المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في التذوق الجمالي لقصة الأبرص والأقرع والأعمى ( قراءة نقدية )



جبريل سبعي
30-08-2004, 04:53 PM
في التذوق الجمالي لقصة الأبرص والأقرع والأعمى
بقلم : جبريل إسماعيل سبعي
7/1/1423هـ

تبدأ بعض الأفلام السينمائية وبخاصة الأجنبية منها ؛ بمشهد قصير ، أو مجموعة من اللقطات تعرض قبل موسيقى البداية ، من أجل أن تستثير في المتفرج حالة من الترقب والانتظار ، وقد يستغنى عن مثل هذه المشاهد بعبارة تقريرية مسموعة أو مكتوبة ، تخبر بمكان وقوع أحداث الفيلم ، أو بزمن تلك الأحداث ، ونحو ذلك .

وفي نصنا موضوع هذه القراءة تطالعنا العبارة : " إن ثلاثة في بني إسرائيل : أبرص ، وأقرع ، وأعمى ، بدا لله أن يبتليهم " .

تقرر هذه العبارة مكان وقوع أحداث القصة ( في بني إسرائيل ) ، وتقرر عدد الأبطال ( إن ثلاثة ) ، وبعضا من صفاتهم الجسمية ( أبرص ، وأقرع ، وأعمى ) ، وتومئ مع التكتم إلى أن ابتلاء ما سيحدث لهم من الله تعالى ( بدا لله أن يبتليهم ) ، زارعة بذلك في المتلقين شيئا من الاستزادة والترقب .

ثم بعد ذلك يبتدئ العرض بمشهد : " فبعث إليهم ملكا " أي فبعث الله ... ، وهو مشهد سريع وامض ، تحققت سرعته باستخدام فاء العطف الدالة على اتصال المعطوف بالمعطوف عليه بلا مهلة (... فبعث ... ) ، وتحقق وميضه وقصره باستخدام كلمة " بعث " إذ هي نفسها تثير في الذهن لقطة قصيرة ومضطربة ( يقال في اللغة : بعث الناقة أثارها ، وبعث فلانا من منامه : أهبه .. انظر القاموس المحيط مادة بعث ) .

ووجود الملك في المشهد كان بدوره يضفي غرابة على الجو العام في المشهد ، والإخراج إنما جاء على هذه الصورة إبهارا للمتلقين بإيماض العرض ، وبغرابة إحدى شخصيات القصة ، وإرهاصا بأن شيئا غير عادي سيحدث في المشاهد اللاحقة .

يعرض المشهد الثاني : " فأتى الأبرص فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : لون حسن وجلد حسن ، قد قذرني الناس ، قال فمسحه ، فذهب عنه ، فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا . فقال أي المال أحب إليك ؟ قال : الإبل ... فأعطي ناقة عشراء ، فقال : " يبارك لك فيها " .

الملك في هيأته الحسنة يقف من أمامه الأبرص قذر الشكل ، سيء الحال .. يقوم بينهما حوار قصير يمكن أن نسميه من جهة الملك حوار عرض ، إذ يهدف الملك من خلال ما يتفوه به من الكلمات إلى عرض الحالة الشكلية ، والنفسية ، وحتى الاقتصادية لذلك الأبرص المسكين ، يتضح هذا في قول الملك : " أي شيء أحب إليك ؟ " إن السؤال هنا لينتظر إجابة كاشفة وعارضة وتخدم الموقف السينمائي لا غير ، ويمكن أن نسميه - أقصد الحوار - من جهة الأبرص حوار طبع إذ إن هذه الشخصية لا تعدو من خلال ما تقوله كونها تكشف عن طبيعتها ، وعن همها ، وعن تصورها لنفسها وللناس ، وعن مدى رغبتها في أن تكون سوية ، ذات لون حسن وجلد حسن حتى لا يقذرها الناس ( أي شيء أحب إليك ؟ قال : لون حسن وجلد حسن ، قد قذرني الناس ) .

وفي أثناء هذا الحوار يتغير بتقنية المسح ( تقنية معروفة في فن السينما ) شكل الأبرص وحالته إلى الأحسن ( فمسحه ، فذهب عنه ، فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا ) ، ثم يعطي الملك الأبرص ناقة عشراء ، و يدعو له بقوله : " يبارك لك فيها " .

