مشاهدة النسخة كاملة : الكاتب وكوابيسه // أرنستو ساباتو ! كتاب


نمر
11-10-2004, 08:09 AM
هل الذين يعلنون عن أفول الرواية هم على حق ؟ ألا يعّد عمل من أعمال جويس أو بيكيت دفعا للأدب كله صوب العبث ؟ أليس الأزمة الكبرى لأزماننا هي أزمة للفن و سلخا تاما وعميقا للإنسان؟ ألسنا نحن الآن في درب مقفل و لايبقى أمامنا إلا إعتبار روايتنا شهادة مفككة لهذا التقوض ؟
هذه الأسئلة جميعا تقلقني منذ أمد طويل ، فالأدب ، بالنسبة لي والآخرين من الكتاب المعاصرين ، ليس بتسلية أو هروب بل هو شكل ، وقد يكون الأكمل و الأعمق ، للتعرف على المصير الإنساني.
إن قضية ماهية الرواية وخاصة المعاصرة ، تكون في أوربا ( بالنسبة لنا أيضا ) الموضوع الدائم للنقاش ، ولسببين رئيسيين : حيوية هذا الصنف من الأدب والذي يتطور بصورة غير مالوفة رغم تنبؤات حفاري قبره الكثيرين ، كذلك رغم تبدلاته أو نقائه. وهذه الكلمات ينبغي أن توضع بين قوسين لأنها غير مناسبة على الدوام، إذ لا تخص عالم الأفكار الإفلاطونية بل الآخر ، عالم الناس غير النقي ، وذلك بأسلوب لايمكن تفاديه. لذلك فجميع الملاحظات حول نقاء الشعر والتصوير والموسيقى ، الشعر قبل كل شيء ، هي غير مثمرة تماما ، وهي ليست إلا لغطا.
وفي الواقع نعرف جميعا ما هو الخط المنعرج في الرياضيات أو ما هي هندسة المساحة geodesy ، وهي أمور ينبغي أن تحدد بكل دقة ، إذ هي تعود الى عالم الرياضيات. إذن فهي ليست نقية فقط بل قادرة على أن تكون شيئا آخر. والخط المنعرج المشوَّه الذي نرسمه بالطباشيرعلى اللوحة هو مجرد ظل تقوده محدودياتنا الجسدية الى تلك المملكة الإفلاطونية الشفافة الخالية من الطباشير واللوحات والأصابع التي تؤدي الرسم بهذه الغلاظة.
والآن ماهي الرواية النقية ؟ هوسُ إخضاع كل شيء للعقل ونتاج حضارة آمنت بصورة عمياء بذاك العقل الخالص( ويالها من طامة كبرى ! ) مما قادنا الى التصوّر الساذج بأنه في مكان ما ثمة نموذج أوليّ archetype للرواية يصعب مسكه ، ووفق الحسابات الفلسفية الطيبة ينبغي أن يكون مكتوبا بأحرف كبيرة : ا ل ر و ا ي ة. نعم بهذه الصورة ! وتدنو منه شتى أصناف الكتاب الفاشلين عبر محاولات خرقاء مما يشهد على سقوطهم غير المشرّف حسب ، وهذه المحاولات قد تسمّى ب( الرواية ) لكن بأحرف صغيرة.
للأسف أو لحسن الحظ ليس ثمة هناك من نموذج أوليّ ، وبكل إمتعاض وصواب أيضا ، لاحظ فاليري Valery ( وما كان هذا الشيء عنده مدعاة للفخر ) : “ إن جميع حالات الإرتداد ونبذه هي من طبيعة الرواية ". وهذا صحيح لامحالة. وفي ذات الوقت أو بصورة متعاقبة مرّت الرواية بجميع أحوال العنف شأن الحال مع البلدان التي تبيّن أنها خصبة ، بفضل ذلك ، في تأريخ الثقافة : إيطاليا ، فرنسا ، إنجلترا ، ألمانيا. لذلك كانت الرواية هناك رواية أحداث و تحليل مشاعر و تسجيل تحولات إجتماعية و سياسية . كانت ذات أفكار ، غير مكترثة ، متفلسفة ، بسيطة الروح ، بلاهموم ، ملتزمة جمعت في ذاتها هذا القدر من التناقضات ، وكانت ، ومازالت ، معقدة بشكل يصعب إيضاحه. و نحن نعرف أيّ شيء هي الرواية و لكن حين يسألوننا نتلعثم في الجواب. ففي الواقع أيّّ شيء يجمع بين أعمال مختلفة مثل ( دون كيخوت ) و ( المحاكمة ) و ( آلام فرتر ) أو ( يوليسيس ) لجويس ؟


