسن نية ـ طمس هويتنا ، يبعد بإبداعاتنا عن محاولات التأصيل وتأكيد الانتماء والجذور .
الثابت ـ تاريخياً ـ أن الحداثة الأوروبية ـ عندما ازدهرت فى الأعوام الأولى من القرن العشرين ـ إنما تحقق ذلك عند التقاطع بين نظام حاكم شبه أرستقراطى ، واقتصاد رأسمالى شبه مصنع ، وحركة عالية شبه ناشئة ، أو شبه متمردة . فأين الواقع العربى ـ باختلاف الوقت وتباين الظروف ـ فى هذه الصورة ؟
إن لحظتنا الحضارية تختلف عن اللحظة التى يحياها الغرب . دعك من التعبيرات المخدرة مثل القول إن العالم قرية صغيرة .. فثمة مجتمعات منتجة ، وأخرى مستهلكة ، وثمة من يعانى مشكلات الترف والديمقراطية والحرية ، ومن يعانى مشكلات الفقر وحق الإنسان فى المقومات الدنيا للحياة ..
أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون هدف جميل ، لكن اللحظة الحضارية أشبه بنظرية الأوانى المستطرقة ، والفن ينبغى أن يعبر عن المجتمع الذى صدر عنه ، وليس عن مجتمعات الآخرين . لا أتصور أن العمل الإبداعى يمكن مناقشته بعيداً عن بيئته ، عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التى صدر عنها ، ونشأ فيها ..
ولا شك أن الحداثة الغربية تنطلق من قلب تراث حضارى وتاريخى وفلسفى وإبداعى ، له خصوصيته المؤكدة . إنها نتاج واقع مغاير للواقع الذى يجدر بالحداثة العربية أن تنطلق منه . وعلى سبيل المثال ، فإن البنيويين ، يفرضون على النصوص الإبداعية " نظاماً ليس نابعاً منها ، ولا كامناً فيها ، بل هو سابق ومسقط عليها ، وأنه يحتمى بالتجريد والغموض لعجزه عن السيطرة على المادة " ( فصول ـ فبراير 1991 ) . حتى المفاهيم والمصطلحات التى تطالعنا فى كتابات الحداثة العربية ، تنتسب إلى ثقافة أخرى ، مغايرة ، وهو ما يفضى ـ بالضرورة ـ إلى حدوث انفصام بين المبدع والنص الذى يقرأه ..
ومع أن المناخ الثقافى فى كل من أمريكا وأوروبا أقرب منه إلى المناخ الثقافى بين كل منهما ، وبين الوطن العربى ، فإن الأمريكية إديث كروزويل ذهبت إلى أنه من الصعب على البنيوية أن تجد فى أمريكا نفس الاستجابة التى لقيتها فى فرنسا ، وذلك لاختلاف النظرة إلى التاريخ ، وإلى المستقبل . وفى المقابل ، فقد وجدت التفكيكية فى الثقافة الأمريكية تربة صالحة لاقترابها من المزاج النفسى الأمريكى أكثر من اقترابها من المزاج النفسى الفرنسى ..
نحن نلجأ ـ فى خطابنا الأدبى ـ ربما دون تبصر ـ إلى المفردات والتعبيرات المستوردة . لا نحاول التعبير بما يعكس خصوصية لغتنا وثقافتنا وفكرنا . إن المذاهب الأدبية والنقدية الأوروبية هى إفراز لإبداع الغرب . ولعلنا فى حاجة إلى الحداثة التى تجاوز التخلف ، وتسعى إلى الإضافة والتطوير والتقدم فى كل الآفاق ، وهى حداثة يجب أن تصدر عن ظروفنا ، تنبع منها . لا تحاكى ، ولا تقلد ، ولا تقتات على موائد الآخرين ، ولا تعبر عن واقع ليس هو الواقع الذى نحياه ..
ولعلى أزعم أن أعمالى التى توظف التراث قد تنتسب إلى ما بعد الحداثة من حيث إن ما بعد الحداثة تسعى " عن وعى إلى إعادة طرح صور من الماضى ، باعتباره كياناً مبهماً ، لا يمكننا التعرف عليه يقيناً ، ولا نملك إلاّ أن نعيد بناءه المرة تلو الأخرى من خلال الجدل المستمر بين العديد من الصور المعاصرة التى تحيل إليه ، وتسعى إلى تجسيده ، باعتباره فكرة مجردة " ( ما بعد الحداثية والفنون الأدائية ـ 26 ، 27 )


***
أعرف أن مدّعى الحداثة العرب يوجهون الاتهام إلى كل من يختلف معهم بالجهل والتخلف ، لكن الاستيراد قد يصح فيما يصعب على قدراتنا أن تنتجه ـ التكنولوجيا مثلاً ـ فى حين أنه من غير المتصور أن نستورد الفكر والإبداع أيضاً . الأدب تعبير عن خصوصية فى التاريخ ، وأنماط التفكير ، واللحظة المعاشة ، بالإضافة إلى أن متلقى الأدب ـ فى الدرجة الأولى ـ هو الوجدان ..
إن البنيوية والتفكيكية وغيرها من معطيات الحداثة ، ليست إلاّ مرحلة أخيرة ـ وليست نهائية ـ للفكر الفلسفى فى الغرب ، متداخلاً مع الإبداع الذى يحاول أن يعبر عن فلسفة حياة . إنها نتاج للحداثة الغربية بكل ما تنطوى عليه من ظروف وملابسات . فإذا تم نقلها إلى العربية فى عزلة عن تلك الظروف ، افتقدت شرعية الأبوة والبنوة ، وعانت غياب النسب !
المؤكد أن عمقى الحضارى يمتد بضع آلاف من السنين ، بينما العمق الحضارى للغرب يمتد بضع مئات من السنين ، مما يفرض مغايرة حادة ، والتأكيد على عدم النقل عن الحداثة الغربية ، يعنى ـ ببساطة ـ إنشاء حداثة عربية ، وهو ما لم يتبد ـ حتى الآن ـ فى الأفق القريب ، أو البعيد ..
ثمة بعد آخر : إذا كان من حق الفنان الموهوب أن يستشرف فى إبداعه أفقاً أوسع ، فإن من واجب الذين يعانون غياب المعرفة والموهبة ألا يحاولوا القفز دون أن تسعفهم قدراتهم ، والبديهى أن طالب الفن التشكيلى يبدأ بدراسة التشريح قبل أن يدرس الكلاسيكية وينتهى بالتجريبية والسوريالية وغيرها من المذاهب الحديثة ..
والحق أنى أنظر إلى العمل الإبداعى من وجهة نظر تناقش وتحلل وتفيد من القراءات والخبرات والآراء ، فلا تأخذ إلاّ بما ترى أنه أقرب إلى فهمى وتفهمى ، وإلى صلتى بالعملية الإبداعية ..
أصارحك بأنى أقف ـ فى الأغلب ـ موقف المتحير أمام الخطوط المتوازية والمتقاطعة والمائلة ، والزوايا الحادة والمنفرجة ، والدوائر ، والمستطيلات ، والمثلثات ، والمعادلات الجبرية ، والشفرات ، والطلاسم . وتشتد بى الحيرة حين تتقابل " القطيعة المعرفية " بعدم معاداة التقاليد بمعناها الإيجابى ، وإنما إقامة علاقة حوارية معها . وهو قول الحداثيين أيضاً . بل إنى حاولت أن أفيد من إضاءة النقد البنيوى لما قرأته وقرأه نقاد البنيوية من أعمال إبداعية ، فدفعنى شحوب الإضاءة إلى الاكتفاء باجتهاد شخصى ، يستند ـ فى كل الأحوال ـ إلى قراءات وخبرات ، ومتابعة للمدارس والمذاهب الأدبية والنقدية . أفادتنى ـ بلا جدال ـ فى تأليف كتابى " مصر فى قصص كتابها المعاصرين " الذى نلت به ـ ولست ناقداً ـ جائزة الدولة فى النقد !..
إن نقاد الحداثة يسعون إلى " تأصيل دراسات تحاول تطوير منهج علمى فى النقد ، يبتعد عن الانطباعية التى تغرق الدراسات النقدية على وجه العموم " ..
كلام جميل كما ترى ، وينشده الحداثيون وغير الحداثيين . ينشده من يجد فى النقد محاولة لإضاءة النص ، وليس التعتيم عليه ، لتحليله ، وليس الربط بين الغلاف ونوعية الخطوط والأبناط ، واعتبارها جزءاً مكملاً للعمل الإبداعى ، فى حين أنها رميات بغير رام . إنها تخضع للاجتهاد الشخصى الذى لا صلة له بالنص ، سواء من الفنان التشكيلى الذى يصمم الغلاف ، أو فنّى الكومبيوتر الذى تختلف نظرته إلى العمل ـ بالتأكيد ـ عن نظرة المبدع .
أعجب الأمور عندما يحاول الناقد أن يستنطق الإبداع بما ليس فيه . إن التعبير عن فلسفة الحياة هم للمبدع ، مثلما أن البحث عن فلسفة الحياة هم للناقد ..
المذاهب الفنية ليست موضة ، لكنها تعبير عن موهبة ومعرفة وفلسفة حياة . إن الوجه العربى من الحداثة يجب أن تكون له ملامحه المميزة . وكما أن المواطن الأوروبى له ملامحه التى تختلف ـ بدرجة وبأخرى ـ عن ملامح المواطن العربى ، فإن هذا الاختلاف قائم أيضاً ـ بدرجة وبأخرى ـ فى القيم والمثل والعادات والتقاليد ، والثقافة فى إطلاقها . ولعلى غير مغرم بالتسميات : الحداثة ، وما بعد الحداثة ، وما يتصل بهما من تسميات البنيوية والتفكيكية والأسلوبية وغيرها . أميل إلى التجريب بعامة . أرفض المحاكاة أو التقليد ، وأحاول الخصوصية . الحداثة العربية كما يصفها إلياس خورى ـ الأدق أن هذا هو ما يأمله ـ " محاولة عربية داخل مبنى ثقافى له خصوصياته التاريخية ، ويعيش مشكلات نهضته " ، فالحداثة العربية إذن حداثة نهضوية . إنها محاولة بحث عن شرعية المستقبل ( الذاكرة المفقودة ص 25 )


***
من السذاجة نقل المصطلحات النقدية الجديدة ، والتعامل بها ، فى عزلة عن خلفيتها الثقافية ، عن التطورات السياسية والفلسفية والاجتماعية التى انبثقت منها ، ونشأت فيها . وإذا لم يكن بوسع الحركة النقدية ـ لاعتبارات ليس هذا مجالها ـ أن تشكل نظرية نقدية عربية ، فإن ما نتطلع إليه فى المدى القريب ، أن تقدم اجتهادات نقدية عربية ، تجعل الإبداعات العربية ـ فى إطار الظروف العربية ـ محوراً لها . وبتعبير محدد ، فإننا فى حاجة إلى اجتهادات نقدية ، تصدر عن أعمالنا الإبداعية ، فهى اجتهادات عربية فى الدرجة الأولى .
1999م.
........................
(فصل من كتاب: للشمس سبعة ألوان، لمحمد جبريل)

</i>

د. حسين علي محمد
08-08-2009, 07:59 PM
دكتــــوراه في روايات محمد جبريل
..........................................

الباحثة مديحة حمدي عبدالعزيز نديم المدرس المساعد بتربية طنطا.. تناقش آداب طنطا في الحادية عشرة صباح الاثنين القادم رسالتها للحصول علي درجة الدكتوراة بعنوان "بناء الشخصية في روايات محمد جبريل" أشرف علي الرسالة د. أحمد عبدالحي يوسف ود. محمود عبدالحميد السقا يرأس لجنة المناقشة د. أحمد يوسف علي يوسف وعضوية د. إبراهيم منصور.
........................................
*المساء ـ في 8/8/2009م.

د. حسين علي محمد
12-08-2009, 12:39 AM
حصلت الباحثة ـ بعد المناقشة ـ على الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى.
ألف مبروك.

د. حسين علي محمد
27-09-2009, 01:36 AM
في ساحة الإنشاد

قصة قصيرة، بقلم‏:‏ محمد جبريل
.....................................

لم يصدق الشيخ جابر أبو عبية أن سيد العقبي يرفض أداء كل ما تعلمه منه‏,‏ يصر أن يقرأ مدائح لايدري من وضعها له‏,‏ ولا إلي من يتجه بها‏,‏ هي الكلمات نفسها عن الله والمصير والرغبة في الفرار من العقاب ودخول الجنة‏.‏ يرددها المنشدون والمداحون والمولوية والصييتة في الموالد والليالي وساحات الحضرة‏,‏ لكنها تختلف في أداء العقبي بنقل المعني‏,‏ يتأمل الناس تعبيراته‏,‏ يجتذبهم صوت العقبي المحمل بالعذوبة‏,‏ ينفذ إلي الأعماق‏,‏ يصعد بالنفوس إلي آفاق علوية‏.‏
أول رؤيتنا لسيد العقبي حين ردد وراء الشيخ جابر أبو عبية منشد الطريقة الشاذلية‏,‏ علا صوته بين الذاكرين‏,‏ يردد ما يقولون من المدائح والأشعار وبردة البوصيري‏,‏ لم يلفت اهتمامنا‏,‏ وإن اجتذبنا في صوته بحة‏,‏ لا تخلو من أنوثة‏.‏
تعرفنا إلي ملامحه الظاهرة‏,‏ عند ظهوره في الموالد والليالي وساحات الحضرة‏,‏ يردد ما حفظه عن الشيخ أبو عبية من المدائح في النبي وآل بيته‏,‏ وفي التنبيه إلي أحوال الدنيا وأحداث الأيام‏.‏
تكررت مشاركاته في الحضرات المرتبة للطريقة الشاذلية‏,‏ موضعها السرادق الملاصق لجامع المرسي من ناحية السيالة‏.‏
قيل إنه عمل صبيا للأسطي سعيد قطا نجار السواقي بعزبة خورشيد‏,‏ وتحدثت روايات عن إفادته من فترة عمله في قهوة المعلم البابلي المطلة علي الأنفوشي‏,‏ وأكدت روايات أنه مجهول النسب‏,‏ ما كتبه في شهادة ميلاده يختلف عن اسمي الوالد والجد مما سربه إلي السفلية في الرواية والحكي‏,‏ وقيل إنه طال اشتغاله ببيع البضائع الصغيرة‏:‏ ساعات يد‏,‏ وميداليات ونظارات شمسية‏,‏ وسبح‏,‏ وأمشاط‏,‏ ومقصات‏,‏ وسكاكين‏,‏ وأقلام رصاص‏,‏ وأقلام حبر‏,‏ وكوتشينة‏,‏ وميداليات‏,‏ وألعاب للأطفال‏,‏ وعطور‏,‏ وأدوات تجميل‏,‏ يحملها في حقيبة مفتوحة‏,‏ علي صدره وساعده‏,‏ يتنقل بين المقاهي والدكاكين والميادين والشوارع المزدحمة‏,‏ وقال الشيخ حجازي رضوان قارئ التلاوة في جامعة البوصيري إنه التقي بالعقبي ـ للمرة الأولي ـ في مقابل العامود‏,‏ تسابقا للحصول علي الأقراص والكعك والفطائر والمنين‏,‏ رحمة ونورا علي الموتي‏.‏ تكررت لقاءاتهما في المقابر‏,‏ قبل أن يطالعه العقبي مساعدا للشيخ أبو عبية في إنشاده‏.‏
روي أنه سمع إنشادا لم يسبق له التعرف إلي صاحبه ـ في سرادق بمولد سيدي نصر الدين‏,‏ اجتذبه الصوت‏,‏ والكلمات‏,‏ وطريقة الأداء‏,‏ لا إيقاعات إلا صوت الشيخ والمستفتح‏,‏ وتصفيق الأيدي‏.‏ يبدأ الشيخ إنشاده خفيضا‏,‏ هامسا‏,‏ يعلو ويعلو حتي يبلغ الذروة‏.‏
أزمع أن يعد نفسه لهذا العمل‏.‏ أخذ العهد في الطريقة الشاذلية علي يد الشيخ مكرم رسلان إمام الطريقة‏,‏ تبعه بقراءة دلائل الخيرات‏,‏ وكتب التوسل للذات العلية‏,‏ وقصائد المديح‏,‏ والتغزل بالنبي‏,‏ والتوسل بخير البرية‏,‏ وطلب شفاعته‏,‏ وشفاعة آل البيت‏,‏ والصحابة‏,‏ والأولياء‏,‏ حفظ قصائد للمسلوب والمنيلاوي وأبو العلا محمد والبنا وسلامة حجازي وصبح وعلي محمود‏.‏
أخذ عن الشيخ جابر أبو عبية‏,‏ تصرفاته‏,‏ حركاته وسكناته‏.‏ تدريب علي طريقة الإلقاء‏,‏ متي يضع يديه تحت ذقنه‏,‏ متي يلصقهما بالأذنين‏,‏ متي يعلو صوته ويهبط‏,‏ كيف يفيد من آخر قراراته‏,‏ يلجأ إلي التعبير بالإيماءات والإشارات وحركات اليدين وتعبيرات الوجه المصاحبة للأداء‏,‏ يتغني بالصبابة والوجد والشوق إلي الوصال‏,‏ وإن أخذ العقبي علي الشيخ ـ بينه وبين نفسه ـ أنه ينشد ما يوضع في فمه‏,‏ لا يتأمل الكلمات‏,‏ ولا يتدبر معانيها‏,‏ لا يشغله حتي نوعيات المستمعين‏,‏ وتأثيرها‏,‏ وهل يحسنون الفهم‏,‏ أو أنهم يكتفون بسماع ألحان تمتدح الرسول‏.‏
عهد إليه الشيخ ـ في البداية ـ بدور المجاوبة الغنائية‏,‏ أقرب إلي المبلغ في صلاة الجماعة‏.‏
طالت رفقته للشيخ حتي شال عنه كل ما يرويه‏,‏ يعيد ما يستمع إليه‏,‏ يلجأ إلي الارتجال والتأليف والتوليف والصنعة‏,‏ ينظم الأبيات لحظة نطقها‏,‏ يستغني عن الحفظ إلا في المعاني‏,‏ يضيف ما يمليه خياله وموهبته‏.‏ ربما علا صوته بما لم يكن له أصل‏,‏ ولا استند إلي وقائع حقيقية‏.‏
حين طلب منه الشيخ أن ينشد معه جزءا من الأداء‏,‏ حاول أن يبدع بما يقارب أداء الشيخ‏,‏ أو يفوقه‏,‏ يتأمل انعكاس أدائه في أعين الناس‏,‏ يفرق بين مريدي الشيخ وبين من قدموا للاستماع‏.‏
هؤلاء هم الجمهور الذي يبحث عنه‏,‏ وعليه إعداده حين ينشد ـ منفردا ـ في الموالد والليالي وساحات الحضرة‏.‏
يستجيب للأصوات الرافضة‏,‏ والمعترضة‏,‏ والتي تعلو بالملاحظات‏.‏ يوقف النغمة‏,‏ يستبدل بها نغمة‏,‏ ونغمات‏,‏ أخري‏,‏ يتأمل صداها في أعين الناس‏,‏ وإيقاع تصفيقهم‏,‏ يتبين ـ بنظرة متفحصة ـ استجابات الناس‏,‏ ما بين طالب للإعادة أو الاستزادة‏,‏ ورافض‏,‏ يظل علي النغمة التي اختارها لإنشاده‏,‏ أو يبدلها‏,‏ يسند خده الي يده‏,‏ يغمض عينيه‏,‏ يعلو صوته بآخر طبقاته‏.‏
قبل ان يقتصر علي نفسه‏,‏ كان قد أنشد في كل الموالد‏,‏ ليس في بحري وحده‏,‏ وإنما في الاسكندرية والمدن الأخري‏,‏ موالد الشاذلي والدسوقي وأبو حجاج الاقصري‏,‏ والمولد الأحمدي‏,‏ وموالد الطاهرين من آل البيت‏:‏ السيدة زينب والحسين والسيدة نفيسة وزين العابدين وفاطمة النبوية والسيدة عائشة‏.‏
ردد قصائد أبو عبية في البداية‏,‏ ثم تحول الي قصائد‏,‏ ضفر أبياتها من قصائد مختلفة‏,‏ مزج بين اسلوب الشيخ في الآداء‏,‏ وبين أساليب تعرف إليها في إنصاته لشيوخ آخرين‏.‏ لم يتردد في الحذف والإضافة والتوشية‏,‏ وإن لم ينسب النبع الي نفسه‏,‏ ما فعله انه استوحي‏,‏ وألف‏,‏ ولحن‏,‏ اداؤه يكفل له توالي الموجات في بحر الإنشاد‏.‏
لم يقصر ما يقول علي ما أخذه من الشيخ‏,‏ ومن المشايخ الآخرين‏,‏ عني بزيادة حصيلته من النصوص‏,‏ بما يشمل كل الأغراض‏,‏ وما يتفق مع أذواق الناس‏,‏ وما يريدون سماعه‏.‏
اختار ما لم يسبق إنشاده في الموالد والليالي وحضرات الساحة‏,‏ تنقل بين المقامات‏,‏ زاوج بينها وزاوج بين إيقاعات النغم الشرقي والنغم الشعبي‏,‏ أدخل الالات الموسيقية حتي ما لم يستخدمه الشيخ أبو عبية‏,‏ الكمان والناس والقانون والاكورديون‏,‏ قدم من التوحيد‏,‏ والمديح‏,‏ والتوسل‏,‏ والأوراد‏,‏ والأحزاب‏,‏ ما لم نكن قرأناه ولا استمعنا اليه من قبل‏,‏ وأنشد قصص الكرامات‏,‏ وقصائد ابن الفارض وابن عربي‏,‏ ترافقه آلات الطرب من الناي والربابة والعيدان والدف والطنابير‏.‏
امتد إنشاده إلي المدائح النبوية والابتهالات والتسابيح والتواشيح والأذكار والتخمير والقصائد والأدوار‏,‏ ورواية معجزات النبي والرسل ومناقب الأولياء‏,‏ أنشد للجيلي والجيلاني وابن عربي والحلاج والغوث وابن الفارض وعلي محمود‏.‏
فن الإنشاد له أصوله‏,‏ وقواعده‏,‏ وقوالبه‏,‏ وإيقاعاته‏,‏ حفظ ما لم يكن يعرفه بقية المنشدين‏:‏ المدد‏,‏ التوسلات‏,‏ الأغنيات الشعبية‏.‏
حتي ما لم يعبر عن العقيدة الدينية‏,‏ حتي الأدوار المحملة بالايحاءات والإرشادات الجنسية‏.‏ يحرض من في ساحة الحضرة أن يرددوا الإنشاد وراءه‏,‏ يتحولوا إلي سنيدة ومذهبجية‏.‏
ربما التقط الناي أو المزمار من الطاولة الصغيرة أمامه‏,‏ يصل الأداء الصوتي بفقرات موسيقية‏,‏ فرشة تسبق الإنشاد‏.‏ ادخل علي الألحان ايقاعات غائبة المصدر‏,‏ ليست الايقاعات التي اعتدنا سماعها‏.‏ غير في النصوص كلمة‏,‏ وكلمات‏,‏ ثم حذف‏,‏ وأضاف‏,‏ وبدل‏.‏ يعتمد علي البديهة‏,‏ والقدرة علي الارتجال‏,‏ يضمن إنشاده أسماء رءوس العائلات في القري والأحياء التي تستقبله‏,‏ ينوع في الألحان والإيقاعات والأداء الصوتي‏,‏ يخضع ما ينشده للمعاني التي يريد توصيلها‏.‏ يمد الحروف‏,‏ يطيلها‏,‏ يقصرها‏,‏ ينغم الأبيات‏,‏ يحسن الوقفات‏,‏ والسكنات‏,‏ والترقيق والتفخيم‏.‏ قد يهمل العديد من الأبيات لنبوها عن سياق المعني‏,‏ ربما نوع بين نص وغيره من النصوص‏,‏ ليبلغ هدفه‏.‏
حرص أن يوضح في النصوص ما يبدو غامضا‏,‏ أو يقدم المعاني التي يشغله توصيلها‏,‏ هي غير موجودة في النصوص‏,‏ أو متوارية‏.‏ يوائم بين أذواق الناس‏,‏ يختار لكل جماعة ما يروقها‏:‏ الحب الإلهي والنبوة ومديح الرسول وآل البيت‏,‏ التغني بمناقب أولياء الله‏,‏ ومكاشفاتهم‏,‏ وحوادثهم‏,‏ وخوارق أفعالهم‏,‏ التوسلات ونداءات النصفة والمدد‏,‏ فراق الأحباب والحنين إلي موطن الميلاد والطفولة والنشأة‏.‏
لم يعد يجد حرجا في الإنشاد‏,‏ في حضور الشيخ أبو عبية‏.‏
طريقة الرجل مذهبه‏,‏ ولم يشر العقبي إلي طريقته‏,‏ فغاب المذهب الذي كان يؤمن بتعاليمه‏,‏ وما يدعو إليه‏.‏
جعل لنفسه مجموعة‏,‏ يحيطون به‏,‏ يرافقونه إلي الأماكن التي ينشد فيها‏,‏ الساحات والقاعات الواسعة والسرادقات‏,‏ يرددون ما ينشده‏,‏ تعلو أصواتهم بعبارات الاستحسان والثناء‏,‏ تصفق أيديهم بالإيقاع المصاحب للكلمات‏,‏ الدور نفسه الذي طال قيامه به في صحبة الشيخ جابر أبو عبية‏,‏ حتي اذن الله فاستقل بنفسه‏.‏
حاول أن يضمن إنشاده آراء وانتقادات وما ينفع الناس‏,‏ يستشهد بسيرة الرسول‏,‏ وسير الأنبياء‏,‏ وقصص آل البيت والصحابة والأولياء والتابعين‏,‏ تمازجها الكناية والتورية والإضمار‏.‏
لم يتحدث عن تأليف طريقة صوفية‏,‏ وإن زاد عدد المعجبين بصوته‏,‏ فصاروا كالمريدين في حضرات شيوخ الطرق‏,‏ حفلت الساحات بمواكبهم‏,‏ انتشروا في الشوارع الرئيسية والجانبية‏.‏ حتي الساحة الحجرية أمام قلعة قايتباي‏,‏ صنعوا فيها حلقة‏,‏ نشروا الزينات والبيارق والرايات الملونة‏,‏ وتعالت أصواتهم بما حفظوه من الكلمات التي نحسن فهم معانيها‏.‏
جاوز بقصائده جلسات الخواص وحلقات الذكر ومجالس شيوخ الطرق‏,‏ إلي الموالد والسرادقات التي يفد إليها آلاف العوام واللقاءات المفتوحة‏.‏
أرخي العذبة من العمامة الهائلة المستقرة فوق رأسه‏,‏ أهمل شعره‏,‏ فلم يقصه حتي انسدل علي كتفيه‏,‏ يضفي علي هيئته مهابة بالنظرات النافذة‏,‏ واللحية التي أحسن تهذيبها‏,‏ والجلبات الصوف‏,‏ والشال الملتمع حول عنقه‏.‏
جعل العقبي من بيت ذي طابقين‏,‏ يطل علي ناحية خليج الأنفوشي‏,‏ سكنا له‏,‏ يعكف فيه علي العبادة والمراجعة وحفظ الجديد من الإنشاد‏,‏ فلا يداخل نفوس الناس بالمتكرر‏,‏ وما يبعث الأمل‏,‏ يستقبل محبي صوته‏,‏ لا شأن له بوعظ ولا إرشاد‏.‏ ظل علي حاله منشدا‏,‏ يؤدي المدائح والأدوار والأغنيات‏.‏
لجأ إلي الوسائط التي لم يستخدمها جابر أبوعبية‏,‏ ولا أي من المنشدين الآخرين كشريط الكاسيت والأسطوانة الرقمية‏,‏ أضاف إلي إنشاده ما حفظه من الشيخ أبو عبية‏,‏ وإن لم ينسبه إلي نفسه‏,‏ لم ينزع نفسه عن الطريقة الشاذلية التي مثل أبو عبية حلقة في سلسلة منشديها‏,‏ كل الإنشاد يصدر عن العقبي‏,‏ وله حسن الجزاء والمثوبة‏.‏
طال صمت الشيخ دون أن تبدو في تصرفاته نية الرفض‏.‏
روي أنه دعا أفراد فرقته لتدبر ما جري‏:‏
ــ إذا ظل الناس علي سماعهم للعقبي‏,‏ فستكون النتيجة خراب بيوتنا‏!‏
توزع أفراد الفرقة‏,‏ ومن يتبعونهم‏,‏ في القري والأحياء والأسواق والخلاء وداخل الميناء وعلي الشاطئ‏,‏ حتي ورش القزق دخلوها‏,‏ ودخلوا البيوت والسرادقات والموالد‏,‏ زاروا الجوامع والزوايا والمقامات والأضرحة‏,‏ ترددوا علي الساحات والمقاهي وحلقة السمك‏,‏ همسوا بالملاحظات والتحذيرات والتوقعات والخوف من ضياع البركة‏.‏
عرف الناس أن رفض أبوعبية زيارة العقبي في بيته لأنه أساء إلي الإنشاد‏,‏ وشوش أفكار الجماعة‏,‏ أضاف‏,‏ وحذف‏,‏ وبدل‏,‏ بما خرج بالكلمات عن الطريقة الشاذلية‏,‏ وعن أصول المهنة‏,‏ واجتث جذورها‏.‏
شاغل أفراد الفرق ومن يقودونهم‏,‏ أن يقبل الناس علي الصلاة في مواعيدها‏,‏ يسبقونها ويلحقونها بركعات السنة‏,‏ وبالنوافل‏,‏ يجلسون في حلقات الوعظ والإرشاد الديني‏,‏ وقعدات الصوفية‏,‏ وقراءة القرآن وتجويده‏,‏ ينتظمون في حلقات الذكر‏.‏ ثم يمضون إلي سرادقات منشدي الشاذلية‏,‏ وقصائدهم‏,‏ وحكاياتهم‏.‏
ترك جماعة أبو عبية للناس أمر الخلاص من المعاناة‏,‏ أن يتخلصوا من العقبي بطريقتهم‏,‏ اعتبار ما كان كأنه لم يكن‏,‏ وإعادة الأمر إلي صورته الأولي‏.‏
ينشد الشيخ جابر أبوعبية مدائحه المتفردة في سرادقات بحري‏,‏ ظله مساجد الحي وشفاعات أولياء الحي ومددهم‏,‏ تطلعه إلي الذات الإلهية بالتوسل والرجاء‏,‏ صورة الانشاد الديني كما اعتادها الناس‏.‏
.................................................. ..
*الأهرام ـ في 18/9/2009م

د. حسين علي محمد
27-09-2009, 01:37 AM
من المحرر

بقلم: محمد جبريل
....................

قد تبدي توصيفا لمعني أو قضية فيها اختلاف ثم تجد ان توصيفا آخر لمحدثك ربما يكون أميل إلي الدقة إذا كنت مكابرا -لا قدر الله- فأنت تصر علي التوصيف الذي طرحته أما إذا كنت مجتهدا تشغلك الحقيقة في ذاتها فلعلك تقول ببساطة: هذا ما أردت قوله.
أذكر أني وجدت في الواقعية السحرية تعبيرا متماهيا أو موازيا للواقعية السحرية التي توصف بها إبداعات جارثيا ماركيث وإيزابيل الليندي ويوسا وغيرهم من مبدعي أمريكا اللاتينية.
وجدت في الواقعية الصوفية معني أشد عمقا للإبداعات التي تستند إلي الموروث الشعبي بداية بالميتافيزيقا وانتهاء بالممارسات التي تنسب إلي الصوفية.
صديقي الدكتور شبل الكومي اقترح تسمية أخري هي الواقعية الروحية بدت لي تسمية أقرب بل هي -في قناعتي- صحيحة تماما.
الواقعية الصوفية تحصر الجو الإبداعي في الممارسات الصوفية وحدها في مكاشفات أولياء الله وكراماتهم ما ينسب إلي السيد البدوي وأبي العباس والشافعي والرفاعي والشاذلي والحجاجي وديوان أم العواجز من خوارق ومعجزات وما ينسب إلي الفرق الصوفية بعامة من إجراءات وطقوس أما الروحية فهي تهب دلالة أكثر رحابة وأشد تحديدا في الوقت نفسه.
النظرة إلي الموت والموتي تكوين مهم في موروثنا الشعبي بكل ما يحفل به من معتقدات وممارسات وعادات وتقاليد.
نحن نؤمن بالخلود وان الموت انتقال من حال إلي حال لذلك يأتي انشغالنا ببيت الآخرة مقابلا لإهمال بيت الدنيا تدلنا الحفائر والتنقيبات علي آثار تتصل بالعالم الآخر: الأهرامات. مصاطب المقابر. الأجساد المحنطة. الأوشابتي. إلخ لكننا لا نجد أي أثر لبيت الدنيا البيوت التي كان يعيش فيها قدامي المصريين.
وبالطبع فإننا نؤمن ان الصلة بموتانا -أو صلتهم بنا- لا تنقطع إن لم نرهم رؤي العين فإنهم يزوروننا في الأحلام أو ما يشببها ويحرصون علي متابعة أحوالنا ويشعرون لتلك الأحوال بالقلق والخوف والفرح والحزن وهم في دار الحق بينما نحن في دار الباطل.
باختصار فإن الروحية هي التعبير العلمي والموضوعي لإبداعاتنا التي تنظر إلي الضفة الأخري أو تحاول ان تنتقل إليها إضافة إلي ذلك فإن ما تنبض به حكايات جداتنا من الغرائبية والعجائبية تبين عن مغايرة في حكايات الآخرين انها تنطلق في الخيال إلي آفاق مطلقة أما الحكايات الأخري فإن آفاقها محدودة يتحرك في محدوديتها بينوكيو وسندريللا وذات الرداء الأحمر وغيرها.
ذلك هو سر الافتتان العجيب بالتراث الشعبي العربي كما في ألف ليلة وليلة علي سبيل المثال ما يحرص أدباء أمريكا اللاتينية علي تأكيده في إشاراتهم إلي البدايات ان ألف ليلة وليلة كانت دليلهم إلي عالم الفن الجميل البساط السحري. البلورة المسحورة. طائر الرخ. جزيرة واق الواق. افتح يا سمسم. وغيرها من الصور التي تصدر عن مخيلة لا حدود لانطلاقاتها.
...................................
*المساء ـ في 15/8/2009م.

د. حسين علي محمد
27-09-2009, 01:38 AM
من المحرر

بقلم: محمد جبريل
.....................


إذا كان علي مبارك قد كتب خططه ليفيد منها قارئو العربية ودارسو المكان المصري بخاصة.. وإذا كان يوسف الجزايرلي قد وضع خططه للغرض نفسه. وإن قصر جهده علي المكان السكندري.. فإن حسن خليل لم يوضح الهدف من كتابة نوتته الصغيرة. تتضمن شوارع بحري وميادينه وأزقته. وأهم معالم الحي القديم. جمله القصيرة المركزة تشي بأنه قد كتب هذه النوتة ليزجي فراغ رحلة المعاش. أو ليفيد منها في مشروع أعده. وكان هو وحده أعلم بتفصيلاته. لكن الرجل فيما يبدو عدل عن مشروعه. فأهدي النوتة إلي صديقنا المشترك الشاعر الراحل عبدالله أبو رواش. وحين علم أبو رواش بمشروع روايتي "رباعية بحري" التي تعني بالحياة في الحي منذ أواخر الحرب العالمية الثانية إلي قيام ثورة يوليو. وجد في المعلومات التي تحويها النوتة الصغيرة ما قد يفيدني في تذكر أسماء الأماكن. علماً بأن صلتي بالإسكندرية اقتصرت منذ إقامتي في القاهرة علي الزيارات المتقاربة. أو المتباعدة.
حسن خليل هو خليل الفحام في روايتي "أهل البحر". لم تتح لي الظروف لقاءه. لكنني حاولت التعبير عن إنجازه المهم. فجعلته بطلاً لأحدث ما كتبت.
رفض الرجل أن تتحول رحلة المعاش إلي جسر انتظار. حاول أن يصنع شيئاً. يشغل به وقته. ويفيد منه الناس. بدأ رحلة في الزمان والمكان. عبر مساحة محددة ومحدودة. بدايتها ميدان المنشية ونهايتها سراي رأس التين. نبضها رفض الانتظار السخيف. والتغلب علي الملل والوحدة. والتعبير عن الشوق والحنين والمحبة. ومحاولة رسم لوحة بانورامية للزمان والمكان في بحري. تهب المثل لمن يريد أن يصنع شيئاً. حتي لو كان موظفاً بدأ رحلة المعاش.
لا أعرف عن حسن خليل إلا أنه كان موظفاً صغيراً في محافظة الإسكندرية. ظني أنه حاول أن يشغل رحلة المعاش مثلما يفعل الكثيرون برعاية أبنائه وأحفاده. والتردد علي بيوت الله. والجلوس إلي أصدقاء العمر في المقهي القريب.. لكنه أضاف إلي ذلك سعياً لإنجاز مهم. كان هو الدافع لأن أكتب هذه الكلمات. أشير من خلالها إلي أن رحلة المعاش. أو حتي الشيخوخة. لا تعني اجترار الملل وتوقع النهاية. لكنها قد تكون بداية جديدة في حياتنا. نفرغ فيها لما صرفتنا عنه أيام الوظيفة.
ولعلنا نجد المثل أدبياً. في أستاذنا نجيب محفوظ. الذي أضاف إلي المكتبة العربية منذ أحيل إلي المعاش كما متميزاً من الأعمال الإبداعية. يفوق ما صدر له قبل أن يبلغ الستين!
وسع محفوظ من دائرة صداقاته وعلاقاته الإنسانية. وزاد من وقت حياته الأسرية. لكنه لم يهمل نشاطه الإبداعي. فكتب الكثير من الأعمال التي اتصلت بما سبقها. فشكلت في مجموعها مشهداً روائياً متكاملاً. بلغ غايته في أصداء السيرة الذاتية. وأحلام فترة النقاهة. هذان العملان اللذان يذكراني بمن يعصر الليمونة. وحين تقل قطراتها. فإنه يضعها حول سكين يعتصر القطرات المتبقية!
......................................
*المساء ـ في 22/8/2009م.

د. حسين علي محمد
27-09-2009, 01:39 AM
من المحرر

بقلم: محمد جبريل
.....................

إذا كنت قدألزمت نفسي- ذات صباح خريفي في مطالع الستينيات- ان أقرأ كل ما تصادفه يداي من أعمال ابداعية- روايات وقصص قصيرة علي وجه الخصوص- فان النتيجة التي أعانيها الآن هي ان الجديد في الابداع الروائي والقصصي- هذا ما يشغلني- وفي فنيات الابداع تحديداً. مطلب في غاية الصعوبة. ويحتاج إلي موهبة من حقها ان تنتسب إلي العبقريات. العادة في الندوات الأدبية ان يجامل آخر المتحدثين من سبقوه. فيشير- بتواضع غير حقيقي- إلي انه لم يعد لديه ما يضيفه.وان قرر- بينه وبين نفسه- ان يقذف بعصا موسي لتبتلع أفاعيل السحرة. ولأني لا أمتلك ما يهبني الثقة في تقديم "الاضافة" فإني أكتفي بالغيرة الفنية- هل هذا هو التعبير الأنسب؟ - وان أقرأ تلك الاضافات الجميلة في فنية القصة القصيرة والرواية.
الإضافة لا تعني الالغاء. وإلا لألغينا أعمالا روائية وقصصية مهمة في تاريخ أدبنا المعاصر. في ضوء أعمال نجيب محفوظ علي سبيل المثال الاضافة التي أقصدها. هي التي يحاول التجريب تقديمها. لا اضافة بدون تجريب. أو ان التجريب المتفوق يقدم اضافة. لا يوجد مبدع حقيقي لم يحاول ان يقدم ابداعاً غير مسبوق في مقولته وفنيته قرأت لمحمد النويهي في أواخر الخمسينيات ان الأديب لا يمكن ان يكون عظيما الا اذا ابتكر شكلاً فنياً جديداً. وشق طريقاً غيرمعروف ولا مألوف. وأضاف النويهي انه مستعد لان يسامح أدباءنا علي كل ما يرتكبون في سعيهم نحو تحقيق هذه الصورة الملحة من خطأ وشطط. فهم يأملون ان ينتهوا من تلك التجارب إلي استكشاف سواء السبيل. وكانت قراءتي للنويهي مساوية من حيث التفاتي إلي ضرورة أن يضيف المبدع جديداً. لما قرأته لمحمد مندور عن ضرورة ان تكون للمبدع فلسفة حياة.
الابداع هو اضافة شيء جديد إلي الوجود. لكن لابروبيير يذهب إلي القول: "كل شيء قد قيل. وقد أتينا بعد فوات الأوان. ويقول الكاتب الايرلندي أوفلارتي: "إن أشد ما يؤلم الكاتب هو معرفة ان كل ما يقدمه قد قيل من قبل". أصعب الأمور- أو أقصاها- ان تبدع عملاً يتصور انه غير مسبوق. ثم يبين توارد الخواطر- هذا هو التعبير الذي تفضله النصيحة المشفقة- عن الأعمال التي تلقي علي عملك- غير المسبوق- ظل التأثر. وقد بدأ اهتمام جابرييل جارثيا ماركيث بفن القصة. حين قرأ قصة "المسخ" لكافكا. قرأ في أولها هذه الجملة "عندما صحا جريجور سامسا ذات صباح. بعد أحلام مقلقة. وجد نفسه قد تحول إلي خنفساء" وأغلق جارثيا الكتاب فزعاً.وهو يهمس لنفسه: هل يمكن ان يحدث هذا؟ وكتب- في اليوم التالي- أول قصة له. وللكاتب الأمريكي اللاتيني الفريدو كاردينا بنيا قصة بعنوان "اثار النمل علي الرمل". يعتذر لقرائه - بداية- عن اخفاقه في العثور علي قصة جديدة لم يسبق ان قرأ مثلها. وعلي حد تعبيره. فان ألف ليلة وليلة مخزن لأكبر عدد من القصص الانسانية. لقد أصبح هذا الكتاب نبعاً ثرياً متعدد الروافد للعديد من القصص والحكايات التي تروي في كل أنحاء العالم. وجعل الكثير من الكتابات التالية لصدوره مجرد تقليد أو نقل غير مبدع. وتنقل الراوي/ الكاتب بين العديد من موضوعات الأحلام والحب. وحكايات الجنيات والعفاريت. وقصص الفزع والاشباح والأرواح الشريرة ثم توصل- أخيراً- إلي قصة وجد فيها تفرداً عن كل ما سبق تأليفه من قصص: "كان ذات مرة" وقرأ القصة علي متلقين كثر في أنحاء العالم. ثم أسلم عينيه لاغماضة الموت. وهو يبتسم في هناءة!
..................................
*المساء ـ في 29/8/2009م.

د. حسين علي محمد
27-09-2009, 01:39 AM
من المحرر:
النقد والإبداع

بقلم: محمد جبريل
.....................

إذا كان تولستوي يذهب الي ضرورة ان يتقمص الاديب شخصين. هما الكاتب ذاته والناقد. فإني أفضل ان يبدأ دور الناقد بعد انتهاء الكتابة الابداعية.
القول بأن الناقد أديب فاشل دعابة سخيفة. فالنقد الحقيقي. المطلوب. هو مايمارسه الأديب علي فنه. وما يرتفع بمستوي أديب عن سواه.. بالإ ضافة إلي الموهبة- هو ارتفاع حسه النقدي. المبدع الذي يفتقر الي ملكة النقد والرأي للروائية الانجليزية اليزابيث بوين لا وجود له . بل إن مهنته كروائي لاتتحمل مثل هذا النقص. طبيعي ان الفنان لا يرضي تماما عن نفسه. ولا عن عالمه. لأن الحدود بين الواقع والمثال هو المسافة التي تنطلق فيها جياد ابداعاته.
مع ذلك. فأن يكون الفنان صاحب عمل ما. فذلك لايعني أنه هو أجدر الناس بفهم عمله . ربما كان الناقد أكثر فهما للعمل من الفنان نفسه. أكثر استنباطا لمعانيه ودلالاته. استمعت في البرنامج الثقافي الاذاعي الي حوار بين نعمان عاشور ومحمد مندور. بدأ نعمان في تلخيص مسرحيته عيلة الدوغري.. قاطعه مندور بعد لحظات في بساطة: أخشي أنك لن تحسن تلخيص عملك. أنت لم تفهم العمل بالصورة الممتازة التي فهمتها. ولخص مندور المسرحية. واذكر أنه كان أكثر قدرة علي تسليط الضوء علي مسرحية نعمان عاشور بأكثر مما حاول الفنان.
وكان أبوالطيب المتنبي يحيل السائلين عن شعره الي شارح ديوانه وناقد شعره. أبي الفتح عثمان بن جني. ويقول: عليك بابن جني فإنه اعرف بشعري مني.
تقول بيرل باك: "لكي تكون كاتبا جيدا. فعليك ان تكد. بمعني أن تنهض في الصباح. وتبدأ في الكتابة مبكرا. والذهن صاف ورائق. فضلا عن أن تبدأ الكتابة حتي لو لم يكن الذهن رائقا وصافيا.
عادات العمل ضرورية للكاتب مثلما هي ضرورية للعامل. وربما اكثر. لأنه ليس ثمة من يجبر الكاتب علي العمل. وليس هناك من يساعده في أداء عمله. إنه رئيس نفسه. وهذا الرئيس هو عامل في الوقت نفسه.
وتقديري أنه علي الفنان ألا يرجئ عمل اليوم الي الغد. بحجة أنه مشغول. فالوقت لن يكون في حوزته ذات يوم بصورة مطلقة. وعلي الرغم من حرصي علي عادة الكتابة اليومية. فإني أتذكر دوما قول روبرت هنري "ان كل شخص يحترم الرسم يشعر بالخوف كلما بدأ لوحة" وأثق ان هذا الشعور يحياه كل مبدع بصرف النظر عن طبيعة ابداعه ولعلي اتذكر كذلك قول أوراثيو كيروجا: لا تكتب وانت تحت تأثير الانفعال.. اتركه يزول. استدعه مرة أخري.
علي الفنان ان اعتبر الابداع قضية حياة أن يحاول الافادة من كل مايسمح به الوقت. حتي لو كان مجرد دقائق قليلة. أنا أطمئن الي ماكتبته في تلك الاوقات العابرة إن جاز التعبير أوقات مابين عملين. أوقات الانشغال في عمل لايتصل بالابداع. وأوقات الفراغ والضيق واللاجدوي. أجري بالقلم علي الأوراق لمجرد الاقتراب من الفن. وربما وضعت نقطة الختام لعمل كنت قد اهملت الحاحه منذ فترة طويلة.
.....................................
*المساء ـ في 5/9/2009م.

د. حسين علي محمد
27-09-2009, 01:40 AM
الزحام

بقلم: محمد جبريل
.....................

في قصة "الزحام" التي أعتبرها من أجمل ابداعات القصة العربية القصيرة حدد يوسف الشاروني مشكلة الزحام كواحدة من أهم المشكلات التي يواجهها عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.
الزحام الذي يعانيه العالم الآن أثبت ان مالتوس لم يكن مخطئاً في التحذير من الزيادة السكانية التي يعد الزحام أخطر مشكلاتها.
الكثافة السكانية. إذا أحسنا التعامل معها. فإنها تتحول إلي رصيد إيجابي. وليس العكس. أما إذا اكتفينا بالنظر إليها باعتبارها مجرد أزمة. مشكلة. فإنها تضيف إلي السلبيات التي يفرزها الزحام علي مستوي العالم.
من ذكريات طفولتي. هذا السؤال الذي وجهه لي صديق يكبرني بسنوات: لو أن أباك أعطي لك ولأخيك تفاحتين. ماذا ستفعلان؟
قلت: يحصل كل منا علي تفاحته.
قال: فإذا منح التفاحتين لسبعة إخوة.
أضاف للدهشة في ملامحي: ستنشب معركة.
زادت الأعداد مقابلاً لثبات "المنحة". ففرض العراك نفسه. وإن أخرج الزحام لسانه في خلفية الصورة!
وأشار صديق إلي الأوتوبيس القادم. وإلي الشبان الذين يسبقون باللكز تدافع الركاب: سيسبقوننا. وسنكرههم!
والحق أن زحام المواصلات يعني أمراضاً اجتماعية خطيرة. أقلها النشل. وأقساها الكراهية والعنف والتحرش الجنسي. ولا يخلو من دلالة تخصيص عربة للحريم في بعض وسائل المواصلات العامة.
والخناقات ظاهرة يومية أمام الأفران: التدافع يولد شرارة الشتائم. تتلوها نيران الخناقات التي تفضي كما تنشر الصحف إلي القتل!
وأدركنا متأخراً ان أعداد التلاميذ في كل فصل بمدارسنا تشكل خطراً علي صحة التلاميذ. وعلي الصحة العامة! فالفصل الذي يختنق بما يبلغ أحياناً مائة تلميذ هو أنسب الأماكن لانتشار الأمراض الوبائية. مجرد عطسة. أو لمسة. أو نفثة. تعني تصدير عشرات الأبناء إلي مستشفي الحميات!
زحام يوسف الشاروني نذير بالقادم من أيامنا. ولأننا نعتبر الأدب مجرد تسلية. فقد أهملنا النذير المتسربل برداء الفن. نسينا أو تناسينا إيماءات ابداعية في كتابات جول فيرن وجورج أورويل وغيرهما. ثم ثبتت صحة تلك الإيماءات وجدواها. وانها كانت تشير إلي جوانب في مستقبل العالم.. لكن إشارة الشاروني المعلنة لأن صاحبها للأسف أديب عربي واجهت إهمالاً. باعتبار نسبتها إلي الحدوتة!
هانحن ندرك أن الزحام لم تكن استعراضاً متفلسفاً. إنما هي مؤشر لأقسي الأمراض التي يعانيها مجتمعنا.
الحل الذي أقدمت عليه دول تفوقنا في عدد السكان. يتمثل في تغليب الانتاج علي الاستهلاك.
حل بسيط. وإيجابي. كما تري.
.....................................
*المساء ـ في 19/9/2009م.

د. حسين علي محمد
03-10-2009, 05:19 PM
من المحرر:

معلومات الإنترنت

بقلم: محمد جبريل
.....................

للإنترنت وجهان: الوجه الأول نتعرف إليه في إفادتنا من كم المعلومات التي يقدمها لنا في كل المجالات. بداية من الكتب المهمة التي ربما تعجز مواردنا المادية عن اقتنائها. واستمراراً في أرقام التواريخ ومواقع الأماكن وتراجم المشاعل وكل ما يعين الباحث علي أداء عمله. ما كان يحتاج إلي كثرة التردد علي المكتبات العامة والخاصة. والتقليب في الوثائق والمجلدات والدوريات.
الوجه الآخر للإنترنت يتمثل في الخفة التي يتعامل بها البعض مع الشبكة العنكبوتية.
الأمثلة لا حصر لها. وإن كنت سأكتفي لظروف المساحة أن أضرب مثلين. أولهما السطو المعلن من بعض فاقدي الموهبة علي جهد الآخرين. ونسبته إلي أنفسهم. سواء علي الشبكة العنكبوتية نفسها. أم في الرسائل الجامعية والأبحاث المتخصصة. أما المثل الثاني فهو إقدام البعض علي أن يضيف من عندياته ما لا ظل له في الواقع. قد تكون النية الطيبة هي الباعث. تصوراً أن المعلومة التي وردت صحيحة.
ولأن إفادتنا من الإنترنت تتراوح ما بين الثقة في ما يذكره. والنقلية التي تعني بالمتاح دون التثبت من صحته. فإن المعلومة الخطأ تنتقل بين الكثير من المواقع والعناوين الشخصية. تصبح كأنها الحقيقة. وهي ليست كذلك.
أما الكتابات التي مارست السطو فإن الحياة العلمية الصحيحة تكفل كشفها. ومعاقبة مرتكبيها. وقد أصدرت مجالس التأديب في جامعاتنا أحكاماً رادعة حول عدد ممن مارسوا تلك الجريمة. وواجه من وضعوا أسماءهم علي إبداعات الآخرين إدانات معلنة. بما يلغي التصور أننا لا نقرأ. أو لا نتذكر. أو مش واخدين بالنا!
وبالنسبة للمعلومات الخاطئة فإن أفقها القريب لا يطرح حلاً. تطالعني في المستطيل الصغير معلومات تخصني. تلغي ما أعرفه وأثبته في سيرتي الذاتية "بالإضافة إلي السيرة الذاتية فثمة كتابان هما حكايات من جزيرة فاروس ومد الموج يتناولان مراحل من حياتي".
د.أحمد شمس الدين الحجاجي صديق قديم. يعرف جيداً ظروف حياتي منذ الميلاد إلي أحدث كتاباتي. أراد تقديمي في ندوة بمدينة الأقصر. قرأ من ورقة عن مولدي بالقليوبية. استطرد لدهشتي المتسائلة: هذا ما ذكره الإنترنت. أعتبر الحجاجي بحسن نية أن ما نشره الإنترنت صحيح. لم يخطر في باله أن ما نظر إليه هو وجه العملة الآخر. السلبي!
ظني أن الرقابة علي مواد الإنترنت هي مسئولية المتعاملين معه. وليست مسئولية دولة ولا جماعة. هذه المسئولية تعني أن تتحول الشبكة العنكبوتية في بعدها الإعلامي إلي موسوعة حقيقية. وأن يكون ذلك هو حرص الجميع.
ولعلي أقترح علي من تنشغل مساحة الإنترنت بتراجمهم وسيرهم الذاتية. أن يكتبوا هذه السير "هذا ما فعلته شخصياً. واعتمدته مواقع كثيرة مثل أمواج. والرافد. والموقف الأدبي" بحيث تنشر الشبكة العنكبوتية ما كتبوه. إذا شابه خطأ فإن الكاتب يحاسب علي ما قدمه من معلومات غير صحيحة. وإذا كان مبعث الخطأ آخرون. فإن علي صاحب الشأن أن يكذب. وأن تنشر المواقع الإلكترونية تكذيباً مماثلاً. يضيق الحصار حول الاستسهال. أو العبث السخيف. فتتحقق الموسوعية التي نأملها للإنترنت. أهم الإنجازات العلمية البشرية علي المستويين الشخصي والعام.
.........................................
*المساء ـ في 3/10/2009م.

د. حسين علي محمد
03-10-2009, 05:21 PM
المثقف والمجتمع والسلطة (1 ـ 2)

بقلم: محمد جبريل
.....................

لا تحلموا بعالم سعيد ..
فخلف كل قيصر يموت ..
قيصر جديد .
أمل دنقل
" الذئب ما كان ذئباً ، لو لم تكن الخراف خرافاً "
مثل أيرلندى
" إن الروايات العظيمة لا يكتبها أناس خائفون "
جورج أوريل
ننحن فى عصر أصبح من واجب الأعمال الفنية فيه أن تطلق الرصاص


مشكلة بعض النقاد مع روايتى " من أوراق أبى الطيب المتنبى " أنهم توقفوا أمام ما تصوروه انعكاسات أحداث قريبة ، مثل فترة السادات وما صحبها من تطورات . والحق إنى لم أكتب الرواية لمناسبة وقتها ، لم أقصد أن أتناول قضية ذات أهمية بالغة ، لكن الحل ـ على أى نحو ـ ماثل فى مدى الأفق ..
إذا كان المبدع يكتب من أجل عصره ، من أجل الآنية ، فإنه يكتب من أجل الإضافة والتطوير والتقدم . إنه لا يكتب للمجتمع الآنى وحده ، وإنما يكتب لكل الأزمنة ، وللإنسان بعامة . الإبداع الحقيقى هو الذى يمتلك حيوية المواصلة والتأثير والحس الإنسانى ، حتى بعد انتهاء المناسبة التى كتبت فيها ، أو ـ ربما ـ عبّر عنها . يهمنى أن تخترق شخصيات أعمالى زمانها ، فلا تستقر فى زمان محدد ، وتتلاشى من ثم بتلاشيه . أرفض شخصية المناسبة ، مثلما أرفض ـ فى الشعر ـ قصيدة المناسبة . نحن نقرأ ديكنز ، لا لأن أعماله تناولت إصلاح السجون ، ونقرأ تورجنيف لا لأنه كتب عن قضايا التحرر فى روسيا ، وهوجو لا لأنه انتقد نابليون الثالث . تلك مهام المؤرخين أو المصلحين الاجتماعيين . إن هؤلاء الأدباء ـ وغيرهم ـ وظفوا تلك " التيمات " الاجتماعية أو السياسية ـ إن جاز التعبير ـ فى أعمال إبداعية ، بعدها الإنسانى يتيح لها الحياة بعيداًُ عن الأحداث التى تناولتها ، بعيداً عن الآنية الطارئة التى يزول تأثيرها بزوال الحدث ..
ثمة قضايا محددة تشكل الرؤية الشاملة ، فلسفة الحياة ، لعالمى الإبداعى . ومن بين تلك القضايا : المطاردة ، الغزو من الخارج ، القهر فى الداخل ، صلة المثقف بالسلطة ، وبمجتمعه ، وما يتصل بها من قضايا الحرية والعدل ..
من أوراق أبى الطيب المتنبى ـ فى تصور كاتبها ـ لا تناقش قضايا آنية ، لكن القضية المحور هى علاقة المثقف بالسلطة من ناحية ، وعلاقته بجماهير شعبه من ناحية ثانية ، وهى قضية تلح فى الكثير من أعمالى الروائية والقصصية ، مثل " الأسوار " و " من أوراق أبى الطيب المتنبى " و " النظر إلى أسفل " و " قاضى البهار ينزل البحر " و " زهرة الصباح " وغيرها ..
العاشق الحق ـ فى رأى أبى الطيب المتنبى ـ هو الذى لا يطمع ، لا يريد مقابلاً من معشوقه ، وإنما هو يضحى فحسب ، ولا يتوقع المقابل .
***
كان إلهامى [ رواية البوسنى رشاد قاضيتش رحلة إلهامى إلى الموت ] يعرف المصير الذى ستنتهى إليه رحلته . بعث الحاكم الجلالى فى طلبه ، ومن يطلبه الجلالى فهو لابد أن يموت . وأهمل إلهامى ـ فى طريقه إلى قصر الجلالى ـ كل النصائح التى دعته إلى الاختفاء بعيداً عن أعين الجلالى " إذا كان كأس الموت ينتظرنى ، فأنا على استعداد " . ولم يكن إلهامى يقبل على الموت لذاته . لم يتقبل فكرة الموت باعتبارها انتحاراً ، لكن كان لديه ما يقوله للجلالى قبل أن يأمر بإعدامه . كان يدرك فداحة الثمن الذى يجب أن يدفعه مقابلاً للفكرة التى يحملها ، للكلمات التى يريد أن يوجهها إلى الحاكم . كان يستطيع الاعتذار عن كلماته ـ كما أسرف الجلالى فى مطالبته بذلك ـ والعودة إلى مألوف حياته ، لكنه رفض أن يعتذر عن القصيدة التى عرّضته للموت . وزاد فنصح بما جعل من الحتم إعدامه . ويهمس إلهامى بينه وبين نفسه : يا رب !.. أنت أفضل من يعرف لماذا يستدعوننى ، وماذا ينتظرنى هناك . إذا كان هذا بسبب ما قلته ، فلا تجعل الخوف يهزنى ، فيدفعنى إلى أن أنكر أو أندم على ما صنعته ، ولا تسمح بأن يتسلل الخوف إلى عينى ، وبأن يتم الإحساس بالرجفة فى صوتى . ساعدنى على أن أظل صلباً ، ثابتاً ، على طريق الحقيقة ، وأن أغمض عينى واسنمك فى قلبى . ويحلم إلهامى بمن يسأله : من هم أولئك الأبرياء الذين قتلوا على طريق الحقيقة ؟ . يجيب : الشهداء ..
ـ وأين مثواهم ؟
ـ فى الجنة !
ويقف إلهامى أمام الجلالى . يقول له : إن الإمبراطورية ـ العثمانية ـ مديدة شاسعة ، بحيث لا يمكن رؤية نهايتها . والماء صاف فى منبعه . ولكن إلى أن يصل إلى أولئك الذين ينتظرونه فى عطش ، فلا يمكن ـ فى بعض الأحيان ـ غسل الأقدام فيه . ويتحدث إلهامى عن أولئك الذين يجب أن يكونوا فى المقدمة ، وأن يحددوا ماهية العدالة ، ويوزعوها ، بدءاً من رجال الإمبراطور والأعيان ، وانتهاء بالعلماء . إنهم يتحدثون عن شئ ، ويفعلون شيئاً آخر . إنهم يفكرون فى أنفسهم فحسب . ويضيف إلهامى قوله : يا باشا ، إن الناس أهم من السلطان ، من الإمبراطورية . ولم ينبت شئ طيب من الدماء . إن الإنسان هو أكمل ما خلقه الله ، وويل لمن يمتهنه !
ويدفع إلهامى حياته ثمناً لهذه الكلمات !
***
إنسان " ، رواية للإيطالية أوريانا فالاتشى ، صدرت بعد روايتى الأسوار بعدة سنوات . فقد صدرت الأسوار فى 1973 ، بينما صدرت إنسان بالإيطالية ـ للمرة الأولى ـ فى 1983 [ فى الروايتين موقف واحد عن التمثال الذى ينطقه رجال السلطة . فى الأسوار أنطقوا تماثيل أبو سمبل ، وفى إنسان أنطقوا تمثالاً يونانياً قديما . توارد خواطر كما ترى ] . شدنى فى رواية فالاتشى إنها تعبّر ـ من خلال تجربة حقيقية ـ عن الدور الذى أتصوره للمثقف / المناضل فى مجتمعه . مثقف ليس ـ بالضرورة ـ فى حجم الحسين وجيفارا والليندى وغيرهم ، لكنه لابد أن يكون مؤمناً ـ بالضرورة ـ بأن التضحية هى ما يجب أن يبذله دون أن يتلقى مقابلاً من إعجاب ، أو ثناء ، أو حتى مساندة . بل إنه قد يلقى جزاء سلبياً من هؤلاء الذين بذل عمره فدية عنهم ! [ زال تقديرى للكاتبة بعد أن أعلنت مناصرتها للصهيونية ، وأنكرت على الفلسطينيين حقهم فى الحرية ! ] . يقول باناجوليس للكاتبة : " الناس فى الحقيقة هم القلائل الذين يكافحون ويأبون الخضوع . أما الآخرون فليسوا ناساً . إنهم قطيع " (ت محمود مسعود ) . يقول باناجوليس ـ مصدوماً ـ " ما الفائدة من المعاناة والكفاح ، إذا كان الناس لا يفهمون ، إذا كان الناس لا يهتمون ؟.. كل ما فعلته كان غلط فى غلط " . وتقول أوريانا لحبيبها بعد أن تحيفه اليأس : " إذا قضيت نحبك ، فإنهم ـ مواطنوه ـ سوف يجلونك ، وربما يحاكونك ، ولن تبقى وحدك بعد ذلك"
لقد بذل باناجوليس حياته من أجل أن تسترد بلاده ـ اليونان ـ حريتها من الحكم الديكتاتورى ، لكن الرصاصة التى أردته تأخرت طويلاً ، بحيث أتاحت له الظروف أن يخطط ، ويقاوم ، ويعتقل ، ويعانى التعذيب ، ويدخل البرلمان ممثلاً للملايين من البسطاء ، حياة خصبة ، وعميقة ، على الرغم من أنه اغتيل قبل أن يبلغ الأربعين ..
ويدرك باناجوليس ـ قبل أن يلقى مصرعه على أيدى أعوان الديكتاتورية ـ إن " أغنية التحية للمقاتل الحقيقى هى حشرجة الموت التى يصدرها عندما تطلق النار من قبل فريق الإعدام فى حكم الطغيان " ، وإنه يتوجه إلى عالم يلحق فيه بأبطال آخرين ، بدونهم لا يكون للحياة معنى ، ويثقون أن التوقف عن النضال هو الجنون بعينه ، وأن البذرة التى غرسوها فى الهباء سوف تذكو وتتشكل فى أوانها المقسوم " ..
***
يقول أرسطو : " كل من كان غير قادر على العيش فى المجتمع ، أو لا حاجة له بذلك لأنه مكتف بنفسه ، فإنه إما وحش أو إله " . وفى كليلة ودمنة : ثلاثة مهلكات : القرب من السلطان ، وإفشاء السر للنساء ، وتذوق السم على سبيل التجربة . لذلك فإن المثقف يحرص ـ عادة ـ على أن يضع مسافة بينه وبين السلطة ، ربما لكى يتاح له الرؤية جيداً ، ويتاح له التحليل والتقويم بالتالى . ولعلى أضيف أن البديهى قيام نفور ـ أو عداء ـ بين السلطة والمثقف . السلطة تعبر عن الفوق ، أما المثقف فهو يعبر ـ أو هذا هو المفروض ـ عن التحت ، عن القاعة الأوسع من المواطنين . أدين ذلك المثقف الذى وصفه باناجوليس بأنه ينحنى أمام أية قوة ، أية سلطة ، أى عات مستبد . يحيا كل من يحكم بشرط ألا تقع متاعب ، والديكتاتوريات تولد منه ، والأنظمة الشمولية يدعمها ويؤازرها .
وإذا كان جيتان بيكون قد عاب على أندريه مالرو أنه لم ينضم إلا إلى الثورات التى كانت على وشك النجاح ، وأن مالرو لم يكن على استعداد لأن يظل مخلصاً لوضع سياسى تغيب عنه الفرصة الحقيقية ، فإن الكاتب النيجيرى كين سارو ويوا ـ فى المقابل ـ حقق أرباحاً طائلة من مؤلفاته ، شجعته على الهجرة إلى بريطانيا ، وشراء بيت ريفى فاخر فى إحدى المقاطعات هناك ، لكنه عاد إلى وطنه ليقف إلى جانب مواطنيه من قبيلة " أوجونى " ذات الأقلية العددية ، وأسهم سارو فى تأسيس حركة " من أجل بقاء الشعب الأوجونى " . وبصرف النظر عن صواب النزعة الانفصالية من عدمه فى إنشاء تلك الحركة ، فقد دفع سارو حياته ـ وكانت حياة مرفهة بكل المقاييس ـ مقابلاً لإيمانه بما يرى أنه حق لأبناء قبيلته ..
***
(يتبع)

د. حسين علي محمد
03-10-2009, 05:21 PM
المثقف والمجتمع والسلطة (2 ـ 2)

بقلم: محمد جبريل
.....................

والحق أنه من الصعب تصنيف المثقفين باعتبارهم طبقة . إنهم نسيج متداخل فى كل طبقات المجتمع . ثمة المثقف المبدع ، والمثقف العامل ، والمثقف الموظف ، والمثقف العالم ، والمثقف الفلاح ، إلخ .. المثقف مواطن يمتلك المعرفة والوعى ، ويحاول من ثم أن يدافع ـ بمعرفته ووعيه ـ عن مجتمعه الذى قد يعانى الكثير من السلبيات ، فى مقدمتها ـ غالباً ـ قهر السلطة !
وعادة ، فإن البسطاء يتعاطفون مع آراء المثقفين التى يجدون فيها تعبيراً عن واقعهم ، ومناصرة لقضاياهم ، وإن كان ذلك لا يحدث فى كل الأحوال . يقول تشيكوف على لسان أحد أبطاله " إن أقسى الأمور على المرء هو أن يعمل دون أن يلقى الود والتعاطف من أى إنسان " ، كم تأثرت ، وقهرنى الحزن ، حين قرأت كلمات مصطفى كامل اليائسة التى كتبها إلى جولييت آدم عن " هذه الأمة التى بلانى الله بأن أكون واحداً من أبنائها " . وفى المقابل ، فقد وجدت ما يستحق التقدير فى قول القاضى الهولندى فان بملن " يخطئ من يظن أن المصريين المثقفين لا يهتمون إلا بمصالحهم الخاصة ومصالح عائلاتهم ، فإنهم ـ على العكس ـ يكرهون الحكم التركى والحكم الأروبى على السواء ، ويريدون حكومة وطنية بكل معنى الكلمة ، وهم يحبون مصر الحديثة ، ومصر التاريخية ، ويهتمون بمصير الشعب ، ويتألمون لمصائبه التى لانهاية لها " ( نقلاً عن الرافعى : عصر إسماعيل ص 123 )
يقول الفنان فى قصة محمود تيمور السماء لا تغفل أبداً : " نحن الآن نعمل وكلنا يسعى لغرض أسمى ، ولإسعاد البشرية ، ولكن : هل تحس البشرية بعملنا ، وما نلاقيه من صعاب ؟ أبداً ! أبداً ! . ويسأل الراوى فى قصة رفعت السعيد السكن فى الأدوار العليا : ماذا يجدى الأمر كله ؟ الشعب نائم ، بل هو صوت يتظاهر ضدنا ، ضدنا نحن الذين نهب نسمات حياتنا من أجله . تبدو الأمور جميعاً بغير معنى . نحن نضحى من أجل من لا يريد ... لو أن الناس تحس بعذاباتنا لهان الأمر ، لهانت كل العذابات ، لكن الناس بعيدون عنا ، وكلماتنا : ماذا تجدى ؟ هل تقنع أحداً ؟ ( رفعت السعيد : السكن فى الأدوار العليا ) . أما باناجوليس فإنه يعيد النظر إلى ما حوله : " فى الخارج الحياة ، والفضاء ، والناس ، والحب ، والغد . ما أشق أن تكون بطلاً ! ما أقسى هذا وأبعده عن الكينونة البشرية ، وما أشد بلادته وأقل جدواه ! هل يتهيأ لأحد قط أن يثنى عليك لأنك برهنت على أنك بطل ؟ هل يمكن أن يقيموا لك نصباً ، ويطلقوا اسمك على الشوارع والميادين ؟ وإذا هم فعلوا ذلك ، فما الذى يجدى عليك شبابك المضيّع ؟ وحياتك التى لم تعشها ؟ كلا! كف عن هذا . إنه لكفران ! فأنت لا تؤدى واجبك لمجرد أن يلقاك إنسان بالحمد والشكران ، وإنما تؤديه بدافع العقيدة ، لنفسك ، ولكرامتك الذاتية ! من يدرى كم من الكائنات البشرية من الشرق والغرب فى غياهب السجون ، فى المعتقلات الانفرادية ، مدفونين أحياء بسبب كرامتهم الذاتية ، ودون ارتقاب لأى شكر ؟!.. منهم أناس لا تعرف حتى أسماؤهم ، ولن تعرف أبداً ! أبطال مجهولون ، لا يشاد بهم ، وهم أيضاً متعطشون للشمس والسماء والحب ورفقة الناس ، مضطهدون كذلك ، محرومون من الفضاء والضياء ، معذبون أيضاً بزبانية من أمثال زاكاكيس ، يعاقبونهم بتجريدهم من الأحذية والسجائر والكتب والصحف والأقلام والورق ، ويصادرون قصائدهم الشعرية ، ويلبسونهم قمصان المجانين : هو مجنون ! هو مجنون ! " .
لكن المثقف هو الحقيقى هو الذى يعمل دون أن ينتظر المقابل . وعلى الرغم من الإحباط الذى تملك الراوى فى رواية رفعت السعيد ، فإن المثقف ـ المهموم بمشكلات الوطن ـ لا ينتظر المقابل لما يبذله ، حتى لو كان تضحية جسدية .
المثقف الحقيقى لديه رؤية نقدية للمجتمع الذى ينتمى إليه ، وللمجتمع الإنسانى الأوسع ، بحيث لا ينغلق على العالم ، ويأخذ من التجارب المتنوعة بلا عقد ولا حساسيات ، ومن منطلق الفهم والتفهم والثقة بالذات والقدرة على الفعل . لن يمارس المثقفون / الصفوة دورهم المطلوب ، ما لم يدركوا أن هذا الدور لصالح المجموع ، وليس ضد الحاكمين فى الوقت نفسه ، وكما يقول بولاك Polak فإن ما يؤدى إلى تقدم مجتمع ما ، هو الصور المستقبلية التى يكونها الصفوة من مواطنيه . فإذا تباينت المصالح بين الحاكم والمحكوم فإن قيمة المثقف فى ابتعاده عن السلطة الحاكمة بقدر اقترابه من مواطنيه المحكومين . دور المثقف الإيجابى ـ فى كل الأحوال ـ هو الإضافة والتطوير والتقدم . والحديث عن مشروع ثقافى عربى يبدو حلماً وردياً وصعب المنال ، ما لم تتحقق ديمقراطيات ـ أو حتى شبه ديمقراطيات ـ تتيح للثقافة الحقيقية أن تتنفس ، وتؤدى دورها المأمول لصالح الجماعة . وكما تقول أوريانا فالاتشى فإن الجناة الحقيقيين فى الأنظمة الديكتاتورية هم أولئك الذين يختفون خلف ستار من المسئولية " هم السادة الأجلاء الذين يستغلون أى إنسان ، ويبرزون دائماً إلى القمة ، مهما تكن نظم الحكم التى ترتقى إلى السلطة ، ومهما تكن نظم الحكم التى تهوى " . وقد دخل أبو نصر الطائى على سليمان بن عبد الملك ، فقال : تكلم يا أعرابى . قال : يا أمير المؤمنين ، إنى مكلمك بكلام ، فاحتمله ، وإن كرهته فإن وراءه ما تحب ، إن قبلته . قال : يا أعرابى ، إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه ، ولا نأمن غشّه ، فكيف بمن نأمن غشّه ، ونرجو نصحه ؟. قال الأعرابى : يا أمير المؤمنين ، إنه قد تكنّفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم ، واتبعوا دنياهم بدينهم ، ورضاك بسخط ربهم ، خافوك فى الله تعالى ، ولم يخافوا الله فيك ، حرب الآخرة ، سلم الدنيا ، فلا تأتمنهم على مائتمنك الله تعالى عليه ، فإنهم لم يألوا فى الأمانة تضييعاً ، وفى الأمة خسفاً وعسفاً ، وأنت مسئول عما اجترحوا ، وليسوا بمسئولين عما اجترحت ، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك ، فإن أعظم الناس غباء من باع آخرته بدنيا غيره . قال سليمان : يا أعرابى ، أما إنك قد سللت لسانك ، وهو أقطع سيفيك . قال الرجل : أجل يا أمير المؤمنين ، ولكن لك لا عليك . وفى مسرحية على أحمد باكثير " مأساة أوديب " يقول أوديب لترزياس : " لا تؤاخذنى بجريرة دبرها غيرى وأحكم تدبيره ، فلم يكن لى من الوقوع فيها بد . أتريد يا تزرياس أن تحمّلنى تبعة هذا الجرم الشنيع ، دون أولئك الذين دفعونى دفعاً إليه " .
***
المثقف ـ فى رأى سارتر ـ ليس مسئولاً عن نفسه فحسب ، وإنما هو مسئول عن كل البشر . والإنسان الذى يرك قيمة الاختيار ، لا يستطيع الاّ أن يختار الخير ، والخير لا يكون كذلك الاّ إذا كان للجميع . المثقف قائد للجماعة ، والثوار بعض الجماعة التى يقودها بأفكاره . إنه يوجه ، وينصح ، ويحذر ، وبقدر وعى مواطنيه تأتى استجاباتهم لأقواله ، وهى استجابات تذكرنا بحديث الرسول ( ص ) الذى يطلب من الناس أن يغيّروا ما فسد ، بدءاً بالسيف ، وانتهاء بالقلب ، وهو أضعف الإيمان ..
ولعل أخطر ما يعانيه المثقف هو الانفصام بين الفكر والفعل ، بين الرأى والمبادرة إلى نقيضه . الحكمة اليونانية تقول : " إذا أراد الله بقوم سوءاً ، جعل عشقهم الأول للسلطة السياسية " . وهذا هو المرض الذى يعانى تأثيراته معظم مثقفى الوطن العربى . السلطة شاغلهم ، وربما توسلوا إليها بمغازلتها ، بمداهنة الحاكم وتملقه ، ومعاونته ـ فى أحيان كثيرة ـ على القيام بأدوار سلبية فى حياة شعوبهم . وكما يقول بوردو ، فإن السلطة لا تحكم ولا تأمر إلا بمساعدة من تحكمهم ..
إن المثقفين ـ فى تقدير ميشيل فوكو ـ طرف من السلطة ، مجرد كونهم عناصر وعى وخطاب يجعل منهم طرفاً فى لعبة السلطة . دور المثقف الحقيقى ـ المطلوب ـ هو النضال ضد أشكال السلطة . لكن المثقفين ـ فى أحيان كثيرة ـ يمثلون القوة الخفية ، الحقيقية ، فى مواقع السلطة . تبدو السلطة لملك أو سلطان أو رئيس جمهورية ، لكن السلطة الفعلية تظل فى أيديهم ، يمسكون بكل خيوط اللعبة ، ويتحول الحاكم إلى مجرد واجهة . يصفهم عبد النبى المتبولى فى " زهرة الصباح " : " لا أحد يعرف وظائفهم ، ولعلهم بلا وظائف محددة ، لكنهم أخطر من خاصة الملك " .
لقد أظهر عبد الرحمن الجبرتى حيرته ، عندما قارن بين أى مملوك محسوب على الإسلام ، يقطع رقاب أخوته فى الدين ، دون جريرة حقيقية ، وبين قيادة الاحتلال الفرنسى التى حرصت على تقديم سليمان الحلبى إلى المحاكمة ، بعد أن قتل كليبر ، واعترف بما فعل . وانتدب له محام ، وأجريت المحاكمة فى العلن ، قبل أن يصدر الحكم بالإعدام ..
فأى فارق ؟!
***
الصفوة هى التى تمسك فى يدها بمقاليد الأمور فى المجتمع من خلال إمساكها بمقاليد الأمور فى مراكز البحث العلمى والجامعات ووسائل الإعلام ودور النشر واستديوهات السينما والمسارح . الصفوة هى القيادة الحقيقية للرأى العام ، هى التى تشير وتوجه وتؤثر وتحرك . أذكر قول توفيق الحكيم : " إن انقراض طائفة الخاصة التى تفكر بعقلها الممتاز ، وتقود الشعب ، وتبصّره وتنهضه وتهديه ، معناه زوال الرأس من جسم الأمة . هل رأيت جسماً يسير بلا رأس ؟! " .
يطالب صلاح الدين حافظ " الصفوة " المثقفة ، أو " النخبة " بأن تجيب عن السؤال : أى مصر تريد ، وأية صورة تتخيل وتعمل من أجلها ، الآن ، وفى المستقبل ؟..
هذا هو ـ فى تقدير صلاح الدين حافظ ـ دور النخبة المثقفة ، بدلاً من الدور الذى تتزاحم عليه الآن بتهالك شديد ونفاق قبيح ، طلباً لمنصب زائل ، أو طمعاً فى مال سائب " ، فهى " تعزف لحن الانهيار ، وترقص على أنغام الفرقة ، وتبيع المحرمات الوطنية والقومية فى سوق النخاسة بأبخس الأسعار " .
أخطر الأمور حين تصبح الأحزاب والمؤسسات الدستورية مجرد واجهة ، كومبارس ، لحاكم فرد ، ديكتاتور ، يملى إرادته فلا راد لها ، ولا معقب على ما يصدر عنها من قرارات . وحسب التعبير الشائع ، فإن الطاعة تؤمن النظام . أما المقاومة فهى تؤمن الحرية .
لقد ورثت أيام الاحتلال قوى " وطنية " ركبت الموجة ، أو أفادت من تاريخها النضالى فى الحصول على مكاسب طارئة ودائمة ، بصرف النظر عن عدم مشروعية الوسائل . خرج الوطن من سلطة الاحتلال الأجنبى ، ليقع فى قبضة سلطة أخرى ، تنتمى إلى الوطن نفسه ، باعتبار أن قادتها هم من أبناء الوطن ، لكن ممارسات هذه السلطة ـ فى الحقيقة ـ أشد قسوة من سلطة الاحتلال . وإذا كان عسف سلطة الاحتلال يسهم فى تجميع كل القوى سعياً لاستقلال الوطن ، فإن تفتت القوى الوطنية ما بين معارض لسلطة الحاكمين من أبناء الوطن ، ومؤيد لهذه السلطة ، يعنى ـ ببساطة ـ تفتت الوطن جميعاً ، غياب الوحدة التى يفرضها وجود محتل أجنبى ..
***
الحكمة العربية تقول : " خير الأمراء الذين يأتون العلماء ، وشر العلماء الذين يأتون الأمراء " ..
والحق أنه من الظلم للمثقف إهمال محاولات السلطة لاحتوائه ، إدماجه داخل جهازها الحكمى ، يتحول إلى مجرد حاشية ، بطانة ، بوق دعاية أو أداة تسلط ، يتحول ـ باختصار ـ إلى خصم مناوئ للجماعة ، وليس جزءاً منها ، ومتفاعلاً معها . دوره ـ ببساطة ـ يقتصر على تجميل الأحداث ، وليس المشاركة فى صنعها . تبرير الشرعية ، وليس الحكم عليها . أذكرك بدور بعض المثقفين فى من أوراق أبى الطيب المتنبى و النظر إلى أسفل و زهرة الصباح وقلعة الجبل وغيرها . كان دورهم أشبه بدور المحلل . والمعنى الذى أقصده ، دور المثقف فى وصل ما ينقطع بين السلطة والمواطنين ..
من الصعب ـ على سبيل المثال ـ إغفال الدور السلبى الذى قامت به الصفوة العربية فى إسقاط تجربة دولة الوحدة . تغاضى مثقفو مصر وسوريا عن سلبيات القيادة فى الممارسة . لم يرتفع الصوت الشجاع بالنقد ، أو حتى بالملاحظة ، فبدأت عناكب التآمر ـ وهى محسوبة ـ للأسف ـ على الصفوة ـ فى نسج خيوطها ، حتى فاجأت القيادة والعالم العربى بتقويض التجربة . والطريف ـ والمؤسف ـ أنها احتفظت بعلم الوحدة ، وذرفت الدمع ـ فيما بعد ـ على ما واجهته التجربة الوحدية ، بل إن الوقفات تتجدد كل عام فى مناسبة إعلان قيام دولة الوحدة !
***
إن ديمقراطية الانتخابات فى عالمنا العربى ، وفى معظم دول العالم الثالث ، تصطدم ـ غالباً ـ بثلاث عقبات :
ـ غياب الوعى الجماهيرى ، وهو ما ينعكس على صندوق الانتخاب . فالأكثر شهرة أو تأثيراً مادياً أو اجتماعياً ، هو الأشد إمكانية فى الفوز بأصوات الناخبين ..
ـ تزييف الانتخابات بواسطة الحكومة ، خاصة إذا كانت هذه الحكومة تابعة للحزب الحاكم ..
ـ اللامبالاة الجماهيرية ، وبالذات ـ وللأسف ـ بين الفئات المثقفة ، وهو ما يتبدى فى عزوف أفرادها عن الإدلاء بأصواتهم ..
وغالباً ، فإن الحاكم فى عالمنا العربى يأتى بالقوة المسلحة ، ولا يذهب إلاّ بالقوة المسلحة ، وقد اكتسبت قصة الجواتيمالى أوجستو مونتوسو " الديناصور " شهرتها كواحدة من أهم القصص القصيرة فى أمريكا اللاتينية فى القرن العشرين ، ليس لمجرد أنها أقصر قصة قصيرة فى العالم ، فهى لا تزيد عن جملة واحدة ، وإنما لأن الديناصور الذى استيقظ بطل القصة ، فوجده ممدداً إلى جانبه ، هو السلطة التى تحرص أن تظل فى موضعها . بالإضافة إلى ذلك ، فإن معظم الحكام العرب ذوو نزعة كارزمية ، بمعنى أنهم هبة أرسلتها العناية الإلهية لإنقاذ الأمة ، والصفات الخارقة التى يتحلون بها إنما تفجرت من نبع إلهى ..
وقد أعلن أحمد بهاء الدين ـ يوماً ـ بصراحته الذكية ـ أنه كان أقل الصحفيين نفاقاً للسلطة الحاكمة ، فهو يدرك جيداً أن السلطة لن تظل صامتة ، مقابلاً للإصرار على مناقشة تصرفاتها ، فضلاً عن رفض تلك التصرفات . إنه قد يلجأ إلى وضع " الدسم فى العسل " ، يغلف الدواء بالقليل من السكر ، حتى يسهل على السلطة ابتلاع النصيحة !.. لكن أحمد بهاء الدين لم يكن يشغل ـ مع من يماثلونه فى الفهم ـ إلاّ حيزاً محدداً ومحدوداً . فثمة من رفضوا حتى إعلان رأس السلطة انه يرفض النفاق وأغنيات الإشادة به . اعتبروا رفض رأس السلطة نفاقاً للجماهير . وزادوا من إيقاع النفاق بما تعجز الكلمات عن وصفه !..
***
إن الإبداع ـ بطبيعته ـ انحياز . فهو ينحاز إلى مبدأ ، أو إلى فكرة أو قضية ، والمبدع لابد أن ينحاز إلى مواطنيه ، وإلى الإنسان بعامة ، فى تعامله مع القيادات التى تحكمه . هذه بديهية لا تقتصر على شعبنا العربى وحده ، وإنما تشمل كل شعوب الدنيا فى علاقاتها بأنظمتها ..
من هنا ، فإن تصور استمرارية الوفاق بين المبدع العربى ، والمثقف العربى عموماً ، وبين السلطة ، هو ضرب من التمنى المستحيل ، لأن المثقف يطلب المطلق فى الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والرفاهية لكل المواطنين . أما السلطة ، فإنها تضع القوانين والقواعد التى ترى أنها لازمة للحفاظ على كيان المجتمع . وتصور العلاقة المثلى بين المثقف العربى والسلطة فى المستقبل ، يجب أن يستند إلى الموضوعية ما أمكن ، بحيث يدرك كل طرف طبيعة هذه العلاقة منذ تشكلت بين حاكم ومحكوم ، وبحيث ينشأ الفهم والتفهم ، ومحاولة الاقتراب ، والسعى إلى الغاية المشتركة ، وهى صالح الوطن والمواطن ..
إن علاقة المثقف والسلطة يحكمها ـ فى الأغلب ـ الشك والتوجس وعدم الثقة . وهى نظرة متبادلة بالطبع . فإذا أسرفت العلاقة فى اتجاهها السلبى ، ربما خضعت للعداء والعنف من كلا الطرفين كذلك !
ومن المؤكد أن الثمن لا يدفعه الحاكم وحده ، ولا المثقف فحسب ، وإنما يدفعه المواطن العادى فى كل الأحوال . بل إن الثمن الذى يدفعه المواطن العادى يكون ـ بالضرورة ـ أكثر فداحة على المستوى الاقتصادى فى أقل تقدير .
المصيبة أن المثقف يتحول بصورة مأساوية إذا التحم بالسلطة ، إذا أصبح قيادياً فى السلطة ، رئيساً أو وزيراً ، أو مسئولاً على أى مستوى . وكما تقول إيزابيل الليندى ، فإن المشكلة فى الثوريين هى أنهم ـ بعد نجاحهم ـ يصبحون متصلبين ، ومن ثم يصبحون هم السلطة . وعند ذلك نواجه المشكلة نفسها مع السلطة " .
ولعله يجدر بنا أن نشير إلى أن المثقفين الذين اقتربوا من السلطة ـ على نحو أو آخر ـ فى امتداد تاريخنا العربى ، قد واجهوا محناً كانوا فى غنى عنها ، لو أنهم أدركوا التباس العلاقة بين السلطة وبينهم ، وأن الإطار الذى ينبغى أن تصدر ـ من خلاله ـ آراؤهم ، هو الإعجاب بقرارات صدرت فلا شأن له بها ، وتبريرها ، وليس إبداء الملاحظات مهما تسربلت بالرقة . ونتذكر المئات ، بداية من ابن خلدون وانتهاء بمحمد مزالى [ الظاهرة عربية ، والجنسية التونسية مجرد مصادفة ! ]
إن حق المثقف ، وواجبه ـ ومسئوليته فى كل الأحيان ـ أن يرفض ما يراه خطأ ، ويقاومه ، فلا يلجأ إلى إيثار السلامة ، حتى لو أخذ صورة تصفية الذات . وهو ما فعله سقراط ، وأدانه عليه نيتشة عندما خضع لقهر الدولة ، فتجرع كأس السلم ، وأنهى حياته ليظل ـ بعد موته ـ مواطناً صالحاً .
***
تبقى حقيقة يجدر بى تأكيدها : ثمة فارق بين السلطة والتسلط . وممارسات الحكام العرب فى أمور بلادهم هى مجرد تسلط ، من مظاهره القهر والسعى إلى المصالح الفردية والمحسوبية . الصوت الوحيد الذى يستطيع أن يسمعه الخطاب السلطوى / التسلطى هو صوت القوة ، وعندما يسمع هذا الصوت فى النهاية ، فإن صوت السلطة يلوذ بالصمت . قد تفلح السلطة فى السيطرة على المثقف ، بالترغيب الذى يتطلع إلى المظهرية ، ووجاهة الادعاء بأنه ينتمى إلى قبيلة المثقفين بكل ما لديها من تأثير على المواطن العادى . وقد تفلح السلطة فى السيطرة على المثقف بالترهيب الذى يصل إلى حد التصفية الجسدية ..
ولأن السلطة حين تصاب بالرعب فإنها تتبنى الرعب ، فإن على المثقف أن يصمد ، وأن يناضل . أذكرك بمقولة غاندى " أفضل للإنسان أن يناضل بدلاً من أن يخاف " ..
أدب ونقد ـ إبريل 2001 بإضافات
................................
*من كتاب «للشمس سبعة ألوان» للروائي محمد جبريل.