يلاحظ على المشهد أنه يبدأ بحركة المجيء يؤديها الملك ( فبعث إليهم ملكا ، فأتى الأبرص ... ) ، وينتهي بعبارة يتفوه بها الملك أيضا ( يبارك لك فيها ) بالإضافة إلى ما كانت أدته هذه الشخصية ( الملك ) من عمل ، وما أدارته من حوار ، وفي اعتقادي هذا التركيز إنما حصل على هذه الشخصية لتعطى في المشهد قدرا أكبر من الحضور ، بوصفها هي المحرك الأول والموجه لخط سير الأحداث .

كذلك يلاحظ على المشهد أنه ينتهي فقط على مستوى الحوار ، أما على مستوى الأحداث فيوقف إلى موعد لاحق ممتد ، تحصل فيه البركة والنماء .

بعد ذلك يعرض المشهدان الثالث والرابع ( مشهد الأقرع ، ومشهد الأعمى ) لا يختلفان عن سابقهما غنى ، وحيوية ، وطولا ، وطريقة عرض .

ثم بعدهما يعرض المشهد الخامس : " فأنتج هذان ، وولّد هذا ، فكان لهذا واد من إبل ، ولهذا واد من بقر ، ولهذا واد من غنم " .

يحتوي هذا المشهد على فجوة زمانية عمرها سنوات ، في خلال هذه الفجوة وقعت أحداث نتاج كل من الإبل والبقر ، وأحداث ولادة الأغنام ، والملاحظ أن هذه الفجوة الزمانية عرضت في المشهد مضغوطة من خلال اللقطة : " فأنتج هذان ، وولد هذا " تظهر عملية الضغط بدءا من التركيب اللغوي ، فكلمة " أنتج هذان " تختصر القول " أنتج هذا ، وأنتج هذا " وحتى كلمة " ولّد هذا " هي أيضا مضغوطة ، لأن عملية الولادة في مثل ذلك الوادي من الأغنام إنما تتم على صورة التكرار العشوائي المستمر ، ولا يمكن اختصارها في كلمة واحدة " مشددة " إلا على سبيل التكثيف والضغط .

ويستمر عرض المشهد من خلال اللقطة " فكان لهذ واد من إبل ، ولهذا واد من بقر ، ولهذا واد من غنم " إن كلمة " كان " في هذه العبارة لتتولى مهمة الإشارة إلى تلك الفجوة الزمانية ، وإن الكاميرا هنا لتمر مرورا متأنيا على ثلاثة أماكن ( أودية ) يعد كل واحد منها امتدادا فسيحا يحتله نوع من الدواب ، وهذا الامتداد المكاني الفسيح بصورته هذه كأنما هو يريد من الناحية الفنية موازنة تلك الفجوة الزمانية الطويلة ..

ونلاحظ أن المشهد العام انتهى على عكس ما ابتدأ به حيث ابتدأ بعرض الفجوة الزمانية المضغوطة وانتهى بعرض بعض المساحات المكانية المتفلتة ، وعلى مستوى السرعة بدأ سريعا من خلال الضغط ، ثم أخذ في جزئه الثاني يتباطأ حتى تكتمل في المخيلة صور تلك الأماكن الواسعة ، يوحي بعملية التباطؤ استخدام واو العطف الدالة على المهلة والتروي ، وتكرار مجموعة من الكلمات بنفس الأسلوب على نحو يشعر بالرتابة : " فكان لهذا واد من إبل ، ولهذا واد من بقر ، ولهذا واد من غنم " .

بعد ذلك يعرض المشهد السادس : " ثم إنه أتى الأبرص في صورته ، وهيئته ، فقال : رجل مسكين تقطعت به الحبال في سفره ، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن ، والجلد الحسن ، والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري ، فقال له : إن الحقوق كثيرة ، فقال له : كأني أعرفك ، ألم تكن أبرص يقذرك الناس ؟ فقيرا فأعطاك الله ؟ فقال : لقد ورثت لكابر عن كابر . فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت " .

ها هي الفجوة الزمانية قد ألقت بظلالها على جميع المرئيات في هذا المشهد ، الملك صار أبرصاً ً ومسكيناً ، والأبرص تغيرت حاله تماماً .. أصبح لديه جاه ومال ومرأى جميل ...

