وائل وجدي
01-07-2005, 01:45 AM
يلاحظ ، أن كل عمل إبداعي جديد ؛ للروائي الكبير محمد جبريل ؛ تنبجس في ثناياه آفاق جديدة - للسرد العربي - مصاغة بريشة الفنان المبدع .
وهاهو ذا ؛ تصدر له رواية – جديدة - : غواية الإسكندر ؛ في سلسلة روايات الهلال. و هي من أحدث إبداعاته الروائية .
يبحر بنا - الراوي - في أوراق التاريخ ، ومنقباً في ربوع الإسكندرية؛ باحثاً عن قبر الإسكندر ؛ للإطلاع على الوثيقة ؛ التي تتضمن الطلسم الذي ينقذ الإسكندرية من الغرق وابتلاع البحر لها.. ينطلق في رحاب المدينة – الأثيرة - في قلبه ؛ بجميع أحيائها وشوارعها ، ومعالمها..
يأخذنا " وليد صبحي " أستاذ مساعد التاريخ القديم بكلية الآداب جامعة الإسكندرية في رحلته الدءوبة في البحث عن قبر الإسكندر ، واستغراقه – في هذا الهدف – بكل خلاياه.لا يبرح التفكير في اكتشاف مرماه في وثائق التاريخ أو مفاجئة إحدى التنقيبات ؛ لتكشف عن مكمن السر ؛ ليطمئن على مستقبل بلده المحبوب الإسكندرية:
" .. مستقبل الإسكندرية هو الذي يهمني.......أريد الطلسم الذي يحمي الإسكندرية من الغرق "
يبرع الكاتب في استخدام شعرية المكان :" يمكن اللجوء إلى المكان لاستصدار الشعرية ، بوصفه مكوناً أساسياً من مواد جامدة محايدة ، شعورياً ، ومحايدة جمالياً ، إذا لم يتدخل الوعي والذائقة التي تعد بدورها أحد إفرازات الوعي لاستشعار الجمال ، أو تدخل العمل البشري على تحسين المكان وتجميله ..."
" .. لم يعد نزولي إلى الطريق للذهاب إلى مكتبي وحده ، ولا إلى مواقع التنقيبات . أحرص ، فأتغيب عن البيت . أمضي الوقت في تأمل الأماكن ، والسير بلا هدف . تتفرع أمامي الميادين والشوارع تختلط المعالم والرؤى والتوقعات . أصعد إلى الدور الثاني من ترام الرمل . أجلس في المقعد الأمامي تبين الشوارع باتساعها . البيوت والدكاكين والمقاهي وقضبان الترام في استقامتها وانحناءاتها . على جانبيها الخضرة ونبات عباد الشمس بصفرته الوهاجة . أستقل ترام الخط الدائري ، والأتوبيس من بدايته في ميدان المنشية إلى نهاية الخط ، وأعود . لا يشغلني المسار الذي يمضي فيه ، ولا المحطة النهائية . أظل في جلساتي حتى يعود إلى بداية الخط . أمضي في الشوارع الضيقة ، المنحدرة ، ناحية البحر .
أمشى على شاطيء الكورنيش متأملاً نصف الدائرة من قلعة قايتباي إلى مباني السلسلة وحاجز الأمواج في الأفق القريب ، والمراكب المتناثرة . الشرفات الحجرية ، تعلوها المقرنصات ، وتحتها دعامات التماثيل الرخامية.... أحصي الشواطيء من الشاطبي إلى كامب شيراز ، الإبراهمية ، سبورتنج ، كليوباترة ، رشدي ، ستانلي ، سان ستيفانو ........."
".. الإسكندر لم يخلف قبراً أقرأ نقوشه ، ولا أقارب أستعين بهم في معرفة الغامض من تفصيلات حياته . أقاربه هم قواده وجنوده . قتلوا أو ماتوا ، أو عادوا إلى بلادهم . حتى أسماء قادة جيشه غابت ، كأنه هو وحده جيشه ، يقوده ، ويقاتل به . الأوراق مصدري الوحيد . كتابات المؤرخين وعلماء الآثار والمكتشفات الأثرية إن وصلت إليها التنقيبات .أمضيت أوقاتاً في المتاحف والمكتبات العامة ودهاليز السجلات ، وتقليب الوثائق ، وتصويرها ...."
