مشاهدة النسخة كاملة : القلق الإلهي مبعثه سر الواقع


نمر
12-10-2004, 03:31 AM
بقلم : عدنان المبارك



في البدء تحضرني كلمة القديس أ وغسطين : أريد معرفة الرب والنفس لا أكثر . ومن السهل أ ن نشطر رغبته الى إثنتين : الإلهي والنفس .أكيد أنه عرف الرب ألا أنه أراد ، كما يبدو ، معرفة المزيد . أما النفس فوجدها المعبر الى الرب . ومعلوم أنه لم يمض بعيدا في درب العقل أو بالأحرى التعرف العقلي. واللاهوتيون يبررون : هذا كلا م قاله أوغسطين في مقتبل العمر حين كان طموحه الأخذ بالنموذج الأفلاطوني أي الطرح بالحوارات . وعن الرب كان يقول بأن فكرته ليست مجرد فكرة . فهو قبل كل شيء الوجود القائم وا لأكمل . كذلك فهو خالق كل وجود. والحقيقة عن الوجود نتعرف عليها وليس على أساس النتائج أي الحقائق الكائنة بل على أساس سببي : طالما أن سبب كل شيء هو الرب ككمال غير منته فلابد أن ما خلقه يحمل صفات خالقه ، و ( الكمال يخلق الكمال ، واللاكمال يخلق مثيله). وعليه : يكفي التعرف على الرب كي نتعمق في سر الواقع كله .كذلك يترتب على هذا أن ليس هناك مهمة أسمى من التعرف على الرب. وهل العقل بقادر على هذا ؟. إنه سؤال يولد أسئلة أخرى : هل قدر أفلاطون ، والكل لايشك بقدراته العقلية والأخلاقية ، على هذا التعرف بواسطة العقل ؟ . وهل يكفي ا لتعرف على فكرة عامة لكي نصل بالإستقراء ، الى الأشياء والحقائق التي تمثل تلك الفكرة ، أيّ فكرة ؟. ومن الطبيعي أن المخرج هنا هو المقولة اللاهوتية: للتعرف على الرب لابد من الإيما ن ، وهذا يعني ، بدوره ، أن الحقيقة عن الرب هي حقيقة إلهامية تبعد العقل الى خلفية المشهد ، وبعبارة أخرى هي حقيقة تخص عالم ما فوق الطبيعة . الا أن أوغسطين الذي قرر عدم إستثناء العقل كأداة تعرفية ( أسماه ب "عيون النفس " ) بل وجده عنصرا إلهيا وفكرا داخليا . وقد إقتفى هنا خطوات أفلاطون وليس تلميذه أرسطو. والحق أن فكر أوغسطين كان أكثرخصبا في المجال التعرفي. وهو لم يأخذ بطريقة الإحالة الى الحقائق الخارجية كسند للحجة النظرية . فقد جمع العنصر الإلهي بالآخرالغيبي . والأكثر من ذلك هناك محاولا ت بينة في كتاباته ، لعقلنة الإيمان وتأسيس برهان عقلي على وجود الرب والنفس . كان يعتقد بأن الحقيقة هي خالدة وموضوعية ومستقلة عن أي شيء مادي مهما كانت حقائق الطبيعة زائلة ، وحتى لوكف كل شيء عن الوجود وقبلنا بأن لاوجود الآ ن للحقيقة أو أن كل شيء هو محض خطأ . وبرهانه هنا هو أن الحقيقة ، خلافا للشي. إنها معرفة توجد خارج العقل . وهنا يصل اوغسطين الى حقيقته المعروفة : طالما أن الحقيقة أبدية لابد ان يكون العقل المدرك لها ( أي العقل الإلهي ) كائنا ايضا ،وكل ما هوسرمدي لاوجود له الا في الرب ومن خلاله . وفي الواقع نجد أن في كل الأديان التوحيدية يكون المعبر الى تفسير كل شيء هو في صياغة : هذا هو المكتوب . وفي القرن الثاني ميلادي قال تيرتورليان Terturlian أن ليس بمكنة الفلسفة والعلم القول بشيء في قضايا الإيمان ( أ ي على العكس من الأفلاطونية الجديدة ) ولأ ن الحقيقة عن الرب والنفس هي حقيقة إلهامية ، غير أن أنزيلم Anselm الذي سعى الى أن يدلل ، عقليا ، على انه طالما ان الرب هو الكائن الأكمل فلابد أنه كائن خالد وخارج الفكر البشري المنتهي . كذلك فما هو أكمل لايمكن ان يوجد إعتباطا وبالمصادفة