يتم بين الملك والأبرص حوار من خلاله يعرض الملك حالته السيئة وعجزه وعوزه ، ومن خلال هذا الحوار يكشف صاحبنا الأبرص عن طبعه اللئيم الجاحد لنعم الله ، وفي أثناء ذلك يتحول بتقنية الفلاش باك شكل الأبرص وحالته إلى ما كان عليه قبل سنوات " ألم تكن أبرصاً يقذرك الناس ؟ فقيراً فأعطاك الله ؟ " إرهاصاً بأن شيئاً من هذا سيحدث لاحقاً ، ثم يدعو الملك على الأبرص بقوله : " إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت " ليتحقق معنى التراجع تساوقاً مع تقنية الفلاش باك حتى على مستوى الموقف ، فبعد أن كان الملك هناك قبل الفجوة الزمانية يدعو للأبرص تراجع هنا عن موقفه ليصبح يدعو عليه .

وهذا المشهد لا يختلف عن مشاهد ما قبل الفجوة الزمانية ( الثاني والثالث والرابع ) سوى في تبدل الأحوال والمواقف وفي استخدام تقنية الفلاش باك وأشياء أخرى قليلة سنتحدث عنها لاحقاً إن شاء الله .

يعرض المشهد السابع : " وأتى الأقرع في صورته وهيأته ، فقال له مثل ما قال لهذا ، فرد عليه مثل ما رد عليه هذا . فقال : " إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت " ..

تتنقل الكاميرا بواسطة فاء العطف تنقلاً سريعاً ما بين الملك والأقرع ( وأتى الأقرع ... فقال له ... فرد عليه ... فقال ... ) ، ويظهر المشهد قد نُزع منه عنصر الصوت ( فقال له مثل ما قال لهذا ، فرد عليه مثل ما رد عليه هذا ) ليعطي مؤثر السرعة فرصة أن يفرض نفسه بقوة ما دام هذا المشهد هو نفسه المشهد السابق ، لكن نرى الكاميرا تقف وقوفاً مريحاً على لقطة مسموعة كانت عرضت في المشهد السابق " فقال : إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت " وذلك من أجل أن تؤكد على وجود عنصر التشابه ما بين المشهدين ، ومن أجل ألا تترك المشهد الحالي على المستوى الفني متخلخلاً من دون لقطة مقنعة ومريحة يقف عليها .

بعد هذا يعرض المشهد الثامن لا يختلف عن مشاهد ما بعد الفجوة الزمانية ( السادس والسابع ) في تبدل الأحوال وفي طريقة الإخراج والعرض لكنه يختلف عنها في موقف الأعمى إذْ هو مقر بفضل الله ، وشاكر لنعمه تعالى ولذا فتقنية الفلاش باك بعد أن كانت في المشهدين السادس والسابع يستخدمها الملك من خلال قوله : " كأني أعرفك ألم تكن ... " موحياً بسيطرته حتى على الموقف الفني يصبح هنا الأعمى بفضل شكره لنعم الله هو المالك لزمام نفسه ومصيره حتى ليتولى هو عملية إخراج المشهد الذي يؤديه مستخدما نفس التقنية : " قد كنت أعمى فرد الله علي بصري وفقيرا فقد أغناني " وهنا بطبيعة الحال ينتهي دور الملك لينسحب بهدوء " فقال : أمسك مالك " ويغمض المشهد .

بعد ذلك يعرض المشهد الأخير " فإنما ابتليتم ، فقد رضي الله عنك ، وسخط على صاحبيك " وهو مشهد حواري ( من طرف واحد ) يطغى فيه عنصر الصوت الموحي بالصخب ( سخط على صاحبيك ) .

***

كما كنا تحدثنا فيما سبق عن السيناريو سنتحدث فيما يلي عن المونتاج ، وتقنيات الربط .

هناك ثلاثة مشاهد أحدها ابتدأ به العرض ، والثاني توسطه ، والثالث انتهى به ، وهي على التوالي مشهد " فبعث إليهم ملكا " ومشهد " فأنتج هذان ، وولّد هذا ... " ومشهد " فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك " .

تتفق هذه المشاهد في كونها ليست من تلك التي يأتي فيها الملك إلى إحدى الشخصيات الثلاث ليحاورها ثم يدعو لها بالخير والبركة ، أو يدعو عليها بالنقمة والبلاء .

