مشاهدة النسخة كاملة : عشرون قمراً للوطن
حواء سعيد 13-05-2004, 05:47 PM دراسة أدبية:
عشرون قمراً للوطن
[ دراسات في الشعر الفلسطيني المقاوم ]
طلعت سقيرق
*** مقدمة ***
كم تبقى من زمن كي تعود العصافير إلى أعشاشها؟؟..
في دفتر الشعر تأتي الإجابة أنّ هناك حاجة ماسّة لإزاحة عتمة الليل، لإبعاد الظلمة وزرع كل فصول الضوء.. عندها يمكن للوطن أن يكون أكثر جمالاً، أكثر اخضراراً، أكثر عطاء ، وأكثر إصراراً على جعل النهار هوية لا ينطفئ نورها..
هل يصل الشعر لأن يكون مدخلاً لإعطاء الصورة بكل ألوانها الزاهية؟؟..
الشعر في مساحة الإبداع صوت الأعماق الإنسانية، دفء أو حركة المشاعر في تدفّقها.. وفي ساحة الحياة انعكاس فعل، أو سعي دائب للتحريض على الإتيان به.. عندها يكون الشعر حركة أو مرآة الفعل من جهة، واستدعاء وطلباً لهذا الفعل من جهة ثانية.. وما أن تفتح العين باتساعها على المستقبل حتى يكون المستقبل صورة منظورة متخيلة تلونها المشاعر والانفعالات والإحساسات وصورة مشتهاة تخلقها قراءة الواقع المعاش، وتوقّع ما سيكون ثم إدخال الكثير من الصور الملونة الجميلة..
هل هي محاولة لفهم ما أريد أن أقوله في هذا الكتاب؟؟..
أريد أن أقدم عشرين قمراً للوطن.. أن أقول بصريح العبارة إنّ الشعر يمكن له أن يوجد الطريق الذي يريد حين يلتصق كل الالتصاق بواقعه، وينطلق من خلال هذا الواقع..
والمسألة ليست في قراءة نتاج، أو بعض نتاج عشرين شاعراً من الوطن المحتل، وليست في هذا الإصرار على قراءة الواقع من خلال قراءة القصيدة، لكنها في التطلع إلى قادم الأيام، والقول إنه مهما جرى من انكسارات وتراجعات، فإن التشبث بالضوء واجب، ,إنّ التشبث بإشراقة الشمس ضرورة ملحة..
فلا معنى لأن نسلّم، مهما كانت الظروف ،بطغيان العتمة واتساع مساحتها على هذا الشكل أو ذاك.
إنهم عشرون شاعراً، تشكل قصائدهم نسيج اللقاء مع الوطن، ذلك أنّ الشعر أغنية وأمنية وفعل. والشاعر الذي يقول الوطن، إنما يحاول قدر المستطاع أن يحمل هم الشجر والماء والشارع وكل الوجوه، كما يحاول قدر المستطاع أن يدخل في الفعل ليكون فاعلاً مؤثراً، ذا بصمة في كل خطوة تمضي إلى الأمام.. من هنا أهمية الشعر.. كما أهمية الشاعر..
في مسار ضاغط، كثيراً ما يطرح السؤال: وماذا يفيد الشعر في هذا الزمان؟؟ والغريب أن يأتي الجواب على شكل السؤال المطروح. "حقاً ماذا يفيد الشعر"؟؟ وفي هذا وذاك انطلاق مسبق من حالة يأس لا تريد أن ترى شيئاً في أي شيء. فكل الدروب تؤدي إلى الضياع وكل الكلمات فارغة لا معنى لها.. والزمان الذي نعيش لا يصل بنا إلى أي جدوى..
ولأن الصورة غائمة مشوشة يائسة إلى هذا الحد فهي تسيطر على الرؤيا لتكون كل الأشياء غائمة غائبة، لا معنى لها..
إذا سرنا خطوة في هذا الطريق، خطوة أخرى، نصل مباشرة إلى السؤال الجارح: ما معنى أن نتحدث الآن عن الشعر الفلسطيني المقاوم؟؟ والسؤال جارح لأنه يصر على النفس القصير اللاهث.. يصرّ على حرق كل الأوراق والمراكب.. يصرّ على طيّ ما كان ومحاولة تناسيه هكذا دفعة واحدة.. علينا في سياق هذا السؤال ومحاولة وضع الإجابة، أن نحرق كل أوراقنا وأدبنا، لنقول: لا جدوى من أي أدب مقاوم في هذا الزمان، ولا جدوى من الحديث عن هذا الأدب.. لأنه، وفي منظور من يطرحون السؤال، لم يعد هناك أي معنى للحديث عن مجابهة وتحد ومقاومة.
هل هو هذا السقوط السريع في حالة عامة من الإحباط..؟؟ وإلا ما معنى أن نلقي الأسلحة قبل انتهاء المعركة.. ومن هو صاحب الحق والكلمة الأخيرة في إنهاء مثل هذه المعركة أو المجابهة، أو التحدي المصيري.. أيمكن أن يتعلق الأمر بكلمات يقولها أو يسوقها فرد أو أفراد؟؟ أيمكن أن نعلق شؤون وطن وشعب بما يراه قلة أو أفراد من هذا الشعب؟؟..
هناك زمن.. هناك شعب.. هناك وطن.. والصورة أكبر وأكثر اتساعاً من الوقوع في مطب التسليم بوجهة نظر. أو رأي، أو ما شابه.. إذ لا يمكن للعدل أن يكون عدلاً بعيداً عن المعاني الأصيلة الكامنة في كلمة العدل.. وحين نرى الصورة مقلوبة، وخارج إطارها وألوانها وطبيعتها، لا نستطيع أن نقول إن الخطأ صحيح.. فالخطأ خطأ، والصحيح صحيح.. وتغيير أو تغييب الحقيقة، لا يمكن أن ينفي كينونتها بأي شكل من الأشكال..
هل أبتعد بذلك عن الشعر.. هل أضع الكلمات خارج مسارها الصحيح؟؟
كتابي هذا يتحدث عن عشرين شاعراً من الوطن المحتل، والذي ما زال محتلاً، غنوا لهذا الوطن، وتداخلوا مع كل حبة رمل فيه، ولأن القصيدة التي كتبت كانت تسجل المقاومة، وامتداد التحدي وزمنه فقد كانت قصيدة استمرار وإصرار على هذا الاستمرار.. قصيدة تقول الصورة بكل أبعادها، وتنقلها بكل صدقها من خلال رسم معالم شعب يتحدّى ويقاوم ويصر على النهار القادم.. من هنا أهمية الشعر الذي أتحدث عنه.. وأهمية القصيدة التي أعني..
قد يرى البعض أن شاعراً من هؤلاء العشرين، ما عاد يكتب القصيدة التي كتبها في زمن الاشتعال والمقاومة والتحدي.. كما قد يرى البعض أن هناك شعراء كانوا يسجلون قصيدة المقاومة ويكتبونها، ثم التفتوا إلى سواها.. وهكذا..
لا أستطيع التحكم بمسار الزمن، كما لا أستطيع القول بشعراء لا تتغير مواقفهم، ولا تتبدل.. لكنني أثق كل الثقة أن هذا الشعر الذي كتبه هؤلاء ، هو الشعر الذي سيعيد كتابة الزمن القادم. لأن الحق حق كما قلت، ولا يمكن أن يتغير أو يتبدل..
عشرون قمراً للوطن.. أو عشرون نداء للزمن القادم.. عشرون وعداً ونشيداً وأغنية… وكلّي ثقة أن المستقبل، مهما كانت الإنكسارات شديدة وجارحة في هذا الزمن، سيكون كما نريد.. وكما نحب أن يكون.. ولن نمل الانتظار..
*
*
*
*
يُتبع
حواء سعيد 13-05-2004, 06:09 PM (( القمر الأول ))
حسين مهنا
الضحك من الأعماق
منذ قراءتي الأولى لبعض قصائد الشاعر الفلسطيني حسين مهنا، وكان ذلك قبل سنوات، استمالتني لغته القريبة من النفس، وعبارته المتواصلة مع الوجدان، إلى جانب تميزه بنقل مشاعره النابضة بوجدان شعبه، مما يجعله قريباً كل القرب من الجماهير العريضة وهمومها.
والآن ماذا تقول قصيدة الشاعر حسين مهنا؟؟...
أميل هنا إلى التوقف عند جانبين من جوانب شعره، الأول يلتفت إلى الخاص فيرى الفرح المصادر، والفرح الحقيقي.. والثاني يلتفت إلى العام، وإلى مفهوم المواجهة والتحدي والمقاومة، فيرى إلى ضرورة إشعال الفرح وجعله سلاحاً لا يعرف التراجع أو الانكسار..
في الجانب الأول، تطالعنا قصيدة "من خلل الفرح الجامح" لتقول بالشعور الإنساني الكبير في النظر إلى عذابات الآخرين، وفي النظر إلى عذابات وآلام الشعب العربي الفلسطيني المشرد. هنا يبرز كم كبير من الحزن والحنين والشوق. حيث:
حين يعانقني طفلي
أرجع طفلاً
أصرخ في فرح الأطفال
أصفّق
أضحك من أعماق الأعماق
أقفز.. أركض.. ألعب
لكن.