أو أ ن لا يملك وجودا على الإطلا ق . وتوماس الإكويني ، اكبر فيلسوف بين اللاهوتيين ، كان يجزم بأنه يمكن التعرف على الرب عن طريق العقل الذي يعيننا في البرهنة على وجوده ايضا . الا أن الإثبات العقلي لحقائق الإيمان ( مثل خلق العالم أو الخطيئة الأولى ) أ مر غير ممكن . فهذه مسألة أخرى . غير أن كلا نوعي المعرفة غير متناقض ، ولإنهما هبة من الرب .. وإعتقد الإكويني ، مقتفيا خطوة أرسطو ومعارضا أوغسطين ، بأن العقل يدرك ما يخص الفرد وليس ماهو عام . كذلك فالحقيقة عن الرب لاتطرح على الإنسان كوثوق قد أنزل عن طريق الإلهام ( الوحي ) ووهب ، بل ينبغي الوصول اليها بالفهم غير المباشر والإحالة الى النتائج المترتبة على الحضور الرباني أ ي ما خلقه . وتصّور الرب لاينبع من مفهوم الحقيقة الأبدية كما قال أوغسطين ولا من مفهوم أنزيلم عن الكائن الكامل . فالرب يمكن التعرف عليه والبرهنة على كينونته بالإستناد على معرفة أبسط الحقائق . وهنا صاغ الإكويني براهينه الخمسة . وأكبرها ما سمي ببرهان الحركة ( motu ex (: لكل إنسان فرصة القول بأنه عن طريق التعرف الحسّي والعقلي يوجد العالم الخارجي وفعليته . فكل الأجسام في هذا العالم إما انها توجد في حالة السكون وأما الحركة . الا أن كل واحد منها غير قادر على الحركة الذاتية . فالحركة كدافع ينبغي أن تجلب من جسم آخر ، والآلية الذاتية mobile perpetum هي محض فنتازيا. وحين نتابع السلوك الحركي للأجسام نصل الى العلة الأولى لدينامية العالم التي نسميها بالرب . ومعلوم أن ميتافيزيقا الإكويني كانت ، ولا تزال ، نقطة الذروة في تأريخ اللاهوت الطبيعي . وبعده جاء دور الفلاسفة من غير اللاهوتيين . وكانت المهمة أكثر صعوبة. فقد كان الحاجة عندهم هي البحث عن ضمانة لصحة آرائهم تتخطى مباديء بناء أسس ا لإيما ن . وكان ديكارت قد صاغ دليلا بالغ التعقيد على وجود الرب . فقد وجد أن على كل نتيجة أما أ ن تكون أقل كمالا من علتها وإما شبيهة بها في افضل الأحوال . بالطبع لم يعر إهتماما ، هنا ، الى عامل ( التقدم ) الذي قد تخلقه اسباب عدة . فالطفل مثلا هو ( نتيجة ) الأبوين ولكنه كفرد بالغ هو( نتيجة ) المجتمع أيضا . ولكن ديكارت يطرح حقيقة غريبة . فقد إكتشف في عقله فكرة وجود الرب وهي الفكرة الأكثر كمالا . إنها فكرة لايمكن ان تكون من إختراع عقله (الضعيف والناقص ). فليس بمقدور هذا العقل أن يكون سببا لمثل هذه النتيجة . فإسم الرب يعني ، كما كتب في ( تأملا ت حول الفلسفة الأولى ) جوهرا substance معينا غير منته ومستقلا ، و( هو الأعلى عقلا وقوة والذي خلقني وخلق كل ما هو كائن ويمكن أن يكون ، لدرجة أنني كلما فكرت فيه بإنتباه أكبر بدا لحد أكبر بأنه من غير الممكن أن ينحدر هذا الجوهر مني بالذات . لامحالة ، إذن ، و على أساس ما قلته قبل لحظات لابد من أن يصل المرء الى الإستنتاج بأن من الضروري وجود الرب ) . ويسهل ملاحظة أنه إذا كان على الرب أن يكون كعلة لفكرة الرب في عقل ديكارت فهذا البرهان وما ترتب عليه من وجوب كينونة الرب ، سيكون ذا مصداقية في حالة واحدة حسب : عندما يعثر ديكارت في وعيه على هذه الفكرة ، أما ما يحصل قبل وعي هذا الفيلسوف وخارجه فهو أمر غير معروف .. وكان محزنا مصير ديكارت وبرهانه الآنف الذكر بل كل مؤلفاته التي أدرجت في قائمة المحظورات البابوية .