وتتفق هذه المشاهد في كونها جميعا ربطت بما قبلها بفاء العطف للإيحاء بسرعة عرضها فكأن المشهد الواحد منها عندما ينتهي الذي قبله يضاء هو فجأة .. ( فبعث إليهم ملكا ) ، ( فأنتج هذان ، وولّد هذا ... ) ، ( فإنما ابتليتم فقد رضي ... ) .

أما مشاهد الأبرص والأقرع والأعمى التي قبل الفجوة الزمانية فقد تماثلت في الطول ، والحوار ، وطريقة الإخراج ، والعرض ، وقد ربط فيما بينها بواو العطف من أجل الإيحاء بوجود تدرج خفيف في إضاءة المشهد حينما يبتدئ عرضه بعد إغماض الذي قبله .. وانظر كيف بعد أن انتهى مشهد الأبرص ابتدأت المشاهد التي بعده : " وأتى الأقرع فقال أي شيء أحب إليك ... " ، " وأتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك ... " .

لكن استئناف العرض بعد الفجوة الزمانية اقتضى استخدام الحرف " ثم " للإيحاء بوجود تدرج ثقيل في الإضاءة ومن ثم خلق شعور لدى المتلقين بطول الزمن الذي يفصل بين أحداث مشاهد ما قبل الفجوة الزمانية وأحداث مشاهد ما بعدها " ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين ... " ، في حين بعد ذلك عاد العرض يستخدم حرف الواو للربط بين المشاهد ..

وقد بني المونتاج على أساس التماثل بين مشاهد ما قبل الفجوة الزمانية ، وعلى ذلك الأساس بين مشاهد ما بعدها ، أما على المستوى العام الذي ينقسم فيه النص إلى جزأين أحدهما قبل الفجوة الزمانية والآخر بعدها فقد جمع المونتاج بين هذين الجزأين على أساسي التناقض والمفارقة .. تحقق التناقض بين جزأي النص على مستوى أحوال الشخصيات وأشكالها ، وتحققت المفارقة على مستوى مواقفها وردود أفعالها .

هذا وكان المونتاج يحفل بالصدمات السينمائية التي كانت تصنعها تقنيتي المسح والفلاش باك ، وعملية إيقاف المشهد حيث هو لم يكتمل بعد ، ومفاجآت كسر التماثل والرتابة في كثير من الأحيان .

الخمرية
01-09-2004, 08:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أستاذي الجليل جبريل أيها المتجلي عبر نص جميل

السابر السابح بالعمق وبالمنطق إدراك اللامستحيل

ما أحسبك إلا حلما يستشعر أبجديات النحو على بعد كان

وكأنه كائن أن تستشرف نصا إلى عمق نفس للبعد السادس في الحدس

أنت رؤية تسقط في عمق الإحساس حينما تسقط رؤيتك الثاقبة على الشعور الإدراكي , لشعور مستكنه لعمق الشعور

أنت بذلك تمسك جدلية النص بعمق النفس والإحساس , وتجاوزات البعد الآخر للنص / النفس / أنت بذلك تستشعر تلك

الثروات اللامرئية في جدلية النص النفسي والحركية الذهنية الذاتية المستشرفة لأغوار النفس / النص وفق رؤية فلسفية

استشرافية , تحليلية تقوم على قواعد فلسفة المعاناة الإنسانية للشعور الداخلي التي تتجاوز البعد اللحظي , إلى قامة

هائلة

تحتاج إلى فهم ودراسة , قدرة هائلة من التذوق الحسي النفسي في هذا النظام الكوني الدقيق التصريف حتى في

بؤرة الواقع الإنساني

وما يحيط به من تداعيات وارتدادات وطاقات لا شعورية يمتلئ بها رحم النص / الذات / الساكنة في عمق الحدث

المتواترة عبر تداعيات النص الهدف .

فكيف يمكن أن أسقط عليها تلك النظرة المتأملة مالم أتناول الأبجديات التي سأتعامل وفقها عبر هذه النفس , النصية

أو لنقل نصية النفس . فالنفس روح , وكذلك النص .

النفس , خيال وفكر وكذلك النص . شعور عميق اضطراب , جدل , صراع ، منطق , حب ، ضعف ، رغبة ، جنون , احتدام

التحام . اصطدام , تجاوز , نقص , اكتمال .....................الخ .