" أمضى في مدينته الجديدة ، الإسكندرية ، ستة أشهر ، ثم مضى إلى الشرق ليكمل غزواته . وصل إلى الهند ، ثم أصيب بالحمى ، ومات في عام 323 قبل الميلاد ، ولم يكن قد جاوز الثانية والثلاثين ..
حمله رجاله ، وعادوا به ، وبعث بطليموس الأول المقدوني رجاله . استولوا – عند بابل – على الموكب الجنائزي ، وحملوه إلى الإسكندرية .
بين عامي 323 ق. م ، و280 ق.م ، تحللت إمبراطورية الإسكندر . حلت محلها مجموعة من الدول الجديدة.."
" .. القبر الذي أبحث عنه – في وصف المؤرخين – تقضي إليه درجات من الطوب . في أسفلها فناء مربع الشكل ، ثم طرقة طويلة ، تنتهي إلى الضريح ، تحت سطح الأرض ...
أنت مثل يوليوس قيصر . ما شغله يشغلني ، وما أهمله لا أسعى إليه . لم يلتفت إلى ثراء المقبرة الذي يقضي إلى قبر الإسكندر ؛ ربما للبحث عن الطلسم الذي يحمي المدينة من الغرق..
هذا ما يشغلني .."
ويبث الراوي في البناء السردي المعلومات التاريخية – بحذق – تجعلنا لا نشعر بالملالة؛ رغم زخمها؛ وتعطينا لوحة عامرة بالتكوينات والظلال عن شخصية الإسكندر :
" من قراءاتي :
قيل للإسكندر :
- ما سرور الدنيا ؟
قال :
- الرضا بما رزقت منها ..
قيل:
- فما غمها ؟
قال :
- الحرص عليها ! "
" .. سأل أرسطو تلاميذه – يوماً - : كيف سيعاملون أساتذتهم عندما يحصل كل منهم على ما يتطلع إليه من مجد وسلطان ؟
قال أحد التلاميذ :
- سألزم الجميع بإعلان مظاهر الحفاوة والتكريم نحوك ، وسيكون عشاؤك دوماً على مائدتي ..
قال تلميذ آخر :
- ستكون مستشاري الأكبر..
تساءل الإسكندر :
- كيف تهب نفسك الحق في إلقاء هذا السؤال ؟ وأني لي أن أستكشف ماذا يخفي المستقبل ؟ .. يجب أن تنتظر وترى ..
أعجب أرسطو بما قاله الإسكندر ، قال :
- أثق أنك ستكون – ذات يوم – ملكاً عظيماً .."
" هل كان للإسكندر هوايات شخصية ؟ هل كان يحب النساء ؟ هل أقام بعلاقات جنسية ؟..
لم تكن الشهوة الجنسية تشغل الإسكندر . ما كان يشغله طموحاته في التوسع
تزوج ابنة عدوه داريوس......
إجماع الروايات التاريخية أن الإسكندر أفاد من ليونيداس في اكتساب الخشونة ، والبنية القوية ، المفتولة العضلات . لكن بشرته البيضاء ، الناعمة ، وقسمات وجهه المنمنمة التقاطيع ، وميله العفوي برأسه على أحد كتفيه ، وإرسال نظرات الدعة الفاترة إلى محدثه . كان فيليب شاذاً ، ومارس العلاقات الشاذة في حياته ، لكنه حرص – مثل الغانية التي تمنع ابنتها من ممارسة مهنتها – على أن يظل الإسكندر صحيح البدن والصحة النفسية..
أراده رجلاً كاملاً الرجولة .."
الشخصيات الرئيسية في الرواية محدودة ؛ ولكنها مرسومة – ببراعة – تحدد الأبعاد والقسمات ؛ الدالة عنها. ويلفت النظر شخصية ؛ زوجة الراوي – نجلاء – وتصاعد فتور العلاقة بينهما ؛ وانهيارها :
" – هذا الخاتم له فص بلون عينيك..