ولدى بليز باسكال كانت شهادة العقل في قضايا ما فوق الطبيعة هشة لاتستحق الإنتباه . بدل ذلك خلق ( برهانا ) غير إعتيادي : الإيمان بوجود الرب هو مسألة الضمير والخيار الإنفعالي والحب بل هي مسألة مقامرة حياتية وأكثر منها مقدمات منطقية premises عقلية ، ولنقامر على وجود الرب خاصة اننا لا نجازف بالكثير بل بهذه الحياة الدنيا التي كلها خوف و تمزق وقلق . وإذا كان الرب موجودا حينها سنكسب الرهان وسيكون با لغ الكبر إذ سيكون الأبدية .. ويكتب في ( التأملا ت ) : لنقارن الكسب بالخسارة مفترضين أن الرب موجود . ولنمعن النظر في هاتين الحالتين : إذا فزت ستكسب كل شيء وإذا خسرت لاتفقد شيئا . إذن راهن ولاتتردد ). أما إسحق نيوتن فقد أحا لنا عند البرهنة على وجود الرب الى ميتافيزيقا القرون الوسطى ومفهوم المانوية في إدراك الطبيعةالتي هي اكثر المكائن كمالا ( وهو المفهوم الذي كان سائدا في عصر التنوير ). الا أن لكل ماكنة مشيّدها المالك للعقل . وهذا معناه أن خالق الطبيعة وكل واقع قد يكون الرب وحده . وعمانوئيل كانت سلط ضوءه النقدي على كل البراهين - اللاهوتية والعقلية . وأعلن عن رفضه لها جميعا . أما ذلك البرهان الأنثولوجي لدى أنزيلم وديكارت فقال عنه في ( نقد العقل الخالص ) بأن إمتلاك أيّ فكرة لا يعلمنا الا أنه بإمكاننا ، وفي أحسن الأحوا ل ، الإفتراض بتوفر إمكانية وجود شيء يخص تلك الفكرة : ( إن تصور الكائن الأعلى هو فكرة بالغة النفع لكن في حالة واحدة فقط وهي أنها مجرد فكرة ولاتصلح البتة كعون في توسيع تعرفنا على ما هو موجود ). بعدها ينتقل الى الإكويني الذي يجده قد أخطاأ أيضا حين طرح برهانه الكوسمولوجي على وجود الرب كعلة ضرورية للعالم الخارجي . ويقول إن كل تحديد للمادة من خلا ل الإحالة الى مبدأ السبببية يعلمنا بأن هذا المبدأ لايمكن إستخدامه خارج عالم الأشياء . وقد إقترح كانت حلوله لإشكاليتي المعرفة ووجود الرب : لافائدة هنا من العقل النظري لأن وجود الرب أمر لايمكن البرهنة عليه ونفيه أيضا . وهذا الوجود قد يكون مقبولا لكن في حالة واحدة فقط وهي أن يكون خطابا للعقل العملي ( أي الإخلا قي )، فالرب كائن كمسلمة أخلاقية ، كخطاب وليس كمادة للتعرف . والشيء نفسه نلقاه عند دوستييفسكي الذي لم يصدق العقل مفضلا عدم الإستناد الى براهينه ولأ ن ما يبرهن عقل واحد عليه يكون بمقدور آخر تفنيده . كذلك لايبتعد موقف اللاهوت المعاصر عن موقف الكاتب الروسي ، إذ يجد اأن لحضور الرب في الإنسان طابع الحاجة العفوية التي تنشأ لدى الفرد المهجور والباحث عن عزاء خارج العلاقة مع الآخرين والذي يواجه الموت عند حدود وجوده الفيزيقي . أكيد أن هذا اللاهوت لايتخلى عن العقل فا لتجربة الغيبية لاتترك شرنقتها الخاصة أي أن مسألة العلاقة بين الإنسان والرب تبقى صعيد ا خصوصيا ، شخصيا ، وفي الاخير هي مسألة متروكة لإختيار الفرد ..