د. حسين علي محمد
03-10-2009, 05:22 PM
الفن إضمار .. ولكن .. (1 ـ 2)

بقلم: محمد جبريل
.....................

" إذا كان المعنى شريفاً ، واللفظ بليغاً ، وكان صحيح الطبع ، بعيداً عن الاستكراه ، ومنزّهاً عن الاختلال ، مصوناً عن التكلف ، صنع فى القلب صنيع الغيث فى التربة الكريمة "
الجاحظ
" الفن ليس طريقة معقدة لقول أشياء بسيطة ، بل طريقة بسيطة لقول أشياء معقدة "
جان كوكتو
" كلما كان الإنسان أقل ثقافة .. كانت كتابته أكثر غموضاً "
كونتليان Quintilian
" فليكن الروائيون صادقين مع ضمائرهم الفنية ، وسيتبعهم الذوق الجماهيرى فيما بعد "
الروائى الإنجليزى جورج جيسينج

أوافق ألان روب جرييه فى أن " الحديث عن مضمون القصة وكأنه شئ مستقل عنها ، يعنى محو هذا اللون الأدبى كله من عالم الفن " . وأثق أيضاً أن مضمون العمل الإبداعى هو الذى يفرض صورته الفنية . وكما يقول كيتور فإن " الصلة بين الشكل والمضمون فى أى عمل فنى عظيم ـ سواء أكان مسرحية أو لوحة تصوير أو قطعة موسيقية ـ صلة حيوية جداً ، حتى ليمكن القول بأنهما متوحدان توحداً كليا " ..
وفى المقابل ، فإنى أخالف الرأى بأن تعقيد التقنية هو العامل الكبير فى كتابة القصة القصيرة . يخطئ البعض حين يتصور أن وظيفة التقنية جمالية أو زخرفية ، وأنها تدليل على موهبة الفنان ، وإجادته ترتيب الأحداث ، بما يحدث فى نفسية المتلقى أكبر قدر من الانبهار أو الدهشة أو التوتر . التقنية تختلف عن ذلك تماماً ، بل إنها فى النقيض من ذلك تماماً . العمل الإبداعى يفرض تقنيته ، يحددها . التقنية تتخلق فى داخل العمل لحظة بدء ، وأثناء الكتابة ، بحيث يمكن القول إن التقنية تكمل المادة ، مثلما إن المادة تكمل التقنية . وبمعنى آخر ، فإن المضمون والشكل وجها عملة واحدة ..
لقد واجه ت . إس . إليوت اتهام النقاد له بالغموض بأنه ليس عليه أن يكون واضحاً ، وأن عليه أن يقدم أفكاره ومشاعره وتخيلاته ، وعلى المتلقى أن يبذل جهده ، ويتعب ذهنه ، فى فهم المادة الإبداعية . ومع ذلك فإن إليوت قد حذر من " ذلك الغموض الذى لا يعدو نوعاً من الادعاء ، فالكاتب يحاول أن يخدع نفسه ، ويحاول أن يقنعها بأن عنده أشياء يريد أن يقولها أعمق مما قاله بالفعل ..
المشكلة التى يعانيها بعض " المؤلفين " ـ فى تقدير إليوت ـ هى أن يحاول إقناع نفسه بأن عنده أشياء يريد أن يقولها أعمق مما كتبه . وربما جاء الغموض تعبيراً عن صعوبة الكتابة ، أى أن الأفكار أكبر من القدرة على صياغتها ، وقد يأتى الغموض من طبيعة الموضوع فيسيطر على ما كتبه المؤلف !
أتفهم السؤال الذى طرحه سارتر : هل تعتقد أن قارئاً من بلد فقير يستطيع أن يقرأ ألان روب جرييه ؟..
نحن نعجب بكافكا وجويس وساروت وجرييه ، لكننا ـ فى الوقت نفسه ـ قرأنا ـ وسنظل نقرأ ـ لتشيكوف وادريس وتولستوى ومحفوظ وديستويفسكى وبلزاك وزولا .. هؤلاء العظماء أصحاب الإبداعات الكلاسيكية !. بل إن كارل راداك ينصح من يكتب روايات ، أن يتعلم كتابتها من تولستوى وبلزاك وليس من جيمس جويس .
إن طلبك من الشاعر ـ والقول لهنرى ميلر ـ أن يتحدث بلغة رجل الشارع ، يماثل انتظارك من النبى أن يوضح نبوءاته . إن ما يبلغنا من من ممالك سابقة ، بعيدة ، يأتى مسربلاً بالسر والغموض " . وفى المقابل ـ والقول لميلر أيضاً ـ فإن " عبادة الشعر تبلغ نهايتها حين لا توجد إلاّ لحفنة ثمينة من الرجال والنساء ، فلن يعود الشعر فناً ، وإنما لغة شفرة لجمعية سرية مهمتها الدعوة إلى الفردية الفارغة " ( ت . سعدى يوسف ) .
وعلى الرغم من أن طبيعة الشعر تجعله أميل إلى الغموض ، بل إن القصيدة الجديدة هى غامضة من حيث شاعريتها ، وطبيعة لغتها التى تختلف بالضرورة عن لغة حياتنا اليومية ، فإن رأى الصديق الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى ـ وهو شاعر متفوق ـ أن " القصيدة التى يعجز القارئ المثقف عن أن يجد دلالاتها أو معناها هى قصيدة رديئة " .
وبالطبع ، فإن الوضوح يختلف عن السطحية تماماً ..
أما إحالة الغموض إلى الرمز ، فإن كل فن حقيقى هو ـ فى الدرجة الأولى ـ فن رمزى . وإن كان العمل الإبداعى ـ كما يقول جارودى ـ لا يتخذ شكل الرمز إلا لأن الكاتب لا يستطيع أن يعبر بطريقة أخرى عما يريد أن يقول . إن مضون الرمز هو الواقع نفسه ، ذلك لأن الرمز تشغله مناوأة السلطة . قد تكون سلطة قبلية أو سياسية أو دينية أو اجتماعية إلخ . وهو لا يتجه إليها بالخطاب المباشر ، وإنما يجعل الخطاب على لسان الطير أو الحيوان ، أو حتى النبات . ويستعمل الصور البلاغية والمجازية . وإذا كانت الرواية الرمزية قد برزت ـ كما يقول روجر ب . هينكلى ـ نتيجة لارتقاء التفكير الأدبى فى الشكل الروائى ، فإن العمل الإبداعى يفقد الكثير من مقوماته إن تحول إلى معادلة رياضية .
إذا كان الكاتب الراحل مصطفى لطفى المنفلوطى قد بدأ ريادته فى القصة والرواية بأعمال تستهدف وجدان القارئ بما تتضمنه من عبارات رومانسية ، وتناول لأحوال المحبين ، ومواقف تبرز التناقض فى الأوضاع الطبقية داخل المجتمع .. فإن جيل طه حسين والحكيم والمازنى وغيرهم لم يلجأوا إلى التعريب مثلما فعل المنفلوطى ، وإنما حاولوا أن يتناولوا مظاهر الحياة فى البيئة المصرية من خلال أعمال يسهل نسبتها إلى سوسولوجيا الأدب ، مثل شجرة البؤس ، والأيام ، وزينب ، وهكذا خلقت ، وإبراهيم الكاتب ، وعودة الروح إلخ ..
ثم جاء جيل الوسط الذى أصّل فن الرواية والقصة القصيرة فى حياتنا ، وأهم ممثليه : نجيب محفوظ والسحار وعبد الحليم عبد الله والبدوى وغراب وصلاح ذهنى . تعرفنا إلى الفن الروائى والقصصى فى صورته العالمية من خلال أعمال تقف على أرضية المحلية . ثم توالت الأجيال بدءاً بجيل يوسف إدريس إلى جيل التسعينيات الذى يحاول الآن أن يرسم ملامحه فى الخارطة ا[داعية المصرية ..
وبالتأكيد ، فإن التناول القصصى للمنفلوطى يختلف بالضرورة عن التناول الذى أبدعته الأجيال التالية ، وإلى الآن ..
ثمة تراث متراكم من الأعمال القصصية والروائية ، منذ تحققت للقصة القصيرة صورتها الفنية فى ما تراه العيون لمحمد تيمور ، وللرواية صورتها الفنية فى عذراء دنشواى لمحمود طاهر حقى . وهذا التراث يعنى أن المبدع يتجه الآن إلى قارئ جديد ، أشد تمرسا بفنية القصة والرواية ، فهو يصدم بالشروح والتبسيطات التى تلغى ذكاءه ، وتحاول مساعدته على تلقى العمل
فما فائدة مئات القصص وعشرات الروايات التى سبق له قراءتها ؟..
الفن إضمار مقولة صحيحة ، ويجب أن نؤكد عليها ، وإن كنت أتحفظ كذلك ، فأوكد ـ فى الوقت نفسه ـ أنه على المبدع أن يحترم ثقافة القارئ ووعيه .. وأبشع الأعمال الأدبية تلك التى قد لا يفهمها كاتبها ، لكنه يدفع بها إلى المطبعة تصوراً أن القارئ ربما وجد فيها ما غمض عنه هو .. مثل تلك الأعمال يجب أن يعاقب كاتبها باعتباره مدلساًً أو مزيفاً ، وأن يواجه الحكم الذى يواجه به هؤلاء !..
***
أوافق أستاذنا الدكتور الطاهر مكى فى أن " المبدعين الحقيقيين يجب أن يسبقوا عصرهم ، وأن يكونوا بالضرورة غير مفهومين من معاصريهم " .
الفن اضمار .
أنا أعنى بتصوير الأحاسيس الغامضة ، أو التى لم تتبلور بعد ، بحيث يبذل المتلقى جهداً مسواياً لما قد تنطوى عليه من اضمار حتى يميزها أو يدركها ..
الإضمار ، أو حتى الغموض ليس عيباً ، بل إنه قد يضيف إلى العمل الفنى ، بل إن أبا أسحاق الصابى يرى أن أفخر الشعر ما غمض " . ومع ذلك ، فإنه من المفروض أن يتضمن العمل مفاتيحه الداخلية ، التى تعين على الفهم واستكناه الدلالات .
والحق أنه إذا لم يكن ثمة ما يوجب على الفنان أن يكون غامضاً ، فإن المتلقى ـ بالتالى ـ غير مطالب بأن يسرف فى الجهد كى يستبين المعانى التى يقصدها الكاتب . أذكر قول روبرت فروست لأحد الشعراء الشباب ، اتسمت قصيدة له بالغموض : " إن كانت قصيدتك سراً من أسرارك ، فأولى بك أن تحتفظ بها لنفسك " .
البعض يعانى افتقاد الموهبة ، أو فقر اللغة ، أو نقص الإمكانات ، فهو " يضطر " ـ أعنى التعبير ـ إلى الغموض . أذكر قول سومرست موم : " أن يكون الكاتب نفسه غير متأكد من معناه ، فهو يشعر شعوراً غامضاً بما يريد أن يقوله ، لكنه لم يكوّن له صورة واضحة فى ذهنه ، إما لنقص فى قواه عقلية ، أو من الكسل ، ومن الطبيعى فى هذه الحالة ، ألا يجد التعبير الدقيق للفكرة المشوشة " . ويضيف شوبنهاور إلى هذه الكلمات قوله : " إن أسلوب التعبير المسرف فى الغموض ، يأتى فى تسع وتسعين حالة من مائة حالة ، نتيجة لغموض الفكرة عند المبدع " .
إن المبدع يواصل الكتابة دون أن تتضح أمامه ملامح العمل الذى يكتبه ، يكتفى بالشعور الغامض ، أو غير المحقق . يريد أن يعبر عن أشياء محددة ، لكنها تشحب وتتضاءل ، وتتحول إلى هلاميات عند محاولة الفنان لأن يسطرها على الورق ، فهو يترك ما عجز عن التعبير عنه لذكاء القارئ ، يفسّره على النحو الذى يراه . ولأنه هو نفسه لم يفهم ، فإن القارئ بالتالى لن يفهم . لقد تصور أنه لجأ إلى ذكاء القارئ ، لكنه ـ فى الحقيقة ـ لجأ إلى نقيض ذلك ، أو ما تصور أنه كذلك ، لأنه من المستحيل أن أطالب الآخرين بفهم العمل ، الذى لم يفهمه كاتبه !. وكما يقول سومرست موم ، فإن من أسباب الغموض أن يكون الكاتب نفسه غير متأكد من معناه ، فهو يشعر شعوراً غامضاً بما يريد أن يقوله ، لكنه لم يكوّن له صورة واضحة فى أذنه ، إما لنقص فى قواه الذهنية ، أو من الكسل " .
وباختصار ، فإنه لا يمكن ـ بمشاعر كاذبة ـ أن أنتج فنا صادقاً . ولعلى أضيف قول كونتليان " إن الأشياء التى يقولها الرجل المثقف ثقافة عالية ، فى الأغلب الأعم ، أيسر فهما وأكثر وضوحاً . وكلما كان الإنسان أقل ثقافة ، كانت كتابته أكثر وضوحاً " ..
***
العمل الإبداعى علاقة بين المبدع والمتلقى . إنه لا ينطلق فى فراغ ، وإنما هو يتجه إلى قارئ أو مشاهد أو مستمع ، يشغله الاستمتاع ـ فى الأقل ـ بهذا العمل .. لكن معظم الأعمال الأدبية الحديثة تتجه إلى الغموض بلا سبب ، وبغير ضرورة فنية . وهو ما انعكس على قاعدة المتلقين ، فتقلصت بصورة واضحة ، حتى أن المجلات الأسبوعية التى كانت تخصص ـ على سبيل المثال ـ مساحة ثابتة للقصة ، ملأت هذه المساحة بمواد صحفية أخرى ، يسهل على القارئ فهمها وتقبّلها ، بدلاً من اللوغاريتمات الذى يحفل به الكثير من إبداعاتنا القصصية المعاصرة . ولقد كنت ـ أعترف ـ واحداً من الذين انساقوا ـ دون استعداد نفسى ولا فنى ـ لذلك التيار . بدأت فى الماهية ، ويا سلام ، والصورة ، وموقف ـ قصصى القصيرة الأولى ـ بما يقرب من اللقطة التسجيلية التى تشى بدلالات . ثم صرفنى ـ وهذا هو خطئى الأعظم ـ تيار الغموض الذى جرف العديد من أبناء جيلى ..
وأذكر أن مجلة " سنابل " التى كانت تصدرها محافظة كفر الشيخ بإشراف الصديقين محمد عفيفى مطر ومحمود بقشيش قد أثارت نقاشاً حول قضية الغموض ، أيد فيه معظم المشاركين وجود الظاهرة ، وإن اختلفوا فى تبين بواعثها . وكان رأيى ـ كما أوردته المجلة ـ أن العمل الفنى لا يتسم بالغموض لذاته " حتى اللامعقول لابد أن يصدر فى الدرجة الأولى عن رؤية معقولة ، وإلاّ تحولت الكلمات إلى شئ آخر لا يمت إلى الفن بصلة ، لكن المعاناة التى يتطلبها العمل من كاتبه ، تريد معاناة مقابلة من قارئ العمل . وأحياناً يساوى الغموض عدم فهم القارئ ، أو قراءته للعمل الإبداعى بنفس طريقة قراءة الجريدة اليومية . وأحياناً أخرى ، يعانى البعض افتقاد الكلمة التى يريد أن يقولها ، لكنه يصر أن يكتب ، والبعض تعجز حصيلته اللغوية عن صوغ كلماته ، فلجأ إلى الهلاميات اللغوية ( سنابل 15/4/1971 ) .
***
(يتبع)

د. حسين علي محمد
03-10-2009, 05:23 PM
الفن إضمار .. ولكن .. (2 ـ 2)

بقلم: محمد جبريل
.....................
ثمة رأى يذهب إلى أن الفهم عند القارئ ، والوضوح عند المبدع ، هما شيئان أساسيان للأدب ، ويتضمنان التزامات من كل منهما . ولعل المثل الذى يحضرنى ، أن المبدع أشبه بجهاز إرسال ، وواجبه دائماً أن يطمئن إلى سلامة توصيلاته ، التى تتحدد فى حرصه على الصدق مع نفسه ، ومع فنه ، فلا يتعمد شيئاً ، لكن يترك العمل الفنى هو الذى يكتب نفسه ، لا يلوى ذراع القصيدة أو القصة سعياً وراء الإبهار أو التلغيز ، وإنما يترك للعمل الإبداعى اكتساب ملامحه وقسماته أثناء عملية الإبداع . أما المتلقى فهو أشبه بجهاز استقبال ، عليه هو أيضاً أن يطمئن إلى سلامة توصيلاته ، وتتمثل فى تسلّحه بالثقافة والوعى والفهم ، بحيث يمكنه استقبال العمل الفنى بصورة جديدة . لا أفهم أن يكون الغموض هدفاً فى ذاته ، من أجل أن يثار النقاش حول المعنى الذى يقصده الكاتب ، ثم لا يصل النقاش إلى أى شئ . ذلك أقرب إلى مسابقة الكلمات المتقاطعة التى تزجى بها الصحف اليومية فراغ وقت قرائها ..
إن الغموض الذى يصدر عن عمق الفكرة وطرافتها ، والتأبّى على التعبير الأوضح ، يختلف عن الغموض الذى لا يعدو تعبيراً عن قصور الأدوات ، وعدم تمكن الكاتب من الجنس الأدبى الذى حاول إبداعه . وكما يقول إليوت فهناك غموض هو فى الواقع نوع من الادعاء ، فالمؤلف يحاول أن يخدع نفسه ، ويعمل على أن يقنع نفسه بأن عنده أشياء يريد أن يقولها أعمق مما عنده ..
حتى أعمال بيكيت التى نسب لمؤلفها انه يستطيع فهمها تماماً .. هذه الأعمال لا يمكن أن تكون بلا معنى ، لأننا قد نطلق على مثل هذا العمل أى شئ ، إلاّ أن نسميه فناً !.. وأذكر عندما قدم مسرح الجيب مسرحية بيكيت لعبة النهاية ، أن أقلام النقاد استراحت إلى الرأى القائل باستحالة فهمها ـ ألم يعلن ذلك الفنان نفسه ؟! ـ وطالبت بأن تكون نظرة المشاهد إليها مثل نظرته إلى اللوحة التجريدية . لكن نجيب محفوظ رفض ذلك التفسير ، وأصر على أن مسرحية بيكيت عمل فنى ، لابد أن يكون للفن معنى . ثم قدم تفسيراً رائعاً ، وذكياً ، للعبة النهاية
***
إذا كان من عمل الناقد ـ كما يقول ستانلى هايمان ـ " عندما تتسع الهوة بين الأدب الجاد وذوق القراء ، هو أن يكون همزة وصل بين العمل الغامض ، أو الصعب ، وبين المتلقى " فإن للمباشرة عيوبها ، والغموض ـ إذا كان وليد الضعف ، أو الضحالة ـ عيوبه أيضاً . يغيظنى أن يكون الغموض بلا ضرورة فنية ، يفرضه الكاتب من خارج العمل ، ولا يأتى من داخله . فإذا حاول الناقد تفسير العمل الفنى ، فإن عليه أن يكشف المباشرة الزاعقة ، أو الوعظية ، أو يوضح دلالات الغموض إن كان مما يفرضه العمل الفنى ويتحمله . أضيف : أنى لا أميل إلى التقنية التى تبلغ ـ على حد تعبير كارل راداك Karl Radak درجة التعقيد المتشنج ، ولا أميل ـ فى الوقت نفسه ـ إلى التقنية المتفوقة التى تؤطر عملاً تافهاً ..
المقولة الشهيرة تعلن أنه إذا طالب المتلقى المبدع أن يكتب ما يفهم ، فإن على المتلقى أن يفهم ما يكتب . وفى المقابل ، فثمة من يرفضون ـ رغم ثقافتهم المرتفعة ـ تلك الأعمال التى تكلّف القارئ جهداً لتفهّمها ، وهو ما يعبر عنه كلثوم بن عمرو العتابى " إن كل من أفهمك حاجة من غير إعادة ولا حبسة ولا استعانة ، فهو بليغ "
لقد كان رأى ت . إس . اليوت أنه ليس هناك ما يوجب على الفنان أن يكون واضحاً . إن الإبداع مهمته ، وبذل الجهد فى الفهم واستبانة المعانى مهمة المتلقى . إيفور براون يرفض هذا الرأى ، يرى فيه دليلاً على الكسل أو التكلف ، وتنازلاً من الفنان عن رسالة الفن . يضيف : " إن الشائع فى هذه الأيام فى عالم الأدب هو أن لا تعرف ماذا تعنى . فإذا تحداك إنسان ، فما عليك إلاّ أن تهز كتفك غير حافل ، وتقول إنك كتبت ما كتبت ، وأن على القارئ أن يتبين المعنى ، وأن ما يبديه المؤلف من الملحوظات يحمل الكثير من المعانى ، والقارئ يقوم مقام القابلة التى تستولد هذه المعانى ، وليس من عمل العبقرى أن يجعل كلامه واضحاً مفهوماً " ( ت . على أدهم ) .
والواقع أن الغموض ـ أو البساطة ـ مسألة لا تصدر عن الأديب بقرار ، بمعنى أنى لا أتصور أن أديباً يتعمد التلغيز أو التبسيط الزائد ، لكن العمل الفنى ـ بما ينبغى أن ينبض به من تلقائية ـ هو الذى يفرض الصورة التى تطالع القارئ . وكما يقول همنجواى : فقد " تبدأ فى كتابة القصة دون أن تكون لديك أية فكرة مسبقة عن الطريقة التى ستنتهى بها ، فكل شئ يتبدّل ويتغير ، كلما تقدمت القصة . وهكذا نجد أن الحركة قد تبدو بطيئة للغاية فى بعض الأحيان ، حتى ليصعب على الإنسان أن يصدّق أن هناك حركة على الإطلاق "..
الغموض ـ أو العكس ـ مسألة نسبية . فما يراه البعض غموضاً ، يراه البعض الآخر عملاً سهل التلقى . والقضية أساساً فى جدّية الفنان وصدقه من ناحية ، ووعى المتلقى وثقافته ، بل وفهمه لخصائص العمل الفنى من ناحية ثانية . وكما يقول يحيى بن حمزة العلوى فإن " المقصود إذا ورد فى الكلام مبهماً ، فإنه يفيده ببلاغة ، ويكسبه إعجاباً وفخامة ، وذلك إذا قرع السمع على وجهة الإبهام ، فإن السامع له يذهب فى إبهامه كل مذهب " .
الفن إضمار ، والفن تكثيف وإيماء بدلالات [ يقول جين ب . تومبكنز إنه تكفى كلمات قليلة لتيسير تأويل حالة معقدة ] لكنه يفقد صفة الفن إذا بلغ حد الغموض ، وللغموض ـ فى تقديرى ـ أكثر من سبب ، فقد يصدر عن ادعاء ساذج ، أو قصور فى التعبير ، أو عدم استطاعة للوسيلة الفنية ـ وهو ما يعانيه الكثير من الأدباء الشباب فى أعمالهم الأولى ـ وقد يكون السبب عمق المقولة بما يهمل وضوح التعبير ..
***
يضايقنى قول البعض : هذا كاتب صعب ..
أنا لا أتعمد الغموض ولا التلغيز . أبدأ الكتابة وليس فى داخلى سوى فكرة ، هى ـ فى الأغلب ـ غير مكتملة .. لكن العمل الأدبى الجيد ـ والقول ليحيى بن حمزة العلوى ـ يتطلب قراءات عديدة . فأنت كلما قرأته اكتشفت فيه معان جديدة ، فهو إذن يتطلب جهداً موازياً لجهد المبدع ، جهداً لا حد له . من المهم أن تكون قراءة المتلقى خلاّقة ، بمعنى أن يتصور الأحداث والشخوص التى يتضمنها العمل الفنى . بغير هذه المشاركة الفعالة فإن المتلقى لن يخرج بشىء
1988 ـ بإضافات.
........................
*من كتاب محمد جبريل «للشمس سبعة ألوان»,

د. حسين علي محمد
08-10-2009, 09:25 AM
المثقف والمجتمع والسلطة (1 ـ 2)

بقلم: محمد جبريل
.....................

لا تحلموا بعالم سعيد ..
فخلف كل قيصر يموت ..
قيصر جديد .
أمل دنقل
" الذئب ما كان ذئباً ، لو لم تكن الخراف خرافاً "
مثل أيرلندى
" إن الروايات العظيمة لا يكتبها أناس خائفون "
جورج أوريل
ننحن فى عصر أصبح من واجب الأعمال الفنية فيه أن تطلق الرصاص


مشكلة بعض النقاد مع روايتى " من أوراق أبى الطيب المتنبى " أنهم توقفوا أمام ما تصوروه انعكاسات أحداث قريبة ، مثل فترة السادات وما صحبها من تطورات . والحق إنى لم أكتب الرواية لمناسبة وقتها ، لم أقصد أن أتناول قضية ذات أهمية بالغة ، لكن الحل ـ على أى نحو ـ ماثل فى مدى الأفق ..
إذا كان المبدع يكتب من أجل عصره ، من أجل الآنية ، فإنه يكتب من أجل الإضافة والتطوير والتقدم . إنه لا يكتب للمجتمع الآنى وحده ، وإنما يكتب لكل الأزمنة ، وللإنسان بعامة . الإبداع الحقيقى هو الذى يمتلك حيوية المواصلة والتأثير والحس الإنسانى ، حتى بعد انتهاء المناسبة التى كتبت فيها ، أو ـ ربما ـ عبّر عنها . يهمنى أن تخترق شخصيات أعمالى زمانها ، فلا تستقر فى زمان محدد ، وتتلاشى من ثم بتلاشيه . أرفض شخصية المناسبة ، مثلما أرفض ـ فى الشعر ـ قصيدة المناسبة . نحن نقرأ ديكنز ، لا لأن أعماله تناولت إصلاح السجون ، ونقرأ تورجنيف لا لأنه كتب عن قضايا التحرر فى روسيا ، وهوجو لا لأنه انتقد نابليون الثالث . تلك مهام المؤرخين أو المصلحين الاجتماعيين . إن هؤلاء الأدباء ـ وغيرهم ـ وظفوا تلك " التيمات " الاجتماعية أو السياسية ـ إن جاز التعبير ـ فى أعمال إبداعية ، بعدها الإنسانى يتيح لها الحياة بعيداًُ عن الأحداث التى تناولتها ، بعيداً عن الآنية الطارئة التى يزول تأثيرها بزوال الحدث ..
ثمة قضايا محددة تشكل الرؤية الشاملة ، فلسفة الحياة ، لعالمى الإبداعى . ومن بين تلك القضايا : المطاردة ، الغزو من الخارج ، القهر فى الداخل ، صلة المثقف بالسلطة ، وبمجتمعه ، وما يتصل بها من قضايا الحرية والعدل ..
من أوراق أبى الطيب المتنبى ـ فى تصور كاتبها ـ لا تناقش قضايا آنية ، لكن القضية المحور هى علاقة المثقف بالسلطة من ناحية ، وعلاقته بجماهير شعبه من ناحية ثانية ، وهى قضية تلح فى الكثير من أعمالى الروائية والقصصية ، مثل " الأسوار " و " من أوراق أبى الطيب المتنبى " و " النظر إلى أسفل " و " قاضى البهار ينزل البحر " و " زهرة الصباح " وغيرها ..
العاشق الحق ـ فى رأى أبى الطيب المتنبى ـ هو الذى لا يطمع ، لا يريد مقابلاً من معشوقه ، وإنما هو يضحى فحسب ، ولا يتوقع المقابل .
***
كان إلهامى [ رواية البوسنى رشاد قاضيتش رحلة إلهامى إلى الموت ] يعرف المصير الذى ستنتهى إليه رحلته . بعث الحاكم الجلالى فى طلبه ، ومن يطلبه الجلالى فهو لابد أن يموت . وأهمل إلهامى ـ فى طريقه إلى قصر الجلالى ـ كل النصائح التى دعته إلى الاختفاء بعيداً عن أعين الجلالى " إذا كان كأس الموت ينتظرنى ، فأنا على استعداد " . ولم يكن إلهامى يقبل على الموت لذاته . لم يتقبل فكرة الموت باعتبارها انتحاراً ، لكن كان لديه ما يقوله للجلالى قبل أن يأمر بإعدامه . كان يدرك فداحة الثمن الذى يجب أن يدفعه مقابلاً للفكرة التى يحملها ، للكلمات التى يريد أن يوجهها إلى الحاكم . كان يستطيع الاعتذار عن كلماته ـ كما أسرف الجلالى فى مطالبته بذلك ـ والعودة إلى مألوف حياته ، لكنه رفض أن يعتذر عن القصيدة التى عرّضته للموت . وزاد فنصح بما جعل من الحتم إعدامه . ويهمس إلهامى بينه وبين نفسه : يا رب !.. أنت أفضل من يعرف لماذا يستدعوننى ، وماذا ينتظرنى هناك . إذا كان هذا بسبب ما قلته ، فلا تجعل الخوف يهزنى ، فيدفعنى إلى أن أنكر أو أندم على ما صنعته ، ولا تسمح بأن يتسلل الخوف إلى عينى ، وبأن يتم الإحساس بالرجفة فى صوتى . ساعدنى على أن أظل صلباً ، ثابتاً ، على طريق الحقيقة ، وأن أغمض عينى واسنمك فى قلبى . ويحلم إلهامى بمن يسأله : من هم أولئك الأبرياء الذين قتلوا على طريق الحقيقة ؟ . يجيب : الشهداء ..
ـ وأين مثواهم ؟
ـ فى الجنة !
ويقف إلهامى أمام الجلالى . يقول له : إن الإمبراطورية ـ العثمانية ـ مديدة شاسعة ، بحيث لا يمكن رؤية نهايتها . والماء صاف فى منبعه . ولكن إلى أن يصل إلى أولئك الذين ينتظرونه فى عطش ، فلا يمكن ـ فى بعض الأحيان ـ غسل الأقدام فيه . ويتحدث إلهامى عن أولئك الذين يجب أن يكونوا فى المقدمة ، وأن يحددوا ماهية العدالة ، ويوزعوها ، بدءاً من رجال الإمبراطور والأعيان ، وانتهاء بالعلماء . إنهم يتحدثون عن شئ ، ويفعلون شيئاً آخر . إنهم يفكرون فى أنفسهم فحسب . ويضيف إلهامى قوله : يا باشا ، إن الناس أهم من السلطان ، من الإمبراطورية . ولم ينبت شئ طيب من الدماء . إن الإنسان هو أكمل ما خلقه الله ، وويل لمن يمتهنه !
ويدفع إلهامى حياته ثمناً لهذه الكلمات !
***
إنسان " ، رواية للإيطالية أوريانا فالاتشى ، صدرت بعد روايتى الأسوار بعدة سنوات . فقد صدرت الأسوار فى 1973 ، بينما صدرت إنسان بالإيطالية ـ للمرة الأولى ـ فى 1983 [ فى الروايتين موقف واحد عن التمثال الذى ينطقه رجال السلطة . فى الأسوار أنطقوا تماثيل أبو سمبل ، وفى إنسان أنطقوا تمثالاً يونانياً قديما . توارد خواطر كما ترى ] . شدنى فى رواية فالاتشى إنها تعبّر ـ من خلال تجربة حقيقية ـ عن الدور الذى أتصوره للمثقف / المناضل فى مجتمعه . مثقف ليس ـ بالضرورة ـ فى حجم الحسين وجيفارا والليندى وغيرهم ، لكنه لابد أن يكون مؤمناً ـ بالضرورة ـ بأن التضحية هى ما يجب أن يبذله دون أن يتلقى مقابلاً من إعجاب ، أو ثناء ، أو حتى مساندة . بل إنه قد يلقى جزاء سلبياً من هؤلاء الذين بذل عمره فدية عنهم ! [ زال تقديرى للكاتبة بعد أن أعلنت مناصرتها للصهيونية ، وأنكرت على الفلسطينيين حقهم فى الحرية ! ] . يقول باناجوليس للكاتبة : " الناس فى الحقيقة هم القلائل الذين يكافحون ويأبون الخضوع . أما الآخرون فليسوا ناساً . إنهم قطيع " (ت محمود مسعود ) . يقول باناجوليس ـ مصدوماً ـ " ما الفائدة من المعاناة والكفاح ، إذا كان الناس لا يفهمون ، إذا كان الناس لا يهتمون ؟.. كل ما فعلته كان غلط فى غلط " . وتقول أوريانا لحبيبها بعد أن تحيفه اليأس : " إذا قضيت نحبك ، فإنهم ـ مواطنوه ـ سوف يجلونك ، وربما يحاكونك ، ولن تبقى وحدك بعد ذلك"
لقد بذل باناجوليس حياته من أجل أن تسترد بلاده ـ اليونان ـ حريتها من الحكم الديكتاتورى ، لكن الرصاصة التى أردته تأخرت طويلاً ، بحيث أتاحت له الظروف أن يخطط ، ويقاوم ، ويعتقل ، ويعانى التعذيب ، ويدخل البرلمان ممثلاً للملايين من البسطاء ، حياة خصبة ، وعميقة ، على الرغم من أنه اغتيل قبل أن يبلغ الأربعين ..
ويدرك باناجوليس ـ قبل أن يلقى مصرعه على أيدى أعوان الديكتاتورية ـ إن " أغنية التحية للمقاتل الحقيقى هى حشرجة الموت التى يصدرها عندما تطلق النار من قبل فريق الإعدام فى حكم الطغيان " ، وإنه يتوجه إلى عالم يلحق فيه بأبطال آخرين ، بدونهم لا يكون للحياة معنى ، ويثقون أن التوقف عن النضال هو الجنون بعينه ، وأن البذرة التى غرسوها فى الهباء سوف تذكو وتتشكل فى أوانها المقسوم " ..
***
يقول أرسطو : " كل من كان غير قادر على العيش فى المجتمع ، أو لا حاجة له بذلك لأنه مكتف بنفسه ، فإنه إما وحش أو إله " . وفى كليلة ودمنة : ثلاثة مهلكات : القرب من السلطان ، وإفشاء السر للنساء ، وتذوق السم على سبيل التجربة . لذلك فإن المثقف يحرص ـ عادة ـ على أن يضع مسافة بينه وبين السلطة ، ربما لكى يتاح له الرؤية جيداً ، ويتاح له التحليل والتقويم بالتالى . ولعلى أضيف أن البديهى قيام نفور ـ أو عداء ـ بين السلطة والمثقف . السلطة تعبر عن الفوق ، أما المثقف فهو يعبر ـ أو هذا هو المفروض ـ عن التحت ، عن القاعة الأوسع من المواطنين . أدين ذلك المثقف الذى وصفه باناجوليس بأنه ينحنى أمام أية قوة ، أية سلطة ، أى عات مستبد . يحيا كل من يحكم بشرط ألا تقع متاعب ، والديكتاتوريات تولد منه ، والأنظمة الشمولية يدعمها ويؤازرها .
وإذا كان جيتان بيكون قد عاب على أندريه مالرو أنه لم ينضم إلا إلى الثورات التى كانت على وشك النجاح ، وأن مالرو لم يكن على استعداد لأن يظل مخلصاً لوضع سياسى تغيب عنه الفرصة الحقيقية ، فإن الكاتب النيجيرى كين سارو ويوا ـ فى المقابل ـ حقق أرباحاً طائلة من مؤلفاته ، شجعته على الهجرة إلى بريطانيا ، وشراء بيت ريفى فاخر فى إحدى المقاطعات هناك ، لكنه عاد إلى وطنه ليقف إلى جانب مواطنيه من قبيلة " أوجونى " ذات الأقلية العددية ، وأسهم سارو فى تأسيس حركة " من أجل بقاء الشعب الأوجونى " . وبصرف النظر عن صواب النزعة الانفصالية من عدمه فى إنشاء تلك الحركة ، فقد دفع سارو حياته ـ وكانت حياة مرفهة بكل المقاييس ـ مقابلاً لإيمانه بما يرى أنه حق لأبناء قبيلته ..
***
(يتبع)

د. حسين علي محمد
08-10-2009, 09:25 AM
المثقف والمجتمع والسلطة (2 ـ 2)

بقلم: محمد جبريل
.....................

والحق أنه من الصعب تصنيف المثقفين باعتبارهم طبقة . إنهم نسيج متداخل فى كل طبقات المجتمع . ثمة المثقف المبدع ، والمثقف العامل ، والمثقف الموظف ، والمثقف العالم ، والمثقف الفلاح ، إلخ .. المثقف مواطن يمتلك المعرفة والوعى ، ويحاول من ثم أن يدافع ـ بمعرفته ووعيه ـ عن مجتمعه الذى قد يعانى الكثير من السلبيات ، فى مقدمتها ـ غالباً ـ قهر السلطة !
وعادة ، فإن البسطاء يتعاطفون مع آراء المثقفين التى يجدون فيها تعبيراً عن واقعهم ، ومناصرة لقضاياهم ، وإن كان ذلك لا يحدث فى كل الأحوال . يقول تشيكوف على لسان أحد أبطاله " إن أقسى الأمور على المرء هو أن يعمل دون أن يلقى الود والتعاطف من أى إنسان " ، كم تأثرت ، وقهرنى الحزن ، حين قرأت كلمات مصطفى كامل اليائسة التى كتبها إلى جولييت آدم عن " هذه الأمة التى بلانى الله بأن أكون واحداً من أبنائها " . وفى المقابل ، فقد وجدت ما يستحق التقدير فى قول القاضى الهولندى فان بملن " يخطئ من يظن أن المصريين المثقفين لا يهتمون إلا بمصالحهم الخاصة ومصالح عائلاتهم ، فإنهم ـ على العكس ـ يكرهون الحكم التركى والحكم الأروبى على السواء ، ويريدون حكومة وطنية بكل معنى الكلمة ، وهم يحبون مصر الحديثة ، ومصر التاريخية ، ويهتمون بمصير الشعب ، ويتألمون لمصائبه التى لانهاية لها " ( نقلاً عن الرافعى : عصر إسماعيل ص 123 )
يقول الفنان فى قصة محمود تيمور السماء لا تغفل أبداً : " نحن الآن نعمل وكلنا يسعى لغرض أسمى ، ولإسعاد البشرية ، ولكن : هل تحس البشرية بعملنا ، وما نلاقيه من صعاب ؟ أبداً ! أبداً ! . ويسأل الراوى فى قصة رفعت السعيد السكن فى الأدوار العليا : ماذا يجدى الأمر كله ؟ الشعب نائم ، بل هو صوت يتظاهر ضدنا ، ضدنا نحن الذين نهب نسمات حياتنا من أجله . تبدو الأمور جميعاً بغير معنى . نحن نضحى من أجل من لا يريد ... لو أن الناس تحس بعذاباتنا لهان الأمر ، لهانت كل العذابات ، لكن الناس بعيدون عنا ، وكلماتنا : ماذا تجدى ؟ هل تقنع أحداً ؟ ( رفعت السعيد : السكن فى الأدوار العليا ) . أما باناجوليس فإنه يعيد النظر إلى ما حوله : " فى الخارج الحياة ، والفضاء ، والناس ، والحب ، والغد . ما أشق أن تكون بطلاً ! ما أقسى هذا وأبعده عن الكينونة البشرية ، وما أشد بلادته وأقل جدواه ! هل يتهيأ لأحد قط أن يثنى عليك لأنك برهنت على أنك بطل ؟ هل يمكن أن يقيموا لك نصباً ، ويطلقوا اسمك على الشوارع والميادين ؟ وإذا هم فعلوا ذلك ، فما الذى يجدى عليك شبابك المضيّع ؟ وحياتك التى لم تعشها ؟ كلا! كف عن هذا . إنه لكفران ! فأنت لا تؤدى واجبك لمجرد أن يلقاك إنسان بالحمد والشكران ، وإنما تؤديه بدافع العقيدة ، لنفسك ، ولكرامتك الذاتية ! من يدرى كم من الكائنات البشرية من الشرق والغرب فى غياهب السجون ، فى المعتقلات الانفرادية ، مدفونين أحياء بسبب كرامتهم الذاتية ، ودون ارتقاب لأى شكر ؟!.. منهم أناس لا تعرف حتى أسماؤهم ، ولن تعرف أبداً ! أبطال مجهولون ، لا يشاد بهم ، وهم أيضاً متعطشون للشمس والسماء والحب ورفقة الناس ، مضطهدون كذلك ، محرومون من الفضاء والضياء ، معذبون أيضاً بزبانية من أمثال زاكاكيس ، يعاقبونهم بتجريدهم من الأحذية والسجائر والكتب والصحف والأقلام والورق ، ويصادرون قصائدهم الشعرية ، ويلبسونهم قمصان المجانين : هو مجنون ! هو مجنون ! " .
لكن المثقف هو الحقيقى هو الذى يعمل دون أن ينتظر المقابل . وعلى الرغم من الإحباط الذى تملك الراوى فى رواية رفعت السعيد ، فإن المثقف ـ المهموم بمشكلات الوطن ـ لا ينتظر المقابل لما يبذله ، حتى لو كان تضحية جسدية .
المثقف الحقيقى لديه رؤية نقدية للمجتمع الذى ينتمى إليه ، وللمجتمع الإنسانى الأوسع ، بحيث لا ينغلق على العالم ، ويأخذ من التجارب المتنوعة بلا عقد ولا حساسيات ، ومن منطلق الفهم والتفهم والثقة بالذات والقدرة على الفعل . لن يمارس المثقفون / الصفوة دورهم المطلوب ، ما لم يدركوا أن هذا الدور لصالح المجموع ، وليس ضد الحاكمين فى الوقت نفسه ، وكما يقول بولاك Polak فإن ما يؤدى إلى تقدم مجتمع ما ، هو الصور المستقبلية التى يكونها الصفوة من مواطنيه . فإذا تباينت المصالح بين الحاكم والمحكوم فإن قيمة المثقف فى ابتعاده عن السلطة الحاكمة بقدر اقترابه من مواطنيه المحكومين . دور المثقف الإيجابى ـ فى كل الأحوال ـ هو الإضافة والتطوير والتقدم . والحديث عن مشروع ثقافى عربى يبدو حلماً وردياً وصعب المنال ، ما لم تتحقق ديمقراطيات ـ أو حتى شبه ديمقراطيات ـ تتيح للثقافة الحقيقية أن تتنفس ، وتؤدى دورها المأمول لصالح الجماعة . وكما تقول أوريانا فالاتشى فإن الجناة الحقيقيين فى الأنظمة الديكتاتورية هم أولئك الذين يختفون خلف ستار من المسئولية " هم السادة الأجلاء الذين يستغلون أى إنسان ، ويبرزون دائماً إلى القمة ، مهما تكن نظم الحكم التى ترتقى إلى السلطة ، ومهما تكن نظم الحكم التى تهوى " . وقد دخل أبو نصر الطائى على سليمان بن عبد الملك ، فقال : تكلم يا أعرابى . قال : يا أمير المؤمنين ، إنى مكلمك بكلام ، فاحتمله ، وإن كرهته فإن وراءه ما تحب ، إن قبلته . قال : يا أعرابى ، إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه ، ولا نأمن غشّه ، فكيف بمن نأمن غشّه ، ونرجو نصحه ؟. قال الأعرابى : يا أمير المؤمنين ، إنه قد تكنّفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم ، واتبعوا دنياهم بدينهم ، ورضاك بسخط ربهم ، خافوك فى الله تعالى ، ولم يخافوا الله فيك ، حرب الآخرة ، سلم الدنيا ، فلا تأتمنهم على مائتمنك الله تعالى عليه ، فإنهم لم يألوا فى الأمانة تضييعاً ، وفى الأمة خسفاً وعسفاً ، وأنت مسئول عما اجترحوا ، وليسوا بمسئولين عما اجترحت ، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك ، فإن أعظم الناس غباء من باع آخرته بدنيا غيره . قال سليمان : يا أعرابى ، أما إنك قد سللت لسانك ، وهو أقطع سيفيك . قال الرجل : أجل يا أمير المؤمنين ، ولكن لك لا عليك . وفى مسرحية على أحمد باكثير " مأساة أوديب " يقول أوديب لترزياس : " لا تؤاخذنى بجريرة دبرها غيرى وأحكم تدبيره ، فلم يكن لى من الوقوع فيها بد . أتريد يا تزرياس أن تحمّلنى تبعة هذا الجرم الشنيع ، دون أولئك الذين دفعونى دفعاً إليه " .
***
المثقف ـ فى رأى سارتر ـ ليس مسئولاً عن نفسه فحسب ، وإنما هو مسئول عن كل البشر . والإنسان الذى يرك قيمة الاختيار ، لا يستطيع الاّ أن يختار الخير ، والخير لا يكون كذلك الاّ إذا كان للجميع . المثقف قائد للجماعة ، والثوار بعض الجماعة التى يقودها بأفكاره . إنه يوجه ، وينصح ، ويحذر ، وبقدر وعى مواطنيه تأتى استجاباتهم لأقواله ، وهى استجابات تذكرنا بحديث الرسول ( ص ) الذى يطلب من الناس أن يغيّروا ما فسد ، بدءاً بالسيف ، وانتهاء بالقلب ، وهو أضعف الإيمان ..
ولعل أخطر ما يعانيه المثقف هو الانفصام بين الفكر والفعل ، بين الرأى والمبادرة إلى نقيضه . الحكمة اليونانية تقول : " إذا أراد الله بقوم سوءاً ، جعل عشقهم الأول للسلطة السياسية " . وهذا هو المرض الذى يعانى تأثيراته معظم مثقفى الوطن العربى . السلطة شاغلهم ، وربما توسلوا إليها بمغازلتها ، بمداهنة الحاكم وتملقه ، ومعاونته ـ فى أحيان كثيرة ـ على القيام بأدوار سلبية فى حياة شعوبهم . وكما يقول بوردو ، فإن السلطة لا تحكم ولا تأمر إلا بمساعدة من تحكمهم ..
إن المثقفين ـ فى تقدير ميشيل فوكو ـ طرف من السلطة ، مجرد كونهم عناصر وعى وخطاب يجعل منهم طرفاً فى لعبة السلطة . دور المثقف الحقيقى ـ المطلوب ـ هو النضال ضد أشكال السلطة . لكن المثقفين ـ فى أحيان كثيرة ـ يمثلون القوة الخفية ، الحقيقية ، فى مواقع السلطة . تبدو السلطة لملك أو سلطان أو رئيس جمهورية ، لكن السلطة الفعلية تظل فى أيديهم ، يمسكون بكل خيوط اللعبة ، ويتحول الحاكم إلى مجرد واجهة . يصفهم عبد النبى المتبولى فى " زهرة الصباح " : " لا أحد يعرف وظائفهم ، ولعلهم بلا وظائف محددة ، لكنهم أخطر من خاصة الملك " .
لقد أظهر عبد الرحمن الجبرتى حيرته ، عندما قارن بين أى مملوك محسوب على الإسلام ، يقطع رقاب أخوته فى الدين ، دون جريرة حقيقية ، وبين قيادة الاحتلال الفرنسى التى حرصت على تقديم سليمان الحلبى إلى المحاكمة ، بعد أن قتل كليبر ، واعترف بما فعل . وانتدب له محام ، وأجريت المحاكمة فى العلن ، قبل أن يصدر الحكم بالإعدام ..
فأى فارق ؟!
***
الصفوة هى التى تمسك فى يدها بمقاليد الأمور فى المجتمع من خلال إمساكها بمقاليد الأمور فى مراكز البحث العلمى والجامعات ووسائل الإعلام ودور النشر واستديوهات السينما والمسارح . الصفوة هى القيادة الحقيقية للرأى العام ، هى التى تشير وتوجه وتؤثر وتحرك . أذكر قول توفيق الحكيم : " إن انقراض طائفة الخاصة التى تفكر بعقلها الممتاز ، وتقود الشعب ، وتبصّره وتنهضه وتهديه ، معناه زوال الرأس من جسم الأمة . هل رأيت جسماً يسير بلا رأس ؟! " .
يطالب صلاح الدين حافظ " الصفوة " المثقفة ، أو " النخبة " بأن تجيب عن السؤال : أى مصر تريد ، وأية صورة تتخيل وتعمل من أجلها ، الآن ، وفى المستقبل ؟..
هذا هو ـ فى تقدير صلاح الدين حافظ ـ دور النخبة المثقفة ، بدلاً من الدور الذى تتزاحم عليه الآن بتهالك شديد ونفاق قبيح ، طلباً لمنصب زائل ، أو طمعاً فى مال سائب " ، فهى " تعزف لحن الانهيار ، وترقص على أنغام الفرقة ، وتبيع المحرمات الوطنية والقومية فى سوق النخاسة بأبخس الأسعار " .
أخطر الأمور حين تصبح الأحزاب والمؤسسات الدستورية مجرد واجهة ، كومبارس ، لحاكم فرد ، ديكتاتور ، يملى إرادته فلا راد لها ، ولا معقب على ما يصدر عنها من قرارات . وحسب التعبير الشائع ، فإن الطاعة تؤمن النظام . أما المقاومة فهى تؤمن الحرية .
لقد ورثت أيام الاحتلال قوى " وطنية " ركبت الموجة ، أو أفادت من تاريخها النضالى فى الحصول على مكاسب طارئة ودائمة ، بصرف النظر عن عدم مشروعية الوسائل . خرج الوطن من سلطة الاحتلال الأجنبى ، ليقع فى قبضة سلطة أخرى ، تنتمى إلى الوطن نفسه ، باعتبار أن قادتها هم من أبناء الوطن ، لكن ممارسات هذه السلطة ـ فى الحقيقة ـ أشد قسوة من سلطة الاحتلال . وإذا كان عسف سلطة الاحتلال يسهم فى تجميع كل القوى سعياً لاستقلال الوطن ، فإن تفتت القوى الوطنية ما بين معارض لسلطة الحاكمين من أبناء الوطن ، ومؤيد لهذه السلطة ، يعنى ـ ببساطة ـ تفتت الوطن جميعاً ، غياب الوحدة التى يفرضها وجود محتل أجنبى ..
***
الحكمة العربية تقول : " خير الأمراء الذين يأتون العلماء ، وشر العلماء الذين يأتون الأمراء " ..
والحق أنه من الظلم للمثقف إهمال محاولات السلطة لاحتوائه ، إدماجه داخل جهازها الحكمى ، يتحول إلى مجرد حاشية ، بطانة ، بوق دعاية أو أداة تسلط ، يتحول ـ باختصار ـ إلى خصم مناوئ للجماعة ، وليس جزءاً منها ، ومتفاعلاً معها . دوره ـ ببساطة ـ يقتصر على تجميل الأحداث ، وليس المشاركة فى صنعها . تبرير الشرعية ، وليس الحكم عليها . أذكرك بدور بعض المثقفين فى من أوراق أبى الطيب المتنبى و النظر إلى أسفل و زهرة الصباح وقلعة الجبل وغيرها . كان دورهم أشبه بدور المحلل . والمعنى الذى أقصده ، دور المثقف فى وصل ما ينقطع بين السلطة والمواطنين ..
من الصعب ـ على سبيل المثال ـ إغفال الدور السلبى الذى قامت به الصفوة العربية فى إسقاط تجربة دولة الوحدة . تغاضى مثقفو مصر وسوريا عن سلبيات القيادة فى الممارسة . لم يرتفع الصوت الشجاع بالنقد ، أو حتى بالملاحظة ، فبدأت عناكب التآمر ـ وهى محسوبة ـ للأسف ـ على الصفوة ـ فى نسج خيوطها ، حتى فاجأت القيادة والعالم العربى بتقويض التجربة . والطريف ـ والمؤسف ـ أنها احتفظت بعلم الوحدة ، وذرفت الدمع ـ فيما بعد ـ على ما واجهته التجربة الوحدية ، بل إن الوقفات تتجدد كل عام فى مناسبة إعلان قيام دولة الوحدة !
***
إن ديمقراطية الانتخابات فى عالمنا العربى ، وفى معظم دول العالم الثالث ، تصطدم ـ غالباً ـ بثلاث عقبات :
ـ غياب الوعى الجماهيرى ، وهو ما ينعكس على صندوق الانتخاب . فالأكثر شهرة أو تأثيراً مادياً أو اجتماعياً ، هو الأشد إمكانية فى الفوز بأصوات الناخبين ..
ـ تزييف الانتخابات بواسطة الحكومة ، خاصة إذا كانت هذه الحكومة تابعة للحزب الحاكم ..
ـ اللامبالاة الجماهيرية ، وبالذات ـ وللأسف ـ بين الفئات المثقفة ، وهو ما يتبدى فى عزوف أفرادها عن الإدلاء بأصواتهم ..
وغالباً ، فإن الحاكم فى عالمنا العربى يأتى بالقوة المسلحة ، ولا يذهب إلاّ بالقوة المسلحة ، وقد اكتسبت قصة الجواتيمالى أوجستو مونتوسو " الديناصور " شهرتها كواحدة من أهم القصص القصيرة فى أمريكا اللاتينية فى القرن العشرين ، ليس لمجرد أنها أقصر قصة قصيرة فى العالم ، فهى لا تزيد عن جملة واحدة ، وإنما لأن الديناصور الذى استيقظ بطل القصة ، فوجده ممدداً إلى جانبه ، هو السلطة التى تحرص أن تظل فى موضعها . بالإضافة إلى ذلك ، فإن معظم الحكام العرب ذوو نزعة كارزمية ، بمعنى أنهم هبة أرسلتها العناية الإلهية لإنقاذ الأمة ، والصفات الخارقة التى يتحلون بها إنما تفجرت من نبع إلهى ..
وقد أعلن أحمد بهاء الدين ـ يوماً ـ بصراحته الذكية ـ أنه كان أقل الصحفيين نفاقاً للسلطة الحاكمة ، فهو يدرك جيداً أن السلطة لن تظل صامتة ، مقابلاً للإصرار على مناقشة تصرفاتها ، فضلاً عن رفض تلك التصرفات . إنه قد يلجأ إلى وضع " الدسم فى العسل " ، يغلف الدواء بالقليل من السكر ، حتى يسهل على السلطة ابتلاع النصيحة !.. لكن أحمد بهاء الدين لم يكن يشغل ـ مع من يماثلونه فى الفهم ـ إلاّ حيزاً محدداً ومحدوداً . فثمة من رفضوا حتى إعلان رأس السلطة انه يرفض النفاق وأغنيات الإشادة به . اعتبروا رفض رأس السلطة نفاقاً للجماهير . وزادوا من إيقاع النفاق بما تعجز الكلمات عن وصفه !..
***
إن الإبداع ـ بطبيعته ـ انحياز . فهو ينحاز إلى مبدأ ، أو إلى فكرة أو قضية ، والمبدع لابد أن ينحاز إلى مواطنيه ، وإلى الإنسان بعامة ، فى تعامله مع القيادات التى تحكمه . هذه بديهية لا تقتصر على شعبنا العربى وحده ، وإنما تشمل كل شعوب الدنيا فى علاقاتها بأنظمتها ..
من هنا ، فإن تصور استمرارية الوفاق بين المبدع العربى ، والمثقف العربى عموماً ، وبين السلطة ، هو ضرب من التمنى المستحيل ، لأن المثقف يطلب المطلق فى الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والرفاهية لكل المواطنين . أما السلطة ، فإنها تضع القوانين والقواعد التى ترى أنها لازمة للحفاظ على كيان المجتمع . وتصور العلاقة المثلى بين المثقف العربى والسلطة فى المستقبل ، يجب أن يستند إلى الموضوعية ما أمكن ، بحيث يدرك كل طرف طبيعة هذه العلاقة منذ تشكلت بين حاكم ومحكوم ، وبحيث ينشأ الفهم والتفهم ، ومحاولة الاقتراب ، والسعى إلى الغاية المشتركة ، وهى صالح الوطن والمواطن ..
إن علاقة المثقف والسلطة يحكمها ـ فى الأغلب ـ الشك والتوجس وعدم الثقة . وهى نظرة متبادلة بالطبع . فإذا أسرفت العلاقة فى اتجاهها السلبى ، ربما خضعت للعداء والعنف من كلا الطرفين كذلك !
ومن المؤكد أن الثمن لا يدفعه الحاكم وحده ، ولا المثقف فحسب ، وإنما يدفعه المواطن العادى فى كل الأحوال . بل إن الثمن الذى يدفعه المواطن العادى يكون ـ بالضرورة ـ أكثر فداحة على المستوى الاقتصادى فى أقل تقدير .
المصيبة أن المثقف يتحول بصورة مأساوية إذا التحم بالسلطة ، إذا أصبح قيادياً فى السلطة ، رئيساً أو وزيراً ، أو مسئولاً على أى مستوى . وكما تقول إيزابيل الليندى ، فإن المشكلة فى الثوريين هى أنهم ـ بعد نجاحهم ـ يصبحون متصلبين ، ومن ثم يصبحون هم السلطة . وعند ذلك نواجه المشكلة نفسها مع السلطة " .
ولعله يجدر بنا أن نشير إلى أن المثقفين الذين اقتربوا من السلطة ـ على نحو أو آخر ـ فى امتداد تاريخنا العربى ، قد واجهوا محناً كانوا فى غنى عنها ، لو أنهم أدركوا التباس العلاقة بين السلطة وبينهم ، وأن الإطار الذى ينبغى أن تصدر ـ من خلاله ـ آراؤهم ، هو الإعجاب بقرارات صدرت فلا شأن له بها ، وتبريرها ، وليس إبداء الملاحظات مهما تسربلت بالرقة . ونتذكر المئات ، بداية من ابن خلدون وانتهاء بمحمد مزالى [ الظاهرة عربية ، والجنسية التونسية مجرد مصادفة ! ]
إن حق المثقف ، وواجبه ـ ومسئوليته فى كل الأحيان ـ أن يرفض ما يراه خطأ ، ويقاومه ، فلا يلجأ إلى إيثار السلامة ، حتى لو أخذ صورة تصفية الذات . وهو ما فعله سقراط ، وأدانه عليه نيتشة عندما خضع لقهر الدولة ، فتجرع كأس السلم ، وأنهى حياته ليظل ـ بعد موته ـ مواطناً صالحاً .
***
تبقى حقيقة يجدر بى تأكيدها : ثمة فارق بين السلطة والتسلط . وممارسات الحكام العرب فى أمور بلادهم هى مجرد تسلط ، من مظاهره القهر والسعى إلى المصالح الفردية والمحسوبية . الصوت الوحيد الذى يستطيع أن يسمعه الخطاب السلطوى / التسلطى هو صوت القوة ، وعندما يسمع هذا الصوت فى النهاية ، فإن صوت السلطة يلوذ بالصمت . قد تفلح السلطة فى السيطرة على المثقف ، بالترغيب الذى يتطلع إلى المظهرية ، ووجاهة الادعاء بأنه ينتمى إلى قبيلة المثقفين بكل ما لديها من تأثير على المواطن العادى . وقد تفلح السلطة فى السيطرة على المثقف بالترهيب الذى يصل إلى حد التصفية الجسدية ..
ولأن السلطة حين تصاب بالرعب فإنها تتبنى الرعب ، فإن على المثقف أن يصمد ، وأن يناضل . أذكرك بمقولة غاندى " أفضل للإنسان أن يناضل بدلاً من أن يخاف " ..
أدب ونقد ـ إبريل 2001 بإضافات
................................
*من كتاب «للشمس سبعة ألوان» للروائي محمد جبريل.

د. حسين علي محمد
08-10-2009, 09:26 AM
من المحرر:

معلومات الإنترنت

بقلم: محمد جبريل
.....................

للإنترنت وجهان: الوجه الأول نتعرف إليه في إفادتنا من كم المعلومات التي يقدمها لنا في كل المجالات. بداية من الكتب المهمة التي ربما تعجز مواردنا المادية عن اقتنائها. واستمراراً في أرقام التواريخ ومواقع الأماكن وتراجم المشاعل وكل ما يعين الباحث علي أداء عمله. ما كان يحتاج إلي كثرة التردد علي المكتبات العامة والخاصة. والتقليب في الوثائق والمجلدات والدوريات.
الوجه الآخر للإنترنت يتمثل في الخفة التي يتعامل بها البعض مع الشبكة العنكبوتية.
الأمثلة لا حصر لها. وإن كنت سأكتفي لظروف المساحة أن أضرب مثلين. أولهما السطو المعلن من بعض فاقدي الموهبة علي جهد الآخرين. ونسبته إلي أنفسهم. سواء علي الشبكة العنكبوتية نفسها. أم في الرسائل الجامعية والأبحاث المتخصصة. أما المثل الثاني فهو إقدام البعض علي أن يضيف من عندياته ما لا ظل له في الواقع. قد تكون النية الطيبة هي الباعث. تصوراً أن المعلومة التي وردت صحيحة.
ولأن إفادتنا من الإنترنت تتراوح ما بين الثقة في ما يذكره. والنقلية التي تعني بالمتاح دون التثبت من صحته. فإن المعلومة الخطأ تنتقل بين الكثير من المواقع والعناوين الشخصية. تصبح كأنها الحقيقة. وهي ليست كذلك.
أما الكتابات التي مارست السطو فإن الحياة العلمية الصحيحة تكفل كشفها. ومعاقبة مرتكبيها. وقد أصدرت مجالس التأديب في جامعاتنا أحكاماً رادعة حول عدد ممن مارسوا تلك الجريمة. وواجه من وضعوا أسماءهم علي إبداعات الآخرين إدانات معلنة. بما يلغي التصور أننا لا نقرأ. أو لا نتذكر. أو مش واخدين بالنا!
وبالنسبة للمعلومات الخاطئة فإن أفقها القريب لا يطرح حلاً. تطالعني في المستطيل الصغير معلومات تخصني. تلغي ما أعرفه وأثبته في سيرتي الذاتية "بالإضافة إلي السيرة الذاتية فثمة كتابان هما حكايات من جزيرة فاروس ومد الموج يتناولان مراحل من حياتي".
د.أحمد شمس الدين الحجاجي صديق قديم. يعرف جيداً ظروف حياتي منذ الميلاد إلي أحدث كتاباتي. أراد تقديمي في ندوة بمدينة الأقصر. قرأ من ورقة عن مولدي بالقليوبية. استطرد لدهشتي المتسائلة: هذا ما ذكره الإنترنت. أعتبر الحجاجي بحسن نية أن ما نشره الإنترنت صحيح. لم يخطر في باله أن ما نظر إليه هو وجه العملة الآخر. السلبي!
ظني أن الرقابة علي مواد الإنترنت هي مسئولية المتعاملين معه. وليست مسئولية دولة ولا جماعة. هذه المسئولية تعني أن تتحول الشبكة العنكبوتية في بعدها الإعلامي إلي موسوعة حقيقية. وأن يكون ذلك هو حرص الجميع.
ولعلي أقترح علي من تنشغل مساحة الإنترنت بتراجمهم وسيرهم الذاتية. أن يكتبوا هذه السير "هذا ما فعلته شخصياً. واعتمدته مواقع كثيرة مثل أمواج. والرافد. والموقف الأدبي" بحيث تنشر الشبكة العنكبوتية ما كتبوه. إذا شابه خطأ فإن الكاتب يحاسب علي ما قدمه من معلومات غير صحيحة. وإذا كان مبعث الخطأ آخرون. فإن علي صاحب الشأن أن يكذب. وأن تنشر المواقع الإلكترونية تكذيباً مماثلاً. يضيق الحصار حول الاستسهال. أو العبث السخيف. فتتحقق الموسوعية التي نأملها للإنترنت. أهم الإنجازات العلمية البشرية علي المستويين الشخصي والعام.
.........................................
*المساء ـ في 3/10/2009م.

د. حسين علي محمد
08-10-2009, 09:28 AM
الواقــع .. والخيال (1 ـ 2)

بقلم: محمد جبريل
.....................

" الخيال .. ياله من شئ عجيب "
بركن فى رواية " الطريق الملكى " لمالرو
" إن أعظم مايمتلكه الإنسان هو الخيال "
بورخس

تعد مشكلة الفن والواقع قديمة متجددة ، سبق إلى تناولها ليسنج وديدرو وبيلينسكى وغيرهم ، وما تزال تجد اهتماماً لافتاً عند النقاد المعاصرين ..
يجيب جيورجى جاتشيف على السؤال : ما الفن ؟ أهو تفكير فنى ، أو معرفة ، أم هو نشاط وإنتاج ؟.. يجيب بالقول : " إن جوهر المسألة كلها يكمن فى أن الفن يحوى فى ذاته هذين الشكلين من أشكال الوجود الإنسانى فى وقت واحد ، ولكن من البديهى أن الفن ـ فى مختلف مراحل تطوره ، وفى شتى أنواعه وأجناسه ـ يعطى المقام الأول لجانبه التربوى التغييرى تارة ، ولجانبه المعرفى الانعكاسى تارة أخرى " .. الفن يقدم للناس مرآة يستطيعون بواسطتها أن يروا أنفسهم فى الآخرين ، والآخرين فى أنفسهم ( ت . نوفل نيوف ) . ويقول أرنولد كيتل : " إن لب أية رواية هو ما تقوله عن الحياة " ، أو أنه " خلاصة رؤيته لما يحاول معالجته من الحياة " ( ت . لطيفة عاشور )
مع أن الفن ـ على حد تعبير جاتشيف ـ لا يحتاج للاعتراف بمواده على أنها واقع ، فإن القارئ ـ فى العمل الإبداعى ـ يتوقع صورة للحياة ، أن يكون العمل مطابقاً للواقع ، والمبدع ـ فى المقابل ـ مطالب بأن يهب القارئ ما يمكن تسميته بالإيهام بالواقع . وكما يقول الأسبانى ثونثو نيغى فلكى تكون روائياً ، فإن عليك امتلاك القدرة على التخيل " . ويضيف كونراد إن حرية الخيال يجب أن تكون أقرب ما يملكه الفنان إلى نفسه . واللافت أن جائزة بلانتيا الأسبانية تعنى بالجانب الخيالى فى الإبداع ..
إن الصدق الفنى لا يعنى النقل من الواقع ، فالخيال يضيف ويحذف ويقتطع ويشوه ، ليهبنا فى النهاية ما وراء الحقائق الظاهرة . الإبداع يهبنا الواقع ، لكنه ـ بقدر تميزه ـ يشعرنا أن ما قرأناه هو الواقع . وبتعبير آخر ، فإن الإبداع يضاهى الواقع ، وإن لم يكن هو الواقع . عناصر الخيال ليست ـ بالتأكيد ـ عناصر الواقع ، وعالم الفن ـ مهما يسرف فى استلهام الواقع ـ ينتمى ـ فى الدرجة الأولى ـ إلى الخيال . ثمة فارق بين الحقيقى فى الحياة ، والحقيقى فى الأدب . الكتابة لا تنقل الواقع بحذافيره ، بقدر ما تنقل اختيارها ، القسمات والملامح والأماكن والشخصيات والأحداث التى تجسد العمل الإبداعى وتثريه وتضيف عليه ، واقعها الخاص بها . الواقع الحياتى تصنعه الأقدار ، أو المصادفة . أما الواقع الفنى فهو ينتقى ويختار ما يتطلبه العمل الإبداعى ، دون زيادات ولا نتوءات ولا إضافة غير مبررة ، أو حذف غير مبرر . العمل الأدبى ليس هو الواقع ، ليس تقليداً ولا محاكاة للواقع ، وإنما هو إعادة صياغة للواقع ، وبتعبير أشد تحديداً هو خلق واقع جديد . أوافق جمال الدين بن الشيخ على أن " الواقعية لا تعنى أن يحاكى أثر أدبى ما ، الواقعى ، بل تعنى أن يصيّره " ( ت : محمد برادة وآخرين ) . الفنان الفنان هو الذى يستطيع تحويل الأشياء العادية ، الأحداث اليومية التافهة ، المشاهد التى نعبرها ، الثرثرات الحياتية البسيطة .. الفنان الفنان هو الذى يستطيع أن يخلق من ذلك كله إبداعاً حقيقياً . الفنان الفنان هو الذى يعتمد على موهبته ، وليس على المادة التى يطوعّها لعمله الإبداعى ، هو الذى يحيل الواقعة التافهة عملاً ينبض بالحيوية والفنية العالية . الفنان الفنان هو الذى يلتقط أية مادة ـ مهما تكن تافهة ـ فيحيلها إبداعاً يستحق القراءة ..
مع ذلك ، فإنى أرفض أن يعتمد الفنان على موهبته ليغطى مادة تافهة . وكما يقول جوجول " كلما كان الشئ عاديا ، تطلّب من الكاتب موهبة أكبر ليستخرج منه غير العادى . أما باتوه Batteux [ 1713 ـ 1780 ] فهو يذهب إلى أن ما يجب محاكاته ليس حقيقة ما هو موجود ، بل حقيقة ما يمكن أن يوجد . أذكر أيضاً قول موريس باريس إن الفن هو " أن تنصت إلى ذاتك ، وأن تعبر بالتصوير ، أو القلم ، أو الموسيقا ، عما يضوع فى أعماقك . أما القديم والجديد فلا أدرى ماذا يعنيان " ..
***
قيمة الخيال أنه حر . يحلق ، ويهبط ، ويسير ، ويقيم العلاقات ، ويصادق الإنس والجان والحيوان والطير ومخلوقات البحر ، ويتحدى المستحيل . إن حركته بلا آفاق ، بلا سدود من أى نوع . ما يبدو مناقضاً للواقع هو فى الخيال غير ذلك . هو واقع يتقبله المتلقى ، ويتفاعل معه ، ويحاوره ، ويستكنه منه الدلالات . بل إن التكنولوجيا ـ مهما تتقدم معطياتها ـ لن تجعل من كل خيال حقيقة ، ولا جميع أشكال اليوتوبيا ممكنة الحدوث . معنى ذلك ـ كما يقول الأسبانى كونكيرو ـ أن العالم سيوصد أمام صوت الخيال ، مما يفقده إلهامه ، فيظل جاهلاً بسحر الأشياء . حتى أينشتاين يؤكد فى كلمات حاسمة إن الخيال أهم من العلم .
ظللت أحلم ـ وأتمنى ـ أن أكتب حكايات مشابهة لما كنت أستمع إليه من جدى وأمى ، ولا زلت أذكر معجزة الإسراء والمعراج كما قرأتها فى مجلة " الإسلام " التى كانت تضمها مكتبة أبى ، وأغنية أم كلثوم عن النيل ، من شعر شوقى وموسيقا السنباطى . كان الخيال يذهب بى إلى جزر بعيدة ، مأهولة بالسحر والفانتازيا والأسطورة . العفاريت والساحرات والجنيات والمعجزات والشياطين والنفوس التى تسعى لتبين عالم الغيب وطلاسم الآفاق التى تغلفها الضبابية . ولازلت أذكر حكايات جدى وأمى عن الرجل الذى " حمل " فى سمانة رجله ، والست ستنا اللى قصرها أعلى من قصرنا ، ومطالبتها بعنقود عنب لشفاء مريضنا الذى يعانى داء عضالاً ، وحكايات صندوق الدنيا المرافقة لتوالى الصور الثابتة .. ثم أطلقت العنان للخيال فى إمام آخر الزمان وما تلاها من إبداعات وظفت التراث ..
***
كان يقين أينشتين أن الخيال أهم من العلم ، ومن قبله قال فيكتور هوجو إن الخيال هو العبقرية . ويعتبر إنريكى أندرسون إمبرت الأدب " أحد أنماط الخيال الإبداعى " ( ت . على إبراهيم منوفى ) . وثمة من يعتبر الرواية " قصة خيالية ، نثرية ، ذات اتساع معين " . بل إن الأدب هو الخيال فى تقدير البعض ( القصة القصيرة ـ النظرية والتقنية 9 ) . وكما يقول المفكر الأسبانى خوسيه أورتيجا جاسيت Jose OrtegaYgasset : " إننا مهما بذلنا من جهد مضن فى معرفة الواقع بشكل موضوعى . لم نفعل شيئاً إلاّ أننا تخيلناه " . ويقول ألفونسو رييس Alfonso Reyes : " الأمر هو خيال لغوى يعبر عنه خيال عقلى ، خيال فى خيال : ذلك هو الأدب " . لكن الأعمال التى أستلهمها من الخيال يصعب إلا أن أضمّنها وقائع من سيرتى الذاتية ، ومن خبرات الآخرين ، ومن العصر الذى أحياه . العالم الإبداعى ـ قصة أو رواية أو أجناس أدبية أخرى ـ فيه الكثير من الخيال ، والكثير من الواقع أيضاً . يصعب أن يكون العمل الإبداعى خيالاً مطلقاً ، ويصعب كذلك أن يكون واقعاً مطلقاً . قد يتغلب الخيال ، أو يكتفى الفنان برصد الواقع . لكن الخيال يتدخل بصورة وبأخرى ، ربما لاعتبارات الفن فى ذاتها . ولعلى أضيف أن النظر إلى السيرة الذاتية باعتبارها كذلك ، لا يخلو من مثالية ، فالخيال قد يكون واضحاً ، أو مستتراً ، لكنه هناك ، وهو موجود فى كل الأحوال . وعلى حد تعبير همنجواى فإنه من الطبيعى أن يكون أفضل الكتاب كذابين ، جزء كبير من حرفتهم أن يكذبوا ، أن يخترعوا . إنه كثيراً ما يكذبون دون وعى ، ثم ـ فيما بعد ـ يتذكرون كذبهم بندم شديد . لكن الخطأ ـ فى تقديرى ـ فى تصور أن الخطأ هو الزيف ، أو الاختلاق ، أو انعدام الحقيقة ..
العمل الأدبى عمل محاكاة بالمعنى الموسع . إنه يحاكى فعلاً ، وأيضاً يحاكى موقعاً متخيلاً . عالم الخيال الأدبى ـ كما يقول إنريكى أندرسون ـ هو العالم الوحيد الذى يمكن أن نقول عن الراوى فيه إنه قادر على معرفة كل شئ " ( القصة القصيرة ـ النظرية والتقنية ـ 80 ) . ويقول هنرى جيمس : " إن بيت العمل الخيالى ليس له نافذة واحدة ، بل مليون نافذة ، وعدد لا حصر له من النوافذ الممكنة " ( ت . حامد أبو احمد ) . يضيف كيتس : " إننى أشعر كل يوم أكثر فأكثر ، عندما يقوى خيالى ، أننى لا أعيش فى هذا العالم وحده ، وإنما فى ألوف من العوالم " . ويقول ميشيل فوكو : " إن العملية الإبداعية تولّد الخيال ، وترتبط به بطريقة مركّبة ، فهى تنتظر منه دعماً ودحضاً على السواء . إنها تفترض مسافة لا تخص العالم أو اللاشعور أو النظرة أو السريرة " ( محمد على الكردى : ألوان من النقد الفرنسى المعاصر ص 78 ) . وعلى حد تعبير مارتينيث بوناتى ، فإن الأدب يجد إمكانيته فى التخييل ..
واذا كان قدامى الإغريق مثل سوفوكليس وهوميروس قد استعاضوا عن اللجوء الى الخيال باستخدام صور الميثولوجيا المتاحة ، فإن دانتى وشكسبير وكالديرون وملتون وجوجول وغيرهم قد أفادوا من الخيال بصورة مؤكدة .
يقول بورخيس : " إن أعظم ما يمتلكه الإنسان هو الخيال " . وتصف الناقدة البريطانية هيلين جاردنر المبدعين ، الشعراء وكتاب المسرح والرواية والقصة القصيرة ، بأنهم " صانعو العوالم الخيالية من كل نوع ، ومبتدعو الصور العميقة لمعنى للحياة والتجربة البشرية " . وقد رفض جابرييل جارثيا ماركيث تحويل رواياته إلى أفلام سينمائية . فضّل أن يتخيل القارئ شخصيات القصة وأحداثها ، فلا يقتحم عليه ذلك الخيال مؤثر من أى نوع . الفيلم السينمائى يجسد الشخصيات والأحداث والمكان والزمان ، من آفاق الحركة
الراوى العليم لا يكون كذلك إلا إذا أفاد من الخيال ما وسعه . من الصعب على الراوى أن يكون عليماً بكل شىء ، لأنه لن يستطيع التعرف على ما فوق السطح وما تخفيه المياه . فهو إذن لابد أن يستعين بالخيال لتستكمل الصورة ملامحها .
إن الرواية الجيدة لا تقتصر على نقل الحياة فحسب ، لكنها تقول شيئاً عن الحياة ، فهى تكشف عن نمط أو مغزى معين فى الحياة . إن عين الفنان لا تستطيع أن ترى أكثر من واحد فى المائة من الناس والأحداث حوله ، وهو لا يعى ويفهم مما رأى أكثر من هذه النسبة ، وهو كذلك لا يستطيع أن يعبر عما وعى وفهم ، وأحس بأكثر من واحد فى المائة ..
بديهى أن الخيال يبدأ من الواقع ، أو أن الواقع هو البداية فى أى عمل فنى . أختلف مع الرأى فى أن الفن أكثر واقعية من الواقع نفسه ، وهو ما يذهب إليه وليم بليك فى قوله : " نحن نجد فى الخيال حياة حقيقية أكثر واقعية مما يسميه الناس العالم الحقيقى " العكس ـ فى تقديرى ـ صحيح . إن الواقع أشد واقعية من الفن ، مهما يخلص الفنان فى تصوير الواقع . وعلى حد تعبير أندريه موروا ، فإن أكثر شخصيات العمل الروائى تعقيداً ، هو ـ فى المحصلة النهائية ـ أقل تعقيداً من أبسط شخصية إنسانية .
الواقعية ليست نقلاً عن الواقع ، لكنها اختيار فنى من الواقع . يبدأ من الزاوية التى يلتقط منها الفنان " الكادر " ، قيمة الصورة الفوتوغرافية فى الانتخاب ، الاختيار ، انتخاب أو اختيار ما تلتقطه العدسة ، الواقع ، وليس الخيال ، هو النبع الذى يستمد منه الفنان إبداعه ، وإن كان من الصعب أن يهمل الخيال تماماً . يقول ماركيث : " ينبغى أن نعترف أن الواقع أفضل منا جميعاً ، فقدرنا ـ وربما مجدنا كذلك ـ هو أن نقلده بتواضع ، وبشكل أفضل ، فى إطار المتاح لنا " ( حامد أبو أحمد : فى الواقعية السحرية ص 145 ) . إحدى ميزات الرواية ـ والقول لروجر ب هينكل ـ إنها تتفوق على الحياة الحقيقية فى القدرة على اجتذابنا إلى أعماق وعى الناس الذين قد لا نجد سبيلاً آخر لفهمهم فهماً كاملاً . وإذا كانت مثالية ديستويفسكى ـ على حسب تعبيره ـ أشد واقعية من أعمال الأدباء الواقعيين ، فإن الواقع أشد واقعية من أعمال الواقعيين ومثالية ديستويفسكى فى آن . أذكر قول جابرييل جارثيا ماركيث : " هناك شئ غالباً ما ننساه نحن الروائيين ، وهو أن الحقيقة ما تزال حتى الآن أبرع قالب أدبى " . المعنى نفسه ـ تقريباً ـ يذهب إليه ميشيل بوتور فى قوله : " إن الرواية تقرير علمى عن شئ أهم من مجرد الأدب . إنها طريقة أساسية لمعرفة الحقيقة " ..
إن الصدق فى التاريخ ، وفى العلم ، هو الصدق فى الواقع . أما الصدق الفنى فهو الصدق فى الإمكان ، بمعنى أن الصدق فى العمل الفنى هو انعكاس لما يمكن أن يحدث فى حياة الإنسان ، والصدق فى الإمكان يتسم بالشمول والعمق لأنه يتركز فى العواطف الإنسانية ، بكل ما تحفل به من مشاعر وميول وأهواء وانفعالات . بل إنه ليس كل ما يجرى فى الواقع يحتمله العمل الفنى ، أو يبدو صادقاً فى مرآته . أذكّر بقول سومرست موم : " إن الكاتب لا ينسخ نماذجه من الحياة ، وإنما يقتبس منها ما هو بحاجة إليه . ملامح معينة استرعت انتباهه ، أو عبارة أثارت خياله ، فهو يبدأ من ثم فى تشكيل شخصيته ـ أو شخصياته ـ دون أن يشغله أن تكون صورة مطابقة ، بل إن ما يعنيه بالفعل هو أن يخلق وحدة منسجمة ، محتملة الوجود ، تتفق وأهدافه الفنية الخاصة . وكما يقول هنرى جيمس ، فإن العمل الفنى وحدة مترابطة حية ، تضم الشخصيات والأحداث والحوار والأسلوب . إنها شئ حى ، متكامل ، متصل ، مثل أى كائن حى ، وبالقدر الذى تكون حية ، بالقدر الذى نجد فى أى جزء من أجزائها شيئاً من كل الأجزاء الأخرى " .
أوافق أرسطو أن المحتمل فى الواقع يستطيع أن يكون أكثر احتمالاً فى السياق الفنى من الواقع نفسه ، لأن من المحتمل أن تحدث أشياء كثيرة منافية للاحتمال . مع ذلك فإنى أشير إلى حقيقة أن أبطال الحياة ، الواقع ، يموتون ـ أحياناً ـ فجأة ، ربما بلا تبرير ، ربما بلا مرض ولا ممهدات يصبح المرض نتيجة لها . أما أبطال الفن فإن وفاتهم لابد أن تكون خيوطاً فى نسيج العمل ككل ، فهم لا يموتون فجأة مثل أبطال الحياة ، وإلاّ تقوض العمل من أساسه ، وفقد استمراره وتواصله ، وربما لهذا السبب بدأ نجيب محفوظ رواية بداية ونهاية بوفاة العائل ، فقد يرفض الواقع الفنى وفاة الأب لو أنه مات فى تنامى الرواية . حتى بطل قصة تشيكوف العطسة القاتلة لم يمت فجأة . ولو أننا تأملنا مقولة وليم بليك : " إننا نجد فى الخيال حياة حقيقية ، أكثر واقعية مما يسميه الناس بالعالم الحقيقى " فبماذا نفسر رفض المتلقى تقبل فكرة إيقاف تنفيذ حكم الإعدام بعد أن وضع الحبل فى العنق فعلاً ، مع أن الواقعة ـ بنصها وفصها ـ حدثت فى الحياة المعاشة ؟! . أشير إلى فيلم الكاتب محمد كامل حسن حب وإعدام الذى رفع فيه حبل المشنقة من عنق البطلة فى اللحظة الأخيرة ، فأعلن جمهور السينما عدم تصديقه ورفضه ، بينما كانت الواقعة قد حدثت قبل فترة قصيرة ، وكان بطلها مواطناً من شبرا ، استشكل محاميه ـ واسمه ، فيما أذكر ، فاروق صادق ـ وحصل على موافقة النائب العام بإيقاف تنفيذ الحكم ، وهو ما أفلح فيه المحامى قبل أن يجذب عشماوى يد المشنقة !؟
الواقع فى العمل الإبداعى ليس إلاّ واقعاً افتراضياً ، واقعاً نتصور حدوثه ، دون أن نملك التأكيد على أنه قد حدث بالفعل . من هنا يأتى تحفظى على قول الأسبانى خوان مارسيه " يهمنى الواقع قليلاً ، وعلى نحو نسبى . أهدف إلى واقع متقن الصنع . إننى لا أستنكر نظرية ستندال فى الرواية ، لكننى لست مستنسخاً للحكايات . إننى أخلقها . أعشق الحقيقة المخترعة " ( الرواية الأسبانية المعاصرة ص 218 ) .
(يتبع)

د. حسين علي محمد
08-10-2009, 09:31 AM
الواقــع .. والخيال (2 ـ 2)

بقلم: محمد جبريل
.....................