الأفكار في الرواية

يتمسك أحد الكتاب من أنصار ( الأدب الموضوعي ) بمقولة إن على المؤلف الإقتصارعلى وصف الأنشطة الخارجية ، المرئية والمسموعة ، لأبطاله وعدم تناول أيّ ظواهرأخرى ، فهذه زائفة ولاتقود إلا الى الخطأ.
إن أدب زماننا قد نبذ الصواب والمعقول لكن الأمر لايعني بأنه ترك التفكير وصار ما يخترعه مجرد وصف لحركة الأجساد و الإنطباعات والمشاعر. ولايدعم هذه الأدب النظرة الموهومة والقائلة بأن شخصيات الكتاب تفكر وأن الناس ، سواء في الكتب أم الحياة ، لايسلكون وفق قوانين المنطق. ففي الواقع أمرنَا التفكير ذاته بأن نكون يقظين حين كشف في أزمان هذه الأزمة الشاملة عن محدوديته. من ناحية أخرى تكون الرواية اليوم وأكثر من أيّ وقت مضى ، إمتلاءا بالأفكار وإهتماما بمعرفة الإنسان. والقصد أن لانخلط بين هذه المعرفة والعقل. فهناك أفكار في ( الجريمة والعقاب ) تفوق في العدد ماهو موجود في أيّ رواية عقلانية. وكان الرومانسيون والوجوديون قد تمردوا على العقلانية والتعرف العلمي لكن ليس ضد التعرف بمعناه الواسع. ووجودية اليوم و الفينومينولوجيا وكامل الأدب المعاصر هي شهادة على أحوال البحث عن تعرف جديد ، أعمق و أكثر تعقيدا وليشمل السر اللاعقلاني للوجود أيضا.