صياغة لآلية الواقع المتماثل مع الزمان , المكان الأحداث , التي لفظت في مضمونها تلك الطاقات الهائلة في النص النفس

على حد سواء , وكونت كل هذه القيم والأفكار والروح التي ترزح تحت وقائع تبصير في زمن متضاد , ومكان قابل

للحكم على تأريخية العقل ومنطقيته واستيعابه إذن أنت سيدي الثري ..........

أنت بقراءتك تنطلق من رؤى جد عميييييييييقة ترتد وترتعد إلى واقعة النفس وواقعية النص التي تشكلت مكونة هذا

هذا السلوك الإنساني وهذه الدراماتيكية المثيرة هذه اللغة المحكية , وهذا النظام التطلعي في الرواية

والحبك ,والارتداد إذن أنت تضع كل الأسئلة المحتملة مع الملك الذي أراد أن يجعل بؤرة الامتحان تنطلق من ردة

الفعل / الانسان / النفس / النص ؟؟؟؟ سينمائية المشهد ...الحوار , الزمن , المكان , السيرة .



. مرتلا روافد النفس وشهادة النص .واضعا في الاعتبار كل هذه الأحداث التي وقعت في زمن ما ,

وفي مكان ما إنما هي إسقاط كوني لإبتلاءات , يتكشف منها صلاحية هذا الوجود الإنساني لخلافة الأرض

. بداية المشهد , مجموعة من اللقطات التي تُعرض كإحماء من أجل أن ( تستثير في المتفرج حالة من الترقب والانتظار )

الأشخاص ثلاثة أنفار من البشر , الجنس : ذكر . الهوية : من بني إسرائيل .

الصفات الجسمية : أبرص , أقرع , أعمى .

الحالة المترقبة لهم : ابتلاء . القدرة على التشخيص : تأتي من خلال تناول الملك للحالات النفسية والشعورية والاجتماعية

والإقتصادية وكأن الملك أتى وقد سبر أغوار هؤلاء الثلاثة وأنه في موقف الإبتلاء قد حبك النهاية ؟

أول هذه الابتلاءات فتنة السؤال الذي يبحث عن جواب معلوم سؤال يبدأ من السهولة بمكان ما يجعله يخترق عمق

النفس الإنسانية وحاجتها للفهم والإحتواء النفسي والنصي الجسدي العام , إنه يدخل إلى عمق العمق في بؤرة النفس

فيتجاوز من خلاله إلى عمق النص الجسد الذي يتمحور عبر هذا النسق الحسي التراجيدي للمشاهد لإستشراف أبعاد


النفس بهذا التصوير المختزل الذي يحمل وراء كل أبعاده نظام متكامل متشابك في اللغة والسرد والقيمة المعنوية

والحسية والشعورية / الزما نية , والمكانية / اللغة الجمعية / القصة المحكية , مجموعات متكاملة من الموروثات ,

الارتدادات التي يمتلئ بها هؤلاء الأشخاص العاديين الذين يحملون من الآمال ما ينأ به عمق الحلم ؟

وبقدر ما يتناول أستاذ ي الجميل هذه النظم النفسية النصية بقدر ما يطرح أمامنا مجموعة نظم متساوقة مع منهجية

النص بأسئلة تحتم ماهية وبعد النص النفسي الإنساني وما يعتملها من اسقاطية وجود هذه الأمراض التي لايبرء

منها إنسان إلا بإعجاز إلهي محكوم وخارق للعادة على أيد صفوة من الخلق .أو مسحات لمساوية رحمانية روحانية

نورانية على روحية الروح البشرية نفسها , على روح بشرية تكون واقعة تحت امتحان لامتحان ؟

ابتلاء لابتلاء إنسان من مجموعات قيمية يعيشها ويتفاعل معها وعلى أساسها يعاقب او يثاب ؟ .