يقول ماركيث : " لا يوجد فى رواياتى سطر واحد ليس له أساس من الواقع " ( فى الواقعية السحرية ص 146 ) ، لكن الإبداع لا يقدم الواقع على علاته ، لا ينقله كما هو ، وإنما هو ـ على حد تعبير توفيق الحكيم ـ يقدم الحقيقة مصفاة بعد هضم الواقع . الواقع يخلو من البنية الفنية ، ولكى تتشكل تلك البنية ، فإن الواقع يجب أن يؤطر بقوانين جمالية . وكما يقول لوكاش : " العمل الإبداعى ليس الواقع نفسه ، لكنه شكل خاص من أشكال انعكاسه . الإبداع لا يقوحين قرأ جارثيا ماركيث لكافكا هذه الكلمات : " عندما استيقظ جريجور سامسا من نومه ، بعد أحلام مزعجة ، وجد نفسه وقد تحول إلى حشرة عملاقة " ، قرر ماركيث أن يصبح كاتباً .
للعمل الإبداعى منطقه الخاص الذى يختلف عن منطق الواقع . إنه منطق قد يقف على أرضية الخيال إطلاقاً . يصنع صيرورته دون اتكاء على دعائم منطقية من خارج العمل الإبداعى . ما يهمنى هو معادلة الإبداع لا معادلة الحياة ، زمن الرواية لا زمن الحياة ، شخصيات الرواية وأحداثها لا الشخصيات والأحداث التى يفرزها الواقع . الفن ـ على حد تعبير تشارلس مورجان ـ ليس دواء لشفاء عصر ما ، لكنه نبأ عن الواقع ، متمثلاً فى رموز وأفراح وترانيم ورؤى مسحورة .. والتعبير عن ذلك النبأ لا يأتى بغير منطقه ، منطق الفن نفسه . هناك شخصيات مبتكرة بشكل كامل ـ والقول لكونديرا ـ خلقها الكاتب وهو مستغرق فى تفكيره الحالم . هناك تلك الشخصيات التى يستلهمها عن طريق نماذج بشرية . فى بعض الأحيان يتم ذلك بشكل مباشر ، أو بشكل غير مباشر . هناك تلك الشخصيات التى تخلق من مجرد تفصيلة منفردة قد لوحظت فى شخصية ما ، وكلها تدين بالكثير لاستبطان الكاتب ، لمعرفته لذاته . إن العمل الناجم عن الخيال يحوّل أشكال تلك الإلهامات والملاحظات بدرجة عميقة جداً ، لدرجة أن الكاتب ينسى كل ما يتعلق بها " ( الطفل المنبوذ ص 241 ) . وبالنسبة لى فأنا لا أنقل الشخصية كما هى فى الواقع ، وإنما أحذف منها ، وأضيف إليها ، وأدمجها ـ أحياناً ـ فى شخصيات أخرى ، بحيث تتخلق الشخصية الفنية . وقد أوزع من ملامح الشخصية الواحدة على شخصيات متعددة . يغيظنى من يتصور أن الشخصية الروائية ـ أو فلنقل القصصية ـ هى شخصية المبدع نفسه . قد يكون فى الشخصية الروائية ملامح من شخصية المبدع ، لكنها تظل شخصية روائية ، شخصية فنية ، تستمد مقوماتها من شخصيات متباينة ، قد تكون من بينها شخصية الفنان نفسه . أذكر بعد أن قرأ ابن عم لى قصتى القصيرة نبوءة عراف مجنون اتصل بى محتجاً : كيف تكتب عن أبيك بهذه الصورة ؟.. والصورة التى احتج عليها ابن العم هى الأب الذى يصحب ابنه الصغير لشراء لوازم العيد وهو يؤذيه بالقول . وبالطبع ، فلم تكن شخصية الأب فى القصة تقترب من شخصية أبى فى قليل ولا كثير ، لكنها شخصية قصصية ، فنية ، تأخذ من أكثر من شخصية حقيقية ، وتأخذ من الخيال أيضاً ! من هنا ، يأتى تحفظى على قول إنريكى أندرسون بأن القصة القصيرة مجرد تخيل ، وأنها تعرض حدثاً لم يقع أبداً ، أو تعيد ترتيب أحداث فعلية ، وإن ركزت بصفة أساسية على البعد الجمالى أكثر من الحقيقة ( القصة القصيرة ـ النظرية والتقنية ـ 6 ) .

***
كان رأى العقاد أن خلق العمل الفنى من الواقع ، أصعب بكثير من صنعه من الخيال . وقد وافقه الحكيم على ذلك ( تحت المصباح الأخضر ص 82 ) . وقد كتب كافكا روايته أمريكا من خلال الصورة التى كونها خياله بتأثير قراءاته للمطبوعات الشعبية ، فهو لم يزرها إطلاقاً ، لكن عبقرية كافكا عوضت المشاهدة ومصادقة المكان . وكان أستاذنا محمد مفيد الشوباشى يفضل اللجوء إلى خياله ، بدلاً من السفر : " إن خيال الإنسان يمكن أن يتصور أماكن أجمل من الحقيقة . فلماذا أرهق نفسى ، وأتكبد مشاق السفر ومخاطره ، إذا كنت أستطيع أن أتصور بخيالى ما هو أجمل مما سأراه ؟ " . ولعلنا نذكر قول ماريو إيوسا إن الإطار المكانى لقصص همنجواى هو حلقة الملاكمة . أما بورخيس فإن إطار قصصه المكانى هو المكتبة . والدلالة ـ بالطبع ـ واضحة : همنجواى يعتمد على الموهبة ، ويعتمد كذلك على المغامرة ومحاولة التجربة والتعرف على الأشياء . أما بورخيس فإنه كان يعتمد على القراءة الغزيرة إلى جانب الموهبة ، وإن رأى فى عدم الواقعية شرطاً ضرورياً للفن ..
وقد ذهب طه حسين إلى أن الآلهة القديمة لبلاد العرب لم يكن لها أى حظ من الخيال ، فجاءت حياتها كئيبة بالفعل ، لأنها لم تلهم المؤمنين بها أياً من المظاهر الفنية التى أغدق بها على غيرهم من الشعوب ، كما يرى العقاد أن العرب أمة بلا خيال ، وهو ما يراه أيضاً أحمد أمين ، وإن قصر رأيه على البدو . ثمة رأى ـ فى المقابل ـ يرى فى رسالة الغفران وحى ابن يقظان إطلاقاً للخيال فى آماد بعيدة ، وأن " ألف ليلة وليلة عكس كل الأحكام التى قيلت عن العقلية العربية ، فهى تثبت قدرة هذه العقلية على الإبداع الفنى الكامل ، كما تثبت قدرة هذه العقلية على الخلق ، وعلى إعادة الخلق من جديد " . وكان حرص الراوى فى حكايات ألف ليلة وليلة على أن يظل مورد رزقه ـ الحكايات ـ موصولاً بسماع المتلقين ، ومتابعتهم له ، دافعاً لأن يلجأ إلى الخيال ، يضفّر منه وقائع وأحداث وأصناف من البشر والحيوان والطير والأسماك والمخلوقات المتخيلة والجماد ، عالم من الأسطورة والسحر والفانتازيا ، كان هو الأرضية التى تحركت من فوقها واقعية أمريكا اللاتينية السحرية ..
الغريب أن الإبداع عندما يلامس ـ أو يقتحم ـ مناطق الخيال ، الأسطورة ، الفانتازيا ، الخرافة ، الغرائبية ، العجائبية ، إلخ .. التسميات كثيرة ، فإننا نحيله إلى أدب الطفل ، نعتبره نصاً يقرأه الطفل . تصورنا أن الخيال مقصور على الأطفال ، حتى جعلنا حكايات ألف ليلة وليلة ـ المفعمة بالخيال والأسطورة والغرائبية ـ مجرد حكايات للأطفال ، مع أنها ليست كذلك ..
الخيال ـ خيالى وخيال كل قارئ للنص ـ هو الذى يعتق النص من ماديته وجموده ، هو الذى يجسّده . يقول ماركيث : " الخيال هو فى تهيئة الواقع ليصير فنا " . وتضيف هالى بيرت : " عندما تلتمع الفكرة فى الذهن ، فإن الخيال مهم لإثراء الصورة ، بحيث لا يبقى أمام المبدع ـ فى لحظات الكتابة ـ ألاّ أن يكتب ما يمليه عليه خياله . وكما يقول ديهاميل فإن أى منظر لا يمكن أن يصل إلى مثل ما يصل إليه الخيال فى عمله المدهش عندما يحركه قصص جميل مؤثر ( دفاع عن الأدب ص 52 ) .
أحياناً ، يشدنى عمل إبداعى بخيال جميل منطلق ، جواد فن يمضى فى طريق بلا آفاق . ثم يئد الفنان انطلاقة خياله ، حين يتذكر أنه كاتب ، وأنه يكتب إلى قارئ ، وأن هذا القارئ لابد أن يجد فى العمل الإبداعى ما يغريه بالمتابعة ، ويتجه العمل ـ بالغصب ـ إلى طرق غاب فيها الخيال ، ونعانى التكرار إلى حد الملل !..

***
يقول روجر ب . هنكل إن أتم تصوير روائى للمجتمع ، هو ذلك التصوير الذى يشعرنا أننا نوشك أن نكون جزءا ًَمن بناء ذلك المجتمع ( قراءة الرواية ص 106 ) ،
ويختلف كاتب الواقعية الطبيعية عن غيره من الكتاب ـ كما يقول سترندبرج ـ فى أنه هو الذى يبحث فى معترك الحياة عن المثيرات الكبيرة التى يعتبرها الكاتب الواقعى شذوذاً ، تلك المثيرات التى تتوارى وراء حجب كثيفة من التقاليد والقوانين والقواعد الأخلاقية ( الأدب ومذاهبه ص 131 ) . أذكر قول إيزابيل الليندى إن التصوير والكتابة هما محاولة للإمساك باللحظات قبل أن تتلاشى . لكن الواقع الفوتوغرافى ، الواقع الكربونى ، يبين عن فشل مؤكد إذا لجأ إليه المبدع فى تصوير التحول الذى يطرأ على الأشياء . إنه يحمل الواقع ، ويحيله إلى شئ ثابت لا يتحرك ، فهو يسلبه حريته ، ويعمل على قتله . وكما تقول إيزابيل الليندى فإن الصورة هى خلاصة الواقع مضافاً إليها حساسية المصور . زقاق المدق ـ مثلاً ـ تتسم بخصوصية تختلف بها عن أعمال مرحلة الواقعية الطبيعية فى أدب نجيب محفوظ . السراب تتناول مشكلة فردية ، وخان الخليلى كذلك ، وبداية ونهاية تعنى بمشكلة أسرة ، والثلاثية تهب صورة للمجتمع كله إبان فترات من تاريخه . أما الزقاق فهى لا تتناول مشكلة فردية محددة ، ولا صورة اجتماعية بانورامية ، وإنما تتناول أحد أزقة القاهرة ، تحيا فيه وعلى هامشه شخصيات تتنافر أمزجتها وطموحاتها وسرعة خطواتها فى طريق الحياة . ولم يكن تصوير الفنان لتلك الشخصيات هدفاً فى ذاته ، وإنما كان يعكس بهم واقع المجتمع المصرى : المحبط ، والشاذ ، والمعقد ، والمشوه ، والمتصوف ، والمجذوب إلخ .. كانوا صورة مختزلة ، وربما متشائمة ، للمجتمع المصرى آنذاك .. ولكن : ألم تكن هذه صورة المجتمع المصرى فعلاً ؟!
المبدع يختلف عن الآخرين ، حتى فى أوقات الصمت ، فى أوقات السكينة . فجميع أجزاء جسمه الظاهرة تكف عن الفعل ، بينما العمل الإبداعى ، أو الشخصية ، أو الحدث ، يتخلق فى داخله ، يفرض عليه حالة من التوتر قد لا تبدو على مظهره الساكن . ويقول ميلان كونديرا : " هناك شخصيات مبتكرة بشكل كامل ، خلقها الكاتب وهو مستغرق فى تفكيره الحالم . هناك تلك الشخصيات التى يستلهمها عن طريق نماذج بشرية . فى بعض الأحيان يتم ذلك بشكل مباشر ، أو بشكل غير مباشر . هناك تلك الشخصيات التى تخلق من مجرد تفصيلة منفردة لوحظت فى شخصية ما ، وكلها تدين بالكثير لاستبطان الكاتب ، ولمعرفته لذاته . إن العمل الناجم عن الخيال يحول أشكال تلك الإلهامات والملاحظات بدرجة عميقة جداً ، لدرجة أن الكاتب ينسى كل ما يتعلق بها " ( الطفل المنبوذ ) ، وكما يقول سارتر ، فإن الخيال هو الأداة السحرية التى يحقق بها الفنان مشروعه الإبداعى . انه يتجاوز كل ما هو ثابت وحتمى ، ويصنع العالم الخاص ، المتميز ، والمتفرد . إن واجبه ـ والتعبير لبرسى لبوك ـ هو أن يبدع الحياة .
أنا أخضع خيالى لخيال العمل الإبداعى . أخضع قراءاتى وخبراتى ورؤيتى للفضاء الذى تتحرك فيه القصة طولاً وعرضاً وعمقاً . الإبداع بعامة مزاوجة بين الحقيقة والخيال ، أشبه بالمزاوجة بين العلم والفن . الحقيقة ليست مطلقة ، والخيال يمكن أن يرتدى ثوب الحقيقة . العالم الذى يعتقد أنه قد وصل إلى الحقيقة ، يذكرنا بالفنان الذى كاد أن يحطم تمثاله لأنه لم ينطق ، والفنان الذى يعتقد أنه يعيش فى الخيال فحسب ، يعانى وهماً باعثه التبلد .
2002م.
...........................................
من كتاب «للشمس سبعة ألوان» للروائي محمد جبريل.

د. حسين علي محمد
13-10-2009, 11:46 AM
النص الكامل لرواية «زوينة»ل لروائي الكبير محمد جبريل
***
الإهداء
إلى زينب العسال ..
رفيقة رحلتى المسقطية .. وما بعدها
***


بين يدى الرواية
د. ماهر شفيق فريد


هذه الرواية القصيرة ـ شأنها فى ذلك شأن الخليج ( 1993 ) ـ نموذج موجع من أدب الاغتراب .
الاغتراب هنا ـ أو حس الغربة ـ مزدوج : مكانى ، وروحى . فالراوى صحفى وروائى ، يترك خطيبته مها فى القاهرة ، ويسافر إلى مسقط ، عاصمة سلطنة عمان ، ليصدر ـ بمجهوده الفردى تقريباً ـ جريدة تمولها شركة صحار للمقاولات فى روى ، ويرمى كفيله الشيخ حمود النبهانى إلى أن يجعل من الجريدة نشاطاً تجارياً إلى جانب الاستيراد والتصدير . والراوى يعكف ـ على أنحاء متقطعة ـ على تأليف رواية ، فهذه إذن ( قارن " مزيفو النقود " لأندريه جيد ) رواية عن روائى يحاول كتابة رواية . وبلمسات واثقة سريعة من فرشاته يرسم محمد جبريل صورة لا تنسى لجغرافية عمان وجوها وآثارها ( أنظر أيضاً أعمال يوسف الشارونى إبداعياً ونقدياً ، عن تجربته العمانية : ) الحرارة الخانقة والرطوبة التى تأخذ بالأكظام ، الشمس الحارقة ، المراوح التى لا تفعل شيئاً إلا توليد تيار ساخن من الهواء ، أجهزة التكييف التى صنعت الحياة فى منطقة الخليج ( وهى ـ فى ذلك ـ تلعب دوراً أهم من دور البترول ، على حد قول إحدى شخصيات الرواية ) . وهناك الجبال والطرق المتعرجة ، والفولكلور متشعب الجدائل ، والتحام الواقع بالأسطورة كما فى حادثة ناصر التميمى ( وهو شاب عهد الشيخ حمود النبهانى إلى الراوى بتدريبه على مهنة الصحافة ) . إنه إذ يقود سيارته فى طريقه الجبلى إلى قريات تظهر له امرأة جنية تغويه ثم تختفى ، ويتشوش إدراكه ، ويدخل المستشفى . وقبل أن يتمكن الراوى من السفر إلى بهلا حيث شيخ ذو كرامات يقال إنه قادر على شفاء مثل هذه الحالات ، توافى ناصر منيته . ولأن الضد يظهر حسنه ( أو قبحه ) الضد ، فإن الراوى لا يفتأ يرتد بخياله من قسوة البداوة إلى دفء القاهرة ، إلى بيته المطل على ميدان المساحة بالدقى ، حيث كان يعيش مع أبويه وإخوته خالد وباسم وعفاف الصغيرة . وينسج مع خطيبته مها الواقعة تحت تأثير أمها شرنقة أحلام ـ لا يبدو أنه من المقدر لها أن تكتمل ـ بالزواج والاستقرار . والشركة التى يملكها النبهانى ملتقى أجناس كثيرة ضربت فى مناكب الأرض سعياً وراء الرزق ، وأنماط بشرية متباينة : هناك المهندس عدنان الطراونة الأردنى ، وثمة المدرس عبد العال الذى تخونه زوجته وتستميل أولاده إلى صفها . وتدور فى فلك الراوى ـ من خلال العمل والإقامة ـ شخصيات أخرى : خميس المناعى ، وهو ضابط من شرطة عمان السلطانية ، شوقى كمال ، بهجت حسان ، سليم الغافرى مدير العلاقات العامة بوزارة الإعلام الذى ينتقد عبد الناصر نقداً مراً . ولكن الشخصية المحورية فى هذا السياق العمانى هى زوينة التى تحمل الرواية اسمها : زنجبارية تعرّف بها الراوى فى مطار السيب ، مضيفة أرضية فى شركة طيران الخليج ، مخطوبة لابن عمها زاهر وعلاقتها به مضطربة اضطراب علاقة الراوى بخطيبته مها . يقع الراوى فى حب زوينة ، وتبادله ـ كما هو واضح ـ مشاعره ، ولكنها لا تمنحه نفسها . والأغلب أنها ستتزوج من ابن عمها ، وإن كان شعورها نحوه فاتراً . والعلاقة بين هذين الروحين المعذبين ـ الراوى وزوينة ـ تصنع واحدة من أجمل قصص الحب فى أدبنا القصصى العربى الحديث ، وأغربها أيضاً . فيها شىء من حب الراوى لسانتى فى رواية يوسف إدريس " البيضاء " ، وحب يوسف منصور لزوجة المايسترو فى رواية فتحى غانم " الساخن والبارد " ، وحب الراوى لفتاة تصغره فى السن كثيراً فى رواية بهاء طاهر " الحب فى المنفى " . عدم التحقق هنا ليس نابعاً من ظروف خارجية ـ وإن كان كذلك ، إلى حد ما ـ قدر ما هو نابع من كف داخلى عنيد ، يقيم حاجزاً بين الرغبة والفعل . ويترك جبريل نهاية روايته مفتوحة : فثمة احتمال ـ مجرد احتمال ـ أن يعود الراوى إلى خطيبته مها فى القاهرة ويتزوجها ، ولا يلتقى بزوينة ـ حبه الحقيقى ـ من بعد قط .
هذه إذن هى الغربة الروحية المساوقة للغربة المكانية : أرواح تلوب ولا تعرف راحة أو مستقراً . وهناك توترات ـ ذات أبعاد سياسية واجتماعية وتاريخية ـ نابعة من الجدل بين قشرة حداثية ولب قروسطى . وجبريل فى هذا صنو لعبد الرحمن منيف وصنع الله إبراهيم وسليمان فياض ومحمد عبد السلام العمرى وآخرين . فى أعمال هؤلاء الكتاب أعمق تشريح لدينا للثورة الحضارية التى ترتبت على انبثاق البترول ـ وكل ما يصاحبه من مظاهر الحداثة ـ فى تربة مازالت ـ بمعتقداتها ونظمها وموروثاتها وأفكارها وأنماط حساسيتها ـ تعيش فى القرون الوسطى . ربما كانت مشكلة العالم العربى ـ مثل مشكلة روسيا ـ أنه لم يعرف عصر نهضة بالمعنى الأوروبى قط ، وأن نبضات ميلاده الأولى قد أُجهضت ووئدت فى مهدها .
رواية جبريل هذه جزء من عمله السابق وخروج عن مساره فى آن . ثمة اتساق داخلى يصل بين كل أعماله : رواية وقصة قصيرة ونقداً ومقالة . وثمة أيضاً استكشاف لآفاق جديدة مع كل كتاب جديد ، بصرف النظر عن نوعه الأدبى . هذا كاتب لا يكرر نفسه قط ، وينبثق إنتاجه الغزير ـ كنافورة أرضية ساخنة ـ من بعد غائر يخترق طبقات الوعى إلى صخور القاع الرسوبية . لقد عايشت عمله القصصى ـ منذ روايته الأولى " الأسوار " ( 1970 ) حتى أحدث عمل صادر له " حكايات الفصول الأربعة " ( 2004 ) ، مروراً بصرحه الشامخ " رباعية بحرى " ( 1997 ـ 1998 ) ـ وأشهد أنى لم أجد تكراراً فى عمله قط ، وإنما كنت أشعر مع كل عمل جديد أنى بإزاء كاتب أقرؤه لأول مرة . لأول مرة ، ولكنه ـ مع ذلك ـ قد خاطبنى من قبل : خبرة سابقة ، ومشهد داخلى سبق للمرء رؤيته ، وإن لم يدر متى ولا أين ولا كيف .
ومن أقدر فصول الرواية على تحريك القارئ وصف زوينة للمحنة التى مر بها قومها منذ سنوات : حركات الزنوج والسواحيليين التى كان همها التخلص من العنصر العربى بالقتل والضرب وإطلاق الرصاص والصرخات وإشعال النار لإخلاء زنجبار من الجنس العربى وإحلال الجنس الأفريقى مكانه ، وكيف أنه بعد أربعة أشهر من هذه الحوادث أعلن قيام الوحدة بين تنجانيقا وزنزبار ، وأصبح اسم الدولة الجديدة تانزانيا . وتثور عدة أسئلة فى ذهن القارئ : أكان عبد الناصر محقاً فى تأييده للجانب الإفريقى فى هذا الصراع ؟ ماذا كان دور الرئيس جوليوس نيريرى فى هذا كله ؟ أكان الأفارقة طلاب حرية ، يثورون على الغازى العربى ، أم كانوا دمى فى أيد استعمارية غربية تحرك الخيوط من وراء ستار ؟ أسئلة صعبة لا تقدم الرواية إجابات عنها ـ متى كانت وظيفة الفن تقديم إجابات ؟ ـ وإنما تكتفى بإثارتها وتركها تتخايل ـ قلقة مقلقة ـ على حافة الوعى .
محمد جبريل ـ فى هذا العمل ـ صائغ بارع يعرف كيف يطوّع مفردات اللغة وتراكيبها للغوص على أعمق عذابات الروح ونشواتها وتقلب أطوارها . إنه فنان حقيقى موهوب ( كما وصفه إدوار الخراط فى تقديمه لـ " حكايات الفصول الأربعة " ) أوتى من رهافة الحس وشمول النظرة الجامعة بين البانورامى والمنمنم وبراعة التقنية ، ما يجعله صوتاً من أقوى الأصوات وأصفاها فى المشهد الروائى العربى اليوم .
ماهر شفيق فريد

د. حسين علي محمد
13-10-2009, 11:47 AM
النص الكامل لرواية «زوينة» للروائي الكبير محمد جبريل
***
الإهداء
إلى زينب العسال ..
رفيقة رحلتى المسقطية .. وما بعدها
***


بين يدى الرواية
د. ماهر شفيق فريد


هذه الرواية القصيرة ـ شأنها فى ذلك شأن الخليج ( 1993 ) ـ نموذج موجع من أدب الاغتراب .
الاغتراب هنا ـ أو حس الغربة ـ مزدوج : مكانى ، وروحى . فالراوى صحفى وروائى ، يترك خطيبته مها فى القاهرة ، ويسافر إلى مسقط ، عاصمة سلطنة عمان ، ليصدر ـ بمجهوده الفردى تقريباً ـ جريدة تمولها شركة صحار للمقاولات فى روى ، ويرمى كفيله الشيخ حمود النبهانى إلى أن يجعل من الجريدة نشاطاً تجارياً إلى جانب الاستيراد والتصدير . والراوى يعكف ـ على أنحاء متقطعة ـ على تأليف رواية ، فهذه إذن ( قارن " مزيفو النقود " لأندريه جيد ) رواية عن روائى يحاول كتابة رواية . وبلمسات واثقة سريعة من فرشاته يرسم محمد جبريل صورة لا تنسى لجغرافية عمان وجوها وآثارها ( أنظر أيضاً أعمال يوسف الشارونى إبداعياً ونقدياً ، عن تجربته العمانية : ) الحرارة الخانقة والرطوبة التى تأخذ بالأكظام ، الشمس الحارقة ، المراوح التى لا تفعل شيئاً إلا توليد تيار ساخن من الهواء ، أجهزة التكييف التى صنعت الحياة فى منطقة الخليج ( وهى ـ فى ذلك ـ تلعب دوراً أهم من دور البترول ، على حد قول إحدى شخصيات الرواية ) . وهناك الجبال والطرق المتعرجة ، والفولكلور متشعب الجدائل ، والتحام الواقع بالأسطورة كما فى حادثة ناصر التميمى ( وهو شاب عهد الشيخ حمود النبهانى إلى الراوى بتدريبه على مهنة الصحافة ) . إنه إذ يقود سيارته فى طريقه الجبلى إلى قريات تظهر له امرأة جنية تغويه ثم تختفى ، ويتشوش إدراكه ، ويدخل المستشفى . وقبل أن يتمكن الراوى من السفر إلى بهلا حيث شيخ ذو كرامات يقال إنه قادر على شفاء مثل هذه الحالات ، توافى ناصر منيته . ولأن الضد يظهر حسنه ( أو قبحه ) الضد ، فإن الراوى لا يفتأ يرتد بخياله من قسوة البداوة إلى دفء القاهرة ، إلى بيته المطل على ميدان المساحة بالدقى ، حيث كان يعيش مع أبويه وإخوته خالد وباسم وعفاف الصغيرة . وينسج مع خطيبته مها الواقعة تحت تأثير أمها شرنقة أحلام ـ لا يبدو أنه من المقدر لها أن تكتمل ـ بالزواج والاستقرار . والشركة التى يملكها النبهانى ملتقى أجناس كثيرة ضربت فى مناكب الأرض سعياً وراء الرزق ، وأنماط بشرية متباينة : هناك المهندس عدنان الطراونة الأردنى ، وثمة المدرس عبد العال الذى تخونه زوجته وتستميل أولاده إلى صفها . وتدور فى فلك الراوى ـ من خلال العمل والإقامة ـ شخصيات أخرى : خميس المناعى ، وهو ضابط من شرطة عمان السلطانية ، شوقى كمال ، بهجت حسان ، سليم الغافرى مدير العلاقات العامة بوزارة الإعلام الذى ينتقد عبد الناصر نقداً مراً . ولكن الشخصية المحورية فى هذا السياق العمانى هى زوينة التى تحمل الرواية اسمها : زنجبارية تعرّف بها الراوى فى مطار السيب ، مضيفة أرضية فى شركة طيران الخليج ، مخطوبة لابن عمها زاهر وعلاقتها به مضطربة اضطراب علاقة الراوى بخطيبته مها . يقع الراوى فى حب زوينة ، وتبادله ـ كما هو واضح ـ مشاعره ، ولكنها لا تمنحه نفسها . والأغلب أنها ستتزوج من ابن عمها ، وإن كان شعورها نحوه فاتراً . والعلاقة بين هذين الروحين المعذبين ـ الراوى وزوينة ـ تصنع واحدة من أجمل قصص الحب فى أدبنا القصصى العربى الحديث ، وأغربها أيضاً . فيها شىء من حب الراوى لسانتى فى رواية يوسف إدريس " البيضاء " ، وحب يوسف منصور لزوجة المايسترو فى رواية فتحى غانم " الساخن والبارد " ، وحب الراوى لفتاة تصغره فى السن كثيراً فى رواية بهاء طاهر " الحب فى المنفى " . عدم التحقق هنا ليس نابعاً من ظروف خارجية ـ وإن كان كذلك ، إلى حد ما ـ قدر ما هو نابع من كف داخلى عنيد ، يقيم حاجزاً بين الرغبة والفعل . ويترك جبريل نهاية روايته مفتوحة : فثمة احتمال ـ مجرد احتمال ـ أن يعود الراوى إلى خطيبته مها فى القاهرة ويتزوجها ، ولا يلتقى بزوينة ـ حبه الحقيقى ـ من بعد قط .
هذه إذن هى الغربة الروحية المساوقة للغربة المكانية : أرواح تلوب ولا تعرف راحة أو مستقراً . وهناك توترات ـ ذات أبعاد سياسية واجتماعية وتاريخية ـ نابعة من الجدل بين قشرة حداثية ولب قروسطى . وجبريل فى هذا صنو لعبد الرحمن منيف وصنع الله إبراهيم وسليمان فياض ومحمد عبد السلام العمرى وآخرين . فى أعمال هؤلاء الكتاب أعمق تشريح لدينا للثورة الحضارية التى ترتبت على انبثاق البترول ـ وكل ما يصاحبه من مظاهر الحداثة ـ فى تربة مازالت ـ بمعتقداتها ونظمها وموروثاتها وأفكارها وأنماط حساسيتها ـ تعيش فى القرون الوسطى . ربما كانت مشكلة العالم العربى ـ مثل مشكلة روسيا ـ أنه لم يعرف عصر نهضة بالمعنى الأوروبى قط ، وأن نبضات ميلاده الأولى قد أُجهضت ووئدت فى مهدها .
رواية جبريل هذه جزء من عمله السابق وخروج عن مساره فى آن . ثمة اتساق داخلى يصل بين كل أعماله : رواية وقصة قصيرة ونقداً ومقالة . وثمة أيضاً استكشاف لآفاق جديدة مع كل كتاب جديد ، بصرف النظر عن نوعه الأدبى . هذا كاتب لا يكرر نفسه قط ، وينبثق إنتاجه الغزير ـ كنافورة أرضية ساخنة ـ من بعد غائر يخترق طبقات الوعى إلى صخور القاع الرسوبية . لقد عايشت عمله القصصى ـ منذ روايته الأولى " الأسوار " ( 1970 ) حتى أحدث عمل صادر له " حكايات الفصول الأربعة " ( 2004 ) ، مروراً بصرحه الشامخ " رباعية بحرى " ( 1997 ـ 1998 ) ـ وأشهد أنى لم أجد تكراراً فى عمله قط ، وإنما كنت أشعر مع كل عمل جديد أنى بإزاء كاتب أقرؤه لأول مرة . لأول مرة ، ولكنه ـ مع ذلك ـ قد خاطبنى من قبل : خبرة سابقة ، ومشهد داخلى سبق للمرء رؤيته ، وإن لم يدر متى ولا أين ولا كيف .
ومن أقدر فصول الرواية على تحريك القارئ وصف زوينة للمحنة التى مر بها قومها منذ سنوات : حركات الزنوج والسواحيليين التى كان همها التخلص من العنصر العربى بالقتل والضرب وإطلاق الرصاص والصرخات وإشعال النار لإخلاء زنجبار من الجنس العربى وإحلال الجنس الأفريقى مكانه ، وكيف أنه بعد أربعة أشهر من هذه الحوادث أعلن قيام الوحدة بين تنجانيقا وزنزبار ، وأصبح اسم الدولة الجديدة تانزانيا . وتثور عدة أسئلة فى ذهن القارئ : أكان عبد الناصر محقاً فى تأييده للجانب الإفريقى فى هذا الصراع ؟ ماذا كان دور الرئيس جوليوس نيريرى فى هذا كله ؟ أكان الأفارقة طلاب حرية ، يثورون على الغازى العربى ، أم كانوا دمى فى أيد استعمارية غربية تحرك الخيوط من وراء ستار ؟ أسئلة صعبة لا تقدم الرواية إجابات عنها ـ متى كانت وظيفة الفن تقديم إجابات ؟ ـ وإنما تكتفى بإثارتها وتركها تتخايل ـ قلقة مقلقة ـ على حافة الوعى .
محمد جبريل ـ فى هذا العمل ـ صائغ بارع يعرف كيف يطوّع مفردات اللغة وتراكيبها للغوص على أعمق عذابات الروح ونشواتها وتقلب أطوارها . إنه فنان حقيقى موهوب ( كما وصفه إدوار الخراط فى تقديمه لـ " حكايات الفصول الأربعة " ) أوتى من رهافة الحس وشمول النظرة الجامعة بين البانورامى والمنمنم وبراعة التقنية ، ما يجعله صوتاً من أقوى الأصوات وأصفاها فى المشهد الروائى العربى اليوم .
ماهر شفيق فريد

د. حسين علي محمد
13-10-2009, 11:52 AM
النص الكامل لرواية «زوينة» لمحمد جبريل (1)

تنبهت إلى اقتراب الطائرة من مسقط ، حين أضيئت اللوحة فى أعلى : " التدخين ممنوع .. أربط الحزام " . بدت ـ من نافذة الطائرة ـ أضواء الشوارع والدوارات وشعلات البترول . أعددت نفسى للجو الخانق ، والرطوبة العالية ، والصهد اللافح . قال الشيخ حمود النبهانى : أنت تستطيع دخول البلد بأية كمية من النقود أو الذهب أو البضائع ، لكنك لا تستطيع أن تدخل بالخمر ولا المخدرات ولا الأفكار المتقدمة . إذا علّم الضابط على حقيبتك بالطباشيرة ، فإن من حقك مغادرة المطار إلى داخل المدينة ..
علا السلم الآلى فى اقترابه من الطائرة . ثم انفتح الباب ..


***

كنت قد أنهيت إعداد حقيبتى ، لكننى ظللت داخل الحجرة ، أتردد فى الخروج إلى الصالة ، ومواجهة الحديث مع أمى ..
أضافت أمى إلى ندائها وصخب أخوتى نقرات بإصبعها على الباب :
ـ نمت ؟..
ـ أبداً .. أعد الحقيبة !
ـ سفرك لإعارة وليس للهجرة ..
وسرت فى صوتها ارتعاشة واضحة :
ـ خذ ما تحتاجه بالفعل !..
انخرطت عفاف الصغيرة فى بكاء مفاجئ . بكت بانفعال كما لم أرها من قبل . قالت من بين شهيقها ودموعها :
ـ لا تسافر !..
اغتصبت ابتسامة صامتة ، ونظرت إليها ، فزاد بكاؤها . علا نشيجها ، وضربت الأرض بقدميها . كان أخوتى يرقبون المشهد فى هدوء منفعل ، انعكست تأثيراته فى ارتعاشات الأعين والشفاه . ظلت أمى على جمودها وصمتها . بدت بلا حيلة ، فهى تكتفى بنظرات موزعة لا تثبت على شئ . لم تنطق شفتاها بكلمات وداع ، ولا بكلمات واضحة أو مدغمة ، وإن لاحظت التماع الدمع فى عينيها ، وتشاغل أبى بالتطلع إلى ما لم أتبينه عبر النافذة ..


***

نسيت ـ فى ارتباكى ـ ربط الحزام ، فنبهتنى المضيفة ذات السحنة الأوروبية . أذكر كل ما حدث ليلة السفر ، لكننى ظللت لا أصدق أنها مضت . لا أذكر كيف انتهت اللحظات القاسية . كدت أفقد سيطرتى على نفسى . لاحظ أبى ، فخشى ـ ربما ـ أن أعدل عن السفر ..
قال :
ـ للطائرة موعد .. ولن تنتظرك !
كيف استطعت تحمّل ما حدث ؟!..
توقفت العجلات ، وفتحت الأبواب . غرقت فى بحر من العرق اللزج . أوسعت خطواتى ، وأنا أمضى من سلم الطائرة إلى صالة الاستقبال ، على كتفى حقيبة جلدية سوداء صغيرة ، ويطل من جيب الجاكت العلوى جواز السفر وتذكرة الطائرة وبطاقة التطعيم الصفراء ..


***

بعد أن وقفت فى طابور من لابسى الدشداشة ، نبهنى الواقف ورائى :
ـ هذا الكاونتر للمواطنين ..
وأشار إلى طابور آخر من لابسى البدلة والجلباب :
ـ طابورك هناك ..
عاودنى الإحساس بأنى لم أعد فى القاهرة ، وأنى ابتعدت عنها إلى مدينة أخرى ، بلد آخر ، يستقبلنى ضيفاً ، وافداً ، موظفاً عند كفيل ..


***

لاحظت حيرتى :
ـ ألم تحصل على حقائبك ؟
وأنا أومئ برأسى :
ـ حقيبة واحدة .. هاهى ..
ـ لماذا تقف هكذا إذن ؟..
ـ أنتظر سيارة العمل ..
ـ هل تعرفها ؟..
ـ يأتى بها صديق يعرفنى ..
ـ أين تعمل ؟..
بدا السؤال مفاجئاً ، ومربكاً :
ـ شركة صحار للمقاولات ..
استدركت وأنا أبحث عن بطاقة الشركة :
ـ أنا صحفى .. سأصدر جريدة تموّلها الشركة ..
ـ فى روى ؟..
أخرجت البطاقة من جيب الجاكت . أعدت قراءتها :
ـ نعم .. هى فى روى ..
ـ عربة الشركة فى طريقها إلى هناك .. تعال معنا ..
فاجأنى التصرف . فتاة تحدثنى ، وتدعونى إلى ركوب سيارة ، بمفردها أو مع آخرين . كنت قد قدمت بتصور مجتمع الرجال والخناجر والدشاديش والجبال والقلاع والعادات القديمة والتقاليد ..
تأملت قامتها الضئيلة ، المتناسقة ، وملامحها المنمنمة ، والبسمة التى كأنها ألصقتها بشفتيها ..
كانت ترتدى زى المضيفات ، ووضعت على صدرها شارة طيران الخليج :
ـ مضيفة ؟..
ـ عملى فى العلاقات العامة ..
مضت ناحية السيارة ، ربما لتجاوز ترددى ..
أسلمت عينى للمدينة التى أراها للمرة الأولى : الجبال ، والخلاء ، والمبانى القليلة المتناثرة ، وجو إبريل الأقرب للحرارة ، والسماء الخالية من السحب ..
داخلنى إحساس أنى تركت تاريخى فى القاهرة . أبدأ فى هذا المكان تاريخاً جديداً . خلفت أبى وأمى وأخوتى وأصدقائى وزملاء العمل والذكريات الصغيرة ..
كيف أجد طرف الخيط فى حياتى الجديدة ؟..

د. حسين علي محمد
13-10-2009, 11:53 AM
النص الكامل لرواية «زوينة» لمحمد جبريل (2)

فيما عدا الجريدة الحكومية ، فإن بقية الصحف كانت تعرف المحرر الواحد . يقيم فى مبنى الجريدة . يعد موادها ، يرسلها ، أو يحملها إلى بيروت أو الكويت لتطبع هناك . بدا المبنى ـ فى ضوء ذلك ـ لا بأس به ..
قال الشيخ النبهانى :
ـ لم يمض ثلاثة أيام على وصولك إلى مسقط .. من دلك على هذا البيت ..
ـ مضيفة فى طيران الخليج .. أوصلتنى فى سيارة الشركة إلى روى ..
لما وضع أصابعه خلف أذنه ، واستعاد كلماتى ، خمنت أنه لا يسمع جيداً . أعدت ما قلت بصوت مرتفع ..
قال :
ـ دون سابق معرفة ؟..
ـ دون سابق معرفة ..
ثم وأنا أتحسس الكلمات :
ـ أشفقت على حيرتى .. فصحبتنى فى سيارة الشركة .. حين كلمتها عن عملى ، نصحت بالمبنى ، وأعطتنى رقم التليفون ..
رمقنى بنظرة متسائلة :
ـ قالت لك إنها عمانية ؟ مسقطية ؟
وأردف لإيماءة رأسى :
ـ لعلها زنجبارية .. عرف التحرر عن الزنجباريات ..
هششت بظاهر كفى ذبابة ألح طنينها حول رأسى ، وقلت لأجاوز الارتباك :
ـ هذا كل شئ ..
قال وهو يمضى إلى خارج البيت :
ـ إذا أردت سيارة لأى شئ .. اتصل بالتليفون أبعث لك السيارة مع السائق !
السفر عالم يصعب تخمين ملامحه . عندما بدأت فى إعداد حقيبتى ، تصورت نفسى فى شقة مثل شقتى المطلة على ميدان المساحة . قال لى الشيخ النبهانى إن غالبية بيوت مسقط على النسق العمانى ، فتشوش تصورى . استدعى ما لم يهبه شكلاً محدداً ..
خاب ظنى فى شركة صحار للمقاولات ، مثلما خاب ظنى فى الجريدة . فى الشركة ـ مثلما فى الجريدة ـ موظف واحد ، هو المقابل لى . شاب أردنى فى حوالى الثلاثين . قدم نفسه : المهندس عدنان الطراونة . تبادلنا كلمات مجاملة ، ثم اجتذبتنى دوامة العمل فى الجريدة ، فلا نلتقى ـ إلاّ مصادفة ـ فى سوق روى ، يبادلنى التحية بهزّة من رأسه ، ويمضى ..
كان الشيخ النبهانى يقترب من الستين . يرتدى الدشداشة الفضفاضة ، والكمة المزركشة الضيقة ، يبدو من تحتها تداخل السواد بالبياض فى رأسه . وربما وضع البشت ذا الأطراف المذهبة فوق الدشداشة ، قماش أسود ، خفيف ، أقرب إلى الشاش ، تبين الدشداشة من تحته . يحرص ـ مثل كل العمانيين ـ على الخنجر الفضى فى حزام من خيوط الفضة حول الخصر ، و " الفريخة " المدلاة أعلى الدشداشة من جانب العنق ، يضمخها بالعطور والطيب ، ويتشممها بين فترة وأخرى . وفى يده ـ معظم الأوقات ـ مسواك يجرى به على أسنانه . إذا أسدل " البشت " على الدشداشة ، خمنت أنه فى طريقه إلى مقابلة مسئول ..
كان على الفطرة فى كلماته وتصرفاته . تنطق شفتاه بما يبدو أنه أراد قوله بالفعل ، لا يضيف ولا يحذف ، ولا يلجأ إلى التزويق . يتذكر أياماً ، لم تكن مسقط تعرف فيها الكهرباء ، ولا الطائرات ، ولا الإذاعة أو التليفزيون . لا شئ ، إلا الصحو على أذان الفجر ، والعمل داخل أسوار المدينة وخارجها ، ثم العودة على دقات النوبة بقلعة الميرانى ..
لم يكن لديه أفكار مسبقة ، وتزاوج فى مشاعره طيبة واضحة وطابع مادى ، يتبدى إذا تحدثت فى الأمور المادية ، فعيناه يغشاهما حول حقيقى ، تتنافر حدقتا العينين ، ويغلب البياض ، ويعروه ارتباك واضح ..
عدت إلى الرواية التى كنت بدأت كتابتها فى القاهرة . الصفحات قليلة ، والشخصيات تعانى الشحوب ، والأحداث تختلط بلا انسجام ..


***
مسقط حلم سخيف . سجن أسواره جبال ، جبال صخرية ، مصمتة . ليس ثمة ما تبدأ منه ، أو تنتهى إليه . تمتص أشعة الشمس ، أشعة أنثوية ، خصبة ، تعكسها على الحياة ـ بكل صورها ـ فيرين همود هو أقرب إلى الموت . وتغيب الشمس ، فتنفث الجبال مخزونها الصهدى فى تواصل قاس ، مؤلم . قال لى الشيخ النبهانى : تسمية مسقط لأنها تسقط بين الجبال . أشعر أنى واحد من الذين سقطوا بين جبال مسقط ..
المبنى مستلق فى حضن الجبل . على النظام العمانى . ساحة ترابية ، واسعة ، مكشوفة ، يحيط بها سور مرتفع من الحجر الأبيض . باب الواجهة يطل على شارع الحمرية ، دائماً مغلق . أسندت عليه ألواح من الخشب وصناديق وأجولة فارغة . يقابله اتصال حلقات الجبال ، يعلوها أكواخ من الصفيح ، ورجال اكتفوا بارتداء الوزار ، وماعز أتحير لوقفتها على أظلافها فوق الصخور ..
الباب الجانبى يطل على بيت مماثل ، عرفت أن الفتاة تسكن فيه . البيتان فى حضن الجبل . جبل صخرى مرتفع ، تفصل بينهما طريق قصيرة ، تغطت أرضية صخورها بذرات متراكمة من الرمال . كأنه زقاق خلا إلا من السكان ، أسرتها ـ لاحظت طفلاً صغيراً دائم اللعب فى الساحة الداخلية لبيتها ، وأب فى حوالى الخامسة والستين ، أما الأم فقد التفت بعباءة ، غابت فيها ملامحها ..
أعود من جولات سريعة فى وزارة الإعلام بالقرم ، أو الوزارات الباقية فى مسقط القديمة . أدخل من الباب الجانبى . أدس المفتاح . أدفع الباب . تطالعنى الوحدة فى البيت المستلقى فى حضن الجبل . الساحة الترابية . على الشمال الباب الرئيسى المغلق ، وعلى اليسار حجرتان منفصلتان ، يعلو بهما عن الساحة الرملية رصيف من البلاط المتداخل . جعلت الأولى مكتباً ، والثانية ـ الأقرب إلى المطبخ والحمام ـ للنوم . يعتقدون أن الجان تسكن دورات المياه ، فهى لابد أن تكون بعيدة عن حجرات النوم ..
الشمس تنعكس حرارة قاسية فى الأرض والجدران والأشياء الساكنة والمتحركة ، وفى الرائحة الخانقة ، المتصاعدة فى الجو . رائحة غريبة ، تذكرك بالموت . وتطل النافذة على الساحة الترابية ، والأسوار التى تحيط بها ، كأنها سجن حقيقى ، معزول عن العالم الخارجى . دنيا بعيدة ، جزيرة معزولة ، لا صلة لها بآفاق المياه المترامية من حولها ..
تبينت أن القاهرة قد ازدادت بعداً . إنها هناك ، حيث لا أستطيع أن أصل إليها إلاّ بالتخيل . الغربة من حولى قاسية . حتى الهواء ، بدا لى غير الهواء الذى كنت أتنفسه فى القاهرة . يختلف فى حرارته الساكنة ، عن الهواء الذى ألفته . كنت أضغط على زر المروحة فى مكتبى بالجريدة ، فتحرك الهواء لطيفاً ، لكن المروحة ـ فى خلاء الجبال ـ فاجأتنى بهواء ساخن ، ثقيل ، والتنفس أمارسه بصعوبة ..
فى اليوم الأول ، دارت المروحة بالهواء الساخن ، الساكن ، تخللته رطوبة ثقيلة ، خانقة .. أوقفتها . أفتح النافذة فى القاهرة ، فتحمل نسائم تلطف سخونة الجو . المروحة الدائرة من فوقى تلطمنى بسخونة حارقة . بدا لى احتمال الحر الساكن أيسر من تلقى الهواء النارى بدوران المروحة . فتحت الباب ، فالتف جسمى بالعرق والرطوبة اللزجة ، وأحسست باختناق ..
الشمس اللاهبة تفرض سطوتها على النهار ، تحيل كل شئ إلى وعاء خرافى يشوى من فيه بلسع النار . الحرارة لا ترتطم بسطح الأرض فقط . تتسلل إلى الباطن ، تقتحمه ، تدفع الكائنات التحتية للخروج إلى السطح ، ربما تبحث عن مكان لم تبلغه حرارة الشمس ..
الشمس هى العطش والجفاف والتشقق ، وهى الملل ، والتكاسل ، والنوم ، وبطء الحركة . حتى الكلمات تخرج من الأفواه متثائبة . يشغلنى ـ إذا وقفت تحت الدش ـ أن ينزل الماء ساخناً لتسلط حرارة الشمس على " التنكر " ، أو أن ينفد الماء قبل أن أنهى الاستحمام ..
هذه أول مرة أحيا فيها بمفردى . ليس أمامى ولا حولى ما أتطلع إليه . الأبواب ـ حتى أبواب الدكاكين ـ مغلقة ، أو مواربة ، والحياة يرين عليها بلادة . لا شئ إلا الصمت ، والشمس ، والصخور ، والبيوت ذات الطراز العمانى ، الساكنة ..
اعتدت الانفراد والوحدة . أشعر بأنى منفصل عن كل ما حولى ، عن هذا المكان بجباله وحرارته اللافحة وحشراته التى بلا عدد ودشاديشه . لم يعد للناس ولا الشوارع والبيوت ملامح محددة . تداخلت الملامح ، وتشابكت . ثمة مسافة تفصل بينى وبين كل من ألتقى بهم . لا أرضية مشتركة نقف فوقها ، لا صلة لى حتى بالمصادر التى ألجأ إليها فى تغطية موضوعات الجريدة . تنتهى صلتى بها عندما أغادر الوزارة أو المؤسسة . لا أتذكر المسئول إلا إذا دفعنى العمل للعودة إليه .. تثقل على الوحدة ، فأتشاغل بالقراءة . أحاول التركيز بإعادة القراءة . أدير مؤشر الراديو إلى آخره . ربما يقضى فقدان التركيز على الصخب فى داخلى . ثم أدرك أن النوم هو أفضل الوسائل للتغلب على ما أعانيه ..
صدمتنى البداية : الألقاب التى تسبق الأسماء : حضرة سمو السيد .. حضرة صاحب السمو .. معالى .. سعادة .. حتى الأسماء كنت أعانى تهجيتها . واستقر فى داخلى رقيب يدرك ما ينبغى ـ وما لا ينبغى ـ نشره ..
قدوم الليل ألغى تصورى بأن الجو سيكون ألطف . الكتل الصخرية تمتص أشعة الشمس ، أشعة أنثوية ، خصبة ، تعكسها على الأبدان والعقول ، فيرين على الحياة ـ بكل صورها ـ همود ، هو أقرب إلى الموت . تغيب الشمس ، فتنفث الجبال مخزونها الصهدى فى تواصل قاس ، مؤلم . المروحة الكهربائية ذات الطنين الرتيب تحرك هواء ساخناً . وثمة أسراب الحشرات الطائرة : البعوض وهوام الليل تحوم حول الدائرة المتوهجة للمبة الوحيدة المتدلية من السقف ، أصوات كاللسع ، أو بلا صوت ، حول ضوء اللمبة . تحولت الحجرة إلى سحابات صغيرة من الحشرات ، أنواع أعرفها ولا أعرفها ، سوداء وبيضاء وملونة ، تشاغل عينىّ ، وتطن حول أذنى ، وتعلو . ترتطم باللمبة ، وتسقط فى أى مكان ، تموت ، أو تتسلق الجدار لتحوم من جديد . وكنت أعانى قرص حشرات لا أراها ..
السائق هندى . فى حوالى الثلاثين . يرتدى فانلة بيضاء ، وإن حال لونها بالاتساخ ، ووزار من المكعبات الملونة ، ويدس قدميه فى شبشب بلاستيك . يتكلم العربية بصعوبة . اكتفيت بأن أذكر له أسماء الأماكن ، وهو يهز رأسه بما يعنى أنه فهم ما أعنيه . كان دائم المضغ لما لم أتبينه . يحيط أسنانه وشفتيه باللون الأحمر ، ويبصق لعاباً أحمر . قال لى إن " البيتل " هو ما يمضغه . عادة هندية غابت عنه أسبابها ..
مرة وحيدة ، غابت فيها السكينة عن ملامحه . كانت الساعة تومض فى يده بين فترة وأخرى . أبديت ملاحظتى ، فغمغم بما لم أتبينه ، وسكت ..
أعدت الملاحظة ..
قال :
ـ إنها صورة الإله .. تظهر كل ساعة ..
بدا هادئاً وجاداً . لم تجاوز العلاقة بينى وبينه أنى أركب السيارة ، وأنه يقودها ..
ـ ماذا تقصد ؟!..
ـ صورة الإله تتوسط الساعة ، وهى تظهر لأتذكر واجب العبادة ..
ومال بأعلى كتفه :
ـ الإله يحيا الآن فى الولايات المتحدة ، وإن انتشر المؤمنون به فى الهند وخارجها .. إنهم يتذكرونه برؤية صورته فلا يرتكبون الخطيئة ..
ـ وهل تنسون الإله إذا لم تظهر صورة الساعة ؟ّ
ـ سير !..
اكتفى بالكلمة الإنجليزية ، غاضبة ، متوترة . اهتزت يده على المقود ، وبدا عليه انفعال ، وزاد من سرعة السيارة ..
حاولت أن أصادق المدينة ..
مشيت ـ بلا هدف ـ فى شوارع روى ومطرح . بعد أن تعلو شمس الغروب أسطح البنايات . الحياة تنعدم تماماً فى الفترة من الظهر إلى العصر . لا أحد يستطيع السير على قدميه ، تحت الشمس الحارقة . خليط من الأجناس واللغات والأزياء والسحن ، واللافتات المكتوبة بالعربية والإنجليزية والأردية . الدشداشة تختلف عن التى يرتديها أبناء الخليج . الياقة وفتحة الصدر والإطار المذهب الذى يحيط بالعنق ، بالأكمام والشراشيب البيضاء ، والملونة أحياناً . يشم صاحبها ما نثر عليها من عطر . المسرة غطاء الرأس لموظفى الحكومة ، الكمة للتجار ، وللحياة فى البيوت . تدس القدمان فى " نعّال " من الجلد أو البلاستيك . التمنطق بالخنجر ضرورة للمناسبات الرسمية ، يكتمل بالعصا الخيرزان ، تطوح بها اليد ، أو توضع تحت الكتف . أتعرف على القادمين من زنجبار بما يرتدونه : البنطلون والقميص بدلاً من الدشداشة ، والتحرر من غطاء الرأس ، والنساء يرتدين الملابس الفضفاضة ، أو المبهجة المزركشة . ثمة السارى الهندى والبطن العارية والنقطة الحمراء فوق الجبهة والقلنسوة الهندية ورائحة الزيت الملتصقة بأجساد الرجال ، وشعور السيخ الطويلة ، المضفرة حول الوجه وتحت العمائم الكبيرة ، والسودانيون بجلابيبهم البيضاء الفضفاضة والعمائم البيضاء ، ولابسو البنطلونات والقمصان ، وربما تحول المارة إلى خيالات ، فتغيب ملامحهم . أكلت أطعمة لم أكن تذوقتها من قبل ، أو بصقت اللقمة الأولى . أجدت التفرقة بين أنواع الخبز ما بين شامى وإيرانى وباكستانى . تختلف فى أحجامها وطعمها ، وحتى فى رائحتها . عانيت ـ فى البداية ـ فهم المفردات التى تتداخل فى أحاديث العمانيين ، مفردات آسيوية ، لعلها من الهند أو الباكستان أو بلاد أخرى : سيدا .. تيكا .. تيكا نيه .. متروس .. أتشا .. رفيق .. سولفة .. صدمتنى المفردات ، ثم فهمتها فى السياق ، ثم تفهمت معانيها ، واستخدمتها باعتبارها مفردات طريفة ، ثم لجـأت إليها كضرورة لتوضيح ما أقول ..
مسقط !..
سألت عن التسمية ..
قال لى الشيخ النبهانى :
ـ الجبال تحيط بالمدينة من الشمال والجنوب والغرب . ولأنها مدينة ساحلية ، فإن الجبال تمتد إلى داخل البحر أيضاً على شكل فكين صغيرين ، جدّد عليهما البرتغاليون قلعتى الميرانى والجلالى ..
لست أذكر القائل بأن مسقط أشبه بجزيرة من الجبال ، لكن الجبال ـ بالفعل ـ مظهر رئيسى للجغرافية العمانية . ألتقى بها أينما سرت ، على اليمين ، وعلى اليسار ، وأمامى ، وورائى . كتبت فى رسالة لأبى : أخشى أن أنظر إلى فوق فتطالعنى الجبال !.. ربما ـ لكثرتها ـ أتت الأسطورة بأن سليمان الحكيم كان يحبس الجان فى الوديان الواقعة بين الجبال . نحت العمانيون صخور الجبال فى بعض الأماكن ، ليشقوا الطرق ، ويشيدوا المبانى . لم ينظروا إليها من الزاوية نفسها التى ينظر بها الغرباء ..
سألت الولد القادم من صلالة ـ لم أكن زرتها بعد ـ :
ـ هل لديكم جبال مثل جبال مسقط ؟
هتف مستنكراً :
ـ جبالنا أضخم بكثير !..
يرى الجبال مبعثاً للقوة والاعتزاز .
لم أكره المدينة ، ولم أحبها ، وإن ألفت هز الرأس ، وكلمة " ما قصّر " تقال فى المجاملة ، وكلمة " نو بربلم " فى المواقف السهلة والصعبة ، و " فى أمان الله " عند انصرافى من أى مكان .. والذقون الطويلة تحيط بالوجوه ، و" المُصَر " تغطى الرءوس . تمنيت لو أنى لم ألتق بناصف الغمرى ، ولم أقبل عرضه بالسفر إلى هنا ، ولم أسافر ..
لم أكن ألبى الدعوات من أى نوع . العمل يمتص وقتى تماماً ، لا يبقى فى نهاية اليوم إلا أن أذهب ـ مرهقاً ـ إلى النوم . السرير المرتفع بملاءته الزرقاء المتسخة ، ووسادته التى حفر رأسى موضعاً فيها . أكتفى ـ لساعات ـ بالتمدد ، أباعد بين قدمىّ . أغمض عينىّ ، أو أحدّق فى سقف الحجرة ، أو فى سماع الراديو ، أو أخلو إلى القراءة . أغيب فى الصفحات . أنسى العالم كله . وإن ناوشنى حنين إلى شئ غامض ، لا أدرك طبيعته . تومض وجوه تحيا فى ذاكرتى ، أو تختفى . أضم الوحدة بين ذراعىّ ، وتغيب الأحلام ـ بالتعب ـ عن نومى العميق ..
هل أظل فى رحلة السفر حتى أوفّر ثمن الشقة ، أو أمدّها ـ إن استطعت ـ حتى أدّخر لأعوام الزواج ؟..
أزمعت أن أقلل من رسائلى إلى القاهرة ، ومن مكالمات التليفون ، فأعتاد الغربة .

د. حسين علي محمد
13-10-2009, 11:55 AM
النص الكامل لرواية «زوينة» لمحمد جبريل (3)

اقتحم النافذة المفتوحة صرصار جبلى طائر . التصق بالجدار لثوان ، ثم تخبط فى طيرانه نحو السقف والأركان . غالبت الخوف وأنا أتبع حركة الصرصار السريعة ، المتقافزة . واصل الصرصار اندفاعه إلى خارج الحجرة ، فأغلقت النافذة ..
اعتدت البقاء وراء النافذة المطلة على الجبال والبيوت والشوارع الساكنة . أحرص ، فتظل النافذة مغلقة ، حتى لا تدخل الحشرات وهوام الليل . أكره سلاسل الجبال الصخرية ، المتلاصقة ، الجرداء ، الصامتة ، وأخافها . يتوالى ارتفاعها وانخفاضها فى كل الاتجاهات إلى غير نهاية . تبدو جدراناً هائلة . أتخيل سقوطها المفاجئ . يحزننى المشهد الواحد للماعز الواقفة فى أعلى ، لا أعرف كيف أفلحت فى الصعود بأظلافها ، ولا من أين تأكل . أحدق فى ظلمة الليل ، أو سكون النهار ، وأتنقل بين جزر منفصلة . أحيا فى هذا البيت الواسع ، فى هذه المدينة الجبلية . لا صديق ، آخذ منه وأعطى له ، أحكى ما يفد إلى ذهنى . لا أخفى أى شئ . بدت أيامى فارغة ، وغير محتملة ، وأيامى القادمة بلا ملامح ، أو أن ملامحها شائهة . نزعت صورة لميدان الحسين ، كنت علقتها على الجدار . كنت أختنق ـ حين أنظر إليها ـ من الوحدة والعزلة . تضيق المسافة بين السقف والجدران ، ثم تستطيل . يهبط السقف ، وتضيق الجدران ، تقترب ، تلامسنى ، تنطبق علىّ ..
لم يكن حلم الثراء هو دافعى للسفر . وربما لو أنى كنت قد عثرت على شقة ، وأفلحت فى تأثيثها ، ما أعطيت انتباهى لقول ناصف الغمرى :
ـ ألم تفكر فى السفر ؟..
ـ إلى أين ؟..
ـ إلى الخارج طبعاً ..
وفاجأنى بالقول :
ـ تريد عقد عمل ؟..
قلت :
ـ أين ؟..
ـ سلطنة عمان ..
استعدت الاسم :
ـ سلطنة عمان ؟..
كانت الصورة غامضة أو ضبابية ..
حدثنى عن الأعوام الأربعة التى أمضاها فى السلطنة : الجبال المتلاصقة ، تبدو البنايات والشوارع بينها بقعاً متناثرة فى نسيج جبلى ، ممتد ومتكامل . أحياء مسقط هى كل قطعة أرض أتيح للناس أن يشيّدوا فوقها المبانى والمنشآت . الجبال صامتة ، صخرية ، جرداء ، يغيب عنها ذلك " الكليشيه " المتداول : سلسلة من الجبال . تأتى من اللابداية ، تنتهى فى اللانهاية . تبث فى النفس شعوراً أقرب إلى الرهبة ، ذلك الشعور الذى يتملك المرء وهو يواجه المجهول ..
استطرد وهو يعدل من وضع النظارة فوق أنفه :
ـ نحت العمانيون الجبال ، اقتطعوا الأرض بالمعاول والبلدوزورات والجرافات ، أنشأوا مدينة من بضع قرى ، تناثرت فى السهول الصغيرة ، بين المئات من القمم الصخرية المتلاصقة ..
وسرى فى صوته انفعال :
ـ تقبل السياسة العمانية أو ترفضها ، لكن ظاهرة صنع الحياة فى الجبل ، تذكرنى باقتطاع هولندا للأرض من مساحة البحر ، وإن بدا ما صنعه الهولنديون اجتهاداً بالقياس إلى اقتطاع الأرض من الكتل الصخرية ..
قلت :
ـ أنا صحفى .. ما شأنى باقتطاع مساحة أرض من صخور الجبل ؟..
قال :
ـ ليست مسقط جبالاً وصخوراً فقط . هناك بشر طيبون وأسواق وشوارع ووسائل إعلام ودور سينما وبضائع من أحدث ما تنتجه أوروبا ..
وأطلق ضحكة من أنفه :
ـ وهناك راتب يعينك على مجاوزة أزمتك المادية ..
كان الشاب ـ فى الرواية التى بدأت فى كتابتها ـ قد استجمع شجاعته ، وصارح فتاته بحبه لها . استعصت الكلمات بعد ذلك ، فدسست الأوراق فى درج المكتب ..
هز إصبعه :
ـ لا تقل لا .. أعرف ما تحاول إخفاءه من أحوالك ..
بدا السفر هو الروشتة الوحيدة التى تكفل علاج مشكلاتى ، وإن تمنيت لو بقيت فى القاهرة . أقنع براتب الجريدة . أتزوج أو لا أتزوج . أحيا مع أبوى وخالد وباسم وعفاف الصغيرة فى البيت المطل على ميدان المساحة ، وعلى النيل والشيراتون وتقاطعات الشوارع المزدحمة . أتم الرواية التى بدأت فى كتابتها . أجدد اشتراك مكتبة معهد جوتة . أناقش أبى فى أخبار التليفزيون . أذاكر لباسم دروس الثانوية العامة . أعود إلى اختيارى الصباحى بالسير إلى مبنى الجريدة ..
رفعت مها عيناً متسائلة :
ـ لماذا تسافر ؟..
ـ لكى نتزوج ..
ـ هل السفر هو ما يجب أن يفعله كل المقدمين على الزواج ؟
وداخلت صوتها ارتعاشة عصبية :
ـ أنت تعمل فى وظيفة جيدة .. وأنا أعمل أيضاً ..
وأنا أعانى إحساساً بالمحاصرة :
ـ ما نتقاضاه ننفقه قبل أن يحل الشهر الجديد ..
واصطنعت ابتسامة متوددة :
ـ تأثيث البيت يحتاج إلى ميزانية لا نملكها !..
حاولت أن أفعل شيئاً لأقترب من مها . أصبح الخطيب ـ فالزوج ـ الذى تريده . لكن نظراتها المتسللة إلى حيث تجلس أمها ، جعلت من الإحباط هو الثمرة الوحيدة ، المتاحة ..
بدت الطريق مسدودة ، ولم يعد بوسعى التراجع ..
أدركت أن الحياة بين هذه الجبال مما يصعب علىّ قبوله ولا أطيقه . بدت لى القاهرة بعيدة ، بعيدة ، أول الدنيا ، أو آخرها . كتبت رسالة إلى أمى . تحدثت عن شوقى إليها . قلت إنى لن أستطيع أن أحيا فى هذا المكان بمفردى . أعدت قراءة العبارة ، فشطبتها . كتبت كلمات أخرى لا تطرح أسئلة ولا تخوفات ..
كان الجميع قد استقبلوا قرار السفر بالصمت . المناقشات ومحاولات الإقناع بلا معنى ، أمام الحائط المسدود . حتى المبلغ الذى كان يضيفه أبى إلى راتبى ، أول كل شهر . همس ـ بعد خروجه إلى المعاش ـ أنه يجب ألا أتوقع غير راتب الجريدة ، واغتصب ابتسامة :
ـ معاشنا نحن الأربعة أقل من راتبك فى الجريدة !..
يبدو السؤال بلا إجابة : كيف كانت الحياة هنا بلا مكيفات ؟ كيف كان الناس يعيشون داخل البيوت ، ويمارسون أعمالهم ، ويقصرون مواصلاتهم على الدواب ؟..
حدست أن الشعور بالاطمئنان سيظل حلماً بعيداً ، أملاً وردياً ، إن ظللت وحدى فى هذه المدينة القاسية ..
لن أستطيع الحياة بمفردى . فى بالى مها ، ومحررو الجريدة ، والدمعة الملتمعة فى عين أمى إن تذكرت ما يثير الشجن ، وبائع الصحف فى ناصية ميدان الدقى ، ونداء بائع الفول يتصاعد إلى النافذة كل صباح ، وصياح الأولاد لاعبى الكرة فى الشارع الخلفى ، وموقف الأوتوبيسات فى ميدان رمسيس .. مشاهد تبقى فى الذهن لحظات ، أو تومض لتتلاشى ..
لو قدمت مها معى ، هل كانت حياتى تصبح أكثر يسراً ؟!..

د. حسين علي محمد
13-10-2009, 11:56 AM
النص الكامل لرواية «زوينة» لمحمد جبريل (4)

تنبهت على صرير الباب الخارجى . ترامى وقع الأقدام على الأرض الرملية المتداخلة بالحصوات الصغيرة ..
بدا فى حوالى الخامسة والعشرين . له قبول احتوانى منذ اللحظة الأولى . قامة طويلة أميل إلى النحافة ، وبشرة سمراء أقرب إلى السواد ، ووجه طويل ، نحيل ، وحاجبان كثيفان ، وعينان واسعتان ، بريئتان ، كعينى طفل ، وأنف مستقيم ، وشفتان تنفرجان عن أسنان لامعة ، وشارب رفيع تهدّل طرفاه على جانبى فمه ، وذقن حليقة ، وإن أهمل فى نهايتها خصلة شعر صغيرة . يرتدى جاكت من التويد الرمادى فوق دشداشة رائقة البياض ، وفى يده عصا قصيرة ، سوداء ، ربط نهايتها بمعصمه بحزام جلدى ..
ـ خميس المناعى .. ضابط من شرطة عمان السلطانية ..
اللهجة ودود طيبة . لكثرة ما استمعت عن الرقابة والمراقبة والتنصت والملاحقة والاعتقال بالشبهات ، تحددت صورة رجال الشرطة فى إطار لا تجاوزه . أجسامهم الضئيلة ، وأصواتهم الهامسة ، وتأدبهم المتكلف ، ترجح عليها لغة الإشارات والملاحظات والتحذيرات ، وحكايات سجن الرسيل التى تفوق ما كانت عليه الحياة فى سجن الجلالى . قال لى مستشار السفارة المصرية بهجت حسان : أنت ترى السجن من بعيد فتحسبه قصراً فخماً ، لكنه ـ فى الداخل ـ ينتمى إلى أبشع سجون العصور الوسطى .. أقل أنواع التعذيب أن السجين لا يفتح فمه منذ يدخله حتى يتركه !..
لم أرحب بالزائر ، وإن حرصت أن تعكس ملامحى ترحيباً لا أبطنه ..
دفع لى بورقة مكتوب عليها بالآلة الكاتبة :
ـ خبر نريد نشره ..
تأملت الورقة :
ـ هذا إعلان وليس خبراً ..
ـ ما الفرق ؟..
ـ الإعلان مدفوع الأجر ..
هز رأسه دلالة الرفض :
ـ لا سلطة لى بذلك ..
ـ إذن سأنشره كخبر .. وإن كنت سأبدّل صياغته قليلاً ..
ـ المهم ألاّ يتبدل المعنى ..
وتوتر صوته بانفعال صادق :
ـ العمال المتسللون بلا أوراق .. مشكلة .. نخشى أن تستفحل ..
أشار السائق الهندى وهو يميل بالسيارة إلى طريق السلطان قابوس . ألفت استطالته ، وتفرعه إلى أحياء وشوارع جانبية ، وامتداده إلى المطار ، أو ـ من الناحية المقابلة ـ إلى مسقط القديمة ..
ـ أنظر !..
كانت سيارة الشرطة قد اتجهت بمؤخرتها ناحية باب الخروج فى سينما عمان بلازا . شكّل جنود الشرطة حاجزاً فى المسافة بين السيارة والباب ، وراحوا يدفعون الخارجين إلى داخل السيارة ..


***
كنت أراها وأنا أمضى إلى البيت عبر الحارة الترابية القصيرة ، الضيقة ..
ـ كيف حالك ؟..
ـ الحمد لله ..
ـ ما أحوال العمل ؟
ـ الحمد لله ..
تفتح الباب ، أو تستدعيها نداءات من داخل البيت . أدخل من الباب الجانبى ، إلى داخل البيت الذى يضم السكن والجريدة . وكنت أجاوز باب البيت إلى المكتب . يترامى صوت ضربات الأم بالمهباش ، وهى تطحن البن فى هون النحاس . تعددت رؤيتى للأم فى مسيرها داخل فناء البيت . ترتدى ملابس لا تكاد تبدلها . ما يشبه القميص ينسدل إلى ما فوق الركبتين ، ومن تحته سروال عريض ، ينتهى عند كاحلى القدمين ، وتلف رأسها بعصابة سوداء ، وتدس قدميها فى شبشب من البلاستيك . ربما ألمح زوينة تطعم العجوز وهو جالس على كرسى فى الساحة الترابية داخل البيت . تدس لقيمات الخبز فيما لا أتبينه من طبق ، فيلتقطه بفمه . ابتسم لوقفة الولد الصغير وراء الباب ، يمد عنقه ونظراته فى دخولى البيت وخروجى منه . أخمن من نظرته المتسائلة ، الباسمة ، أنه يستمع إلى كلام عنى من زوينة لأبويها ..
لاحظت أن أنفها هو منطقة التشابه بينها وبين أبيها ، أنف دقيق ، منمنم ، وربما أخذت لون بشرته القمحى . شغلنى أن أتعرف إلى أسرتها . أزورها ، أرى البيت من الداخل ، وأجلس إلى والديها وأخيها الصغير ..
الناس فى الناحية المقابلة ـ أعلى الجبل ـ منغلقون على أنفسهم ، لا يميلون إلى التواصل . يكتفون بالتطلع إلى حياتى داخل البيت ذى السور ، نظرات صامتة ، خالية من التعبير . إذا هبطوا من الجبل إلى الحمرية ساروا مطرقين ، لا يتلفتون إلى ما حولهم ، ولا يجتذبهم صوت . لا يعنون بالنظر داخل الباب المفتوح ، ولا بإلقاء السلام ، إن كنت واقفاً بالقرب من الباب . حتى السحن بدت لى ـ فى الأيام الأولى ـ متشابهة . ربما للذقن المرسلة ، المخضبة ، والدشداشة ، والمسرّة التى تلف الرأس وأعلى الجبهة ..
كان الصمت ـ من حولى ـ يثير شعورى بالوحدة . تداخلنى وحشة . أميل إلى الانفراد ، لكننى لا أطيق العزلة . كل ما حولى كان يفرض العزلة . يضايقنى حصار الجدران الأربعة . لا أحد أكلمه ، ويكلمنى . آخذ منه وأعطى له . لا أحد يفهمنى . أتوق لأن أحادث إنساناً . لكن : متى ؟ وأين ؟ وكيف ؟.. صخور الجبال تعيد ـ فى الليل ـ ما اختزنته من الشمس طيلة النهار . ولا أحد فى الخلاء المحيط بى ..
هذه الصخور المدببة ، القاسية ، الملتهبة ، تناصبنى العداء . بدت لى وجوه بشر ، أرسم ملامحهم من التكوينات الصخرية ، وأبادلهم نظرات العداء ..
واتتنى رغبة ، فنفذتها . صحت باسمى . جاءنى صدى الصوت بعد اصطدامه بالجبال الصخرية والهدوء ..
أحسست أن الدنيا تضيق بى ، تحاصرنى ، وأنى وحيد ..