حول الأدب القومي

نعم. كان للروسي في منتصف القرن التاسع عشر نفس قضايانا ولأسباب إجتماعية متشابهة للغاية. وإحداها كان ما يسمى ب( الأدب القومي ) و الصراع بين أنصار التمغرب والبقاء السلافي . وروسيا الواقعة عند أطراف أوربا و ذات مجتمع ذي ذهنية إقطاعية تذكر قليلا بإسبانيا البلد الذي لم يمر، بصورة تامة أيضا ، بتجربة الرينيسانس ، وليس بصدفة أن أفضل فلم عن دون كيخوت قد أنجز في روسيا وأن شخصية ثربانتث أثارت ، تقليديا ، وعلى الدوام ، مثل هذا الإهتمام البالغ ، وكانت مفهومة بعمق في تلك الأرض غير العاقلة والجامحة. وبانَ هذا الشبه بوضوح أكبر ، في بعض المستعمرات الإسبانية وخاصة في الأرجنتين القديمة ذات السهوب التي لاتحدّ. مثلا آنا كارانينيا مع أصحاب المواشي والمربيّات الفرنسيات والموظفين الأثرياء البلداء و أصحاب الأراضي المحافظين والجنرالات ، كانت مفهومة بيننا بصورة رائعة. حين كنت أدرس في باريس في عام 1938 تعرفت في أحد المطاعم بروسي ( أبيض ) سائق سيّارة ، أبدى دهشته من معرفتي و فهمي للروايات الروسية و أبطالها قائلا إنه من الصعب توقع هذا الشيء من الفرنسيين مما دفعني الى الإيضاح بأنني لست إستثناءا ، فهذا أمر شائع بين الطلبة الأرجنتينيين، وشعرت بأنني مضطر الى تحليل هذه الظاهرة الغريبة. هل قرأت يا سيدي ( أوبوموف ) “1” ؟ ونحن لو أبدلنا شاي مالك الأراضي ذات بشراب الماته" Mate “ 2 لكان أوبوموف أرجنتينيا من الطراز القديم : إنعدام التنظيم ، إحساس ما قبل الرأسمالية بالزمن ، السهوب الشاسعة ، الحياة البطريكية " 3 ” لأسرنا العريقة ، التربية الأوربية والفرنسية ، الزهو بكل ماهومحلي و في ذات الوقت إحتقاره ، كذلك الشبه بين دكاترتنا في القانون واللبراليين والمثقفين الروس الذين قرأوا مثلهم ، كونسيديران Considerant وفورييه Fourier ، الغليان السياسي والثوري في أوساط الطلبة والعمال ، الفوضوية و الإشتراكية... إلخ. لهذه الأسباب إستطعت أن أتلقى ( ملاحظات من تحت الأرض ) بصورة أكثر إمتلاءا من تلقي أستاذ فرنسي عجوز يرى شخصيات دوستويفسكي مجرد وصوليي وعيٍ ، مخبولين ، برابرة غير قادرين على الحكم على الأفكار البيّنة والنقية ، كما أنهم عبثيون لايعرفون المسؤولية لدرجة إعلانهم أن اثنين زائد إثنين تعادل خمسة ، وبذلك يتحدون التقاليد التي يحافظ عليها الديكارتيون و المصرفيون الفرنسيون. إذن كيف بإمكان هؤلاء الموسكوفيين ، ونحن كذلك ، الإعجاب بثقافة الغرب الرهيفة ، بالثيران الأسكتلندية ، بالروايات الفرنسية والفلسفة الألمانية والحمّامات في بادن بادن والبلاجات وكازينوهات القمار الأوربية ؟
وبهذه الصورة ، وللأسباب ذاتها ، صاروا ، ونحن كذلك ، في مدار أوربا ، وهي صفة تقليدية ، سلافية وأرجنتينية شأن الفودكا و الماته رغم تصورات بعض علماء الإجتماع السطحيين الذين يرون ذلك شهادة للإغتراب. وفي كل الأحوال فهذه هي إحدى صفات طبيعتنا. فالأوربيون ليسوا بمدار أوربا . إنهم أوربيون ببساطة.
يبدو لي أنه قد جاء الوقت كي نواجه بجرأة واقعنا ، بدون تعال وبدون شعور بالدونية . فنحن قد نضجنا. ومن مميزات الشعب الناضج أنه قادر ، بدون ألم و خجل ، على الإعتراف بماضيه. أنا أتكلم عن الأراضي الواقعة على نهر ريو دي بلاتا وليس المكسيك وبيرو ، فهناك تبدو القضية بشكل مغاير نظرا لتراث الهنود الحمر الضخم. وفي الأرجنتين بُنيت المدينة و الثقافة على اللاشيء ، على السهل ( بامبا pampa ) الذي تقطعه القبائل المتوحشة. فكل شيء جاءنا من اوربا : من اللغة والدين ( وهما العاملان القويان في نشوء الثقافة ) ولغاية أكثرية سكان أرضنا. ونحن لو كنا حازمين وإستمعنا الى الذين ينكرون المرة تلو الأخرى علينا ( الأوربية ) لكنا قد كتبنا بلغة البامبا وعلى قشور بيض النعام. ولكان كل شيء آخر غير محلي ، كوسموبوليتيا ، معاديا للقومية. وليس من الصعب ملاحظة حجم هذه الهراء. فثقافتنا تنحدر من أوربا ، ولاحيلة في الأمر إذ ليس هناك مسائل للبت فيها. وكل جديد نخلقه ينبع من هذا الميراث الذي لو لم يكن لما كنا قادرين على خلق أيّ شيء. ولا أتذكر من قال