- لونه أزرق ولون عيني عسلي ..
فاجأتني الملاحظة .بينت أني لم أكن أعرف لون عينيها..
هذا ما أتوقعه . تنتقص مني كل ما أقدمه لها . أو أعرضه عليها..
قالت وهي توميء بذقنها :
- عقدة الكرافتة صغيرة جداً ..
- هذا آخر ما استطعت ..
وفردت صدري :
- حاولي !
رفعت كتفيها ، ومضت .."
" .. هذه المرأة لا شأن لها بدراساتي ولا أبحاثي . ولا تنقيباتي ، ولا بالإسكندر . مشاعري لا تعني شيئاً في نظرها . ما يهمها أن تحب اللحظة غير موصولة بما سبق . وما لحق . ترتدي الثياب الجميلة في الخروج ، وتنزعها عند النوم . تصر على أن تأخذ حقوقها كزوجة ، فلا أجد في عناقها إلا برودة الثلج .. "
" لفني اليأس من محاولة البحث عن ثقب في الجدار الذي يفصل بيننا . بدا عالياً ، ومصمتاً ، ولا يأذن بالتواصل . يحيا كل منا في عالم منفصل ، وإن أقمنا تحت سقف شقة واحدة . حتى لو تبادلنا كلمات ، فلأننا ينبغي ألا نظل صامتين .
لم أعد أضغط على الجرس في عودتي إلى البيت . أدس المفتاح في ثقب الباب ، وادخل بهدوء . تسبقني النظرة المتطلعة إلى داخل الشقة ..."
وقد برع الكاتب في البناء السردي ؛ واتكاءه على تقنية تيار الوعي" الانسياب المتواصل للفكر والإحساس في العقل البشري"
والمونولوج الداخلي :".. نتعرف على الشخصيات الأساسية فيها لا عن طريق ما نسمع عنهم ، بل بالمشاركة في أفكارهم الأشد خصوصية ، والتي تقدم لنا بوصفها تيارات للوعي تلقائية وموصولة لا تنقطع ، والأمر بالنسبة للقاريء يكون كما لو أنه وضع على أذنيه سماعات موصولة بذهن الشخصية ، وهي ترصد تسجيلاً لا نهاية له لانطباعاتها وتأملاتها وتساؤلاتها وذكرياتها وتهويماتها ، إذ يثيرها إحساسات مادية أو عن طريق تداعي الأفكار...."
ويوفق الكاتب في السرد الداخلي المتعاطف : " وفيه يبلغ التصاق الكاتب مع بيئته حده الأقصى ، فيأتي التناول على درجة كبيرة من الحميمية والحرارة.. "
" ..الإسكندرية مدينة واسعة ..
أترك لقدمي خطواتهما ، تسيران دون اتجاه ، وبلا خريطة . أربط بين ما أراه ، وما أسعى إليه . أمضي من شارع إلى شارع . ربما فضلت الشوارع الجانبية ، لا للبحث عن الحركة الهادئة . أملك البقاء في البيت ، أو في المكتب ، فلا نزل إلى الطريق ، أو أعاني الزحام . الطريق الهادئة فرصة للتأمل ، وربط المشاهد القديمة بما يطالعني للمرة الأولى . إذا ضللت الطريق سألت ماراً ، أو بائعاً ، أو مطلة من نافذة . أواصل السير . في بالي أن الطريق – في أي موضع – تفضي إلى البحر..
أحب السير على قدمي . لا أركب الأوتوبيس أو التاكسي إلا لمشاوير العمل البعيدة ، تبطيء خطواتي . أتأمل ، أسأل ، أناقش ، أراقب الحركة والسكون ..."
تتميز الرواية بلغة سردية ؛ تتحلى بالعفوية ،والتكثيف .. يختار الكاتب المفردة اللغوية ؛ بعناية بالغة.