***
يضئ المستطيل الصغير فى المواجهة : اربطوا أحزمة المقاعد .. أطفئوا السجاير . أحيط الحزام حول جسدى ، وأطمئن إلى إغلاق القفل المعدنى . أتهيأ لتلقى الارتجافة العنيفة ، الأخيرة ، قبل أن تلامس عجلات الطائرة أرض المطار . يصفق الركاب ـ لوصولهم إلى الوطن ، أو فرحا بالحياة ؟! ـ ثم تتوقف الطائرة تماماً ، وتظل الأبواب مغلقة . أنصت إلى حركة اقتراب السلم من الباب . أحرص أن أكون فى مقدمة النازلين بمجرد فتح الباب المستطيل . أطل من النافذة المطلة على ميدان المساحة ، كأنى أتوقع تغيّراً فى صورة الحياة التى كنت أحياها . ليس إلى الأفضل ، أو إلى الأسوأ ، لكنه مجرد تغيّر . مشاهد اختفت . حلت ـ بدلاً منها ـ مشاهد أخرى . توجه أمى أسئلة ، لأنها تتكرر فى كل عودة لى إلى القاهرة ، فقد اعتدتها : كيف تقضى يومك ؟ من يطبخ طعامك ؟ هل تتغطى جيداً ؟ هل تطول إقامتك فى مسقط . أجيب بعبارات مقتضبة ، أو مدغمة ، أو أومئ بما يطمئنها . أتأمل ملامح أبى ونحن نتكلم . يجيب عن أسئلتى ، ولا يسأل . يلوذ بالصمت . لاحظت ـ مرة ـ أن مساحة الصلع زادت فى مقدمة رأسه . انفراجة شفتيه تبين عن فقد السنتين الأماميتين .
فاجأتنى ملاحظة أبى :
ـ أنت تأتى بحقائب ، وتسافر بدونها ..
ثم وهو ينحى وجهه عن اتجاه نظراتى :
ـ لماذا لا تأخذ الحقائب نفسها وتعود بها ، ولو فارغة ؟
لم أعد أذكر عدد الحقائب التى اشتريتها من أسواق مطرح وروى والسيب . أخلو إليها ليلة السفر ، أرتب ما اقتنيته بعينى أمى وأبى وأخوتى ، ما أتصور أنهم يريدونه ، ولا يجدونه فى القاهرة ..
ومها ، مها : هل تذكرنى ؟ ..
قلت :
ـ أخشى أن يسىء رجال الجمارك فى مطار السيب معنى الحقائب الفارغة ..
اغتصب ضحكة :
ـ أثق أنه لا يغيب عنهم مرض الشراء الذى يعانيه المصريون ..
أفضّل العودة إلى القاهرة فى غير إجازة الصيف . تضايقنى المساحة فى المطار التى تخصص للمصريين . يضاعفون أوزان الأمتعة ، يفاصلون ، يساومون ، يوافق موظف شركة الطيران ـ فى النهاية ـ على زيادة لا يطلبها المغادرون من جنسيات أخرى ..
الزمن يتضاعف حين وصولى إلى مسقط . خمس ساعات هى المسافة بين القاهرة ومسقط ، لكن الزمن يباعد بينى وبين القاهرة . تبدو بعيدة فى الزمان بعدها فى المكان . أضواء مسقط تبدو تحت جناح الطائرة الضخم . نقاط مجتمعة أو متفرقة ، متناثرة وسط ظلام حالك . أعرف أنه موضع الجبال التى تتخللها الطرق والأبنية . صوت فى ميكروفون الطائرة يكرر التنبيه إلى ربط الأحزمة وإطفاء السجاير . تسرى موسيقا راقصة ، هادئة . لم تعد مفردات المطار تستلفت نظرى ، ولم أعد أتأملها : الساحة الواسعة ، المختنقة ـ فى أغلب الأيام ـ بالحرارة اللاهبة ، والرطوبة . نوافذ برج المراقبة . صالة الوصول . الحجر الصحى . الجوازات . رجال الشرطة بزيهم الأزرق وأجسادهم الضئيلة ..
أفتح الباب . أشم رائحة الهواء الراكد ، والغبار المتراكم على الأثاث القليل ، وعلى الأرض . أطيل النظر إلى ما بداخل الحجرة ، كأنى أراها للمرة الأولى ، أو أنى أعيد اكتشافها . تتسلل إلى أنفى رائحتها ، رائحة اعتدتها وميّزتها . تبدو القاهرة بعيدة بعيدة ، وأعانى شعوراً مؤلماً بالغربة . تختلط لحظات ما قبل السفر بالحياة ـ لساعات ـ فى الطائرة ، بالنزول إلى مطار السيب . تختلط حتى ملامح الوجوه واللغات واللهجات والأماكن . أجذب ـ بعفوية ـ ورقة شركة الطيران الصغيرة ، عليها كلمة Muscat . أمزقها إلى قطع صغيرة ، وأقذف بها فى السلة المجاورة للمكتب الصغير . أدير مسمار الساعة إلى الوراء دورتين ، فرق الوقت بين القاهرة ومسقط ..
نقف بسياراتنا أمام مبنى المطار قبل وصول الطائرة بساعتين . نستقبل ، أو نودع ، أو نمارس الفعلين . نتناثر ـ مجموعات ـ وقوفاً ، أو نجلس على الرصيف المقابل . الطائرات تأتى بوافدين جدد ، بصداقات جديدة ، وتطير بأصدقاء إلى مدنهم وقراهم ، حيث لا يعودون . يعدون باستمرار الصداقة والرسائل والمكالمات التليفونية . يتبادلون العناوين . العائدون من القاهرة يحملون رسائل وأخباراً وصحفاً جديدة . أحرص فأنا أول من يقرأ الصحف . إذا انتظرت حتى يقرأها أصدقائى قبلى ، قرأتها ممزقة . أحن ـ وأنا أقلب الصفحات ـ إلى زملائى فى الجريدة . حتى هؤلاء الذين اقتصرت علاقتى بهم على إيماءة الرأس بالتحية ، أو الكلمات العابرة . ربما تتأخر الطائرة ، فتطول وقفتنا . نزجى الملل فى أحاديث بلا آفاق ، وتأكيد المعرفة ، والتذكر ، وإطلاق النكات ، ومناقشة أسعار الريال والدولار ، وأحوال الجو . يحل علينا التعب ، فنجلس على حافة الرصيف المقابل . لا نستطيع التصرف نفسه فى مصر . نهمل أوضاعنا الوظيفية والاجتماعية . الغربة تسوى بيننا . يضيف إليها انتظار الصديق المشترك . لا تكلّف ولا ألقاب ، وعفوية الكلمات لا يحدّها قيد . يعلو صوت الميكروفون : أرجو الانتباه . يتقاطر القادمون من الباب الذى يفتح ويغلق . تحاول نظراتنا أن تتطلع إلى ما وراء انفراجة الباب التى ما تلبث أن تغلق . تتوالى الأسئلة . ربما ضاق بها البعض أو دهشوا لسذاجتها . أريد أن أعرف كل شئ ، حتى أحوال الجو ونتائج مباريات الكرة وبرامج التليفزيون وما تنشره الصحف ..
تباعدت رسائلى إلى القاهرة . لا جديد أراه أو أسمعه ، فأتحدث عنه ..
الملل !..
ملل بليد . تحدثت عن الوحدة والغربة والشمس والجبال والحشرات وانشغالى القاتل فى جريدة أحررها بمفردى ، ثم لم أعد أجد ما أكتبه . اكتفيت بالرد على الرسائل التى تصلنى من القاهرة ..
ـ هل تريد شيئاً ؟..
التفت ناحية الصوت . سلمت على خميس المناعى ..
قلت لمجرد أن أتكلم :
ـ ألاحظ وجود كلاب بوليسية فى المطار ..
قال :
ـ إنها للطائرات القادمة من الهند أو باكستان .. تأتى العمالة من هناك بالمخدرات
صرنا صديقين . هو الوحيد من زائرى الجريدة الذى يدفع الباب ، وأتبين خطواته التى أخمن وقعها ..
تعرفت مما يرويه إلى ما لم أكن أعرفه عن الحياة فى مسقط ومدن الداخل : التاريخ والمعتقدات والعادات والتقاليد . حتى طقوس الزواج والموت تعرفت إليها مما كان يرويه ..
أعاد السؤال :
ـ تودع أم تستقبل ؟
ـ أنتظر صديقا ..
وسألت فى لهجة مشاركة :
ـ وأنت ؟..
ـ أودّع هؤلاء الملاعين ..
وأشار إلى ثلاثة رجال وثلاث سيدات . كانوا يجلسون فى الزاوية اليمنى بصالة الانتظار . يرفعون أعينا قلقة ، تابع ـ دون تنبه ـ حركة المطار ..
وأطفأ السيجارة فى طفاية مجاورة بضغطة من طرف إصبعه :
ـ تسفير الأجانب مهمتى الأولى هذه الأيام ..
قلت :
ـ زملاؤك فى الشرطة ..
ـ كل موظفى الشرطة عمانيون ..
وتحسس طرف شاربه ، وغمز بعينه :
ـ ضُبط الأزواج يتبادلون الزوجات ، فتقرر تسفيرهم ..
السحن تشى بأوروبية الجنسية . شطر الرجال شعر رءوسهم إلى نصفين مثل عرف الديك ، وزججوا الحواجب ، وكحلوا الأعين ، وتناثر فى السواعد وشم أخضر بصلبان وأسماك وقلوب . وترتدى امرأتان فستانين متباينى التصميم واللون ، وإن كشفا عن أعلى الصدر والظهر ، وانتهيا إلى ما فوق الركبتين ، بينما ارتدت الثالثة بلوزة حمراء ، التصقت بصدرها ، وبنطلون جينز ، التصق بفخذيها وساقيها . وثمة أقراط تتدلى من آذان الجميع وأنوفهم ، واصطبغت شعورهم باللون الأخضر ..
حدست التوتر ينطق فى عيونهم ، وهم يترقبون النداء : أرجو الانتباه !..
قال خميس المناعى :
ـ مجتمعنا يتغير .. المقارنة صعبة بينه وبين أيام سعيد بن تيمور ..
وفى لهجة مهونة :
ـ فى أيام التحولات تنشأ هذه الظواهر الغريبة ..

د. حسين علي محمد
13-10-2009, 12:05 PM
النص الكامل لرواية «زوينة» لمحمد جبريل (5)

مسقط لا تعرف السهر ..
أجرى بعد الغروب ما يفوتنى من لقاءات فى الصباح . أقف أمام البيت قبل الثامنة . تصطف السيارات بحذاء الرصيف . تقل الحركة بعد صلاة المغرب ، ثم تموت ـ أو تكاد ـ بعد صلاة العشاء . أمضى ناحية المطار القديم . أبطئ السير . اتجه إلى سينما عمان بلازا ، فالطريق الرئيسى إلى كورنيش مطرح . أقف أمام الرصيف الحجرى . أتطلع إلى امتداد الأفق . أتابع ـ بلا اهتمام ـ البواخر الراسية فى ميناء قابوس والبلانسات والفلايك والحاويات والصيادين والطيور المحومة فوق المياه والأسماك المتقافزة . أعود إلى الحمرية بعد الثامنة بدقائق . يبدو المكان أمام الرصيف خالياً من السيارات تماماً . أغلقت الدكاكين والمكاتب أبوابها ، وهدأت حركة السير ، وتوالى انطفاء الأنوار فى النوافذ المغلقة . يعمق الصمت هدير المكيفات ، وصفارات البواخر فى خليج عمان . يبدو لى المكان غريباً ، موحشاً ، لا أعرف فيه أحداً ..
حتى المغرب ، تبدو الشوارع خالية من المارة . فيما عدا السيارات المغلقة ، المكيفة الهواء ، لا أثر للحياة . يعلو الإيقاع بالتدريج . تبلغ الحياة ذروتها إلى ما بعد العشاء . ثم تخلو الشوارع إلاّ من الوافدين . يحرص العمانيون أن يغلقوا أبواب البيوت أول الليل . نوبة قلعة الميرانى كانت تخلى الشوارع من البشر تماماً . لا يسير إلاّ من يحمل الفانوس ، ولا يسير إنسان بعد أن ينتصف الليل ..
بدأت فى الأيام التالية لموافقتى على السفر . فى تصور المكان الذى ربما أقيم فيه . بدا لى شقة علوية تطل على المدى . الصحراء باتساعها وغموضها المثير . الناس قليلون ، يرتدون الدشداشة والعقال كما أرى أهل الخليج فى الصور ..
انشغل شوقى كمال بتدليك موضع لدغة فى عنقه :
ـ أنت إذا أردت أن تحتفظ بالطعام وضعته فى الثلاجة ، فإذا طالته الشمس ـ لفترة طويلة ـ لم يعد صالحاً ..
ـ أرى أنك لا تريد أن تفارق الشمس ..
قال فى استسلام :
ـ حياتى هنا مثل الساقية .. لا نهاية لدورانها ..
قلت :
ـ لأنك تصرف كل فلوسك ..
كنت أزوره فى الشقة التى يعمل ويقيم فيها . حارة خلفية بالوالجة . على المكتب الخشبى المستطيل أمامه كتب وصحف وأوراق وأقلام وطفاية سجاير وسخان كهربائى وكولمان وزجاجة خمر ، وأسراب الحشرات تتزايد أعلى الحجرة ، تشكّل ما يشبه الغمامات الصغيرة . وثمة صوت مولد كهربائى يترامى من مكان قريب ..
لم تكن المجلة تشغل شوقى كمال . مجرد قص ولصق . لكنه ـ فى زياراتى المتباعدة ـ كان يطلب أن أتشاغل بقراءة كتاب من مكتبته ـ رف عليه مجموعة من الكتب ـ لينهى كتابة رسائل إلى القاهرة . يكتب على أوراق نوتة صغيرة . يعيد قراءة الرسالة . ربما حذف كلمة ، أو أضاف عبارة ، ثم يدسّها فى المظروف . على مكتبه دائماً رزمة من المظاريف ..
ـ ما أخبارك ؟
أشعر ـ حين يتجه بالسؤال ـ أنه قد أنهى كتابة رسائله ..
يرتشف كمية من الزجاجة ، ويعيدها إلى مكانها . فى حوالى الخامسة والثلاثين . يبدو وجهه النحيل ، الأبنوسى البشرة ، ساكن الملامح ، وإن شاب بياض عينيه صفرة واضحة . يضغط على الحروف الأخيرة فى كلماته ليؤكد المعنى ، أو لعيب فى النطق ..
أزعجنى التعبير حين قاله الطبيب فى مستشفى النهضة : التصاق فى البطن . كان شوقى يواصل الكلام واحتساء الخمر . تتباطأ نبرة صوته ، ويغلب عليها التعثر . أدرك أنه يدخل النفق المفضى إلى هناك ، وأنه ـ شيئاً فشيئاً ـ ليس هنا . أسكت ، وأتظاهر بالإنصات إلى ما لا أفهمه ، أو أمضى . انتترت للصرخة المفاجئة . أحاط بطنه بساعديه ، وعلت صرخاته كالعواء . غلبنى الإشفاق ، وربما الخوف . تصورت أنه يموت . حملته فى تاكسى إلى مستشفى النهضة . شخّص الطبيب الحالة من رائحة الخمر وساعديه المطوقين لبطنه وصرخاته ..
التصاق فى البطن ؟!.. ألن يأكل ـ بعد ذلك ـ أو يشرب ؟ هل أصيبت البطن بالشلل أو ما أشبه ؟ هل يموت ؟..
داخلنى اطمئنان بطلب الطبيب أن أخلى الحجرة ، ليعالجه . لو أنه يعانى ما اتجه ذهنى إليه ، لأدخله حجرة العمليات ..
كتبت لأبى بما حدث ..
قال أبى فى رسالة محذرة : لا تدعه ينقل إليك اكتئابه !
قللت ـ فيما بعد ـ من زياراتى المتباعدة لشوقى كمال ..
ـ يحزننى أن الأيام التى أقتل فيها نفسى لن يبقى منها ما يساوى ..
غالبت التردد :
ـ لماذا لا تعود إلى القاهرة ؟
ـ أحتاج إلى الريالات العمانية ..
أطلقت لجام جرأتى :
ـ أنت تنفقها على الخمر ..
ـ يتبقى ما أستطيع أن أحوله إلى القاهرة ..
ثم وهو ينفث دخان السيجارة فى عصبية واضحة :
ـ هل لابد ـ لكى أحيا فى ظروف مادية جيدة ـ أن أترك مصر ؟..
فوّت الملاحظة :
ـ وصحتك ؟
ـ بمب !
ـ ومستقبلك ؟
ـ أنا صحفى فى القاهرة أو فى مسقط ..
ضربت ما لم أتبينه بكفى :
ـ تبسيط للمشكلة أثق أنك لا تقتنع به ..
استطردت فى صوت منفعل :
ـ هل تساوى صحف القاهرة بما نفعله هنا ؟..
ثم هزمنى التأثر :
ـ عشت فى الخليج ثمانية أشهر .. أصارحك بأن شعورى بالغربة لم يتغير !..
حاولت أن أخلق لنفسى عالماً خاصاً من القراءات ، وسماع الراديو ، والانغماس فى العمل ، واستدعاء ما خلفته فى القاهرة ..
(يتبع)

د. حسين علي محمد
13-10-2009, 07:06 PM
النص الكامل لرواية «زوينة» لمحمد جبريل (6)

كان أول انطباع لى ـ حين رأيتها ـ أنى سألتقى بها ثانية ، وستكون لى بها صلة ، وإن لم أفكر كيف يتاح لى اللقاء . لم أعد أنتظر تحيتها ، فأرد عليها بإيماءة ، أو بكلمات مقتضبة ..
فاجأتنى النقرات الخافتة ، المتلاحقة ، على الباب الخارجى :
ـ هل عندك وعاء كبير ؟
أطلت النظر إليها ، أتأكد من فهمى لما طلبت :
ـ لماذا ؟..
ـ نذر لشفاء أبى ..
واتسعت ابتسامتها :
ـ نحن زنجباريون .. هذه عادتنا ..
ـ هذه عادة معظم المسلمين ..
وضع القدر الهائل على كومات الحطب ، وقف وراءه هندى عارى الصدر ، ويغطّى أسفل جسمه بوزار . تعلو المغرفة ـ هائلة أيضاً ـ فى يده بقطع اللحم الغارقة فى الشوربة . يضعها فى الحلل المتلاصقة بتجاور الأيدى الممدودة ..
ألفت نقرات إصبعها على الباب الخشبى . نقرات ضعيفة متوالية ، وإن تناهت إلى حجرتى الداخلية خلل السكون المحيط . نتناقش ، ونتفق ، ونختلف ، وإن ظلت وقفتنا أمام باب الجريدة الخارجى ..
كنت مدفوعاً إليها بالوحدة التى أعانيها . بدا لى ـ أحياناً ـ أنها تبحث عن المغامرة ، علاقة فرضتها الجيرة ، وإن ظل ما يشدنى إليها صبيانية جميلة فى كلماتها وتصرفاتها ، فى ومضة الشقاوة فى عينيها اللوزتين ، الواسعتين ، وفى تهدل الشعر على الجبهة ، وتطايره إذا هبت نسمة هواء . العفوية تنطقها . لا تتعمد اختيار كلماتها ، ولا تلحظ إن أحدثت الكلمات ما تريده من المعنى أو التأثير . ذلك ما يهبه السياق ، تواصل الكلمات . حتى حقيبة يدها ، كانت تفتحها بطفولة واضحة ..
أعرف أن المجتمع يصعب عليه أن يأذن لشاب وفتاة بإقامة علاقة على مرأى منه . النساء وراء الجدران المصمتة ، والرجال فى الشوارع والدكاكين والشركات والسيارات . الاستثناء يؤكد الظاهرة . هى تزورنى لأنى غريب . قد يروى المواطن ما يحدث دون أن يتدبر النتائج . أما الغريب فإنه يواجه ما لا يخطر على البال ..
أزمعت أن تحيا العلاقة فى السر ..
قلت :
ـ لو لم نلتق ربما عدت إلى القاهرة ، أو اعتبرت نفسى ميتاً فى مسقط !
دخلت بيتى للمرة الأولى ..
لاحظت أنها تتعامل مع الجميع ـ فى ساحة المطار ـ بثقة ، وبلا حرج . أى نوع من الفتيات هى ؟..
تصورت ـ فى لحظة كالومضة ـ أنها متحررة من سطوة أهلها . لا سلطة لأحد عليها ، فهى المسئولة عن نفسها . اجتذبتنى بساطتها منذ التقينا للمرة الأولى ، منذ رأيتها فى صالة مطار السيب ، مفاجأتها لى بالكلام ، دعوتها لأرافقها إلى وسط المدينة ، زياراتها المتكررة ..
لم ألتق بها فى الزى العمانى : اللحاف ذو الألوان الصارخة ، فهى ترتدى يونيفورم مضيفات طيران الخليج ، تاييراً بنياً وبلوزة بيضاء . أو تبدّل الجونلات والبلوزات . وتحيط رأسها بإيشارب بنى من الحرير ، أو تعرّيه . أعرف ما ترتديه بتبدل الألوان . وكانت تكتفى تحت الإيشارب بعقص شعرها فى هيئة الكعكة وراء رأسها ..
قلت :
ـ لم أكن أعرف شيئاً ـ قبل أن ألتقى بك ـ عن المضيفات الأرضيات ..
قالت :
ـ معظم المضيفات يعملن على الأرض ..
لاحظت اختلاف الزى واللهجة والتصرفات فى العمانيين القادمين من زنجبار . الميل إلى التحرر وعدم الكلفة . لم تحدثنى عن طبيعة الحياة فى زنجبار ، وإن خمنت أنها كانت تختلف عن الحياة فى مسقط . كانت ملامح الحياة العمانية تغيب تماماً حين تضمنا حجرة المكتب المفتوحة على الساحة الترابية الساكنة . تطعم تعبيراتها بكلمات إنجليزية ، خمّنت أنها تعوّض بها صعوبة النطق بالعربية . اللهجة ليست عمانية تماماً . تداخلها لكنة لم أفلح فى تحديدها . تصورت تأثرها بالحياة فى زنجبار ، ثم تبينت فى كلماتها مفردات تطالبنى بمساعدتها على استكمال سياق الكلمات ..
ارتبكت لرؤيتها وهى تنظر إلى الجورب الممزق ، ثم وهى تجلس على الكرسى المقابل ، وتمد ساقها ، وتنزع الجورب ، وتجلس حافية ..
أزمعت أن أغازلها بجرأة ..
الباب موارب ، لماذا لا أفتحه ؟.. أجاوز لحظة التردد والخوف ؟..
وهبتنى من التلميحات والإيماءات ما يشجعنى على ملامسة قطر الندى ..
ملت عليها ، أحتضنها ، وأحاول أن أقبلها . لم أقرر ذلك ، ولا تدبّرت نتائجه . بدا الأمر عفوياً ، كأنه وليد ذاته ، وليد اللحظة ، غير موصول بما سبق ، ولا بما بعد ..
دفعتنى فى صدرى بآخر ما عندها . أربكنى تغيرها : الوجه الطفولى الجميل حَوّره الغضب . تبدلت الملامح ، واحمر الأنف والأذنان ، وتسارعت الأنفاس ، والتمعت العينان بالدمع ..
عدت إلى ما كنت كتبته فى روايتى التى لم أتمها ..
لاحظت أن البطل شغلته اللحظة ، فأهمل توقعات المستقبل . أزمعت أن أضيف إلى الشخصية بما يبين عن باعث الأزمة والتصرفات ..


***
لم تعد تسلم ، ولا أسلم ...
العلاقة التى لم تبدأ ، انتهت . بدا لى أن شخصاً آخر هو الذى أقدم على ما فعلت ، هو الذى حاصرها فى حجرة المكتب ، واحتضنها ، وحاول تقبيلها ..
أحسست أن نفسى قد تبعثرت ، وأن كل ما حولى يحاصرنى ، ويخنقنى : الشمس ، الجبال ، الصمت السادر ، الوجوه المتطلعة ، الساكنة . عاودنى الإحساس بالفراغ الموحش . عدت إلى عزلتى الموحشة . السكون الخامد فى بيت الجريدة ، والجبال ، والوجه المقابل المقلق ، وجولاتى السريعة ـ برفقة السائق الهندى ـ للبحث عن مواد الجريدة ، وزيارات الشيخ النبهانى وأصدقائى ، المتباعدة . انغمست فى العمل والوحدة . يبدو الناس ـ من حولى ـ أشباحاً ، والأصوات أصداء غير واضحة ..
كنت أغمض عينىّ ، تستعيدان الملامح الطفولية ، والعينين الواسعتين ، والشعر المهوش حول الوجه . أعاود النظر من مكانى فى المكتب ـ عبر الباب الذى فتحته عن آخره ـ أتوقع دخولها البيت ، أو خروجها منه . هل تلتفت ناحية الباب المفتوح ؟ هل ينعكس اهتمامها فى تصرفات موحية ؟. أطيل الوقوف فى الحجرة . أحاول تذكر ما قد أكون نسيته ..
مرة وحيدة التقت عيناى بعينيها . كنت أعالج المفتاح لما فتحت باب بيتها وتهيأت للخروج . كانت ترتدى فستاناً من الأورجاندا الزئبقية ، بكمين طويلين ، وشته الدانتيلا فى المعصمين وفتحة الصدر ..
حولت عينى ـ فى اللحظة التالية ـ إلى الناحية المقابلة ، ربما لأنها أقدمت على التصرف نفسه ..
لم أتصور أن تلك كانت نهاية العلاقة . هى غيمة شابت صفو السماء ، ومضت . أثق أنها ستكلمنى ، وسأكلمها . البيت أمام البيت ، والمصادفة تفرض اللقاء .. صباح الخير .. صباح الخير . لم ألح ، فقد اعترفت بخطئى ، ولعلها تستعيد ما حدث ، فتعذر ..


***
طالعنى فى الباب المفتوح شابان يرتديان " يونيفورم " شركة الطيران . دللتهما على البيت . خرجت للقائهما وأنا واقف على الباب أنتظر انصرافهما ..
قالت :
ـ أشكرك ..
سلّمت على بعد ذلك . وتحدثنا ..
لم يبد فى وقفتها ارتباك ، ولا ما يشى بأنها امتنعت عن لقائى ومبادلتى الكلام ، وإن لاحظت أنها تبذل جهداً كى تظل العفوية فى وقفتها وملامحها وكلماتها وعينيها الواسعتين . لم تشر إلى ما حدث ، ولا عاد فى سلوكها معى أثر للغضب ولا للضيق ، لكن الحائط غير المرئى فصل بينى وبينها ، لا أفكر ـ ولا أستطيع ـ فى أن أخترقه . تصرف مجهول النتيجة ، وربما تخرج من حياتى ثانية فلا تعود ..


***
عادت الطرقات الخافتة ..
ضايقنى ـ فى الأيام الأولى ـ غياب ما اعتدته من عفوية فى الكلام والتصرفات . ثمة مسافة نشأت بينها وبينى . ضاقت ـ بتوالى زياراتها ـ حتى تلاشت ، وإن ظل الفاصل غير المرئى قائماً ..
بدت هادئة وودودة ، كما لو أن كل شئ مثلما كان عليه فى الأيام السابقة ..
كلما اقتربت منها ، تبدّت لى جوانب البراءة فيها . لم تغادر سجيتها : تروى ما تتذكره من أحداث يومها ، ما رأته ، واستمعت إليه ، وقرأته ، تتأمل فى ملامحى وقع أسئلتها المفاجئة . ربما تستدعى نكتة أو حكاية قديمة . تعكس الجدران أصداء ضحكتها المكتومة . إذا ضحكت تألقت عيناها بالمرح ، مرح طفولى صاخب ، تتداخل فيه الألوان والأصوات . يتسلل داخلى شعور بالاطمئنان والسلام ..
كانت تفعل كل شئ : تستعيد النظام الغائب فى الأوراق والكتب . ربما أمسكت بمنفضة من خيوط بلاستيكية ، وأزالت ما علق على المكتب والكراسى من أتربة ، تبثها ـ مع الصهد ـ الجبال المحيطة بنا . تلم الملابس المتسخة من فوق الشماعة والمكتب ، ومن الأرض ، تطويها ، وتنصحنى بإرسالها إلى المغسلة فى روى . ترتب القمصان والبدل الثلاث فى الدولاب . تغسل الأطباق والأكواب والفناجين . تجففها . تصفها فى مواضعها على الأرفف . تأخذ كرسيا من المكتب إلى المطبخ . تصعد عليه . تشب على أطراف أصابعها . تأخذ الحلة من فوق الرف العلوى . أبتعد إلى الساحة الترابية حتى لا أتأمل وقفتها ، وحتى لا تلحظ نظراتى ، فتذهب ـ مثلما ذهبت من قبل ـ ولا تعود . لم تكن تترك لى فرصة مجاوزة الحدود التى وضعتها . هى التى حددت إطار علاقتنا ، وهى التى تملك مجاوزته . لم أعد أتطلع إلاّ لمجرد أن ألتقى بها . أخشى لو أنى أقدمت على ما لا تتوقعه أن أفقدها ثانية ، ونهائياً ..
تربعت ـ حافية القدمين ـ على " الفوتيه " الجلدى المواجه للمكتب . لاحظت اعتزامى ترك ما بيدى من قصاصات ألصقها على أوراق الماكيت ..
ـ لا تترك مكانك .. سأكلمك هكذا ..
لم تحاول ، ولا حاولت أنا ، التلميح ، أن تنتقل من حجرة المكتب إلى الحجرة الثانية . لا أترك حجرة المكتب . إذا لم يكن تناولى وجبات الطعام فى مطعم بروى ، أكتفى بمعلبات من السوبر ماركت فى " الولجة " ..
واصلت لصق القصاصات ، وإن اتجهت نظرتى إليها ..
ـ هل عندكم ضيوف ؟
ـ لا ..
ـ رأيت سيدة تغطى جسدها كله ..
ضحكت :
ـ إنها أمى .. كانت ترتدى البوى بوى ..
أعدت القول :
ـ البوى بوى ؟!
ـ منديل أسود خيط بملاءة سوداء تغطى الجسد كله .. ترتديه الزنجباريات ..
وعلا صوتها بالتذكر :
ـ أنت مسافر إلى الكويت غداً ..
استدرت . واجهتها :
ـ صحيح .. كيف عرفت ؟..
ـ نسيت أنى مضيفة أرضية ؟..
ـ صحيح .. يومان أطبع فيهما الجريدة وأعود ..
تألقت الدهشة الطفولية فى عينيها :
ـ تطبعون جريدتكم فى الكويت ؟..
ـ لا يوجد فى مسقط حتى الآن إلاّ المطبعة الحكومية ..
استطردت فى ابتسامة مشجعة :
ـ هل تريدين شيئاً من هناك ؟..
ـ إذا استطعت ..
ثم وهى تهز إصبعها :
ـ سأدفع لك ..
ومسدت رأسها بعفوية :
ـ حذاء من الجلد الإيطالى .. مفتوح ..
شوحت بيدى فى تهوين :
ـ بسيطة ..
ونظرت ـ بتلقائية ـ نحو قدميها . كانت ترتدى حذاء بنياً متقاطع السيور ، له كعب قصير ، تطل منه أصابع صغيرة مطلية بالمانيكير ..
ـ المقاس ؟..
ـ ثمانية وثلاثون ..
ـ سيكون أول ما أبحث عنه ..
ثم وأنا أستحثها بهزة من رأسى :
ـ هل تريدين شيئاً آخر ؟..
مطت بوزها دلالة النفى ..
لاحظت أنى ضربت حشرة بأوراق مطوية فى يدى . قالت :
ـ هذه أرواح موتانا تتقمص الفراشات !..
تأملتها : وجه خال من الأصباغ والألوان ، وشعرها الأسود القصير المهوش حول وجهها . لم تكن تستخدم أدوات التجميل ولا مزيلات الشعر . فلا كريمات ، ولا إزالة لشعر وجهها أو ذراعيها أو ساقيها . حتى الزغب الأصفر فوق فمها ، تهمله ..
ناوشنى السؤال لحظات : هل تصدر تصرفاتها عن ثقة فى النفس ، أو أن توقع تصرفاتى لم يعد يقلقها ؟..
لحظات ، ثم أهملت السؤال ، ونسيته ..
ما أعرفه عنها قليل ، لكن حضورها السخى كان قد ملأ حياتى . أشرقت بوجودها داخل نفسى ، أودعتها ذاكرتى . أغمض عينى عليها حين أنام ، وأفتح عينى على استعادة ملامحها فى الصباح . يظل فى داخلى الإحساس بأنها معى ، تقف ، وتجلس ، وتتحرك ، وتتكلم ، وتعيد ترتيب الأشياء . أحيا ملامحها الطفولية وابتسامتها ، والضحكة المميزة . حتى طريقة ارتشافها الشاى من الكوب ، أستعيدها . لا أتصور أنى أستطيع أن أبتعد عنها ، أو أنساها . إذا تخلفت ـ أكثر من يومين ـ عن زيارتى ، يداخلنى شعور بالانقباض والوحشة . ثمة شىء ينقصنى . يغيب عن حياتى . وفى اللحظة التى يتناهى صرير الباب ، وهى تتجه إلى بيتها ، يعرونى شعور بأنى أصبحت أقل ارتياحاً مما كنت عليه ، وأنى أعود إلى وحدة صامتة ، قاسية ..
انفتحت أمامى أبواب عالم جديد ، يتألق بالرؤى والظلال والأنغام العلوية ..

د. حسين علي محمد
13-10-2009, 07:11 PM
النص الكامل لرواية «زوينة» لمحمد جبريل (7)

الظهر ..
كان ظل الصخور قد تلاشى . واختفت الظلال فى الساحة الواسعة ، الخالية من الأشجار والجدران . لم يعد إلاّ أشعة الشمس العفية ، الحارة ، القاسية . المروحة المتدلية من السقف ، عاجزة عن تحريك الهواء ، أو أنها تحرك هواء ساخناً . استعدت قول زوينة : أبى يتقى الحر بالنوم فوق السطح على مرتبة يغمرها بالماء ..
كنت منهمكاً فى مراجعة مسودات الجريدة ، وإن قيدت الحرارة اللاهبة ، الحرية التى أريد أن أتصرف بها . أحس بالاختناق ، وبالتوتر والبلادة . لم يعد فى داخلى إلا الشعور بالوحدة ..
قلت لنظرة الأستاذ عبد العال المشفقة ، فى وقفته على باب الجريدة :
ـ هذا الجو يدفعنى إلى الاعتراف بجريمة قتل لم أرتكبها !..
كان عبد العال يعانى عرجاً خفيفاً . لاحظت أن له قدماً متورمة . لم أسأله عن طبيعة مرضه . مع أنه كان يكبرنى بسنوات ، فإنه فاجأنى ـ ذات مساء ـ بالقول : أنا أستريح للفضفضة معك .. أعتبرك مثل أبى ..
ضايقنى التعبير . لم أكن أشعر بالارتياح معه ، ولا مع أى إنسان ..
جلس لصق باب الحجرة، مستروحاً ـ ربما ـ نسمة هواء ..
فاجأنى بالقول :
ـ ما رأيك فى الموت ؟
ترددت فى الإجابة ، ثم أعدت القول :
ـ الموت ؟!..
ورمقته بنظرة فاترة :
ـ لم أفكر فى هذا الموضوع ..
أبدى دهشته :
ـ لماذا ؟.. حتى نوح صاحب المئات من الأعوام لم يخلد ..
ثم وهو يوسط الفراغ بيده :
ـ لا أحد يخلد ..
قلت :
ـ أعرف أنى سأموت .. لكننى أترك هذا الموضوع لوقته ..
قال :
ـ ألا تلحظ أن الموت قد يكون الحل لمشكلات كثيرة ..
ـ لم أصادف حتى الآن مشكلة من هذا النوع ..
أردفت فى نبرة مهونة :
ـ أنا أفكر فى الموت من قبيل العبرة .. لكننى أرفض أن يسيطر على حياتى ..
ـ أعرف أصدقاء تمنوا الموت فراراً من ظروف قاسية !
وتهدج صوته بالانفعال :
ـ عموماً .. أنا أعتبر الحياة مجرد محطة ..
وأردف فى انفعاله :
ـ لو أن الإنسان أدرك النهاية ربما لا يفعل الخطأ !..
ومال بأعلى كتفه ناحيتى :
ـ أنت لا تهتم بالموت لأنك شاب .. أليس كذلك ؟..
ـ بالعكس .. أنا أعرف أن الموت لا يفرق بين شاب وشيخ ..
ـ هذا صحيح .. لكنك تظهر الضيق إذا تكلمت عن الموت ..
ـ ليس إلى درجة الضيق .. لكننا يجب أن نعيش أيضاً ..
ـ نحن نحيا ، ثم نموت ..
وأغمض عينيه ، وتنهد بعمق كمن يستعيد تنفسه :
ـ مادامت الرحلة بدأت دون إرادتنا، فمن الأوفق اختصارها ..
حدست أن الرجل يلامس ـ بزيارتى ـ تعزيز إحساسه بالحياة ، وتناسى فكرة الموت ، لكنه لا يتحدث إلا عن الموت . كأنه قد مات ، ويحيا ليتحدث عن الموت ..
ـ تنصح بالانتحار ؟!..
ـ لا أنصح بشىء .. أنا عجوز يخرّف ..
واجهته بالقول :
ـ يا أستاذ عبد العال .. ماذا يضايقك ؟..
وهو يتهيأ للقيام :
ـ هل يحتاج الكلام فى الموت إلى سبب ؟!..
بدا أنه يريد الفضفضة ، ينفس عن حصار يعانيه . يحدثنى عن الموت ، يتوقعه ، وإن تمنى أن يفاجئه . لا يدرى بمجيئه . ينام ، فلا يصحو . يأخذ شهيقاً ، فلا يلحقه بالزفير . جئنا إلى الحياة بإرادة الله ، ونخرج منها بإرادته . المهم ألاّ يواجه ما حفظه ـ لكثرة ترديده ـ من سكرات الموت . وكان يرفض ـ تنفيذاً لأوامر الطبيب ـ تناول أى طعام أو شراب بين الوجبات . بدا حذره الشديد من أخطار السمنة مناقضاً لتفكيره الدائم فى الموت ..
لاحظت تلفته فيما حوله ..
قلت :
ـ لم أنته من قراءة الصحف ..
كنت أقبل على صحف القاهرة ، أفيد من موادها لجريدتى . ألتهمها ، فلا أترك حرفاً . حتى صفحة الوفيات التى لم يكن يشغلنى ـ وأنا فى مصر ـ مجرد التطلع إليها ، كنت أتعرف إلى القرابات والنسب والعبارات التى يناجى بها الأحياء موتاهم ..
قلت بالتذكر :
ـ كنت أحلم بجريدة تستكتب أسماء مهمة .. وتباع فى كل المدن العربية ..
قال :
ـ هذا ما سيحدث بإذن الله ..
قلت :
ـ أنا أبدأ من الصفر ..
ونقرت بإصبعى على طرف المكتب :
ـ بالإضافة إلى مسئوليتى فى التخلص من السمعة السيئة للصحافة المحلية ..
وهززت رأسى :
ـ معظم الصحف تصدر فى أوقات متباعدة .. وتعتمد جميعها على القص واللصق ..
وتلون صوتى بحزن :
ـ كنت أفضل لو بدأت فى ظروف مختلفة .. لكن هذا ما حدث ..
وضغطت على الكلمات :
ـ قدمت للعمل فى جريدة تصدر عن مؤسسة مقاولات ..
وأشرت إلى ما حولى :
ـ هذه هى ..
قلت للشيخ النبهانى :
ـ ألاحظ أنك تعرف الكويت جيداً ..
قال الشيخ :
ـ عملت أعواماً فى بلدية الكويت ..
ووشى صوته بتأثره :
ـ الحنين إلى مسقط أكلنى ، فقررت العودة ..
روى لى عن عودة الآلاف من العمانيين . سافروا إلى مدن الخليج ومدن شرق إفريقيا . عادوا لمجرد إنهاء أعوام الغربة . ليس فى أذهانهم مهن ولا وظائف محددة . شغلتهم العودة فى ذاتها . مجرد أن يعودوا إلى حيث ولدوا وأمضوا أعواماً من حياتهم . حين سافروا بعيداً عن مسقط كانوا يدركون أن السفر بلا عودة . يستطيع المرء أن يسافر ، لكن عليه أن يبقى حيث رحل . من يريد الحياة فى السلطنة لا يتركها ، ولو للدراسة أو العلاج ..
قال عبد العال :
ـ لابد أن تتدرب هنا على ألفة كل شئ ..
ثم وهو ينتزع ضحكة :
ـ ربما توجد لافتة شركة مقاولات على دكان يبيع البقالة والأحذية وما لا يخطر على البال !..
وعض شفته السفلى ، وأفلتها :
ـ هذه مجرد تسميات !..
لاحظ الدشداشة المعلقة على مسمار فى الحائط . اشتريتها من سوق الظلام بمطرح . تعلمت من الشيخ النبهانى كيف أفك أزرارها ، وكيف أعطّر الشرشابة . تصورت أنى أنزل بها إلى الطريق . لكننى اعتبرتها منامة ، فلم ألبسها خارج حجرة النوم . توقعى للطرقات الخافتة ، كان يدفعنى إلى نزعها ، وارتداء البنطلون والقميص ..
قال :
ـ إن ارتداء هذا الشىء ينعكس على تفكير الإنسان ..
ـ هناك من يرتدون الزى الأوروبى وأفكارهم متخلفة ..
ـ ربما .. لكن المستحيل أن تظل ترتدى الدشداشة ، وتأمل فى أن تجاوز تفكير البيئة !
قلت :
ـ ألاحظ أن المجتمع العمانى كأنه يقتصر على الذكور ..
رفت على شفتيه ابتسامة غامضة :
ـ المرأة غير موجودة فى هذه المجتمعات ، أو أنها داخل البيوت !..
والتمعت عيناه بوميض التذكر :
ـ الشرطة أخذت زميلاً لنا من على باب عمان بلازا .. امتنعنا عن إلقاء الدروس حتى أفرجوا عنه ..
تكررت رؤيتى لسيارة الشرطة تضع مؤخرتها أمام باب السينما، تلقف كل المغادرين لسينما عمان بلازا. جميعهم من الوافدين، هنود وباكستانيون ولبنانيون وبنغاليون ومصريون وفلبينيون وجنسيات أخرى. يخضعون للتصنيف فى مركز الشرطة بالوطية. يظل فى مسقط من دخل عن طريق المطار ، ويعود إلى بلاده من قدم من مراكز الحدود. يثق فى قدرته على معرفة البلد الذى ينتسب إليه وافد يراه للمرة الأولى، ولا يتبادل معه حديثاً من أى نوع. لا يحدد بواعث التخمين. هى روح، أو صورة كلية ، بلا تفصيلات محددة ..
قلت :
ـ إنهم يعتبرون الإضرابات خطيئة مثل الكفر ..
ـ هل كنا نترك زميلنا فى الحبس ؟..
وأنا أدير كوب الشاى فى راحتى :
ـ الحمد لله أن الأمر انتهى على خير ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:06 PM
النص الكامل لرواية «المينا الشرقية» لمحمد جبريل

الفصل الأول
ــــــــــــــــــــــ
من رواية "المينا الشرقية" لمحمد جبريل

ـ 1 ـ

زجاج القهوة يظهر الناس فى الطريق والكورنيش والبحر والسماء والمارة القليلين . عدد من الرواد اتخذوا أماكنهم على الطاولات المتباعدة ، يقرأون الصحف ، أو يتناقشون ، أو ينظرون ـ فى جلساتهم المنفردة ـ ناحية البحر . كل المقاهى والكازينوهات على امتداد الطريق ، أسدلت التندات لحجب أشعة الشمس عن الوصول إلى الطاولات . أتطلع إلى حدوة الكورنيش الموصلة بين السلسلة وخليج الأنفوشى . ربما تشاغلت بعد البلانسات والفلايك فى الميناء الشرقية ، أو تأمل مئذنة أبو العباس وقلعة قايتباى ، يشيان بحى بحرى القريب . أسراب النورس تحوم فوق سطح الماء ، تصخب ، وتصيح ، وتهبط بمناقيرها . تلتقط الأسماك ، وتعلو ، تتصاعد فى أسراب متداخلة ، تبدو سحباً رقيقة ، متحركة ..
أعدت النظر إلى الجالسين ..
ـ من يقصد الرجل ؟..
بدوا مشغولين فى متابعة قراءة يحيى عباس لقصيدته ..
أراقب الوجوه فى اهتمام ، الملامح والتعبيرات . لو أننى اقتحمت نفوسهم ، أتعرف إلى ما قد تخفيه البراءة الظاهرة . تتسلل نظرتى ، تحاول التقاط من تتجه إليه شكوكى ، من ينصت إلى المناقشات الجانبية ، أو يسجل الملاحظات ، أو يتنبه للكلمات ذات الوقع . أجوس مناطق قريبة وبعيدة . أتذكر أشخاصاً ومواقف ، استدعى أحداثاً . تدفعنى كلمات الرجل ، تمثل خيوطاً أكرّها ، أحسن التقاط طرف الخيط فلا أفلح فى انتزاعه من تشابك الخيوط حوله ..
قال يحيى عباس فى قصيدته :
تحت جدار الوطن المنفى ..
كنت أمد عروق دمائى
أتهيّأ للدفن
وحيداً فى الصحراء
يظهر جنرال الوقت فتياً
يأكل صحن بلاغته
الجوعى
والفقراء (1)
مسحت عيناى الجالسين بسرعة ، تحاول أن تلتقط رد الفعل .. لكن الأعين ظلت في اتجاهها ناحية يحيى عباس ..
أعدت السؤال فى نفسى :
ـ من يقصد الرجل ؟..
لم يكن يشغلنى فى الندوة قبل ثمانى سنوات ـ من أتى ، ولا من انقطع ، ولا كيف تدور المناقشات . أتصور ـ أحياناً ـ أن كل واحد من الجالسين يريد أن يحقق نصراً . يعلو صوته ، فيسكت أصوات الآخرين . لا يدقق فيما يذكره من معلومات ، ولا الآراء التى يعلنها . المهم أن تنتهى المناقشة بابتسامة يجيد رسمها على شفتيه ، وإحساس بالخذلان يلف الجميع ..
قال لى الرجل وهو يحاول تعريفى بنفسه :
ـ حضرت ندوتك ثلاثة أعوام .. ثم حل بدلاً منى زميل آخر ..
كان رأسه خالياً من الشعر تماماً ، فيما عدا بعض الشعيرات المتداخلة السواد والبياض فى الفودين . له وجه ممتلئ ، دهنى ، وصدغان متهدلان . ملامحه لاتبين عن حقيقة مشاعره ، وإن أطلت فى عينيه جرأة واضحة . يرتدى بنطلوناً تتنافر زرقته مع لون السويتر البنى ، ولف حول رقبته تلفيعة من الصوف ..
استطرد للدهشة المتسائلة :
ـ كان حضور الندوة جزءاً من عملى ..
وقال فى لهجة معتذرة :
ـ أنا أهوى الشعر .. لكننى مساعد فى مباحث أمن الدولة ..
داخلنى قلق وتوتر . توالت الأسئلة مندفعة :
ـ ما دخل الندوة بالمباحث ؟ وماذا فيها لتراقب ؟ ومن حل بدلاً منك ؟
قال الرجل :
ـ ألا تعرف أن الندوة مراقبة ؟..
وشاب صوته نبرة تمثيلية :
ـ هذا عملنا يا أستاذ .. كل الندوات يجب أن نراقبها ..
علا صوتى بالدهشة :
ـ لماذا ؟..
ـ لأسباب أمنية ..
ـ إنها قعدات مفتوحة ..
ـ أي تجمع لابد أن نراقبه ..
من العين التي تتابع ؟ ماذا ترى ؟ وبماذا تملى على الورق ؟..
توالت القراءات والمناقشات ، لكنني ظللت غائباً عن كل ما حولي . امتلأت نفسي بالكثير من الهواجس والأفكار والتوقعات غير المحددة : كيف مضت الأعوام ؟ ومن كانوا يراقبون الندوة ؟ ومن يراقبها الآن ؟.. ومضت ، وتوقفت ، في ذاكرتي مئات المواقف التي عشتها . لم أتمهل أمام معظمها ، ولا فكرت فيها ..
لأنى عجزت عن ملاحظة غير المألوف ، فقد شردت فى التذكر . أن أراقب دون سبب مفهوم ، كان ذلك يضايقنى ، ويصيبنى بالتوتر . أزمعت أن أتصرف كأننى لا ألحظ شيئاً ، كأننى لا أبالى . تعمدت أن يظل ما عرفته فى داخلى . تجاهلته ، أو أفلحت فى كتمه ، لا أبوح به ، حتى لا تعلو رائحة الخوف فى الندوة . تطرد المترددين عليها ، يؤثرون الابتعاد وعدم التورط فيما قد ينشأ من مشكلات . صرت أميل إلى العزلة . بدا الصمت ملاذاً من توقعات قاسية . اكتفيت بأن أتيح الفرصة لمن يريد القراءة ، ومن يريد المناقشة . ربما ثارت فى داخلى آراء مؤيدة أو رافضة . أكتمها . أسير فى طريق ضبابية ، أو مجهولة النهايات ..
نبهنى محمد الأبيض إلى أن وقت الندوة انتهى قبل ساعة . أسندت المظروف الأصفر ، الكبير ، إلى صدرى ، وقمت ..
اعتذرت للباقين بموعد فى المنشية . أسرعت فى خطواتى لألغى فرصة مرافقتى . ألفوا الأسئلة وردودى عليها ، حتى أصل إلى محطة ترام 4 المتجه إلى بحرى . ملت من شارع الغرفة التجارية المفضى إلى محطة الرمل . ثم ملت فى التقاطع ، وعدت ثانية ناحية طريق الكورنيش ..
تأكدت من إحكام الجاكت على رقبتى ، ومضيت فى تعالى زفيف ريح ، ينبئ بعاصفة قادمة ..
كانت الميناء الشرقية خالية من المراكب ، فغطس البحر فى سواد ، ماعدا الأضواء البعيدة ، المنبعثة من السلسلة ..
ــــــــــــــــــ
(1) القصيدة للشاعر حسين على محمد.

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:07 PM
ـ 2 ـ

تبدّلت حياتى بعد اللقاء العفوى بينى وبين الرجل . تبدّلت تماماً . لم تعد كما كانت . الإحساس بالخوف يمضنى . لماذا ؟ وممن ؟ . أنشغل ـ بالشرود ـ عن كتاب أقرأه . أعود إلى ما كنت قرأته ، ثم يهزمنى اليأس ، فأطوى الكتاب ، وأكتفى بالشرود . لم يعد يشغلنى إلاّ أن أقابل ذلك المجهول الذى لا أعرفه ..
لم تفارقنى فكرة أن أحداً ما يراقبنى ، يرصد كلماتى وأفعالى ، ويسجلها ، لا يفلت حتى ما يصدر بعفوية . أحاول أن ألتقط طرف الخيط ، البداية التى تقودنى لعوالم مبهمة ، وغامضة ..
كنت أتطلع فى الوجوه المحيطة بى ، أبحث عن واحد بالذات . لا أعرف ملامحه ، ولا إن كان من الدائمين فى الندوة ، أم من الطارئين عليها . هل يكتفى بالإنصات ، أو يسجل المناقشات فى أوراق ؟. أحرص ، فلا تواجه عيناى نظرات الجالسين ، لاتكتشف قلقى . أتلفت ـ إن سرت ـ بتلقائية ـ حولى ، أتوقع العين التى ترصد . داخلنى إحساس بالمراقبة . ثمة من يتتبعنى ، لا يواجهنى ولا أراه . أشعر به . ربما يلاحق خطواتى . تطل نظراته من خصاص نافذة ، يراقبنى فى ناصية ميدان ، أو تحت ظل شجرة ، يتبعنى فى سيارة ، يلتحم بصفوف المصلين فى جامع أبو العباس ..
أفكر فى التوقف ..
أبطئ من خطواتى بالفعل ، لكنننى أواصل السير ، لا أتلفت . يلفنى توقع لا أعرف طبيعته . يلح الإحساس بأن شيئاً ما سيحدث ، لا أعرفه ، ولا حتى أتخيل ملامحه ، لكنه يسيطر على تفكيرى ، ويشغلنى ..
لم أتخل عن الحذر ، ولا عن الخوف مما قد يحدث . الأعين التى تراقبنى ، تتابع تصرفاتى ، تحصى خطواتى ، وما أفعله ، منذ أن أترك البيت إلى عودتى له ، بعد الظهر ، أو فى المساء . أخاف لمجرد الخوف ..
اعتدت التزام الحذر فى التأكد من خلو الشارع . ربما عينان تترصدان قدومى ، تتابعان خطواتى من أول الطريق إلى البيت . أدخل البيت بحذر . أدقق النظر جيداً فيما حولى . حتى حنية السلم ، أحدق فى الظلمة الشفيفة ، ربما تبين ملامح لم أفطن إليها فى النظرة العابرة ..
أفرغت محتويات مكتبى . مزقت الصور والأوراق . ومزقت أجندة التليفونات . قررت أن أستعين بذاكرتى وحدها . الأرقام التى تبعد عن الذاكرة ، أسأل عنها . لا أكتب ملاحظة تحمل المعانى الخطيرة ...
خمنت أن الذى يراقب الندوة لابد أن يكون أسبق الجميع فى الوصول ، وفى اختيار الموضع الذى يحسن المتابعة منه . جلست فى الكرسى المجاور للنافذة المطلة على طريق الكورنيش . ألفت حتى الوجوه التى تتردد على المقهى من غير زملاء الندوة . أرباب معاشات ، وتجار ، وعلاقات شابة ، جديدة . حتى باعة السلع الصغيرة : الساعات والولاعات والأمشاط والسبح ، ألفت ملامحهم ، وأتذكرها ، إذا التقيت بهم فى طريق الكورنيش ..
الرجل ذو البذلة الكاملة طيلة أيام السنة . يقارب الستين ، أو تخطاها . رأسه الضخم يتناقض مع عوده القصير ، ويتناثر فى وجهه نمش داكن . تبدو التقطيبة الدائمة على وجهه كأنها جزء من وجهه ، وأضفى عليه شاربه الكث مهابة . لاحظت مداومته على تحريك عقدة رباط الرقبة . تصورت أنه ينوى فكها ، ثم أدركت أنها عادة له . ألفت رؤيته يجلس بمفرده على آخر طاولات المقهى ناحية اليسار . يقرأ جريدة ، ويرشف القهوة ، ويرمى بنظرات غير متأملة ناحية البحر ..
غاب التوقع فى دخول محمد الأبيض وفتحى عيداروس ويحيى عباس ونادر البقال . لم أفطن إلى من وصل قبل الآخرين ، وتبدّل أوائل القادمين فى المرات التالية . لم أعد أحرص على الوصول قبل السادسة . الموعد الذى حددناه لبداية الندوة ..
***
قال رأفت الجارم :
ـ المؤسف أن يكون ثمن انتصارنا فى أكتوبر .. التحالف مع أمريكا ، والصلح مع اسرائيل ..
قال نادر البقال :
ـ لكننا استعدنا سيناء ..
وداخل صوته أسى :
ـ وإن كنا لا نستطيع أن نحرك فيها جندياً واحداً ..
قال رأفت الجارم :
ـ مشكلة هذا البلد أنه ترك المسئولية لشخص واحد .. هو الذي يقرر متى نحارب ، ومتى نقبل السلام ..
قالت أسامة صابر :
ـ أنا لا أدين اليهود .. يعتدون ويعرضون السلام .. أنا أدين من سكت عن الاعتداءات ورحب بالسلام الذي عرضوه ..
لماذا يحرص رأفت الجارم على أن يتقافز فوق حقل الألغام ؟ هل يلقى طرف الخيط ، فنلتقطه ، ويجد ما ينقله ؟..
قلت :
ـ ألم نتفق على عدم التحدث في السياسة ؟..
قال يحيى عباس :
ـ كلام السياسة مثل شعر الذقن .. نتخلص منه فيعود ثانية ..
كنا نتحدث فى الأدب ، لكن الأحاديث كانت تفضى إلى السياسة . نسأل ، ونجيب ، ونناقش ، ونسترجع ما مضى ، ونطرح التوقعات . مكاننا الذى لم نبدّله زاوية المقهى المطلة على طريق الكورنيش وشارع الأهرام . نسند الكراسى إلى الجدار المكسو بالخشب ، وتكتمل الدائرة ـ أمامها الطاولات عليها أكواب المشروبات ـ بصفوف الكراسى ، حدّها عمود من الأعمدة الثمانية التى تمتد فى الصالة الواسعة . يفصلنا عن حركة الطريق ستائر من التروكلين مسدلة على زجاج النوافذ ..
قال رأفت الجارم :
ـ نحن لا نحيا فى جزيرة منعزلة ..
رأفت الجارم ..
لاحظت أنه يحرص على تغيير مناقشات الندوة . يميل بها إلى الأوضاع الاجتماعية ، أو السياسية . ربما تكلم فيما لا تحتمله القصة أو القصيدة من دلالات ..
يداخلنى ـ بسماع آرائه ـ إحساس بأنه كثير القراءة والاطلاع . يكتفى بالتلقى ، لايجاوزه إلى محاولة الكتابة . يعطى انتباهه لما يلقى من قصائد وقصص . يشارك فى المناقشات بآراء ، أتمنى لو أنها كانت لى . وكان يكتفى بابتسامة محايدة لفكرة أنه يكتب ، وأن عليه أن يقرأ لنا من كتاباته ..
هل يكون هو الذى ... ؟
أعدت تأمله : الاسم يتناقض مع الشعر الأسود ، والبشرة القمحية ، والعينين السوداوين ، والأنف الضخم ، والشفتين الممتلئتين ، وإن بدت ملامحه ـ فى مجموعها ـ أقرب إلى الوسامة . كأنه ألصق البسمة على شفتيه ، تعلق بجانب فمه كالسخرية . وكانت لهجته تلتف بخطورة ، ربما تغيب عن الكلمات . فإذا ضحك غلبه الانفعال ، واهتز جسده ..
روى محمد الأبيض أن رأفت الجارم يهوى اقتناء الكتب الثمينة والنادرة ، ملأ بها ثلاث خزائن هائلة فى صالة البيت ، وإن أكد فتحى عيداروس أنه تركها على حالها ، فهو لايقرأها ، ولا يأذن لأى من أصدقائه باستعارتها ..
لم أكن أحبه ، ولم أكن أكرهه أيضاً ..
***
كان المكتب يبعث رسالة ـ عصر كل يوم ـ إلى القاهرة . أخبار وتحقيقات ومقالات . أتوقع نشر القليل مما تتضمنه الرسالة ، ولا أنشغل بما لم ينشر . ربما لأنى كنت أكتب فى القضايا الأدبية ، وأشارك فى ندوات نادى سموحة ونادى سبورتنج والنادى النوبى ، وندوات المقاهى وقصور الثقافة ، تمنى الأدباء أن أؤدى دور الجسر لمحاولاتهم فى الجريدة . تقاطروا إلى المكتب ، يشاركنى فى الحجرة ثلاثة محررين .. فاروق أبو سليم محرر الفن ، وعبد السلام أبو ستة محرر الأخبار المحلية ، وسيد حماية محرر التحقيقات . يتملكنى الشعور بالغربة وأنا أحيا بينهم ..
كنت أعانى الحرج عندما يتحول الزملاء الثلاثة إلى جزر مختنقة فى بحر الزيارات وقراءة الأعمال والأسئلة والمناقشات . عفو الخاطر ، وما يفد إلى أذهاننا . نتحدث فى الشعر والقصة والرواية والمسرح والسينما والفن التشكيلى والموسيقا والغناء . ربما تطرقنا إلى السياسة . أقطع الخيط فى بدايته ، حتى لا يتشابك ، فلا أستطيع التصرف . وكانت أحاديثنا ترتفع إلى قمم عالية ، فيصيبنى دوار ..
قلت :
ـ نحن هكذا نشكل ندوة أدبية ..
قال نادر البقال :
ـ ملاحظة صحيحة ..
لم أفلت الفرصة :
ـ ماذا لو أننا نظمنا ندوة خارج المكتب ؟..
قال يحيى عباس :
ـ فكرة !
قال قورة إدريس :
ـ تأسست في الإسكندرية سنة 1932 جماعة نشر الثقافة .. هل نعيد تأسيسها في 1982 ؟..
قال يحيى عباس :
ـ ولماذا لا ننقل جلساتنا إلى حدائق الشلالات ، ونعيد اسم جماعة الشلال ؟..
انشغلنا ـ في الأيام التالية ـ بالبحث عن مكان . تصورنا خريطة لأماكن التجمعات ..
قال محمد الأبيض :
ـ النادي النوبي ينظم ندوة أسبوعية .. قد يرحب بندوة ثانية ..
قال قورة إدريس :
ـ أى عضو فى رابطة موظفى الحكومة .. لن يعترضوا على الندوة .. والصالة يجرى فيها الحصان ..
قلت :
ـ أفضل أن تكون الندوة غير تابعة ..
وهتفت بالتذكر :
ـ نحن نلتقي في قهوة المينا الشرقية معظم أيام الأسبوع .. هذا هو المكان الأنسب ..
أعوامي الأربعون لا تجعلني أكبر المشاركين في الندوة . التصور بأنهم قد يفيدون من عملى ، دفعهم إلى القبول برئاستى . كان الأدب شاغلى . يهمنى أن أكتب ما أقدمه إلى الناس . أقرأه ، وأنشره . يسبق ما أكتبه كلمة " بقلم " . يضايقنى أنى أتحدث فى الأدب ولا أمارسه . أكتب عن المؤتمرات والمهرجانات والمحاضرات والندوات ، أحاور كبار المثقفين ، أدير ندوة مقهى المينا الشرقية .. لكننى لا أكتب ما يقدمنى كأديب ، قصة ، أو رواية ، أو قصيدة ، أو مسرحية ، أى شئ يحقق لى صفة الأديب . جريت على القلم بما تصورت أنه يصلح للنشر . ثم أعدت قراءته ، فتبينت سخفه ، ومزقته . التقطت من الدكتور وجدى شعيب أستاذ الفلسفة بكلية الآداب قوله : قراءة الفن تستفز الفنان ليكتب . قرأت كل ما وصلت إليه يداى من كتب . حتى الصحف ، كنت أستعيرها من بائع الصحف أول الموازينى ، أدفع مقابلاً شهرياً ، وأقرأها . كنت أحيا فى الإسكندرية ، وتطلعى إلى القاهرة ..
المناقشات تبدأ ولا تنتهى . لا نأخذ بالنا من أتى ، ولا من انصرف . تتعرى الطاولات من المفارش ذات الزخارف الفرعونية ، وتتناثر فى الأرضية القنالتكس أعقاب السجاير المدهوسة . ينبهنا بسيونى الجرسون حين يطفئ النور ، ثم يعيده . ندرك أن ميعاد إغلاق القهوة قد حان . نلملم مناقشاتنا ، ونتحدث عن مواعيد مقبلة ، ونتهيأ للانصراف ..
قلت لنادر البقال ونحن نميل إلى ميدان المنشية :
ـ يبدو أنه على الإنسان أن يحفظ لسانه ، فلسنا ندرى من هو من الندوة ، ومن هو مدسوس علينا ..
كنت أرتاح للحديث إليه ، لأنه كان ينصت جيداً ، ويبدى اهتمامه ..
قال :
ـ تقصد أن بيننا عملاء ؟..
هززت رأسى مؤمّناً ..
قال :
ـ لمن ؟..
ـ للمباحث طبعاً ..
وهو يحدجنى بنظرة مستنكرة :
ـ ماذا تريد المباحث من ندوة أدبية ؟!..
وداخل صوته سخرية :
ـ هل أصبح الأدب من المحرمات ؟!..
تراقص أمامى ظل يمتد من الخلف . استدرت ، فبدا الرصيف خالياً . لا أحد . أدركت أن ظلينا قد عبث بهما تشابك أضواء الشارع ، والمعلقة على الأبواب . وكان ثمة طيف يقف تحت نخلة ، فى ناصية شارع الميدان ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:08 PM
ـ 3 ـ

حين علا أذان الفجر فى جامع أبو العباس ، كنت صاحياً ، مشغولاً باجترار ماحدث فى الندوة ، هذه الليلة . من كان يتابع القراءة ، ومن كان يتابع همسات الجالسين ، حرصت ، فلا تفوتنى أية حركة أو كلمة أو إشارة . لا أفلت حتى التصرفات العادية ..
ثم ابتلعتنى أمواج النوم ..
صحوت . نظرت فى ساعة اليد الموضوعة على الكومودينو المجاور ..
السابعة . ضوء الصباح يتسلل من خصاص النافذة ، وثمة تيارات من الهواء البارد ، تندفع من تلاقى تقاطعات الشوارع ..
شارع حداية متفرع من ميدان الأئمة . على الناصية قهوة تطل على الشارع والميدان . يستطيع من يكلف بالمراقبة أن يجلس فى الناحية المطلة على الشارع . يتتبع خطواتى حتى دخولى البيت . لو أننى تأملت السحن ، فسأفطن إلى الملامح الطارئة والغريبة . أعرف رواد القهوة ، حتى من لم تنشأ بينى وبينهم علاقات جيرة أوصداقات . يلى القهوة مخزن مغلق وسمكرى سيارات . يسهل أن أتبين فيهما عين مراقبة . الطوابق الأرضية فى البيتين المجاورين ، أعرف سكانهما بالإسم ..
البيت من ثلاثة طوابق . أسرة عطية السمادونى المدرس بمدرسة راتب الإعدادية فى الطابق الأرضى . لا يأذن لكشاف النور أن يدخل الشقة فى غير وجوده ، أو وجود مصطفى ، أكبر الولدين . أقيم مع أمى فى الطابق الأول . فوقنا أسرة الدخاخنى . الزوج عاشور الدخاخنى قارئ ومؤذن مسجد طاهر بك بالحجارى ، والابنة الكبرى صفية فى كلية الآداب ، والوسطى هنية فى كلية الهندسة ، والصغرى ليلى فى الثانوية العامة بمدرسة رأس التين ..
منذ هبط جثمان أبى ـ قبل ثلاثة أعوام ـ محمولاً على الأيدى ، لزمت أمى البيت ، لا تنزل إلا لزيارة الصالحين من أولياء الحى . تعد الطعام ، وتغسل الثياب ، وتنظف الشقة ، وتتلو آيات القرآن ، وتتهدج بالأدعية ، وتكرر الكلام عن قطار الزواج الذى قد يفوتنى ..
أتأمل الوجه الذى لم تؤثر التجاعيد حول العينين والفم فى جماله . الصفاء الطفولى يطل من عينيها ، والابتسامة الهادئة ترافق صمتها وكلامها ..
أقبل أطراف أصابعى المضمومة :
ـ لن أجد زوجة أجمل منك !..
تشيح بيدها :
ـ خذ الأمور بهزار حتى ترفضك البنات ..
كانت تعانى ما أعانيه . تكتفى بالنظر ، والتأمل الصامت ، المشفق . لم أصارحها ـ ولا لمحت ـ بما حدث . تصورت القلق ، والخوف ، والأسئلة التى لن تنتهى ..
جفانى النوم ثانية ، فقمت . ارتديت ثيابى ، ونزلت إلى الطريق . تطلعت إلى ما حولى ، وأمعنت النظر . لا أحد ، والشوارع هادئة ، والصمت سادر ، وثمة عجوز وحيدة ، التف جسمها ببالطو من التيل الباهت اللون . جلست على المقعد الحجرى ، قبالة الكورنيش ، تطعم ثلاث قطط فتات خبز مغموساً فى اللبن ..
توالت الصور متلاحقة ، متشابكة ، لا أدرى لماذا تذكرت قول نادر البقال :
ـ أعترف أنى لا أعرف الفرق بين الرواية الجديدة والرواية الضد والرواية اللابطل والمدرسة الطليعية والمدرسة الحديثة ومدرسة العبث والشكلية والبنائية .. تسميات كثيرة متلاحقة .. لا أستطيع أن أفرق بينها ..
كان نادر البقال يراجع كلماته أثناء النقاش . يتصور أن الكلمات ليست كافية لتوضيح رأيه . لا يطمئن إلى وصول المعنى ، يضيف إلى ما قاله ، ويحرص على توضيحه . كلمات لتأكيد المعنى ، ثم يزيد فى حديثه . يبدو أنه أنهى رأيه ، لكنه يبنى عليه رأيا آخر . ربما أشار إلى أنه لم يعد لديه ما يقوله ، ثم يضيف ما قد ينشئ قضايا لم تكن واردة . يتأمل ما قاله . يخشى أنه لم يحسن التعبير ، أو أن الجالسين لم يفهموا . يعيد صياغة الكلمات ، أو يضيف إليها . الكلمات تجر كلمات أخرى كثيرة ، تالية ، والفكرة تمضى فى طريق غير واضحة ، أو تتشظى إلى أفكار يعجز عن حلها . يستطرد إلى جوانب لا تتصل بالقضية التى نناقشها . تراكمات من الكلام تبدو ـ فى النهاية ـ غير متصلة . لا صلة لما بدأ به كلامه ، بما أصر أحدنا على أن يقاطعه ليبدى رأيه . وكانت تشغله آراء الآخرين ، وملاحظاتهم . يبدى اهتمامه بكل ما يقال ، ويعانى الارتباك ..
قلت :
ـ أرى أن نخصص ندوة لكل مدرسة ..
قال كمال أبو القمصان :
ـ ومتى نقرأ كتاباتنا ؟..
قلت :
ـ نحن ورشة أدبية .. المفروض أننا نتعلم ..
قال فتحى عيداروس :
ـ أفضّل أن أكون بلية فى ورشة أسامة صابر ..
تلفت محمد الأبيض ـ بتلقائية ـ حوله :
ـ الحمد لله إن أسامة غير موجودة ..
وجرى فى الهواء براحة يده :
ـ كانت قطّعتك ..
لم تكن أسامة جميلة الملامح ، وربما بدت ملامحها غير متناسقة ، فدقة الأنف تناقض غلظة الشفتين واتساع الفم ، والجبهة العالية أقرب إلى الاستدارة ، ولكن أسامة كانت تروق لى . يجذبنى إليها بساطة آسرة ..
قالت :
ـ الفتاة التى يقيم الرجل علاقة معها .. هل يفترض أنه يحبها ؟..
لعينيها نظرة صريحة ، تثبتها فى عين من تتحدث إليه ، فتربكه ..
قلت :
ـ طبعا ..
وضعت ساقاً فوق ساق ، وراحت تهز قدمها المدلاة :
ـ حتى لو كانت علاقة ليلة ؟..
عرانى ارتباك :
ـ هذا شأن آخر ..
وهى تعبّر بشفتيها وفمها وتقاطيع وجهها وأصابعها :
ـ لماذا لا أبحث فى الشاب أنا أيضاً عن هذا الشأن الآخر ؟..
وزوت ما بين حاجبيها :
ـ لماذا لا أجرب المتعة دون ارتباطات .. مثل الرجل ؟!..
وامتصت السيجارة بقوة ، فغارت وجنتاها :
ـ بصراحة .. أنا لا يشغلنى الرجل الذى أصحبه إلى بيته لأمارس الجنس معه ..
ثم وهى تضغط على نهاية الكلمات :
ـ ما حققه الأديب الرجل من تفوق على الأديبة المرأة يعود إلى حريته فى إشباع غريزته الجنسية .. وهو ما لا تمتلكه المرأة ..
وران على صوتها تهدج :
ـ فلماذا لا تملكه المرأة ؟..
وتطلعت ـ بعين غير متأملة ـ إلى امتداد الأفق :
ـ أنا لا أرغب فى مجرد العلاقة الجنسية .. الجنس فى ذاته لا يشغلنى .. ما يهمنى هو التخلص من القيود التى يحرص الجميع على تكبيلى بها .. العفة المفروضة بالأوامر والتوجيهات ..
وارتعشت ملامحها بالانفعال :
ـ إذا كان للرجل إرادة ، فإن للمرأة إرادتها كذلك .. وإذا كانت إرادة الرجل تزين له إقامة العلاقات العاطفية والجنسية .. فلماذا تحجم المرأة عن ذلك ؟
ثم أنزلت ساقها ، ومالت بجسمها إلى الوراء :
ـ لماذا يطاردنى الرجل ، وأتظاهر بأنى رضخت فى النهاية ؟!.. تستهوى الرجل فتاة ما ، ولابد أن رجلاً ما يستهوى الفتاة .. فلماذا يعلن ما بداخله ، وتكبت هى ما بداخلها ؟..
قال فتحى عيداروس :
ـ أنصحك بصداقة سيدى العجمى .. فهو يكره النساء !..
استطرد قورة إدريس :
ـ وهو أيضاً حامى الحشاشين ..
أضاف للدهشة فى عينى أسامة :
ـ اعتاد الحشاشون أن يرضوا المزاج وراء ضريحه ..
خمنت أنه لا يفكر فى المناقشات التى يدلى فيها بآرائه . لا يناقشها فى ذهنه ، ولا ينشغل بها بعد أن ينصرف . ربما جلس إلى أصدقاء آخرين ، أو شاهد فيلماً فى التليفزيون ، أو مارس رياضة المشى . قد يفعل شيئاً ، أو أشياء ، لكنه لا يخلو إلى نفسه لتدبر مشكلة ما . وإذا تحدث ، تلاحقت الكلمات ، كأنه يريد أن يتكلم فى أشياء كثيرة ، فى اللحظة نفسها ..
فوتت ملاحظة قورة إدريس . اتجهت إلى فتحى عيداروس بعينين متسائلتين :
ـ لماذا العجمى ؟..
قال فتحى عيداروس :
ـ لجأ إلى المنطقة التى تسمت باسمه .. فراراً من زوجة أبيه التى أساءت معاملته .. وعاش حياته يكره النساء ويكره استقبالهن .. حتى بعد وفاته !..
قالت أسامة صابر وهى تدفعه بأصابعها فى صدره :
ـ أنا أريد من يحبنى لا من يكرهنى !..
قال محمد الأبيض :
ـ لن تجدى من يحبك ويوافق على شروطك الغريبة !..
رمقته بنظرة استياء :
ـ حتى فى الزواج .. أرفض منطق البنت التى تنتظر تقدم الولد لخطبتها ..
وعدّت على أصابعها :
ـ بلا زواج .. أستطيع أن أذهب إلى السينما بمفردى ، وأتردد على المطاعم ، وأتجول فى الأسواق ، وأتفرج على الفاترينات ، دون أن أخشى غضب زوجى ولومه ..
وجاشت عواطفها :
ـ حريتى أجمل من أن أخضعها لمن ينظر فى الساعة عند عودتى إلى البيت ، أو يقطع قراءتى فى كتاب ليطلب فنجان قهوة ..
ثم وهى تهز رأسها :
ـ المصيبة أن الزواج يعنى إقامة علاقة جنسية بموافقة المجتمع ..
التقطت أذنى ما همس به قورة إدريس لنادر البقال :
ـ أثق أن فخذى أسامة صابر لم يلتقيا منذ البلوغ !..
غلب محمد الأبيض انفعال :
ـ هل أنت واحد من الذين غزوا فخذيها ؟..
قال نادر البقال :
ـ أسامة رجل فى اسمها وتصرفاتها ..
وتداخلت فى صوته بحة :
ـ أثق أنها لن تسلم نفسها إلاّ للرجل الذى ستتزوجه ..
رمقه قورة إدريس بنظرة مرتابة :
ـ تثق ؟!
وهو يتجه بعينيه إلى الناحية المقابلة :
ـ لى تجربة فاشلة معها !..
قال محمد الأبيض :
ـ أسامة تذكرنى بأسطورة كاينيس Kainis بنت ملك اللابيثيين ..
قال فتحى عيداروس :
ـ أسامة بنت الحاج صابر أصبحت أسطورة ؟!
قال الأبيض :
ـ كانت كاينيس ترفض الزواج حتى لا تخضع لسلطة أى رجل ..
قال قورة إدريس :
ـ ما أعرفه أن فتاة الأسطورة تعرضت للاغتصاب .. وأسامة قد تفعل هى فعل الاغتصاب !
وجرى بأصبعين فوق شفته العليا ، يبرم شارباً وهمياً :
ـ ثم إنها منحت القدرة على التحول إلى رجل حتى تحمى نفسها ..
قال نادر البقال :
ـ أسامة ترفض دور الأنثى من أصله !
وأنا أعبر طريق الكورنيش ، توقفت لعبور سيارة لورى زرقاء مغلقة ، تهتز قضبان النافذتين من كل جانب بأيد لم أر أصحابها ، وإن ترامت أصواتهم بالهتاف : اسلامية .. اسلامية ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:10 PM
ـ 4 ـ

شئ ما بدأ يتسلل إلى داخلى بالضيق . علت التوقعات والتخمينات والأسئلة . كانوا ينصتون إلى القصة . يقرأها كمال أبو القمصان بصوت منغم ، ويضغط على مخارج الكلمات . أتظاهر بالإنصات ، لكننى كنت أصيخ السمع إلى الهمسات الجانبية ، أستعيد الكلمات ـ بينى وبين نفسى ـ أتأمل معانيها المعلنة والخفية ، وأرقب التصرفات باهتمام ، انعكاسات الأسماء والتعبيرات التى تنطلق من على الطاولات المتلاصقة . أهملت ملاحظة محمد الأبيض بأنى لم أعد أدير الندوة جيداً ، وأنى أكتفى بالتأمل . يشغلنى المجهول ، الغامض ، الذى أتوقع ظهوره ..
تملكنى شعور بأنه ثمة من يراقب كل كلمة ، وكل تصرف . النظرات ترمقنى ولا أراها ، وإن كنت أشعر بها . تحولت الأعين المحيطة بى إلى عين كبيرة ، واسعة ، تربكنى ، فأنا لا أستطيع الكلام أو الحركة بطبيعتى . أضع حساباً للعين التى لا تهمل كلمة أو تصرفاً . أخشى أن أقول ما لا ينبغى قوله ، ما يؤخذ علىّ ، ويساء تفسيره . ألوذ بالصمت . أتحصن به . الصمت وحده يبعد الآذان المتنصتة ، والتوقعات . حتى القضية التى أجد لنفسى رأياً فيها ، أكتم ما بداخلى ، لا أعلنه . ربما أجبت عن السؤال بإشارة صامتة ، أو هزّة رأس ، أو تعبير بالأيدى . ربما الملاحظة ـ والمؤاخذة ـ على طريقة الكلام ومدى الانفعال ، مدى الإحساس بالأمل والخيبة والفرح والإحباط . تهت فى طرق متعرجة ، لا أعرف إلى أين تنتهى ، ولا كيف أخرج منها ..
ملأنى الإحساس بـأن شيئاً ما خطيراً يوشك أن يحدث ، أتوقع ما لم أحدد صورته ، ما يصعب تصوره . غابت العفوية فى الكلمات . أتأمل وقعها ، وأتدبره . ربما ـ إن أصبحت سطوراً على الورق ـ تحمل ما لا أريده من المعنى ، وتورطنى فيما لا أقصد قوله . تبدو التصرفات بريئة ، ولا تثير الشك ، لكنها ليست كذلك ، ويجب أن أتنبه إليها . حاولت أن أعود إلى مألوف مشيتى ، فلم أوفق . حتى خطواتى أشعر بارتباكها لتصور الخطوات المتابعة ..
كنت أدرك ـ منذ كلمنى الرجل ـ أن الأعين المبثوثة تراقبنى . ربما ليس فى الندوة وحدها . أتوجس من النظرات فى الجريدة ، وعلى الرصيف المقابل للبيت ، وفى محطة الأوتوبيس بميدان المنشية . يصطدم كتفى بمن لا أعرفه . لا ينطق باعتذار ولاعتاب ، وإن تأكدت فى نظراته أنه يعرفنى . وكنت أحرص على إصاخة سمعى من وراء باب الشقة ، وأنظر من العين السحرية ، ومن خصاص النافذة حتى للهمسات التى تلتقطها أذنى ..
كنت ـ قبل أن أغلق ضلفتى البلكونة ـ أطل على الشارع . أطيل تأمل الجالسين على القهوة والواقفين والمارة والمطلين من النوافذ المقابلة . نظرت ـ للمرة الأولى ـ من نافذة المنور : الأقفاص وقطع الخشب والصناديق المتكومة إلى قرب منتصف الطابق الأرضى ومواسير المطابخ والحمامات ودورات المياه علاها الصدأ ، وسرت بالنشع فى الحوائط . أستكين لمعرفتى بأن مفتاح المنور نسخة وحيدة عند ساكن شقة الطابق الأرضى ، ولكن الأسئلة تظل تلح علىّ ، وتثيرنى ..
عادت الأسئلة تفرض نفسها : من ينقل ما يدور فى الندوة ؟.. من يكتب التقارير ؟.. هل هو نادر البقال ؟ ملاحظاته العفوية لاتشى بذلك . هل هو محمد الأبيض ؟..
لم يكن يشغلنى حضوره ، ولا غيابه ، ولا أين يذهب أو يجئ . تبدّل الحال بعد أن وضعت قلقى فى النظرات المحدقة ، المتطلعة إلى ماوراء الكلمات والتصرفات . بدأ اهتمامى به لأنى بدأت أهتم به ..
قال فتحى عيداروس :
ـ الولد محمد الأبيض أشبه بصدفة لا يعرف أحد ما بداخلها ..
كنا قد ألفنا غيابه عن الندوة ، وعودته إليها . تمر الأشهر دون أن يأتى إلى المينا الشرقية ، أو حتى يذكر أحدنا أنه التقى به . يكتفى بالقول ـ رداً على السؤال ـ : كنت مسافراً . لم يكن يتحدث عن عمله ، ولا عن ظروفه الأسرية . يحضر فى بداية الندوة ، ويظل إلى انتهائها . يمضى من شارع الأهرام الجانبى إلى شارع الغرفة التجارية ، فميدان المنشية . يواصل السير فى شارع فرنسا ، بينما تمضى الأوتوبيسات بالآخرين إلى أحياء المدينة ..
تحدث عن بيته المطل على ناصية شارعى رأس التين والموازينى ، وتحدث عن المكتبة الحجازية التى يشترى منها الكتب ، ويستعيرها ..
***
عرفت أنه يطيل الوقوف ـ للقراءة ـ فى المكتبة الحجازية بشارع الميدان ..
كنت أريد أن التقى به بعيداً عن القهوة . ميزت قامته الطويلة ، والصلع الذى تسلل إلى مقدمة رأسه ، وحاجبيه الكثيفين ، وعينيه العسليتين ، وراء نظارته الطبية . الكتب ـ بلا انتظام ولا ترتيب ـ تعلو الأرفف وعلى الأرض وفوق الطاولة التى تفصل بين الشارع ومدخل المكتبة . آلاف الكتب المجلدة والجديدة والمهترئة . يبدو فى وقفته ، مستنداً إلى الجدار جزيرة ساكنة وسط صخب شارع الميدان : أصوات صحن البن والنداءات والصيحات والشتائم والأدعية ، وروائح السمك المشوى والكابوريا والجمبرى والملح والعرق ، ورائحة الشواء المترامية من كشك زجاجى على ناصية شارع اسماعيل صبرى ..
قال محمد الأبيض فى لهجة مرحبة :
ـ هل تريد كتاباً محدداً ؟..
ألفت لثغة لسانه ، وتحويل الراء غيناً ..
ـ بل أريد أن أتحدث إليك ..
نطقت عيناه باهتمام ، وإن ظل صامتاً ..
سرنا فى اتجاه الموازينى ..
أزمعت أن أتعرف إلى ما يهمنى دون أن أتطرق إلى المراقبة . شرق حديثنا وغرب . اكتفيت بالأسئلة ، وبدا الصدق فيما روى . قطع تعليمه عندما أدرك أن ظروف أسرته لا تقوى على تكاليف الدراسة الجامعية . رضى بوظيفة فى مصلحة الموانى والمنائر . للأنفوشى رائحته التى أتبينها بمجرد اقترابى منه . اختلاط رائحة اليود والملح والطحالب والأعشاب والأصداف والأسماك الميتة . أتذكر الأنفوشى إذا صادفت أنفى رائحة مقاربة . جلسنا فى قهوة تطل على ميدان أبو العباس وباب الجامع والبناية الهائلة التى سدت الطريق إلى السيالة وياقوت العرش . إلى اليسار الحديقة ذات الفسقية المتهدمة ومستشفى الأطفال . وإلى اليمين يمضى الطريق إلى قلعة قايتباى ومعهد الأحياء المائية وحلقة السمك ..
فاجأنى بقوله :
ـ هل قرأت مقال عاطف المنياوى فى الأهرام ؟..
لم أكن قرأت المقال ، فسكت ..
ووشى تهدج صوته بتوتر :
ـ إنه يعيب على الدولة تأخرها فى تطبيق الخصخصة ..
وكز على أسنانه ، فأحدث اصطكاكها صوتاً مسموعاً :
ـ مايحيرنى أنى قرأت كتابين للرجل فى عهد عبد الناصر عن حتمية الحل الاشتراكى
اصطنعت ابتسامة متوددة :
ـ لكل عهد ظروفه ..
ظل على توتره :
ـ ورجاله ..
ثم وهو يهز رأسه :
ـ عاطف المنياوى وأمثاله رجال كل العهود ..
وأشاح بيده ذبابة حطت على أنفه :
ـ مشكلة هذا البلد أن مثقفيه إما وصوليون ، أو عاجزون عن الوصولية !..
قلت ، ربما لأجاوز الصمت الذى ساد لحظات :
ـ ماذا تعمل ؟..
ـ أراسل بعض الصحف فى الخليج ..
غابت الراء تماماً فى الغين الواضحة ..
قلت فى صوت مبطن بالود :
ـ من الإسكندرية ؟..
وهو يراقب حصاناً تكوم أمام العربة الكارو ، وسط شارع الميدان :
ـ مقالات الأدب لا تشترط موطناً ..
غمزت بعينى :
ـ صحف الخليج الآن مورد رزق أدباء الترحيلة المصريين ..
قلب شفته فى استياء :
ـ تعبير غير لائق ..
وأنا أتأمله بنظرة طويلة :
ـ لكنه دقيق ..
واجهنى بملامح مكتئبة :
ـ أنت تتقاضى مرتباً ثابتاً ..
وسبحت نظراته فى آفاق غير مرئية :
ـ لولا مكافآت هذه المقالات لمت من الجوع ..
واتسعت فتحتا أنفه :
ـ أنا مفصول من عملى ..
أدركت أنى سرت فى طريق خاطئة . لم أسأله عن وظيفته ، وما إذا كانت مراسلة صحف الخليج مورد رزقه الوحيد ..
ـ أعرف المحررين فى مكاتب الصحف بالمدينة .. تصورت إن المراسلة عمل إضافى ..
ـ هذا عمل فرضته الضرورة ..
قلت متنبهاً :
ـ لماذا ؟..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:10 PM
ـ 5 ـ