لأندريه جيد إنه لايقرأ البتة كي لا يضر بأصالته. وإذا كان على الإنسان أن يقول شيئا جديدا فهو لايفقد هذه القدرة بعد قراءته لكتب الآخرين. عدا ذلك فهو أمر جديد أننا نعيش على قارة أخرى كبيرة ، وكل شيء هنا يملك ، قليلا ، معنى آخر رغم أن الأسس قد أخذناها من هناك. الثقافة الجديدة ، حتى اللغة جديدة ، ولدت حيث وقف ( الغزاة ) الإسبان على الأرض الأميركية : أنهارها الرائعة ، القمم التي تطال السماء ، السهول التي لاتعرف الحدود ، الثقافات المحلية ، الشموس و الأقمار ، الجمال و الفظاعة ، الأمطار والوحول ، ولدت كلها هذه الثقافة الجديدة سوية مع الناس الذي ظهروا هنا لإمتلاكها. ولربما تريدون أنتم أصالة مطلقة ؟ لاوجود لشيء من هذا القبيل ! لا في الفن و لا في أيّ شيء آخر، فكل شيء ينهض على ما كان ويصعب البحث في كل ماهو بشري عن النقاء التام . وكان آلهة اليونان ( هجناء ) أيضا ، كانوا ( ملوثين ) بالثقافات الشرقية والمصرية. كذلك ففولكنر خرج من معطف جويس ، وهكسلي من بلزاك ودوستويفسكي ، وبعض الصفحات من ( الغضب و العنف ) كما لو أنها تكرار ل( يوليسيس ). وفي طاحونة على فلوس The Mill on the Floss ) لجورج إليوت تقيس إمرأة قبعتها أمام المرآة. وهذا مشهد من بروست أو بالأحرى نواته، و البقية كلها مجرد تطوير فذ ، سرطاني تقريبا ، لكنه تطوير. والحال ذاتها مع ( بارتلبي Bartleby ) لملفيل والذي سبق كافكا. وفي الأرجنتين تكون الظاهرة أشد : ثارمينتو Sarmiento ( ملوّث ) بجيمس فينيمور كوبر J.F.Cooper وشكسبير وشاتوبريان ولامارتين لكنه إستطاع أن يطوّع كل هذه المادة الغريبة كي يخلق عملا أمريكيا عظيما. وصار شيئا على الموضة الإستشهاد بآراليت Arlet الذي تلقى تربيته في أدب ديما Dumas وسو Sue وغوركي ورواية الصعاليك الإسبانية
novela picaresca ودوستويفسكي وبول دي كوك P. De Kock .
وما الذي يمكن قوله عن اللغة ، هذا الموروث الرائع الذي ليس بمقدورنا نبذه بل محظور علينا هذا الشيء. فهي شأن كل تركة ثقافية إزدادت غنى على يد الورثة الأفذاذ. وتملك مغزاها حقيقة أن اللغة الإسبانية المعاصرة قد تطورت في القرن التاسع عشر بفضل أدباء أمريكا اللاتينية من أمثال سارمينتو ومارتي Marti وكذلك روبن داريو R.Dario الذي كان سيّدها في مطلع القرن العشرين.
ينبغي تذكير كلّ من ينبذ العنصرالأوربي بأن كل ثقافة هي هجين ، وهي فكرة بالغة السذاجة أن يكون هناك وجود إفلاطوني لشيء أميركي. ومن هو قادرعلى الإفتراض بأن من تلقي القبائل البربرية التي قطنت غابات ومستنقعات شمال أوربا ، للثقافة الرومانية المتفننة ولد الأسلوب الغوطي ؟ و إذا خص الأمر أميركا لنأخذ مثالا على ذلك الموسيقى الأفروأميركية. فقد خلق الزنوج الذين إحتكوا بالثقافة الأنجلو – ساكسونية ، في المحصلة ، العمل الأكثر أصالة في الثقافة الأميركية ، ولربما عملوا بالصورة الأكمل على تطور الموسيقى الجديدة. فكل شيء ينهض من إمتزاج روح الديانات الفريقية بفرق الكورال اللوثرية و أحزان العبودية والإيقاعات الزنجية والأغاني الأسكتلندية والأرلندية. وهذا التأثير شمل القارة كلها. فالموسيقى الشعبية في كل مكان من الشمال الى الأطراف الجنوبية تحوي العناصر الزنجية. وعلينا تذكير القائلين إن قارتنا لم تعط العالم شيئا أصيلا ، بجميع الرقصات الشائعة منذ بداية القرن العشرين والتي غزت العالم، فهي تنحدر من أميركا : الجاز بجميع أشكاله ، الموسيقى الأفروكوبية ، الرقصات البرازيلية ، التانغو الأرجنتيني. وإذا أدركنا أن الرقص الشعبي هو التعبير الأوليّ لكل ثقافة ، ولحيويتها ، فليس هناك من شك في الإسهام الأميركي. كذلك ينبغي الإشارة الى أن الجاز الأميركي والتانغو الأرجنتيني هما على السواء أشكال ثقافية ذات معنى كبير وأصالة بالغة. والتانغوهوالرقصة الشعبية الوحيدة التي تملك طبييعة مرتدة الى الداخل introvertive وعلى خلاف بقية الرقصات ذات الطبيعة المفتوحة. التانغو رقصة حزينة ، درامية ، تعبّر بشكل صائب عن الصفة الأساسية لشخصية الأرجنتيني : المرارة ، النوستاجيا ، النزوع الى التأمل ، خيبة الأمل ، الأسى.