وينهي الفنان – المبدع – روايته ؛ بهذه الفقرة الدالة والموحية : " .. شغلتني الوسيلة التي أنقد بها قبر الإسكندر – والوثيقة داخله – من التدمير الذي يتهدده .
اختزلت الزمان والمكان في هذه اللحظة ، في هذه القطعة من الأرض . هوت يداى بالفأس . علت وهوت . لم آبه بالغبار الكثيف ، علا ، فغطى وجهي . عرفت الضربات طريقها إلى الحفرة . أتوقع القبر ، الكنز ، الطلسم ، المعجزة .
اتسعت الحفرة وامتدت وعمقت . أضرب بكل ما تسعفني قوتي ، قوة غريبة لم أشعر بها من قبل ، تصاعدت في داخلي . ركبني الإصرار والجن والعفاريت . لا ألتفت إلى العين التي فاجأها تصرفي ، فاكتفت بالفرجة . كأنهم يتابعون ما لا شأن لهم به . واصلت الضرب بالفأس . أتوقع ، أثق ، أن السر سيبوح بما يخفيه. تنبهت إلى دائرة السحن الغريبة . اختلطت الأعين والأنوف والأفواه . ساحت الملامح ، فلم أتبين من أحاطوا بي . لم أعرف من هم ، ولا من أين قدموا ، ولا ماذا يريدون ، وهل يعيبون تصرفي ، أو يوافقون عليه ؟
تشابكت الملاحظات والصيحات والنداءات المشفقة ، لم أجد فيها معنى محدداً ، وإن مثلت دافعاً – لا أدري لماذا ، ولا كيف – لكي أواصل الحفر ..
تملصت من الأيدي التي حاولت تقييدي . أحدث الفأس ما يشبه الرنين .. هل ؟..
رافق الضربات المتلاحقة هتاف في داخلي يعلن الميلاد ، والبشارة ."
الهوامش :
1- محمد جبريل - غواية الإسكندر - روايات الهلال - يناير 2005 - القاهرة
2- د. صلاح صالح - سرديات الرواية العربية المعاصرة - المجلس الأعلى للثقافة – 2003
3– ديفيد لودج – الفن الروائي – المشروع القومي للترجمة – المجلس الأعلى للثقافة - 2002
وهاهو ذا ؛ تصدر له رواية – جديدة - : غواية الإسكندر ؛ في سلسلة روايات الهلال. و هي من أحدث إبداعاته الروائية .
يبحر بنا - الراوي - في أوراق التاريخ ، ومنقباً في ربوع الإسكندرية؛ باحثاً عن قبر الإسكندر ؛ للإطلاع على الوثيقة ؛ التي تتضمن الطلسم الذي ينقذ الإسكندرية من الغرق وابتلاع البحر لها.. ينطلق في رحاب المدينة – الأثيرة - في قلبه ؛ بجميع أحيائها وشوارعها ، ومعالمها..
يأخذنا " وليد صبحي " أستاذ مساعد التاريخ القديم بكلية الآداب جامعة الإسكندرية في رحلته الدءوبة في البحث عن قبر الإسكندر ، واستغراقه – في هذا الهدف – بكل خلاياه.لا يبرح التفكير في اكتشاف مرماه في وثائق التاريخ أو مفاجئة إحدى التنقيبات ؛ لتكشف عن مكمن السر ؛ ليطمئن على مستقبل بلده المحبوب الإسكندرية:
" .. مستقبل الإسكندرية هو الذي يهمني.......أريد الطلسم الذي يحمي الإسكندرية من الغرق "
يبرع الكاتب في استخدام شعرية المكان :" يمكن اللجوء إلى المكان لاستصدار الشعرية ، بوصفه مكوناً أساسياً من مواد جامدة محايدة ، شعورياً ، ومحايدة جمالياً ، إذا لم يتدخل الوعي والذائقة التي تعد بدورها أحد إفرازات الوعي لاستشعار الجمال ، أو تدخل العمل البشري على تحسين المكان وتجميله ..."