وتحت تأثير( العهد القديم ) تبلورت في حضن المسيحية وبعدها الإسلا م ، فكرة الرب كوجود عقلاني لامادي لايعرف الزوال وصفته الأساسية هي أنه خالق . وبالطبع هناك منطلقات لاهوتية أخرى فيما يتعلق بتحديد ماهية الرب الا انها تجتمع كلها في نقطتين : الإستثناء النسبي للبرهان العقلي وجمعه مع الآخر الإلهامي ( وفي هذا تستقطب كامل الفلسفة الإسلامية ). ففي الأديان التوحيدية يكون الرب ذا طبيعية مشخصة تتجاوز النسبية والشخصانية والظرفية ( الزمكانية ) والتبدل والكينونة الفيزيقية وأي شكل من أشكال التبعية وغيرها . وكان تعامل اليونانيين مع الإشكالية ذا طابع عملي - واقعي يحصرها خارج الميتافيزيقا . فلكل رب عندهم واجبه وحقوقه وشخصيته المتميزة . وكانت هذه الديانة بمثابة شكل تنظيمي اكثر تقدما للعقائد القديمة التي قامت على الإيمان بوجود قوى مجهولة يصعب السيطرة عليها وتكمن في الحيوانات والطواطم والأنهار والملوك والقبائل والأ سلا ف والمقدّسين وغيرهم . وكان الإلهي هنا غير مميَز وحاضر في شيء مهم وأشخاص . وما فعله الإغريق هو تعددية الشخصانية الممنوحة لكل الظواهر والقوى ( آريس رب الرعد والحرب ، أفروديت ربة الحب والجمال ، أبوللو رب النور والنظام إلخ ) . وكان الرب في التاوية لاشخصانيا بل محض تصور للنظام والهارموني ( وفي الرواقية أيضا ) . ونلقى ذات التوجه في ( أناشيد من أجل إندرا ) في الهندوسية ، وفي عبادة أهورا مازدا رب النور في الزرا دشتية التي حاربها اللاهوت الإسلامي بضراوة . وفي كل هذه الصروح ثبتت الثنائية : الرباني كل ما هو نظام لاشخصي وهارموني أو نور مقابل الفوضى واللانظام والظلا م والهيولي وكلها تمثل ما يبقى من الواقع . ولدى ألفريد وايتهيد تكون المواجهة بين الربانية التي يمثلها النظام وبين مبدأ الواقع أي الخلق . وهناك أديان تدرك الرباني كوحدة للكل غير مميزة . إنها وحدة في وخارج جميع التظاهرات والقوى والأشخاص . والجوهر لايخص هنا كامل ( الواقع الملموس ) بل ما وراءه أي وراء الواقع المحدود، و ما هو غير مدرك عقليا وغير فعلي أيضا. وأكبر مثا ل على هذه التجاوزية هي البوذية التي يكون مبدؤها ا لجوهري هو اللاشيئية أو الفراغية. كما لاتجد مكانا للإلهام (الوحي ) كوسيطة بين الرب والعالم . فبدل الوحي أخذ بوذا بأداة فعلية ملموسة هي التأ مل . كذلك فهو لم يمارس الإيمان برب خالد ونفس كان عليها أن تكون إنعكاسا له أو جزءا منه . وبعبارة اخرى كان قلق بوذا قائما لكنه ليس ذاك ( القلق الإلهي ) بأطره الدينية المعروفة والذي يكون منبعه أن الإنسان عثر على نموذجه الأعلى ( الرب ) الذي لايطاله أبدا . ولم تكن نية الرب أن يقلده مخلوقه ، إذ أن هناك حدودا واضحة بين الخلق الأصلي والمحاكاة . الأول هو مهمة الرب أما الثانية فهي من أعمال البشر . ويقول سورين كيركيغارد أن لليأس صورا ثلاث إحدها اليأس من أن الإنسان لايقدر على التخلص من ذاته وكسب أخرى أوحت له بها صورة الرب . إنه ذات القلق والعذاب اللذين عرفهما أفلاطون وأراد التخلص منهما بتلك النظرية عن الأفكار التي لن يغنمها الإنسان الذي