من خلل الفرح الجامح
أبصر في عينيّ طفلي
طفلاً آخر من شعبي
يتعذّب ... "...
كما يلحظ، ينساب الشاعر بتلقائية لا حدّ لها. وطبيعي أن تكون الصورة رائعة في كل معالمها الإنسانية الآسرة. هنا، ومع البداية، تتسع خطوة الشاعر في عالم التحليق والانطلاق في فضاء لانهائي من الفرح. و "لكن" يسقط من هذا العالم فجأة، وتنكسر كل الصور لتقع أسيرة ألم جارح مع بروز صورة طفل لاجئ يعيش المعاناة والعذاب.
حسين مهنا مسكون بواقعية الواقع. ومصرّ على قراءة صفحة حياته الحاضرة بكل الوعي والانتباه… من هنا هذه المزاوجة الأولية بين حالتي الفرح والحزن. الحالة تبدأ من هذا العناق، وتندلع المسافة مليئة بالنبض الطفولي. لتلف الوجود كله دون تراخ.. في مثل هذا الوجود قد لا تحضر أية صورة من صور الكآبة أو الحزن في المفهوم العام، لأنه وجود "الفرح" بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى وأبعاد. ولكن في المفهوم الخاص، وفي حالة الجرح المقيم في القلب، تبرز صورة الأهل اللاجئين ضاغطة وشديدة الوقع، لتقول بلا معقولية مثل هذا الفرح الذي يلف كل شيء.
هذه الصورة جزء من تركيبة الشاعر النفسية والشعورية والحياتية، لذلك كان الفرح مصادراً وواقعاً في الأسر. إذ كيف للشاعر أن يفرح وينطلق ويمرح، وجزء منه مسيّج بالعذاب والألم. هنا يبدو الفرح وكأنه "ذنب" أو "خطيئة" وما إلى ذلك وكأنّ الشاعر يريد أن يقول: كيف لنا أن نفرح ونعيش حياتنا الطبيعية وجزء من شعبنا يعيش مشرداً، غريباً، بعيداً عن وطنه ودياره؟؟..
نقرأ ذلك أيضاً في مقطع آخر، حيث:
حين يعانقني النوم
ويسري خدر في جسدي المتعب
أتراخى فوق سريري الدافئ في كسل
أتمطّى.. أتثاءب..
لكنّي
من خلل الدفء الناعم في جسدي
أبصر شيخاً مقروراً من شعبي
في ليل الغربة..
يتقلّب"…
كما قدمت، لا يمكن لصورة الفرح أن تأخذ مساحتها الكلية. هناك دائماً تدخّل حاد يمنع تدفق الألوان بأي شكل من الأشكال. لذلك كان ختام القصيدة:
لست إلهاً كي أجعل من حقل الأشواك
المسمومة أجمل بستانْ
لست مسيحاً كي أمسح آلام البؤساء
بكفّ النسيانْ
لكني أصرخ من قحف الرأس بأني
إنسان.. إنسان.. إنسانْ..
ستظل الغصة في قلبي زاوية مظلمة
ما دامت في هذا الكون جبال شامخة
من مرّ الأحزانْ.."..
إنه السؤال المر الشائك الذي تختصره "كيف" بكل ما تعنيه في هذه الحالة من الغوص في الحياة والوجدان والشعور. ويلحظ تركيز الشاعر حسين مهنا على إبراز صور الحزن بكل تفاصيلها. وكأنه يمسح ويلغي صورة الفرح ويلقيها بعيداً، ولا جدال أن الشاعر ينتقل ليحمل همّ كل إنسان أو مظلوم في كلّ مكان من العالم. وفي إعلانه العريض الواسع، أنه لا يمكن له أن يعيش الفرح ما دام هناك إنسان يتعذب ويتألم.. وفي الاتجاه إلى الفرح الحقيقي، أو الفرح الذي يبزغ من خلال صورة يطرحها الواقع المعاش. نرى الشاعر وهو يغني بطولة الطفل الفلسطيني وهو يتحدى ويصمد أمام الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.. هنا تطلع يده منديل حب يمسح دمعة كل أم فلسطينية ويزرع مكانها وردة فرح وفخر، حيث:
لا تبكي يا أمي
أطفالك في التاسعة
وفي العاشرة رجالْ..
صاروا يا أم رجالاً.. أيّ رجال.."..
إنه الخروج من الحزن إلى الصورة المشرقة المليئة بكلّ معالم الفخر والاعتزاز:
لا تبكي يا أمي
ها أنذا أخرج من مأساتي
مرفوع الرأس قويّ الزندينْ
ها أنذا ألقي كل الأدران العالقة بلحمي
أتنفس ملء الرئتينْ"..
الشاعر هنا شديد الميل إلى نبض القلب الفلسطيني إن صح التعبير، وفي قصيدته هذه، يبقى هذا الإصرار على التفاؤل بكل امتداداته ومعانيه.. يعرف تماماً أن الحزن كبير، وأن مساحة الجراح لا تحد. ولكنه يطالب الآن بالتحول إلى صورة الفرح الحقيقي والغامر جرّاء هذه النهضة البطولية الرائعة.
طبيعي أن يتوهج هذا الفرح الحقيقي مع انطلاق الانتفاضة الباسلة في الوطن المحتل، لتكون استمرارية في الأمل والتفاؤل والإصرار على الحياة. هنا يطلع الفرح بطولة تتحدى وتقهر الغاصب. ويكتب حسين مهنا "قصيدة بأحرف حجرية" ليضعنا أمام هذا اللون الذي رأيناه من الفرح:
وبقيت وحدك ترتدي فرح النهارْ
وترتدي مرح الفراشات الملونة
الطفولة.. والبطولة َ
ترتدي التاريخ قفازاً
وقبّعةً..
وتأتينا مسيحاً منتظرْ .."..
وطبيعي أن تشتعل القصيدة بكلّ معالم الانطلاق والشموخ وهي ترى إلى هذا التحدي الرائع يرسم أجمل صورة من صور المقاومة. وفي مثل هذا السياق نرى التوحد مع الطبيعة الفلسطينية، ولا نستغرب أن تنهض هذه الطبيعة مباركة معانقة لإنسانها المقاوم:
رفعت مناكبها الجبال وعانقتكَ
تقمصتكَ
خلعتَ صمتكَ وانتعلتَ حذاءك الحجريَّ
ثم مشيتْ "..
ويرى الشاعر صورة العطاء اللانهائية:
فافتحْ صنابير الدماء ِ
قرنفل الشرفات أضجرهُ انتظار العيد
والجوري يقتله الضجرْ
لك ما تشاء
فشدّ هذا الكون من قرنيهِ
أطلع فجرك الورديَّ
من دمك الزكيّ.. وبالحجرْ "..
في مثل هذا الجانب من الفرح بصورتيه، يركز الشاعر على التلاحم والتداخل مع نبض الشعب في كلّ حين. ويرى ضرورة محاربة الظلم والقهر في كلّ مكان وزمان. ويطلق فرحته العارمة مع كل نشيد يتحدى ويصمد ويقاوم الجلاد.
في الجانب الثاني، تبرز صورة الفرح المقاوم، صورة الضحك الذي تحول إلى سلاح يتحدى ويقاوم رغم كلّ شيء.. الشاعر هنا يطالب بالفرح حين يشتد السواد:
افرحْ يا شعبي
واضحكْ من أعماق الأعماقْ
اضحك رغم سواد المأساة
انتزع الضحكة من فكِّ الأفعى
وعيون السعلاة
أعلم أن حرباً غادرة تنهش في الصدر
ما من شبر أو فتر في جسمك إلا وبه طعنة غدر
لكن..
ما عاد مكان للحزن الدابق في عينيك
أخرج كل الآهات المخزونة في رئتيك
وانفثها لهباً في وجه السارق
فرح الأطفال
وخبز الأطفال
ودنيا الأطفال.."..
الشاعر هنا، وكما أسلفت يحول الضحك إلى "سلاح" في المواجهة. وهو يرى أن مثل هذا الضحك المليء بالسخرية والاستهزاء من جهة، وبالأسى والدموع من جهة أخرى، إنما يعني إسقاط وانتزاع الضحكة من فم العدو الذي لا بدّ أن يقف في شك وحيرة أمام مثل هذا "الضحك" الغريب القادم فجأة وكأنه السكين. ولكن كيف للذبيح أن يضحك..؟؟..
"أعرف تماماً عمق المأساة" يجيب الشاعر. ولكن لماذا لا يكون الضحك دليلاً على تشبثنا بالحياة؟؟.. لماذا لا يكون الفرح دليلاً على عناقنا الدائم مع الأرض والجذور والتاريخ… يقول:
افرح يا شعبي
ما عاد مكان للحزن الآسن في عينيك
هذي الساحات الرحبة ساحاتك "بو زيد"...