" .. لم يعد نزولي إلى الطريق للذهاب إلى مكتبي وحده ، ولا إلى مواقع التنقيبات . أحرص ، فأتغيب عن البيت . أمضي الوقت في تأمل الأماكن ، والسير بلا هدف . تتفرع أمامي الميادين والشوارع تختلط المعالم والرؤى والتوقعات . أصعد إلى الدور الثاني من ترام الرمل . أجلس في المقعد الأمامي تبين الشوارع باتساعها . البيوت والدكاكين والمقاهي وقضبان الترام في استقامتها وانحناءاتها . على جانبيها الخضرة ونبات عباد الشمس بصفرته الوهاجة . أستقل ترام الخط الدائري ، والأتوبيس من بدايته في ميدان المنشية إلى نهاية الخط ، وأعود . لا يشغلني المسار الذي يمضي فيه ، ولا المحطة النهائية . أظل في جلساتي حتى يعود إلى بداية الخط . أمضي في الشوارع الضيقة ، المنحدرة ، ناحية البحر .
أمشى على شاطيء الكورنيش متأملاً نصف الدائرة من قلعة قايتباي إلى مباني السلسلة وحاجز الأمواج في الأفق القريب ، والمراكب المتناثرة . الشرفات الحجرية ، تعلوها المقرنصات ، وتحتها دعامات التماثيل الرخامية.... أحصي الشواطيء من الشاطبي إلى كامب شيراز ، الإبراهمية ، سبورتنج ، كليوباترة ، رشدي ، ستانلي ، سان ستيفانو ........."
".. الإسكندر لم يخلف قبراً أقرأ نقوشه ، ولا أقارب أستعين بهم في معرفة الغامض من تفصيلات حياته . أقاربه هم قواده وجنوده . قتلوا أو ماتوا ، أو عادوا إلى بلادهم . حتى أسماء قادة جيشه غابت ، كأنه هو وحده جيشه ، يقوده ، ويقاتل به . الأوراق مصدري الوحيد . كتابات المؤرخين وعلماء الآثار والمكتشفات الأثرية إن وصلت إليها التنقيبات .أمضيت أوقاتاً في المتاحف والمكتبات العامة ودهاليز السجلات ، وتقليب الوثائق ، وتصويرها ...."
" أمضى في مدينته الجديدة ، الإسكندرية ، ستة أشهر ، ثم مضى إلى الشرق ليكمل غزواته . وصل إلى الهند ، ثم أصيب بالحمى ، ومات في عام 323 قبل الميلاد ، ولم يكن قد جاوز الثانية والثلاثين ..
حمله رجاله ، وعادوا به ، وبعث بطليموس الأول المقدوني رجاله . استولوا – عند بابل – على الموكب الجنائزي ، وحملوه إلى الإسكندرية .
بين عامي 323 ق. م ، و280 ق.م ، تحللت إمبراطورية الإسكندر . حلت محلها مجموعة من الدول الجديدة.."
" .. القبر الذي أبحث عنه – في وصف المؤرخين – تقضي إليه درجات من الطوب . في أسفلها فناء مربع الشكل ، ثم طرقة طويلة ، تنتهي إلى الضريح ، تحت سطح الأرض ...
أنت مثل يوليوس قيصر . ما شغله يشغلني ، وما أهمله لا أسعى إليه . لم يلتفت إلى ثراء المقبرة الذي يقضي إلى قبر الإسكندر ؛ ربما للبحث عن الطلسم الذي يحمي المدينة من الغرق..
هذا ما يشغلني .."
ويبث الراوي في البناء السردي المعلومات التاريخية – بحذق – تجعلنا لا نشعر بالملالة؛ رغم زخمها؛ وتعطينا لوحة عامرة بالتكوينات والظلال عن شخصية الإسكندر :
" من قراءاتي :
قيل للإسكندر :
- ما سرور الدنيا ؟
قال :
- الرضا بما رزقت منها ..
قيل:
- فما غمها ؟
قال :
- الحرص عليها ! "
" .. سأل أرسطو تلاميذه – يوماً - : كيف سيعاملون أساتذتهم عندما يحصل كل منهم على ما يتطلع إليه من مجد وسلطان ؟
قال أحد التلاميذ :
- سألزم الجميع بإعلان مظاهر الحفاوة والتكريم نحوك ، وسيكون عشاؤك دوماً على مائدتي ..