الرواية البسيكولوجية والرواية الإجتماعية

يهاجم أنصار الأدب ( الإجتماعي ) الآخر ( البسيكولوجي ) كشيء مضرّ ومعاد للثورة . و أظن أن مجرى تفكيرهم هو كالتالي لا أكثر ولا أقل : المسائل البسيكولوجية تخص ، بكامل إمتدادها ، الفرد ، والفرد المنسلخ هو أناني لايكترث للعالم المحيط به والذي ( يعاني )، او أنه معاد للثورة يحاول البرهنة على أن الأمر كله هو في الروح و ليس في النظام الإجتماعي ..إلخ.
قبل كل شيء ليس هناك من فرد منسلخ . فكل واحد يحيا في المجتمع و يكافح ويصارع أو يختفي. وليس موقفنا الإجتماعي لوحده ، والمليء باليقظة ، هو نتيجة لتلك الصلة المستمرة مع العالم المحيط بل كذلك الأحلام والكوابيس التي تولدها هذه الصلة. و إذا لم تأت التجارب ، وحتى تجارب أكبر أناني أو مُنكر للذات ، من حضوره في هذا العالم الذي قدر له أن يعيش فيه فمن أين تأتي وأين تولد؟ من موقع الرؤية هذا تعطينا الرواية وحتى الأكثر ذاتية ، وسواء أكانت بأسلوب أقل أوأكثر تعقيدا ومباشرة ، تلك الشهادة عن العالم الذي يعيش فيه بطلها.
أما ما يسميه أولئك النقاد بالرواية الإجتماعية فهو مجرد تصنع روائي ، خارجي ، سطحي. ونحن لانعرف أيّ كتاب ( إجتماعيين ) عاشوا في حقبة تولستوي ، وحتى لو كان أمثال هؤلاء لما تميزوا بالقدر الذي يسمح لنا بالسماع عنهم ، في حين أن عظماء الكتاب الروس الذين لم يضعوا هدفا لهم وصف الظواهر الإجتماعية كانوا قد عرّوا بشكل صارم روح الإنسان الروسي من تلك الحقبة ، كما أبقوا لنا صورة باهرة لذلك المجتمع . فأبطالهم لم يحيوا في الهواء ، إنهم جنرالات وبغايا و موظفون وطلاب. وأكيد أنه لا ينتج عن هذا أن في كل رواية يقدّم الكاتب شهادة للواقع كله. فإذا سقطت صخرة كبيرة في البحيرة تتصاعد موجة عاتية ، وإذا سقط حجر صغير يسمع صوته بالكاد.


الكاتب والأسفار

سواء أكان الأمر طيبا أم سيئا فالكاتب الحقيقي يتكلم عن الواقع الذي يعرفه منذ أن كان في المهد، إذن عن الوطن وحتى إذا بدا لنا بأنه يهرب في أحداث بعيدة زمانا ومكانا. وقد يكون بودلير هو القائل بأن طفولتنا هي الوطن. ويخيّل لي أنه من الصعب كتابة شيء أكثر عمقا وبدون أن يرتبط بأسلوب مفتوح أوغير مباشر بالطفولة. لذلك فحتى المنفيين الكبار ، إبسن أو جويس ، نسجوا على هذا المنوال الغامض. وفي الأسفار ثمة شيء سطحي على الدوام. وعلى كاتب أزماننا أن يعمّق الواقع . وإذا كانت له أسفاره فهي ، وهنا تكمن المفارقة ، لأغراض التعرف الأعمق على الأماكن والناس من محيطه.