فاركب مهرتك الكنعانية
وارقص ما شئت على صدر الوطن الدافئ
ارقص.. أطرب.. غنِّ
فجبال فلسطين العطشى
كرهت موسيقى الجاز المجنونة والغيتار
وتحن إلى زغرودة أمّ علي
وتحن إلى دبكة " محمود" شيخ الدبيكة
والمزمار.."..
وتتبدى الإصرارية على التفاؤل، من خلال قراءة مسيرة الشعب الفلسطيني، كما يقول الشاعر، وعنده أنّ هذا الشعب، استطاع أن يصمد ويستمر ويتحدى من خلال قدرته على تجاوز الجراح، ودون الوقع في شرك البكاء واليأس:
علمك الجرح الغائر كيف تحيل المأساة
حكايا
وبطولات
تحكيها أجيال تتلوها أجيال
علمك الجرح الغائر كيف تحيل الغصة في
حلقك شهداً
وجراحاً في صدرك ورداً
ودموعاً في عينك وعداً
وصراخاً في جوف الليل الحالك موسيقى
وصدى موالْ.."..
يبقى الشاعر حسين مهنا مصراً على الأمل والتفاؤل والاتجاه بكلّ عشق نحو الحياة، من خلال عشقه وحبه لشعبه. ويبقى أن الكلمة عنده نتاج فعل ومعايشة وتلاحم مع أرض فلسطين، وثبات في المقاومة والتحدي.. من هنا نميز قصيدته وقدرتها على الانتشار والوصول. ومواكبة النبض الفلسطيني دون أي تراخ أو تقصير.
*
*
*
*
يُتبع
حواء سعيد 13-05-2004, 06:54 PM (( القمر الثاني ))
عمر محاميد
وأسباب الفرح
نتعرف على الشاعر الفلسطيني عمر محاميد من خلال قراءة قصيدته "أغنيات الأرض الخصبة بالأبطال" المنشورة بتاريخ 1/5/1979 حيث نستمع إلى ثلاثة أصوات متتابعة تبين لنا أسلوب الشاعر في تعامله مع أقانيم الخصب والعطاء من خلال حبه لأرضه المعطاء الساعية بصورة متواصلة إلى الخلاص حيث في "الأرض حلمي" الصورة القائلة: كان في الأرض سنابل / كان حقل يمتدّ حتى ابتعاد الشفق / كان في الحقل طيور.. أشجار.. وشمس.. / كانت حول الشمس نجوم وأحلام / عروس ودوالي / عرفت الامتداد نحو الشمس والوطن المغني / حالت بين الحلم والأرض الخصيبة / قبضة الريح وأسباب الرحيل"..
الصورة هنا، ومن خلال مسافة النشر التي تبقى في صلب قصيدة الشاعر عمر محاميد، ترسم حضور الأرض في مساحتي الماضي والحاضر، حيث في ماضيها كل هذا الامتداد والخصب وطلوع السنابل، وفي حاضرها حيث الاحتلال وقسوة الزمن المحاصر، وهو ما يستدعي حضور الصوت الثاني "حصار العمر" لنكون أمام صورة تقول: "من زمان كان يا ما كان / خرافة احتلال تغوص في أحشاء هذا الزمان / حاصروا الحلم بالدموع، ونامت الطيور في زمان الجوع / حاصروا الشفاه.. وحاصروا حتى الشجر / حاصروا المطر ثم قالوا للقمر / إياك أن تشع في مواسم الفجر / كان الانفجار.. ثورة بركان / وأغنية للشمس والسحر"..
إن التطلع إلى جوانب الصورة يضعنا مباشرة أمام مستوى يحرك صورة الماضي ليسلط الضوء على صورة الحاضر من جهة، وعلى صورة المستقبل من جهة ثانية. ووقفة عند صيغة "من زمان كان يا ما كان" تدخلنا في هذا المستوى الذي يطرحه الشاعر. فهو ينقل الصيغة بكل ماضيها، ليقول بضرورة الالتفات إلى ما سيأتي مع التوقف عند المغزى. وعلى المستمع أو القارئ أن يعي مباشرة أنه أمام صورة الاحتلال المنظور، في مساحة الحاضر، وهذا الاحتلال سيكون في قادم الأيام، مجرد خرافة تغوص في أحشاء هذا الزمان، وستكون كل الممارسات الموغلة في القسوة والبشاعة، مجرد صورة قبيحة يذكرها التاريخ في الدلالة على هذا الاحتلال الذي كان.. وطبيعي أن الانفجار يمكن أن يتمثل في الانتفاضة الباسلة في الوطن المحتل والتي تشكل ثورة بركان، وأغنية للشمس والسحر..
هذه الشمس، أو الأغنية، نراها أكثر حضوراً في الصوت الثالث "يا شمس" حيث: هناك من بعيد تأتي رياح العيد / أراها قادمة" ثم: "أبكي من فرح / أعطني يا شمس فجراً باسماً / أو دعيني أراقص الأشجار والمطر / وأنحني لنورك الذي نورته / وحفنة المطر".. لنكون بشكل مباشر أمام صورة المستقبل المرسومة في عملية التواصل مع الشمس، وطبيعي أن يلغي الشاعر كل المسافات الزمنية ليقول بحضور المستقبل في الراهن، فهو ينظر بشكل تأكيدي إلى ما هو قادم ليضعه في قبضة الأيام الحاضرة المعاشة.
قد يلاحظ في هذه القصيدة التي انقسمت إلى ثلاث أغنيات، أو ثلاثة أصوات، أن الشاعر يشكل تشكيلاً متعدداً في استحضار الزمن وإعطائه المعنى الذي يريد، فهو: "في الأرض حلمي" يفتح التشكيل على صورة الاحتلال وكيف اغتصبت كل ما هو جميل وحولته إلى النقيض، فكانت المسافة واقعة تحت ضاغط مباشر ينسف كل ما كان رائعاً أمام العين والقلب والشريان، هنا تكون الأرض حلماً يستحضره الشاعر في الماضي والمستقبل، ليكون أمام أرضه بصورتها الزاهية، وشكلها المرتبط بالحرية.
في "حصار العمر" ينسف كل مسافة منظورة وآنية ليجعل الحاضر أقرب إلى السقوط في مساحة الدوران السريع للزمن مما يجعله دفعة واحدة في خبر "كان" وليتطلع في ذات الوقت إلى ما جعل هذا الحاضر خبراً أو "خرافة احتلال" من خلال التوقف عند ما يحدث "الانفجار.. ثورة بركان" لتتسع الصورة التي أصبحت من الماضي - حسب القصيدة - محتوية على زمنين في حاضر الشاعر "المعاش" أولهما مرتبط بصورة "استقرائية" تقول بسقوط الاحتلال وزواله، وثانيهما مرتبط بصورة تمهد لحدوث الصورة السابقة وهي "استقرائية" أيضاً تقول بثورة عارمة..
في "يا شمس" محاولة إلغائية أيضاً لكل مسافة طبيعية لسير الزمن، من خلال القفز مباشرة إلى حالة التطابق مع صورة الحرية والخلاص من الاحتلال. وحالة العيش في زمن الحرية هذا وكأنه أصبح جزءاً واقعياً في مساحة الزمن "نورك الذي انتشر.. لك النور الذي نورته وحفنة المطر..".. وهكذا..
في الانتقال إلى قصيدة أخرى نشرت في العام 1980 تحت عنوان "اعترافات لوطني الجميل" نقف مع الشاعر عمر محاميد أمام صورة لا تبتعد كثيراً عن الصور السابقة، فالشوق يحمل الشاعر إلى القدس المزدان بخدّ صبية، وهو في هذا يدخل لحن الأرض ولحمها ليعيش كل معاني النبض الواقعي والحالم "سنسير على مهل من سهل الزيتون / لقمة كرملنا الأخضر / تحملني الريح إِليك إِليك / تطير بنا فوقك يا بن العامر / أنت السابح في حلمي، في حلم الشمس..".. وهي الصورة التي تصطدم دائماً ببشاعة الاحتلال ووجوده الضاغط "أقتات رغيفاً من خبزك / هذا المجبول بعرق الفلاحين / صاروا مع الأيام / سجناء.."..
في البال والذاكرة والحلم يبقى الوطن في صورته الجميلة المشرقة الزاهية، وتبقى الأشياء ذات بريق أخاذ رائع، وفي لحظة انفتاح العين خارج كل هذا الشعور بالجمال، تأتي الصورة الضاغطة لتقول بوجود الاحتلال الذي لا يرحم، ومن هنا ينبع ويحضر السؤال الجارح: لماذا..؟؟.. وكيف لمثل هذه الحياة المحاصرة أن تبقى هكذا "يا وطن الزيت الزيتون التين الزيت العنبر / يا أجمل حلم يتجدد تحت النار وتحت القيد / وتحت السوط / ستظل أغنية واحة ماء يتفجر / لماذا أغني وكلّ الشوارع تمزق وجهي / تلسع حبي وتهرب.."..