استيقظ على دقات عنيفة ، متوالية . بادلته أمه نظرة خائفة ، متسائلة . تخيل إن الطرقات ستحطم الباب ، أو تخلعه .
تدافع الرجال للدخول ، يرتدون البدل والبلاطى فوق الجلابيب ، والعصى فى أيديهم . أضيئت الأنوار فى النوافذ المقابلة ، والمجاورة ، على وقع الأقدام والنداءات والأوامر .
فتح الرجال أبواب الدولاب . فتشوا الملابس والأوراق والكتب . بعثروا كل ماوصلت إليه أيديهم ..
تبعهم إلى حجرة النوم . جلس إلى جوار الأم على حافة السرير . غاصت أيديهم فى مرتبة السرير والوسائد واللحاف ، مزقوها بمطاو ..
اتجهت نظراتهم إلى غير شئ ، وإن مسحت جوانب الحجرة ..
قلب الكتب . تنقل بعينيه بين سطورها . فقه السنة للشيخ سيد سابق .. من هنا نبدأ لخالد محمد خالد .. رد قلبى ليوسف السباعى .. بين القصرين لنجيب محفوظ .. الزعيم أحمد عرابى لعبد الرحمن الرافعى .. فى بيتنا رجل لإحسان عبد القدوس .. البيضاء ليوسف إدريس ..
ـ من تشيكوف ؟..
ـ مؤلف هذا الكتاب ..
زعق :
ـ أعرف القراءة .. من هو ؟..
ـ أديب روسى ..
رمقه بعين باردة :
ـ شيوعى يعنى ..
أدرك غياب الجدوى فى أن يخبره بـأن تشيكوف لم يلحق الشيوعية ، فظل صامتاً ..
أعاد الضابط الكتاب إلى موضعه :
ـ هذه أيام التطرف الدينى .. ما يهمنى هو كتب الدين ..
ـ كتب الدين جزء من مكتبتى ..
ـ لن تقنعنى بأنك شيوعى بينما تخلى الروس عن الشيوعية ..
صرخ :
ـ أنا ولا حاجة .. أنا أقرأ وأكتب لأنى كذلك ..
ـ كثرة كتب الدين تشى بميولك ..
ـ هذا افتراء ..
اصطنع الهدوء :
ـ سأفوّت ما قلت لأنى ضيف فى بيتك ..
ثم بلهجة فاترة :
ـ تنظيمك إسلامى ..
اتسعت عيناه بالذهول والخوف :
ـ أى تنظيم ؟..
دون أن يجاوز هدوءه :
ـ التنظيم الذى تعمل معه ..
خرجت الكلمات مبحوحة :
ـ أنا لا أعرف عم تتكلم ..
كان الضابط قد جمع كتباً ذات عناوين دينية : إحياء علوم الدين .. محمد رسول الله والذين معه .. انجيل برنابا .. على هامش السيرة .. الفقه على المذاهب الأربعة .. دفع بها إلى الضابط الشاب الواقف بجانبه ، وقال وهو يتجه إلى باب الشقة :
ـ تعال معنا .. ستعرف عم أتكلم ..
وضع رجلان يديه خلف ظهره ، وعصبا عينيه ..
***
داخله اطمئنان ، عقب مفاجأة الاعتقال . يثق أنه لم يكن له ـ فى يوم ما ـ علاقة بالسياسة . لم يشارك فى مظاهرة ، ولا اعتصم داخل الجامعة ، ولا وزع منشورات ولا شارك فى تنظيم سرى . حتى عمله فى مصلحة الموانى والمنائر ، لم يكن له فيه أصدقاء ، ولم يكن يملك سراً يحتفظ به ، فلم يجهد ذهنه فى استيعاب ما حدث ، تقبّله على علاّته ، ودون فهم ، وإن تيقن أن الخطأ الذى حدث ـ هو خطأ بالتأكيد ـ سيفطنون إليه . يكتشفون حقيقته ، فيعتذرون ويفرجون عنه . يعيدونه إلى البيت ..
مل الانتظار على الكرسى الوحيد بالحجرة الخالية من الأثاث . لا نوافذ ، وتدلت من السقف لمبة شاحبة الضوء . نسى ساعته فى البيت ، فغاب الوقت . تتناهى همسات ، نداءات شاحبة ، تقترب خطوات ، وتتلاشى . إذا تنبه على صوت ، اتجهت عيناه إلى الباب ، ينتظر فتحه . لم تشغله النهاية ، وإنما توتر الانتظار ..
قلب الضابط لحظات فى الملف أمامه . ثنى غلافه ، فلا يبين إلاّ أطراف الأوراق داخله . حدجه بنظرة متأملة ، ثم نظر إلى الملف . ثم تطلع ـ ثانية ـ إلى وجهه ..
ـ أين كنت عصر يوم الأحد ؟
وهو ينفض يديه :
ـ لا أذكر ..
جز الضابط على أسنانه :
ـ لا تذكر ؟!..
ثم بصوت أهدأ :
ـ من حرضك على وضع القنبلة فى السنترال ؟..
تماوج ـ فى داخله ـ القلق والدهشة والخوف . أطال النظر إلى الضابط ، يتأمله . وجه شمعى ساكن الملامح ، لا يعبر عن انفعال ، ونظرة زجاجية ، باردة ، عجز عن النفاذ منها ، أو تخمين ما وراءها . أبرز مافيه خصلة شعر متهدلة فى مقدمة رأسه ، وأنف طويل ، معقوف ، وبدا شاربه خطاً عريضاً فوق شفته العليا ..
ـ لا أعرف ما تتحدث عنه ..
ـ وضعت القنبلة فى السنترال .. من الذى دفعك إلى ذلك ؟..
عرض صديقه إسماعيل الحمامصى أن ينتظره فى السيارة حتى يدفع فاتورة التليفون . اقترح الحمامصى أن يصحبه إلى سينما ريالتو . اعتذر بمرافقة أمه إلى الطبيب . قال وهو ينزل من السيارة على ناصية شارع السلطان حسين :
ـ أنتظرك غداً فى محطة الرمل ..
لم يكن الضابط ينصت إلى الأجوبة . الأسئلة تتوالى ، ورجل جالس على جانب المكتب ، يسجل ما يمليه الضابط من أسئلة وأجوبة ..
قال :
ـ دخلت مبنى السنترال ويداى خاليتان من أى شئ !..
وغلبه انفعال :
ـ ليس لديكم ما تأخذونه على ..
ثم وهو يدفع إليه بما فى جيوبه :
ـ هاهى ذى أوراقى كلها سليمة .. البطاقة .. رخصة السيارة .. رخصة القيادة ..
مد الضابط يده :
ـ أرنى ..
كرر الأبيض مدفوعاً برغبته فى الخلاص :
ـ كلها سليمة !..
كور الضابط البطاقة والرخصتين بآخر ماعنده ، ثم قذف بها على الأرض :
ـ والآن ؟!..
صرخ :
ـ لماذا ؟..
ـ لكى نبدأ من أول السطر ..
بدا أن الضابط يثق فى تلف الأعصاب بانقضاء الوقت ..
ـ ماذا تريدون ؟..
ـ لماذا وضعت القنبلة ؟..
صعدت السخونة إلى رأسه :
ـ أى قنبلة ؟!
أهمل الضابط إجابته المتسائلة :
ـ من حرضك على وضعها ؟..
ـ أنا لا أعرف شيئاً عن القنبلة التى تتكلم عنها ..
وهو يهز سبابته :
ـ تعرف .. ولا بد أن تتكلم ..
مط شفته السفلى بما يعنى عدم الفهم :
ـ أتكلم عما لا أعرفه ؟!..
هوت الصفعة بصفير :
ـ تتكلم عما تعرفه ..
وواجهه بعينى الشرر :
ـ التنظيم الذى دفعك إلى وضع القنبلة ؟..
واعد رانيا على اللقاء فى الثالثة أمام السنترال ..
كان قد حدد لنفسه نصف ساعة يدفع قيمة عقد التليفون . ينزل من الدور الثالث إلى الباب الجانبى . يلقاها فى انتظاره . يمضيان إلى ميدان محطة الرمل . ظل فى مفاجأة ما حدث ، حتى أغلق عليه باب الحجرة فى المكان الذى لم يتبينه . لم يلحظ حتى إن كانت رأته وهم يقتادونه إلى السيارة السوداء ..
تلاشت الطمأنينة فى القلق حين اقتيد ـ معصوب العينين ـ إلى سيارة . وشى طول الوقت ببعد المسافة . ترامت أصوات أبواب ومزاليج ، تفتح وتغلق ، يعقبها نداءات وصيحات مختلطة ومشوشة . ثم عاد الصمت ..
دفعته قبضته فى ظهره . اندفع إلى الأمام . تماسك حتى لا ينكفئ على وجهه . أحس بألم فى أصابعه لثقل جسمه عليها . تعثر فى يد أمسكت بساقه . لحقته أيدى سحبته إلى الأرض المبلطة . انهالت عليه الهراوات ، وقبضات الأيدى ، وركلات الأقدام . اختلطت الضربات ، وتوالت . لم يعد يدرى من يضربه ، ومن يكتفى بالفرجة ....
لم يدرك إن كان هو الذى نفذ الأمر ، أم أن ثيابه نزعت عنه . أجبروه على نزع ثيابه تماماً . حتى ثيابه الداخلية نزعها ..
زعق الضابط ذو الوجه الشمعى . انهال عليه أقرب الرجال بالعصا . جرى وجرى ، والعصى تجرى وراءه ، تنزل على ما تصل إليه من جسمه ..
أغلق الشرطى من ورائه الباب الحديدى المصمت ، خلت الحجرة من النوافذ ماعدا كوة صغيرة أعلى الجدار ..
بدا الرجال الثلاثة متباينى الأعمار ، ارتدوا ثيابا مدنية ، بدلاً صيفية كالتى يرتديها السعاة . اختطلت ملامحهم فى عينيه ، وتشوشت . لم يعد فى الذاكرة إلاّ وجه مجدور ، وبشرة سمراء اصطبغت بلون نحاسى ، وصدغين متهدلين ، وأنف أفطس ، وعينين تعانيان جحوظاً واضحاً ، ورأس انغرس بين الكتفين ، فبدا الجسد بلا عنق ..
قال الرجل الواقف أمامه :
ـ لماذا لم تعترف بجريمتك ..
رفع إليه عينين مرهقتين :
ـ أنا لم أرتكب جريمة ..
أطال الرجل تأمله ، وقال وهو يسوى شاربه :
ـ ليس عندى وقت لأضيعه معك ..
وشخط بآخر ما عنده :
ـ من دفعك إلى وضع القنبلة ؟..
ـ لا أعرف عم تتكلم ..
أظهر الرجل نفاد صبره :
ـ ستعرف حالاً !..
تقدم الرجلان . ثنيا ذراعيه وراء ظهره ، وسدد الثالث ، الواقف أمامه ، لكمات متوالية فى بطنه ، حتى سقط على ركبتيه . رفعه الواقف أمامه بساعده ، ورفعه فى الفراغ ، ثم قلبه دون أن يقوى على التملص أو المقاومة . علق قدميه فى حبل مبروم متدلّ من السقف ، ورأسه فى أسفل . يرى ما حوله بما لم يستطع التحقق منه . توالت الضربات على القدمين المعلقتين ، سريعة ، متلاحقة . صرخ للمفاجأة ، وللألم . ثم ذوت مشاعره . لم يعد يتألم ولا يصرخ . انفصلت قدماه عن جسمه ، وعن مشاعره . أغمض عينيه ، وسرح فيما لم يتبينه . حل شعور يختلف عن الألم ، لحظات تناوحت فيها المشاعر ، وإن فرضت خصوصيتها المؤكدة ..
لما أنزله الرجل ، لم يستطع الوقوف . تسلل خدر إلى يديه وساقيه . بدا له أنه يقف فى الهواء ، أو أن قدميه انفصلتا عن جسده ، فهو لا يقوى على الحركة . دارت به الدنيا ، وغامت المرئيات ، واضطربت ، وتلاشت . حل سواد ، كأن الدنيا أظلمت ، أو أنه فقد الرؤية ..
ميز فى غبشة الرؤية رجلاً لم يسبق له رؤيته . وجه يوحى بالألفة ، وبشرة قمحية صافية ، وعينان لوزيتان شديدتا الالتماع ، وابتسامة رائقة . له عود نحيل فاره . يرتدى قميصاً مشجر اللون ، ينفتح عن صدر مشعث الشعر ..
ـ من فعل بك هذا ؟..
أظهر ملامح متألمة :
ـ ماذا فعلتم يا أولاد الكلب ؟!
واتجه إليه بنظرة مشفقة :
ـ لماذا لا تعطيهم ما يطلبون وتبعد عن هذا المكان ؟..
انتزع الكلمات :
ـ يريدون اعترافاً بجريمة لا أعرفها ..
دفع إليه بسيجارة
ـ لا أدخن !..
رسم على شفتيه ابتسامة مجاملة :
ـ تفعل خيراً .. السجاير مضرّة بالصحة ..
وقال فى صوت أملس :
ـ اعترف لتنقذ نفسك ..
قال محمد الأبيض :
ـ لكننى لم أفعل ما أعترف به ..
همس الضابط بنبرة تمثيلية :
ـ أحدهم أغراك بوضع القنبلة داخل السنترال .. قل لهم اسمه .. وعد إلى بيتك بالسلامة ..
ـ لكننى لا أعرف شيئاً عن تلك القنبلة ..
تململ الضابط فى جلسته :
ـ أنت هكذا تعقد الأمور ..
وداخل صوته نبرة غضب :
ـ من حرضك على وضع الحقيبة ..
أردف لدهشته المتسائلة :
ـ دخلت سنترال المنشية عصر أول أمس .. تركت قنبلة فى كابينة التليفون .. وانصرفت ..
وأمسك بكتفيه ، ودنا بوجهه منه :
ـ بعد أن تتكلم لن نكون بحاجة إليك .. من يهمنا هم المحرضون !..
***
حل سكون إلا من صرير الأبواب الحديدية تفتح وتغلق . قد يعلو صوت آمر ، أو شخطة ، أو صرخة .. ثم يعود السكون ..
اقتحم الضوء الحجرة بانفراجة الباب ..
وقف الرجل يتأمله ، وثمة التماع غريب فى عينيه . ليس غضباً ولاحقداً ولا كراهية . لم يكن رآه من قبل ، ولا عرف وظيفته . البدلة الصيفى مما يرتديه الناس فى الشوارع ، وفى أماكن العمل ، وسحنته لا تشى بسن محددة ، ولا وظيفة عالية ، أو بسيطة . يمكن أن يتصوره ضابطاً أو جندياً ، أو موظفاً كبيراً أو صغيراً . بدت النظرة الملتمعة كأنها تلهف لرؤيته ، كأن الانتظار أتعبه حتى قدموا به إليه . اقترب منه حتى شم رائحة السجاير فى فمه . قبل أن يعد نفسه للإجابة عن الأسئلة التى توقع أن الرجل سيواجهه بها : الإسم ، والوظيفة ، وعنوان البيت والعمل ، رفع الرجل ذراعه إلى أعلى ، ثم هوى براحته على وجهه . لم يتدبر جيداً وضع الصفعة . أطارت النظارة الطبية ، وسرت بالألم فى الجبهة والعينين . أقعى على ركبتيه ، يبحث عن النظارة . لحقته ركلة فى مؤخرته . سقط وقام . أسقطته ركلة ثانية . قام . سقط . تكور حول نفسه . أحاط وجهه بساعديه . تهاوى ذراعاه ، بعد أن تهاوى جسده كله . رفعه الرجل ، وأدنى الشرر من عينيه . أخفى وجهه بتلقائية . سدد الرجل ــ فى اللحظة التالية ــ لكمة قوية إلى البطن المكشوفة . لحقه وهو يتهاوى بقبضته فى رأسه . لاحظ ترنحه ، فضربه بركبته أسفل بطنه . مال على تكوره . تلاحقت الضربات واللطمات والركلات ، لا تقصد موضعاً فى الجسد ، لكنها تتجه إلى الجسد كله ، لا يشغلها الموضع الذى يسبب الأذى ، أو الذى يعنى الموت . مجرد أن تصيب الجسد بما يؤلمه ، بما يدفعه إلى الاعتراف . وضع يديه خلف ظهره ، وجمع ساقيه على بعضهما ، وأوثقهما بحبل . أحس أنه عاجز عن فعل شئ . حتى الصراخ لم يعد يشغله . سرت الضربات بما يشبه الغثيان فى بطنه ، وبدا كل شئ سخيفاً وبلا معنى . لم يعد يشعر بأى ألم . لا الضربات ولا الركلات ولا الصفعات . اختلطت المرئيات ، وتشابكت ، ثم اسودت الدنيا تماماً . حل ظلام ، وخدر ، ورؤى قاسية ..
كانت الآهة الطويلة هى آخر ما يذكره ..
***
قال محمد الأبيض :
ـ أقسى ما على النفس عندما تتلقى ضربة ، يعرف من وجهها إليك أنك لا تملك الرد عليه !..
كنت قد اعتدت التردد على بيت محمد الأبيض . ألفت الحارة الترابية ، والدرابزين الخشبى المتآكل ، والكنبة الاستامبولى التى تجلس عليها الأم فى مواجهة الباب ، والحجرة المطلة على مسجد الموازينى ، استندت إلى جدرانها أرفف مليئة بالكتب . وإلى الجانب سجادة الصلاة ، مفرودة ، أو مطوية . كنت أسأله عن الكتب التى ينصحنى بقراءتها . يشير إلى كتاب أو اثنين ، وربما أعارنى ما أشار علىّ بقراءته . وفتحت الثلاجة القائمة فى زاوية الصالة ـ يوماً ـ وتناولت زجاجة ماء ..
ثم وهو يثبت نظارته الطبية على أرنبة أنفه :
ـ مع ذلك فإنى لم أكن أخشى الضرب .. كنت أخشى الإهانة ..
حدجته بنظرة متسائلة :
ـ وما الفرق ؟
همس ليخفى التوتر فى صوته :
ـ آلمتنى الشتائم والبصقات أكثر من الضرب !
لاحظ تأملى لخطواته المتعثرة :
ـ حتى الآن .. أنا فى مرحلة تليين ..
استطرد للدهشة فى عينى :
ـ أعوّد ساقى على المشى بعد أن نسيت الحركة ..
***
كانت لحظات الراحة الوحيدة هى لحظات الذهاب إلى دورة المياه ، لكنها لا تطول ، ولا تتكرر . مرة واحدة فى النهار . وكان ينتظر شيئاً ما خارج الزنزانة المغلقة . يفتح الباب الحديدى ، ويدخل من لا يعرفه . لعله آخر من سيراه ، ثم ينتهى كل شئ . لا قراءة ولا فسحة ولا زيارة ولا أى شئ . مجرد أن يظل فى الغرفة المصمتة ، المظلمة ، يستعيد ما جرى ، ويحاول التوقع . ينفذ الأوامر دون وعى ، وبلا تدبير . لا يشعر أنه نفّذ الفعل إلاّ بعد أن يتمّه بالفعل ..
لكن بطء الزمن أرهقه ، ربما أشد من التعذيب الذى سبق سقوطه فى الإغماء . أهم ما كان يثيره إنه لم يعد يعرف ما فى الخارج ، فى البيت ، أو الشركة ، لا أحداث ، ولا تاريخ ، و لا ذكريات ، ولا توقعات ، وإن تذكر أنه ترك أشياء على مكتبه : ورقتين من قصة قصيرة بدأ فى كتابتها .. ملاحظات من كتاب " نظرية الرواية " لرينيه ويلك .. رسالة إلى مجلة سعودية ..
الحجرة المغلقة جزيرة . لو أنهم أطفأوا اللمبة يتعلم قياس زمن اليوم بمراقبة تحول ضوء الشمس . النافذة الصغيرة ذات القضبان الحديدية أعلى الجدار المطل على الطريق ، طريق صاخبة مزدحمة ، يشى بذلك تصاعد الصخب المتلاغط من أسفل . لم تعد صورة الحياة فى الخارج تومض داخله إلاّ نادراً . كلمة عابرة تستدعى ذكرى قريبة وبعيدة ، كأنها دوائر الماء التى يحدثها سقوط حصاة ، تتسع ، وتتسع ، ثم تغيب . حين صحبوه ، وأودعوه الحجرة الزانزانة ، انقطعت صلته بالحياة فجأة . أين رانيا الآن ؟.. هل طال انتظارها له ؟ متى أخذت قرار السؤال عنه ، أو العودة غاضبة ؟.. ترك داخل درج المكتب الأيسر بيانات الذمة المالية ، أزمع أن يملأها ، ويسلمها ، عندما يصل إلى المصلحة فى اليوم التالى : الدوسيهات المفتوحة على مكتبه .. ايصال مقدم حجز الثلاجة .. فاتورة هيئة التليفونات بالمبالغ المطلوبة لتركيب التليفون . قال لزميل العمل : غدا أنتظرك للفرجة على مباراة الاتحاد . هل أقيمت المباراة ؟ وهل ذهب الزميل ؟ حتى وجه أمه الذى لم يكن يفارقه بدا ضبابياً ، أو غائب الملامح ، وإذا استعاده لمناسبة ما ، فإن الملامح لا تكون واضحة . ينتابه الشك أنه إذا غادر السجن ، والتقى بها ، فسيعرفها ، وتعرفه..
ثم توقف الزمن ، أو أنه اختلط . لم يعد يدرى النهار من الليل . اللمبة الوحيدة مضاءة على الدوام ، فلا يستطيع تبين ما إذا كانت الدنيا من النافذة ليلاً ، أم أنها تحيا النهار ؟.. لم يعد ثمة أحداث ولا تاريخ ولا ذكريات ولا توقعات . حطت عليه بلادة ، لا يشغله ما قبل ولا ما بعد ، لحظة طويلة ، متصلة ، يحيا فيها كآلة ، لا إرادة ، لا انفعال ، لا احتجاج ، لا تساؤل . حتى الكلمات لا يتثبت من مفرداتها ومعانيها . مجرد أن يجيب عن أسئلة لابد أن يجيب عنها . ربما تتوه بقية العبارة ، فيسكت ..
***
ذهل لتبينه إن الأشهر التى تصور إنه أمضاها داخل الحجرة المغلقة لم تزد عن ستة أيام . ستة أيام امتدت ، واستطالت . بدت زمنا متصلاً ..
قال الضابط :
ـ ستخرج من هنا إلى بيتك ..
ثم وهو يضغط على نهاية الكلمات :
ـ استضفناك فترة .. أرجو ألا تتحدث عنها مع أحد ..
وعلا صوته بلهجة مهددة :
ـ قد لا نتركك إذا استضفناك ثانية ..
تقلصت ملامح وجهه :
ـ فصلت من عملى ..
قال الضابط :
ـ تخصصك يتيح لك أعمالاً أخرى ..
مدفوعاً بإحساس الحصار :
ـ أريد شهادة بأنى كنت ..
وازدرد ريقه :
ـ هنا ..
قال الضابط وهو يهز يده :
ـ صعب ..
ـ لماذا ؟..
أغمض عينيه :
ـ لأن فترة التحقيق معك غير مثبتة فى السجلات ..
فى لهفة :
ـ لم أكن متهماً إذن ؟..
قال الضابط فى صوته المتلكئ :
ـ كنت متهماً .. فلما ثبتت براءتك أخلينا سبيلك ..
وأخرسه بنظرة باترة :
ـ هذا كل شئ ..
وأشار بيده ، فسكت .
***
قال لى محمد الأبيض :
ـ أتعرف يا أستاذ عادل لماذا لم أشعر باليأس ؟..
ورفع عينيه فى تثاقل :
ـ لأنى كنت أقرأ ..
وشردت نظرته . استقرت على مكان غير مرئى فى المدى البعيد ..
ـ حتى عندما منعت من القراءة .. كنت أستعيد ما أحفظه من قصائد ..
ودارى ابتسامة شاحبة :
ـ وكنت أغنى أحياناً !..
قلت :
ـ قرأت لمالرو أن الحوار بين الإنسان والتعذيب أعمق من الحوار بين الإنسان والموت ..
لاحظت تكور قبضته :
ـ هذا صحيح .. فأنت لا تدرى ما يحمله الموت .. لكنك تعانى قسوة التعذيب ..
وداخل الابتسامة حزن واضح :
ـ ألفت ـ فيما بعد ـ استقبال الزوار المجهولين . أدعوهم للدخول . أعرض عليهم شاياً أو قهوة . أستأذنهم فى ارتداء ملابسى ، ثم أصحبهم فى هدوء ..
وأطرق لحظات ، ثم رفع رأسه وهو يهزها فى عصبية :
ـ كان اعتقالى هو المدخل لتطورات الأحداث التالية ..
والتمعت عيناه بوميض التذكر :
ـ لم تكن السياسة تشغلنى . لو أنى ظللت فى عملى ربما لم أكن أتجه إلى الصحافة . بدت كل الطرق ـ بعد خروجى من السجن ـ مسدودة ..
وأعاد النظر إلى مالم أتبينه :
ـ توهمت أن الأمور تغيرت بعد تغير الظروف ، لكننى كنت متوهماً بالفعل ..
أعدت تأمله ..
لم أتصور أن هذا الإنسان النحيل ، الهامس الصوت ، البطئ التصرفات ، يتحمل كل مارواه لى : الاعتقال والتحقيقات والتعذيب . أذهلنى أنه روى ما حدث فى عفوية وبساطة ..
كلمنى عن ظاهرة ـ لم يألفها ـ يواجهها فى كل صلاة . تطالعه صور الجنود والضباط والحجرة المغلقة والتحقيقات وعمليات التعذيب . ينهى الصلاة : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . يكبّر ثانية ، لكن الصور تعاود الإلحاح فى الركوع والسجود . يكمل الصلاة ثانية ، أو يخرج منها ، ويعيد التكبير ..
قلت دون تدبر :
ـ الا ترى أنهم يستطيعون مراقبتك فى الندوة ؟..
مط شفته السفلى دلالة عدم الفهم :
ـ كيف ؟..
ـ يدسّون من يراقبك ..
شرد بنظرته :
ـ لا أتصور !.. كل زملاء الندوة أصدقائى ..
ووسط الهواء براحة يده :
ـ لا أتصور !.. لا أتصور !..
أحسست بسخف السؤال ، وإن تمنيت لو أن محمد الأبيض فطن إلى خطر وجوده فى الندوة . الأسماء التى يجدونها فى جيب السجين السياسى يعتقلون أصحابها ، حتى لو لم يكن لهم نشاط ما .. فماذا عن الذين يقضى الأوقات معهم ؟..
لو أنه غاب عن المينا الشرقية ، ولم يشارك فى الندوة ..
بذلت جهداً ، فلا يبين انفعالى فى ملامحي ..
ثم فضلت أن أصمت ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:11 PM
ـ 6 ـ

سوق راتب ..
لا أخطئ رائحته : اختلاط الشواء والسمك والخضروات والفاكهة واللحم الضانى والكبد والسجق والرنجة وأم الخلول والمكسرات والماء العطن . البضائع المصفوفة داخل الدكاكين ، وعلى الرصيف ، تمتد فلا تترك إلا منفذاً ضيقاً يتحرك فيه المارة . القفف والمقاطف وأقفاص السمان والدجاج والحمام والبط . طوابق البيوت العالية ، المزدانة بالنقوش والمقرنصات . لافتات التوكيلات الملاحية وشركات النقل والتصدير والاستيراد . من وراء الواجهات الزجاجية تصف أطباق الصينى والأدوات المنزلية وعلب الحلوى . نداءات الباعة واختلاط أصوات أجهزة الراديو والكاسيت ..
قلت لأسامة صابر :
ـ تعجبنى شطارتك فى الفصال ..
وهى تغمز بجانب عينها :
ـ لو تزوجت .. كنت سأصبح زوجة رائعة ..
لم أكن أعرف إن كانت متزوجة ، أو أنها مطلقة ، أو لم تتزوج بعد ..
اتجهت إليها بنظرة ود :
ـ لماذا لا تتزوجين ؟..
بحلقت عيناها :
ـ وما يدفعنى إلى تقييد نفسى بموافقة الزوج على سفرى إلى الخارج ؟..
وأنا أشجعها بإيماءة على مواصلة الكلام :
ـ سبب آخر ؟..
تنهدت :
ـ وأسباب أخرى ..
ـ مثل ؟..
فى ابتسامة متكلفة :
ـ أحتفظ بها لنفسى ..
مدفوعاً بجرأة لم أتدبرها :
ـ مثلما أنه من الصعب أن يحب الرجل كل النساء ، فمن الصعب أن تحب المرأة كل الرجال ..
عقدت حاجبيها :
ـ ومن قال إنى أريد ذلك ؟..
ثم وهى تنقر بأصبعها على رأسها :
ـ أنا لا أحب ولا أكره .. ولكنى أصادق الرجل الذى يروق لى !..
قلت متشجعاً :
ـ تبدين رجلاً فى كلامك وتصرفاتك ؟..
أطلقت ضحكة مائعة لم تتدبر الصخب من حولنا :
ـ أنت لم تجرّبنى فى السرير !..
كانت تميل إلى الأناقة، وتبدّل ملابسها، وإن مالت إلى ارتداء البنطلون والبلوزة، أو البدلة الكاملة. لا أذكر أنى رأيتها فى فستان ولا جوبة وبلوزة، ولا حتى تايير. تفضل البدل، وإن جاء تفصيلها على قد مقاييسها كأنثى. كانت ترتدى بنطلوناً أسود ، وبلوزة قطنية بيضاء ، وحذاء بدون كعب. أحاطت عنقها بإيشارب من الحرير، تدلت نهايته المعقوصة على جانب الكتف، وعلقت على كتفها حقيبة من القماش. وجهها رائق، يخلو من المساحيق ، وثمة خصلة شعر تهدلت على جبهتها ، تهتز كلما حركت رأسها ..
قلت بلهجة حاولت أن تكون ذات دلالة :
ـ من أين ؟ وإلى أين ؟..
أشارت ناحية شارع السبع بنات :
ـ أنا أعمل فى هيئة الكهرباء ..
ـ مهندسة ؟..
رفت على شفتيها ابتسامة باهتة :
ـ مجرد موظفة إدارية صغيرة ..
وفاجأتنى بالقول :
ـ أدعوك إلى مشروب فى أقرب محل .. هل توافق ؟..
***
لم يكن فى بالى أن أبتعد بصلاتى عن المقهى . تبدأ الندوة ، وتنتهى ، فينتهى كل شئ . تقف الصلات فى " المينا الشرقية " لا تجاوزها إلى الشوارع ، ولا البيوت ، ولا الأماكن العامة الأخرى . ربما ألتقى بزميل أكتفى بهزة من رأسى ، ويكتفى بهزة مماثلة . أعرف الإسم وما يبدعه ، ولا أعرف الكلية أو العمل ، ولا حتى الحى الذى يقيم فيه ..
صدقت أسامة صابر فى أنها لم تجلس ـ يوماً ـ للحكى . لم تكن تشير إلى ظروفها الأسرية . إذا سئلت أجابت بابتسامة صامتة ، وترفض أن يرافقها أحد بعد انفضاض الندوة . ربما تناثرت ـ عفو الخاطر ـ ملاحظات وذكريات . لا تروى من البداية ، ولا يكر الخيط إلى نهايته . لكنها ـ فى هذه اللحظة ـ بدت على استعداد للبوح ، للفضفضة ..
***
يضايقها أن تظل الفتاة فى موقف المنتظر . يجئ الرجل أو لا يجئ . لماذا الرجل هو الذى يقول الكلمة الأولى ؟
ـ سمانى أبى أسامة لأنى كنت أول خلفته .. وكان يتمنى ولداً !..
وتهدج صوتها :
ـ كان الشرود يأخذ أمى. أرجعه إلى أمنيات أبى فى أن يرزقهما الله بالولد ..
ثم وهى تعدل حقيبة يدها على كتفها :
ـ قلت وأنا أداعب ذقنه : أنا أفضل من مليون ولد .. فقال فى تأثر : صحيح .. لكنك ستحملين اسم زوجك .. أما الولد فيحمل اسمى !..
ظللت صامتاً ، وإن أومأت إليها لكى تواصل الكلام ..
قالت فى تهدج صوتها :
ـ حين جاء الأولاد .. عدت بنتاً مهملة ..
أضافت للدهشة فى ملامحى :
ـ لولا وفاته المفاجئة كنت سأتوقف عن التعليم وأتزوج وأنا طفلة ..
اصطنعت ابتسامة :
ـ تتمنين لو أنك ذكر .. ولد ..
هزت رأسها بعصبية :
ـ لم أتصور نفسى فى غير ما أنا هى .. لكننى أرفض السيادة الذكورية الكاذبة !..
ناوشنى السؤال : من تحب أسامة ؟..
لم تحدثنى عن تجارب لها فى الحب ، ولا إن كانت قد أحبت أصلاً . قاومت فضولى فى أن أتعرف إلى الجانب الذى ربما تخفيه فى حياتها ..
أثق أنها لابد أن تكون محبّة محبوبة ..
فمن تحب ، ومن يحبها ؟ ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:11 PM
ـ 7 ـ

خرجت من صالة سينما أمير ـ أثناء عرض الفيلم ـ إلى البهو الخارجى . كنت فى حاجة إلى تدخين سيجارة . كان البهو خالياً تماماً ، فيما عدا عامل يرتب البوفيه فى نهاية المكان ..
ضغطت بأصبعى على السيجارة فى الطفاية ، واتجهت إلى الصالة :
ـ أستاذ عادل ..
قورة إدريس !.. هل هو ؟.. ما الذى أوقفه فى البهو ؟.. لابد أنه عرف بدخولى السينما ، فهو يتبعنى ..
رمقته بارتياب : فى وجهه طفولة تخفى حقيقة سنه . يتدلى شعره على قفاه ، وعيناه قلقتان لا تكادان تستقران على شئ . إذا تكلم ، اتسع منخاراه بصورة لافتة . يرتدى بنطلوناً من الجينز ، وقميصاً من الصوف ، أسود ، يكشف عن صدره .
لم أكن أتصور أن تلاحقنى فى هذا المكان عين ترصد تصرفاتى . اخترقتنى النظرة . أثارت فى داخلى توجساً غامضاً ..
غابت اللحظات التى أستطيع أن أغمض عينى فيها ، وأسترخى . أدرك أن عينين تراقباننى . لا أعرف صاحبهما ، لكننى أثق أنه موجود . واحد من الذين يشكّلون الندوة . ينصت ، ويتابع ، ويسأل ، ويناقش ، وربما قرأ كتاباً له ، لكن المراقبة هى المهمة التى يجلس من أجلها . يرى ما لا نراه ، ويكتب حسب فهمه لما نقول ، ووعيه ..
أهملت التخمين أن الشاب ربما التفت ناحيتى ـ بعفوية ـ فرآنى . هل يفطن إلى أنى أقتفى خطواته ؟.. وبماذا أواجه شكوكى ، أو يقينى ، من أنه يتبعنى ؟..
يشقينى إنى أكتم صدرى على سر لا يعرفه غيرى . لا يعرفه حتى أمى ، ولا محمد الأبيض ، ولا زملاء الندوة ، أو زملاء الجريدة . أعانى ـ بمفردى ـ لحظات التوتر والقلق والخوف وترقب المجهول ..
راعتنى شخصيته الانفعالية . يهمه أن يقرأ ما كتبه . يعطونه انصاتهم وتعليقاتهم . امساكه بالورقات فى يده ، وتلهّفه ، يشيان بانعزاله عما نقرأه أو نناقشه . يرفع يده ليلقى قصيدة ، فيتبدل حاله . يخلى ملامحه للهفة ، وترقب انتهاء القراءة والمناقشات . أثق أنى لو سألته فيما استمع إليه فسيصيبه حرج . هو يجلس فى الندوة وإن لم يتابعها . تحول إلى جزيرة منعزلة همها أن تبوح بما تحمله ، أن ننصت ، ويقرأ قصيدته ، ونناقشه . يتعجل ـ وإن لم يبح ـ مايقرأ ، وما يعقبه من مناقشات ، حتى يأتى دوره . يتوقف فى أثناء القراءة ليوضح ما يقصده من معان ربما لم نفطن إليها ، وربما شرح أسباب كتابة القصيدة . ألاحظ أنه بعد أن تنتهى مناقشة ما قرأه ، يعطى انتباهه للنصوص التالية ، ويشارك فى إبداء الملاحظات . يعلو نقده بالملاحظات ، وبالقسوة . ربما استأذن فى الانصراف بعد أن تفرغ الندوة من مناقشة ما قرأ . يتميز عن زملاء الندوة فى أنه نشر ثلاث قصائد فى جريدة " السفير " ، ثم قصيدتين فى " أدب ونقد " و " إبداع " . غالب الشعور ـ أتصور ـ بأنه ينتمى إلينا بالصداقة ، وينتمى إلى صحف القاهرة بإمكانية النشر ..
حرصت على إيقاع الخطوات ، وعلى المسافة بيننا . أخفى جسدى ـ ما أمكن ـ فى زحام الطريق ..
ملت وراءه من شارع الأهرام إلى شارع الغرفة التجارية ، ومنه إلى شارع البورصة القديمة ، ثم ميدان المنشية . قفزت فى الاوتوبيس الذى صعد إليه دون أن أضع حساباً لشئ . قفزت وراءه فى الشارع الصاعد المتجه إلى بولكلى . وقفت ـ يفصل بيننا الترام ـ فى الناحية المقابلة . البيت رقم 110 شارع عبد السلام عارف . صعد الدرجات الست ، ومضى إلى الشقة فى الطابق الأرضى . إلى اليسار سلم البيت . لم أتأكد من ملامح الوجه الذى فتح الباب ، ثم أغلقه ، وإن تصورت أنه مألوف ، وأنى ربما أعرف صاحبته . أهملت ـ فى اللحظة التالية ـ متابعته ، وانشغلت بالتعرف إلى هذه التى أعرفها داخل الشقة . كان قد مضى ـ بخطوات سريعة ـ إلى الشارع الجانبى ، ناحية طريق الحرية . درت حول طريق الترام من المحطة . اتجهت إلى داخل البيت ، تدفعنى القوة التى لاتضع حساباً لأى شئ ..
رمقتنى عينا البواب بتساؤل وفضول . وضعت أصبعى على جرس الباب قبل أن يسأل ..
ـ أستاذ عادل مهدى ..
طال وقوفى بالارتباك والصمت . أردفت نيفين عصام وهى تفسح الطريق :
ـ تفضل ..
الشقة ذات جدران مرتفعة . الصالة تتوسطها طاولة مربعة ، حولها أربعة كراسى ، ولصق الجدار كرسيان . تفضى ـ فى المواجهة ـ إلى حجرة صالون ، ومن اليمين إلى طرقة ، تنتهى ـ ربما ـ إلى حجرة نوم ، ومن اليسار تبين الإضاءة الساقطة من النافذة الخلفية ، فى حجرة ينفرج بها الباب الموارب عن سرير خشبى ، وكومودينو صغير ، فوقه أباجورة وبضعة كتب ..
بدا لى المطبخ والحمام ، فى جلستى على المقعد المذهب بأركان الصالون ، مقابلين لحجرة النوم ..
حوائط الصالون مزينة بالورق المزخرف ، وتتدلى من سقفها نجفة هائلة ، بها الكثير من اللمبات ، وإن أضيئت لمبتان فقط . وثمة ستائر حمراء بهت لونها ..
بماذا أبرر مافعلت ؟.. كيف عرفت أنها تقيم فى هذه الشقة ؟.. ولماذا جئت ؟..
ـ لم تعودى تأتين إلى الندوة ..
كنت أرتاح إليها : ملامحها المنمنمة ، وجهها الباسم ، شعرها الحنطى ، عقصته فى ضفيرتين أسدلتهما على صدرها ، بشرتها الناعمة ، الصافية ، عينيها الخضراوين بلون الحقول ، عفويتها فى إلقاء الأسئلة والمناقشة . وكانت إذا ابتسمت توضحت غمازتان فى خديها ..
وغالبت الارتباك :
ـ سألت قورة إدريس .. قال إنك متوعكة ..
كذبة يسهل تصديقها !..
فاجأتنى بالسؤال :
ـ هل أعطاك العنوان ؟..
قلت فى ارتباكى :
ـ كان قد غادر الندوة .. فحصلت على العنوان من الأصدقاء ..
بدا لى المضى فى الكذب طريقاً وحيدة . تلفت حولى ، وتساءلت :
ـ أين قورة ؟..
أغمضت عينيها ، وهزت رأسها :
ـ لم نعد زوجين !..
كتمت القول بأن خطواته قادتنى إلى الشقة . أظهرت القلق :
ـ لماذا ؟..
ـ أنا وقورة شخصيتان مختلفتان ..
قلت فى لهجة مشاركة :
ـ بديهى أن تكون شخصية أحد الزوجين مختلفة عن الآخر .. البشر يختلفون ..
اختلجت شفتاها :
ـ ليس هذا ما أقصده .. لقورة أفكار وتصرفات لا أومن بها ..
ـ مثل ؟..
فى صوت محترق :
ـ الأمثلة كثيرة ..
***
عندما فتحت الباب ، فوجئت به واقفاً وراء فتاة لم تعرفها ، ولا رأتها من قبل . قبل أن تسأل ، أو تتكلم ، كان قد دفع الفتاة ـ بيد مترفقة ـ إلى الداخل . قال للدهشة الغاضبة فى عينيها :
ـ ألم أعطك الحرية فى أن تفعلى ما تريدين ؟..
ثم وهو يمسح حبات عرق نبتت فى جبهته :
ـ إذا كنت أعطى الحرية لنفسى .. فأنا لا أرفض أن تكونى حرة ..
ملأ الغضب ملامحها :
ـ ماذا تقصد ؟..
كان قد حدثها عن الكتاب والمسرحية والفيلم وأحلام الكتابة والوظيفة ذات المستقبل فى شركة للسياحة . قال : إن الذهن هو مايعنيه وليس أسفل البطن ..
ـ لى صداقاتى .. ومن حقك أن تكون لك صداقاتك ..
ـ رجال أم نساء ؟..
ـ لا فرق !..
من بين أسنانها :
ـ هذه سفالة !..
عاد إلى الشقة بعد أن أوصل المرأة إلى المحطة . لم يجد نيفين . وكان كل شئ على حاله . اكتشف غياب حقيبة متوسطة للسفر . توقع عودتها أو اتصالها ، وتوقع أن تأتى إلى الندوة ، فيتكلمان بعيداً عن أبويها . تيقن أنها ستعود إلى بيت عبد السلام عارف ، فبدل طريقه ـ بعد الندوة ـ إليه ..
أدركت أن المستحيل حياتها معه . لم تعد تطيقه ، ولا تتحمل السكوت عن تصرفاته . طلبت الطلاق ، فرفض :
ـ هذا حق الرجل .

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:12 PM
ـ 8 ـ


ترامت الأصوات من وراء قهوة " المينا الشرقية " كالهمس ، أو كالفحيح . لم أتبين مصدرها على وجه التحديد . ربما شارع محمد كريم ، أو قهوة الريحانة فى الخلف . ولعلها شقة تطل على شارع الأهرام . تعالت . اختلط فيها الصراخ بالحشرجة بالأنين ، وتناثرت فى الظلمة أشكال هلامية ، اختلطت ملامحها أو غابت ، وبدت أشكال وتكوينات ، ثم تضاءلت وتوارت فى العتمة . تداخلت غربان سود مع أسراب النورس فى هبوطها من السماء ، وتدلت الكرابيج والمشانق والأجسام من أسقف غير مرئية ، وتدلى سعف النخيل ، فغطس فى المياه الضحلة ، وسرت التقرحات فى أنف الرجل وشفتيه ، وتسلى الطفل بمعابثة اللعبة حتى خنقها ، وحدقت العينان تومضان بالشرر ، وامتدت الأيدى الطويلة تلامس وجهى ، وانبثق الدم من الجدران المصمتة . جريت بآخر ماعندى حتى تلاشى وقع الأقدام المطاردة . هدنى التعب ، فلم أعد أقوى على السير خطوة واحدة . ارتميت على الحائط ، أبكى وأبكى . ومض القمر من خلال السحب المتكاثفة ، ثم اختفى ، وتصاعدت المئذنة ، اخترقت تكاثف السحب ، فنقر المطر النافذة برخات متوالية . تداخلت أصوات هسيس النخيل والأذان وصفير البواخر فى الميناء الغربية . ارتطمت الأمواج بالكورنيش الحجرى ، وكنست مظلات الطريق ، وتلاحقت أقدام السائرين على بلاط الرصيف . انفجر المصباح ، فحل الظلام . قفزت ـ بتلقائية ـ إلى الرصيف . مرقت السيارة وبداخلها كلاب تنبح . اختفيت فى بئر ، أو قبو ، موضع لم أدرك ملامحه . قفز الجسم ذو الشعر الكثيف على ظهرى . أحاط صدرى بساعديه ، واعتصرنى . خذلنى الصراخ فى هول اجتذاب الدوامة :
ـ من ؟..
بدا الإشفاق على وجه أمى :
ـ كنت تصرخ !..
قلت متسائلاً :
ـ أنت أيقظتنى ؟..
ـ صحوت على صراخك فخفت عليك ..
وتحيّر الدمع فى عينيها :
ـ كابوس ؟!..
ـ رأيت أشياء مخيفة .. لكننى لا أتذكرها ..
كنت أتقلب فى الفراش . يبتعد النوم بتوالى الصور والملامح والوقائع والأمكنة . أغفو . أنهض فزعاً . أضغط زر النور . أعيد النظر حولى . أصيخ السمع للأصوات المترامية من الطريق . وكنت أتأمل الزوايا والأركان والأبواب المغلقة وفى ظل الشجر ..
زوت عينيها :
ـ هل تستعيد الحادثة السخيفة ..
وأشارت بيدها :
ـ القديمة ؟..
وقالت لنظرة الدهشة المتسائلة :
ـ خيانة امرأة ليست نهاية الدنيا ..
هى التى عثرت على الرسالة فى داخل الحقيبة المهملة : " زوجنى أهلى لمن لا أحبه ، لكننى سأظل أحبك " . كان قد مضى ثلاثة أيام على الزفاف ، فلم تنشأ بيننا ذكريات . تلقيت الصدمة باعتبارها كذلك ..
لم أكن التقيت بها ، قبل أن أجلس إليها فى حجرة الصالون المطلة على طريق الكورنيش . قالت أمى : هى بنت ناس طيبين ، فلا تتردد !. فسرت صمتها ، وأجوبتها المقتضبة على الأسئلة التى أردت بها مجرد الأخذ والرد ، بأنها خجول ومؤدبة . أهملت ـ فى أثناء الخطبة ـ ما لا حظته من عبارات وتصرفات تحتاج إلى تفسير . أرجعت ملاحظاتى إلى العادى والمألوف ، وأن عدم الفهم ربما يفرض نفسه فى بداية الخطوات ..
ـ كان يجب أن تطلقها قبل أن تطلب هى ذلك ..
أغمضت عينى ، أتوه فى عالم بلا أفق :
ـ تصورت إنها خواطر سخيفة ستحتفظ بها لنفسها ..
وهى تضرب الهواء بقبضة يدها :
ـ التردد !.. مرضك المزمن !..
غابت عن الذاكرة ـ عقب الطلاق ـ بتوالى مرور الأيام ، وإن اعتبرت الزواج مشروعاً مؤجلاً ..
غالبت الارتباك برفع صوتى :
ـ لا شئ مما يدور فى بالك .. أفكر فى مشغوليات العمل ..
ثم وأنا أضغط براحتى على ذراعها :
ـ إذا وجدت بنت الحلال فلن أتردد فى التقدم إليها ..
فى حماس طفولى :
ـ أترك لى هذه المسألة .. سأختار لك أجمل بنت فى الإسكندرية .. وفى مصر كلها ..
وربتت صدرى براحتها :
ـ أنت عادل مهدى .. لاتليق بك إلاّ بنت أختارها بنفسى !..
حين اهتزت الشجرة على الرصيف المقابل للكورنيش ، خمنت أن أحداً يقف وراءها . المجهول الغائب الملامح ، أتوقع ظهوره . لا أدرى ماذا يفعل ، ولا كيف أواجهه . بدا المكان خالياً ، فخفت من الوساوس . أعجز عن مواجهة التآمر ، وما يخيف ، وما لا أتوقعه . أتبلد تماماً ، فلا أملك التصرف . أبدو عاجزاً عن فهم بواعث التصرفات . لماذا فعل ما فعل ؟.. أنا لم أتصرف حياله بشبهة أذى ، فلم يبادرنى بالأذى ؟..
غمرنى شعور أنى أجر إلى طريق ضبابية ، أو مظلمة ، لا نهاية لها . يترصد لى فى ظلمتها من لا أتوقعهم ، ولا أعرفهم ، وإن أعددت نفسى للقسوة ، بلا ملامح محددة .
أين هى العين التى تترصدنى ، وتتابعنى . تلاحظ تصرفاتى ، وتنصت إلى أقوالى ، وتكتب التقارير ؟..
ثمة هاجس يهمس لى : ابتعد عن هذا العالم .. أتركه ، وعش حياتك !..
تغلّب الفضول حتى على القلق . أريد أن أعرف لمجرد أن ذلك يشغلنى . لا أهمية لتوقعات كنت أتصورها قاسية . ما يهمنى أن أعرف : هل يراقب الندوة أحد ؟ ومن هو ؟ وماذا يكتب ؟..
سئمت الانتظار والتوقع . أحسست بأن تفكيرى يجمد ، وأن مشاعرى تتبلد ..
تلفت فاروق أبو سليم حوله ، ربما ليتثبت من اتجاه النظرات ..
ـ الولية عواطف الراقصة بكازينو البعجة .. تعرفونها ؟.. نشرت عنها أخباراً تكفى لملء كتاب . وافقت أخيراً على أن تزورنى فى الشقة . تصورت أنى إذا أفرغت قبل أن أنفرد بها ، فسأطيل العلاقة . لكن المسائل كسفتنى وظلت نائمة ..
النساء محور كلماته : الصداقات ، والعلاقات ، والمآزق التى يواجهها . لم يكن يتحفظ فى عباراته ، ولا يتردد فى إطلاق أقذع الشتائم ضد محدثه فى جد أو هزار . إذا لم يرقه كلام محدثه ، أو تصرفه ، فاجأه بشخرة من داخل حلقه ..
عدل جسمه فوق الكرسى . جسده النحيل ، القصير ، لا يتفق مع ضخامة رأسه . له جبهة عريضة ، وأنف مقوس كمنقار . تناثر فى وجهه حفر جدرى ، واختلط فى أسنانه السواد والصفرة . إذا تكلم امتلأ فمه بالكلام . وكان يعتز بأنه لم يقرأ فى حياته سوى الكتب المدرسية ..
أغمض عينيه كالمتأمل :
ـ أعترف أن المرأة حاولت .. لكن النائم رفض الاستيقاظ !..
ثم فى صوت متثائب :
ـ لم أجد ما أرد به عليها ، وهى ترسم ابتسامة سخرية واسعة على شفتيها : ألم أكن أولى بهذا الوقت الضائع ؟..
لاحظ صمتى ، وحرصى على عدم المشاركة . قال :
ـ مشكلة عادل مهدى إنه يتكلم فى الأدب .. ونحن نجيد التكلم فى قلة الأدب ..
كان قد أضيف مكتبان ، فأخليت الحجرة من كراسى الزوار : هل انتقلت الندوة إلى القهوة التجارية فى موعدها ؟.. ثم نبهنى عبد السلام أبو ستة إلى أن فاروق أبو سليم نقل مكتبى إلى الداخل ، فيتصدر مكتبه الحجرة ..
أدركت أنه يجدر بى أن أخوض معركة . كنت أشعر نحوه بالكره ، وإن أزمعت ألا أصطدم به إلاّ إذا بدأ هو الصدام ..
كتمت لهفتى للاقتراح بنقل الندوة إلى مقهى الميناء الشرقية . بدا منفذاً من الصراط الذى تعبره الجلسات فى مكتب الجريدة . تخيفنى توبيخات المدير ، وميول فاروق أبو سليم الاستعراضية . وكنت أخشى أن تتغير النظرة لى إذا جاءت المفاجأة بما لم أعد نفسى له ، وأتوقعه ..
لمحتها وأنا أميل من شارع سعد زغلول إلى شارع الغرفة التجارية ..
ـ علية ..
كانت علية ثروت تتأمل الفاترينات . أبرز ما يميزها غمازتان على جانبى وجهها . قوامها أقرب إلى النحافة . وشعرها أسود ناعم ، أسدلته على كتفيها ، وعيناها عسليتان ، زاد من عمق بريقهما ظل الرموش الطويلة . ترتدى جونلة صفراء تغطى ركبتيها ، وبلوزة حمراء تصل إلى العنق ..
ـ أين أنت ؟..
لاحظت ارتعاشة خفيفة فى شفتيها :
ـ موجودة ..
ـ أعرف .. لماذا لا تأتين إلى الندوة ..
انتزعت ابتسامة فاترة :
ـ قرفت !..
أعدت الكلمة :
ـ قرفت ؟!
هزت رأسها فى توال ..
رنوت إليها بنظرة متأملة :
ـ هل تخليت عن الشعر ؟..
فى لهجة باترة :
ـ أتخلى عن الشعر ، أو أفقد نفسى ؟!..
***
عاطف إمام ..
لم تكن تعرف لماذا يطاردها بنظراته ، ولا ماذا يريد منها على وجه التحديد .. وحين فاجأها بكلماته لم تعرف كيف تتصرف ولا ماذا تقول . فاجأها تصرفه ، ففقدت القدرة على رد الفعل ..
اختنق صوتها :
ـ لماذا لا تلجأ إلى امرأة ؟!..
وحاولت أن تعبّر بيدها ..
استقرت عيناه على منبت صدرها :
ـ لا أريد مجرد علاقة جنسية .. ولا أشعر بميل نحو المومسات ..
ثم فى نبرة تذلل :
ـ هذه نصيحة الطبيب ..
وضغط على الكلمات :
ـ أنا لم أقم علاقة مع أحد من قبل ..
تنمرت ملامحها :
ـ عاطف .. إن كنت تحرص على صداقتنا ، فلا تعد إلى هذا الكلام ..
همس بالتذلل :
ـ ولكن ..
قاطعته :
ـ هل فهمت ما قلت ؟..
هل تصدع جسده من طول الكبت ؟..
استعدت صورته : وجه قمحى مستطيل ، وحاجبان رفيعان مقوسان ، وعينان لا تستقران بين أجفانه الضيقة . فى بشرته لمعة ، كأنه دهنها بزيت ، دائم الطقطقة لعنقه ، وصوته يصدر من فتحتى الأنف ..
كان يطيل التحديق فى كل امرأة تمر أمام القهوة . يتابعها عندما يلمحها قادمة ، ويلحقها بنظرته وهى تمضى فى طريق الكورنيش . وكان يقدم على تصرفات لا نتوقعها . وضع على رأسه قبعة هائلة من الخوص ، لم ينزعها حتى بعد أن علت التعليقات الساخطة ، والساخرة . خلع حذاءه ، وسار فى المقهى حافى القدمين ، مزق أوراق جريدة إلى قطع صغيرة ، ونثرها على الرءوس ..
لو أنه لا يلتقى بها فى القهوة ، هل كان يقوى على دفع ثمن ما تشربه لو أنهما يلتقيان فى كازينو على البحر ، أو كافيتريا بوسط البلد ؟
التعبيرات المجانية ، كلمتان يرددهما زملاء الندوة ، فهل يضيف إليهما " الحب المجانى " ؟..
***
وأنا أسترد نظرتى من الرؤية اللاواعية للبحر ، لمحت فى المرآة المستطيلة على العمود المواجه للباب ، رجلاً فى حوالى الأربعين ، أكرت الشعر ، منمش البشرة . يرتدى بدلة صيفية وصندلاً متقاطع السيور . كان يجلس على طاولة ـ فى الناحية المقابلة من المقهى ـ يقرأ جريدة من وراء نظارته الطبية ، ويتسلل بعينيه ناحية طاولاتنا المتلاصقة ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:13 PM
ـ 9 ـ

رسمتك بين خطوط يدى
فكنت غدى
وكنت نهاراً لشمسى
وكنت صلاة لنفسى
وكنت ضمير البحار
أحبك .. تسأل عنا الكبائن والأبنية
وذبذبة النجم فى ليلة صافية
أحبك .. تسأل عنا الخطا
وموجة عشق تقبل هذا المدى
أحبك .. كورنيشنا ..
يسأل الآن عن حبنا
وبائع لب يجول على العاشقين
وحامل فل ينادى على الياسمين
لمن أقتنى فرحة البحر والفل والياسمين ؟
وشاوى الذرة
يخبّئ ما نضج الآن من أجلنا
ومقعد حب أقيم لنا
فما خطبنا ..
وأنت هناك وقلبى هنا .. (1)
عادت نيفين عصام إلى الندوة . اختفى قورة إدريس ، فلم أعد أراه ..
همست لى والندوة مشغولة فى مناقشاتها :
ـ زارنى أول أمس .. طلب عودتى فرفضت ..
أردفت وهى تمسح أنفها بأصبعها :
ـ قلت له : نحن شخصيتان مختلفتان ..
وضربت بطن يدها بظهر اليد الأخرى :
ـ مابيننا من المستحيل تجاوزه !..
رمقها بعينين باردتين :
ـ ماذا تريدين ؟..
ـ الطلاق !..
ـ أوافق أن تكونى حرة فى أمورك .. أما الطلاق فمرفوض ..
ركبها الغضب :
ـ أنت الذى تقرر ؟!..
ثم بصراخ منفعل :
ـ الحياة معك عبء لا أحتمله !.
***
ظللت أتابع سرباً من طيور النورس مضى فى امتداد الشاطئ حتى غاب عن الرؤية . لمحت فى المرآة أمامى كمال أبو القمصان قادماً من الباب الجانبى للمقهى ، يتخطى الكراسى القديمة والنارجيلات وأدوات النظافة ..
ـ تصورت أن الندوة ستأخذ أجازة بعد المظاهرات ..
لم يكن قد جاوز الثانية والأربعين ، لكن البياض فى فوديه ، والهالات السوداء حول عينيه أضافت أعواماً إلى عمره ..
علا حاجبا فتحى عيداروس بالدهشة :
ـ عملك فى فندق .. ما شأنك بالأجازات أو المظاهرات ؟..
قال نادر البقال :
ـ بالمناسبة ، هذه المظاهرات .. ضد من ؟..
اندلعت المظاهرات فى شوارع المدينة ، ففاجأت الجميع . الفوضى ، والصيحات ، والصراخ ، والهتافات ، والانفجارات ، والأجسام المتهاوية ، والشبان الذين يعدون ، والسيارات التى تشتعل فيها النار ، والسيارات المدرعة ، وجنود الأمن المركزى ، والهراوات ، وطلقات الرصاص ، والقنابل المسيلة للدموع ، وقنابل الدخان التى تغيب الملامح فى ضبابها . تزايدت أعداد المتظاهرين . امتدت إلى شوارع كثيرة ..
قال يحيى عباس :
ـ ضد إسرائيل ..
برقت عيناه باهتمام :
ـ وما الذى ذكّرهم بإسرائيل ؟..
ـ خطب الشيخ المحلاوى فى المصلين بجامع القائد إبراهيم .. طالبهم بالتظاهر ضد العدوان على المصلين فى الحرم الإبراهيمى ..
قال فتحى عيداروس :
ـ لماذا ضربتهم الشرطة ؟.. أين القانون ؟..
قال محمد الأبيض :
ـ عطلته الحكومة حتى إشعار آخر !..
لم ألحظ إن كان محمد الأبيض كذلك قبل أن يصارحنى بما جرى له ، أم أن ملاحظتى لأنه روى لى . هل ملامحه هى هى ، أو أنى فطنت إلى ما طرأ عليه بعد أن حدثنى عن معاناة الأشهر القاسية . لم يعد يطيق البقاء ـ لحظات ـ فى مكانه ، يتقلقل ، يثور لسبب تافه ، أو بلا سبب . دائم التلفت ، ينظر ناحية الكورنيش المقابل ، والطريق ، ومداخل القهوة . كأنه يخشى شيئاً ، أو يتوقع ما لا أعرفه . ويبدو على ملامحه ما يشبه الفزع للأصوات المفاجئة : نداء بسيونى على مشروب ، صيحة فى الطريق ، كلاكس سيارة . وكانت تعروه حالات من الصمت . لا يسأل ، ولا يشارك فى المناقشات ، ويغرق فى الشرود ، شرود فى جزر بعيدة ، لا أتبينها . عوالم يراها هو ، يتخيلها ، أو أنها فى داخله . يتجه بعينيه إلى البحر ، كأن الصخب الذى يدور من حوله لا يعنيه ، كأنه ليس موجوداً . وكنت أقرأ فى صمته ما أتصور أنه لا يريد أن يقوله ..
كان أسبق الزملاء إلى المناقشة . نفرغ من سماع القصة ، أو القصيدة . تتجه أنظارنا إليه ، نطلب رأيه . يعد ملاحظاته فى أثناء القراءة . خطوط ومربعات ومستطيلات وأسطر مما قرئ . رأيه هو المدخل للآراء التالية . مرة وحيدة سبقه يحيى عباس إلى مناقشة قصة قرأتها أسامة صابر ، رأى فيها تجديفاً : أنت لا تستطيعين ذكر ما يعيب فى رئيس العمل .. لكنك تعيبين على الذات الإلهية ما ينبغى أن تخجلى منه !
كنت ألحظ تهيؤ محمد الأبيض لإبداء الرأى فى قضايا السياسة . يأخذ سمت الموافقة أو الرفض . ربما رفع يده يطلب الكلمة ، ثم ما يلبث أن يخفضها . حتى إذا أشرت إليه اكتفى بالقول : سبقنى الزملاء إلى ما أردت أن أقوله !.. كانت الحال تتبدل فى جلساتنا الخاصة . يبدو أميل إلى البوح وإبداء الرأى . قمقم نزعت سدادته ، فهو يبدى الملاحظات المخالفة ، والرافضة . حتى آراء الزملاء فى القهوة يستعيدها ، وينتقدها ..
وضع رأفت الجارم على الطاولة مجموعة من كتب الإنجليزية . لمحنى وأنا أقلّبها:
ـ أريد أن أتعلم الإنجليزية ..
ثم وهو يربت صدره :
ـ من المهم أن أقرأ فى اللغة الأصلية ..
كرر ما ألفنا سماعه :
ـ درجتان هما الفارق بين سان مارك وآداب الإسكندرية ..
قال عيد جزيرى :
ـ حزنت فى البداية لأنى كنت أفضل الحياة فى القاهرة .. فلما رأيت البحر تمنيت أن أحيا فى الإسكندرية !..
كان معقود اللسان ، لا يتكلم إلا بمشقة . يعانى الثأثأة واضطراب الكلام . يكرر الحرفين الأولين ، ثم تتدفق الكلمات . فى حوالى العشرين . له قامة مديدة ، نحيلة ، وشفتان غليظتان ، وذقن عريضة ، لا يغير بنطلونه الجينز والسويتر المقفول على الفانلة الداخلية ..
قال فتحى عيداروس :
ـ البحر أم كرم عبد الغفار ؟..
كان قد روى عن يومه الأول فى الإسكندرية . فض اللفافة الورقية ، وفرد مابها على الطاولة بسطرمة وجبنة رومى ومخلل . وضع الجرسون عبد الغفار أمامه كوب ماء ، فشكره . فاجأه ـ بعد قليل ـ بطبقين بهما أرز وبطاطس مطبوخة ..
هتف بالتأثر :
ـ أمامى كفاية ..
قال عبد الغفار وهو يعود إلى داخل القهوة :
ـ الأكل لا يرد !
هل يعرف أنه عضو جديد فى الندوة ، يعتزم التردد على المقهى ليصبح من رواده ؟..
روى ماحدث لأوائل القادمين إلى المقهى . ضحكوا ، وتناولتها مناقشاتهم التالية ..
غالب الذهول حين رأى البحر للمرة الأولى . صحبه فتحى عيداروس فى طريق الكورنيش . ملايين الترع كالتى فى قريته ، اختلطت ، فشكلت البحر الواسع ، الممتد بلا أفق ، المتلاحق الموجات ..
كل هذه المياه ؟! ..
تذوق طعم الملوحة من الرذاذ المتطاير على شفتيه . لماذا مياه البحر مالحة ، ومياه النهر عذبة ؟..
لم يكن قد رأى البحر من قبل . قريته القريبة من سوهاج ، تمتد فيها ، وتلتقى ، ترع وقنوات . ينادى على الواقف فى الناحية المقابلة ، أو يعبر المسافة فى دقيقة ـ سباحة ـ بين الشاطئين . حتى المراكب بدت مختلفة عن التى تسير فى النيل . هذه مراكب حقيقية . مراكب النيل كأنها اقتطعت من وسطها ، فظل الجزء الأسفل ليقف الناس ، أو تصف البضائع ..
أطلق صيحة فزع لارتطام الموج بالمكعبات الأسمنتية أسفل الكورنيش ، وتصاعد المياه رذاذاً يتناثر على وجوه الواقفين ، وعلى الرصيف الحجرى ، وأرض الطريق . كان قد استمع إلى قصص البحر . تحيا فى الخيال والغرائب والأسطورة والخوف من المجهول والسفر إلى المدن البعيدة ..
ـ كنت أرسم البحر المتوسط فى الخرائط معتمداً على التصور .. الآن أراه أمامى حياً وممتداً فى الأفق ..
عاد إلى الكورنيش مرة ثانية ، وثالثة ، يطيل التأمل . وكان يحب رؤية شروق الشمس فى أفق البحر . يطيل وقفة التأمل ، أو يمشى ـ بخطوات سريعة ـ بين بداية الميناء الشرقية إلى السلسلة ..
قدم نفسه شاعراً للعامية . يلقى قصائد متباعدة ، ومشاركاته قليلة فى المناقشات . كنت ألحظ شروده المفاجئ كأنه يعانى ، ونادراً ما يتكلم ، أو يضحك ، أو يبدو عليه انفعال . وكان دائم التنهد ، وينهج وهو يتكلم أو يقرأ ، ويعانى التعب لأقل مجهود . حتى لو شارك فى مناقشة . يرين على وجهه شحوب ، وتبدو أنفاسه كاللهاث ..
خمنت أنه مريض بالقلب ، أو بالربو ..
قال محمد الأبيض :
ـ كتب الإنجليزية لا تكفى .. لابد من مدرس ..
ووشى صوته بسخرية :
ـ على مرتضى النادى أن يلجأ إلى نفوذه ..
بدا على النادى حرج واضح . كنا نعرف أنه لا يحب الشعر ، ولا يفهم البحور ولا القوافى ، ولا الفرق بين القصة والرواية ..
كانت العلاقات العامة موهبته التى يجيد استخدامها . مفكرته الصغيرة تضم عشرات الأسماء من مهن متباينة . أتأمل قدرته المذهلة على إنشاء العلاقات ، فهو على صلة بالمحافظ وسكرتير المحافظة ورؤساء الهيئات الحكومية ورؤساء الشركات . له أصدقاء فى كل مكان ، شبكة علاقات واسعة ، مذهلة ، فى المحافظة ، وفى الميناء ، وفى مصلحة الجمارك ، وفى الشركات . حتى أندية الإسكندرية ، امتد نفوذه إليها ، يحصل لأصدقائه ومعارفه على عضويتها المجانية . حتى المهام الصغيرة ينجزها ، بمفرده أو بمعاونة آخرين . يقضى لكل من يقصده حوائجه : تدبير تذكرة طائرة ، أو قطار ، استخراج جواز سفر ، أو قيد عائلى ، أو استمارة دخول إلى الدائرة الجمركية ..
قال محمد الأبيض :
ـ لأنك تحمل دائماً كتباً بالإنجليزية .. تصورت أنك تجيدها ..
وهو يغالب حرجه :
ـ أنا أقرأ الإنجليزية .. ولكن ليس إلى حد الإجادة ..
أعرف أن شخصيته الحقيقية تختفى وراء الكذب . أطيل التحديق فى ملامحه وهو يتكلم ، كأنى أبحث عما يضمره . ترافق أكاذيبه الواضحة ابتسامة طفولية رائقة ، تبحث فى عينيك عن التصديق والمشاركة ..
همست فى أذن فتحى عيداروس :
ـ وكتبه المترجمة .. أعرف أنه ترجم كتابين أو ثلاثة ..
كور أصابعه فى الهواء :
ـ ليس بالضبط ..
هززت رأسى دلالة عدم الفهم :
ـ ماذا تقصد ؟..
ـ مرتضى النادى يعيد صياغة الترجمات البيروتية ..
ـ يعنى يترجم من العربية إلى العربية ..
قال فتحى عيداروس فى صوت خافت :
ـ الريس يحبّك امسح إيدك فى القلع ..
واهتزت السيجارة بين أصبعيه :
ـ النادى تحميه السلطة ، فهو يفعل ما يشاء ..
حاولت أن أتأكد مما لاحظته من قبل ، وربما لاحظه الزملاء . إذا أقبلت إيناس عبود ، اتجهت الأعين ـ بتلقائية ـ إلى رأفت الجارم . أخمن أنهم يعرفون ، وإن كنت لا أعرف المدى الذى بلغته تصوراتهم . رأفت الجارم يحس بنشوة لمجرد تلامس جسده بجسد إيناس عبود . كأنه تحول إلى رغبة فى أن يلمس بشرتها بأصابعه ، يدها ، ذراعها ، ساقها ، أى جزء من الجسد الصغير يحاول ـ بإيهام العفوية ـ أن يلمسه ، ويشم رائحته . القوام الرقيق المتناسق ، والوجه الحالم ، المنمنم الملامح ، والعينان البنيتان الواسعتان ، الملتمعتان ، يطل منهما شرود حزين . حتى كوعه كان يلمس جنبها فى اقتراب المقعدين .. هل تأخذ بالها ؟.. هل كانت تدرك معنى نظراته ، وماذا يريد ؟
هل لاحظت ما يحدث بين رأفت الجارم وإيناس عبود لأنى ألاحظ كل ما يدور فى الندوة ؟ هل لاحظت حبه لها من النظرات التى لاترتفع عنها ؟ .. يختلس النظر إلى وجهها وهى صامتة ، وهى تتكلم ، وهى تتحرك . يصل بين عينيه ووجهها خيط غير مرئى . هل لاحظ الزملاء ما لاحظت ؟.. وهل توافق إيناس على ما يفعل ، أو أنها لا تأخذ بالها ؟..
عرفت طريقها إلى الندوة مع فتاتين من قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب . غابت الفتاتان ، وظلت إيناس على صلتها بالندوة ، تقرأ قصائدها ، وتشارك فى المناقشات ، وتطمئن إلى تصويبات يحيى عباس لمحاولاتها .
أدركت ، بدوام المراقبة ـ المراقبة ؟! ـ وربما الزملاء ـ أنه يحبها فى صمت . لا يحسن التعبير عن مشاعره ، أو أنه يخجل من التعبير عنها . ابتسامته الدائمة ، المرتبكة ، طريقته فى التعامل معها ، غلبة التوتر على تصرفاته ، فلا يعرف كيف يسيطر على نفسه . حتى إذا جلس فى صف خلفى ، فإن المتعة تلتمع فى عينيه وهو ينظر إلى انسدال شعرها على كتفيها . يتنبه ـ أحياناً ـ إلى أنها تقف على الشاطئ المقابل ، البعيد . قاربه يعجز عن الوصول إليها ..
***
وأنا أهم بفتح باب حجرتى ، تناهى ـ من وراء باب حجرة أمى المغلق ـ صوت كالنشيج . أصخت السمع لحظات ، ثم فتحت باب حجرتى ..
طالعنى ما اعتدته فى الأشهر الأخيرة . لما حاولت أمى أن تعيد ترتيب الحجرة كما كانت تفعل دائماً ، قلت بلهجة رجاء حاسمة :
ـ دعى لى ترتيب كل شئ !
احتضنتنى بابتسامة مشفقة :
ـ هل خاصمتنى ؟..
داخل صوتها نبرة انفعال ، ليست ضيقاً ولا غضباً ، ولكنها أقرب إلى الخوف ، أو الإشفاق .
لم تشر إلى أطباق الطعام التى أتركها كما هى على المكتب . لا أجد رغبة فى ألطعام ، ولا فى النوم ، ولا حتى فى العمل . اختطف من كل شئ بلا استمتاع ، ولا تذوق . أسبح فى بحر من القلق والخوف والشكوك ..
ظللت ساهياً عن اتساع الفوضى ، واختلاطها . الأدراج مفتوحة ، والكتب ملقاة فوق المكتب ، وعلى الأرض ، والكرسى ، والسرير ، والأوراق متداخلة مع الكتب ، والثياب على طرفى السرير والكرسى . بدا لى ما يحدث حلماً ، أو كابوساً ، سأصحو منه بهزّة ـ ألفتها ـ من يد أمى . وكانت لحظات النوم قصيرة ، متقطعة ، تتخللها ، وتوقظنى أحلام وكوابيس ، يختلط فيها البشر والحيوان والطير والهمسات والصراخ . أصحو ـ مفزوعاً ـ على أصوات تخاطبنى . أتلفت حولى لتبين مصدر الصوت . أطل من خصاص النافذة على الطريق . أفتح باب الحجرة ، وأحدّق فى سكون الصالة المظلمة ..
ـ سأعيد بنفسى ترتيب كل شئ !..
كنت أدرك أن أمى تراقبنى ، وتحس بما أعانيه ، وإن لم أكلمها عن التوقعات التى تشغلنى . أشياء أتوقعها . متى ؟ وأين ؟ لا أستطيع أن أخمّن ، لكنها لابد أن تحدث . لا أدرى طبيعتها ، ولا صورتها ، ولا مدى خطورتها ، وإن أثق أنها خطيرة . أنتظر شيئاً غير محدد ، شخصاً ، أو مجموعة أشخاص ، تصرفاً لا أخمنّه ، ولا أقوى على رده . يفاجئنى فى لحظة اللاتوقع ، فى البيت ، أو على المقهى ، أو فى الطريق . يفصل بين ما قبل وما بعد . تمضى التوقعات فيما كان يرويه محمد الأبيض ، وأنصت ـ بالذهول ـ إليه ، وأتخيله . أشعر بالخطر . أكاد أتبين ملامحه ، لكننى لا أقوى على فعل شئ . وكانت تضايقنى نظرات أمى المشفقة ، أو الخائفة ، تشعرنى بالمأزق الذى أعانيه . أخاف البيت والجدران ومكتب الجريدة وميدان أبو العباس ومقهى المينا الشرقية والوجوه غير المألوفة والآذان المتنصتة ..
ــــــــــــــــــــــ
(1) من قصيدة " إلى فتاة اسمها الإسكندرية " للشاعر أحمد فضل شبلول .