قال تلميذ آخر :
- ستكون مستشاري الأكبر..
تساءل الإسكندر :
- كيف تهب نفسك الحق في إلقاء هذا السؤال ؟ وأني لي أن أستكشف ماذا يخفي المستقبل ؟ .. يجب أن تنتظر وترى ..
أعجب أرسطو بما قاله الإسكندر ، قال :
- أثق أنك ستكون – ذات يوم – ملكاً عظيماً .."
" هل كان للإسكندر هوايات شخصية ؟ هل كان يحب النساء ؟ هل أقام بعلاقات جنسية ؟..
لم تكن الشهوة الجنسية تشغل الإسكندر . ما كان يشغله طموحاته في التوسع
تزوج ابنة عدوه داريوس......
إجماع الروايات التاريخية أن الإسكندر أفاد من ليونيداس في اكتساب الخشونة ، والبنية القوية ، المفتولة العضلات . لكن بشرته البيضاء ، الناعمة ، وقسمات وجهه المنمنمة التقاطيع ، وميله العفوي برأسه على أحد كتفيه ، وإرسال نظرات الدعة الفاترة إلى محدثه . كان فيليب شاذاً ، ومارس العلاقات الشاذة في حياته ، لكنه حرص – مثل الغانية التي تمنع ابنتها من ممارسة مهنتها – على أن يظل الإسكندر صحيح البدن والصحة النفسية..
أراده رجلاً كاملاً الرجولة .."
الشخصيات الرئيسية في الرواية محدودة ؛ ولكنها مرسومة – ببراعة – تحدد الأبعاد والقسمات ؛ الدالة عنها. ويلفت النظر شخصية ؛ زوجة الراوي – نجلاء – وتصاعد فتور العلاقة بينهما ؛ وانهيارها :
" – هذا الخاتم له فص بلون عينيك..
- لونه أزرق ولون عيني عسلي ..
فاجأتني الملاحظة .بينت أني لم أكن أعرف لون عينيها..
هذا ما أتوقعه . تنتقص مني كل ما أقدمه لها . أو أعرضه عليها..
قالت وهي توميء بذقنها :
- عقدة الكرافتة صغيرة جداً ..
- هذا آخر ما استطعت ..
وفردت صدري :
- حاولي !
رفعت كتفيها ، ومضت .."
" .. هذه المرأة لا شأن لها بدراساتي ولا أبحاثي . ولا تنقيباتي ، ولا بالإسكندر . مشاعري لا تعني شيئاً في نظرها . ما يهمها أن تحب اللحظة غير موصولة بما سبق . وما لحق . ترتدي الثياب الجميلة في الخروج ، وتنزعها عند النوم . تصر على أن تأخذ حقوقها كزوجة ، فلا أجد في عناقها إلا برودة الثلج .. "
" لفني اليأس من محاولة البحث عن ثقب في الجدار الذي يفصل بيننا . بدا عالياً ، ومصمتاً ، ولا يأذن بالتواصل . يحيا كل منا في عالم منفصل ، وإن أقمنا تحت سقف شقة واحدة . حتى لو تبادلنا كلمات ، فلأننا ينبغي ألا نظل صامتين .
لم أعد أضغط على الجرس في عودتي إلى البيت . أدس المفتاح في ثقب الباب ، وادخل بهدوء . تسبقني النظرة المتطلعة إلى داخل الشقة ..."
وقد برع الكاتب في البناء السردي ؛ واتكاءه على تقنية تيار الوعي" الانسياب المتواصل للفكر والإحساس في العقل البشري"
والمونولوج الداخلي :".. نتعرف على الشخصيات الأساسية فيها لا عن طريق ما نسمع عنهم ، بل بالمشاركة في أفكارهم الأشد خصوصية ، والتي تقدم لنا بوصفها تيارات للوعي تلقائية وموصولة لا تنقطع ، والأمر بالنسبة للقاريء يكون كما لو أنه وضع على أذنيه سماعات موصولة بذهن الشخصية ، وهي ترصد تسجيلاً لا نهاية له لانطباعاتها وتأملاتها وتساؤلاتها وذكرياتها وتهويماتها ، إذ يثيرها إحساسات مادية أو عن طريق تداعي الأفكار...."