لا معنى هنا لأن يبقى الشاعر في هذه المساحة أو تلك، مساحة المستقبل، ومساحة الماضي، إذ الهروب لا معنى له وإن كان هروباً مليئاً بالتطلع إلى الشمس، لذلك كان كل هذا الإغراق في الحاضر رغم قسوته وعنفه "الزرع أصفر كالموت أصفر / لماذا أناديك فتهربين / كأوراق الخريف تهربين / أعني على الرقص فوق هاتيك الجبال / لا تحرموني حفنة المطر اللذيذ / فإما أعيش وفي عنقي كل أسماء الشجر / وإما أموت وفي عنقي كل ألحان القتال..".. للخروج نحو طريق الخلاص بشكل لا يقبل بأي قفزات تطوي الزمن لأن القصيدة هنا لا تسمح بمثل هذه القفزات.
يلحظ في هذه الاعترافات للوطن الجميل أنّ المسافة الأكثر قرباً إنّما هي مسافة واقعية ، وهو الواقع الذي يطلب أو يتطلّب العمل على الخلاص من كل ضغطه وضغوطاته. فالشاعر لا يقول بالسعي خلف الحلم حتى آخر المشوار، ولا يقول بإسقاط الحلم وحرقه. من جهة ثانية فالشاعر لا يسعى إلى الالتصاق بدفء الشمس إلى حدّ الاحتراق، ولا يسعى إلى الابتعاد عن الشمس إلى حد الارتعاش، وهكذا يسعى الشاعر إلى إعطاء الصورة ما تستحق من ألوان وخطوط وتفاصيل. لذلك كان الانشداد إلى الحلم والتحول مباشرة إلى ما يحقق هذا الحلم من خلال التطابق مع الواقع والنظر إلى جوانبه وجزئياته وتفاصيله، ثم السير على طريق الخلاص والحرية.
في قصيدة "طريق الشمس" المنشورة بتاريخ 4/10/1988 يأتي صوت الانتفاضة بشكل لا نلحظه في الكثير من القصائد التي كتبت عن الانتفاضة في الوطن المحتل أو خارجه. تقول هذه القصيدة: "لم يعرفوا أين الطريق / لكنهم ساروا / وفي عيونهم بريق / للسماء لون / وللجبال لون / للبحار حدّ / وللسهول حدّ / وللدول والدويلات حدّ / وليس للأحزان في بلادي / يا بلادي حدّ / لم يعرفوا أين الطريق / لكنهم ساروا / وفي جباههم حريق / وفي عيونهم بريق / لكنهم ساروا وساروا / يحملون الشمس والوطن الحياة"..
لا يمكن لهذه القصيدة / وقد أوردت النصَّ كاملاً / أن تقرأ بمعزل عن العنوان "طريق الشمس" لأنه يضعنا أمام طريق معروف واضح الملامح والمعالم رغم ابتداء القصيدة بالقول "لم يعرفوا أين الطريق" وإعادة ذلك قبل نهايتها.. فالشاعر يعرف تماماً أن الطريق الذي سار عليه الشعب لا يمكن أن يكون مجهولاً أو غائم الملامح، لذلك كان هذا البريق في العيون وهذا الحريق في الجباه بما يدل على الإرادة والتصميم والتماسك.
لا بدّ هنا من الوقوف طويلاً أمام هذا الانعطاف الحاد في القصيدة نحو الغنائية الحزينة المرة حين رأى الشاعر أن "ليس للأحزان في بلادي / يا بلادي حدّ ..".. بعد أن تبدت الصورة في القول: "للسماء لون / وللجبال لون / للبحار حدّ / وللسهول حدّ / وللدول والدويلات حدّ / فلماذا لا يكون للحزن في بلادي حدّ."... وكان طبيعياً أن يرى الشعب الفلسطيني أنه لا طريق للخلاص، ولا طريق لإنهاء هذا الحزن، ولا طريق للتواصل مع الفرح، إلا بالبحث عن طريق ينتهي بالوصول إلى الحرية. وطبيعي أن طريق الخلاص كان يتطلب سلاحاً مماثلاً أو مساوياً أو مشابهاً لسلاح الاحتلال، وكان يتطلب قوة عسكرية مساوية أو مشابهة، ولكن أين الطريق إلى ذلك؟؟ فكانت الخطوة على طريق الثورة والتسلح بالحجارة والأدوات البسيطة، بعد غياب الطريق الآخر.
كان الأمر أكثر إلحاحاً من أي انتظار لأن الأحزان قد تراكمت بشكل خانق، ولأن الأرض تسعى إلى الخلاص منذ سنوات، فكانت هذه الخطوة الشعبية العارمة المرتبطة بالتصميم: "لكنهم ساروا وساروا / يحملون الشمس والوطن الحياة".. ليكون الوصول إلى المغزى القائل إن الطريق الذي اختاره الشعب يؤدي بشكل تلقائي إلى التواصل مع الوطن والحياة، أو مع حرية الوطن، لنكون في نهاية الأمر مع صورة تقول: لقد عرفوا الطريق تماماً.
أخيراً يمكن القول إنّ الشاعر عمر محاميد استطاع أن يعبّر عما أراد بشكل متميز جعلنا نقترب إلى حدّ بعيد من الصور التي رسمها بريشة النثر، لنفهم دفء اللغة وجماليتها من خلال خصوصية تمتع بها وكوّنها في قصيدته. وإذا كانت بعض قصائد المقاومة تتفوق بهذا الجانب أو ذاك عند شعراء آخرين حين يتعاملون مع هذه الموضوعات، فإن ميزة عمر محاميد تنبع من إصراره على شحن قصيدة النثر بجمالية تقربها إلى النفس..
* * * * *
يُتبع
حواء سعيد 13-05-2004, 08:10 PM (( القمر الثالث ))
شفيق حبيب
والنفخ في البوق
منذ فترة طويلة، وعندما قرأت قصيدة الشاعر شفيق حبيب "مخبر ومحقق" المنشورة بتاريخ 19/11/1982 توقفت طويلاً أمام هذا الكم الرائع من التحدي والمواجهة في ذات الشاعر. فالقصيدة، تقف في وجه الاحتلال وتعلن صرختها المدوية، لتقول إنّ العذاب ومهما اشتدّت أنواعه وأساليبه لا يمكن أن يكسر قدرة الروح على المقاومة والشموخ والثبات، وحين تكون مثل هذه الروح عند كل فرد فإنها تشكل معجزة المعجزات، في صوغ الروح الجماعي الشعبي القادر دون ريب على مواجهة الاحتلال بكل ثبات وقوة.
في هذه القصيدة "مخبر ومحقق" يرتفع الخطاب الموجّه للاحتلال ليقول ويصور وينقل الذات المتحدية، حيث "الأنا" تكبر وتشمخ وتعلي قامتها.. وحيث "الأنا" تشعر بارتفاع صوتها وقوة تواصلها مع الحاضر المتصل بالماضي "هذا أنا / لا أنثني / لا أنحني / لا أقهر / إنّي ابن شعب صابر / ما لان في وجه العواصف والرياح تزمجر".. لنقع على تداخل الملامح، وتوحد في الامتداد. فالإنسان الفلسطيني الفرد، هو في الوقت ذاته، الشعب الفلسطيني بمجموعه، لأنه ابنٌ له تراثاً وامتداداً وواقعاً معاشاً.. والشعب الفلسطيني، هو هذا الفرد الذي يعبر خير تعبير عن المجموع.. وهنا نكون أمام صورة الشعب / الشاعر.... والشاعر / الشعب.. وهي صورة ذات أبعاد هامة في إيضاح ملامح الشخصية الفلسطينية الفردية والجمعية..
في صورة هذا الشاعر الذي قرأت، برزت أمام العين وتبدت قدرة الشعر على الوصول من جهة، وعلى إثارة خوف وخشية الاحتلال من جهة ثانية.. الشاعر شفيق حبيب يصر على أن الكلمة تستطيع أن تتوهج لتكون نوراً وناراً، نوراً ينير الدرب أمام شعبه، وناراً تحرق المحتلين. لذلك وقف الشاعر متحدياً جلاده، ساخراً من هذا "المتحضر" الذي يرتعش خوفاً من كلمة الحق التي تقال.. والشاعر في هذا ليس "خفاشاً" كالاحتلال الذي يحب العتمة والظلام.. إنه الشاعر الذي يرتبط بالشمس والضوء والنور لنكون في واقع الحال أمام صورتين متناقضتين متنافرتين.
الصورة الأولى هي صورة شعب فلسطين، الشعب المرتبط بالنهار والضوء والبحث عن الحرية.. والصورة الثانية هي صورة الاحتلال، وهي الصورة التي تطارد النهار وتدّعي "التحضر" مع أنها تؤثر العتمة والظلمة.. وفي تصادم الصورتين يعرف الشاعر أنَّ الغلبة للنور، وهو أمر حتمي، لا يحتاج إلى الكثير من البراهين، الواقع يقوله ويفرضه، والوقائع تؤيده وتسجله: "حقق معي ما شئت يا متحضرُ / أصبحت أزهو أفخرُ / بقصائدي / تخشون عزم حروفها / غنيتها للأهل الأحرار / صدقاً تقطر ُ/ غنيتها للأرض طيباً تنشر / غنيتها لمواقف لا تغدر / حقق معي / أنا لست كالخفاش في ليل بهيم أظهر / إنّي أحدق في جبين الشمس كبرا"....