يبدو كأن الرب قد خدعه حين خلقه وسط ظلا ل ذلك الجوهر !. كذلك خدع الإنسان نفسه حين أصبح هاجسه أن يخلق عن طريق الفن عالما يقلد ذاك النموذجي . واليونانيون لم يقدروا على تصور أن بمكنة الإنسان أن يخلق واقعا جديدا ولإنه لابد أن تكون لنتاج الإنسان إحالة الى شيء ما . ومعلوم أن أفلاطون أراد أن يطرد ( قلقه الإلهي ) بكل ثمن : نفى الفن من دولته ولأنه يبتعد عن الأفكار ( الحقيقة ، الخير ، الجما ل ) ، وإحتقر العالم المحسوس كنسخة بائسة لعالم المثل. الا أن تلميذه أرسطو أسكت ذلك القلق بإعلا ن نظريته الواقعية عن الفن . ومن براهينه أن الطبيعة تحتاج الى الفن الذي يكون الى جانب العلم و الأخلا ق المنطقة الرئيسية لنشاط الإنسان. أكيد أن أرسطو الواقعي بهارمونيه الداخلي الذي لايعرفه من نزلت لعنة ( القلق الإلهي ) قد نفى المخيلة التي عبدها الشاعر الرومانسي الذي أراد أن يكون كاهنا ونبيا يكشف عن أعمق الحقائق . فالمخيلة فوق الكل وقبل كل شيء العقل ونتاجاته من علم وفلسفة إلخ . ويجهر وليم بليك بأن المخيلة وحدها باتت تعد بالحرية والخلا ص . فهي خالق الفن والميثولوجيا والدين ، إنها الحياة الفعلية وهي الواسطة في خلق الواقع. وبدون دراية يسير بليك في درب إبن عربي ، عندما يقول أن الكون هو بنية المخيلة المشتركة للرب والإنسان . ولعله كان يداور ( قلقه الإلهي ) الذي منشأه المحال - محال وصول الإنسان الى مرتبة الرب ، بالقول إنه في المسيح صارالرب إنسانا وهذا ربا . ونجده يردد مع غيبيي القرون الوسطى قائلا إن السماء كلها مخيلة. وفي مقولته عن المخيلة والحب اللذين لاينفصلا ن يحيلنا الى كلمة ( الرحمن ) القرآنية ، وقبلها وجد أن المسيح هو رمز الرمز ، فالمحبة والمخيلة صارتا فيه وحدة نموذجية . وإعتبر أن الرب يحيا في قلوب البشر وعقولهم وأن الفن الرمزي خير من يعبّر عن ذلك . وكان قد أخذ بهذا الفن كشاعر ورسام . ويعترف أن ( تحييد ) ذلك القلق يتم من خلا ل الإتحاد بالرب عن طريق المخيلة وذلك على حساب العالم الفعلي الذي رفضه قائلا : ( المخيلة هي عالمي . اما هذا العالم فهو مزبلة لا أكترث بها ) . كذلك لم يفرق بليك بين الشعر والدين . فقوت الأول هو الأديان وعالم الرموز . ونلقى ذات الموقف لد ى شيللي الذي وجد أن المخيلة تخلق العالم والإنسان بل أعلن أن مخيلة الإنسان هي جزء من العقل الكوني ، وهي الجانب الإلهي في طبيعة الإنسان ، و عليها تعتمد ( آلوهية ) الإنسان , الشاعر القادر على إظهارها يكون في مصاف العباقرة .. أما كولدرج فيكتشف مخيلتين . مهمة الأولى التلقي والإدراك والتعلم وهي تخلق العلاقات الأساسية المرافقة كشرط لابد منه لتوسع المعرفة . والإنسان يستخدم هذه المخيلة غرزيا قبل أن تنشا الذاكرة أو المخيلة التي تقوم بإعادة الخلق . ويراها تسهم في (العمل الأبد ي ) : خلق الرب - اللامنتهى . أما الثانية فهي تخضع لإرادة الإنسان وبمساعدتها يمكنه أن يفكك ما يظهر في دواخله ثم يخلقه من جديد . ومثل هذه المخيلة هي مملكة الشعر . وعامة يتراسل الإنسان ، بفضل المخيلة ، مع الأفكار الإلهية . ويقول ( أعرف