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:14 PM
ـ 10 ـ

غالبت انفعالى حين وقف قورة إدريس على باب القهوة . كان قد مضى عليه أشهر ، فلم أتوقع حضوره ..
تأملته وهو يقرأ ، وهو يناقش ، وهو يتابع . أتخيل ما دعا نيفين عصام إليه . أبحث عما لم أفطن إليه فى ملامحه المنفعلة . هل يضم السرير الواحد أكثر من رجل ، وأكثر من امرأة ؟.. كيف تكون العلاقة ؟..
لم أتصور أن ذلك قد حدث . لم أتصور أنه يحدث ..
التقت عيناى بعينيه ، فتشابكت النظرات .. هل هو ؟..
تلفت ـ بعفوية ـ إلى وقع القدمين خلفى :
ـ محمد ..
قال محمد الأبيض :
ـ طريقنا واحد ..
كان يعانى . يدارى توتره بلهجة متباطئة ، هادئة . بدا أنه يريد أن يفرغ ما بنفسه ..
ـ مالك ؟..
***
ألف أصوات الأقدام الملهوفة تصعد السلم ، والطرقات العنيفة المتوالية ترج الباب ، والصوت الآمر : افتح .. بوليس !..
قال :
ـ ما يؤلمنى هو الشعور بأنى لم أعد أنتمى إلى هذا البلد ..
ـ لماذا ؟..
ـ خطر الاعتقال والتعذيب الذى أواجهه كل لحظة..
هل المراقبة لأن محمد الأبيض يتردد على الندوة ؟..
ومضت على شفتيه ابتسامة مهزومة :
ـ حتى رانيا فسخت خطبتها لى ..
نظرت خلفى لأطمئن إلى أن أحداً لا يتابع حديثتنا :
ـ لماذا ؟ وكيف ؟..
***
حين فتحت منار ـ شقيقتها الصغرى ـ الباب ، عراها لرؤيته ارتباك وتردد . فاجأته بالقول :
ـ دقيقة واحدة ..
وأغلقت الباب .
ظل واقفاً يخمن ماحدث ..
فتحت البنت الصغيرة الباب ..
جلس فى الصالون يعانى شعوراً بالغربة ..
دخل الأب :
ـ أهلاً وسهلاً ..
وهو يغالب ارتباكه :
ـ خرجت أمس ..
ـ حمد الله على السلامة ..
تلفت :
ـ أين رانيا ؟..
ـ بخير ..
ـ هل هى موجودة ؟..
ـ أرحب بزيارتك كصديق للأسرة .. أما رانيا فهى لا تقابل الغرباء ..
عانى ليبدو طبيعياً :
ـ غرباء !.. هل أصبحت غريباً ؟!..
ـ مادمتما لم تعودا مخطوبين .. فأنت غريب عن رانيا ..
شعر بجفاف فى حلقه :
ـ متى فسخت خطبتنا ؟..
ـ عندما تغيرت الظروف ..
ـ أى ظروف ؟..
قال الرجل فى انفعال :
ـ ألم تكن فى السجن حتى أمس ؟..
رمقه بنظرة مستنكرة :
ـ أنا لم أسجن بتهمة السرقة ولا القتل ..
أشاح بيده فى عدم اكتراث :
ـ المشكلة فى السجن وليس فى نوع الجريمة ..
ـ هل سألت رانيا ؟..
دفع إليه علبة مربعة من الكرتون :
ـ هداياك كاملة هنا ..
وضغط على الكلمات :
ـ إذا كان أمر ابنتى يهمك ، فلن ترضى لها بفضيحة زواجها من مجرم ..
صرخ :
ـ ماذا تقول ؟..
أعاد الرجل فنجان القهوة إلى الترابيزة :
ـ من يدخل السجن .. ماذا تسميه ؟..
ـ تهمة سياسية .. وثبتت براءتى ..
ـ هذا موضوع لا شأن لنا به ..
وعلا صوته :
ـ لو أنى أعرف أنك دخلت السجن من قبل ما وافقت على زواجكما !..
ونتر الهواء بيده :
ـ لن أزوج ابنتى لرد سجون !..
تيقن أنها ليست مسئولة عن قرار أبيها . هو الذى اتخذه ، وفرضه عليها ، عليهما . انتظرها على ناصية شارع السلطان حسين المؤدى إلى البيت . لمحته ، رأته ، أسرعت من خطواتها ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:14 PM
ـ 11 ـ

بدا لى شخصية متوارية فى الظلال . لم أكن مستريحا له . ثمة شئ يدعو إلى الحذر تنطق به عيناه ، وإن لم يتأكد فى تصرفات محددة . كان أميل إلى الهدوء ، لا يشى وجهه بما يدور فى ذهنه ، ويجتنب الكلام . يغيظنى صمته ، وابتسامته المحايدة لا تبين عن رضاه ، أو عدم رضاه ، فهى ابتسامة بلا معنى محدد ، وإن يدهمنى ارتباك لنظرته التى أتبين أنه لم يحولها ، نظرة ـ على شفتى وأنا أتحدث ـ ثابتة ، مشفقة ، كأنه يخشى أن أخطئ ، أو أقول ما لا ينبغى قوله ، أو كأنه يحرص أن يظهر محاصرة عينيه لى طول الوقت ..
اختار موضعاً خارج دائرة الندوة ، وراء ضلفة الباب المواربة ، وتحت صورة فوتوغرافية من التى علقت على الجدران تحمل صوراً لمدن مصرية ، بعيداً عن الطاولات المتلاصقة . نلتف حولها ، وإن ظهر اهتمامه من العينين اللتين تحولتا إلى متابعة خالصة . يلجم نفسه ، ويلوذ بالصمت ، يكتفى بالتطلع إلى الوجوه ، ومتابعة المناقشات ، ولايتكلم إلاّ نادراً . قد تمر أسابيع قبل أن يرفع يده بطلب إبداء رأى . ولم يكن يقرأ ما يدور حوله النقاش . يكتفى بتعقيبات متباعدة على الملاحظات . وكان يرفض أن يدفع له أحد ثمن المشروب . يزيح اليد الممدودة إلى الجرسون ، ويصر على دفع ما طلبه ..
لم ألحظ متى بدأ تردده على الندوة ، لكننى تنبهت إلى وجوده منذ فترة قريبة . ربما شهرين أو ثلاثة . فى حوالى الثالثة والعشرين . شعره كثيف ، مجعد ، أقرب إلى الصفرة . يتسلل بنظراته من تحت جفنيه . له أنف أقنى ، وشارب خفيف فوق شفته العليا .
غاب اسمه عن زملاء الندوة ..
تعمدت أن ترافق سؤالى ابتسامة واسعة :
ــ أيها الرجل الصامت .. ما اسمك ؟..
أشار إلى نفسه :
ـ أنا ؟..
فى نبرة محرضة :
ـ نعم .. أنت ..
استطردت متسائلاً :
ـ ألا تشارك فى الندوة ؟..
وهو يدفع براحته خطراً وهمياً :
ـ أنا مجرد قارئ ..
ـ هل اسمك من الأسرار الحربية ؟..
ـ محسن سالم .. طالب بنهائى الطب ..
ـ قصة أو شعر ؟..
أظهر التململ :
ـ كما قلت .. أنا مجرد قارئ .. لم أفكر فى الكتابة بعد ..
ـ ولماذا تجلس بعيداً ؟..
رسم على شفتيه ابتسامة أسف :
ـ ربما لأنى خجول ..
تنبهت إلى أصابع رأفت الجارم تلامس ركبة إيناس عبود ، الوردية ، العارية . لم تتحرك ، ولم تنظر إليها . هل هى راضية ، أو أنها انشغلت بما يدور أمامها ؟..
قال فتحى عيداروس :
ـ ضع على وجهك منخلاُ واقترب ..
كتم ضحكته المقهقهة لما واجهته بنظرة مؤنبة ..
هل يكون هو الرجل ؟.. لابد أنه هو . مامعنى أن يكتفى بالقراءة ؟.. ولماذا غاب اسمه عن زملاء الندوة ؟..
الاسكندرية تشغى بالندوات .. فلماذا تقتصر مشاركته على هذه الندوة ؟..
ماذا يريدون من المراقبة ؟..
حياتى بين البيت والمكتب . مصادرى معروفة . لا أتردد إلاّ على الأماكن التى تمارس نشاطاً ثقافياً . لا شأن لى بالسياسة . لعن الله ساس ويسوس . أدركت أن الأسئلة ستضيف إلى مخاوفى . استقرت فى داخلى حالة من الانتظار والتوقع . أحسست أنى مهزوم ، وأنى فقدت القدرة على فعل شئ . تساوت نظرتى إلى الناس والأشياء ..
تحولت إلى أذنين تصيخان السمع لكل الأحاديث العالية والهامسة ، تلتقطان حتى ما قد يبدو عفوياً فى العبارات والكلمات ، أتأمل معانيه المضمرة . وكنت أتصور مواقف ، وأجرى حوارات مع شخصيات تستدعيها الذاكرة ، أو وهمية . يهمس صوتى أو يعلو . تشارك يداى فى التعبير ، وأحيا فى الجزر المنفصلة . أفطن إلى ما أفعله ، أو تنبهنى عينا أمى القلقتان ، تكشفان ما يمور فى داخلى من مشاعر صاخبة ، فأدارى ارتباكى ..
لفنى قلق لرؤية رجلين تحت ظل شجرة فى ميدان المنشية ، يتهامسان وهما يرمقاننى بنظرة متأملة ..
أسرعت فى خطواتى ..
تعمدت أن أترك ورقة بها أسماء . هؤلاء هم أصدقائى : أدباء وفنانون . لا أرقام ساسة فلا شأن لى بهم . أعاد لى بسيونى الأوراق فى موعد الندوة التالية . هل ظلت مودعة لديه حتى أعادها ؟ أو أن هناك من نقل الأسماء المكتوبة فيها ؟..
لماذا لا أنهى الندوة ، فينتهى الأمر ؟.. لا قراءات ، ولا مناقشات ، ولا ندوة . يظل الملف خالياً حتى يدركهم السأم ، فيغلقوه . مجرد أن أصارح الزملاء بأن الندوة مراقبة ، وأن الأفضل إيقافها فلا تفاجئنا التوقعات . ناقشت الأمر ـ بينى وبين نفسى ـ من بدايته ، منذ التقيت بالرجل الذى لا أعرفه : كان حضور الندوة جزءاً من عملى .. أنا أهوى الشعر .. لكننى مساعد فى مباحث أمن الدولة .. ألا تعرف أن الندوة مراقبة ؟.. هذا عملنا يا أستاذ .. كل الندوات يجب أن نراقبها .. أى تجمع لابد أن نراقبه ..
اختلطت الأقوال والأحداث والمواقف ، فلم أصل إلى قرار ..
ذهبت إلى طبيب تطل عيادته على ميدان محطة الرمل . كتب على لافتته ـ بمساحة البلكونة ـ طبيب أمراض باطنة وقلب . شكوت التقلصات المبرحة ، والحموضة الدائمة فى صدرى . كتب أدوية ، ونصح بعدم الانفعال . تعاطيت الأدوية ، واعتبرت عدم الانفعال مرادفاً للعنقاء والخل الوفى ..
قالت أمى :
ـ كان يجب أن تطلقها عندما اكتشفت الرسالة ..
أدرت وجهى ، أتقى نظرة الاتهام فى عينيها ..
اتجه إلى الناحية المقابلة ، ربما لتكتم انفعالها :
ـ لم أكن أحب أن تنتظر حتى تطلب هى الطلاق ..
وشوحت بيدها ، ومصمصمت شفتيها :
ـ التردد !.. التردد !..
أغمض عينى لتصور الشائعات التى هددت بها . لو أنى طلقتها رابع يوم ، كنت سأواجه بما لا أقوى على رده . لن أكون أنا ، وإنما التشوه الذى ستحدثه . يلفنى العجز فى مواجهة ما أخشاه ، وما لا أفهمه . هل كانت ستصرخ بالفعل ، وتفضحنى ، أو أنى حملت المسالة مالا تحتمل ؟..
ركبت ترام أربعة ، المتجه إلى محرم بك ..
البيت رقم واحد بشارع ابن طريف . له بابان ، يصلانه بالبيت المجاور . السلالم والدرابزين من الرخام . لانوافذ ، والمرئيات تبين بالكاد ..
أمعنت النظر ـ فى الظلمة الشفيفة ـ إلى موضع الجرس . أطل ـ من وراء الباب ـ بوجه عليه أثار نوم . كنت قد أخبرته بأنى سأزوره ، لكن عينيه التمتعتا بالمفاجأة ..
الصالة واسعة ، تتوسطها مائدة طعام ، أحاط بها ستة مقاعد . وثمة كنبة استامبولى تطل النافذة وراءها على الشارع الخلفى ، وبوفيه ، وثلاجة خضراء اللون ، ولصق الجدار رف فوقه راديو ، ورصت على حافة النافذة المواربة أصص لعتر والريحان والقرنفل ، تلاصقها صينية القلل ، وتدلت من السقف نجفة من الزجاج الملون المقلد للكريستال ..
الحوائط مزدانة بالورق المزخرف ، وإن أحدثت الرطوبة بقعاً من النشع ، وعلى الجدران صور لرجال بالجلابيب ، وعلى رءوسهم الطرابيش ، ونساء بالفساتين الطويلة ..
فى الجوانب أربع غرف ، وطرقة إلى اليمين ، ربما تفضى إلى المطبخ والحمام . وأطل من باب موارب وجها ولد وبنت ، خمنت من تشابه الملامح أنهما أخواه ..
ـ كنت ماراً بالقرب من البيت .. تذكرت أنك أعطيتنى العنوان ..
أظهر محسن سالم فرحة حقيقية :
ـ أهلاً وسهلاً ..
وأنا أقاوم الحرج :
ـ هل الوقت مناسب ؟..
ـ كل الأوقات مناسبة .. زيارات الأصدقاء فترات راحة من المذاكرة المستمرة ..
وافترت ابتسامته عن أسنان ملتمعة :
ـ أنا الآن فى السنة النهائية ..
ظهرت الأم على باب الحجرة تحمل صينية عليها كوبان من الليمون . فى حوالى الخمسين . ممتلئة الجسم . بيضاء البشرة ، تناثر فيها نمش كثير ، ولها شارب خفيف فوق شفتها العليا . ترتدى جلباباً قطنياً أبيض ، عليه نقوش كثيرة لزهور متعددة الألوان . ووضعت على رأسها شالاً من القطيفة الخضراء ..
ـ الأستاذ عادل مهدى .. رئيس ندوة المينا الشرقية ..
هتفت الأم بالتذكر :
ـ أفضل أن يفرغ لمذاكرته .. لكنه يحبك جداً ..
قلت بانفعال عاطفى :
ـ وأنا أحبه كذلك ..
أعدت تأمل الحجرة : صغيرة ، جدرانها مغطاة بالصور الملونة ، المقصوصة من المجلات ، لممثلات ومطربات وراقصات . وعلقت فى منتصف الحائط صورة فوتوغرافية كبيرة للكعبة . لصق الحائط سرير لشخص واحد ، وشماعة ، ومكتب من الصاج ، وضعت فوقه صفوف من الكتب والأوراق . وفى الجانب طاولة بلا مفرش ، تناثر فوقها زجاجات صغيرة وكوب بداخله ملعقة ، وكراسة ممزقة الغلاف . واستندت إلى زاوية الجدار سجادة مطوية ..
ـ لى محاولات فى الشعر .. لكن خجلى من المجتمعات يمنعنى من تقديم نفسى ..
قلت بانفعالى العاطفى :
ـ لماذا لا تقرأ فى الندوة ..
ـ أخشى النقد ..
ـ تخجل من المجتمعات .. وتخشى النقد .. كيف ستعالج مرضاك إذن ؟!
تأملت الملاحظة ، فأدهشتنى ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:15 PM
ـ 12 ـ
أهملت وضع صاحب المخزن فى ناصية الشارع فى قائمة من عهد إليهم بمراقبتى . فوجئت بأن المخزن مفتوح للمرة الأولى منذ أشهر طويلة ، والرجل فى داخله يتأمل مالم أتبينه . تنبه إلى خطواتى أمام الباب ، فخصنى بنظرة طويلة محدّقة . طردت كل الهواجس ، ولم يعد الرجل فى قائمة من أتصور رقابتهم ، بعد أن ظل المخزن مغلقاً فى الأيام التالية ..
هل ثمة من يراقب الندوة ، أو أنها أوهام وضعنى فى قلبها ذلك الرجل . جعلنى أتخيل أشياء ، وربما أفر من أشباح أنا الذى خلقتها . مضت أشهر ولم ألحظ ما يشى بالمراقبة . يصعب التنبه لتصرف بالذات . خامرنى شك فى أن يكون الرجل قد كذب حين قال إن الندوة مراقبة . ربما دفعه إلى ماقاله رغبته فى التحدث إلى ، وجذب اهتمامى ..
بدا كل شئ سخيفاً ، وبلا معنى . داخلنى إحساس أشبه باللوم لأنى أسلمت نفسى لمخاوف لا أساس لها . أزمعت أن أهمل الأمر تماماً ..
لم أعد قادراً على التحمل . انعكس الإرهاق فى ملامحى نظرات متسائلة ، أو مشفقة ، فى عيون الآخرين . داخلنى خوف غامض لم أستطع تبين بواعثه ولا توقعاته . غلبنى التردد فهو يسم تصرفاتى ، والآراء التى أقولها . فقدت القدرة على التعبير عن أفكارى ، تغيب الأفكار قبل أن أبلورها فى كلمات محددة . وكنت أجول بنظرة متفحصة فى القهوة . يغيب التخمين فى تباعد الموائد ، وقلة الزبائن ، وجلوسهم متقابلين ، شاب وفتاة ..
كنت أنظر إلى الوجوه بتساؤل وشك ، أرصد المناقشات والحركات والسكنات والتعليقات الهامسة ، ألتقط من الكلمات ما يحاولون إخفاءه ، ما تكشف عنه عبارة ، أو إيماءة ، أو نبرة مغايرة . ماذا يكتب الرقيب ـ الذى لا أعرفه ـ فى تقاريره ؟.. قال يحيى عباس إن الدين هو الأمل ضد هجمات الصليبيين الجدد ، وتكلم فتحى عيداروس عن رؤيته لعيد جزيرى يأخذ نقوداً من بسيونى ، واحتجت أسامة صابر بأن المجتمع يعطى المرأة حقوقها فى العلن ، ويسلبها فى السر ، وقال قورة عباس إنه لا يعرف يميناً ولا يساراً ، فالمثقفون قسمان : من اختار الوصولية ، ومن عجز عن الفعل . ماذا نقل فى تقاريره ؟ وأيها يحمل الإدانة للندوة وأعضائها ؟ وهل يفاجئنى المحقق ـ الذى تخيلته من رواية محمد الأبيض ـ بما لم أفطن إليه ، ولا توقعته ؟.. يجتذبنى الشرود ، وإن تظاهرت بالمتابعة . لا أسمع المناقشات من حولى ، ولا ألحظ القادمين ، ولا الوجوه التى أحاطت بى . أثق أنى سأواجه ـ فى لحظة ما ـ ما يصعب مواجهته . لم أتصور شخصاً ولا شيئاً بالتحديد ، إنما هو الخطر باتساعه وإطلاقه . تمنيت اللقاء ، لا تشغلنى النتائج . أتوقع من لا أعرفه . أواجهه قبل أن يواجهنى . لا أترك أرض الصفر . أدرك أن شيئاً لا بد أن يحدث . لم أحدد صورته ولا قسماته ، ولا خمنت موعد حدوثه ، لكن التوقع استقر فى داخلى . مضى التصور إلى مداه . أيقنت أنى سأكون فى الحجرة التى حدثنى عنها محمد الأبيض ، فى لحظة ما ، أواجه الخوف والأسئلة والتعذيب ..
تنبهت لقول الشاب ذى الوجه المستدير والعينين الزرقاوين ، قبل أن يقرأ قصته :
ـ مجدى الأسيوطى .. ضابط شرطة ..
ضابط شرطة ؟.. هل تحتّمت المواجهة ؟..
لم يش مايرتديه بمهنته : القميص الحريرى المشجر ، فك أزراره العليا ، فظهرت غابة الشعر فى صدره ، والسلسلة الذهبية تدلت من عنقه ، والبنطلون الجينز ، والحذاء القماش . كان يجلس صامتاً ، لا يتحدث إلاّ إذا أجاب عن سؤال ، ولا يبدأ بالتحية أو الكلام ، وعباراته قليلة ، متباعدة الكلمات . ظلت نظرتى إليه مليئة بالتوجس . تباين شعورى إزاءه بين الكره والخوف . ما معنى أن يعلن ضابط شرطة عن وظيفته فى ندوة أدبية ؟..
حين التقت نظرتى ـ للمرة الثانية ـ بنظرته ، ومضت على شفتيه ابتسامة مجاملة سريعة . خمنت أنه كان يتابع اتجاه نظراتى . لم تتحول عيناه عنى لحظة واحدة ..
التعرف الأول لشخص ما ، يترك أثراً ثابتاً ليس من السهل محوه ، أو تغييره . بدا لى خصماً ـ أو عدواً ـ متوقعاً . ظلت النظرة المتسللة فى ذاكرتى ، أحس بتأثيرها كسكين حاد اخترق جسمى . نحيت التحقيق الذى كنت أكتبه فى حجرتى . حاولت أن أستعيد صورته . كتبت : طويل . شطبت الكلمة وكتبت : أميل إلى الطول . كتبت : أسمر البشرة . حذفت العبارة ، وكتبت : قمحى اللون . تأملت العبارة : له عينان نافذتان . كتبت بدلا منها : له نظرات ماكرة ..
مزقت الورقة تماماً ، وألقيتها فى السلة ..
***
لاحظت أنه ـ بعد أن قدم نفسه ، وشارك فى مناقشة قصيدة ليحيى عباس ـ تصرف على أنه قديم فى الندوة . يبدى الرأى ، ويوافق ، ويرفض ، ويعلن إعجابه ورفضه . استغربت للصداقات المفاجئة التى نشأت بينه وبين زملاء الندوة . أحاديث هامسة وعفوية ، تشى بأن المينا الشرقية ليست مكان اللقاء الوحيد . الهمسات والتصرفات بينه وبينهم تخلو من الكلفة تماماً ، كأنهما صديقان من زمن ، كأن جلسة الميناء الشرقية امتداد للقاءات أخرى ، فى أماكن أخرى . ربما استطاع أن يجتذبهم ليحصل منهم على ما يريد . كان فى حالة يقظة ذهنية دائمة ، فهو يستغل كل طاقات ذهنه ، حتى فى الأمور التافهة . تصورت أنه يستخدم ذكاءه حين يعيد كوب الماء إلى موضعه . بدا إجهاده لملكة الذكاء عنده ، فى إنصاته ، وفى أسئلته ، وفى آرائه التى لا يتدبر وقعها على الآذان . وكان يثيرنى حين يصل قبل نهاية الندوة . يلقى السلام ، ويجلس . ربما تبادل الكلمات الهامسة مع الجالس بجانبه ، ثم يمضى . لماذا جاء ؟ ولماذا انصرف ؟ وهل تحولت الندوة كلها إلى أعين وآذان تعمل لحسابه ، فهو يتبادل الهمسات مع الجميع ؟!..
قررت أن أتعرف إليه ..
طرف الخيط سحب الجرافة قبالة المحكمة . قال إنه يعرف مناطق الصيد ، ومناطق تكاثر السمك ، ومواعيد هجرة الطيور ، وأنواعها ، ومواسم وضع البيض ، وحركة المد والجزر ، والتيارات ، وهبوب الرياح ، ومواعيد النوات ..
ولون صوته بتأثر :
ـ تعلمت الصبر من صيد السمك !..
قال رأفت الجارم :
ـ مرتضى النادى ترميه البحر يطلع فى إيده سمكة !
زفر فى حزن :
ـ لا وقت عندى الآن حتى لمجرد أن أقف على شاطئ البحر ..
كنت أرقب حركات رأسه ويديه ، ونطق شفتيه بالكلمات . أحاول أن أعرف ماذا تنطوى عليه نفسه ، أكتشف ماقد يخفيه . حين يرانى أنظر إليه ، أو يشعر بمتابعتى لكلامه ، أو تصرفاته ، يرسم ـ على شفتيه ـ ابتسامة واسعة ..
قلت :
ـ عملك فى المباحث العامة .. أليس كذلك ؟
حدجنى بنظرة متسائلة :
ـ كيف عرفت ؟
ـ مجرد تخمين ..
أضفت :
ـ هل من عملك مراقبة الندوات ؟..
وهو يهز رأسه بالنفى :
ـ تعنى هذه الندوة ؟..
هل يقرأ ما فى داخلى ؟..
قال بلهجة محايدة :
ــ أنت تعرف أن الندوة مراقبة ..
أردف للتساؤل فى ملامحى :
ــ كل الندوات المماثلة لابد أن تراقب ..
ثم فاجأنى بالقول :
ـ ألم تتعامل مع المباحث من قبل ؟..
بدا فى عينيه التماع ، كأنه يبحث عن الوسيلة التى ينفذ بها داخلى ، يسبر مشاعرى ، وما أخفيه ..
ـ ماذا تقصد ؟..
ـ ألم تستدع إلى مباحث أمن الدولة ؟..
ـ لا .. لماذا ؟..
قلب شفته :
ـ لا أقصد الندوة .. ولكن طبيعة عملك كصحفى ..
تنحنحت لأزيل حشرجة فى حلقى :
ـ زرت مبنى الداخلية فى لاظوغلى بالقاهرة .. قابلت ضابطاً لسؤالى قبل أن توافق المحكمة على قبولى بنقابة الصحفيين ..
واغتصبت ابتسامة متوترة :
ـ موافقة المحكمة كانت شرطاً للقبول فى النقابة ..
ظل الأسيوطى ساكناً ، فأردفت :
ـ سألنى عن رأيى فى حرب أكتوبر ومحادثات الكيلو 101 ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:16 PM
ـ 13 ـ

خمنت من جلسة محمد الأبيض المسترخية على الكرسى المجاور للباب ، وهو يحتسى القهوة من فنجان بيد ، ويمسك كراسةً باليد الأخرى ، أنه وصل قبلى بفترة طويلة . كنت أنظر إليه ، فأدرك المعاناة التى يقاسيها ، معاناة لا يملك إلاّ اجترارها ، والتفكير فيها . بدا مستغرقاً فى القراءة . لم يلحظ قدومى إلاّ عندما تأثرت الأوراق بظل وقفتى ..
كان الجرسون عبد الغفار يزيل ما على الطاولات من زجاجات وأكواب فارغة وبقايا طعام وعلب سجائر وأوراق ممزقة ..
قلت فى نفسى : هذه الندوة لن يحضرها كثيرون . وزعت أسامة صابر نسخاً من مجموعتها القصصية الأولى . طلبت أن نناقشها فى الندوة التالية . توقعت أن يغيب الشعراء ، فغابوا . إذا حددت موعداً لمناقشة ديوان شعرى توقعت ـ ويصح توقعى ـ أن يغيب كتّاب القصة ..
رفع عيناً متسائلة :
ـ جئت ؟..
وأنا أسحب كرسيا :
ـ مشغول ؟..
ـ أبداً .. أوراق عمل أراجعها ..
شغلنى ما يعانيه ..
كان يفز من جلسته . يمضى إلى الناحية المقابلة . يقف أمام السور الحجرى . يتأمل ما لا أتبينه . أنشغل بالندوة . أفطن إلى عودته حين ألمحه فى طرف الندوة ، يتابع ما يدور . إذا زايله الصمت ، لا يتوقف عن الكلام . يسأل ، ويجيب ، ويبدى الملاحظات ، ويعلن الآراء التى لا يعنيه وقعها ..
أجهدنى الأمر . أتأمل الملامح المنصتة لما يلقى . كيف أتعرف إلى المندس فى الندوة ، يسجل الأسماء ، وما يجرى من مناقشات ؟! . لماذا يراقبنى ، ولا يكتفى بمراقبة الندوة ؟.. يسجل ما يدور فيها من مناقشات ، ويسلمه إلى الجهة التى يتبعها ؟.. أنا واحد من الندوة ، وإن كنت أتولى إدارتها . مهمتى ترتيب القراءات ، وتنظيم الحوار . آرائى لاشئ إلى جانب آراء فتحى عيداروس ويحيى عباس وقورة عباس وأسامة صابر . هذه ندوة أدبية لا شأن لها بالسياسة . أرد الكلمات المغايرة ، أو أنبه إلى طبيعة الندوة . أمنع الكلمات المتسللة إذا جاوزت الملاحظة العابرة إلى الانتقاد والمؤؤاخذة ..
حرصت على أن أظل صامتاً ما أمكننى . لا أتكلم إلاّ إذا اتجه الكلام ناحيتى ، ولا أقول ما قد يفسر بغير معناه . وأصبحت أكثر ميلاً إلى الاعتذار عن عدم حضور افتتاح المعارض الفنية والمحاضرات والندوات . اكتفيت بندوة المينا الشرقية ، فلا أحضر سواها .
قال لى محمد الأبيض :
ـ لماذا كنت تطيل النظر إلى شارع الأهرام فى أثناء الندوة ؟..
أحسست بانقباضة لم أدر بواعثها :
ـ أنا ؟ ..
ـ لماذا أصبحت شكاكاً فى كل الناس ؟!..
أعدت القول :
ـ أنا ؟ ..
ـ أخشى أنك لم تعد تلحظ ما تفعله !..
هل لاحظ المترددون على الندوة ما لاحظه الأبيض ؟..
لم تعد الملاحقة فى القهوة وحدها . النظرات تحاصرنى حتى داخل البيت ، تربكنى ، فلا أستطيع التصرف ـ أو الكلام ـ بحرية . وثمة ـ فى داخلى ـ بتوالى الانتظار ـ قلق دائم ، أحسه ، تشغله التوقعات ، وما يمكن أن يطالعنى . وإن كنت لا أعرف مصدره ولا بواعثه . وكنت قد بدأت فى إلقاء الأسئلة : هل تصل بى هذه الندوة ـ إذا جمعت كل أدباء الإسكندرية ـ إلى القاهرة ؟ هل تنشر الصحف مواعيد الندوات ، وما نقرأه فيها ، وما يدور من مناقشات ؟..
قررت أن أظل فى موضعى ، لا أتركه . أترقب الضربة التى لا أدرى كيف ، ولا متى ، تأتى . الطرقات الصاخبة على باب الشقة ، تدخل ـ من بعدها ـ الوجوه التى روى لى عنها محمد الأبيض ، وماذا تفعل . هؤلاء الذين يتبعوننى ، لا أعرف من هم ، ولا أين يترصدون لى . أصحو على طرقات تتعالى على باب الشقة فى أثناء الليل . انتتر مفزوعاً . أسأل : من ؟ . لاأسمع رداً . أعيد السؤال . يظل الصمت وراء الباب . تفتح أمى باب حجرتها . تحدجنى ـ وهى تدعك عينيها النائمتين ـ بنظرة متسائلة ، مشفقة :
ـ لعله جار أغلق باب شقته بقوة !
داخلنى قلق لصمت أمى . عيناى تصطدمان ـ بعفوية ـ بعينيها ، تبدوان متأملتين حزينتين ، تحاولان التعرف إلى ما أخفيه ، ولا أفصح عنه . يتناهى إلى وأنا أدخل إلى حجرتى صوت تقلقلها على السرير . أدرك أنها صاحية . تمنيت لو أنها تكلمت ، نصحت ، أبدت الرأى ، رفضت ، صاحت ، شتمت . أى شئ . لا تكتفى بهذه النظرة التى يختلط فيها القلق والإشفاق والحيرة . أتصور ـ لثبات نظرتها المتابعة ـ أنها تعرف كل شئ ..
اللمبة الحمراء أعلى حجرة مكتب المدير ، المطلة على شارع سعد زغلول . لازوار ، ولا تليفونات . حتى النافذة المطلة على سعد زغلول ، يغلقها ، فلا تصل إليه ضجة الشارع . يعزل نفسه عن الدنيا من حوله ليكتب مقالات تافهة . يضايقنى حرصه على أن يقرأ كل أوراق المكتب ، يبدى عليها ملاحظات بالقلم الأحمر ، أقواساً وخطوطاً وعلامات تعجب واستفهام . حتى الرسائل الشخصية يفضها ، ويبدى ملاحظاته . مادامت قد وصلت إلى المكتب فلا بد أن أقرؤها . هل يكتفى بالقراءة وإبداء الملاحظات ، أو أنه يبلغ بما يقرأه ؟..
حين أعلن سيد حماية ثورته لتلقيه رسالة من قريته بدمنهور ، قال فى هدوء لا يزايله :
ـ إذا أردت الاحتفاظ بما تحويه رسائلك من أسرار .. أطلب من مرسليها أن يبعثوا بها إلى البيت !..
قبل أن تنتقل الندوة إلى قهوة المينا الشرقية ، همس بالضيق :
ـ ليت المكتب يقتصر على زيارات العمل ..
علت فى داخلى موجات الغضب . لم أتدبر القول :
ـ هذا مكتب جريدة وليس مصلحة حكومية ..
حين دخلت الحجرة الواسعة المطلة على ميدان سعد زغلول ، ظلت عينا فاروق أبو سليم على الورق . تظاهر بأنه لم يرنى . مضيت إلى مكتبى . لم ألتفت ناحيته . بدا الأمر كما لو أن أحدنا لم ير الآخر ، أو أننا غريبان . كنت أتوقع أن يجندوه ـ أو أى أحد داخل الجريدة ـ لمراقبتى . من أستقبل ؟ ومن أحادث فى التليفون ؟ وماذا أقرأ ؟.. تضيق دائرة المراقبة . وكنت أعيد قراءة الموضوعات التى أبعث بها إلى إدارة الجريدة بالقاهرة . ربما تتفحصها عين منتبهة . لا أخوض فى القضايا القريبة من السياسة ، وأحذف ما يحتمل التأويل ..
قلت لمحمد الأبيض :
ـ قررت إلغاء الندوة ..
مال بأعلى صدره إلى الوراء ، بتأثير المفاجأة ..
خرجت الكلمات مبحوحة :
ـ ما الذى يدفعنى إلى الحياة فى التوتر ؟..
أطلق من أنفه ضحكة قصيرة :
ـ وهل ترى أنك بهذا التصرف قد أنهيت الأمر ؟!..
وأنا أحاول تفادى النظر إليه :
ـ تنتهى الندوة فلا شأن لهم بى ..
أدار نحوى ملامح مندهشة :
ـ من أخبرك ؟.. تنتهى الندوة ولكن ملف الندوة سيظل مفتوحا! ..
وربت صدره :
ـ أذكّرك بنفسى !..
وزم شفتيه فى تفكير :
ـ سيتصورون أن ما تفعله فى العلن سينتقل تحت الأرض ..
ونقر بأصبعه على حافة الطاولة :
ـ نصيحتى أن تظل الندوة .. وتظل مناقشاتنا بعيدة عن السياسة ..
وخرجت الكلمات من فمه متلكئة :
ـ أنا الآن صاحب تجربة .. وتجربتى تقول إنك ما لم تنضم إلى تنظيم فلا شأن لهم بك ..
ـ تنظيم ؟!..
مال بأعلى صدره ناحيتى :
ـ إنهم يفوّتون الكلام .. ولكن لا يتسامحون مع من يشكّل تنظيماً ..
ثم وهو يحك ـ فى حيرة ـ مقدمة رأسه :
ـ لن يجهدوا أنفسهم فى التأكد مما إذا كنت قد اكتفيت بإلغاء الندوة !
***
هل تكون سنية عبد المحسن ؟..
قفز الإسم كالمفاجأة . ألأنها امرأة لا تكتب التقارير ؟..
من يدرى ؟!
بدت مهمومة ، وصامتة . تحتضن الطفل ، تنيمه على صدرها ، تلقمه ثديها بعد أن تواريه بإيشارب الرأس . فى حوالى الثانية والعشرين ، وجه خلا من التزويق . فى وجنتيها غمازتان تبتسمان مع ابتسامتها الدائمة . ترتدى فستاناً بسيطاً ، وحذاء بدون كعب ..
خمنت من نظراتها المتلفتة ، وصمتها ، أنها حديثة العهد بالندوات . وحيدة . لم تمل على جارها بسؤال ، ولا تبادلت الكلمات الهامسة ، وإن انشغلت بالطفل الصغير ..
عندما رفعت يدها فى الأسبوع الرابع تطلعت إليها بلهفة متسائلة . وكان لها قدرة فى تناوب الضحك والبكاء . تتأثر بما تنصت إليه ، فتبكى ، وتجد ـ فى قراءة تالية ـ ما يستدعى الضحك ، فتضحك . يفرق بين الحزن والفرحة ما تلتمع به عيناها اللتان تدمعان دوماً ..
قالت :
ـ أقرأ قصيدة ؟..
فى لهجة ترحيب :
ـ أنت إذن مبدعة ؟..
ـ مجرد محاولات ..
ـ إسمك ..
ـ سنية .. سنية عبد المحسن ..
ـ من الإسكندرية ؟..
ـ من كفر الدوار .. أقيم عند خالى فى كرموز ..
ـ طالبة ؟..
ـ دبلوم تجارة .. وأعمل فى مصنع بالقرب من البيت ..
وأنا أشير إلى الطفل فى يدها :
ـ متزوجة طبعاً ..
سألت ونحن نسبق الجميع :
ـ أين تسكنين الآن ؟..
ـ بحرى ..
ـ أين ؟..
ـ فى شارع الحجارى ..
ـ هذا طريقى .. فأنا أسكن بالقرب من أبو العباس ..
فاجأتنى ونحن نميل فى شارع اسماعيل صبرى :
ـ هل تحب التمشى ؟..
ـ والطفل ؟..
ـ هميس .. لا يرهقنى حملها ..
ـ أرحب .. وإن كان الوقت متأخراً بالنسبة لك ..
ارتعش صوتها بالانفعال :
ـ الليل غول أترقبه .. وأخافه ..
حدجتها بعينين يطل منهما الحذر :
ـ لماذا ؟..
أنصت بالذهول : تغلق باب الشقة ، تطمئن إلى إغلاق النوافذ والبلكونة المطلة على شارع حسن باشا عاصم ، تضئ الشقة كلها ، وتدخل حجرة النوم . تظل جالسة على السرير . تحاصرها الوحدة والخوف . نظراتها تتلفت ، تتأمل ـ بلا وعى ـ تكوينات الطلاء المتساقط فى السقف والجدران ، وتسرح فيما لا يشغلها تبينه ، حتى تروح فى النوم ..
الصالة أقرب إلى الاستطالة ، تضم كنبة وستة فوتيلات من طراز الستيل الفرنسى ، أخذت هيئة الحدوة ، أو الدائرة الناقصة . وتوسطت الحائط لوحة طلى إطارها باللون الذهبى لأطفال يعدون على عشب أخضر صوب الأفق ..
مضت بالطفلة ـ نائمة ـ بين يديها إلى الحجرة الثانية ، ثم عادت ..
حين دخلت الحجرة المجاورة ، المقابلة للصالة ، أضاءت النور . فى المواجهة سرير معدنى ، ودولاب صغير بضلفتين ، ووضعت على حامل خشبى طويل زهرية يابانية مزينة بنقوش دقيقة ..
تركت الباب مفتوحاً ، ومالت ناحية اليمين ..
خمّنت أنها تحضر شيئاً ، لكن تماوج اللمبة المدلاّة من السقف والظل المتطاير وشى باستبدال ملابسها . صر الباب لاستنادها عليه . كانت قد تخففت من ملابسها . لم يبق على جسمها سوى قميص من الساتان الأزرق ، وكانت حافية ..
جلست على الكرسى الأسيوطى ، وأشارت إلى الكرسى المقابل ..
لم أسألها وإن أصخت إليها : اقتنعت بأنها لا تحتاج إلى مواصلة التعليم العالى ، فالثقافة ميسورة بالقراءة ، تقرأ ما تريده وليس ما تفرضه الكتب الدراسية ، تعمل وتقرأ ، فتعوض توقفها عن التعليم ..
ـ حتى الإنجليزية أجدتها بما ساعدنى على التكلم مع زوجى ..
أضافت للتساؤل فى عينى :
ـ يوهانسن سويدى .. يعمل مراسلاً لليونانيتد برس فى الشرق الأوسط ..
تلفت ـ بتلقائية ـ حولى :
ـ وأين هو ؟..
ـ عمله ليس فى مصر وحدها ..
لاحظت تهيئى للانصراف ، فأودعت صوتها نبرة استغاثة :
ـ إبق معى ..
أهملت نظرتى المندهشة ، واستطردت :
ـ أخاف أن أنام بمفردى ..
قلت فى دهشتى :
ـ ولماذا تسكنين بمفردك ؟..
ـ إنها الشقة التى كنت أحيا فيها مع زوجى ..
ثم وهى تشوح بيدها :
ـ عاد إلى السويد ..
وتسربت إلى صوتها رنة أسى :
ـ لم نتخاصم ولا طلقنى ..
أردفت وهى تهز رأسها :
ـ وعدنى بالعودة قبل شهرين .. لكنه تأخر قليلاً !
ـ هل راتبك يكفيك ؟..
جرت بأصبعين على جبهتها تمسح حبات عرق نبتت فوقها :
ـ لى وديعة فى البنك يساعدنى عائدها ..
وجاشت نفسها :
ـ أنا حتى الآن على ذمة زوجى ..
ونشرت ذراعها فى ترحيب :
ـ لا توجد مواصلات عامة بعد منتصف الليل .. تستطيع قضاء الليل فى الصالة ..
عادت إلى الحجرة ..
لاحظت أنها لم توصد الباب . توقعت أن تطفئ النور ، لكنها تركته مضاء . اتجهت إلى السرير ، وتمددت عليه . تغطت بملاءة بيضاء ، وإن أطل من طرفها باطن قدميها ..
تناهى صوتها :
ـ تستطيع النوم فى حجرتى أو على كنبة الصالة ..
استطردت بنبرة ملونة ، دون أن تتبين رد الفعل فى ملامحى :
ـ لكننى لن أسمح لك بتعذيبى ..
أدهشنى قولها ..
تصورت أنى سألتقى بها فى الأيام التالية ، بعيداً عن قهوة " المينا الشرقية " . أعرض عليها أن نصبح صديقين . لم يخطر فى بالى إلاّ أن نلتقى ـ أحياناً ـ نتكلم ، نتمشى فى الشوارع الهادئة ، أستضيفها فى كافيتريا أو كازينو ، لكنننى لم أفهم ـ وإن استهوانى ـ قولها إنها لن تسمح لى بتعذيبها ..
تأملت المعنى : هل تكون هى التى ؟.. هل هى جزء من لعبة المراقبة ؟.. هل دسّت علىّ للإيقاع بى ؟.. كان الخوف يستولى علىّ دائماً ، لأقل سبب ، وبلا سبب . وكنت أعانى وحدة قاسية . أتظاهر بالإنصات ، بينما أحيا فى جزر قريبة ، وبعيدة . ما يشغلنى أن يحسم الأمر ، وأنتهى منه على أى نحو . تنقضى تراكمات القلق والخوف والتوقع ..
تزاحمت الأفكار فى رأسى ، وتقاطعت الكلمات ، وارتبكت ..
ـ لا تخافى من النوم بمفردك .. فالصغيرة تؤنسك ..
أردفت وأنا أعانى ما يشبه اللوم لأنى أسلمت نفسى لما لا قبل لى على مواجهته :
ـ إن شعرت بالخوف .. أضيئى نور الشقة ..
وأدرت مقبض الباب بيد متلهفة ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:17 PM
ـ 14 ـ

لا أدرى من تحدث إلى من عن اصطحاب سنية له إلى شقتها ؟..
مال فتحى عيداروس على أذنى بالهمس . روى ما استعدته . أدركت أنها تصطحب واحداً من الندوة عقب انتهائها . لو أنى أمضيت تلك الليلة فى الشقة . هل كانت تروى ما حدث ؟ وكيف كنت أواجه الموقف ؟..
قال فى همسه :
ـ سنية ضحية لنادر البقال .. كان البداية ..
استعدت الإسم :
ـ نادر البقال ..
ـ كانت تأتى إلى القهوة قبل أن تبدأ الندوة ..
كان يهمه أن تكون عنده أسرار ينقلها إلى الآخرين . يحرص على تسمع الأسرار ، وينقلها إلى من يصادفه . لا يشغله ماذا ينقل لمن ، مجرد أن يعلن عن أسرار عرفها قبل غيره . ذكر الإسم طرف خيط يكرّه بحكايات لا تنتهى . وكان يحرص على تأكيد معرفته بأدق شئون من يتكلم عنه . يذكر أسماء وعناوين ووقائع . يحاول أن يجتذب انتباهنا بعبارة يمهد بها لكلماته : هل عرفتم ما حدث ؟ هل كان أحد يتصور ؟ هل هى نهاية العالم ؟.. فإذا اطمأن إلى جذب الانتباه بدأ فى الكلام ..
من يلتقى به ـ للمرة الأولى ـ يكلمه باسمه مجرداً ، كأنه يعرفه منذ زمن ، وإن بدا على ثقة أن للآخرين طبيعة خاصة تبين ـ إذا خالفوه ـ عن نفسها . وكان ذا قدرة على تقليد ما يسمعه ، ومحاكاة نفس الصوت . إذا غلبه القلق ، أو التوتر ، جرى أصبعه ـ بتلقائية ـ فى مؤخرة رأسه ..
***
لاحقتنى سنية عبد المحسن ، وأنا أميل من قهوة المينا الشرقية إلى بحرى :
ـ أرحب بك لو زرتنى كل ليلة ..
ثم قالت بأسف :
ـ لن أفعل ما يضايقك ..
كنت أتابع انفعالاتها وهى تحدثنى عن الوحدة التى تعانيها بلا عائلة ، ولا أسرة ، فيما عدا الطفل :
ـ ماذا أقول لأبى وأنا أحمل طفلة بلا أب ؟..
ـ أليس لها شهادة ميلاد ..
ـ زواجى من يوهانسن كان عرفياً ..
ـ والبنت المسكينة ؟..
فى همس متصعب :
ـ أملى فى المستقبل ..
لم تحدثنى عن نادر البقال ، وتعمدت ألاّ أسألها عن علاقتها به . اكتفيت بالإنصات ، وإن ظلت ملامح نادر البقال فى ذهنى ، لا تتركه ..
لم تعد تطيق الحياة فى الشقة . تعود إليها فى المساء لتعانى الوحدة ، وحدة قاسية لا يملأها بكاء الطفلة وانشغالها بها . يشقيها غياب الدفء الذى يتمتع به كل الناس داخل بيوتهم . ليالى الخوف والوحشة . ربما اندفعت فى البكاء ..
تساءلت ـ بينى وبين نفسى ـ وأنا أمضى فى ظلام شارع حسن عاصم : لماذا أتعاطف مع الفتيات وقد خانتنى امرأة ؟!..
***
كيف بدأ الأمر ؟..
لا أتذكر على وجه التحديد . كانت شفتاه فى ثديها عندما أطال قضم الثدى برفق . بدا لها الأمر شوقاً إلى حضنها . تنبه لصرختها المتألمة ، ففتح شفتيه معتذراً . لاحظت أنه يخنقها بساعديه ، لا يرفعهما إلاّ إذا تأوهت أو صرخت . تدفعه بيديها . النظرة الطيبة القديمة تطل من عينيه ، وإن التمعتا ببريق لم تشاهده من قبل ..
كان يوهانسن يحجم عن اللجوء إلى الضرب . إذا نزلت راحته على وجهها فإنها تخلى السبيل ليديه وقدميه ، وربما رأسه وركبتيه ، وكل ما يستطيع أن يصل إليها من جسمه ، يضرب كيفما اتفق ، بتلاحق ، وبعنف وقسوة ، لا تشغله التوسلات ولا الصرخات ولا الأنين . يصبح أتوناً يتقد بالعنف والغضب ..
قالت فى استسلام :
ـ الآن .. ليس فى حياتى أحد ..
ـ هل قاطعت أهلك ؟..
ـ المسألة ليست مقاطعة ..
وداخل صوتها أسى :
ـ حتى لو قدمت لهم وثيقة زواج فلا بد أن يسألوا : أين زوجك ؟..
***
علا صوت فتحى عيداروس ، فذوت الهمسات المتشابكة :
ـ أعترف أن علاقتى بالشعر ضعيفة ..
قال يحيى عباس :
ـ لكنك تنتقد ما يلقى من قصائد ..
قال فتحى عيداروس :
ـ مجرد التعبير عن تذوقى لها ..
وربت الكتب التى وضعها يحيى عباس على الطاولة :
ـ هل هذه دواوين شعر ؟
ـ لماذا تصورت ذلك ؟
ـ ألاحظ أنك تكتب الشعر ولا تقرأ إلاّ فيه ولا تستمع إلا إلى القصائد ..
ـ أنا أقرأ فى كل ألوان المعرفة ..
ـ هذا شأن أبناء رأس التين .. يعرفون كل شئ !..
ـ نحن رأس التين .. لكثرة أشجار التين الممتاز .. أما كرموس فمعناها التين السئ ..
بدت علاقتهما غريبة ، فهى موزعة بين الود والتحدى والمشاكسة . كانت المناقشات بين الإثنين تعلو ، وتتسم بالحدة . ربما عاب أحدهما على الآخر ما يدين أخلاقه ، لكنهما يظلان صديقين . .
قلت :
ـ كأن أحدكما يبحث عن الآخر ليهاجمه ..
قال يحيى عباس :
ـ هو وغد .. لكنه صديقى !..
قال نادر البقال :
ـ وانا اللى جيت م السيالة .. فيها العيال والرجاله .. شجعان ولكن بهباله .. يا ننتصر .. يأكلناها ..
قلت :
ـ لا تدخل فى شتائمهما .. ودع بيرم التونسى فى حاله ..
كانا يلتقيان ليختلفا . يتعايران ، ويلمزان ، ويتشاتمان ، وإن بدت كلمات يحيى عباس أقل حدة . تبعد المناقشات عن محاولة إبداء الرأى والفهم والتأثير . تذكرنى بما قرأته عن منافرات العرب القدامى : أنافرك وأنت كذا وأنا كذا .. أشبه بالمبارزة الكلامية ، لا تأذن إلاّ بأن ينتصر صاحب أحد الرأيين . ليس المهم أن ينتصر الرأى . المهم أن ينتصر كل منهما لرأيه . إذا تأخر أحدهما عن القهوة سأل الآخر : أين فلان ؟..
كانا فى سن متقاربة ، لم يبلغا الثلاثين ، أو يقفان على عتبتها . يختلفان فى قامة يحيى عباس الطويلة ، وشعره الغزير تهدل على جبهته وصدغيه ، بينما فتحى عيداروس أقرب إلى القصر ، له جبهة عالية ، أضاف إليها زحف الصلع . ويحيى بلا شارب . أما فتحى فقد تدلى شاربه الكثيف عند جانبى فمه ..
***
روى لى يحيى عباس إن فتحى عيداروس يتردد عليه فى البيت . يقضى الساعات فى القراءة . ربما أمضى الليل عنده ، فهو لا يستطيع القراءة فى بيته لضيق الشقة وكثرة أخوته . كان عباس يستريح إلى عيداروس ، لا يشعر بثقل منه ، يتركه فى الشقة ، يثق أنه سينظفها ويعيد ترتيبها . ألف ارتداءه لقمصانه ، ثم يعيد غسلها وكيّها ، ويعيدها إلى موضعها فى الدولاب . وكان يعتمد عليه فى صنع الشاى ، وربما أعد المكرونة التى يجيدها ..
أكلنى القلق :
ـ ولا تنابذوا بالألقاب ..
وحمّلت لهجتى بالضيق :
ـ هذه منافرة ..
قال فتحى عيداروس :
ـ لا بأس .. فهى من الأدب الجاهلى ..
استطردت :
ـ لسنا فى الجاهلية ..
تنهد يحيى عباس :
ـ من يدرى ؟!..
مع أن يحيى عباس لم يتخرج فى الأزهر ، ولا أنهى دراسته ، فإنه كان يبدو ملماً بأحكام الصلاة والطهارة ، ملماً بالفقه والشريعة . ظل فى المعهد الأزهرى بالورديان ثلاث سنوات . اكتفى بما حصله ، وأقبل على القراءة والكتابة ، وأخذ نفسه بالرياضة والخشونة . وكان يعتز بأنه قرأ ألفية ابن مالك ومجموع المتون والجوهرة والخريدة والسراجية والرجبية ولامية الأفعال وشرح الكفراوى والأوجه التسعة لقراءة بسم الله الرحمن الرحيم وإعرابها . ولم يكن لسانه يتوقف عن تلاوة آيات القرآن والأدعية ، وأوراد من حزب الشاذلى . وكان يترك الندوة عقب الأذان . يؤدى الصلاة ، ويعود ..
وشى صوت أسامة صابر بنبرة سخرية :
ـ يحيى يمثل كل اتجاهات الشعب المصري .. يحرص على فروض الدين ، ويكره أمريكا ، وينادى بالتقدم ..
قال فتحي عيداروس :
ـ أنا أعجب .. كيف لمثقف أن يؤمن بالغيبيات ؟..
قال نادر البقال :
ـ الناس لا يطيلون لحاهم فى مصر وحدها .. إطلاق اللحية ظاهرة فى كل الدنيا ..
اتجه يحيى عباس إلى فتحى عيداروس بنظرة ساخطة :
ـ أنا لا أناقش رفضك للأديان .. فلماذا تصر على أن تناقش تديّنى ؟..
***
ـ هل تستضيفوننى فى ندوتكم ..
قام منسّى نصر من مجلسه وقال فى لهجة مرحبة :
ـ الدكتور زكريا عبد الباسط .. أستاذنا فى كلية الآداب ..
فى حوالى الخمسين . رسمت له صورة من الكلمات التى قيلت عنه . زملاء الندوة ـ من طلابه ـ رووا عن بساطته فى التعامل ، وميله إلى مصادقة الطلاب ، وحسبوا له إصراره على عدم بيع الملازم ، وإن حرص على إضفاء الغموض حول نفسه . أحاط ـ بأسوار عالية ـ مساحات الصمت من حوله ، وأسرف فى كتم ما يتصل بحياته الشخصية ، حتى الجوانب التى يتنسب إعلانها إلى العادى والمألوف ..
عرفت أنه قد أصدر أكثر من عشرين كتاباً ، وإن لم أكن قد قرأت له سوى مقالة فى مجلة " الهلال " تنتصر للتقليدية فى الفن ، وترفض نظريات ما بعد الحداثة . وكان يحرص على المشاركة فى الحلقات الدراسية والندوات العامة ، يسأل ، ويعلق ، ويناقش ، ويثير المداخلات . لم يتزوج ، ويحيا فى عزلة داخل شقة تطل على ترام الرمل وجامع القائد ابراهيم وحديقة الخالدين وامتدادات الأفق فى الميناء الشرقية ..
اجتذبنى فى النقاش ـ الذى كان قد بدأ ـ قول الدكتور زكريا عبد الباسط :
ـ بصراحة .. أنا ضد انشغال الطلاب بغير العلم .. إذا أرادوا التغيير فإن الترويح عن أنفسهم فى مثل هذه الندوة مجال طيب ..
لاحظت انعكاس كلمة " الترويح " على الملامح المتابعة . هل هذه هى صورة الندوة فى عينيه ؟ هل هى لمجرد الترويح عن النفس والتسلية ؟..
قال يحيى عباس :
ـ أعرف يا دكتور انك تبدع الشعر .. فهل هو عندك للتسلية ؟
لم يبد أنه تخلى عن هدوئه ، ولا استجاب للاستفزاز . قال :
ـ أنا أكتب الشعر فى غير أوقات الجامعة ..
قال رأفت الجارم :
ـ أعرف أنك تجمع بين التدريس فى الجامعة والعمل السياسى ..
قال فتحى عيداروس :
ـ للدكتور زكريا آراء ضد اليسار .. ضد الشيوعية تحديداً ..
قال زكريا عبد الباسط :
ـ أنا لم أتعرف فى اقترابى من الحياة السياسية إلى شيوعيين أو غير شيوعيين ..
قال قورة عباس :
ـ ما أعرفه أن مصر المحروسة فيها انتهازيون .. وفيها من لا يجيدون الانتهازية .. ولاشئ ثالثاً !..
قلت لنفسى : لو أن الرجل استمع من فتحتى أنفه الواسعتين ، بدلاً من أذنيه ، ربما لا يحتاج إلى الطلب من محدثه أن يعيد ما قال ..
قال زكريا عبد الباسط :
ـ أنا ضد التشدق بالشعارات التى لا تعنى شيئاً ..
قال يحيى عباس :
ـ لا أحب الكلمات المصادرة ..
ـ أنا لا أصادر .. إنما أعبر عن رأيى ..
لاحظت أنه لم يتخل عن هدوئه ، ولا خضع للانفعال . وكان يميل إلى المداعبة . ربما لجأ إلى الكناية والتشبيه والتورية . وصف محمد الأبيض بأنه حاجبان ، ثم تأتى بقية التفاصيل ، ولكن وجهه كان ينطق بالضيق إذا تخللت المناقشات عبارات نابية . يبدو شديد الحرص على نطق الكلمات ، يختارها بدقة ، ويعنى بمخارج الألفاظ ، ويتأمل وقع ما يقوله على الحاضرين ، وإن بدا فمه كأنه لا يتحرك ، والكلمات تخرج من بين أسنانه . وكانت الكلمة عنده لها معنى واحد محدد ..
لم تكن آراؤه ـ كما بدت لى ـ تصدر عن قراءات ، ولا عن خبرات الآخرين ، بقدر ما كانت تصدر عن تجربته الشخصية وتأملاته ..
كان رأفت الجارم يقترب بساقه ، يتلمس موضع ساق إيناس عبود ..
بدا كأنها اطمأنت إلى التصاق ساقها بساقه ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:17 PM
ـ 15 ـ

كنت ألحظ تقلقل مجدى ناشد على الكرسى . لا يشغله انتهاء المتحدث من إبداء وجهة نظره ، بقدر ما يشغله التحدث . تكاد تصلنى همهمته ، وبرطمته ، وكلماته المغتاظة . يدفع الجميع ـ بأسئلته وملاحظاته وتعاطفه ـ إلى الإحساس بوجوده . ربما قاطع قراءة النص ، فألقى سؤالاً ، أو أبدى رأياً ، وتعليقاته المعجبة أو المستاءة تلى وقفات الفقرات . لم أكن على ثقة من أنه يستوعب ما يستمع إليه تماماً . يبدو كأنه يخوض ـ فى نفسه ـ وأمامنا ـ معركة لإثبات الوجود : أنا أكثركم علماً وثقافة .. لكننى لا أحصل على الفرصة ، فأعبر عن ذلك . لم يكن يقتع إلاّ برأيه . يعلو صوته لتأكيده . وربما لجأ إلى عبارات قاسية ليسكت محدّثه . وكان يجيد سرقة الحديث ، فيديره حول نفسه : أنا فعلت .. أنا أذكر .. أنا أحب .. أنا أرفض .. يشغله أن يكون محور الكلام ، كطفل يضايقه انصراف أهله عنه ، ربما يبكى لشد اهتمامهم . يتعمد رفع صوته فوق بقية الأصوات ، وتتلاحق كلماته ، فلا يعطى الفرصة للمقاطعة ، ولا لإبداء الرأى المعارض . ربما لمح طرف خيط بداية الفكرة فى رأى ، فيلتقطه . يكرّه ، وينسبه لنفسه . وكان يستطرد فى رأيه ، يتصور أنه لم يكن واضحاً فيما قاله ، أو أنه لم يحسن عرضه ، فيستطرد . ربما أعاد ما سبق قوله ، وربما مضى فى انحناءات وتعرجات ، تضع كلماته خارج الندوة . يحل اليأس من التقاط طرف الخيط ، فيصبح متكلماً وحيداً ، ونكتفى بالإنصات . وكان يضايقنى أنه يثبت نظرته ناحيتى ، لا يحولها ..
كان ينتقد كل شئ ببساطة : الحكومة ، والجامعة ، وسلطة الآباء . لا شئ يغيب عن كلماته ..
رمقنى بنظرة غاضبة حين رفع يده ، ولم أعطه الكلمة . حين أشير إليه ـ بالحرج ـ يبدأ ولا يتوقف . كل ما يفد إلى خاطره يرويه . ربما مال إلى هوامش وحواشى لا صلة لها بالقضية التى نناقشها . تتناثر أسماء أدباء ومفكرين ومذاهب وتيارات . أدرك أنه يريد اجتذابنا بما يحمله من ثقافة . وكان يبهرنى بالتفصيلات الدقيقة التى يحشو بها أحاديثه . لا أدرى إن كانت حقيقية ، أم أنه أضاف إليها من خياله ..
لا أدرك السبب الذى يباعد بيننا ، شئ ما يطل بالنظرات المتوجسة من أعيننا . كان يكرهنى ، وكنت أبادله شعوره ..
لمحته داخل قهوة ملاصقة لقهوة الريحانة ، ويفصل ممر بينها وبين قهوة المينا الشرقية . كنت أعبرها بنظرتى وأنا أمر بجوارها فى طريقى إلى القهوة . توقفت ، وأعدت النظر :
ـ أهلا يا أستاذ مهدى ..
أمامه زجاجة صغيرة حمراء اللون ، وطبق عليه ترمس وقطع من الجبن وزيتون وخيار مخلل ..
وامتلأ وجهه بنظرة ترحيب دافقة :
ـ يوجد شاى وقهوة ..
وغمز بعينه :
ـ ومشاريب أخرى ..
المكان واسع ، يرتفع سقفه بما يساوى طابقين أو أكثر ، تقشر طلاء الجدران ، وانتشرت الشقوق والخطوط المتعرجة ، وثمة ـ فى المواجهة ـ " بنك " بامتداد الجدار والمراية الهائلة المستندة إليه . وقف وراءه نوبى حركته دائمة بين غسيل الأطباق والأكواب وصب الزجاجات والبرميل . وجلس ـ بالقرب من الباب ـ أربعة رجال يبدو ـ من سحنهم وملابسهم ـ أنهم يعملون فى مهن صغيرة ، يتمايلون على الطاولة الرخامية ، ويغنون . تخفت أصواتهم بالدندنة ، وتعلو وتعلو ، يرافقها تصفيق . وثمة ماسح أحذية يتابع ما يحدث ، ثم يتنبه فيدق بفرشاته على الصندوق : تمسح ..
أدركت سر الرائحة الغامضة ، الفجة ، التى كانت تنبعث من فمه وهو يقرأ قصيدة له ، أو يناقش ..
هل يكون هو الذى ؟..
السكير ـ أعرف ـ يبوح بما يكتمه فى ساعات الإفاقة . الخمر ـ إذا تحكمت به ـ ستدفعه إلى الاعتراف والفضفضة . ربما اقتحم مناطق ، لم يتصور هو نفسه أنه يدخلها . هل هو العين التى تنقل مايدور فى الندوة ؟..
أشار إلى الزجاجة على الطاولة :
ـ تفضل ..
ثم بلهجة محرضة :
ـ هذا زبيب قبرصى أصلى ..
وأعاد الكوب الصغير إلى الطاولة ، ومسح بأصبعه جانبى فمه :
ـ أنا أميز الخمر الجيدة بمجرد رؤيتها .. لا أحتاج إلى تذوقها ..
خمنت أنه أسرف فى الشراب من عينيه الحمراوين ، ووجهه المحتقن ، ورائحة الخمر المنبعثة من فمه . وكانت الأصوات قد تعالت بالغناء فى استمتاع ونشوة ..
هززت رأسى دلالة الفهم :
ـ أنا لا أشرب سوى الشاى بالحليب ..
حدجنى بنظرة ، أربكتنى :
ـ ثم تأكل أرزاً مع الملائكة !..
فاجأنى بالقول :
ـ هل لك صلة بإدارة التفرغ ؟..
ـ إنها فى القاهرة .. ونحن فى الإسكندرية ..
أضفت متسائلاً :
ـ لماذا ؟..
ـ أوقفوا منحة التفرغ بعد سنة واحدة ..
وافترت شفتاه عن بسمة متعبة :
ـ وعدت بمشروع وقدمت اثنين .. لكنهم أوقفوا المنحة ..
ثم وهو يدير الكوب الصغير فى راحته :
ـ قدرت أن المنحة ستمتد ثلاث سنوات ..
وغلبه ما يشبه النشيج :
ـ لا تفرغ .. لا وظيفة .. والأقساط تتراكم ..
ـ عد إلى وظيفتك ..
غلبه الانفعال :
ـ قلت لك لا وظيفة ..
وصخب فى داخله صوت لم أتبينه :
ـ حصلت على التفرغ فتزوجت .. أعددت نفسى لثلاث سنوات تأتى خلالها الوظيفة ..
حدجته بنظرة مشفقة :
ـ والحل ؟..
ـ الحل هو المنكر !
وأفرغ الكوب فى جوفه دفعة واحدة . ثم مسح شفتيه بظهر يده ..
***
كان يغلبنى الضجر . أنزل إلى الشوارع ، لا يشغلنى أين تمضى بى قدماى . أتأمل ما لا أنظر إليه جيداً ، ولا أتذكره . ألمح من نافذة الأوتوبيس الواقفين فى النوافذ والشرفات المفتوحة . تطول نظرتى إلى سيدة جاوزت الستين ، ممتلئة الجسم ، ترتدى فستاناً من البوبلين المنقط ، وتسند مرفقها إلى السور فى هيئة التى تنتظر . تداخلنى رغبة لا أدري بواعثها ، أن تكون هذه المرأة أمى . يطول انتظارها بالقلق . تفطن لاعترافاتى الكاذبة ، وتسكت فلا تحرجنى . ألوذ بصدرها من توقعات أخمنها ، وإن أهملتها . تعرف أنى أحب الكتابة ، ولا أحب الوظيفة . التفرغ ومضة غابت فى المدى ..
قلت لى :
ـ هذه رغبة فى الارتداد للطفولة ..
ـ أنا لا أعانى شيئاً يدفعنى إلى العودة لطفولتى ..
غلبتنى الحيرة :
ـ ماتت أمى قبل أن أبلغ العاشرة .. فهل هذا هو السبب ..
قلت لى :
ـ ربما !..
تلون صوتك بالدهشة :
ـ ولكن ما شأن وفاة الأم برفضك للوظيفة ..
ـ الوظيفة هى التى ترفضنى .. تكرر رسوبى .. مزق أبى ما كتبته فهجرت البيت ..
وكتمت رغبة ملحة فى البكاء :
ـ ماذا تتيح لى الإعدادية ـ لا ترو للآخرين ـ إلاّ أن أصبح ساعيا ؟!..
***
أدركت أن كلمات مجدى ناشد المستفزة ، ليست تعبيراً عن كره لى ، إنما هى محاولة لتقديم نفسه بالمغايرة ..
داخلتنى رغبة فى أن أكون أكثر قرباً منه ..
كان معظم زملاء الندوة يرتاحون إلىّ على نحو ما . ذلك ما ألحظه ، وأحرص عليه . يصارحوننى بما يشغلهم ، يبوحون لى بأسرارهم ، حتى الأسرار الشخصية . يبين الشعور بالألفة فى التحدث بعفوية ، وعدم اختيار الكلمات . ربما لا ينتظر المتكلم رداً على سؤاله ، يكتفى برواية ما حدث ، وتغيب لهفة طلب النصيحة ..
قال لى محمد الأبيض إن رانيا تخلت عنه . قبلت الزواج من تاجر أدوات كهربائية بشارع صفية زغلول ..
قلت فى لهجة مشاركة :
ـ ربما أجبرها أبوها على الزواج ..
أدار نحوى ملامح غاضبة :
ـ كان يمكنها أن ترفض .. فات زمن إجبار البنت على شئ ترفضه !..
وقال لى يحيى عباس أن منسى نصر ومسعود عبد الرحيم يقيمان فى حجرة مفروشة بفيكتوريا. لم يكن معهما إلا عشرة قروش . تنازل مسعود عنها لمنسى حتى يأتى الندوة ! . وقال لى نادر البقال إن عاطف إمام اقترض منه ثلاثة جنيهات ، ويتهرب من إعادتها . وقالت لى علية ثروت إنها شتمت عاطف إمام لما قدم لها روشتة كتبها له الطبيب بأدوية مهدئة . وقال لى فتحى عيداروس إن رأفت الجارم لا يكفيه راتبه من التدريس فى مدرسة إعدادية . هو يعد رسائل الماجستير والدكتوراه لأبناء ناس مهمين ، ولطلاب عرب . يشترون له كل ما يطلبه من مراجع ، ويضاعفون الأجر الذى يتفقون عليه إن نالت الرسالة تقدير امتياز . وقال لى محمد الأبيض إننا نجامل مجدى الأسيوطى ، وإن قصصه سخيفة ..
كانوا يخصوننى بأسرارهم الصغيرة ، ربما لمجرد أنى أترأس الندوة ، أو لأن ما أنصت إليه يظل فى داخلى ، أو لأن الإنسان يميل ـ عادة ـ إلى الفضفضة . ولأنى أحسن الإنصات فقد صارحونى بما فى نفوسهم . حتى من كنت أتصور كراهيته لى ، أسلم نفسه للبوح .. لكن القلق ظل يناوشنى . يشبه الإحساس بالتوقع ، أو ترقب ما يدرك كنهه ..
***
فى لحظات بدا فيها مجدى ناشد صديقاً وودوداً ، جاوزت التردد فى داخلى . أخشى أن يشيع الأمر فتفسد الندوة . قفزت ـ فى مجازفة ـ فوق الأسلاك الشائكة :
ـ هل تظن أن ندوتنا مراقبة ؟..
مال برأسه إلى الوراء :
ـ مراقبة .. لماذا ؟..
ـ أعرف أن كل الندوات مراقبة ..
اتسعت عيناه بالدهشة :
ـ وما يهمنا نحن ؟.. نحن نتحدث فى الأدب لا فى السياسة !..
***
صعدت الدرجات الرخامية البيضاء ، المفضية إلى صحن أبو العباس . مضيت فى الصحن ـ الواسع ، المكسو بالسجاد ، يتدلى النجف من سقفه ، وتتماوج أشعة الشمس من مساقط الزجاج الملون ـ بين المصلين ، والساعين إلى المقام ، والذين تناثروا لصق الجدران ، أو الأعمدة ، لتلاوة القرآن ، أوالقراءة ، أو المذاكرة ، أو يخوضون فى أحاديث هامسة . أصداء الأصوات ، المبتهلة والذاكرة والداعية والمكبّرة ، تصطدم بالجدران العالية ، والأعمدة الرخامية الهائلة .
كان آخر ترددى على الجامع حين دخلت الكلية . قبلها ، أيام المذاكرة فى صحن الجامع والموالد وحلقات الذكر ودرس المغرب وصلاة الجمعة ..
وقفت أمام المقام ذى الكسوة الخضراء . غبت عن النسوة الملتفات حول المقصورة النحاسية ، يقبّلنها ، ويكنسن حولها ، ويهمسن بالأدعية والمدد ، ويغترفن من الهواء المحيط . حاولت أن أستدعى آيات من القرآن ، ودعوات . اختلطت الكلمات فى رأسى ، وتشوشت . همست :
ـ ياسيدى المرسى !.. يا سيدى المرسى !..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:18 PM
ـ 16 ـ

واجهنى نادر البقال بما لم أتوقعه ..
كنت أعيد قراءة أوراق فى جانب القهوة المطل على شارع الأهرام الجانبى . حيا نادر ، وجلس . تعمدت أن يكون المظروف فى يدى مفتوحاً ، فأتعرف إلى من يحاول تخمين ما بداخله ..
فاجأنى بالقول :
ـ أنت تظلمنى ..
ضربت صدرى ـ بعفوية ـ بأطراف أصابعى :
ـ أنا ؟..
ـ نعم .. انا لم أخطئ مع سنية عبد المحسن ..
وتوتر بانفعال :
ـ صدقنى .. كنت جاداً فى خطبتها .. لكنها هى التى ..
وسكت .
لم أكلم سنية فيما حدثنى عنه فتحى عيداروس ، ولا حاولت أن أناقش فتحى فيما قال . اعتبرته معلومة ، علاقة خاصة ، لا شأن لها بالندوة ، فلم أحاول استعادته ..
تنبهت على قول زكريا عبد الباسط :
ـ رأيى أن اسرائيل ليست أشد شراً من بعض العرب ..
كانت الكراسى قد تلاصقت ، وكر طرف الخيط من بداية غائبة ..
استطرد زكريا عبد الباسط :
ـ بصراحة .. العرب فلوس .. والفلوس زائلة .. أما اسرائيل فعلم .. والعلم تقدم ومستقبل ..
صرخ يحيى عباس :
ـ هذا تفسير غير مقبول ..
قال زكريا عبد الباسط :
ـ لماذا تحتد ؟.. هذا رأى .. لك أن تقبله أو ترفضه ..
فز يحيى عباس من كرسيه :
ـ أرفض هذا الكلام .. أرفضه تماماً ..
ومضى إلى طريق الكورنيش ..
اختلطت الملامح بالهمسات والأسئلة والأجوبة والقراءات والآراء المناقشة . اقتحمنى الإحساس بالترقب والقلق . علا صوت الطبول فى داخلى ، فكدت أصرخ : من منكم يراقب الندوة ؟.
رسم زكريا عبد الباسط على شفتيه ابتسامة سخرية :
ـ الرفض .. هذا ما نملكه ..
ونظر إلى الملامح الساكنة فى توقع لردود الأفعال :
ـ لماذا انفعل ؟.. أما كان الأولى أن يناقشنى ..
ثم وهو يركز نظارته الطبية فوق عينيه :
ـ إلى متى نخضع تصرفاتنا لشعارات الشارع ؟..
وانتزع ابتسامة فاترة :
ـ من ناحيتى .. أنا أرفض أسلوب النار التى تتوهج قبل أن تخمد تماماً !..
فرض التوتر نفسه . حل صمت سادر . اكتفت الأعين بالنظر إلى اللاشئ تحتها وأمامها . لم أوفق فى وصل الخيط المقطوع ..
قلت :
ـ يكفى هذا الليلة .. نلتقى على خير ..

***

قل عدد المترددين على الندوة التالية . ثم عاد الغائبون ، بعد أن غاب زكريا عبد الباسط عن المينا الشرقية . وكانت علاقة مجدى الأسيوطى قد توثقت ـ فى الفترة الأخيرة مع أسامة صابر . رأيتهما يتمشيان بالقرب من السلسلة ، فخمنت ـ وفقاً لمنطقها ـ أنه قد راق لها . تناثرت الهمسات أنها سلّمت نفسها له ، لا لأنها أحبته ، وإنما لأنها وجدت فيه ما يدفعها إلى ممارسة الجنس . امتلأت أشرعتهما بالرياح ، وانطلقت ..
نلمح زكريا عبد الباسط ـ فى أوقات متباعدة ـ على التريانون . يجلس ـ وحيداً ـ لدقائق ، ثم يميل إلى شارع صفية زغلول . صار أميل إلى العزلة ، وإلى الصمت . انسحب إلى داخله ، تواصل مع ذاته ، لا شأن له بالآخرين . لم أحاول أن أسلّم هليه ، ولا أن أصافحه ، أو أبادره بالكلام . أدرك أن العزلة هى اختياره الذى يجب أن أحترمه ، وأنى جزء من العالم الذى انعزل عنه ..
قال يحيى عباس :
ـ ألن نتخذ موقفاً ضد الخائن ؟..
تظاهرت بعدم الفهم :
ـ من تقصد ؟
ـ زكريا عبد الباسط ..
قالت أسامة صابر :
ـ زكريا أستاذ جامعة .. كل ما بوسعنا أن نرفض رأيه ..
التقطت طرف الخيط :
ـ غيابه عن الندوة اعتراف منا برفضنا له ..
هتف يحيى عباس :
ـ لا يكفى الرفض .. لابد من العقاب ..
قالت أسامة صابر :
ـ هذه ندوة وليست سلطة حكومية ..
وهو يضرب الهواء بقبضته :
ـ أصرّ على عقابه ..
همس نادر البقال فى صوت متبرم :
ـ هل تقترح قتله ؟..
لمحت ـ وأنا أعتدل فى جلستى ـ رأفت الجارم ـ وهو يتسلل بعينيه المحدقتين إلى ساقى إيناس عبود ، يتأمل ما يثيره فيهما . نظرة متوترة ، كأنها تثقب الساقين ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:19 PM
ـ 17 ـ


غلبت على مناقشاتنا أمور السياسة ، ونقل ما كتبته الصحف ، وتحليل الأحداث ، وطرح التوقعات . وكانت صيحات النورس تترامى من الميناء الشرقية ..
فى بدايات الندوة تشرّق المناقشات وتغرّب ، لا نرسو على بر موضوع واحد . السياسة وأحدث القراءات والجو والأفلام ومباريات الكرة والمشكلات الشخصية ، ما يفد إلى الأذهان تتلقفه الأفواه فى مناقشات تتصل نهاية خيطها بطرف خيط قراءة النصوص ..
هذه هى البداية الحقيقية للندوة ..
لاحظت أن يحيى عباس أهمل حلاقة ذقنه :
ـ هل تنوى إطلاق لحيتك ؟..
ـ هذا ما تمنيته .. كان الرسول يرسل لحيته بلا تهذيب ..
ـ وما يمنعك ؟..
ـ أعمل فى شركة استثمار أصحابها كفرة ..
قال فتحى عيداروس :
ـ أنت تلجأ إلى التقية ؟..
وهو يحاول كتم مشاعره :
ـ ربما ..
قال الدكتور زكريا عبد الباسط :
ـ مشكلة مصر هى الزيادة المتوالية فى عدد السكان ..
كان قد عاد إلى الندوة بعد فترة من انقطاعه . لم يشر ـ ولا أحد ـ إلى ما حدث ، حتى يحيى عباس لزم الصمت ، وإن لاح فى عينيه كدر ، وانعكس انفعاله فى ارتجافة يده ..
ورسم على شفتيه بسمة باردة :
ـ حل هذه المشكلة هو إنقاص هذا العدد الهائل إلى أقل من النصف ، وإن أمكن فإلى الثلث !
قال مجدى ناشد ضاحكاً :
ـ وأين يذهب الباقون ؟
لوى شفتيه :
ـ هذه ليست القضية ، وإن كنت لا أرى أن لحياتهم قيمة !
خرج يحيى عباس عن صمته المتوتر :
ـ هل نقتل الناس ليقل عددهم ؟..
قالت أسامة صابر :
ـ القضية هى من الذى نبقى عليه ، ومن الذى نستغنى عن وجوده !
قال زكريا عبد الباسط :
ـ يجب أن نناقش القضية فى ضوء خطورتها .. لا أمل فى مستقبل حقيقى ما لم ننقص هذه الأعداد المتزايدة ..
لم تعكس ملامحه الهادئة خطورة الآراء التى يقولها ، ظل هادئاً كأنه يتابع توالى مد الموج على صخور الميناء الشرقية ، وانحساره ، وظلت نبرته حيادية ..
كان يصمت عن الأسئلة التى ربما تحاول التعرف إلى حياته الشخصية . وحين يغادر المقهى لا يصحبه أحد . يلقى السلام ويمضى . نتابعه وهو يمضى من شارع الأهرام الجانبى ليستقل سيارته ، ونعود إلى مناقشاتنا ..
***
كان رأفت الجارم يتجه ـ عقب انتهاء الندوة ـ ناحية الشاطبى . لم أسأله أين يسكن ، لكنه لم يرافقنى فى مشوار العودة إلى البيت ..
غالب التردد :
ـ أريدك فى خدمة ..
بدا لى من هؤلاء الذين يشجعون الآخرين ـ بالحرص على كسب الود ، والميل إلى المجاملة ـ على مضايقتهم . سؤال سخيف ، أو نكتة ، أو نبرة متعالية . خمنت أنه يرى الحياة من خلال قراءاته الكثيرة ، فهو دائم الترديد لحكايات وأقوال ..
هززت رأسى مشجعاً :
ـ أريد أن أخطب زميلة ..
قفزت إلى ذهنى صورة إيناس عبود ..
ـ وما شأنى ؟..
ـ أنت المسئول عن الندوة ..
ـ عن الندوة لا عن المشاركين فيها ..
استطردت لخيبة الأمل فى عينيه :
ـ من ؟..
ـ إيناس عبود ..
ـ تحبها ؟..
ـ ولماذا أريد خطبتها ؟..
هل يعرف أنى ألحظ ما يفعله ، وأتابعه ؟..
دون أن أنظر إليه :
ـ مرتبك ـ كما أعرف ـ قليل ، وهى لا تعمل ..
وهو يمسح حبات عرق نبتت فوق جبهته :
ـ أحبّها .. وأقبل الحياة معها فى أى ظرف ..
ـ أنت تقبل .. فهل تقبل هى ؟.. هل يقبل أهلها ؟..
ـ ما معنى الحب إذن ؟!..
أطلقت أف مستاءة :
ـ الحب .. الحب .. لن تطعمها منه ..
قال ونحن نواصل السير ناحية ميدان المنشية :
ـ هل تقرضنى عشرة جنيهات ..
ثم وهو يمسح حبات عرق نبتت فوق جبهته :
ـ أسافر بعد قليل إلى البلد .. أعود بعد ثلاثة أيام ..
تفحصته بارتياب :
ـ تطلب الزواج وليس معك ..
قاطعنى :
ـ أريد موافقتها أولاً .. ثم أعد نفسى ..
هذا السابح فى سماوات ممتدة ، غير مرئية .. هذا الذى يرضى من فتاته بمجرد الملامسة .. هذا الذى يطلب الزواج دون أن يملك أجر العودة إلى قريته .. هل ينقل ما يدور فى الجلسة ؟.. هل يصلح لأن يكون عيناً على الندوة ؟.. هل يصلح لأى شئ ؟!..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:20 PM
ـ 18 ـ

لم أكن أتصور أنى سأزور ضابط شرطة فى مكتبه . لم أكن أتصور أنى سأزور مجدى الأسيوطى على وجه التحديد ..
شغلتنى وسيلة التخلص منه . يعود من حيث جاء ، فلا يتردد على المقهى . بدت كل الطرق ـ أمام صداقاته المتنامية ـ مسدودة ، ففقدت الحيلة ..
بدا تغيير بيانات بطاقة عيد جزيرى مشكلة بلا حل ، أو أن الحل يستدعى وساطة ..
أشار نادر البقال بالأسيوطى . هو ضابط ، وهو أديب أيضاً ..
أردف فى تأكيد :
ـ كثير من الأصدقاء أفادوا من خدماته !..
وافتر فمه عن أسنان سودها التدخين :
ـ فى مكتبه كتب أدبية وتاريخية .. مكتب أديب !
تساءلت وأنا أتأمل حوض أسماك الزينة فى الحجرة الخافتة الضوء : لماذا يحرص ضباط الشرطة على أن تكون أحواض أسماك الزينة جزءاً من أثاث مكاتبهم ؟!..
قال مجدى الأسيوطى فى تهوين :
ـ سأتصل بأصدقاء ، وإن شاء الله خيراً !
ران صمت ..
ـ هذه فرصة لأعرف آراءكم فى آخر كتاباتى !..
فتح درجاً . وأخرج منه أوراقاً ودوسيهات ..
بدا ـ فى قراءته ـ منفعلاً وصادقاً . اختلطت القراءات بشرودى فى كرهى له الذى لم أعرف بواعثه ، وخوفى من المجهول الغائب الملامح ، وصداقته لزملاء الندوة . وهبنى إحساساُ طيباً . ثمة ما دفعنى إلى الإطمئنان إليه ، والثقة فيه . تراجعت المشاعر التى كنت أشعر بها نحوه . بدا لى ودوداً ، وطيباً ..
***
ونحن نميل من شارع عبد المنعم إلى شارع المحطة ، قال كمال أبو القمصان :
ـ أرجو أن تجد وقتاً بعد مغرب الخميس لحضور عقد قرانى ..
قلت فى فرحة حقيقية :
ـ مبروك !.. من سعيدة الحظ ؟
ـ بنت ناس طيبين ..
هتفت بالتذكر :
ـ كمال .. هل وجدت عملاً ؟
قال فى سرعة :
ـ لا !
لاحظ دهشتى : كيف يتزوج ؟
قال :
ـ ربنا يسهل !
ـ كيف ؟
أعاد القول :
ـ ربنا يسهل !
أضاف فى لهجته المهونة :
ـ إذا كنت قد أفلحت حتى الآن فى إطعام نفسى ، فلا مشكلة فى إطعام شخص آخر !
ظللت جامداً فى ذهول صامت ، وابتلعت إحساساً بالغيظ ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:20 PM
ـ 19 ـ

كنا ننتظر اكتمال العدد الذى نبدأ به الندوة . ظهرى إلى عمود الركن ، أتأمل الكورنيش ، والطريق ، واللافتة التى تتوسط الجزيرة : حى الجمرك .. مع السلامة . مال الحاضرون إلى الصمت ، أو انشغلوا بالهمس فى أحاديث جانبية . وكانت الكراسى مقلوبة على الطاولات ، والأرضية القنالتكس ملتمعة ، بينما يدا الجرسون عبد الغفار تدفعان ـ بالممسحة الكاوتشوك ـ بالماء المتخلف إلى أرض الطريق ..
قال مجدى ناشد :
ـ أسرفت فى الشرب .. فضللت الطريق إلى البيت ..
ـ وأين ذهبت ؟..
ـ دخلت للصلاة فى أبو العباس ..
ـ وهل لاحظ أحد ؟..
ـ تقيأت على السلالم .. خبيث شم فمى .. فأفقت على علقة ..
أقبلت علية ثروت ..
اتسعت عيناها ، والتمعتا بحزن واضح ، وتكاثفت غيوم على الوجه الرائق البشرة . خبطت حذاءها فى الأرض ، تزيل الطين العالق به ..
سبقتها إلى مائدة مجاورة لشارع الأهرام الجانبى ..
ـ أين أنت ؟..
رفعت عينيها فى تثاقل :
ـ أشكرك لأنك لاحظت غيابى ..
ـ ثلاثة أسابيع حتى الآن ..
أطالت الصمت وهى تخفض رأسها . همست :
ـ عاطف إمام ..
ـ تانى ؟..
هزت رأسها :
ـ تانى !..
***
كانت قد ودعت زميلاتها عند الباب الخارجى لحدائق أنطونيادس . كانت شمس الظهر قد قلصت الظلال ، وران على الحدائق سكون ، واحتمى الزوار بالأبنية والأشجار . المصادفة دبرت اللقاء ، وإن بدا كأنه ينتظرها . قال وهو يقترب بوجهه منها :
ـ لاتريدين مناقشة مشكلتى ..
برقت عيناها بالدهشة والخوف :
ـ أية مشكلة ؟..
غابت نظراته عن النجيل الأخضر ، وأحواض الزهور ، والنافورات ذات الأسود التى تنبثق المياه من أفواهها ، والتماثيل الإغريقية ، والنخيل الملكى ، وحديقة الورد . كان يعنيه أن يفض ما بنفسه ، يروى لها ما يشغله ..
ـ لا تصدقين ؟.. مشكلتى نفسية ..
ومد أصابع مرتعشة إلى حقيبة جلدية صغيرة فى يده :
ـ كتب لى الطبيب أدوية ، ونصحنى ..
وداخل صوته تهدج :
ـ لابد أن أقيم علاقة مع فتاة ..
ـ وما شأنى ؟..
ـ لا علاقات لى ..
أطلق ضحكة قصيرة ، مرتبكة :
ـ أنا لم أصادق فتاة حتى الآن ..
علا صوتها :
ـ يا أستاذ عاطف .. لماذا لا تتزوج ؟..
ـ أدفع ـ بالكاد ـ أجرة الحجرة ..
زوت حاجبيها ، ونفثت زفرة :
ـ من تظننى ؟..
همت بالانصراف ..
تلفت حوله بنظرة مرتبكة ، ثم ألقى بنفسه ـ فجأة ـ عليها . دفعته عنها بقبضتيها ، لكنه أحاطها بساعديه . حاولت التملص ، فازداد التصاقاً بها . دفعها تجاه الحائط ، وأسند كفيه عليه ، فلا تستطيع التخلص . انزلقت من تحته ، ودفعته بآخر ما عندها . أزاحت ـ بأصابعها ـ خصلات الشعر المنثورة على وجهها ..
***
أعادت القول بنبرة مستاءة :
ـ من يظننى ؟..
ذهلت لعرضى بأن أفاتحه : هل تريد للنار الصغيرة أن تصبح حريقاً ؟!..
ـ أريد أن تظلى فى الندوة ..
ـ سأظل .. فأنا لا أستطيع فراق أصدقائى ..
ثم وهى تشيح بوجهها بعيداً :
ـ كانت الأيام الفائتة فرصة لأداوى الجرح ..
هززت رأسى فى أسف :
ـ وهل تداوى ؟..
جزت على أسنانها :
ـ أرجو !..
عادت إلى الكرسى المجاور للنافذة المفتوحة . هو الكرسى الذى تفضل الجلوس عليه . حين أتى عاطف إمام ، وجلس ، تنقلت نظرتى ـ بتلقائية ـ بين عاطف إمام وبينها . اجتذبنى ـ فى اللحظة التالية ـ قول نادر البقال :
ـ المصيبة أنك لا تعرف عن عبد الناصر إلاّ ما تنشره الصحف .. وكلها آراء يهمها الهدم وليس النقد ..
قال مجدى ناشد :
ـ الرجل مات .. فلا مصلحة لأحد فى مدحه أو ذمه ..
قال نادر البقال :
ـ هذه تصفية حسابات !
***
حين ألقى محمد الأبيض التحية وجلس ، فطنت إلى أنه غاب ـ لأسابيع ـ عن الندوة ..
ـ وحشتنا ..
احتضنته بنظرة دافئة :
ـ أين كنت ؟..
اغتصب ابتسامة :
ـ حكاية طويلة ..
***
طالعها وجه الضابط وراء شراعة الباب . تذكرته . قال إنه يريد تفتيش الشقة . قالت وهى تفتح الباب :
ـ حجرته خالية ..
قال بلهجة باردة :
ـ الشقة كلها ..
أضاف مطمئناً :
ـ لن يأخذ الأمر سوى لحظات ..
فتشوا البيت ، فلم يجدوا شيئاً ، لا أوراق ولا متفجرات ولا أسلحة ، لا أى شئ ..
نظر الضابط إلى الحقيبة الصغيرة فى يدها :
ـ لا داعى لأى شئ .. فلن يتأخر ..
ـ إنها غيارات داخلية ..
فى لهجة باترة :
ـ لن يحتاج إليها ..
ثم وهو يدفع محمد الأبيض أمامه بيد مترفقة :
ـ لا داعى للقلق !.. مجرد أسئلة يجيب عليها ويعود ..
***
قالت الأم :
ـ خدعنى الضابط .. قال إنه سيعود فى الليلة نفسها .. وهاقد مضى شهران دون أن أعرف مكانه !..
***
عندما وقف أمام الضابط ، قال وهو يتجه بعينيه إلى الناحية الأخرى :
ـ كنت متهماً .. فلما ثبتت براءتى ، أخليتم سبيلى .. أليس كذلك ؟..
***
عاد محمد الأبيض إلى المينا الشرقية والندوة والعمل والبيت ، لكنه ـ قال لى ـ لم يعد إلى الحياة ، حياته . بدت لحظات متوالية من الانتظار . الأقدام المتسللة ، أو المقتحمة ، تصعد السلالم . تطرق الباب . يصحبونه إلى الحجرة الباردة ، المصمتة ، والأسئلة ، والعنبر ، والزنزانة الانفرادية ، والتوقعات التى لا تنتهى ..
وقال لى ، ونحن نطل من البلكونة على شارع الموازينى :
ـ هذه الحادثة القديمة .. جثة أجرّها ورائى ..
وهز كتفيه فى نفاد حيلة :
ـ يبدو أن الملف لن يغلق إلاّ إذا وضعوا فى داخله شهادة وفاتى ..
وعلا صوته كالمتنبه :
ـ ألا تخشى من نتائج زياراتك لى ؟..
بدا السؤال مفاجئاً ..
هل تراقبنى الأعين المطاردة إلى بيت الأبيض ؟ هل تجد فى زياراتى له ما يدعو إلى ملء التقارير والمساءلة ؟ هل يحمل السؤال إشفاقاً ، أو أنه يخشانى مثلما أخشى الجميع ؟.. أسلمت النفس لمواقف أتصورها . أبادل نفسى الحوار . أحيا فى جزر ، أنقل إليها من أعطيه ولا آخذ منه ..
أزمعت أن أتوقف عن زيارته ، وتمنيت لو أنه غاب ، لو أنه لا يتردد على المينا الشرقية . خاف من التردد على الندوة ، ولزم البيت ..
قلت لمجرد أن أتكلم :
ـ الرصاصة انطلقت عندما عرفت أن الندوة مراقبة !..
***
انتفضت من نومى على صوت يترامى من الطريق : عادل مهدى ..
فتحت النافذة ..
كانت الظلمة شفيفة قبل طلوع الصباح . بدا الشارع خالياَ تماماً ، ماعدا كلب ينبش فى قمامة ، تحت رصيف البيت المقابل ..