إن مثل هذا التحدي لا يتوقف عند حد، حتى حين تنفجر الشهادة نهراً من دماء.. هنا لا يريد الشاعر أن يكون الدم المتفجر صورة من صور اليأس والانسحاب، صورة من صور الانطواء على الذات دمعاً وانكساراً وتفجعاً.. لا أحد يستطيع أن ينكر حجم الحزن وحجم الألم، إذ هناك سؤال يكبر ويتحول إلى جرح في القلب على هؤلاء الراحلين.. لكن الشاعر يأبى أن يتحول الفاجع إلى انكسار في الذات الفلسطينية، إلى تراجع وتراخ وانطواء في النفس، من هنا الإصرار على أن الشهادة نور وحياة، على أنّ الشهادة قوة ومحرّك ودافع..
يفتح الشاعر من خلال صورة الشهادة وهي صورة مليئة بالكثير من الحياة والحيوية والغليان، العين والقلب والروح على صورة القادم، صورة المستقبل الحافل بالكثير ليكون كل شهيد في دفتر الحضور اليومي. ودفتر التطلع إلى المستقبل، ضوء أمل لا يعرف الانطفاء..
وإذا كان للاحتلال كل هذا الفرح الظاهر لأنّ دم الشعب الفلسطيني يراق ويسفح، وكلّ هذا الرقص المجنون على أنغام القتل والتخريب والتدمير، فإن للشعب أن يتجدد من خلال دمه، من خلال سطور شهادته، من خلال ذهابه حتى العمق في عناق الأرض..
يعرف الشاعر ويعي، وهو ضمير شعبه وقلبه النابض، أن كم الحزن هائل وأن الشعب الفلسطيني المصاب في صبرا وشاتيلا وسواهما يشعر بألم لا يعادله ألم ، لكن كل هذا لا يعني الانكفاء، لا يعني السقوط في متاهة الدموع إلى ما لا نهاية. ولأن الشعب هو الشعب، فقد كان النهوض من خلال دم الشهادة توكيد على روح الاستمرار والمقاومة والتحدي.. في هذا المسار يقول شفيق حبيب: "حقق معي ما شئت يا متجبر / وارقص على آلام شعب ينحرُ / واشرب كؤوس الخمر ما بين الخيام السود / في ساحات صبرا، في شاتيلا / إنّ خمرك مسكرُ / حقق معي ما شئت واعلم / أن طفلاً مزقته قذيفة تتفجر / سيظل نوراً يزرع الآتي / ربيعاً يزهر / وظل يحيا في ضميري / في كياني يكبر.."..
ولأن الانتفاضة التي تفجرت وعداً وعهداً لهذا الدم، صورة من صور الألق المصرّ على الحياة والحيوية والاستمرار، فقد رأى شفيق حبيب في قصيدته "سأنفخ في البوق" أن يصرّ الإصرار كله على رفض أي صورة تشوه الألوان التي رسمها الأهل بانتفاضتهم الباسلة.. وحين رأى الظلال السود وهي تحاول أن تطغى وتكبر، تشبث بصورة المستقبل التي يريد، وهي الصورة المليئة بالوعد والأمل والإشراق والتفاؤل "عيون الصغار عناق الأماني / ونسغ الحياة من الجذر يصعد / حتى خلايا غصون الخيال".. وكان النفخ في البوق إشارة وعلامة واستدعاء "سأنفخ حتى التصدّع / حتى انشقاق البحار / وكسر بريق النصال / سأنفخ في البوق / حتى اخضرار سلال التوهج / في عاصفات الغلال...."..
وحين يرى الشاعر شفيق حبيب شيئاً من غياب الوطن يكبر الحزن ويزهر ليقول في قصيدته "الأدوار" صرخته التي تمتد ولا تنطفئ وكأنه يرسم ملامح الوجوه وهي تطرح الكثير من أسئلة الغضب والانفعال. في هذا يميل الشاعر إلى الوطن الذي يريد، الوطن الذي يشتهي أن يكون، حيث الشوارع هي الشوارع والشبابيك هي الشبابيك، والدروب هي الدروب… عندها يطرق الحزن كل باب ويتحول إلى قبضة تهز الوجود "عاصف حزني كأمواج الغضب / عاصف كالنار تسري / في ضلوع العشب / في بطن الحطب..."...
هل يعني ذلك أن يكون الحزن طريقاً إلى تحقيق الصورة المشتهاة، إلى تحقيق الصورة الحلم؟؟.. هنا يميل الشاعر إلى قرع الأبواب بصورة أخرى، حيث يرى أن النخيل "النازف الظمآن / يستجدي ترابه..".. وكأنه يبحث عن كل الملامح الضائعة، عن كل الدروب والشبابيك والوجوه والخطوات.
في قصيدة أخرى تحمل عنوان "تراكمات" لا نبتعد عن وقع هذا الكم من الحزن. وهنا قد نجد ملمحاً آخر، لا نجده في قصيدة "الأدوار".. حيث يطرح الشاعر صورة "الأنا" في انكسارها المحمل بالوجع حتى حدود التشظي "بعضي ينهار على بعضي / أتراكم أجزاء أجزاء" ثم وفي نوع من التركيز على هذا الحزن في "الأنا" تأتي الصورة لتقول "أتلاشى مثل شعاع الضوء / الباكي في ثغر الظلماء" وهو ما يدفع إلى الإحساس بالغربة الثقيلة الجارحة، الغربة التي تفتت وتبعثر القلب "يا مرّ الشهد / وشهد المر / غريب يبحث عن عنوان / مكتوب بالماء.."..
إن الوجع الجاثم في الصورة ينفتح أكثر حين يرى الشاعر سقوط عدد من الأهل شهداء برصاص الاحتلال الغادر في الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل فجر الخامس من شباط 1994… فتكون قصيدة شفيق حبيب "أيها الحرم المحزون" صرخة مدوية لا حدّ لها.. صرخة تحمل الكثير من الأسئلة:
هذا دمي مستباح في مساجدنا أضحى الرصاص لسان الحاقد المذر
أي المذاهب تدعو المؤمنين بها أن يحصد الشرّ أسراباً من البشر
يا أيها الحرم المحزون فيك قضى أهلي وهم يلتقون الله في السحر.
وإذا كان الشاعر يسأل لماذا؟؟ فإنّ الواقع يذبح السؤال مع سقوط كل شهيد جديد على الطريق.. لكن هل بقي شفيق حبيب مصراً على تلاوة حزنه دون كتابة أي حرف من حروف الأمل؟؟ في الإجابة تلتقي القصيدة المكتوبة في العام 1994 مع قصيدة " مخبر ومحقق" المكتوبة في العام 1982. حيث توهج الضوء من خلال دم الشهادة:
نم يا شهيدي قرير العين أنت لنا منارة فوق درب مظلم خطرِ
في كل يوم على درب النضال لنا مشاعل عصفت بالنار والشرر
هذا التراب لنا لا للذين أتوا كي يزرعوا الموت أو أن يسرقوا ثمري
الله أكبر ما لانت قناة أبي يا أمتي انتصبي في الكرب واصطبري.
الشاعر يرى فلسطين، تراب فلسطين، شوارع فلسطين، وجوه الأهل في فلسطين، من خلال هذا الانفتاح على الضوء القادم من الإصرار على التشبث بشجرة النهار المرتبطة بالشهادة.. الشهيد يتلو النهوض ويكتبه ليكون في القصيدة صورة الحلم، وحلم الصورة.. وهو كذلك يسجل حضور الفعل المرتبط بنهار الانتفاضة وزيت استمراريتها..
ولأنني تعرفتُ على الشاعر في قصيدته "مخبر ومحقق" منذ سنوات، ووقفت عندها كثيراً في قراءة هذا المدّ الرائع من الإصرار على الأمل.. فقد بقي شفيق حبيب بالنسبة لي فارس قصيدة تؤكد على صورة الشجر الشامخ والأمل الواعد، لذلك أختم بقوله من هذه القصيدة:
"فانظر إلى هذا التراب عليه بصماتي / تلوح وتظهر / وعظام جدي في الثرى تخضوضر / إنّي هنا / في الأرض موجود / وفي الأشجار / في ماء الغيوم / وفي هواء الجو عصفاً أعبر / إنّي هنا / قدر على هذا الثرى / أنا لست أنسى ما جرى / لا أغفر.."..