مشكلة الكاتب الرئيسية

تكون الرواية ، بالنسبة لي ، شأن التأريخ و بطله : الإنسان ، صنفا غير نقي في جميع الأحوال. فهي لا تخضع للقوالب ولاترضخ للتقييد. وفيما يتعلق بأمور المشََغل ، أنا أعتبر أ مرا مبررا كل ما يخدم الأغراض المنشودة ، الأدبية . لذلك يكون التجديد من أجل التجديد فقط ، أمرا غير أساسي.
وهكذا فحين يوّجه إنسان القرن العشرين بصره صوب عالم اللاوعي والذي يجهله لغايتها ، يكون أمرا محتوما ومشروعا إستخدام المونولوج الداخلي . وتفترض رواية اليوم الوصول الى الحقيقة عن الإنسان ولذلك يرغم الكاتب على إستخدام جميع الوسائط المتاحة وبدون الإكتراث لقضايا مثل تماسكها وتجانسها. فهو تارة يستفيد من المجهر وأخرى من الطائرة. وهو أمر مضحك فحص الجرثومة بالعين المجردة ، و البلاد بالمجهر. وهذا هو أحد أخطاء من يسمّون بالموضوعيين ، وبصورة أعم ، جميع الذين يريدون القيام برحلة الى نهاية الحالة الإنسانية بواسطة ماكنة واحدة، أي حين يضحون بالحقيقة والأعماق من أجل وسيطة واحدة لاغير في حين أن المفروض هو أن يحصل العكس ، إذ لاشيء في الرواية يمكن أن يحدث على حساب الحقيقة. إذن هناك تدهوريون decadents حين توضَع ال( كيف ؟ ) قبل ال ( ماذا ؟ ). وتبدو المسألة كما لو أن هناك فردا عليه الدوران حول الأرض في ثمانين يوما ، أراد القيام بذلك ، وبدافع الهوس الصرف ، على ظهر فيل أو دراجة هوائية ، رغم أن الدراجة لاتصلح لعبور النهر ولا الفيل لقطع طرق المواصلات السريعة. فالهدف هنا هو الدوران حول الأرض في ثمانين يوما و ليس جعل الفيلة مشهورة أو زيادة عدد زبائن تجارة الدراجات.
إن كل كاتب كبير لايكترث البتة لإدعاءات هؤلاء ( النقائيين ) ومطاليبهم. ولنتذكر فولكنر. يقولون عنه بأنه لايتقيد ، ولحد كبير ، بمتطلبات الموضوعية ، ويجري الإستشهاد هنا ، في كتابات الأكاديميين الجدد ، ب ( عثراته ) ، كذلك يقارنون إبداعه بتأليف أحدهم المسمى هاميت Hammet . و ليكن الأمر بهذه الصورة ! إلا أن تفصيلا صغيرا صار مُهمَلا ، وهو أن كتابة هاميت هذا كلها لاتساوي قصة واحدة لفولكنر. عدا ذلك فهم لا يفهمون بأن هذه ( العثرات ) هي بالذات معيار عظمته وحيويته. ولاحاجة هنا لذكر جويس الذي يكون عمله عرض لتقنيات الكتابة وأساليبها بدءا بالباروك الأكثر تطرفا ، عبر القالبيةschematism الكلاسية بأشكالها الأكثر خشونة ، أو من الإنطباع الصرف الى الفكرة الصرفة ، ومن الوثيقة المفصَّلة الى الفنتازيات الأكثر جنونا.

يتبع

د.أسد محمد
17-11-2004, 09:25 PM
مساء الخير
عزيزي نمر ما تثيره من قضايا يحتاج إلى وقفة طويلة
وإن موضوع الماركسية هي علم أم فسلفة
يحتاج إلى مراجعة
مع تقديري
أسد