د. حسين علي محمد
23-10-2009, 02:22 PM
ـ 20 ـ

لمحته أمام باعة الكتب القديمة فى النبى دانيال . ثمة ـ على الرصيف وفوق طاولات خشبية صغيرة ـ كتب بأحجام متباينة ، وملونة ، عن عذاب القبر ، وحساب الملكين ، وهول يوم القيامة ، والسحر ، والتنجيم ، والفلك ، والأبراج ، والتصرف السليم فى ليلة الزفاف ، وأغنيات أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ، وكيف تقرأ الإنجليزية فى أربع وعشرين ساعة ..
كان يفاصل فى شراء مجلات أجنبية ، أغلفتها صور عارية ..
رسمت على شفتى ابتسامة ود :
ـ تشترى المجلات الجنسية .. والمسكينة علية ثروت تدفع الثمن ..
التمعت عينا عاطف إمام بالفهم :
ـ هل قالت لك ؟..
ربت كتفه بود :
ـ أنا صديق لكل الزملاء فى الندوة ..
ـ لم أكذب على علية .. رويت لها ما حدث ..
ـ ما ذنبها ؟
ـ صدقنى .. أنا أحب علية ..
ـ أتصور إنها لن ترفض لو تقدمت إليها ..
ـ سترفض إذا عرفت أن مرتبى يطعمنى بالكاد ..
أعدت السؤال :
ـ ما ذنبها إذن ؟
طالعنا ميدان المنشية . الزحام ، والنخيل الملكى ، والتندات أعلى واجهات الدكاكين ، وموقف الأوتوبيس ، وصرير عجلات الترام ، وأشعة الشمس تضوى بالألق فى نصب الجندى المجهول ..
لاحظت ارتعاشة شفته السفلى ، والاهتزازة المتوالية فى رموشه . خمنت أنه يغالب الرغبة فى الكلام ..
***
رفضت أن تزورنى لأنى أدخل إلى البناية من الباب الخلفى ، وأصعد إلى حجرتى على السطح من سلم الخدم الحلزونى ، الضيق . أخلو إلى نفسى فى الحجرة فوق السطح . تطل على شارع صلاح الدين . أثاثها سرير معدنى صغير ، وطاولة مستندة إلى الحائط . يدخل فى فراغها كرسى خشبى ، ومكتبة ذات أرفف ثلاثة على قوائم أربعة . وعلقت ملابسى على مسامير متجاورة ثبتها فى الحائط ..
حين أغلق الباب ، فإنى أحيا فى عالم خاص لا يشاركنى فيه أحد . أختار فى تطلعى إلى السقف صورة طبعتها فى ذهنى ، أتأملها ، أعيد تأملها . يضايقنى الجسد الذى يتألب علىّ . يدفعنى إلى ما لم أتصور أنى أفعله . يشغلنى حتى عن العادى والمألوف . تناوشنى الحاجة ، أو تتفجر . أغمض عيني . تنشط الذاكرة ، والتصورات . تزورنى الأطياف الوحشية . أستدعى من الأجساد ـ التى أعرف صاحباتها ـ الملامح والقسمات ومواضع التحديق ، أختلق ما يجمع بين ذلك كله ، وأضيف إليه ، فتكتمل الصورة . ربما لمحت الساقين العاريتين فى فيلم بسينما بلازا ، والوجه ذى الشفتين الشهوانيتين فى شارع النبى دانيال ، وربما التقت الأعين فى محطة أوتوبيس ، أو لامست الذراع العارى فى ترام 4 ، وربما التقيت بالمرأة فى سوق راتب . أعرّى طيفها الذى استدعيته ، بما أتيح لى التأمل والتحديق والنشوة ، وسرحات الخيال التى لا يحدها قيد . تمتلئ الحجرة بأجساد ووجوه وأثداء وأرداف وابتسامات وتكشيرات وضحكات صاخبة . تفح الهمسات ، وتتعالى الأغنيات ، والرقصات الهادئة والعنيفة . أطلق لخيالى المدى ، فلا تحفظات ..
***
داخل صوتى إشفاق :
ـ لماذا لا تذهب إلى طبيب ..
قال فى صوت مهزوم :
ـ هو الذى نصحنى بأن أصادق فتاة .. أن أقيم معها علاقة ..
وأنا أتأمل ملامحه المتقلصة :
ـ فاخترت علية ..
رمقنى بنظرة رافضة :
ـ علية لا تأتى فى استدعاءات خيالى ..
ثم وهو يخفض رأسه :
ـ أنا أحب علية بالفعل ..

***
لم أصدق ما قاله بسيونى . استعدت العبارة :
ـ عيد جزيرى مات !..
أشار إلى الطاولة المقابلة لامتداد القهوة إلى الناحية الخلفية :
ـ كان يجلس هناك .. صرخ من ألم مفاجئ . ثم تقيأ دماً ..
وتداخلت فى صوته بحة تأثر :
ـ لما جاءت الأسعاف كان السر الإلهى قد صعد ..
ثمة شعور بالتنميل ، بالشلل ، زحف على جسدى ، فيثقل ، وبساقى تفقدان الإحساس . قيود لا أرها شدتنى إلى الأرض ، ألزمتنى مكانى ، فلا أقوى على الحركة . انتزعت الكلمات بصعوبة :
ـ لم أكن أعرف أنه مريض ..
قال بسيونى :
ـ ولا أنا .. ولا أى أحد ..
ثم وهو يهز رأسه :
ـ لكن ظروفه كانت صعبة ..
قال عاطف إمام :
ـ كيف ؟..
ـ أجره قروش .. وأهله فى الصعيد ..
وأعاد القول :
ـ كانت ظروفه صعبة !..
لم أكن أعرف أكثر مما أخبرنى به فتحى عيداروس . نزل عيد جزيرى مع أقارب له من الصعيد ، للدراسة والعمل . اقتصر ـ بتأثير الظروف ـ على العمل بائعاً فى محل لملابس الأطفال بشارع صفية زغلول ..
كنت ألاحظ عدم ألفته لقعداتنا فى الندوة . يبدو فى جلسته كصدفة منغلقة على نفسها . تصورت المتاعب فى صدره سبباً . كان يحرص على ألا يؤذى مشاعر الآخرين . حتى الملاحظات التى ربما آذته ، يهملها ، فلا يظهر أنه استمع إليها ، أو فهمها . ولم يكن يمتلك النقاش ، الأخذ والرد ، إلقاء الأسئلة والبوح بالأجوبة ..
لم تكن مشاركته فى الندوة تتعدى السؤال ، أو الملاحظة السريعة . ربما للثأثأة التى كانت تسبق كلامه . وكانت قراءاته ـ فى شعر العامية ـ متباعدة . يحفظ ما يكتبه ، ولا يقرأه من الورق . كان منكتماً ، لا يصارح أحداً بما فى نفسه . كثيراً ما تنسحب نفسه إلى داخلها ، يهزمها الشرود ، وتلزم الصمت ..
كان نحوله قد زاد ـ فى الفترة الأخيرة ـ وذهبت الالتماعة من عينيه . يلوذ بمحارته ، لا يتحدث عن نوبات الربو ، ولا إخفاق أدوية القسم الخارجى بمستشفى جمال عبد الناصر فى علاجها . قال بسيونى إن أزمة الربو اشتدت عليه ـ ليلة ـ حتى نزف الدم من رئتيه . وكان يتعاطى أدوية كتبها له الطبيب فى قسم الاستقبال بالمستشفى الأميرى ..
دفع لى بسيونى بحقيبة بنية اسودت جوانبها بتأثير العرق . لم تكن تفارقه . أطلت من داخلها أوراق متآكلة الأطراف ..
الأوراق مكتوبة بقلم الرصاص . جرى فيها بالشطب والمسح . العبارات غير مترابطة ، ولا تعبر عن معنى محدد ، لكن الحزن هو المعنى الذى خرجت به ، حزن عميق أثقل صدره ، فهمه أن يتخلص منه . تناثرت أسماء المترددين على الندوة . التقطت اسمى ..
هل كان هو ؟..
ترامت من ناحية البحر رائحة بقايا أسماك ، خلّفها صيادو الجرافة ..
قال رأفت الجارم :
ـ هذه الأوراق صوّرت قبل أن يسلمها لك بسيونى ..
ـ لماذا ؟..
وهو يتلفت حوله :
ـ ألا تعرف أنه عين على الندوة ؟..
غيمت سحابة أمامى :
ـ تقصد ؟..
وهو يشير بأصبعه إلى عينه :
ـ وعين على كل رواد القهوة .. هذه وظيفته ..
ونفث من أنفه زفرة :
ـ بسيونى يساعد بالنقود وبالمواساة والكلمة الحلوة .. وربما استضاف الناس فى بيته ليحصل على ما فى صدورهم ..
بسيونى ؟!..
كان يرافق سؤاله عن الطلبات قوله : ما الأخبار ؟.. أجيب فى دعابة سئمتها : مثل الأهرام !.. هل كان السؤال له معنى حقيقى ؟.. هل كان يجاوز الاطمئنان المجامل للظروف الشخصية ، إلى آفاق لم أتصورها ، ولا أعددت نفسى لها ؟..
قلت متذكراً :
ـ لهذا كان يستضيف عيد جزيرى فى بيته ..
ضغط بأصبعين على جانبى جبهته ، وأغمض عينيه فى تألم :
ـ لهذا يسأل فى السياسة ، ويقرض النقود ، ويمسح الطاولات كل دقيقة ..
استعدت عباراته الساخطة ، لا تقصد شخصا بالذات ، ولا جهة بالتحديد ، لكنه كان ينتقد ويرفض ويلقى أسئلة ، تبدو عفوية ، ويتوقع أجوبة يريدها ..
قال لى بسيونى :
ـ سلمتك الأوراق لأنك رئيس الندوة ..
ـ لا رئيس ولا مرءوسون .. نحن أصدقاء نلتقى لنتكلم فى الأدب ..
ـ هذه ندوة أدبية ، ولها رئيس .. فهو الذى يتسلم ما يخصها !
كأننى أدفع تهمة :
ـ كان يقيم فى بيتك وليس فى بيتى ..
اكتسبت ملامحه الهادئة شراسة غريبة :
ـ أراد أن ينام فى القهوة !..
***
ران صمت متوتر ، إلاّ من سعلة ، أو همسة متأثرة ، أو مصمصة شفاه ، أو خشخشة أوراق . وهدير الأمواج المترامى من ناحية البحر ، وهسيس النخيل على امتداد الطريق . غرق الجميع فى لحظات من الذهول والصمت والتأمل . دهمنا إحساس بأن موت عيد جزيرى هو مسئوليتنا نحن . نحن تركناه يموت دون أن نفعل شيئاً ..
اتجه فتحى عيداروس إلى محسن سالم بنظرة ذات مغزى ، حين فاجأنا محمد الأبيض بالسؤال :
ـ هل نعيده إلى الصعيد أو ندفنه هنا ؟..
انتزع محسن سالم الكلمات :
ـ السفر إلى الصعيد مكلّف .. والأوفق أن ندفنه هنا ..
تسلل إلى داخلى شرخ ، أخفقت فى منع اتساعه :
ـ ليس أمامنا إلاّ مقابر الصدقة ..
صرخ محمد الأبيض بلثغته الواضحة :
ـ ولماذا لا ينزل فى مدفن نعرفه ؟.. أليس لأسركم مدافن ؟..
قال محسن سالم :
ـ لأسرنا وليس لنا ..
قال محمد الأبيض :
ـ إذن .. أتركوه فى المشرحة لطلبة الطب ..
ظل الصمت فى توتره وصخبه . بدا الخروج من المأزق متاحاً ، وبدا مفتقداً كقارب ابتلعته النوة ، ولم نجد ما نفعله ملاذاً من الحيرة ..
تبينت صوت مرتضى النادى لما اقتحم الصمت الذى غابت فى غيومه خطواتنا التالية :
ـ أعددت كل شئ ..
قال نادر البقال :
ـ ماذا تقصد ؟..
فى نبرة متفاخرة :
ـ أعددت تصريح الدفن .. والمقبرة أيضاً !..
غالبت ما يشبه الاختناق يضغط على صدرى :
ـ كيف ؟..
ـ أبلغتنى أسامة إنكم لا تستطيعون التصرف ..
ثم وهو يضع كتابين بالإنجليزية على الطاولة :
ـ ملت فى طريقى على مكتب سكرتير عام المحافظة ..
ذابت الأسئلة والملاحظات والتعليقات لما فتح النادى الباب دون توقع . كانت كل الطرق مسدودة . تراوحت الاحتمالات ، وتباينت ، واختلطت ، وتشابكت ، وفرضت الحيرة نفسها .. تحركت الكراسى ، وتعالت النداءات والمناقشات والآراء المتلاغطة . حتى المشاعر الرافضة لمرتضى النادى كتمها أصحابها . لم يعد إلا نهاية المأزق الذى بدا بلا حل . زالت الحواجز بين أصدقاء الندوة ، وامتلأت المشاعر بالاقتراب والألفة ..
***
غادرت المينا الشرقية وثمة مشاعر تتماوج فى داخلى ، لم أقدر على التعرف إليها ، ولا الإمساك بها . الغضب والخوف والقلق والرفض والاستسلام واللامبالاة ..
لم يكن عيد جزيرى قريباً منى ، ولا كان صديقاً حقيقياً ، لكن وفاته المفاجئة أبانت لى سخف كل شئ ..
ما الحياة ؟ وما الموت ؟ وما معنى أن ينتهى المرء فى لحظة ، يتلاشى ، كأنه لم يكن . تغيب الأحلام والرغبات والأشواق والتطلعات ؟ لماذا القراءة والكتابة والندوة والمناقشات والمراقبة والخوف ، مادامت الملامح الثابتة ماثلة فى مدى الأفق ؟ لماذا نولد إن كان العدم حتمية النهاية ؟..
داخل الحزن ـ الذى تملك نفوسنا ـ خوف . قال قورة عباس : الشباب أيضاً يأخذهم الموت . قال محمد الأبيض : وهل يقتصر اختياره على السن المتقدمة . يقين النفس ـ الذى لا تعلنه ـ أن الموت فى حياتنا بلا أفق ، فهو لا يشغلنا . الموت إذن فى الأفق القريب ، ولعله يقف فى الباب ، أو فى النافذة ، ولعله يقاسمنا الفراش ، أو داخل نفوسنا ..
لم أعد أرغب فى الإمساك بالحبل الذى لا أدرى أين بدايته ، ولا أين نهايته ..
أهملت تلويحة فاروق أبو سليم فى جلسته بالقرب من الأبواب الخلفية ، وإن تصورت أنى رأيت المرأة التى يجلس إليها ، فى القناة الخامسة ..
فى انحناءة الطريق إلى ميدان المنشية ، رددت ـ بهزة من رأسى ـ تحية الدكتور زكريا عبد الباسط ، وواصلت السير ..
كانت صلته بجلساء الندوة تنتهى بانصرافه . ألفت ـ حين نلتقى فى الطريق ـ هزة رأسه المحيية . أبادله بهزة من رأسى ، وأواصل السير ..
***
لما عدت إلى البيت ، كنت متعباً . ظل طيف عيد جزيرى ـ لعدة جلسات ـ يحوّم فوقنا . يتخلل المناقشات والتذكّر والحزن الذى تملك النفوس ..
قالت أمى :
ـ منذ ساعتين .. سأل عنك ثلاثة رجال ..
ووشى صوتها بالخوف :
ـ ذهبوا إلى سيارة سوداء بلا أرقام فى ناصية الشارع ، وجلسوا داخلها ..
نظرت من خصاص النافذة . رأيت السيارة فى مكانها . وضعت ما أحمله من أوراق ومجلدات على مائدة الطعام ، وأوصيتها بنفسها ..
ثم نزلت إليهم .

(تمت الرواية)

مصر الجديدة ـ محمد جبريل ـ 2/4/1992

د. حسين علي محمد
01-11-2009, 09:24 PM
من المحرر:
المكتبات الخاصة

بقلم: محمد جبريل
....................

السؤال الذي كان يشغلني - عندما كنت أتردد. بصورة يومية. أعوام الستينيات - علي سور الأزبكية. بحثا عن مصادر ومراجع لكتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين": لمن يهدي أصحاب المكتبات الخاصة مكتباتهم؟
باعث السؤال ما كنت أعثر عليه من كتب مهمة مهداة من مؤلفين ذوي مكانة لقراء يحظون بمكانة مماثلة. كيف انتقلت الكتب من نظام أرفف المكتبات الخاصة. إلي فوضي مكتبات الأزبكية.. والثمن - في الأغلب - من خمسة قروش إلي جنيه. باعتبار الوقت الذي أتحدث عنه!
أفردت للشاعر الراحل عبدالله أبورواش فصلاً في روايتي "أهل البحر". أشرت فيه إلي المصير المؤلم الذي آلت إليه مكتبته - وكانت مكتبة هائلة. أنفق عليها معظم دخله - فقد باعتها ابنته لباعة الروبابكيا.
تبينت - فيما بعد - أن روايتي لم تكن صحيحة. قال لي الصديق الناقد محمد رضوان إن الابنة حملت كل الكتب - بعد أيام العزاء الثلاثة - وأتاحتها لمن يريد في شارع الزواوي. حيث كان يقيم أبورواش. اعتبرت المكتبة مجرد زبالة. لا تحتاج إلي أن تقذف بها في الطريق!
الأمر نفسه واجهته مكتبة الصديق الأديب الكبير الراحل محمد صدقي. ألغي وحيده كل ما يتصل بحياة أبيه الأدبية. الكتب والأوراق. حتي مذكراته الشخصية التي تمني أن تنشر بعد رحيله. تكفل الابن الغالي بتبديدها!
وإذا كان المثل يقول إن الكتاب الذي يهدي لا يقرأ. فإني أتصور أن الكتاب الذي يهدي يباع في الأزبكية. وبخاصة لأن في مكتبتي الآن كتباً كثيرة من مكتبات خاصة علي أصحابها بنسبتها إليهم. سواء بالخط العادي المنمق. أوبكليشيه يتناثر في صفحات الكتب تأكيداً للملكية. وعرفت من باعة السوق أن هذه المكتبات بعض الميراث الذي تخلص منه الورثة ببيعه لسوق الأزبكية!
أذكر أن ورثة عدد من كبار مثقفينا حاولوا أن يجنبوا مكتباتهم مصير التلاشي. فأهدوها إلي مكتبات عامة في جامعات أو مؤسسات ثقافية. ذلك ما فعلته - علي سبيل المثال - أرملة الراحل العظيم محمد عبدالله عنان. أهم من أرخ للأندلس. تبرعت بمكتبته النادرة لإحدي كلياتنا. وضعت الكتب في 18 صندوقا. وفي أثناء عملية النقل من بيت عنان إلي الكلية. نقص عدد الصناديق إلي أقل من عشرة!
المساحة تضيق عن أمثلة أخري. كثيرة.. لكن السؤال يظل قائماً: كيف يطمئن أصحاب المكتبات الخاصة إلي مصير مكتباتهم؟ هل يقذف بها الورثة إلي الطريق. أو يهدونها لجهات. يتصور القائمون عليها أنها أصبحت ملكية خاصة لهم؟!
هامش:
سئل أو. هنري وهو يجلس في مطعم: من أين تستمد أفكار إبداعك؟
قال: من كل مكان. أنت دائماً تحصل علي فكرة قصة "وحرك قائمة الطعام في يده" هذه القائمة: تستطيع أن تستنطق حروفها الخرساء فكرة قصة!
......................................
*المساء ـ في 31/10/2009م.

د. حسين علي محمد
26-11-2009, 12:16 PM
"البحر أمامها".. جديد "محمد جبريل"
............................................

"البحر أمامها" أحدث رواية للكاتب المبدع محمد جبريل صدرت عن "دار الهلال" وأهداها إلي جدته "أنيسة".. وبهذه الرواية يستكمل محمد جبريل منظومته الروائية عن اسكندرية والبحر بمفرداتهما الخالدة: الكورنيش وزنقة الستات وسوق السمك والفنار.. وبحري واولياء الله الصالحين.. الخ
تتحدث الرواية عن "نجاة" التي فقدت زوجها وتواجه الحياة بلا تجارب ثم تصطدم بعقوق ابنتها وجشع زوجها الذي يريد الاستيلاء علي شقتها لكنها تصمم علي الدفاع عن وطنها "شقتها" وذكرياتها "هويتها" وتستمد القوة شيئاً فشيئاَ وتعلن المواجهة.. حتي تفاجأ بها في النهاية ممسكة بالسلاح "النشابة" كي تدافع عن حقها.
وكما عودنا جبريل في صياغاته الفنية المحكمة جاءت "البحر امامها" لتحمل معاني ودلالات إنسانية كبري تربط بين الحاضر والماضي والذكري والواقع والحقوق والوفاء والقوة والضعف.
يقول د.ماهر شفيق فريد -هذه علي ايجازها- رواية أجيال يأخذ كل جيل منها برقاب سابقه ويمهد للاحقه وكأنما هي أمواج البحر المتعاقبة التي تطل علي "نجاة" من نافذة شقتها وصنعة الروائي هنا محكمة رهيفة وكأنما ينسج قطعة من المخرم بأنامل صناع بارعة ثمة قصد كامل في التعبير دون زوائد أو فضول وتوازن في رصد المشهد الخارجي والعالم الداخلي للشخوص وحنان إنساني غامر يحيط به الروائي بطلته التي عرفت الوحدة بعد صحبة والوحشة بعد أنس ونذر الشيخوخة بعد فتاء.
...........................................
*المساء ـ في 2/11/2009م.

د. حسين علي محمد
26-11-2009, 12:17 PM
من المحرر:
الإسكندرية .. زمان!

بقلم: محمد جبريل
.....................

أذكر أني كنت أسأل أبي عن مشوار إلي شارع السكة الجديدة. مجرد أن أذهب إلي الشارع. أعرف المقصد الوحيد الذي سيطلبه أبي. هو شوكت أفندي الحلاق. يريد أبي موعداً كي يحلق عنده. ليس في الأمر استظرافاً ولا مبالغة. فلم يكن الرجل يستقبل زبائنه إلا بموعد يحدد من قبل. ولأن التليفون المحمول لم يكن ربما قد طرأ في ذهن مخترعه. وكانت التليفونات الأرضية مظهراً للوجاهة. لا يقوي عليه إلا القلة. فقد كان أبي يبعث بي إلي الصالون. كي أحدد موعد زيارة أبي ليسلم له رأسه!
كان الرجل يسكن فيلا أنيقة بالقرب من مدرستي الفرنسية الأميرية بمحرم بك. علي الباب لافتتان: الأولي باسم صاحب الفيلا. والثانية تحذر من خطر الكلاب. كان في ذاكرتي يخطو إلي السبعين. ممتلئ الجسد. بشرته البيضاء أميل إلي الحمرة. وصلعته التي شملت كل رأسه تغذيه عن اللجوء إلي مهنته. لعله من بقايا العنصر التركي الذي شهد نهايته في الحياة المصرية. منذ بدايات الحرب العالمية الأولي.
العرض الذي أقدمه لأبي. بعيد عن غواية التعريفة التي كنت أتقاضاها مقابلاً للمشاوير إلي شارع الميدان. كان هدفي الذي أحبه. ولا أعلنه. هو ركوب الترام ذي العربة الواحدة من أول الشارع إلي نهايته. هي عربة ترام تختلف عن غيرها من العربات التي تقطع شوارع الإسكندرية بصغر الحجم. وأنها تكتفي بنفسها. ما كان يجذبني إليها كراسيها المتقابلة. وقلة عدد الركاب. والمناقشات التلقائية. كأنها تدور بين أفراد أسرة واحدة. أشارك بالإنصات. وأخلي التصور لعشرات الحكايات التي تدخلني عوالم لا أعرفها. مغايرة لتلك التي أعيشها في شوارع بحري. حتي زحام شارع الميدان بعمليته وصخبه. يختلف عن الضبابية الحالمة التي تحيط بالترام الصغير. وبي. ما بين أول شارع السكة الجديدة إلي قرب نهايته. تذكرني بما كنت أقرأه في مكتبة أبي من كتب التراث الحافلة بالسحر والخيال والأسطورة.
اخترق شارع الميدان إلي تقاطعه مع شارع السكة الجديدة. عربة الترام الوحيدة في وقفتها غالباً كأنها تنتظرني. الشعور بالنشوة يتملكني. ونظرتي تجول بين الركاب "لم يزيدوا مرة عن عدد أصابع اليدين" والمحال علي جانبي الشارع حافلة بالبضائع: البقالة وأجولة العطارة وصناديق الفاكهة ومشغولات النحاس وقطع الغيار. وثمة مزيج لروائح البخور والفلافل والكباب والكفتة والمكرونة "لم تفتح محال الكشري في الإسكندرية إلا متأخراً" وقلي الأسماك. يبدو لي كل شيء ربما للترام. ولضيق الشارع مغايراً لشارع الميدان. يضيف إلي ضبابية الصورة أحياناً مشيعو جنازة. أسرعت خطواتهم وراء النعش لإكرام الميت بدفنه قبل أن يحل المساء. يتداخل المشهد الطارئ. الصامت. في عمومية المشهد. كأنه حلم.
غاب الترام فيما بعد ورفعت القضبان. تحول إلي ذكري. أستعيدها حين يعرض التليفزيون عربات مماثلة في مدن العالم.
لم يغب الترام الصغير وحده من حياة السكندريين. اختفت مظاهر أخري كثيرة. كانت تضيف بالنسبة لي في الأقل مغايرة جميلة. مثل الجولة الصباحية لخيل الملك. وجلوات المولد. وموسيقا الشرطة في عروضها بشوارع المدينة. والصواريخ الملونة فوق السلسلة.
لم يعد أهل الإسكندرية يأملون إلا أن تسعهم الشوارع مشاة وراكبين بما يعينهم علي قضاء أعمالهم.
..................................
*المساء ـ في 21/11/2009م.

د. حسين علي محمد
26-11-2009, 12:23 PM
نجم وحيد فى الأفق


تجليات المواجيد الإنسانية وسؤال الحياة





بقلم : صبرى عبدالله قنديل
مدخل :-
إذا كانت الموضوعية الحكمية تحتم على الرأى الناقد أن يراعى موقع النص فى السياق المعرفى الذى ينطلق منه فإن وعى التلقى مرهون بمستوى ما يعكسه هذا الرأى مؤطرا لذائقة التلقى فى إطار تعدد وتباين الأنساق الثقافية وهو ما يصيغ القدرة على تلقى النص وفتح مغاليقه وفقما تحدد إنطلاقاته سواء على مستوى الرؤية أوبنية السرد أوشكل الفضاء الذى يحتوى الأحداث ويحكم توجهات التفاصيل ، من هنا يتشكل أيضا الحس المحايد لتلقى النص والتفاعل معه دون أن تصادر أحادية الذائقة أو الأفهام الشخصانية الملتبسة للتوظيفات الفنية على مستوى التلقى والتفاعل معا .
فى إطار هذا المفهوم التأسيسى ندخل إلى رواية( نجم وحيد فى الأفق ) والتى جاءت كدفقة طويلة النفس حاملة فى انهماراتها تجليات المواجيد وارهاصات النفس عند الكاتب ( محمد جبريل ) حيث تألقت الذات فى رحلة التجرد بصدقها وهى تمضى فى مكاشافاتها بحثا عن اليقين الكونى مثلما تألقت فى ( رباعية بحرى ) بشكل خاص وفى كل أعماله بشكل عام أى أنها حلقة من حلقات مشروعه الإبداع الباحث فى عمق الهوية والمستلهم لحيوية أصالتها .
وفى هذه الرواية المثيرة يبدو الأفق بأبعاده المترامية خاليا من البشر وقد تجمدت حركة الحياة حول النجم الوحيد المؤرق بسؤال البداية والنهاية وقد لفه الشجن وتسلل صقيع الأحزان إلى نفسه فاستحال الكون إلى سياج من الوحشة يحاصرالنجم فى مدارات الإغتراب لتظل المواجيد على دأبها فى تجليات المكاشفة تستلهم فى استراشفها مباهج الروح عبر هذا الماضى المشرق .
يحاول النجم الحائر فى رواية( نجم وحيد فى الأفق ) أن يأتنس عبر هذا الماضى الموظف روائيا بجماليات ذكرياته الممتدة فى رصيد العمر ابتداء من هجرته للواقع أو إنفصالهعنه حيث يرى صورة حافلة تتحقق فى تفاصيلها إنبعاثات الذات فى سعيها لعودة الوجود فى المكان والزمان .
ةالجنين للعودة فى الرواية يعكس مشقة الرحلة وضوائق النفس وإرهاقات الروح لهذا فإن البطل ظل بامتداد النص رغم قلقه متدفقا بنبالته خاصة حينما علا صوته متأثرا بطريقة الصيد بالديناميت قائلا ...( أنا أرفض حكاية أحينى اليوم وأمتنى غدا .. فلأحيا اليوم وغدا ، ولحيا الناس أيضا ..) وظل أيضا متشبثا فى حنينه بنفسية المكان التى توحدت معها نفسيته وكذلك إلى سواكنه الرائعة التى رأى منها الحياة على نحو أعمق وأرقى بعد ما جرب العديد من صورها فى رحلة الشقاء الإنسانى وقد تحول المكانالنابض بعذوبة هذه الذكريات إلى يوتوبيا واقعية يتمثلها ويتطلع إليها ذلك النجم المؤرق بعدما ظل يحلق فى فضاء العذاب ويحترق فى جحيمه المشتعل ، هذا النجم الذى تشكل عبر ظلال العشق لسحر المكان يعكس كل هذا الزخم الشاعرى الذى تتألق به ذات الكاتب ( محمد جبريل ) لنكسر به حواجز الغربة والحنين وأشواق العودة ، كما أن هذا التواصل الشاعرى مع المكان يكشف عن تميزه عبر رؤية مواراة تتألق فى استكشافتها بما لايراه الآخرون حتى أن الكاتب مضى عبر السرد فى كسر كل مايحيط به من قيود الجمود والملل والألام الذاتية والعامة بالتحليق البانورامى فى عالم المكان فى يابسه ومائه .
فبعد أن تعرف إلى معنى كلمة – الملل – وتسلل الإحساس بها إلى أعماقه تساوت أمامه كل الأشياء والمعانى وتحول الزمن به إلى عمر حيث الحظات صارت أياما والأيام شهورا والأشهر أعواما وقد ألف دمع العين بعد ما تحول فى هذا المناخ الخانق إلى كابوس يدفع حنينه الدائم للسفر مع الأصوات إلى الأرض البعيدة فيقيم من خلالها حياة يهرب إليها ،حياة الأحلام والذكريات والرؤى حيث تتوالى فيها ...
- مشاهدة البحر والشواطئ والبلانسات وطريق الكورنيش والميناء : قصر رأس التين ، قلعة قايتباى ، والصيادين ، وغازلى الشباك ، وحلقة السمك ، وحاجز الأمواج ، ومبانى السلسلة – ثم يدخل إلى عمق المدينة التى يحملها خياله من شارع الميدان إلى ميدان المنشية ويمر على سراى الحقانية ، والجندى المجهول ويتأمل المشايخ والبحارة وعساكر السواحل والمرسى أبى العباس وياقوت العرش والبوصيرى إلى آخره .
هكذا تحول المكان إلى مرآة ترى الذات – ذاتها- فى أبعاد التواصل المتشابكة وتستعيد الجماليات التى تكلت بنيتها الإنسانية والثقافية حتى بدت فيها مفتونة به ، ويظل السندباد البحرى هاربا إلى يوتوبيا واقعه القديم كلما كان بحر الحياة غاضبا وكانت أمواجه عاتية ، هو يهرب إلى حلمه الساكن على اليابسة من هدير لايتوقف لتتزود الذات بطاقات إنسانية جديدة تجعله قادرا على التواصل وتبديد كل ما يحاصره من جمود وملل .
ولايخل هذا الماضى أيضا مما يبعث على الضيق به والتمرد عليه فى صورته المسرفة فى سلبياتها حتى ليبدو فى مسار رمادية الرؤية مؤسسا لهذا الملل الضاغط على السندباد وصانعا لعالمه الكابوسى المفجع كما نرى فى رصد الكاتب لتفاصيله الصغيرة العاكسة ..( والبيوت المتلاصقة ، ذات الأسقف المنخفضة والشرفات الخشبية ، والنوافذ الصغيرة ، والحيطان المتآكلة ، والملاط المتساقط بملوحة البحر ، والنسوة الجاسات أمام الأبواب ، ينشغلن بتنقية الأرز فى الصوانى الكبيرة وتقشير الخضر والكلام الذى لاينتهى ، وترتمى على الجدران كومات الغزل والحبال القديمة وقطع الفلين ، ونداءات الباعة ، واختلاط روائح الطبيخ والقلى والبراز المتعفن فى الأركان والبول العطن وبقايا السمك والقطران والسجاير والمعسل والحشيش المحترق ، ومياه الغسيل والمياه الطينية الزلقة ، والطائرات الورقية تعلو السماء ) ورغم هذا تمضى الحياة كما نلحظ بلا توقف مؤكدة على تحدى الإنسان وصبره على صروفها تمسكا بسر الوجود .
ثم يتسلل الجمود والملل إلى أعماق الجسد دون أن يتمكن الأطباء من تحديده فى شكل مرضى عضوى أو نفسى فالألم فى كل أجزاء الجسد تحول هو الآخر إلى كابوس مواز لكابوس الواقع يمضى معه فى اضطراد الصعود والهبوط ويعود إليه الإحساس بالأشياء كما من قبل فى مواجهة كل هذاالثباتلكنه يشعررغم اصراره بالعجز ...( أدرك عجزه ، وتساوت أمامه كل الخيارات . أكثر من التردد على المقامات والأضرحة ، وإن رفض زيارة ساحر له شهرة فى جبل ناعسة .شارك فى حلقات الذكر ، وفى الموالد ، لم يعد يطيق البقاء فى مكان واحد . ربما تمشى فى شوارع الحى ، لايقصد مكانا محددا ، لكنه يخلى لقدميه طريقهما . ويشقيه الإحساس بأنه غريب ، أو عابر سبيل ، لاشأن للآخرين به ) .
فى ظل هذه الحيرة والتشتت النفسى والذهنى وتآكل الحياة فإن ما بقى منها لا معنى له ، اهذا كان اللجوء للشيخ – نجاتى – حتى لا يكون البديل هو اليأس أو الانهيار والذى قدم له المنزع الصوفى تجديدا للذات وارتفاعا بها فوق التداعيات حيث حبب إليه المخلوقات وفتح له سبيل المناجاة وأمد روحه بمعانى الكلمات لعله يجد البديل لحيل الأطباء ، قال له الشيخ ...( كلما حاولت أن ترى النجم قبل أن يتقدم بك العمر ... كان ذلك أفضل ، ثم أضاف مؤكدا أن النجوم تفقد لمعانها بتقدم العمر بعدها يدخل فى تجريدات التصوف – فاق أئمة المساجد ومشايخ المسافرخانة فى علوم الفقه والقرآن والسنة والتفسير . إذا فرغ من آداء الفرائض لايشغل نفسه بنوافل العبادات ، وإنما بالفكر وتجريد النفس عن شواغل الدنيا -)
وعبر الدخول فى قراءة كتب الجغرافيا العربية يتحول العالم إلى كابوسية مرعبة تطل فى تفاصيلها – أكلة لحوم البشر والتنين الذى تصدر النار من فيه ودبره وحيات تبتلع الأفيال وطيور تغطى أسرابها وجه الشمس وسلاحف ضخمة وبراكين تمور فى الأعماق ، تقذف حممها ، وتبتلع المراكب والجزر والشواطئ _ ، من هذا الجوع المفزع وقبله أكل الإستاكوزا والجمبرى ليستمد الشجاعة انطلقت رغبته العارمة بالرحلة وخوض البحر رغم تحذيرات الكابتن بألا يأمنه فهو ..( صديقنا .. نركبه ، ونصطاد منه ، ونسبح فيه ... لكن صداقته غير مضمونة . إنه مثل الأسد الذى اطمأن إليه مربيه ، ثم تبين غدره بعد فوات الأوان ..) .
كان قد عرف اسم النوات ومواعيدها وعدد أيامها ثم مضى يقرأ فى الكراسة الصغيرة التى تحمل صفحاتها لغة الحياة التى يعيشها الصيادون فى البحر وتعاملهم مع كل أنواع المراكب لذلك لجأ الكاتب إلى الرصد القصصى المحكم والمكثف فى وصفه الروائى المحمل بالمعلومات عن عالم البحر مثلما هو وارد فى مشاهد _ ص 13، 28 ، 31 ، 32 ، 38 ، 46 ، 51 ، 55 . نتوقف عند مشهدين دالين منها على سبيل المثال ، الأول عن الحضور الفنى للمعلومات الحاملة لخصائص وسمات ومفردات البحر ..
( كلمه عن طرق الإبحار ، ووسائل الصيد : السنارة ،والكنار ، و البوصة ، والشراكة ، والطراحة ، والجرافة ، وعن نذر الأنواء ، والأسماك التى تستطيع الطيران ، وتتسلق الشجر ، وتحدث الصدمكات الكهربائية ، وتؤدى شوكاتها إلى الموت ، حتى وهى ميتة ، حتى الأسماك التافهة : الشرغوش ، المغازل ، البساريا ، السيفوليا ، الكحلة ، وكمله عن الحيوانات المائية الهائلة ، تبتلع البلانسات والبواخر الكبيرة بمن فوقها ، وعن الإسفنج والطحالب والقواقع والأصداف والقنافذ والسلاحف . وكان ينصح بطحالب علاجا للأمراض ، وطرد الديدان ، ويجيد صحن الأعشاب وخلطها . لتتحول إلى مراهم تداوى الجروح . ويجد فى الملح غولا يدمر كل ما يصل إليه . الدود يأكلنا بعد الموت ، أما الملح فيأكلنا فى الحياة ، يأكل حتى جدران البيوت والأثاث والقضبان الحديدية ...) .
(يتبع)

د. حسين علي محمد
26-11-2009, 12:28 PM
أما المشهد الثانى فيعكس عبر دفقة قصصية إيقاعا نفسيا متداعيا فى صورة للصراع الممتد فى النص مع البحر ...( ثمة جسم _ لايعرفه _ عهلق بالستارة . مالت البوصة فى يده . تشبث بنهايتها ، وجذب الخيط. زادت البوصة فى ميلها أخذت هيئة القوس . ثمة ما هو أقوى من سمكة عادية . قاوم جذبته بإمساك حافة القارب بأصابع متقلصة ، وشد السنارة باليد الأخرى ، لجأ إلى قوة اليدجين ، وجذب .... ، قاوم الجسم مندفعا نحو القاع . اضطر – لكمى ينجو بنفسه – أن يترك البوصة كلها ، فغاصت فى الماء . لم يعد بيده شيئ ، ونجا بحياته ) .
ثم يعود إلى الجو الأسطورى متوازيا مع تحذيرات الكابتن ، فقد قرأ عن ذلك الطائر الهائل ، يهبط على راكب السفينة ، يأخذه بين مخالبه ويطير إلى حيث لايدرى أحد ، وربما رمى به على أحدى الجذر المتناثرة فى البحر ، لهذا كان التحذير من الكابتن منطلقا من جو الأسطورة الذى تلبسه فحذره من حيات البحر . إذا انتبهت إلى تردده ، أو خوفه تقافزت عليه ، فلا تتركه إلا بعد أن تحيل جسده ثقوبا خاصة تلك الحية التى إذا سبقت نظرتها نظرته ، مات من فوره . كما حذره من سلاحف بحرية تجيد الإختفاء والتسلل . إذا تأكدت من ركوب البحر بمفرده ، أحطات به تنهشه ، لاتبقى حتى العظام – وها هو يمضى مع خياله المتصل بالبحر حافظا لسر النجم حسبما ألزمه الشيخ نجاتى ولا تزال خبرة الكابتن تمتد إليه بالنصيحة العميقة الدلالة فى وعيها بالعالم ومعرفتها المتصلة بكائناته ، يقول الكابتن : ( صيد السمك ليس سهلا كما يبدو .. يعلمك الصبر أفضل مما يطعمك السمك ...إلخ ) .
تمضى الرحلة بداية من إعداد المركب التى أقلته والشكل التى كانت عليه ، ومتابعة الكابتن لكل خطوة متوجا هذه المتابعة بقوله – الملاح الحقيقى هو الذى يقدر قوة الخصم – ولايزال كلام الشيخ نجاتى ماثلا على أنه لابد أن يخوض الرحلة بمفرده تاركا – مديحة والولدين – حتى يتمكن من الوصول إلى النجم . لكن ما هى مواصفاته وأين يوجد خاصة وأن الشيخ ترك لحدسه وسيلة التعرف عليه فهذا النجم هو – الدم واللحم والذات والبدء والمنتهى - .
على نقس الإيحاء مضى البطل موصولا بكلام الشيخ نجاتى ونصائحه وأمام عينه نصائح الكابتن إلى الجزيرة فى رحلته الحافلة بالخوف والتوجس من الغموض والمفاجآت والخطر الذى أحاطه ليكتشف أن هذه الجزيرة الصغيرة المكونة من كومة من الصخور والحجارة كما قيل له كانت موضعا لمدفن ولى دفنه أصحابه حيث مات ، وقد تناقلت الروايات كراماته ومكاشفاته ، ليظل الواقع بطول الرحلة متصلا بالخيال والعكس بداية من عالم الشيخ نجاتى والقبانى والزوجة والأولاد الذين تركهم وديعة وحتى قبر الولى المدفون بالجزيرة وهو ينبض فى ذات الوقت بكثير من المعتقدات التى ملأ بها لاالخيال فراغالعقول ، وقد تعلق الناس فى قضاء حاجاتهم وحل مشكلاتهم بهذه الروايات كنوع من المحاولات النفسية لتجاوز ضغوط الواقع ، هذه الجزيرة هى النوذج اليوتوبى الذى استشفه الكاتب كمعادل للواقع الذى فر منه البطل ليقوم بحفر بئر فى الجانب الشرقى للجزيرة ، وانظر دلالة – الجانب الشرقى - .. (تألق فى داخله الماء العذب . جعل همه أن يروى زراعة نبتت بالقرب من البئر . أخذ بيض الطير من الأعشاش . أعده على النار ، وأكله ، وهمس : الله أكبر ، ثم جرى بالسكين على أعناق طيور كثيرة ، وأكلها مشوية ... تأمل البيضة الدائرية ، المستطيلة ، نقرها ، فوشى داخلها بالحياة ...) لكنه أيضا كان يلجأ فى مواجهة معاناته مع الحياة بالجزيرة إلى مقام الولى إذا همه أمر أو حز به ما كدره وهو ما يعنى أن المعتقد الدينى كما أشرنا من قبل المنزع الصوفى المنظم لكل التوجهات الروحية للحياة فى البر أو فى البحر خاصة بالنسبة للإنسان .
وقد أكد ظهور الطائر الكبير فى فضاء الجزيرة وهو يحلق بجانحية تلك البشارة التى قالها له الشيخ نجاتى أن النجم ربما يتجسد فى هيئة سمكة أو طائر ثم ها هو يحاول عبر رؤيته التأملية الربط بين هذا الطائر الكبير وذلك الطائر الذى ألف وقوفه قبل بداية الرحلة على إفريز الشرفة المطلة على تقاطعات الشوارع فكان سؤاله – هل يكون ذلك الطائر هو نجمه الذى خرج للبحث عنه ؟ .
يعود الكاتب ( محمد جبريل ) فى لحظة الوعى التنويرية التى تكشف عن الإجابة إلى القرآن (أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وهى إشارة لليقين الذى قامت عليه فكرة النص تتأكد دلالتها من الآية الكريمة فى قوله تعالى : (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) ويستمر السؤال .. هل المعنى هو ذلك الطائر النجم الذى يرافقه منذ الميلاد وحتى الممات ؟ إنه سؤال الحياة المتغلغل فى مواجيد الإنسان ، فها هى دلالة أسرار الشيخ على أن تمضى رحلته إلى منتهاها دون رفيق لأنها رحلة تعبر الموت إلى البعث مرة أخرى ، والذى سيواجه السندباد بالمسائلة عما فعله فى الماضى والدلالة ممتدة من مقولة ( سان جوست ) التى تصدرت الرواية ...( إن الحياة لاتبدو شاقة ، غير محتملة ، إلا على أولئك الذين يتراجعون أمام رؤية قبورهم وهم أحياء ) وحتى النهاية ، لقد طوى الطائر جناحيه الكبيرين ودس عنقه بين كتفيه حيث بدا أنه يعانى مالاقبل له به على تحمله وأنه يوشك على السقوط فمضى قريبا من سطح الماء حتى صار جزءا من امتدادات الفراغ ثم تلاشى فى داخله وهى نفس الحالة التى كانت تلازم البطل فى آلامه الغير محدده ونظرته التى تساوت أمامها الأشياء فى أول النص.
وبينما هو يتأهب للرحيل عن الجزيرة تطوقه حالة من التضاؤل كأنه مقبل على النهاية والخطر يحيط به من كل جانب حتى أن معاودة الطائر الكبير للظهور بهذه الضخامة التى أحالت الحياة إلى نافورات أفقدته إتزانه فاصطدم رأسه بمقدمة القارب وانبجس منها الدم فيتذكر قول الشيخ نجاتى ...( السعى إلى لقاء النجم هو الرحلة الوحيدة التى يجب على المرئ – حين تبدو مشكلاته بلا حل – أن ينطلق منها ..) .
من استلهاماتالكاتب أيضا للقرآن الكريم جعل النهاية الروحانية تمضى تدريجيا وهى تستشرف الجنة بعد طول رحلة الشقاء وما حفلت به من أعاصير وتقلبات ومخاوف تنتهى بإنشغال كل إنسان بنفسه وهو يحاسب حتى الاستغراق فى تخيل الحلم الذى عكسته الرحلة فى تجربة أبحرت وسط أعاصير النفس الإنسانية لتجسد عبر الإقتراب من أسرارها المتصلة بالكون رؤية مغايرة ترى الحياة من منظور مختلف .
إن رواية ( نجم وحيد فى الأفق ) تطرح سؤال الحياة فى سياق فنى بالغ العذوبة عبر بانورما تجريدية زاخرة بحشد من تفاصيل الرحلة إلى عالم البحر والتى انطلقت كذلك من تفاصيل علاقاتها المتشابكة مع المكان الذى يحيا عليه البشر لتجسد منظومة شاعرية شديدة الدلالة لعلاقة الحياة بين اليابسة والماء وفق مقولة الكاتب .
كما عبرت أيضا عن نزوع الخلود عند الإنسان ونزوع الكاتب ( محمد جبريل ) الإبداعى لأن تنبض الرواية بهذا الشعور كما بدا فى تشكيلاتها الحافلة والتى رصد صوت السارد أبعادها ورسم ملامحها وهو يعبر عن ذاته فى إلتحامها بالمكان مباشرة أو عبر الذكريات وهو يحلق داخله ثم يخرج إلى الواقع بومضات من الحكمة ، وكلما اقترب درجة من درجات التصوف كانت المكاشفة دافعا لجماليات التأمل .
وبين الصور المتخيلة وتعقب الرصد للواقع خاصة فى صور يعينها الوعى السردى تبدو تألقات النجم الوحيد وهو يتوج النص فى مقامة – إنسانية / إجتماعية – إعتمدت بنيتها الفنية على كل هذا الرصيد الهائل من التفاصيل والمخزون المعرفى لدى الكاتب فتجلت المواجيد عاكسة فى مراوحتها وحيرتها ظلال وحدتها فى هذا الأفق المتوتر .





صبرى عبدالله قنديل

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 03:10 PM
كيف عرفتُ نجيب محفوظ؟
بقلم: محمد جبريل
.........................
الصورة لي مع نجيب محفوظ. أتحدث. ويضع يده علي أذنه منصتا. نشرتها الصحف في أكثر من مناسبة. تعيدني إلي اكتشافي الذي لم أعد له لنجيب محفوظ.
المصادفة وحدها هي التي قدمتني إلي أعظم الروائيين العرب. اقترحت علي فتاتي التي أهديتها أولي محاولاتي المطبوعة. أن نلتقي في مكتبة المنيرة التابعة لدار الكتب. طالت لقاءاتنا عبر الشرفتين. وسائل تخاطبنا هي الهمسات التي قد يتيح صمت الليل بلوغها. والإيماءات. والإشارات. وتعبيرات الأيدي. ولأني كنت أتردد كل يوم علي مكتبة المنيرة. فقد وجدت فيها مكانا مناسبا لا يبتعد بها عن البيت. ويبعدها عن الاعين الراصدة. كنت أسبق الفتاة في دخول المكتبة. وتسبقني في المغادرة. وإن لم تصرفني عن مشروع القراءة الذي بدأته. دون أن يشغلني السؤال: متي أتمه؟
وذات ظهر. غادرت فتاتي المكتبة. لأعود إلي قراءاتي التي بدأتها بحرف الألف. وعرفت بعد ما يقرب من الأيام العشرة أن مشروعي لن يجاوز الأمنية المستحيلة. أدركني اليأس. وتشوش ذهني حول ما ينبغي قراءته. ولمحت في طريقي إلي خارج المكتبة كتابا تركه قارئه مفتوحا علي صفحاته الأولي. تابعت أحمد أفندي عاكف. الموظف الأربعيني المكدود. وهو يتجه عقب انصرافه من ديوان الوزارة إلي البيت الجديد في خان الخليلي. بدلا من البيت القديم في السكاكيني. استغرقتني القراءة تماما. فلم أترك الرواية حتي نبهني الموظف إلي موعد إغلاق المكتبة. وعدت في اليوم التالي قبل أن تصل فتاتي بساعتين. امضيتهما في قراءة "خان الخليلي". ثم قرأت خارج المكتبة بقية أعمال نجيب محفوظ إلي بداية ونهاية. بعد أن صارحنا الموظف في تأدب بأن القراءة هي ما تتيحه المكتبة وليست اللقاءات العاطفية.
عدت إلي الإسكندرية. وفي وجداني أصداء من العالم السحري الذي اتاحته لي قراءة نجيب محفوظ. شعرت انه من الصعب أن اقرأ لكتاب آخرين. بدت مسافة القيمة الروائية بينه وبينهم واسعة. وتفهمت فيما بعد ملاحظة سعيد السحار وهو يقود سيارته. وشقيقه عبد الحميد الروائي الذي ينتمي إلي جيل محفوظ يجلس إلي جانبه. وأنا في المقعد الخلفي. قال: نجيب هو أفضل الروائيين العرب علي الاطلاق. لا أحد يفوقه. ولم يظهر انفعال من أي نوع علي عبد الحميد. تصورت أن الأمر بالنسبة له حقيقة لا تحتمل المناقشة.
حرصت منذ تلك الأيام أن أتابع كل ما يتصل بكاتبي المفضل. وكان في الأغلب عن نشاطه ككاتب للسيناريو. واتصلت صداقتي لعالم محفوظ الإبداعي. عندما نشر الجزء الأول من ثلاثية "بين القصرين" في الرسالة الجديدة. وكان ترددي علي ندوة كازينو أوبرا أول ما حرصت عليه. حين قدمت إلي القاهرة للإقامة الدائمة.
أزعم أني أفدت من ثمار صداقة نجيب محفوظ كما لم يستفد أحد. من يترددون علي ندواته يجالسونه وسط العشرات. وفي صخب المناقشات والضحكات والدعابات والآراء الصائبة والتي تطفح بالجهل والخطأ ومحاولات الاستعراض والمماحكة. جلستي شبه اليومية إلي نجيب محفوظ كانت تستغرق حوالي الساعتين. تلميذ في حضرة استاذه. أسأل. ويجيب. وتنفتح أمامي عوالم لا نهاية لآفاقها.
...........................................
*المساء ـ في 5/12/2009م.

د. حسين علي محمد
12-12-2009, 04:39 AM
الروائي محمد جبريل لـ "محيط" :
أبطالي مُطارَدون.. وأرفض تحول مصر لسكن مفروش

محيط – مي كمال الدين
.............................

يجمع محمد جبريل بين أستاذية الصحافة والأدب ، وقدم للمكتبة المصرية والعربية عشرات الأعمال الأدبية تنوعت بين القصة والرواية التي اتسمت بنكهة خاصة لا تتكرر إلا بصحبة قلمه المفعم بالحنين للوطن وإعلاء قيمة الإنسان ومقاومة الفساد .
وفي مكتبه بصحيفة "المساء" المصرية التقته شبكة الإعلام العربية "محيط" ، ودار حوار استعاد فيه جبريل أبطال رواياته ومخاوفهم والأزمات الكثيرة التي شهدها في رحلته وفلسفته في الحياة ومشروعاته الأدبية الجديدة ..
محيط : كتبت عن تأثرك بوالدتك في الطفولة .. كيف كان ذلك ؟
جبريل : تأثرت في طفولتي بأمي ولكنه للأسف كان تأثيرا سلبيا ، فالبرغم من وفاتها وأنا طفل في التاسعة من عمري ، إلا أن حزمها في التربية – والذي كنت أبرره بمنطق الطفل على أنه قسوة – كان كثيرا ما يؤلمني .
شعرت بحبها وخوفها الشديد علي عندما كدت ألقى حتفي تحت عجلات إحدى السيارات أثناء اللعب، كما كانت تقف صلبة بوجه أي من يهدد أولادها بسوء، وعندما توفيت متأثرة بمرض القلب شعرت في البداية أنني لن أتعرض للضرب ثانية، ثم ما لبثت أن شعرت بافتقادنا جميعاً لها وتحملت شقيقتي الكبرى أعباء المنزل وهي في الرابعة عشر من عمرها.
محيط : ما الذي جعلك تتجه للقراءة والأدب؟
جبريل : كانت اجواء منزلنا مشجعة للقراءة للغاية ؛ حيث كان والدي يعمل مترجماً للاقتصاد والكتب التجارية، ولديه مكتبة ضخمة زاخرة بمختلف الكتب، فبدأت بقراءة كتب الكبار قبل الأطفال فقرأت لطه حسين والزيات والمازني والعقاد، وعبد الحليم عبد الله.
لا أعلم بالتحديد متى أو كيف بدأت أكتب، فقد كانت البداية بتسجيل عبارات أعجبتني بالكتب التي قرأتها في دفتر صغير، ثم جاءت كتابتي لقصة "الملاك" في الرابعة عشر من عمري وكانت عبارة عن توليفة وليست تأليف حيث اقتبست فيها أجزاءا من كتب طه حسين وعبدالحليم عبدالله والمازني ولم أكن قرأت بعد لنجيب محفوظ، ثم اكملت بينها بعبارات من عندي، وأسميتها "الملاك" على نسق كلمة "الملك" لطه حسين التي قصد بها زوجته سوزان، كانت عبارة عن ملزمة 16 صفحة طبعتها مقابل جنيه وكان يمثل ثروة حينها.
بدأت أتخلص من تأثير الآخرين تدريجياً، ثم جاءت محاولة أخرى لا اعترف بها أيضاً تسمى "ظلال الغروب"متخيلاً أنه لكي أصبح كاتباً يقرأ لي يجب أن اكتب في الجنس ! ولكن سريعاً ما أدركت أن الغوص في الإنسانية أفضل، ثم كانت أول تجربة اعترف بها وهي "يا سلام" وكنت حينها في الثقافة العامة.
بلاط صاحبة الجلالة
محيط : خطواتك العملية في عالم الصحافة .. هل تذكرها ؟
جبريل : كانت لي بعض المحاولات في الإسكندرية فبدأت أكتب في إحدى الجرائد باسم "شخص ما" مثلما جاء في شخصية صلاح بكر في روايتي "صيد العصاري" وأحيانا كنت أكتب باسمي، وعندما قررت أن أصبح أديباً ذهبت إلى القاهرة وقابلت أحمد عباس صالح في وقت كانت "جريدة الشعب" الحكومية تصدر اعدادها الأخيرة ، وقرأ لي قصتي "يا سلام" و"المهية" وأعجب بموهبتي وأصبحت أذهب إليه يومياً فعرفني بأسماء كنت أقرأ لها وانبهر بها دون أن أقابلها، مثل يوسف إدريس، سامي داود، محمد عويضة.
أرسلني عباس بعد ذلك إلى نعمان عاشور بجريدة الجمهورية وكان هذا الرجل العظيم ملء السمع والبصر وقتها فكان أهم مؤلف مسرحي في مصر، والذي أرسلني بدوره للفنان التشكيلي أحمد طوغان فأخذني إلى سعد الدين وهبة، وبعد أن قرأ لي اقتنع بما اكتب وأتاح لي فرصة العمل معه، وبدأت مشواري الصحفي.
عندما شعر سعد وهبة بخوفي في اللقاء الأول قال لي "لا تخف لأنك ستكتشف أن معظم العاملين بالحياة الثقافية بالقاهرة تماثيل ملح ترش عليها الماء تذوب" وقد ذكرت هذه الجملة في كتاب "كوب شاي بالحليب".
محيط : هل تعتقد أن الصحافة والكتابة الإبداعية يمكن أن يقود أيهما للآخر، فقد جمعت بينهما طويلا، وما الفارق الذي لمسته بينهما؟
جبريل : إن الأدب لصيق الصلة بالعمل الصحفي فالاثنان مهنة كتابة، والصحافة مهنة خلق وإبداع وتجربة وقراءة وأسفار ، مهنة تتيح للفرد الجلوس مع الآخرين وتبادل الحوار معهم واكتساب خبرات لا سبيل لمعرفتها إلا عن طريقها، كما تتيح التعامل مع كل فئات المجتمع، ومعظم أعمالي الإبداعية جاءت نتيجة لتعرفي على نماذج تستلفت النظر من خلال عملي بالصحافة، وعلى العكس من الأدب تحقق الصحافة الاستقرار المادي وهو مالا يحققه العمل الإبداعي لصاحبه.
مصر بيت أبي
محيط : ظللت في دولة عمان لتسع سنوات، وتوقفت خلالها عن الكتابة . فما السر؟
جبريل : أردت أن اكتب شيئا مغايرا للآخرين فألزمت نفسي أن أتوقف وأقرأ كثيراً في شتى المجالات، فقرأت عن تأثير القصة في المجتمع وتأثرها به ولم أكن اعلم حينها أن هذا هو "علم الاجتماع الأدبي"، وللأسف طالت هذه الفترة لأكثر من 10 سنوات كتبت خلالها محاولات أقرب لإسكتشات ضمنتها مجموعتي الأولى "تلك اللحظة من حياة العالم" وقد نالت حفاوة نقدية ولكنها لم تكن تمثلني على النحو الصحيح.
اطلعت على الكثير من الكتب وقبل أن أسافر لعمان طبعت الجزء الأول من كتاب "مصر في قصص كتابها المعاصرين" وينقسم الكتاب لثلاثة أجزاء . وقد أخذت عن هذا الكتاب جائزة الدولة التشجيعية وكنت اصغر من حصل عليها.
سافرت بعدها لعمان وظللت بها حوالي 9 سنوات لظروف خارجة عن إراداتي وهناك أسست جريدة "الوطن" وكنت مدير التحرير بها وبذلت الكثير من أجل أن تحقق النجاح.
محيط : قدمت كتابا بعنوان "تقرير عن إصدار جريدة يومية" أوقفته السلطات العمانية .. لماذا؟
جبريل : حاولت من خلال هذا الكتاب صياغة تجربتي في عمان بمنتهى الصدق والحب جامعاً به السلبيات والايجابيات إلا أن أحد الأشخاص من المترددين على السلطنة والمنتفعين منها ابلغ السلطات العمانية بأنني أقدم كتابا عن سلبيات الدولة، فتدخلت الحكومة العمانية وأوقفته، كما كتب أحد الصحفيين مقالاً بعنوان "العمانيون غاضبون" انتقدني به واتهمني بالإساءة إليهم.
السلام الزائف
محيط : ألفت كتاب "مصر في قصص كتابها المعاصرين" .. كيف بدت لك ؟
جبريل : مصر من وجهة نظري عظيمة جدا ومازلنا لا نستوعب سر هذه العظمة حتى الآن، ويجب أن نتنبه للخطر الإسرائيلي الذي توغل للداخل، فأصبح خطر مستوطن وليس عابرا فكل أشكال الاحتلال السابقة جاءت وخرجت ولكن هؤلاء جاءوا ليمكثوا وأحلامهم معلنة "من النيل للفرات أرضك يا إسرائيل" .
ما يجري حاليا بيننا هو سلام زائف وهو في تقديري اخطر من الحرب، ورغم هذا نحن مشغولون بالفساد ونتجاهل الخطر المحدق، يجب أن نرجئ طموحاتنا الشخصية حتى يزول الخطر.
محيط : في رواياتك يحن الأبطال دائماً للرجوع لوطنهم الأصلي .. هل تتعمد هذا ؟
جبريل : في رواية "الشاطئ الأخر" وهي تجربة شخصية أحب البطل فتاة يونانية والدها مصري ووالدتها يونانية وعند خروج الأجانب من الإسكندرية بعد حرب 56 اضطرت الفتاة للعودة للوطن، وفي "زمان الوصل" سافر البطل إلى اليونان وغرق وسط أهلها واعتبر نفسه يونانياً حتى فاق في أحد الأيام على انه غريب عنهم فقرر الرجوع للوطن مرة أخرى ولكن زوجته اليونانية رفضت وتمسكت بوطنها.
وفي رواية "زوينة" قررت البطلة الزواج من قريبها قائلة أنها تفضل أن تحيا مع نصف حب في الوطن على أن تبتعد عنه، كذلك في"صيد العصاري" فضلت البطلة الزواج من الطبيب العجوز لكي ترى وطنها "أرمينيا" الذي لم تره، وفي "أهل البحر" كتبت عن الحنين للوطن والإنسان وموقفه من المجتمع والسلطة السياسية وانه دائما مطارد وهو ما اسميه فلسفة الحياة.
وأنا حالياً أعد لرواية "جزيرة السحر" وهو عمل لم ينشر بعد عن الهجرة للخارج، فالشاب يعلم انه سوف يموت ومع ذلك يخوض التجربة نظراً للظروف القاسية.
الوطن حتى الآن هو قضية تلح علي فالهجرة والفساد والسرقة والقتل كله أشكال لعدم الانتماء، مصر أصبحت شقة مفروشة لا نهتم بها في حين أننا لو شعرنا أنها ملكنا سوف نهتم بها.
أخشى الموتى والظلام
محيط : ما الذي يخيف محمد جبريل؟
جبريل : أخاف من الظلام وذكرت ذلك في روايتي "مد الموج"، كما أخاف من الموتى وليس الموت أتخيل من هو قريب مني كأنه مكفن أخاف على من حولي، أنا لا أخشى الموت ، فنفسي تتقبله على انه حقيقة وهو مثل من يريد منع شروق الشمس أو قدوم الليل.
الخوف عندي يتمثل في أشياء كثيرة الخوف على مصر والخوف من الألم والفراق، ولكن أمام الخوف عندي قدرة كبيرة على المقاومة، ولقد قاومت بالفعل ظروفا قاسية بعضها غير معلن فقد واجهت محاولات من التعتيم من أبناء جيلي والشللية والسراديب الخلفية والتعامل السخيف بمنطق "عدوك ابن كارك" كل هذه الظواهر السخيفة التي طرأت على مجتمعنا أخاف منها علي وعلى المجتمع الذي أعيش فيه.
فلسفة الحياة
محيط : قلت أنه يجب أن يكون لكل منا مشروعه .. فما هو مشروعك في الحياة ؟
جبريل : بدأت الحياة وأنا أحاول أن أضيف جماليات لها ، فظللت سنوات عدة متفرغا للقراءة فقط ، حاولت خلالها أن أشكل وجهة نظري وناقشت صلة المثقف بالسلطة والمجتمع ، وهذه المخاوف كانت تتملك الآخرين مثلي تماما ، وقضايا أخرى مثل الوطن، والانتماء ماذا يعني كل منهما؟ . في رواياتي البطل دائماً مطارد من قبل مولده وحتى مماته يطارد بالموت والمرض والسلطة والقهر فما يشغلني القهر في الداخل والغزو من الخارج.
وكل أديب نجد له فلسفته الخاصة به فعند هيمنجواي نجد فلسفة السقوط الذي يقارب الانتصار، وعند تشيكوف نجد "قيمة العمل"، وتولستوي "قيمة الإنسان"، وفي الأدب العربي نجد "فلسفة الزمن" عند توفيق الحكيم حين كتب "عودة الروح" و"إيزيس" و"أهل الكهف" ، ونجيب محفوظ كتب عن الدين والعلم والعدالة الاجتماعية، وفي كتابي "نجيب محفوظ صداقة جيلين" كتبت 130 صفحة بعنوان "أدب له فلسفة".
محيط : الزواج الذي يجمع بين المبدعين يضيف لهما أم العكس؟
جبريل : تزوجت من الناقدة زينب العسال منذ أكثر من 28 عاما ، وهي الجزء المكمل لي الذي كنت افتقده قبل أن أتزوج بها، وكل منا أكثر إفادة للأخر وتعد ناقدتي وقارئتي الأولى التي استنير برأيها، ولها ملاحظات مفيدة جداً. كما أنني أفيدها بخبرتي النقدية وقد حزت جائزة الدولة في هذا المجال .
صيد العصاري
محيط : في رواية "صيد العصاري" أفردت مساحة للحديث عن مذابح الأرمن . لماذا ؟
جبريل : تناولت هذه القضية كروائي وليس كمؤرخ ، ولم أكن متحيزا معهم أو ضدهم . أردت أن اعبر عن الحنين للوطن من خلال الطبيب الأرمني، وهي شخصية حقيقية اقتبستها من جاري الطبيب الأرمني "ميردروس" الذي رغب في العودة لوطنه حيث استمعت لوجهة نظره فنقلت مشاعره ورأيه ولم استمع لوجهة نظر الأتراك.
لقد وظفت القصة كروائي مصري للتعبير عن الحنين للوطن والذي دفع البطلة للزواج من الطبيب العجوز لكي تعود لوطنها.
محيط : هل وصلت لحالة رضا عن نفسك في مجال الكتابة الإبداعية ؟
جبريل : لا. عندما أبدع عملاً أتصور انه أروع ما كتبت وسأتوقف عن الكتابة بعده ، ولكني أشعر أن به شيئا ناقصا فأعود لكتابة غيره ، وأنا أعتبر أن القراءة والكتابة والتأمل ثالوثا أساسيا في حياتي ، إذا لم أمارسه اكتشف أني أجدبت ولم يعد لدي المزيد ، وهنا يكون موتي الحقيقي، فالكتابة بالنسبة لي حياة لذلك اتهم بغزارة الإنتاج.
محيط : ما هو جديدك الذي تعد له ؟
جبريل : رواية "البحر أمامها" سوف تصدر عن روايات الهلال وتتحدث عن سيدة يموت زوجها فجأة وليس لها سوى ابنة متزوجة وشقة تطل على البحر، يحاول زوج الابنة أن يسطو عليها لكي تنتقل الأم وتسكن في بيت خلفي، فأصرت الأم على تمسكها بسكنها وناصرها البحر في هذا حيث أطلق النوات والرياح فعجزوا على فتح باب الشقة، والرواية هي نوع من الفانتازيا وبها المقاومة في الدفاع عن الوطن الذي يتمثل في الشقة.
كما توجد رواية "صخرة في الأنفوشي" وتدور حول أب رحلت زوجته الثانية فأراد أن يكون لحياته معنى بأن يتولى مسئولية أبنائه الثلاثة المتزوجين، ولكنه فوجئ أنهم ينتمون لدنيا مغايرة ولا يحتاجون إليه لأنهم تجاوزوا هذه المرحلة وأصبح لكل منهم عالمه.
...................
*موقع محيط ـ في 16 - 7 - 2009م.

د. حسين علي محمد
12-12-2009, 02:57 PM
انتماء مصر العربي

بقلم: محمد جبريل

مصر هي آخر الأقطار العربية التي أعلنت هويتها لكنها كانت البداية لتأكيد تلك الهوية في الوطن العربي جميعاً.
وإذا لم تكن سوريا - مثلاً - أو الأردن أو اليمن أو دول الخليج في حاجة إلي الكتب التي تدلل علي عروبتها فلأن عروبة تلك الأقطار رقت عن مستوي الشك بينما حفلت المكتبة بعشرات الكتب التي تؤكد الهوية العربية لمصر ويضغط روبير مونتاني "1950" علي أن احداً لم يكن يتوقع لفكرة العروبة قبل خمسة عشر عاماً أن تتطور علي هذا النحو.
والآن فإن انتماء مصر العربي يبين عن نفسه حتي في لغة التخاطب وفي مفردات الحياة اليومية فأنا أسأل عن هوية جاري فأجيب: نحن أولاد عرب وحتي عام 1948 كان نصيب مصر في أموال الجامعة العربية يبلغ 42% من مجموع تلك الأموال وحينما أنشئت أحياء للمصريين في بورسعيد والإسماعيلية أعوام الاحتلال البريطاني سماها المصريون - لا سواهم - حي العرب ولعل الأعمال الدرامية المصرية قد اسهمت في تعميق المعني من خلال التكلم باللهجات العربية وتقديم الفنون التي تؤكد عروبة المنطقة وتوافق ظروفها.
التيارات المختلفة سواء كانت متباينة أو متوازنة أو متلاقية لم تخضع في مسارها لزمن محدد فهي بعض أبعاد الشخصية المصرية فعلاً وفق تطورها التاريخي وموقعها الجغرافي الشخصية الفرعونية تجد امتداداتها في فجر الحضارة المصرية والشخصية القبطية يصعب إغفالها منذ عصر الشهداء أما الشخصية العربية فإن بعض الاجتهادات تجد نواتها في الفتح العربي بينما تنقب اجتهادات أخري لتصل إلي توافق الأصول المصرية والعربية الأولي أما الحضارة الغربية فإن انتماء مصر الإسلامي العربي ثم جدار العزلة الذي فرضته عهود العثمانيين لم يفقد مصر صفتها المتوسطية وبالتالي فإن صلتها بالغرب ظلت قائمة حتي من قبل مجئ الحملة الفرنسية.
كل ما في الأمر أن تأكيد الشخصية المصرية الذي بدأ يفرض نفسه ربما منذ ثورة العرابيين جلع من تباين الانتماء إلي أي من تلك التيارات صراعاً أو ما يشبه الصراع.
وقد امتد الصراع في مساحة زمنية عريضة وتراوح فيها كل تيار بين الخصوبة والجفاف وإلي قيام ثورة يوليو كانت الفكرة العربية غير واضحة في برامج الأحزاب المصرية وكانت غائبة تماماً في برامج معظم الأحزاب بل إنه حين تأكد صوت القومية العربية وعمق فإن الاتجاهات الأخري ما بين فرعونية وغربية وغيرها لم تفقد أصواتها تماماً بل إن بعض اصدائها لا تزال تتردد في حياتنا الثقافية حتي الآن وأغلب الظن انها ستظل تتردد لأجيال أخري قادمة بصرف النظر عن ارتفاع الصوت أم خفوته.
والوقع أن الفترات التي تحول فيها الحكيم وطه حسين ومحمد حسين هيكل وسلامة موسي وحسين فوزي وغيرهم من دعواتهم إلي الفرعونية أو التغريب إلخ.. والاتجاه شرقاً فيما يبدو تناقضاً حاداً كانت أقصر من أن تتيح لجملة أدباء أن يراجعوا مواقفهم ثم ان يتحولوا عن أفكارهم إلي أفكار أخري هي أقرب إلي التضاد وهو ما يعكس الحيرة التي كانت تتوزع المثقفين المصريين نشداناً للمرفأ الذي تجد فيه الذات المصرية خصائصها الحقيقية ومقوماتها.
كانت كل الروافد تتجه إلي نهر واحد وهو نهر الثقافة المصرية التي تعبر عن الشخصية المصرية والهموم المصرية والوجدان المصري وقد أفرزت تلك التيارات ثمارها و هي ثمار مصرية غرست في الأرض العربية فهي عربية التاريخ واللغة والثقافة والهموم المشتركة.
.........................................
*المساء ـ في 12/12/2009م.

د. حسين علي محمد
19-12-2009, 04:48 PM
من المحرر:
عن معاداة السامية

بقلم: محمد جبريل
.........................