* * * * *
يُتبع
حواء سعيد 14-05-2004, 12:15 AM (( القمر الرابع ))
جبرا حنونة
وجبين الشمس
عند قراءة قصائد الشاعر الفلسطيني جبرا حنونة، نقف على الكثير من مفاصل الشعر الفلسطيني المقاوم، إلى جانب التعرف على الخصوصية التي تبرز بصمات هذا الشاعر في تعامله مع القصيدة لنكون بحق أمام خارطة شعرية تضعنا أمام الخاص والعام. وطبيعي في كل الأحوال، أن يكون الشعر هوية وصورة وعلامة على الطريق. فماذا تقول قصيدة جبرا حنونة في هذا المجال..؟؟...
لا بد من القول بنهوض أقانيم الثبات والمقاومة والتحدي لتكون الأقرب إلى التعبير عن الشعر الفلسطيني المقاوم. وحين نقرأ ملامح وأبعاد هذه الأقانيم عند أي شاعر، فإننا نتعرف على الكثير من أغراض وتطلعات ومسار شعره، لأن الصورة الشعرية المقاومة لا يمكن أن تأخذ معناها الصحيح بعيداً عن هذه الأقانيم.. فماذا يقول جبرا حنونة..؟؟
في قصيدته "سأبقى شامخاً" التي توجه الخطاب مباشرة إلى الاحتلال لتقول باستمرارية الوجود العربي الفلسطيني رغم كل أساليب القتل والضغط والإرهاب، حيث: "راحتي تحترق الآن بوهج الشمس / والأخرى تعانق / سنبلات القمح / وغداً لا بدَّ أن يزرع طفل / من عظامي غصن زيتون / ومن ثوبي بيارقْ..".. وهذا يدفع لهجة التحدّي إلى وتيرة أعلى حين يصرّ الشاعر على أنّ جميع الممارسات الصهيونية ستنقلب غداً لتكون بداية النهاية للاحتلال "افرحوا ما شئتم الآن وغنُّوا / واقتلوني وأنكروني / إن تجاهلتم وجودي اليومَ / لكنّي سأبقى شامخاً.. رغم المنيّه / كلُّ جرح في دمي كلُّ شظيه / كلُّ لونٍ من فنون القهر والتعذيب / صاغته العقول البشريه / كلُّ قيد في يدي / كل وشم فوق أضلاعي مرسومٌ بكعب البندقية / كل سوطٍ / ظل في أطرافه مني بقيهْ / سوفَ يغدو / حية تسعى إلى أعناقكم في إثر حيَّهْ / يا ظلام السجن / إن طالت لياليك الطويلات الشقيه / فغداً لا بد أن يمحو جبين الشمس / كل الحشرجات الهمجيه".. وشعب فلسطين "سوف تهتزُّ على وقع خطاهُ / الأرضُ هولاً / وستشتدُّ براكيناً / وناراً / وزلازل.."..
في امتداد الصورة نرى الكثير من الوضوح في صياغة الخطاب، وفي التوجه إلى الذات المقاومة، وفي تحديد مسار الأيام القادمة. وطبيعي أن يكون الشاعر مسكوناً بالأمل والتفاؤل رغم قساوة ما يلاقيه من عذاب، لأنه يعرف حق المعرفة أن النصر حليف صاحب الحق مهما طال الزمن. ومن هذه الزاوية كان التركيز الشديد على ملامح "الجرح" النازف لأنه الدليل على إفلاس الاحتلال الذي لا يجد غير التعذيب والقهر سبيلاً لتزوير الحقائق وكبت صوتها وهو ما نجد نقيضه باستمرار حيث تبقى الحقيقة ساطعة شامخة لا تعرف الانكفاء.
في صياغة ملامح "الجرح" وفي طرح صورته على الملأ، محاولة لإبراز صورة الصراع على حقيقتها ودون أي رتوش. فالشاعر يضع الطرف المعتدي والطرف المعتدى عليه ويقول بتفوق الاحتلال في سلاحه وأدوات الدمار والموت على الطرف الآخر الذي لا يملك أي نوع من أنواع السلاح الفتاك المدمر..
ولكنه في المقابل يطرح صورة المعتدي وهو يسعى بخطوات حثيثة إلى نهايته ما دام لا يملك أي ارتباط مع الأرض التي يحتلها. بينما تقف صورة المعتدى عليه لتكون قوية بما تملك من حق وتداخل مع أرضها. وفي مثل هذه الحالة كان طبيعياً أن تأتي الشمس لتكون في يد الإنسان العربي الفلسطيني دلالة على أنه المنتصر في قادم الأيام.
في مسار آخر تقترب قصيدة جبرا حنونة من عالم القصّ لتقول بصورة مليئة بالنبض والوقع المؤثر. حيث تطرح قصيدة "بئر الموت" الحكاية الممتدة في مساحة البحث عن الحياة، ومنذ البداية نسمع:
"فجأة أسلم للريح ثيابهْ / فجأة أسلم للموت شبابهْ / سحقَ الدمعةَ في زاوية البيت الصفيح / وبأعلى الصوت نادى.. يا رفاق / موسم القحط على الأبواب.. والكون فسيحْ / فهلموا.. أشرعَ الحاقد للموت حرابهْ / كان صوت آخر.. أصوات أخرى / في سماء الطرف الثاني تصيح: لملموا أوراقكم لملموا أقلامكم واحرقوها / لن يكون اليوم في الفصل تلاميذ ودرس وكتابه / فهلموا نسحق الظلمة.. نلوي عنق الغولِ / نداري سنبلات القمحِ من هبةِ ريحٍ / ننسج الأفراح من خيط الكآبهْ.."..
الانفتاح في هذه الحال لا يكون إلا على مساحة من الضغط النفسي، والعذاب والجراح. وطبيعي أن نشعر بمرارة واقع مشحون بالقهر والفقر والبحث الدائم عن ملامح مفقودة. من خلال ذلك وفي مسافته. يضعنا جبرا حنونة أمام صورة إسماعيل المشحون بكل انفعالات الغربة. وكل آلام مرارة العيش. وكان ذنبه الأكبر في هذه المساحة المشتعلة بالقهر، أنه أراد أن يؤمِّن بعض الماء لأطفال ينتظرون في الخيمة. فكان الموت في الانتظار ولا تنتهي القصة هنا..
في العودة إلى الصورة نرى ملامح إسماعيل المتداخلة مع ملامح الظرف والمحيط حيث "كان إسماعيل جندياً عظيماً / خلف كيس الرمل مصفرّ الشفاه / ترك الأطفال في الخيمة يبكون من الجوع.. الصدى / وتوارى خلف جنح الليل يبحث عن مياه..".. وتستمر القصة في ملاحقة الحدث لترسم عملية البحث عن الماء حيث: "حملته الريح للجبّ فأدلى دلوه الغرقان فيه / وتهاوى الولد في الظلمة.. لم يبلغ قرار الجبّ فالحبل قصير.. / خلع الطفل قميص الخوف وامتدّت يداه / توصل الحبل.. وكان الجسد الذاوي يلوح / في ظلام الليل.. كالشمعة في الهزع الأخير / رفع الدلو ولم يشرب / فقد خاف على الأطفال في الخيمة أن يبقى صغير / ظامئاً والموت لا يرحم / والساحة بركان يفور / فجأة دوى رصاص / سقط الدلو تهاوى الجسد المنهوك / قام الميتون من القبور / فجأة زلزلت الأرض وماجت / والدم القاني يسيل / في الثرى نحو الجذور / ترضع الأرض مياه الشرب / والأطفال ظمأى / يرضع الأطفال أثداء القنابل / ظلت الطلقات تدوي / ظل قلب الأم يهوي / ظلت الأرض تدوي بالزلازل / ظل إسماعيل منكفئاً على الوجه / ومن جثته / يخرج الليلةَ مليون مقاتلْ.."..
في قراءة أبعاد هذه القصيدة / القصة لا يمكن إسقاط أي ملمح من ملامحها المتعدد في المسار العام والخاص. فالشاعر لا يرسم صورة إسماعيل الباحث عن قطرات الماء. إلا ليقولَ بعذابات هذا الإنسان المصورة بطبيعة الحال لعذابات شعب. وقد تأتي الصورة في ملمحها الواقعي لتنقل جزءاً حياً من واقع معاش يقول بانتفاء وسقوط أبسط الحاجات التي يريدها الإنسان لاستمرار حياته كاللقمة والماء والهواء. ولكن في حالة "إسماعيل" وحين يصبح الإنسان مطارداً مقتولاً إن استغنى عن الماء، وإن ذهب للبحث عنه، فإن الحياة تدخل عتمة القهر الذي لا يرحم، وهو ما يجعل الصورة قاتمة إلى أبعد حد.
إسماعيل هذا شهيد وشاهد وعنوان زمن، لذلك كان موته قيامة، وكان ذهابه في فصول البحث عن ماء للأطفال المسكونين بكلّ هذا الظمأ، قيامة أخرى. وفي الحالتين سجل الوالد حضور المقاومة التي تصرّ على الحياة رغم كل شيء. وهو ما جعل دمه يسيل نحو الجذور من جهة، وما جعل خروج المقاتلين من هذا الدم حتمية لا بديل عنها من جهة ثانية.