ويوفق الكاتب في السرد الداخلي المتعاطف : " وفيه يبلغ التصاق الكاتب مع بيئته حده الأقصى ، فيأتي التناول على درجة كبيرة من الحميمية والحرارة.. "
" ..الإسكندرية مدينة واسعة ..
أترك لقدمي خطواتهما ، تسيران دون اتجاه ، وبلا خريطة . أربط بين ما أراه ، وما أسعى إليه . أمضي من شارع إلى شارع . ربما فضلت الشوارع الجانبية ، لا للبحث عن الحركة الهادئة . أملك البقاء في البيت ، أو في المكتب ، فلا نزل إلى الطريق ، أو أعاني الزحام . الطريق الهادئة فرصة للتأمل ، وربط المشاهد القديمة بما يطالعني للمرة الأولى . إذا ضللت الطريق سألت ماراً ، أو بائعاً ، أو مطلة من نافذة . أواصل السير . في بالي أن الطريق – في أي موضع – تفضي إلى البحر..
أحب السير على قدمي . لا أركب الأوتوبيس أو التاكسي إلا لمشاوير العمل البعيدة ، تبطيء خطواتي . أتأمل ، أسأل ، أناقش ، أراقب الحركة والسكون ..."
تتميز الرواية بلغة سردية ؛ تتحلى بالعفوية ،والتكثيف .. يختار الكاتب المفردة اللغوية ؛ بعناية بالغة.
وينهي الفنان – المبدع – روايته ؛ بهذه الفقرة الدالة والموحية : " .. شغلتني الوسيلة التي أنقد بها قبر الإسكندر – والوثيقة داخله – من التدمير الذي يتهدده .
اختزلت الزمان والمكان في هذه اللحظة ، في هذه القطعة من الأرض . هوت يداى بالفأس . علت وهوت . لم آبه بالغبار الكثيف ، علا ، فغطى وجهي . عرفت الضربات طريقها إلى الحفرة . أتوقع القبر ، الكنز ، الطلسم ، المعجزة .
اتسعت الحفرة وامتدت وعمقت . أضرب بكل ما تسعفني قوتي ، قوة غريبة لم أشعر بها من قبل ، تصاعدت في داخلي . ركبني الإصرار والجن والعفاريت . لا ألتفت إلى العين التي فاجأها تصرفي ، فاكتفت بالفرجة . كأنهم يتابعون ما لا شأن لهم به . واصلت الضرب بالفأس . أتوقع ، أثق ، أن السر سيبوح بما يخفيه. تنبهت إلى دائرة السحن الغريبة . اختلطت الأعين والأنوف والأفواه . ساحت الملامح ، فلم أتبين من أحاطوا بي . لم أعرف من هم ، ولا من أين قدموا ، ولا ماذا يريدون ، وهل يعيبون تصرفي ، أو يوافقون عليه ؟
تشابكت الملاحظات والصيحات والنداءات المشفقة ، لم أجد فيها معنى محدداً ، وإن مثلت دافعاً – لا أدري لماذا ، ولا كيف – لكي أواصل الحفر ..
تملصت من الأيدي التي حاولت تقييدي . أحدث الفأس ما يشبه الرنين .. هل ؟..
رافق الضربات المتلاحقة هتاف في داخلي يعلن الميلاد ، والبشارة ."
الهوامش :
1- محمد جبريل - غواية الإسكندر - روايات الهلال - يناير 2005 - القاهرة
2- د. صلاح صالح - سرديات الرواية العربية المعاصرة - المجلس الأعلى للثقافة – 2003
3– ديفيد لودج – الفن الروائي – المشروع القومي للترجمة – المجلس الأعلى للثقافة - 2002