أعجب لمن يدافع عن نفسه من مثقفينا أنه - والله العظيم - ليس ضد السامية ذلك ما قاله - مؤخراً - زاهي حواس نائب وزير الثقافة للآثار لقناة البي بي سي يرد بهذا ادعاء الصهيونية بأن من يناقش قتل جندي إسرائيلي لطفل عربي بأنه ضد السامية مصدر العجب أن المرء - معذرة - في حالة الجنون وحده - قد يكون ضد نفسه.
نحن ساميون. هذه حقيقة تاريخية وعرقية. لكن الميديا الصهيونية التي أفقدتنا حتي الثقة بأنفسنا. أفلحت في إقناعنا بأن السامية جنس يقتصر علي اليهود!
كانت معاداة السامية أحد مخترعات قادة الصهيونية لبذر الإحساس بالاضطهاد عند اليهود. مقابلاً لبذر الإحساس بظلم اليهود عند أبناء الأجناس الأخري وكان تقديم هرتزل أن معاداة السامية ستكون هي القوة الدافعة الأهم التي ستعين الحركة الصهيونية علي بلوغ أهدافها.
والمؤسف أن اليهود أفلحوا في جر بعض المؤرخين أو الساسة العرب لدرء الاتهام بأنهم معادون للسامية. وهو اتهام من المستحيل - موضوعياً - أن يوجه إلي عربي. لأن العرب ساميون!
إن العرب الأصليين هم ساميون من قبيلة سام. ولفظ عربي هو التعبير السامي عن ساكن الصحراء. وفي الهجرة العربية الأولي عام 3500ق.م التي غادرت شبه جزيرة العرب إلي مصر. مروراً بالحجاز وسيناء. اختلط الساميون بالحاميين. فجاء المصريون الذين أفرزوا ثقافة مغايرة يمكن تسميتها ثقافة النهر. أو الثقافة النهرية. ارتكازاً إلي الطبيعة المصرية. التي يعد النهر والزراعة والوادي والصحراء المنبسطة من أهم أبعادها.
حرية الرأي التي تباركها الصهيونية تشمل كل ما في حياتنا: الذات الإلهية والأديان والأنبياء والزعماء التاريخيين.. كل شئ.. لكن الاقتراب من السامية - حتي لو لم يكن ذلك كذلك - خط أحمر لا سبيل إلي تجاوزه! تحت شعار معاداة السامية يندرج كل ما من شأنه معارضة الآراء والتصرفات والدعاوي الصهيونية أنت تختلف مع الصهيونية في تلك النقطة أو تلك فأنت معاد للسامية!
مع أن العرب ساميون. فإن الإعلام الصهيوني قصر السامية علي اليهود. فكل من يهاجم اليهود هو عدو للسامية الأغرب أنهم وجهوا الاتهام نفسه إلي العرب أعداء السامية واتساقاً مع ميل الشخصية العربية للاعتذارية. فإنها تدافع عن نفسها ضد الاتهام الصهيوني. وأنها ليست ضد السامية!
الغريب أن ذلك الارتباك. أو الصمت العربي - الذي لا يمكن أن يتسم بالحكمة - يقابله تنبه وآراء رافضة لساسة غربيين أذكر قول سياسي كندي بارز. وهو يتحدث عن الاتهام المعد سلفاً ضد كل من يدين الصهيونية: ليس معني حديث المرء عن السلام أنه معاد للسامية بل إن الصمت عن مناصرة الحق. والخوف من ذلك الاتهام الغريب. هو خطأ من الصامتين خوفاً. يبلغ حد الخطيئة!
ردد قادة الكيان الصهيوني اتهامهم كثيراً. وجهوه إلي كل من ناقش أي تصرف لكيانهم. بأنه ضد السامية. الاتهام ينسحب علي كل رأي. حتي لو لم يكن له صلة بالسياسة أخذ الاتهام صفة التعميم. فهو يوجه إلي كل من يبدي ملاحظة ضد أي تصرف صهيوني ولعلنا نجد التعميم نفسه في أكذوبة المحرقة. الصهيونية المسيحية في واشنطن تستصدر قراراً من الأمم المتحدة - هو القرار الوحيد من نوعه في تاريخ العالم - يعتبر من يتشكك في المحرقة مداناً. وعليه أن يواجه السجن قد ينكر المرء وجود الإله ووجود الأديان. وقد يكون ملحداً. هذا رأيه. لكن ليس من حقه أن ينكر المحرقة هنا لابد أن يعاقب!
تذهلني المجتمعات الأوروبية التي تجد في الالحاد تعبيراً عن حرية الرأي. وعن الديمقراطية التي تؤمن بالرأي والرأي الآخر.. لكن الديمقراطية الغربية ما تلبث أن تغيب. حين يتشكك دارس أكاديمي في حقيقة المحرقة النازية لليهود الألمان.. أعلن العالم البريطاني ديفيد إرفينج - علي سبيل المثال - اجتهاداً علمياً. استند فيه إلي وثائق واحصاءات وبيانات. لكن الدنيا قامت ولم تقعد. واعتبر العالم البريطاني معادياً للسامية. وقدم إلي المحاكمة في النمسا وكما قيل. فإنه لو ظل علي رأيه في دعوي المحرقة. ودلل بما في حوزته من وثائق. فسيواجه العقاب الذي قد يبلغ السجن 20 عاماً!
سبق المتظاهرون اليهود محاكمة الرجل حين استقبلوه بالحجارة والأوساخ وهو في طريقه إلي مكان التحقيق. فالإدانة إذن مسبقة. والعقاب مؤكد.
ومن قبل. واجه الموقف نفسه الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي. ودفع غرامة هائلة لقاء تأليف كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" كما واجه المأزق نفسه الكاتب الأمريكي نورمان جي فنلكستين الذي ألف كتاباً عنوانه "صناعة المحرقة.
..........................................
*المساء ـ في 19/12/2009م.

د. حسين علي محمد
26-12-2009, 03:22 PM
من المحرر:
حول الناعين فن القصة القصيرة

بقلم: محمد جبريل

حدثتك عن الثعلب الذي أراد ان يحصل علي العنب من قوق الكرمة. فلما استعصي عليه ذلك لارتفاع الكرمة عزي نفسه انه ليس فوقها الا الحصرم!
الثعلب الذي اعنيه هو جوقة الناعين فن القصة القصيرة. وانه قد شبع موتا. ولا عزاء للمبدعين!
تعددت الكتابات في الصحف والدوريات. ووجد اصحابها في فوز كاتب عربي كبير هو زكريا تامر بجائزة ملتقي القصة القصيرة مايؤكد المعني السخيف الذي تغيب عنه النظرة الموضوعية الفنية المتأملة.
مشكلة هؤلاء وليس في الامر تخمين انهم حاولوا كتابة القصة القصيرة. دون ان تؤهلهم قدراتهم الفنية. تعددت محاولاتهم بين المقالة والخاطرة واللوحة القلمية. وكلها اجناس كتابية يصعب التقليل منها. لكن القصة القصيرة بالمعني الذي قرأناه في تشيخوف ويوسف ادريس ويوسف الشاروني وسليمان فياض وادوار الخراط فن له مواصفاته المغايرة.
اتجه الثعالب الي فن اخر تصوروا فيه خلاصا من مأزق الفشل الذي عانوه في كتابة القصة القصيرة الآفاق الممتدة للرواية وتفاعلها مع الفنون الاخري يسرت لهم هذا هو تصورهم كتابة الرواية افاد بعضهم من موهبة يمتلكها بالفعل وقدم لنا اسهامات روائية لافتة. واخفق آخرون في كتابة الرواية. مثلما اخفقوا في كتابة القصة القصيرة واخفاقهم في المحاولات الفنية بعامة. والسبب بسيط. يتمثل في افتقاد القدرات التي تصنع مبدعا.
ثمة عشرات المجموعات القصصية التي صدرت في العقود الاخيرة واقتصر هنا علي الكتاب المصريين باقلام احمد الشيخ. محمد حافظ رجب. عبدالحكيم قاسم. يحيي الطاهر عبدالله. محمد المخزنجي. سعيد الكفراوي ويحيي الطاهر عبدالله ونجلاء علام ومنال السيد ومحمد مستجاب وجار النبي الحلو ووائل وجدي وطارق امام ومصطفي نصر واحمد حميدة و عبدالناصر العطيفي ورضا امام وعشرات غيرهم وثمة بالطبع اسهامات الادباء العرب في المشرق والمغرب وهي اسهامات متفوقة بكل المقاييس وثمة اسهامات كتاب امريكا اللاتينية التي نستطيع ان نتعرف الي اجمل معطياتها خلال القرن العشرين في كتاب يضم مائة قصة قصيرة صدر عن المجلس الاعلي للثقافة.
القصة القصيرة في هذا الكتاب نوع مختلف عن الرواية. ومن الخطأ ان نخلط بينهما. ولعلي اشير الي تعريف جارثيا ماركيث ان القصة القصيرة بلا بداية ولانهاية. وانها اما تكون او لاتكون.
وقد اشرف الصديق الدكتور حسين حمودة علي اصدار بضعة مجلدات لاهم ابداعات القصة القصيرة المصرية في القرن العشرين. وماتضمه من نماذج يعلن ان القول بزمن الرواية لايلغي تقديرنا لزمن القصة القصيرة. ولزمن كل الفنون.
من يصروا علي وفاة القصة القصيرة فانما ينعون مواهبهم التي حاولت الابداع في فن اعلنوا وفاته. بعد ان تعددت محاولاتهم الساذجة والفجة لتقديم مايمكن نسبته الي القصة القصيرة. وبدلا من ان ينظروا الي انفسهم. ومايفتقدون فقد وجهوا الادانة الي الفن المرواغ الجميل: القصة القصيرة.
هامش : يقول ميشيل بوتور : ان القارئ لايقف موقفا سلبيا محضا بل يعيد من جديد بناء رؤيا او مغامرة ابتداء من العلاقات المجمعة علي الصفحة. مستعينا هو ايضا بالمواد التي هي في متناول يده. اي ذاكرته. فيضيء الحلم الذي وصل اليه بطريقته هذه كل ماكان يغشاه من الابهام. ان الابداع ليس مهمة المبدع وحده. وانما يجب ان يشاركه فيه القارئ لانه وجه العملة الآخر.
..................................................
*المساء ـ في 26/12/2009م.

د. حسين علي محمد
02-01-2010, 05:55 PM
مؤتمر للمثقفين

بقلم: محمد جبريل

الحوار الذي أجراه الزميل علاء عبدالهادي مع فاروق حسني وزير الثقافة هذا الأسبوع في "الأخبار" يثير العديد من الملاحظات.
أولي هذه الملاحظات تتصل بالمركزية التي ينبغي أن يعطي بها وزير الثقافة مثلا لكل المسئولين في هيئات الوزارة. أن العمل الثقافي ليس مقتصرا علي القاهرة وحدها. لكنه يشمل كل الأقاليم. وهو ما لن يتحقق إلا بتولي حتي رئيس بيت الثقافة في أبعد قرية مصرية مسئولية تتيح له حرية الحركة. فلا يلجأ إلي شد تليفون وآلو يا بندر بصرف النظر عن حجم المشكلة التي تواجهه. وإذا كان الوزير - علي حد تعبيره - يشرف بنفسه علي كل كبيرة وصغيرة. فماذا ترك لقيادات وزارته؟.
أما مؤتمر المثقفين الذي أعاد الوزير طرح فكرته. فأذكر أن المجلس الأعلي للثقافة قد كلف لجانه - منذ نحو عشر سنوات - بوضع تصورات حول المؤتمر. وأذكر أنني حاولت أن أسهم بجهد في وضع هذا التصور. وقدمته إلي مقرر لجنة القصة آنذاك الأديب الكبير إدوار الخراط. لكن المؤتمر ظل - فيما يبدو - مجرد فكرة حتي أعيد طرحها ثانيا عقب عودة الوزير من رحلة اليونسكو. وخروج عواطفه - والتعبير له - من حالة الانقسام إلي نصفين. فهو قد أزمع أن يبذل كل جهده لإنجاز مشروعات وزارته حتي يقضي الله أمرا كان مفعولا .
حدد الوزير مدة المؤتمر المشروع بحوالي الشهرين. وأخشي أن المدة المقترحة ربما تحيل المؤتمر إلي مكلمة متثائبة. والأصوب أن تعد التصورات مسبقا - بالمناسبة: أين تصوراتنا القديمة؟ - ويناقشها المؤتمر في فترة محددة لا تجاوز الأسبوع.
وثمة ملاحظة تتصل بشكوي الوزير من غياب المثقفين والمبدعين. الذين هم أدواته. علي حد تعبيره. المؤكد - كما يقول فاروق حسني - أنه علي المثقفين أن يشاركوا في الحياة الثقافية في مصر. ولا يقتصر دورهم علي التقدم لنيل الجوائز والحصول عليها. عليهم أن يشاركوا بفاعلية لأن تواجدهم يعطي للأحداث الثقافية قيمة وزخما.
النظرة المتأملة إلي قيادات وزارة الثقافة في عهد فاروق حسني - دعك من القيادات التي فرضتها سن ما بعد المعاش - ثم في المثقفين الذين طالت سني انفرادهم بظل الوزارة وجوائزها ورحلاتها ولجان تحكيمها إلخ- تذكرنا بالمثل الذي يؤكد أن اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش!.
لو أن فاروق حسني - زميل الدرج في مدرسة البوصيري الأولية - حرص علي صداقة كل المثقفين. حتي هؤلاء الذين آثروا العزلة بعيدا عن الصخب المفتعل. وانشغلوا بقراءاتهم وكتاباتهم وما ينفع الناس. فمن المؤكد أنه كان سيلقي استجابة حقيقية من مثقفين تصوروا أن واجب الوزارة - ممثلة في المسئول الأول عنها - أن تسعي إليهم. فتوفر لهم ما لم يسعوا إليه من المنح والرحلات والجوائز. فلا تقصرها علي جماعة - يعرفها الوزير. ونعرفها. بالاسم! - لمجرد أن أفرادها أجادوا إلحاح الزيارات والتواجد الإعلامي والصداقات الشخصية.
الملاحظات كثيرة. تضيق بها المساحة المتاحة. أستأذنك في عودة إلي ما حفل به حديث الوزير من آراء تعوزها المناقشة.
هامش:
قال سقراط: خمسة يهلك فيها الإنسان نفسه. خديعة الأصدقاء. وعدم الالتفات إلي أهل العلم. واحتقار الرجل نفسه. واحتمال تكبّر من هم دونه. واتباع الهوي.
...................................
*المساء ـ في 2/1/2010م.

د. حسين علي محمد
04-01-2010, 07:10 PM
محمد جبريل يرى البحر أمامها

بقلم: د‏.‏ صلاح فضل

محمد جبريل أحد كبار الروائيين المخضرمين‏,‏ أثبت كفاءته العالية في السرد القصصي والروائي‏,‏ والرصد النقدي الواعي للحركة الأدبية منذ السبعينيات حتي الآن‏.‏ وكان له بفضل عمله في الصحافة الأدبية مبادرات في احتضان كثير من الموهوبين ورعايتهم وتشجيعهم بحس صادق وأبوة حانية‏.‏
وقد تميز إبداعيا بنزعته الشعبية الصوفية‏,‏ وولعه الموصول بعوالم الإسكندرية وأفقها الوضيء‏.‏ وهاهو في آخر أعماله المتأنية البحر أمامها يطرح رؤيته لمحنة الترمل‏,‏ وقسوة غياب الحبيب الملازم مع ارتباط الأمكنة به‏,‏ وتوقف الزمن عنده‏.‏ صفحة رائقة من الأدب الرفيع‏,‏ لا تحفل بالأحداث الخارجية‏,‏ ولا تتجاوز الفضاء الفردي لأرملة يرحل عنها الزوج دون أن يدربها علي مواجهة الواقع ومعاقرة الحياة‏.‏ تزوجها صبية صغيرة بعمر ابنته‏,‏ ونقلها من مدينتها الصغيرة ـ دمنهور ـ إلي شقته ذات السقف العالي علي كورنيش الإسكندرية‏,‏ فلم تكد تبرحها وحدها حتي تركها بمفردها‏,‏ وعندما عادت إليها بعد فشل محاولتها بالإقامة عند ابنتها دفعت ضلفتي النافذة‏,‏ فلامست وجهها نسمة باردة امتصها الحر والرطوبة‏.‏ نظرت إلي نصف الدائرة أمامها‏,‏ ما بين بنايات السلسلة وقلعة قايتباي‏,‏ والموج حصيرة‏,‏ أضاف إلي سكونه قوارب متناثرة لا تتحرك‏,‏ كأنها مفروشة في المياه‏,‏ صيادو السنارة تناثروا فوق المكعبات الأسمنتية الهائلة‏,‏ ينتظرون جذبه سناراتهم في المياه‏,‏ ورجل يكنس الرصيف المقابل بمقشة مبلولة من ليف النخيل‏,‏ وثمة شاب وفتاة جلسا علي المقعد الرخامي تعلوه المظلة الخشببة في مواجهة البحر‏.‏ المقعد نفسه الذي كانت تجلس هي ومحرم ـ زوجها ـ إليه وعلي الرغم من مضي عقود عديدة علي مقام جبريل في القاهرة‏,‏ فإن لحظات الابداع لديه تطوف غالبا حول بؤرة إلهامه في رحمها الأول عند أجواء بحري في الثغر السكندري‏,‏ حيث تتكثف المواجع وتثري المشاهد ويتسع الفضاء ليعرض صفحة الروح وشجون العمر الجميل‏.‏ تأخذ الأرملة الحزينة في استعادة صور عيشها الحميم في ظل زوجها الراحل فتدهشها سيطرة فكرة الموت عليه في أيامه الأخيرة‏,‏ وكأنه كان يتأهب لاستقباله بترحاب‏,‏ يري أن المشكلة تكمن فحسب في أن الإنسان يموت وحده‏,‏ لا أحد يشاركه موته‏,‏ وأنه مهما صادق الإنسان فكرة الموت لا يستطيع تصور أنه سيموت‏,‏ ومع ذلك فإن الموت يظل هو الحل الوحيد لكثير من المشكلات‏.‏ الغريب أنه كان عندما يدير معها يكمل أحدهما جملة الآخر‏,‏ وكأنهما طرف واحد في قبضة الحياة‏,‏ مع تمرسه وخبرته العاتية من ناحية‏,‏ وسذاجتها المثيرة للغيظ‏,‏ وبراءته الداعية إلي الإعجاب من ناحية مقابلة‏.‏
وصف الحياة
علي الرغم مما تحفل به الرواية من تأملات وملاحظات‏,‏ فإنها ترد بضمير المتكلم‏,‏ حيث تسيطر عليها رؤية الأرملة الشجية‏,‏ مما يجعلها أقرب في العمر والمزاج والمنظور لصوت المؤلف الضمني‏,‏ فلو كان جبريل قد كتب هذه الرواية مثلا في شبابه لاختار شخصية أخري‏,‏ مثل رامي زوج ابنتها المشغول بالتقاط المال وعقد الصفقات‏,‏ أو حفيدها باسم كي يقدم منظوره ورؤيته‏,‏ لكنه يجعل كليهما يمر عبر مصفاة الوهج‏,‏ فالأرملة نجاة تسمع عن التحولات التي حدثت في المجتمع فتعي القليل منها‏,‏ ويفوتها إدراك نتائجه العملية‏,‏ تسمع زوج ابنتها يتكلم عن القواعد الجديدة التي تحكم العلاقات بين الناس‏,‏ حيث اختفت الجيرة والصداقة والمودة‏,‏ وحل بدلا منها انتهاز الفرص والحصول علي ما قد يكون حقا علي الآخرين ازدحمت الغابة بحيوانات لم تشهدها من قبل‏,‏ شراستها تفوق الوصف‏:‏ زماننا الحالي يحتاج إلي فهم لأصول التعامل والتصدير والاستيراد‏,‏ وتخليص الصفقات والمشروعات وقروض البنوك‏.‏ لكنه عندما يلمح إلي ضيق شقته ورغبته في التبادل مع شقة حماته الواسعة علي الكورنيش يبدو في نظرها كريها متطفلا في اقتلاعها من جذورها‏,‏ وتصبح هذه المشكلة هي المحور الرئيسي حيث تتمحور عندها مشاعر الجدة ومقاومتها بالرغم من ميلها للتضحية من أجل حفيدها أحيانا وبحثها عن دار للمسنين‏,‏ غير أنها لا تلبث أن تتشبث بشقتها‏,‏ وتظل تنصت لأخبار الحياة من حولها دون أن تشارك فيها فهذه خادمتها السابقة ورفيقتها الحالية فاطمة تسرد علي مسامعها أخبار العالم من حولها زحام المواصلات شديد‏,‏ البلد كأنه يهاجر‏,‏ السمك يغشه الباعة‏,‏ باع الرجل فوق كوبري كرموز قشر بطيخ مغموسا في الدقيق والبيض‏,‏ وسواه في الزيت علي أنه سمك مقلي‏,‏ حادثة بشعة في شارع مينا البصل‏,‏ عربة محملة بأنابيب البوتاجاز اصطدمت بسيارة ملاكي‏,‏ احترقت السيارة بمن فيها‏,‏ ولد صغير‏,‏ تلميذ‏,‏ بتر ترام ساقيه‏(‏ تضرب نجاة صدرها بعفوية وتهتف باسم حفيدها‏)‏ فهي تحاول تجسيد ما تسمعه في ذهنها‏,‏ ومعني هذا أن الحياة في الرواية تتكئ تماما علي الوصف والسمع‏,‏ ويتوقف تيار مرور الأحداث بحيويتها ومفاجآتها الطازجة المدهشة‏,‏ ويظل الحوار المستعاد في الوعي صدي لهواجس الشخصيات فحسب‏.‏ أما العرق السياسي الوحيد الذي ينبض في الرواية ويكشف عن الزمن الذي تدور فيه إلي جانب هذه الوقائع الاجتماعية المكرورة فيشرح قوقعة الأرملة ويرسم محيطها الإنساني فهو يأتي من حركة حفيدها باسم الذي يلجأ إلي شقتها هربا من ضغط أبيه وقسوته‏,‏ فيحدثها عن المظاهرات التي تندد بالهجمات الإسرائيلية علي الضفة الغربية وغزة‏,‏ وباستمرار حصار مقار ياسر عرفات‏,‏ ويطالبون بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل وإدانة التأييد الأمريكي لحكومة شارون‏,‏ لكن هواجس الجدة تتضخم‏,‏ وتسمع أو تتخيل أصوات هجوم زوج ابنتها والجيران والبواب لينتزعوا شقتها عنوة‏,‏ فتضع كل الأثاث خلف الباب وهي تدافع عن كيانها‏,‏ وشبح محرم زوجها يظهر لها كي تقاوم عدوان الآخرين‏,‏ في نهاية مفتوحة تترك المجال للقارئ كي يعيد بناء المواقف ويختار النهاية التي تروق له‏,‏ لعمل محكم ومقتصد تتجلي فيه مهارة جبريل وحنكته الفنية‏.‏
.................................................. ...
*الأهرام ـ في 4/1/2010م.
*الرابط: http://www.ahram.org.eg/35/2010/01/04/10/2087.aspx (http://www.ahram.org.eg/35/2010/01/04/10/2087.aspx)

د. حسين علي محمد
10-01-2010, 03:27 AM
من المحرر
القراءة

بقلم: محمد جبريل

كتب يوسف إدريس يوما عن مشكلته مع قراءة الصحف. وأنها تأخذ معظم الوقت الذي جعله للقراءة. وأفرد استاذنا حسين فوزي مقالته في الأهرام ينصح إدريس بأن تقتصر قراءته للصحف علي العناوين. يلم بالأخبار والموضوعات. ويختار ما يحتاج إلي قراءته في الكتب. لأن المعني الحقيقي للقراءة كما قال حسين فوزي في مقالته هو قراءة الكتب.
القنوات الفضائية ومحطات التليفزيون أضافت بعداً جديداً يخلط بين السمع والرؤية في عملية القراءة. فأنت تتابع. وتحصل علي المعرفة. دون أن تحتاج إلي قراءة الكتب. وقد أفرزت تلك الظاهرة ما سمي بثقافة الإعلام. أي الثقافة التي تعتمد حصيلتها المعرفية علي ما تقرأه في الصحف. وتستمع إليه. وتشاهده. في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة.
ظني أن نصيحة حسين فوزي هي الجسر الحقيقي بين الإنسان والمعرفة. فهو الذي يختار ما يريد قراءته. ويتوصل إلي آراء مؤيدة ورافضة. وإلي قناعات تضيف إلي معني المعرفة عنده. فيجاوز ذلك الدور السلبي الذي يكتفي بقراءة ما قد يعاني خفة التناول. والسطحية.
في عملية التحصيل المعرفي وهو ما يختلف عن الثقافة. لأن الثقافة سلوك يوجد ما أسميه معرفة الجلسات. وهي الجلسات التي يتابع فيها المرء مناقشات جماعات المثقفين في القضايا العامة. يلتقط اسما من هنا. وعبارة عن هناك. ويردد نتائج غير موصولة بأسبابها.
يثيرني ذلك الذي يضع أمامه كومات الصحف. ويطالعها بدأب طيب. ثم يدفع بها قائلاً : لقد قرأت.
من يطلب المعرفة الحقيقية. عليه أن يبحث عنها في رفوف المكتبات. وبين صفحات الكتب. ثمة المنهج. ووجهة النظر. والمعلومة الموثقة. والاجتهاد الذي قد يمتد لسنوات.
عندما يقدم أحد الدارسين بحثاً لنيل درجة عليا. فإن الملاحظة الي تعني بها لجنة المناقشة هي مدي اعتماد الدارس الكتاب مصدراً لبحثه. وإسرافه استسهالاً في اللجوء إلي الصحف والدوريات. فما تقدمه يصعب أن يشكل معلومات يعتد بها. وقد أتيح لي حضور مناقشة عشرات الرسائل الجامعية. وكانت ملاحظات اللجان في العديد من المناقشات ربما إلي درجة المؤاخذة هي قلة الكتب كمصادر ومراجع بالقياس إلي وفرة الصحف.
الصحف مهما قدمت من معلومات وآراء تظل عنصراً مكملاً لقراءة الكتب. خلفية لا بأس بها مواد الكتب هي المتن أما مواد الصحف فتظل أقرب إلي الهوامش. أو أنها تمثل في أفضل الأحوال خلفية معرفية. لا تكتسب عمقها وجديتها وجدواها إلا بالرجوع إلي الكتب.
هامش:
قال بعض الحكماء : الناس ثلاثة. رجل يدري ويدري أنه لا يدري فذاك عالم فاتبعوه. ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذاك ناس فذكروه. ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذاك جاهل فاحذروه.
.............................................
*المساء ـ في 9/10/2010م.

د. حسين علي محمد
12-01-2010, 01:49 PM
«أخبار الوقائع القديمة » مجموعة قصصية جديدة لمحمد جبريل

«أخبار الوقائع القديمة» مجموعة قصصية جديدة لمحمد جبريل، أصدرتها الهيئة العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «أصوات أدبية» .
تضم المجموعة القصصية 11 قصة قصيرة هى: انكسارات الرؤى المستحيلة، كيف أذوق حلاوة ما لا أعرفه، أخبار الوقائع القديمة، الحصار، مساحة الظل، الهدف، صدى البوح، بكائية للزمن القديم، ضالة المريد، الحكواتى والسجادة.
يتناول القاص محمد جبريل عوالم النفس الإنسانية فى هذه المجموعة، وما يؤرقها من تأملات فلسفية وتجارب إنسانية خاصة.

د. حسين علي محمد
13-01-2010, 09:10 AM
*نختار لكم هذه القصة من المجموعة:

*انكسارات الرؤى المستحيلة*

قال أحمد أنيس وهو يضع رزمة النقود على مكتبى :
ـ ثلاث ساعات وأنا أتنقل بين البنك المركزى وبنط مصر وبنك فيصل ..
أودعت رزمة النقود درج المكتب:
ـ ما فعلته جزء من عملك ، فلم تشكو ؟
رسم على وجهه ابتسامة معتذرة :
ـ لم أقصد الشكوى ، لكننى أشرح ما حدث ..
لما ضاق وقتى عن استيعاب مسئولياتى ، عهدت إلى أحمد أنيس بأن يقدم لى من وقته بدلاً من وقتى الذى لم يكن بوسعى أن أضيعه . مكانتى تفرض الحاجة إلى الوقت . أختلف مع ما يحتاجه أحمد أنيس . هو لا يريد إلا الأجر الذي ينفق منه على احتياجات يومه ..
كنت أضيع الوقت فى انتظار المصعد، دوري أمام شباك السينما ، وفى مكتب شركات الطيران، وداخل البنك ، وصالة الاستقبال بعيادة الطبيب، والوقوف بالسيارة في إشارة المرور، والوقوف في طوابير وصفوف، انتظاراً لشيء أطلبه. واللقاءات الشخصية، وأحاديث التليفون، والتوقيع على أوراق مهمة، وبلا قيمة. وكان الطريق يبتلع أكثر من ساعة بين البيت في مصر الجديدة، والمكتب في المهندسين ..
ماذا يحدث لو أنى لم أعترف بالوقت ؟ لو أنى أنكرت وجوده أصلاً ؟.. أصحو وأعمل وأنام. لا يرتبط ما أفعله بشروق الشمس ولا غروبها، ولا أيام السبت والأحد إلى نهاية الأسبوع . حتى الساعة انزعها من يدي، فلا يشغلني ما فات ولا ما أترقبه. لكن الآخرين يصرون على السنة والشهر والساعة واللحظة. يصرون على الوقت ..
هذا ما أفعله بالضرورة ..
الوقت الذى لا يضيع ، لا يمكن أن أسترده ، أو أعوضه . حرصت على أن أختصر من عاداتى ما يضيف إلى وقت الإنجاز . لم أعد أحلق ذقنى صباح كل يوم . ربما أخرت حلاقتها إلى صباح اليوم الثالث . تبينت أنه لم تعد الذقن غير الحليقة تليق بمكانتى . أوصيت على ماكينة كهربائية ، أستعملها فى الأوقات الضائعة ، فى جلستى وراء السائق . وكنت أرجئ تنفيذ بعض ما يجب إنجازه ، فأنهيه فى وقت واحد ..
قرأت أن الوقت هو الرمز النهائى للسيادة، وأن هؤلاء الذين يسيطرون على وقت الآخرين لديهم القوة. من يملكون القوة يسيطرون على وقت الآخرين ..
أريد أن أفيد من كل ساعة، كل دقيقة ، كل ثانية . لدى الكثير مما يهمنى أن أنجزه. الحياة قصيرة إن لم نحسن استغلالها . نضيف إليها وقت الآخرين، ما نحصل عليه من وقتهم . لن تمضى حياتى على النحو الذى أطلبه، ما لم تأخذ من حياة الآخرين . إنهم يجب أن يضيفوا إلى حياتي، يعملون لها ..
أزمعت أن أحصل على الوقت الذى أحتاج إليه من رجل ، شاب ، عنده الفائض من الوقت ..
أطلت الوقوف على باب الحجرة ، حتى رفع أحمد أنيس رأسه من الأوراق والملفات المكدسة على المكتب :
ـ أفندم يا سعادة البك ..
سعدت للذهول ـ وربما الخوف ـ الذى نطق فى ملامحه ..
لم أتردد على مكتبه، ولا أى مكان فى المبنى . المرئيات ثابتة منذ الباب الخارجي، وصعودي السلمات العشر ، ثم الميل إلى اليمين، والسير فى الطرقة المفروشة بالمشاية الحمراء ، الطويلة ، على جانبيها لوحات أصلية ، وإضاءة خافتة . شندى الساعى ـ فى نهاية الطرقة ـ يسرع إلى فتح الباب. تطالعنى الحجرة الواسعة، المطلة على النيل: الأبواب والنوافذ ذات النقوش البارزة ، والزجاج المتداخل الألوان، والأرفف الخشبية رصت فوقها كتب وأوراق وأيقونات صغيرة وشمعدانات، والأرض فرشت سجادة تغلب عليها النقوش الحمراء، فوقها كنبتان متقابلتان ، يتخللهما طاولات وكراسى، والمكتب الضخم فى الوسط ، من الأبنوس والصدف ، وقبالة الباب مرآة هائلة تغطى معظم مساحة الجدار ، وتدلت من السقف نجفة كريستال هائلة ..
بدا أحمد أنيس مرتبكاً ، لا يدرى إن كان عليه أن يظل فى وقفته أم يقبل ناحيتى ..
أشرت إليه ، فلم يغادر موضعه . أهملت ما ينبغى على رئيس العمل أن يحرص عليه . يستدعى مرءوسيه ولا يذهب إليهم . تأتيه أخبارهم ، ويضع جداراً غير مرئى بينهم وبينه ..
قلت :
ـ أحيى إخلاصك ..
ـ هذا هو عملي ..
فاجأته بالسؤال :
ـ هل المرتب يكفيك ؟
وهو يغالب الارتباك :
ـ أدبر نفسي ..
ـ ما رأيك في عمل بعد الظهر ؟
وشى صوته بالانفعال :
ـ سيادتك ..
ثم فى استسلام :
ـ أنت الرئيس ومن حقك ..
قاطعته :
ـ لا شأن لهذا العمل برئاستى .. إنه عمل آخر .. إضافى ..
رنوت إليه متملياً : القامة القصيرة ، المدكوكة ، الجبهة الواسعة ، الوجنتين البارزتين ، الأسنان التى اختلط فيها السواد والصفرة ، البشرة الدهنية ، دائمة التفصد بالعرق ..
حدست السؤال الذى لابد أنه سيخاطب به نفسه : لماذا اخترته دوناً عن بقية الموظفين ؟
فتشت عن الكلمات لأشرح له بواعث اختيارى . ثم تنبهت إلى أنه ليس من حقه أن يسألنى ، ولا أن يناقشنى فيما أختار ..
تركت له معظم الوقت الذى كان يسرقنى . تحكم فيه بما أثار إعجابى ، وربما حسدى . أجاد كل ما أسندته إليه ..
لم يكن يمارس عملاً واحداً ، هو سكرتير ، وسائق، وطباخ، وخادم. أدهشنى بما يعرفه فى الأبراج وعلوم الفلك وقراءة الطالع، وفهمه لقوانين الألعاب الرياضية ، وحفظه لفرق الوقت فى مدن العالم ، وللنكات الحديثة ، وإجادته تلخيص الروايات والمسرحيات والأفلام بما لا يخل بالمعنى، وتقديم المعلومة التى تعوزنى فى اللحظة التى أطلبها. ربما لجأت إليه فى أوقات الليل يسرى عنى بحكاياته الغريبة، المشوقة ..
وفر لى النجاح فى استثمار الوقت ساعات أخرى : يعرفنى مفتشو الجمارك ، فيتركون حقائبى بلا تفتيش . لا يفتحون الحقائب أصلاً . يتعرف على التاجر ، ويعرفنى بنفسه ، يجرى لى ما لم أكن طلبته من خصم على ما اشتريته . وكان يخلص ـ بلا متاعب ـ أذون الشحن ، ويتذوق الطعام الجيد ، ويشير بالأماكن المريحة ، ويجيد تقليد الأصوات والحركات ، ويجيد اختيار الطاولة القريبة من " بيست " الملهى الليلي، ويحسن التصرف فى الأوقات السخيفة، وينقل فضائح المجتمعات الراقية، ويتحمل العبارات التى يمليها الغضب ..
ما وصلت إليه من مكانة ، يدفع من ألتقى بهم إلى انتظاري، فلا يشغلنى انتظارهم. ينتظرون حتى الموعد الذى أحدده. من المسموح لى أن أضيع وقتهم، وليس من حقهم أن يضيعوا وقتى . أعتذر بالقول: أنا مشغول الآن .. هل يمكن إرجاء هذا الأمر إلى وقت آخر؟.. هذه المشكلة تحتاج إلى مناقشة ليس الآن مجالها .. سأحدثك عن ملاحظاتى فى فرصة قادمة .. أملى القرار ، لا أتوقعه، لا أنتظره ..
عاودت النظر إلى ساعة الحائط . تثبت من الوقت فى ساعة يدى . يدخل الخادم بالصحف فى التاسعة صباحاً . أطالعها ، أو أتصفحها ، حتى التاسعة والنصف ..
علا صوتى :
ـ أين الصحف ؟
ـ سألخصها لسيادتك ..
لم أفطن إلى وجوده فى الفراندة المطلة على الحديقة الخلفية . اعتدلت بحيث واجهته :
ـ لكننى أقرأها بنفسى ..
ـ الأخبار المهمة سألخصها بنفسى ..
ثم وهو يربت صدره :
ـ هذا عملى ..
تبادلت كلاماً ـ لا صلة له بالعمل ـ مع أصدقاء فى الكازينو المطل على النيل . أفيد من فائض الوقت، ولا أعاني قلته. تحدثنا فى السياسة ، والأغنيات الجديدة ، ومباريات الكرة، وتقلبات الجو ، وفوائد السير ـ كل صباح ـ على طريق الكورنيش ..
لم يعد هناك ما يشغلنى . أحمد أنيس تكفّل بكل شئ . يتابع تنفيذ القرارات دون أن يستأذننى فى إصدارها. حتى المكالمات التليفونية يسبقنى إلى الرد عليها . يؤكد وجودي، أو يلغيه . يتمازج الإشفاق والود فى ملامحه:
ـ نحن أولى بالوقت ..
علا صوتى ـ بعفوية ـ حين دفع باب حجرة المكتب ، ودخل . تبعه ما يقرب من العشرة . يحملون كاميرا وحوامل وأوراق وأشرطة تسجيل ..
أشار أحدهم ـ دون أن يلتفت ناحيتى ـ إلى مواضع فى المكتب يرى أنها تستحق التصوير ..
لم أكن مشغولاً بقراءة ولا متابعة ، ولا أستمع إلى الإذاعة ، أو أشاهد التليفزيون. كنت أتأمل لوحة الجيوكندا، وسط الجدار ، أحاول تبين ما إذا كانت نظرة الموناليزا تتجه ـ بالفعل ـ إلى كل من ينظر إليها ..
وضع فمه فى أذني:
ـ هذا برنامج للتليفزيون .. عن مشوار حياتك ..
ـ لكننى غير مستعد لهذا البرنامج .. لست مستعداً لأي شئ ..
دفع لى بأوراق :
ـ عليك فقط أن تتصفح هذه الكلمات ..
وقلت له ـ ذات مساء ـ بلهجة معاتبة :
ـ يفاجئنى الأصدقاء بالشكر على رسائل تهنئة وهدايا ..
وهو يدفع نظارته الطبية على أرنبة أنفه :
ـ عندى قوائم لكل المناسبات السعيدة للأصدقاء .. وأتابع أنشطتهم الاجتماعية جيداً ..
مددت شفتى السفلى دلالة الحيرة :
ـ أخشى أنهم يفطنون لارتباكى ..
وواجهته بنظرة متسائلة :
ـ لماذا لا تبلغنى بهذه المناسبات قبل أن ترسل تهانيك وهداياك ؟
ـ وقتك أثمن أن تبدده فى هذه التفاصيل الصغيرة ..
أعدت النظر إلى ما كنت أطلبه من أحمد أنيس .
لم أعد أرفض قيامه بشىء ما دون أن يبلغنى به. كان يرد على الرسائل دون أن يتيح لى قراءتها، ويبلغ المتحدث على التليفون بما يرى أنها تعليماتي، ويبعث بالمذكرات إلى من ينتظرونها ، ويوافق على الدعوات التى يثق فى ترحيبى بها، ويرفض ما يثق أنى سأرفضه ..
طويت الجريدة ، ووضعتها على الطاولة أمامى :
ـ أنا لم أقل هذا الكلام ..
بدا عليه ارتباك :
ـ لكنه يعبر عن آرائك ..
ثم وهو يرسم على شفتيه ابتسامة باهتة :
ـ هل فيه ما ترفضه ؟
ـ بالعكس .. لكنه ينسب لي ما لم أقله ..
أحنى رأسه بالابتسامة الباهتة :
ـ دع لى مسألة الحوارات والأحاديث ، لأنها تأخذ من وقتك ما قد تحتاجه للراحة أو التأمل ..
وأنا أعانى إحساس المحاصرة :
ـ إذن ناقشنى فى الأفكار التى ستقولها ..
تهدج صوته بالانفعال :
ـ هذا ما سأفعله حين يصادفنى ما أحتاج لمعرفته ..
بدا لى أن العالم رتب أموره بدونى. لم يعد لدى ما أفعله سوى التأمل واستعادة الذكريات . مللت ما أحبه من أغنيات ، فأهملت سماعها . سئمت مشاهدة الأفلام التى وضعها فى الفيديو . فارقنى القلق والتوقع والتخمين . تنبهت لانشغال يدى بمسح زجاج المكتب بمنديل ورقى . رنوت ناحية الباب الموارب ، أتأكد إن كان أحداً قد رأى ما فعلت ..
قلت :
ـ أنت تأخذ قرارى ؟
ارتعشت أهدابه :
ـ أنا أحدس رأيك ..
غالبت نفسى فلا يبين ما أعانيه :
ـ ماذا أفعل أنا إذن ؟
ـ أنت تخطط وتشرف .. وأنا أنفذ ..
حدجته بنظرة تفتش عن معنى غائب :
ـ هذا لم يعد يحدث ..
حدثنى عما لم أكن أعرفه فى نفسى . أبتعد بنظراتى ، ولا أميل إلى المجتمعات ، ولا أصلح للخطابة ، أو التحدث فى اللقاءات العامة . لا يجتذبنى ما قد يثير الآخرين ، وأعانى التردد فى الاختيار ، وفى اتخاذ القرار ، والمجازفة ..
أومأت على ملاحظاته بالموافقة . لم أحاول السؤال ، أو مناقشة التصرفات التى جعلتنى ذلك الرجل فعلاً ..
أتابعه بنظرة ساكنة وهو يتحرك فى حجرات البيت . يرفع الصور واللوحات من أماكنها على الجدران. ينقلها إلى مواضع أخرى. لا يعنى حتى بأن يلمح ـ فى ملامحى ـ انعكاس ما يفعله . يبدى إشفاقه، فيغلبنى التأثر. يغادر الفندق ـ فى رحلاتى خارج البلاد ـ إلى الجولات الترفيهية، وزيارة أماكن السياحة والتسوق ..
لم أعد أعرف القرار الذى يجدر بى أن أتخذه ، ولا ما يجب عليه هو كذلك . اختلطت الرؤى ، وتشابكت ، فلا أعرف إلا أنه ينبغى أن أسلم نفسى للهدوء ، وما يشبه الاستسلام . أكتفى بالمتابعة الصامتة ، الساكنة . لا أفكر ، ولا أتكلم ، ولا أقدم على أى فعل . حتى التصور لم يعد يطرأ ببالى . أحمد أنيس وحده هو الذى يفعل كل شئ ..

د. حسين علي محمد
16-01-2010, 03:08 PM
من المحرر
مؤتمر المثقفين

بقلم: محمد جبريل


قد لا يعلم الكثيرون أن مؤتمر المثقفين الذي دعت إليه وزارة الثقافة في مايو القادم. سبقت الدعوة إليه منذ عشر سنوات. وأذكر أني قدمت إلي مقرر لجنة القصة بالمجلس الأعلي للثقافة الصديق الروائي إدوار الخراط باعتبار عضويتي في اللجنة آنذاك محاولة لمناقشة المشروع الثقافي. وقد اشتملت المحاولة علي العديد من النقاط التي ترسم صورة مستقبلية للواقع الثقافي في بلادنا.
لقد تكرر منذ 23 يوليو 1952 علي سبيل المثال احتفالنا بقيام ثورة يوليو. وهي كما تري فترة طويلة. مع ذلك. فإن الأمية لها السيطرة علي الغالبية من أبناء الشعب المصري.
وعلي الرغم من زيادة عدد المعاهد والكليات والجامعات. فإن دورها شاحب في تنمية المجتمع ثقافيا.
يتصل بذلك عجز هيئة قصور الثقافة عن تحقيق أهدافها علي النحو الذي نأمله. وعجز الوزارة عن استعادة بعض العصر الذهبي الذي كانت تعيشه السينما المصرية. واستعادة النهضة المسرحية التي تحققت في الستينيات علي أيدي توفيق الحكيم ونعمان عاشور وألفريد فرج وسعد الدين وهبة ومحمود السعدني ومحمود دياب وميخائيل رومان وغيرهم. وكما نعرف. فقد تحول الكثير من المسارح ودور السينما إلي بنايات تجارية. أو صالات للأفراح.
ويقوم البرنامج الثقافي بالاذاعة بدور يجب الثناء عليه. لكن هذا الدور يظل قاصرا ومحدودا في ظل عدم وصول البث الاذاعي إلي المتلقي العربي في مختلف أقطاره. هذه دعوة قديمة. وتنتظر التحقيق.
ونحن نقدر مشروع القراءة للجميع. لكن ينبغي أن تنهض بالمشروع كل دور النشر. من خلال توزيع الدعم عليها. لا قصره علي هيئة الكتاب التي قد لا تعطي الناشرين حقوقهم. وتضاعف كميات الكتب المودعة في مخازنهم.
والملاحظ أن عملية النشر في الهيئتين التابعتين للدولة لا تصدران عن خطة عملية تلبي احتياجات البيئة. إنما هي تنشر ما يقدمه لها المؤلفون. والمفروض أن يقترن ذلك بخطة واضحة. يكلف المؤلفون بتنفيذها في ضوء الاحتياجات الفعلية لبيئة المجتمع الثقافية.
ولعل أرقام التوزيع المتدنية بعيدا عن كتب القراءة للجميع تستدعي وجوب إعادة النظر في مبيعات الكتب. مع ضرورة العمل علي إصدار المجلة الثقافية التي توزع علي مستوي الوطن العربي. أسوة في الأقل بما يصدر عن بعض العواصم العربية.
تقلصت كمية التوزيع التي كانت تطبع من كل كتاب. إلي ألفين أو ألف. وقد تقتصر الكمية علي بضع مئات من النسخ. رغم تضاعف عدد المواطنين. وعدد المتعلمين. وارتفاع متوسط الدخل. وتوقع زيادة عدد القراء بالتالي.
والترجمة من العربية إلي اللغات الأجنبية. ومن اللغات الأجنبية إلي العربية. هدف يجب أن تكون له الأولوية. وهو ما تحرص عليه كل الدول المتقدمة. والمعروف أن إسرائيل تترجم إلي أربع لغات ما متوسطه كتاب من بين كل أربعة كتب تصدرها المطابع. وحتي الآن. فإن المركز القومي للترجمة أمنية جميلة.
ولأننا جزء من العالم الثالث. فإن علينا أن نعني بالتواصل مع ثقافات العالم الثالث في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. بالاضافة طبعا إلي ثقافات الغرب وآدابه.
ومع تعدد الجوائز العربية التي ينالها في الأغلب مبدعون ودارسون مصريون. فإن مصر لم تخصص حتي الآن جائزتها العربية التي تليق بمكانة مصر وحضارتها وثقافتها.
ومن المهم أن يرتبط النشاط الثقافي بالتقدم العلمي والتكنولوجي الذي يحياه العالم منذ خمسينيات القرن الماضي. فلست أتصور مبدعا ولا ناقدا أو دارسا يستطيع العمل بمعزل عن كل تلك الانجازات المهمة. إنها دليله إلي المستقبل. ولعلي أجد في جامعة العلوم. التي أعلن عن إنشائها مؤخرا مؤشرا ايجابيا.
هذه تصورات تشغلني. ووسائل تحقيقها تأتي وفقا لخطط زمنية. تراعي التوفيق بين الأولويات والامكانات. وهو شأن الجهات التنفيذية.

د. حسين علي محمد
16-02-2010, 08:01 PM
من المحرر:
شواطئ المدن

بقلم: محمد جبريل

ثمة مفردات تهبنا العالم الإبداعي لسلوي الحمامصي: المدن. البيت. الطائرة. المطار. الغربة. الحنين. الانتماء. فضلاً عن الحرص علي القيم النبيلة. والعلاقات الأسرية. وحب الوطن. فالرجل الذي يوقع باسم "مواطن محب لوطنه" هو مواطن محب لوطنه بالفعل يدين البيروقراطية والفساد. ربما إلي حد المبالغة.
القصص تتسم بالقصر. فهي ما بين صفحتين إلي ثلاث صفحات. والأصوات تتعدد بين صوت الراوي المشارك. وصوت الراوي العليم. والسرد يعتمد علي الحكي الذي خلا من الغموض. وإن ابتعد - في الكثير من مواقفه - عن المباشرة والتقريرية. فهي تومئ إلي المعني. إلي الدلالة. كما تلجأ الفنانة في إحدي قصصها - إلي تضفير السرد بكلمات أغنية لنجاة عن الحنين.
معظم القصص ترفض الخيانة والسلوكيات الخاطئة. ليس علي مستوي الوطن فحسب. وإنما علي كل المستويات. بداية من علاقة المرء بالآخرين. وانتهاء بعلاقته بالدنيا من حوله. إنها - في الأغلب - علاقة تتسم بحب الذات والانتهازية ومحاولة السطو علي ما هو ملك للغير.
وحين يتزوج المرء من أجنبية. فإنه ما يلبث أن يثبت خطأ الفعل. ويفكر في العدول عن تصرفه "شواطئ المدن" وهذه القصة - في ظني - قد كتبت للطلائع. إنها تحض علي الانتماء للوطن. من خلال مأساة هجرة الشبان المصريين إلي مواني الغرب. بحثاً عن فرص أفضل للحياة.
هذه المجموعة القصصية الرقيقة والممتعة بحق. تحمل قدراً كبيراً من دفء التجربة وحرارتها وشاعريتها.
وإذا كانت قيمة العمل الفني بالأثر الذي يخلفه في وجدان المتلقي. فإن قصص المجموعة تظل في ذاكرة القارئ بما تتسم به من لحظات إنسانية.
إنها تجيد الغوص في أعماق الشخصيات. وتجيد التقاط مفردات المشاعر والخلجات الإنسانية. وتحاول مجاوزة حدود الموطن والوطن. لتعبر عن المشاعر الإنسانية في تبايناتها.
ولعلي أذكرك بالقول: "الكتابة هي تفحص طويل لأعماق النفس. رحلة إلي أشد كهوف الوعي عتمة".
هامش:
تقول إيزابيل الليندي: ".. فكتابة الرواية أشبه بنسج سجادة معقدة من خيوط متعددة الألوان. حيث العمل يتم بالمقلوب. بصبر. غرزة بعد غرزة. مع الانتباه إلي التفاصيل حتي لا تبقي أي عقدة ظاهرة. وكل ذلك وفق تصميم غامض لا يمكن تقديره إلا في النهاية. عند وضع الخيط الأخير وقلب السجادة علي وجهها لرؤية الرسم مكتملاً. وبقليل من الحظ يحجب سحر العمل بمجمله. العيوب والنواقص. أما في القصة القصيرة فكل شئ مرئي. يجب ألا يكون هناك أي زيادة أو نقصان. فالمجال مضبوط تماماً. والوقت قليل".
........................................
المساء ـ في 13/2/2010م.

د. حسين علي محمد
20-02-2010, 04:56 PM
من المحرر:
فن بالمازورة !

بقلم: محمد جبريل

لم أصدق الإعلان حينما قرأته في قناة فضائية عربية: وزراء الشباب والرياضة العرب أعلنوا عن مسابقة للمبدعين الشباب في القصة القصيرة والرواية والقصيدة.. للاشتراك فيها شروط يكتب المتسابق في ضوئها أو في ظلها مايريد المشاركة به.
الشروط التي حددها السادة وزراء الشباب والرياضة لاشتراك المبدعين الشباب في مسابقتهم هي مبعث عدم تصديقي لها.
الابداع كما نعلم لايصدر بقرار. انه فعل فني. شرطه الوحيد استدعاء التجربة. وتأمل مفرداتها. وكتابتها بأقصي قدر من الحرية. للكاتب وللعمل الفني.
ويروي ان الادب الروسي الذي قدم تولستوي وتورجنيف وديستويفسكي وتشيخوف وبوشكين. فقد مكانته لما اقترح ستالين علي مبدعي الاتحاد السوفييتي ان يبدعوا اقتراحاته الثورية!
موضوعات الانشاء في المدارس التي نتعلم من خلالها اجادة التعبير. خطوة أولي مهمة لانطلاق القدرات الابداعية في قادم السنين. المدرس يقترح علي تلاميذه وصف يوم مطير. او جولة في حديقة. أو زيارة الي حديقة الحيوان الخ.. يجتهد التلميذ في الكتابة. في الموضوع الذي حدده المدرس.. لكن من غير المقبول ان تكون موضوعات الانشاء هي مسابقة عربية مهمة للشباب.
اطلاق صفة العيب هو اقل مايسم شروط هذه المسابقة.. من العيب ان اقيد الابداع بموضوعات محددة. مثل الدعوة الي منع التدخين. أو التكافل أو كيفية شغل وقت الفراغ. الي غير ذلك من القضايا التي قد يجعلها المدرس رؤوس موضوعات للانشاء. ويتقيد التلاميذ بمطلب استاذهم. باعتبار أن ماكتبوا هو جزء من واجباتهم المدرسية.
قد تصح المسابقة المشروطة في بحث اجتماعي. يلجأ فيه المتسابق الي المصادر والمراجع والاستبيانات والبحث الميداني. وينال الفائز جائزته بقدر عناء البحث والدراسة والمناقشة والتحليل.
مسابقة الابداع الادبي يفترض ان يكون المشاركون فيها من المبدعين الذين تحققت مواهبهم. فهم يسعون لتأكيدها من خلال الاشتراك في المسابقات الادبية. لكن قدراتهم الابداعية ترفض ان تؤطر في قضايا قد لاتمثل الحاحا علي رؤاهم وتصوراتهم الفنية. وهو ماتعكسه للاسف تلك الشروط التي حددها اعلان وزراء الشباب والرياضة العرب.
إذا كان العدول عن المسابقة بصورتها الحالية صعبا. بل هو غير مطلوب. فإن المتاح كي تستمر المسابقة ان ترفع تلك الشروط الغريبة. فيبدع الشباب وفق مواهبهم وقدراتهم. وفي القضايا التي تشغلهم كمبدعين. دون وصاية من أي نوع.
الابداع الحقيقي يرفض منطق المازورة. أي التفصيل حسب المقاس. وظني أن المبدعين الحقيقيين سيؤثرون الاحتفاظ بمواهبهم وكرامتهم الشخصية. فلا يشاركون في تلك المسابقات الانشائية!
.................................................. .
*المساء ـ في 20/2/2010م.

د. حسين علي محمد
27-02-2010, 05:28 PM
من المحرر


الإخوة الأعداء




بقلم: محمد جبريل


في أول الستينيات. قدم أستاذنا يحيي حقي مجموعة قصصية باسم "عيش وملح" لستة من أدباء الجيل. عبرت -في غالبيتها- عن مواهب حقيقية ومغايرة.
كانت الصداقة الإبداعية هي التي جمعت بين مبدعي الجماعة أما الصداقة الشخصية. فقد لاحظت أن بعض أفرادها كانوا يلتقون ليخوضوا معارك كلامية. تبدأ بالمعايرة وتنتهي بالشتم. وكنت أعجب لتلك الروح العدائية التي يلتقي في حلبة صراعاتها من اختاروا لمجموعتهم القصصية الأولي تسمية "عيش وملح"!
استعيد تلك الأيام البعيدة. أتذكر التعبير "تسخين الأذن" كلما نشأ الخصام بين مجموعة أصدقائي الجدد.
يهاتفني أحدهم. يتكلم. يعيد ويزيد. ينسب إلي صديقه -الذي صار عدوا - كل الأخطاء والخطايا. فمؤامراته لا تنتهي. وهو المسئول عن إفساد الحياة الثقافية!
يطول الوقت أنصت إلي ما يغلق الأبواب تماما بين الأصدقاء. لا يكتفي الصديق بأن يتركها مواربة. بل هو يخوض فيما يبتعد عنه أشد الأعداء خصومة. أحاول النصح: أنتم مبدعون. والناس تتابع كتاباتكم. والأجيال الطالعة تجد فيكم القدوة. يواصل كلامه. يتكلم ويتكلم حتي ينفد الصبر فألجأ إلي التعبير: سخنت أذني!
تكون أذني قد سخنت بالفعل. كلام كثير يصعب متابعته. بل ولا أحسن فهمه. يأتي الصوت منفعلا ومتحمسا: يجب أن تعرف حقيقة ذلك الذي تظنه صديقا!.
يكلمني أحدهم عن أول مؤتمر للرواية نظمه المجلس الأعلي للثقافة. والجهد الذي بذله صاحبه حتي تظفر أعماله بمناقشات المؤتمر. مقابلا لحجب أعمال محدثي. ويروي لي آخر ما يجري في الأركان الهامسة في مقهي الجريون: فلان يعاني ركنة الظل. لا بأس من بقعة ضوء.. فلان أخذ أكثر من حقه. ينبغي أن نعتم عليه.. وتصرفات أخري غريبة يصعب تصورها في عمل درامي!
اعتدت المكالمات المفاجئة. والعبارات التي تشكو. وتدين. وتلاحظ معايب علي طفولة "الصديق" ونشأته. والصراعات التي خاضها حتي تحققت له مكانة في قبيلة المبدعين!
أغلق السماعة بعد عناء. أتناسي الأمر حتي أنساه. وتطالعني الأيام بما تناسيته ونسيته يقفز الإخوة الأعداء فوق الأسوار أو يحطمون الأبواب التي أغلقوها جيدا ويعود كل شيء إلي ما كان عليه قبل العداء المطلق.
لأن المسألة بدت مثل الاسطوانة المشروخة صداقة مقحمة تشكو أصدقاء آخرين. ثم عودة كل شيء إلي ما كان عليه. قبل أن تنشأ العداوة الطارئة! ما ذنب الآخرين ليدخلوا بين البصلة وقشرتها؟!
يرفع من في البيت سماعة التليفون. يقولون: فلان. أعرف أن الصداقة العميقة. بل والشللية. غابت لسبب سأعرفه حالا.
وأتذكر التعبير الذي اختاره كازنتزاكس لواحدة من أجمل رواياته: الإخوة الأعداء!
...............................
*المساء ـ في 27/2/2010م

د. حسين علي محمد
07-03-2010, 10:08 PM
محمد جبريل والتغيير

قراءة فى "هل؟"



بقلم: أيمن حسن

حاولت أن أقرأ ( هل ؟ ) كمجموعة قصصية ، ففشلت ، عندئذ بدأت أجمع الخيوط من جديد فبدا ثوبا أشبه ما يكون بالتكوين الروائى الذى يعتمد على تطور فكرة معينة كخيط يربط وحدات العمل أو قصص العمل ، هذه الفكرة هى "التغيير". وفكرة التغيير تعتمد على وجود واقع يرفضه الكاتب ويرغب فى تغييره إلى واقع أفضل، وهنا أقول "التغيير" ولا أقول "الثورة"؛ لأن ما يبحث عنه الكاتب تغيير هادئ له اسمه وعوامله وأفكاره وليس ثورة سريعة تقلب الأوضاع من الظاهر.
من هذا المنطلق سأبدأ بعنوان العمل ( هل ؟) الذى ببساطة جعلنا نفكر معه فى الإجابة، وببساطة أكثر أشركنا فى مسؤولية الإجابة عن السؤال ، فصارت قضية التغيير ، قضيتنا ، بل أشرك الكاتب الأجيال القادمة لخطورة القضية ، فقال: "إلى الآتى"، وهذا يؤيد أننا بإزاء تغيير يتم على مراحل فكرية وزمنية، ولسنا بإزاء ثورة سريعة نقوم بها.
شرح لنا الكاتب هذا الواقع المرير فى قصته "التحقيق" حيث وضعنا أمام إنسان يؤخذ من حجرة نومه ويشترك المجتمع بطوائفه فى قتل الإنسان بداخله: يشترك فى الجريمة مسؤول الأمن "الضابط"، والباحث عن الحقيقة "وكيل النيابة"، ومسئول الأمن النفسى "الدكتور"، وأبسط الناس "العسكرى". هنا يفر الإنسان من واقعه المرير فى قصة "العودة"، لكنه فى خروجه من وطنه يفقد ذاته.
"اختار الوقوف على نقطة الصفر لينتهى الأمر على نحو ما. تساوت لديه البداية والنهاية وردود الأفعال مهما كانت قاسية" ( العودة ص 14 ، 15 ) وهنا يجب أن يعود ليجد ذاته:
"أنت !؟
ارتمى فى حضن أمه وأجهش بالبكاء" ( العودة ص 20 ).
وهذه العودة تؤكدها العبارة الأخيرة فى قصة "تسجيلات على هوامش الأحداث بعد رحيل الإمام":
" قالوا : دولة الإسلام هى المطمح ، فلماذا الهجرة ... والعودة – مرة ثانية – فاتحين؟ لماذا لا نوفر الجهد فتقوم دولة الإسلام فى بلد الدعوة، ليخرج منها المسلمون بعدها فاتحين؟" ( تسجيلات على هوامش الأحداث ص 60 ").
فى هذه القصة يصور الكاتب عالمين متناقضين، عالم ملئ بالشرور وعالم ينعم بالخير والسلام ، ولقد فشلت فكرة الإمامة فى القضاء على الشرور، وهى فكرة أن الحاكم هو الذى يغير واقع شعبه أو وطنه ويجب ألا ينسى أن التعليق كان بعد رحيل الإمام. إذن ما البديل؟ عند محمد جبريل أحس أن عامة الناس وأبسطهم هم الذين سيغيرون الواقع، ولكنهم محتاجون للمثقفين والمبصرين ليأخذوا بأيديهم، ومن هنا نصل إلى أخطر القضايا عند الكاتب وهى (قضية التواصل بين المثقف ومجتمعه)، والتى تشغل حيزا كبيرا من العمل.
هنا سنبدأ أولا بمناقشة دور المثقف عند محمد جبريل.
أكد محمد جبريل فشل وكذب دور المثقف فى التبشير والإتيان بحاكم وتقديمه كهدية للناس، أكد هذا فى "إمام آخر الزمان"، أما فى (هل؟) فقد طرح الدور الطبيعى للمثقف، وهو قيادة الناس والتواصل معهم ومحاولة تغييرهم من الداخل على مراحل زمنية وفكرية، والنتيجة الطبيعية هى قيام الناس بإعادة صياغة واقعهم بصورة أفضل.
فى قصة " المستحيل" يرى أن حتمية التواصل مع المجتمع سيفرض وجوده ومشاكله وقضاياه عليه .
"التف حول نفسه، وتضاءل، وانكمش، حاصرته الوحدة فبكى. أطلق صيحة فزع لما تهاوى الأثاث وراء النافذة ، وأطل المجهول فى الظلام – بنظرات ثابتة " ( المستحيل ص 95 ). فبطلنا حاول أن يعزل نفسه عن العالم خارج حجرته، لكنه كان يحاول أن يفعل المستحيل.
وبعد أن وصلنا إلى حتمية التواصل نناقش جزئية أخرى هى " أشكال ، التواصل " .
طرح محمد جبريل – كما أزعم – شكلين من أشكال التواصل هما "التسلل" إلى قلب المجتمع فى محاولة للسيطرة عليه ، وأكد الكاتب فشل مثل هذا النوع من التواصل ، فى قصته "حدث استثنائى فى أيام الأنفوشى " ها هو السمان تسلل إلى حياة الناس حتى لاحظوا أنهم لم يعودوا يتصرفون، بمثل ما اعتادوا وتنبهوا – وإن كان متأخرا – إلى ملايين الأعين والأنفاس القريبة، والمقاسمة فى المكان مهما كان شخصيا" (حدث استثنائى فى أيام الأنفوشى ص 71 ) رغم أنه فى البداية استفاد الناس من حياة السمان بصورة مؤكدة، النظام والهدوء وحب العمل والكسب والميل إلى عدم السهر" حدث استثنائى فى أيام الأنفوشى " ص71 .
وهذا الشكل من أشكال أو محاولات التواصل "التسلل" يصل إلى أن "السكوت عن المقاومة – رغم كل شيء – طريق إلى الجنون" حدث استثنائى فى أيام الأنفوشى ص71 . أما النوع الآخر من التواصل فهو "التواصل المباشر" النظيف الذى يبدى فيه المثقف الاهتمام بقضايا مجتمعه، ويشارك فى حلها كخطوة للتواصل مع الناس وإحداث التغيير فيهم وبهم . ويطرح الكاتب هذا النوع من التواصل فى قصة "القرار" فها هو الكاتب يقدم لنا فرحة الشعب بتواصل مثقفيه معه فى فرحة زوجة البواب على لسان البطل. تحدثت عن طبيب الطابق الأول الذى دفعت له – فى غيابه – قيمة إيصال النور ونجاح أطفال الطابق الثانى فى امتحان الفترة وعذوبة أدائى لأذان المغرب فى مسجد سيدى على تمراز وفتح الشرفة المطلة على ... "القرار " ص 88.
هذا هو شكل التواصل الذى يبحث عنه الكاتب، شكل ينبع من المشاركة الإيجابية فى مفردات الحياة اليومية البسيطة، بعيدا عن أشكال التعقيد الفلسفى أو الخداع، أو التسلل ، وهذا الشكل التواصل يؤدى إلى "قمت من فراشى وفتحت النافذة" (القرار ص 89 ) ويكون ندا له "قررت أن أحيا" (القرار ص 89 ). والقرار فى القصة هو – كما أزعم – قرار الزواج، وهنا يكون الزواج رمزا للتواصل الشرعى المباشر مع المجتمع .


***************
حتى الأذان ننسى أننا بصدد قضية " التغيير " التى تفرع منها موضوع التواصل مع المجتمع ، لكن على الجانب الآخر سنقف وقفة قصيرة مع أحد – وأهم – عوامل التواصل ألا وهو " اللغة " ، ولا أقصد هنا لغة الكاتب القصصية ، بل أقصد اللغة بمعناها الشامل ، أو لغة التعامل الحياتية .
من البديهيات أن وظيفة اللغة الأساسية هى التعامل مع الناس ، أى أن اللغة عامل من عوامل التواصل ، لكن عند محمد جبريل أخذت اللغة شكل العائق أمام التواصل.
هنا نلمح أحد مساوئ حياتنا " زيف الكلمات " . دعونا نستدل عل هذه النقطة من بعض القصص ، فى قصة " العودة" على لسان البطل : " ـ وتلك الكلمات الغريبة التى لا أستطيع فهمها ؟
- لا يتحدث عنها سواك
- أنت تتحدث بها أحيانا
- وهم ( العودة ص 9 )
أين يكمن " الوهم " حقيقة ، هل فى نفس وعقل بطلتها أم فى نفس وعقل محدثه أم فى اللغة ذاتها ؟
لكن فى أى من الحالات نصل إلى نفس النتيجة وهى الانفصال لا التواصل .
وأيضا فى قصة " تكوينات رمادية " يقول البطل " إذا نسيت اللغة ، نسيت كل ما أعرفه من أسرار .. وهذا ما لن أمنحه لهم ؟ .." تكوينات رمادية ص 25.
هنا تأخذ اللغة عند الكاتب بعداً أعمق من مجرد التعامل العادى ، إنها طريق التواصل الداخلى ، وليس مجرد تبادل كلمات وأحاديث ، لكن بطل قصة " تكوينات رمادية " قتله الكم الهائل الذى يعرفه من أسرار اللغة ، فلم يتواصل به بل تقاعد وحجب نفسه عن المجتمع ، بمعنى آخر قتله وهم الحفاظ على كنز لا يزيد إلا بالتبادل والتعامل .
والآن بعد أن ناوشنا موضوع التواصل بين المثقف ومجتمعه عند الكاتب ، يسير خطوة أخرى على طريق التغيير الذى هو محور كلامنا ، هذه الخطوة تتم فى قصة " الأستاذ يعود إلى المدينة " فالأستاذ قد استطاع التواصل مع مجتمعه ، لكن القصة لا تقف عند هذا الحد بل تنقلنا لشيء آخر هو " البديل " لفكرة ( الأمانة ) الفاشلة فى تغيير صورة الواقع السيئ ، وهذا البديل هو عشق الأبناء للأرض فى عملية التغيير ويقوم بها ، إن لم نستطيع نحن ، فالأرض " سلسبيل " يعشقها الأبناء المخلصون " عمال البناء " ويتم اللقاء لتكون الثمرة جيل قادم ، هنا بالضبط نفهم كلمة محمد جبريل فى صدر العمل " إلى الآتى " .
والآن سأخاطر بتناول قصة "الطوفان" كوحدة من وحدات التكوين فى ( هل ؟) ولكن ما وجه المخاطرة؟
أقول إن القصة "الطوفان" لها طابع الثورة، وهو البديل السريع الفظ غير العاقل للتغيير الهادئ القوى العميق ورغم ذلك أحس أن جوهر القصة عنصر آخر لا ينبغى أن يفوتنا، يبدو هذا العنصر فى هذه العبارة "وفى تلك الأيام التى بدا فيها المخلوق جزءا ثابتا من حركة الحياة حوله، انتفض ..." الطوفان ص 78.
فى هذه الجملة يرسل الكاتب إنذاراً بأنه لا استهانة بالشعب، مهما بدا "ثابتا وجامداً".
............................


مجلة «الرافعى» ـ العدد الثامن ـ 1988م

د. حسين علي محمد
13-03-2010, 02:09 PM
من المحرر:
حسن الروس!

بقلم: محمد جبريل

شخصية حسن الروس في رائعة نجيب محفوظ "بداية ونهاية" تهبنا مثلا للخفة والشطارة والفتونة والبلطجة في آن. وهو ما أجد تماهيا له في شخصيات نعرفها في مجالات الحياة. هؤلاء الذين يتوهمون في أنفسهم قدرات لا يملكونها. ويحاولون فرضها بالإملاء والغصب. أذكر العديد من المقالات التي كتبتها عن حسن الروس في حياتنا الأدبية.
الروس كما تعلم هو الشخصية الشهيرة التي قرنت الغناء بالفتونة. ونالت بأذاها كل من يهتف بعدم الاعجاب!
المبدعون من نوعية حسن الروس اضافوا إلي أنفسهم نقادا علي شاكلتهم. يقرظون ما يكتبون حتي من قبل أن ينشر. وربما من قبل أن يبدأوا كتابته.
لا أبالغ. فقد نشرت مجلة أسبوعية علي سبيل المثال تحقيقا عن أهم الأعمال التي صدرت في سنة ما. ولأن مبدعي ناقد الشلة لم يكونوا قد كتبوا شيئا. فقد كتب أن مبدعيه لم يؤلفوا شيئا خلال السنة. ولم يشر إلي ما صدر للآخرين بالفعل. باعتبار أنهم ليسوا من قبيلة حسن الروس.
سألت الناقد الكبير الدكتور الطاهر مكي: أين متابعاتك للإصدارات الجديدة؟. قال ببساطة: دلني علي مساحة تخلو من سيطرتهم لم يحدد من هم! وأنا أكتب ما أراه موضوعيا.
تصدي صديقي الناقد الراحل سيد النساج لمهمة إعادة رسم الخارطة الإبداعية. لصياغتها علي النحو الصحيح. وكتب عدة مقالات في "الهلال". أثاروا بها الدنيا دنياهم! عليه. فلم تقعد.
كتب نقادهم يتهمون الرجل في علمه وشخصه. لم يتركوا نقيصة دون أن يحاولوا إلصاقها به. وبلغ الأمر حد ايقاظ النساج من نومه في ساعات الليل المتقدم. ليوجهوا إليه وصائل ردح من النوع الثقيل. لمجرد أن الرجل رحمه الله حاول تصويب الخطأ.
لكن النساج واصل ما بدأ. مقتنعا بفجاجة بضاعتهم. ومقتنعا في الوقت نفسه بقيمة ما يحاولون التعتيم عليه. حتي أوقف المرض. فالموت. مشروعه الذي لو أنه اكتمل فإنه كان سيبدل في الصورة ملامح كثيرة!
النقاد الملاكي أخطر من مبدعي قبيلة الروس. إنهم يروجون بضاعة يدركون فسادها. لكن ما يشغلهم هو المصلحة والفائدة الشخصية والتبادل المنفعي.
الإبداع الحقيقي فكرة جميلة ينبغي ألا تجاوز اطارها. الابداع الذي يكتبون عنه. ويقرظونه لا نقد في المسألة ولا يحزنون! هو إبداع القبيلة بصرف النظر عن التشوه الذي يلحقه النقد الملاكي بإبداعنا المصري بعامة.
أذكر رسالة الصديق الناقد التونسي الدكتور محمد بدوي يسألني. هيئاتكم الرسمية تتبني كتب الاصدقاء وأفراد الشلة. متي يصلنا إبداعكم الحقيقي؟
.............................................
*المساء ـ في 13/3/2010م.

د. حسين علي محمد
20-03-2010, 07:36 PM
من المحرر:
الدين .. والشخصية المصرية

بقلم: محمد جبريل

الثابت - تاريخياً - أن الشعور القومي لمصر أي الشعور بالانتماء الوثيق إلي هذا الوطن ذي المقومات المعروفة المحددة بكل أبعاد هذا الانتماء ظل ممتزجاً امتزاجاً قوياً بالشعور الديني أي بالانتماء إلي دار الإسلام الواسعة بكل ما يفرضه هذا الانتماء من التزامات وهو انتماء بمعني المواطنة دون أن يفرق بين مسلم وقبطي عاني المصريون حكم العثمانيين علي امتداد أربعة قرون ولم يخرجوا عليهم بثورات جماعية لا لتقاعس ولا لغياب إرادة المقاومة وإنما لأن مصر كانت جزءاً من الدولة العثمانية وفي المقابل فقد تلاحقت ثورات المصريين - لاعتبارات معلنة! - ضد الاحتلال الفرنسي ثم الاحتلال الانجليزي.
أنت تجد الدين في كل مكان في الأذان الذي يصلك - في مواعيد الصلوات الخمس - في أي مكان تصادف وجودك فيه مدينة أو قرية أو حتي الصحراء في الآيات القرآنية والتعبيرات المأخوذة من الكتاب المقدس والدعوات الملصقة في وسائل المواصلات بدءاً بالسيارة الملاكي وانتهاء بالعربة الكارو في المصحف الذي يتصدر واجهات المحال والمكاتب والسيارات الأمر نفسه بالنسبة لصور العذراء وفي بدء الحديث أو الكتابة أو المشوار باسم الله الرحمن الرحيم.
ولجوء الإنسان المصري إلي الله بالقسم وبالدعاء وبالاتكال علي الله والإيمان بالغيب وبالأمل في حل ما يطرأ علي حياته من مشكلات.. هذا اللجوء يعكس عجز الإنسان المصري عن مواجهة ما لا قبل له بمواجهته فهو يرجع إلي الله كل تلك المشكلات هو العليم الخبير ومالك القدرة علي تحقيق النصفة.
واللافت أن الكثير من الأمثال ذات مصدر ديني مثل: اسع يا عبد وأنا أسعي معاك ملك منظمة سيدة اللي يجيبه ربنا كويس. كلنا ولاد آدم وحوا. الخيرة فيما اختاره الله. دع الملك للمالك. ربنا بيرزق الدودة في الحجر. ربنا خلق الدنيا في سبع تيام. ربنا عرفوه بالعقل. ربنا يطعمه خيرهم ويكفيه شرهم. شفاعة النبي تبلع الذنوب. الشكوي لغير الله مذلة. شربة الميه للعطشان تتحسب بقيراط في الجنة. الشيطان شاطر. عين المؤمن تشرف قبة السلطان.
مع ذلك فإن السماحة في مقدمة السمات الأصلية التي تميز الشخصية المصرية وهي سمة حضارية تستمد مقوماتها من الديانات التي اعتنقها الشعب المصري في امتداد تاريخه وأذكر أنه كان من بين جيراننا في شارع إسماعيل صبري بحي بحري بالاسكندرية: أسر قبطية. وأسرة يهودية وكان الصغار يلعبون في الشارع الخلفي أمام جامع سيدي علي تمراز. لا تشغلنا ديانة أي منا وإن كان المسلمون يترددون علي الجامع لأداء الصلاة أو لاستخدام دورة المياه أحياناً أما الأقباط فكانوا يتحدثون إلينا عن زيارات القساوسة إلي بيوتهم والصلاة التي تقيمها الكنيسة المرقسية صباح كل أحد.
يتصل بظاهرة الاستغراق الديني ظاهرة أخري مناقضة هي ظاهرة الانفصام الديني التي تعد في مقدمة سلبيات الشخصية بذلك الانفصام ما تنسحب عليه التسمية في أمور حياتنا نحن نرفع الشعارات ونمارس نقيضها نتحدث عن النظام ونتصرف في فوضي وعن العدالة ونمارس التفرقة وعن رفض الفساد والشللية والمحسوبيات ونغض الطرف عن ذلك كله ربما مسايرة لمقولة جحا الشهيرة عن العيب الذي لا يشغله مادام بعيداً عن بيته!
من المهم أن نمارس ما نؤمن به. ما نعلنه. وندعو الأخرين إلي ضرورة تطبيقه.
..................................
*المساء ـ في 20/3/2010م.

د. حسين علي محمد
27-03-2010, 09:10 PM
من المحرر

بقلم: محمد جبريل

إذا أتيح لك السفر خارج البلاد. أو حتي اكتفيت بالتعرف إلي مدن العالم المتمدين علي شاشة التليفزيون. فلا بد أنك شاهدت أكشاك الصحف. أو باعة الصحف الذين يفترشون جوانب الأرصفة. في مظهر يري المسئولون في المدينة أنه يضيف إلي مظهرها الحضاري. وهو ما يؤمن بنقيضه السادة مسئولو الإدارة المحلية في القاهرة.
كل الشواهد والتصرفات المعلنة تشي باعتبار باعة الصحف مظهراً سلبياً يسئ إلي جمال العاصمة. دعك من كومات الزبالة التي تحصل المحافظة من كل شقة علي ثمانية جنيهات شهرياً للإبقاء عليها في الشوارع. ربما ليجد المواطنون فيها مغايرة لما كان عليه الحال في السابق. حين كان الزبال يأخذ الزبالة من أمام كل بيت. مقابل أجر أقل بكثير من إتاوة المحافظة.
المهم أن نظرة مسئولي محافظة القاهرة. وعلي رأسها رجل له قيمته الثقافية - يصرون علي اعتبار الصحف - حتي لو خصص لها باعتها استندات لصق الجدران. أو داخل مواقف المواصلات العامة. أو أي مكان - تشويها لعاصمة بلادنا التي تغرق في شبر ميه إن هطلت الأمطار. ويختفي الكثير من شوارعها - في كل الأوقات - تحت كومات الزبالة.
أذكر بمكتبة مدبولي التي كان يتردد عليها كبار المثقفين العرب. ويجدون فيها تكويناً مهماً في المشهد القاهري. لكن سادة الحكم المحلي وجدوا فيها خطراً يجب إزالته. وتلا ذلك إزالات لمواقع أخري كثيرة. كأنما يتصرف السادة الموظفون بدافع خصومة غير مبررة بينهم وبين الصحف.
أحدث الإحصاءات أن أكثر من 60% من أماكن بيع الصحف تمت إزالتها من ميادين وشوارع العاصمة صارت الإزالة هدفاً في ذاته.
نقابة الصحفيين الموقرة تعد قانوناً جديداً. يشهد خلافاً بين أعضاء مجلس النقابة عن جدواه. وفي تقديري أن القضية الأشد إلحاحاً هي سوق الصحف التي تقلصت - بصورة غريبة ومريبة - بواسطة بعض القيادات المحلية. وبعد أن كان الباحث عن صحيفة يجدها في أقرب ناصية أو ميدان. فإن عليه أن يقطع مشواراً ليصل إلي بائع صحف لم يفطن إليه بعد سادة المحافظة.
من حق المحافظة أن تضع الاشتراطات التي تحفظ للقاهرة مظهرها الجمالي. لكن الإلغاء تحت أي مسمي. تصرف غير مبرر ولا مقبول.
ما حدث ويحدث في سوق قراءة الصحف والدوريات يحتاج إلي تدخل عاجل من نقابة الصحفيين. ولو للدفاع عن مورد رزق أعضائها. فضلاً عن ضرورة التدخل من قيادات مسئولة تجد في أماكن بيع الصحف ظاهرة طيبة. بل إن التدخل مطلوب من الصديق سمير غريب. الصحفي وصاحب المقال الأسبوعي عن المظهر الحضاري للعاصمة. فلا يظل صامتاً عن هذه الجريمة التي تعادل التجريف والتبوير. ثم يأتي يوم يسأل فيه الصحفي نفسه: كيف يعرض بضاعته؟ ويسأل القارئ: أين يجد الصحف؟
...........................................
*المساء ـ في 27/3/2010م.

د. حسين علي محمد
01-04-2010, 01:05 AM
رؤية في عالم جبريل القصصي




بقلم: حسني سيد لبيب

تتجه معظم كتابات محمد جبريل القصصية والروائية إلى البحر. ونستطيع القول إنه يغمس ريشته في مداد البحر الصاخب، كما يمكننا القول إن جماليات القصة القصيرة عنده تتطلع إلى البحر في مده وجزره. وعلى سبيل المثال يمكننا القول إن قصة "أفق البحر" (*) . تمثل القصة النموذج التي يتجه فيها إلى الوصف، وصف المكان، والارتداد إلى الماضي القديم. ومن جمالياتها أيضا حديثه إلى القارئ عن صمت البنايات، وواجهة المدينة، وارتفاع طوابق العمائر، بحيث يسد على البحر أفقه المترامي الواسع. وفي القصة رغبة حارة في دخول المدينة من أي طرف من أطرافها، من أي زاوية من زواياها، وراوي القصة، وهو يتطلع إلى دخول المدينة، يلحظ تغيرها عن ماضيها، ويقف عند البوابة من يحول بينه وبين دخولها. حيث يمنعه هذا الشرطي ـ أيا كانت صفته ـ ما لم يكن معه تصريح أو إذن بالدخول. هنا المدينة أسيرة، محاصرة، وساكنوها أسرى المكان المغلق. تلعب المحاورة والمداورة بعدا جماليا آخر، يساعده في ذلك أسلوب متميز هادئ، أسلوب كاتب يتقن أداته الفنية ويتميز بالأناة والدربة. كما يمكننا القول ـ إن الكاتب ـ ربما ـ يقصد اغتيال مدينة تحت الحصار. أيا كانت التفسيرات، فإن القصة تتحمل شتى الوجوه، وهذا سر روعتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة "أفق البحر لمحمد جبريل" ـ جريدة الأهرام 26 مارس 2010م

د. حسين علي محمد
07-04-2010, 11:31 AM
الـنوفيلا وشرعة الإبداع
"زوينة" لمحمد جبريل /نموذجا/

بقلم: د.فاروق إبراهيم مغربي

إذا كانت كلمة "نوفيلا" في التوراة تعني المرأة المتعفّنة، فإنها في الأدب تحمل معنى مغايرا تماما... إنها الرواية متوسطة الطول؛ أو بمعنى آخر: أطول من قصة، وأقصر من رواية، أو هي بلغة محترفي الكتابة قصة يتراوح طولها بين 15000 ـ 50000 كلمة. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل الحجم وحده هو العامل الحاسم في تحديد ماهيتها؟ بالطبع ليست مسألة الحجم عاملا في تحديد ماهية الرواية متوسطة الطول هذه ؛ لأن هذا النوع من القصة الروائية ـ إن جازت لنا التسمية ـ يتنكر بأقنعة عديدة؛ فهي من حيث انتماؤها إلى عالم القصة تعت