نفسك فحينها تعرف الرب ، وعن طريقه تعرف كل الأشياء ) . إن العقل الرباني قد خلق العالم بواسطة المخيلة ولهذا فهي قوة العقل الخلاقة . وحين تسهم مخيلة الإنسان في صنع الأخرى الربانية تكون قد أسهمت في خلق العالم . وكولدرج يرى ، خلافا لأفلاطون ، أن المخيلة أعلى من العقل وهي القادرة على إدراك الأفكار الخالدة ، وما تراه ، هنا ، لاتقدر على طرحه الا بمساعدة الرم ز . فالعقل يميت التصور عند تحليله . والشعراء الميتافيزيقيون كانوا آخر من أخضع للمخيلة العالم والدين والفلسفة والفن والعقل والرب ايضا . وقد جمعوا الأفلاطونية الجديدة وتفسيراتها العربية ، ب( العهد القديم ) صانعين درعهم الذي أرادوا له أن يحميهم من نبال العقلانية الصاعدة حينها . وقد يكون الصدى الأقوى لنداءاتهم فلسفة بنيديتو كروتشه التي ألقت ببالغ التأثير على الفن ونظريته في القرن العشرين . وكانت راهنة الأسئلة حول أيّ السبل تتيح للفن الوصول الى ما هوروحي ، وبالأخص ، ما هو إلهي وهل هو التسلق التدريجي لسلم الواقع الذي يوصلنا الى الرب نفسه أم أن هذا السبيل أمر غير ممكن وعلينا الرجوع عنه . وقد يخيل الينا عندما نشاهد الفن التجريدي أن فنانينه يريدون المسك المباشر بالألوهية . إذ تفتقد في اعمالهم الإحالة المباشرة الى العالم المادي . اأهم يطمحون بالا خر الروحي ؟. أو هل بمكنة الإنسان المسك المباشر بالإلهي ؟. ونحن لن نصل الى الجواب إذا تجاهلنا البعد الميتافيزيقي ( الحالة القائمة لوجود العالم والإنسان والرب ) والآ خر الأبستمولوجي ( المعرفي ) . حينها قد نرسم نطاق وسبل الطرح الفنية التي تخص ما هو إلهي . ولنبدأ بمسار التجريد : الأشياء التي تحيطنا هي ملموسة .فهذا حصان وتلك إمراة . إن تعرفنا على حالات الوجود هذه هو حسي - عقلي أي أنني حين أرى هيئة ملونة أقول إنها إنسان . فاللون يتلقاه البصر ، والهيئة تتلقاها الحاسة المشتركة الا أن ( الإنسانية ) هي العقل . وتضافر الحواس مع العقل متكامل تماما إذ يصعب إدراك الظاهرة الحسية بدون إشراك العقل . وهكذا عندما أنظر الى شجرة أنا قادر على القول : هذه شجرة . الا أن مضمون هذه الكلمة هو عام ولذلك أقول الكلمة نفسها عن شجرة أخرى . وهذا معناه أن الملموس ( ليس هناك حالات وجود غير ملموسة ) يصعب على العقل مسكه الا انه قابل للتعرف الفوري من خلا ل منظور المضمون العام ، وفي هذه الحالة قد يكون اللاتشخيصي non - figurative كرفض للإحالة الى العالم المادي ، هو الأقرب من تجاوزية transcendence الرب ؟. والحجة هنا أن الرب ليس بأ يّ حالة من حالات الوجود المخلوقة . أن رفض المشخص figure لايعادل المسك المباشر بجوهر الرب ، واللاتشخيص لايقود على الفور الى حالة اللامادية . بعبارة أخرى يستخدم الفن التجريد ي مراتبا تعود ، جوهرا ، الى العالم الماد ي ، كذلك فرفض الإحالة الى العالم الماد ي ، عن طريق رفض المشخص ، هو رفض للإحالة حسب ، ولايعني إحالة الى الإلهي . وإذا قلت هذا ليس كلبا لايعني هذا أنه قطة . فقد يكون أيّ شيء آخر أو لاشيء أيضا . وكما يبدو لايقودنا التجريد الى الرب أيضا .