سيدي الرمز , الثراء , جبريل :

إن إثراءك لهذا التحليل النفسي للنص وهذه الإسقاطات الإنسانية التي تضعنا أمام جملة من العروض والمشاهد التحليلية

لسبر أغوار النفس الإنسانية من خلال مشهدية حوارية / متراصة / متلاحقة , وكأننا أمام شريط سينمائي , بل شاشة

شاشة عرض لمسرحية ( تاريخية ) سحيقة في التأصيل الزمني والمكاني , ممتدة بديمومتهاالفكرية والتراثية والدينية

والثقافيةالمستوحاة من النص بأن كل نفس معرضة لأقدار الله لإبتلاءاته , لسخطه ورضاه للفقر والجوع والقهر والمرض

وأن الله رحيم بعباده حتى لو كانوا عصاة جاحدين . وأن الذي خلقك لن ينساك وهو كفيل برزقك حتى وأنت جنين

في رحم أمك لا تملك حولا ولا طولا ولا قوة , إذن فإن كل شيء عنده بعلم ومقدار , لكنه لم يخلقنا عبثا أو ارتداديين

لغواية شيطان وتزيينالظلال بل أرسل الرسل والملائكة وحتى الأرواح النورانية لتكون بلسما وشفاء وصلاحا وفلاحا

وهذه القصة في مجملها تقوم على تناصيات حبكة دراميكية مصورة عبر هذه المشاهد التي تعرض سلوك هؤلاء النفر

والبعد الديني الذي يهدف إليه النص وفعل الشكر المؤثر الذي أدى إلى عاقبة البركة والزيادة والنماء .

وفعل الكفر الذي قوبل بالجحود والنكران والذي أدى إلى المحق والبخس والسخط والهلاك .

وقد شكر الله للأعمى الذي لم يكن أعمى القلب بل كان مبصرا بعمقه واعتقاده مؤمنا ومعترفا بفضل الله تعالى عليه

ولم يكن جحودا كفورا كصاحبيه

واللذان حق عليهما القول . إذن فمدارالحديث حول الإنسان كرؤية وما يحمل من متناقضات , ومضامين فكرية ونفسية

وروحية نجدها تمثلت في هؤلاء الثلاثة : الأقرع , والأبرص , والأعمى.مصدرا لدراسة تأملية في قدرة الله وحكمة الله


أيها الرمز الثري بالجمال : عذرا للإطالة لكنك بحق تدهشني وما أراني إلا ازداد بك رؤية ودهشة وحكمة ؟

وحبورا وتأملا استنطاقيا لأبعاد تصنعها في إحساسي كمتذوقة انطباعية لحسك المتجذر بالأعماق

أعذرني : لو جاء ردي قزما أمام قامتك الشاهقة البهية التي تستحق الثناء والبهجة والإكبار والإجلال حد الارتواء

سيدي جبريل : لك مشاهد لا شعورية من الحبكة الروحية اللا معلنة تسطرها نوازع الروح نحو الحقيقة وتعلن

إعجابها الصارخ بقلمك العميق أيها الشاعر الناقد الفيلسوف . :f:

موسى عقيل
04-09-2004, 09:53 AM
وأنا أقرأ هذه النظرة الجميلة الثاقبة والوعي الكامل بكل الدلالات التي يحويها النص وجدت ذلك الناقد الذكي القادر على فهم وتفكيك وتحليل المفردة ووضعها في اطار أكبر لا يمكن للسمع او النظر العادي أن يتجاوز بها إليه .. وغاية الجمال هو إدراك الجمال .

سبق لي أن تشرفت بقراءة كتاب الجميل جبريل سبعي (( في التذوق الجمالي لقصة أصحاب الغار )) وها أنا هنا أزداد شرفا ومتعة بقراءة هذا الهطول الجميل وهو في كلا العملين يظهر لنا كيف يمكن أن نكتشف اعماق الجمال الفني في النص الشرعي ويؤسس لعمل جميل وكبير في ظني لا يستطيع القيام به الا القلة من أصحاب الإدراك للجمال وصدق وسلامة المعتقد .. هو هنا يقول أن النص الشرعي يحمل كل قيم الجمال ومفاهيم الفن الحديث مع كل ما يحمله من قيم دينية سامية ، بل ويظهر منفرداً واضحاً بأدواته الخاصة وفهمه العميق لدلالات النص ..

اعتدت كلما قرأت للسبعي احدى جمالياته الفنية أن أقف مع الفهم في عمق المتعة والجمال ، لأن ما أريده من الناقد أن يساعدني على اكتشاف الجمال ويظهر لي النص الفني جماله الجزئي الذي يتجمع ليكون جمالا كليا ، لا أن يفسر ويشرح لي معاني كلمات النص كما هو السائد في كثير من القراءا الأدبية ..


شكرا من الأعماق لك أيها الجميل

وبارك الله هطولك القديم والجديد ، وغيماتك المقبلة ..