قد نرى ملامح الولد البسيط الذي ترك أمه وإخوته في الخيمة وذهب ليحضر الماء لهم بعد أن تحولت الدنيا إلى قحط، وبعد أن سيطر الظمأ على كل شيء. وفي الحالة المرسومة لا يمكن أن يأتي كأس الماء ببساطة كما يخيل للسامع للوهلة الأولى، الماء هنا يحتاج إلى ثمن مرتفع هو الحياة. وقد تكون الحياة ثمناً لماء يذهب هدراً بعد أن تحولت الساحة الكبرى كما أرادوها "مماتاً أو حياة" وهو ما جرى لإسماعيل حيث ذهب الماء الذي أحضره، وذهبت حياته وسجل غيابه وغياب الماء.. ولكن هل هي ملامح إسماعيل حقاً..؟؟..
إسماعيل في القصيدة / القصة يقول الحياة والمستقبل والأمل رغم كل مساحة الظلمة المسيطرة الضاغطة، وهذا ما جعل الإشارة واضحة جلية إلى "مليون مقاتل" يخرجون من جثته التي انطرحت على الأرض وسقتها دماً وماء للشرب. وكان على الأطفال الذين يرضعون الآن أثداء القنابل وينامون ويستيقظون على صوت وسخونة القصف والدمار. كان عليهم أن يفتحوا العين على مساحة مضيئة من المستقبل، وإِن كانت المساحة بعيدة عن متناول اليد في حاضرهم المحاصر بكل هذا العذاب.. فهل ننتقل إلى قصيدة أخرى؟؟..
في "ثلاثية العذاب والفرح والخلاص" يسجل جبرا حنونة ثلاثة أصوات متتابعة يقول أولها تحت عنوان "الوجه الأول": قادمة مثل هدير الرعد / مجلجلة حمراء.. / تحدّق في الأشياء بنظرات غاضبة / تنتفض من الأعماق / وتزحف كالإعصار الجارف كالطوفان" وفيها "يدب الرعب بأسراب الغربان / فتملأ رحم الأرض صراخاً ونعيقاً..".. وكأننا نقع على وصف للانتفاضة القادمة - نشرت القصيدة في العام 1980 - من خلال هذا الانتظار للثورة العارمة التي يبشر الشاعر بها ويرسم الكثير من أطرها وملامحها..
بينما يقول ثانيها تحت عنوان "الوجه الآخر"..: تلمع كالبرق / كحدّ السيف القاطع كالسكين / تتجلى عارية في وجه الشمس - وفي إشعاع الصبح / النافذ من كوة كوخ / في ضحكة فلاح مسكين / تزهو في الأفق مهللة / تتمايل بين حقول القمح".. ويقول ثالثها تحت عنوان "اللقيا": ظامئة يا ولدي للقائك منذ سنين".."والأغراب على الساحات / وحول جدار الغرفة منتشرين" وأشجار الزيتون احترقت لكن "يا ولدي جذر الزيتون المتعمق في جوف الأرض سيبقى / والأشجار ستبقى واقفة حتى لو ماتت" وتأتي في الختام "ملاحظة بسيطة جداً" تقول: نستنتج من مجرى الأحداث / بأنّا في عصر السرعة نحيا / في عصر الخطوات المتلاحقة.." وتقول الجدة "إن دوام الحال من المحال / وتلمِّحُ بعض تقارير الأخبار بأن حريقاً شب / ولن تقوى الإطفائيات على حصر النيران".. فهل هي ملامح وألوان التفاؤل عند الشاعر جبرا حنونة؟؟..
طبيعي أن تكون صورة التطلع إلى المستقبل مليئة بالأمل والتفاؤل عند الشاعر المصرّ على المقاومة والتحدي والثبات في وجه الاحتلال. ومثل هذه الصورة تنبع بشكل مستمر من هذه العلاقة القوية والرائعة مع الأرض وبما يشير بشكل دائم إلى أصالة مثل هذا التطلع. ولا نستطيع في كل الأحوال أن ننكر هذا النبض المستمر من الألوان الزاهية التي تنتشر في صورة الشاعر رغم قتامة وظلمة المحيط في كثير من الأحيان عند التطلع إلى ما يقوم به العدو الصهيوني من ممارسات تفوق بوحشيتها لأي وصف أو تعبير.
يبقى القول إن الشاعر جبرا حنونة واحد من شعراء الوطن المحتل شاركهم في رسم ملامح القصيدة المقاومة، وفي رفدها بالكثير من الألوان والخطوط وانفرد في وضع بصمات خاصة جعلته صاحب نبرة متميزة إلى هذا الحد أو ذاك.
فالقصيدة عند جبرا حنونة تقول المقاومة في كل محاورها وأبعادها وصورها، كما تقول خصوصية الشاعر وأسلوبه المميز وحين نقرأ شعر جبرا حنونة - رغم قلة النماذج التي بين أيدينا - نقف على صورة من صور الثبات والمواجهة تأتي بشكل يمكن أن نراه في الكثير من القصائد الأخرى عند شعراء آخرين حيث تنتقل القصيدة لتكون قصيدة شعب، ونقف على صورة من صور الشاعر التي تدل عليه بشكل مباشر لنرى إلى بصمته وأسلوبه.
*
*
*
*
يُتبع
حواء سعيد 14-05-2004, 01:58 PM (( القمر الخامس ))
منيب فهد الحاج
وزنبقة الحريّة
يعتبر الشاعر الفلسطيني منيب فهد الحاج واحداً من الأسماء المعروفة بين شعراء المقاومة في الوطن المحتل، حيث كان له تواجده الدائم في مساحة القصيدة الفلسطينية وحضوره المتواصل على صفحات مجلات وصحف الوطن المحتل.. فماذا تقول قصيدة هذا الشاعر؟؟..
في قصيدته "شعبي الصامد" يقول الشاعر منيب فهد الحاج: "صامد كالطود شعبي / صامد يأبى المذلّةَ والهوان / راسخ كالسنديان / مثل زيتون الجليل / صامد لا يرتضي غير أمان وكيان / لم يزده العنف إلا عنفوان / صامد شعبيَ صامد / مدّه الثوري لا يعرف معنى الانحسار / لا يبالي بدمار أو بنار / يحمل الجرح ويمضي نحو أبواب النهار / تَخَذَ النور شعار / ومن الحق إزار / ومن العزم منار / صامداً شعبي سيبقى عبر أمواج الزمان / صامداً حتى ينال الأقحوان".. لنلحظ كل تفاصيل وجزئيات القصيدة الفلسطينية المقاومة، وإن اعترفنا بخصوصية الشاعر وتميز صوته بطبيعة الحال. فالصمود هو محور هذه القصيدة والمحدد لخط سيرها. وطبيعي أن تبرز الملامح المقاومة على هذا الشكل من الوضوح دون أي تراخ أو تراجع. وكما يلحظ، فالشاعر أميل إلى المباشرة في طرح مقولته وفكرته وصورته وأميل إلى تحديد معالم الصمود والثبات والمقاومة.
في "مقطوعات" نقرأ تحت عنوان "هب بالحجر" : شعبنا قد صبر / ليس يعرف الضجر / هب بالحجر / يرسم الظفر".. وتحت عنوان "إصرار" : أصر أن يظلني علم / كسائر الأمم / يزين الوطن / ينسجه حجر / هل تسمعون يا بشر / أم أنّ في آذانكم صمم..".. حيث لا نبتعد عن خط سير القصيدة عند الشاعر منيب فهد الحاج. ولا نبتعد عن صورتها الذاهبة في بناء شعر مباشر قادر على الوصول بسرعة إلى الجمهور العريض. وطبيعي أن نلحظ أنّ المقطوعتين تتحدثان عن الانتفاضة الباسلة في الوطن المحتل دون أي توسع أو تفصيل. فالشاعر لا يسعى لملاحقة أيّ صورة، ولا يعمل على استعمال الألوان بغزارة. وعلى الأرجح فهو يركض ركضاً في التعامل مع الحدث، وفي نقل صورته، ونسأل: هل كان ذلك جراء سرعة الحدث وتسارعه؟؟ نقول يبدو ذلك واضحاً في "فعل" القصيدة بالتحديد. إذ يبدو فعلاً أميل إلى البطء منه إلى السرعة، بينما كانت السرعة الحاصلة على أرض الواقع، وفي مثل الحال التي أرادتها القصيدة تستدعي سرعة في الفعل والصورة والحركة.