إن عبادة المخيلة و ( الخلق الأصيل ) والتجريد هي من سمات فن الحاضر . ولم يبق ما يربطه بتأريخه الطويل الا المخيلة التي قال عنها أفلاطون بأنها الوسيط الرباني الذي يلقح الشاعر بالإلهام ، والأفلاطونية الجديدة جعلتها أقنومية hypostatic مقصورة على المختار ين . وفي الأخير رفع الفلاسفة العرب المخيلة الى مرتبة أعلى حيث وضعوها , مباشرة ، في الرب الذي صار الشاعر أو النبي من يحاوره . وفي الرومانسية صارت المخيلة دينا. وفي معاصرتنا حين منح الإنسان نفسه الحق في أن يشغل مكان الرب ، صارت المخيلة نتاجا له شتى الهيئات التي خلقها عصر الإنفجار الإعلامي و التكنولوجيا وغزو الفضاء وغير ذلك . الا أن الحاجة الى الفن هي ذاتها في الزمكان . فهو يعين الإنسان في التعامل الجوّاني مع الواقع . كذلك هناك الفرصة في التأكيد على تعريفه كحيوان ميتافيزيقي يؤرقه على الدوام السؤا ل عن الإلهي الكامن فيه و الآخر الكائن في الطبيعة والكو ن .

نمر
30-10-2004, 05:54 AM
يصعب على العقل مسكه الا انه قابل للتعرف الفوري من خلا ل منظور المضمون العام ، وفي هذه الحالة قد يكون اللاتشخيصي non - figurative كرفض للإحالة الى العالم المادي ، هو الأقرب من تجاوزية transcendence الرب ؟. والحجة هنا أن الرب ليس بأ يّ حالة من حالات الوجود المخلوقة . أن رفض المشخص figure لايعادل المسك المباشر بجوهر الرب ، واللاتشخيص لايقود على الفور الى حالة اللامادية . بعبارة أخرى يستخدم الفن التجريد ي مراتبا تعود ، جوهرا ، الى العالم الماد ي ، كذلك فرفض الإحالة الى العالم الماد ي ، عن طريق رفض المشخص ، هو رفض للإحالة حسب ، ولايعني إحالة الى الإلهي . وإذا قلت هذا ليس كلبا لايعني هذا أنه قطة . فقد يكون أيّ شيء آخر أو لاشيء أيضا . وكما يبدو لايقودنا التجريد الى الرب أيضا .

خالد السعن
01-12-2004, 03:36 AM
فقد جمع العنصر الإلهي بالآخرالغيبي . والأكثر من ذلك هناك محاولا ت بينة في كتاباته ، لعقلنة الإيمان وتأسيس برهان عقلي على وجود الرب والنفس . كان يعتقد بأن الحقيقة هي خالدة وموضوعية ومستقلة عن أي شيء مادي مهما كانت حقائق الطبيعة زائلة ، وحتى لوكف كل شيء عن الوجود وقبلنا بأن لاوجود الآ ن للحقيقة أو أن كل شيء هو محض خطأ . وبرهانه هنا هو أن الحقيقة ، خلافا للشي. إنها معرفة توجد خارج العقل . وهنا يصل اوغسطين الى حقيقته المعروفة : طالما أن الحقيقة أبدية لابد ان يكون العقل المدرك لها ( أي العقل الإلهي ) كائنا ايضا ،وكل ما هوسرمدي لاوجود له الا في الرب ومن خلاله . وفي الواقع نجد أن في كل الأديان التوحيدية يكون المعبر الى تفسير كل شيء هو في صياغة : هذا هو المكتوب . وفي القرن الثاني ميلادي قال تيرتورليان Terturlian أن ليس بمكنة الفلسفة والعلم القول بشيء في قضايا الإيمان ( أ ي على العكس من الأفلاطونية الجديدة ) ولأ ن الحقيقة عن الرب والنفس هي حقيقة إلهامية ، غير أن أنزيلم Anselm الذي سعى الى أن يدلل ، عقليا ، على انه طالما ان الرب هو الكائن الأكمل فلابد أنه كائن خالد وخارج الفكر البشري المنتهي . كذلك فما هو أكمل لايمكن ان يوجد إعتباطا وبالمصادفة أو أ ن لا يملك وجودا على الإطلا ق . وتوماس الإكويني ، اكبر فيلسوف بين اللاهوتيين ، كان يجزم بأنه يمكن التعرف على الرب عن طريق العقل الذي يعيننا في البرهنة على وجوده ايضا . الا أن الإثبات العقلي لحقائق الإيمان ( مثل خلق العالم أو الخطيئة الأولى ) أ مر غير ممكن . فهذه مسألة أخرى . غير أن كلا نوعي المعرفة غير متناقض ، ولإنهما هبة من الرب ..