في قصيدة أخرى عن الانتفاضة جاءت تحت عنوان "هذي انتفاضنا شعاع من نهار" نقف على صورة أخرى تختلف عن الصورة السابقة إلى هذا الحد أو ذاك، حيث نقرأ: يا أيها المأفون مارس كل أصناف الجنون / مارس جميع فنون بطشك لن نذلّ ولن نهون / لا لن نخاف السجن، لن نخشى المنون / وانشر جرادك والعيونَ.. فلن نخون / لا لن نلين..".. فالخطاب الموجه للاحتلال يمهد ويفصِّل ويشرح، على غير عادة الشاعر في قصائد أخرى، نراه هنا مصراً على رفد الخطوة بخطوة أخرى، ومصراً على السير بشكل قد يعطي نفساً أعمق من ذي قبل. وإذا كانت قصيدة الشاعر منيب فهد الحاج في الأغلب الأعم أميل إلى الاختصار، وأبعد ما تكون عن التطويل والتفصيل. يلحظ هنا خروجه عن القاعدة لتشكيل قصيدة تبني صورتها باتساع، نقرأ: "هي صيحة دوت فأيقظت الضمير / في القدس دوَّتْ في القطاع / في طولكرم. وبيت لحم وفي الخليل / في كل ناحية.. وفي الأقصى الأسير..".. لنرى الكثير من التفصيل والتحديد وبشكل قد يبدو بعيداً عن روح الشعر أحياناً ونتابع: هذي انتفاضتنا سيعقبها صهيل / بل صليل / ستحطم القيد الثقيل / تروي لمظلوم غليل / هذي انتفاضتنا تكحل فجرها الزاهي الجميل" لنبقى أمام صورة الانتفاضة في جزئياتها، وأمام صورة المقاومة في امتدادها..
في "زنبقة الحرية" نقرأ: زنبقة الحرية تزهر / تتفتح في كلّ رياض الأوطان / تتحدى أشواك الطغيان / ما دام / يرويها دم الإنسان / زنبقة الحرية أسمى / من جدران السلطان / يحميها العزم المتوهج / في نور العزة والإيمان / جوهرة الشعب بها يزدان / إن حاول لص أن يسلبها، أو قرصان / فاض الطوفان / وغلى بركان" لنكون أمام صورة موحية جميلة وجديدة في وقعها وصوتها وامتدادها. فهذه القصيدة، وقد أوردتها بتمامها، تميل إلى تلوين هذه الزنبقة بالكثير من الخصب والجماليات والروعة. ومن خلال سطور قليلة مختصرة تؤدي رسالة طويلة حافلة بالمعاني. المغزى يبدأ من النهاية ليقول بأن زنبقة الحرية تبقى جوهرة الشعب التي يحافظ عليها ويحميها ويغلي بركاناً في مواجهة كل من يريد سرقتها. لن نحمل القصيدة أكثر مما تحتمل لنقول إنها كتبت عن الانتفاضة لأنها نشرت في العام 1981. ولكن يمكن أن نقول بأنها استطاعت أن تقرأ طوفان الشعب الفلسطيني في انتفاضته القادمة ولا يأتي ذلك غريباً أو بعيداً عن مسار قصيدة المقاومة في الوطن المحتل. حيث نعرف أن الكثير من الشعر الفلسطيني المقاوم كان له أن مهَّدَ للانتفاضة وقرأ صورتها القادمة من خلال قراءة الواقع بصدق.
في قصيدة "معاذ الله أن نرحل" يرسم الشاعر منيب فهد الحاج صورة الصمود والثبات بقوله: هنا باقون لن نرحل / سنبقى فوق هذي الأرض نحيا لا نفارقها / ففوق ترابها أجدادنا درجوا / وغذّوها بدمهم / فصارت كنزنا الأكبر / فهل نرحل؟؟ / سنبقى فوق هذي الأرض نزرعها / ونحميها بأضلعنا ونعشقها / لتبقى حبنا الأمثل / هنا باقون لن نرحل / بحق القمح والزيتون / بحق ترابنا الأسمر / بحق الزيت والزعتر".. ومن خلال هذه الصورة يرسم صورة الماضي الدال على الحضور الفلسطيني المتواصل: هنا كانت كنيستنا / وذاك الدير صلّت فيه جدّتنا / وذاك المسجد المهدوم مسجدنا / وتلك المرجة الخضراء مرجتنا" فالشاعر يربط ربطاً محكماً بين الحاضر والماضي ليقول إنّ الصمود نابع من حالة استمرارية أصيلة، فالفلسطيني هو ابن هذه الأرض وصاحبها ولا يحق لأحد أن يفصله عنها بأي شكل من الأشكال، لذلك كان صموده وكانت مقاومته.. وفي السؤال: فهل نرحل؟؟.. بعد صورة الامتداد من خلال الأجداد وصورة الالتصاق من خلال المعايشة والحياة، إجابة ضمنية تقول بأنّ الرحيل مستحيل بعد كل ما تقدم. لذلك كان الإصرار من خلال العنوان "معاذ الله أن نرحل" ومن خلال كل سطور القصيدة على الارتباط أكثر بالأرض.
الشاعر منيب فهد الحاج كما يلحظ لا يبتعد في أكثر الأحيان عن الخط الذي رسمته قصيدة المقاومة خلال سنواتها الطويلة الماضية كما أنه لا يسقط أي محور من محاور هذه القصيدة.. وأكثر ما يبدو ظاهراً في قصيدة الشاعر كونها قصيدة مختصرة، وإن أطال في بعض القصائد، فالغالب على قصائد الشاعر ميلها إلى الاختصار، من ذلك قصيدته "فداء الوطن" والتي نوردها كاملة حيث: وطني فداك دماء شعبي الثائره / وعيونه تبقى لأجلك ساهره / تأسو جراحك كل يد طاهرهْ / ترعاك من عبث الوحوش الكاسرهْ / تحميك من غدر الذئاب الغادره / وتصدّ عنك ثعالباً / عاشت بأرضك سافره / كانت وما زالت بمحكمة الضمير الخاسره / وتظل قافلة النضال لأجل عرسك سائره / تحميك من قيد القوى المتآمره..".. فهذه القصيدة تنتمي مباشرة إلى القصيدة المقاومة في كل ملامحها ومحاورها ومفاصلها، إلى جانب تميزها بكل هذا الاختصار.. وكما أسلفت فالشاعر كثيراً ما يختصر في قصيدته رغم أنه يستطيع أحياناً أن يغطي مساحة كبيرة في الموضوع.
في سير قصيدة الشاعر منيب فهد الحاج نلحظ الميل الشديد إلى استعمال المفردة البسيطة القريبة إلى الواقع، كما نلحظ الميل الشديد إلى استعمال الترتيب العادي البسيط، وفي أكثر قصائد الشاعر لا نجد صورة بعيدة المنال، أو صعبة التركيب. وفي كل هذا لا نبتعد أيضاً عن مسار قصيدة المقاومة التي تسعى في أكثر الأحيان إلى الابتعاد عن التعقيد، وهذا لا يعني أنّ جميع قصائد المقاومة على مستوى واحد من التقريب والتبسيط والمباشرة أو أنها في مجموعها تصب في هذا المصب، كما لا يعني هذا أنّ جميع الشعراء بعيدون عن تركيب الصور وتطوير الأدوات وصولاً إلى أعلى المستويات التي وصل إليها الشعر الحديث. ولكن نبقى في مسار القصيدة الأعم والأكثر حضوراً في الوطن المحتل وهي قصيدة تتميز بشيء من البساطة والمباشرة وما إلى ذلك.
طبيعي أيضاً القول إن الشاعر منيب فهد الحاج كغيره من الشعراء في الوطن المحتل، لا يأخذ مساراً واحداً ونهائياً في رسم قصيدته لتكون قصيدة ذات مقاس خاص. فالشاعر إنسان مبدع يتجدد باستمرار. ويرفد تجربته ويغنيها دون توقف، وطبيعي أن نقرأ جديداً في كل قصيدة، وأن نقرأ تطوراً مع كل زمن جديد. وهو ما يبرر استمرارية الكتابة والإبداع. وإذا كنا نصف قصيدة الحاج بالبساطة والمباشرة والقرب. فإنه وصف ينطبق على نماذج محددة، وينفر من التماثل مع نماذج أخرى مما توفر لدينا. ولكن الأكثر - من هذه النماذج - يتصف بالصفات التي أوردناها ويدخل في المسار الذي وضعناه، وتبقى قصيدة "زنبقة الحريّة" عصية على الركون لهذا المسار أو ذاك.
من القصائد التي تقترب كثيراً من قصيدة "زنبقة الحريّة" قصيدة "أجمل الأحلام" حيث: حلمت أنَّ نخلة في أرضنا نمت / ما هزَّ جذعها خطر / فأصبحت باسقة فروعها / كريمة الثمرْ / معطاءة الرطب / جذورها عميقة تغوص في الثرى حيث الدم الطهور ينسكب / من سالف الأيام والحقب / تناطح السحاب والغيوم / وفوقها تألقت شمس وخيّمت نجوم / تصافح القمر / والمجد في سمائها يحوم / حلمت أنّ نخلة جادت بها يد القدر / يرتاح في ظلالها مشرد / من بعد أن أرهقه السفر..".. فهذه القصيدة تحافظ على مسافة عالية من التوهج والنمو والتصاعد. وبالتأكيد فإنّ هذه القصيدة إلى جانب قصيدة "زنبقة الحريّة" تضعنا أمام وجه آخر من وجوه إبداع الشاعر منيب فهد الحاج على صعيد بناء القصيدة المقاومة من جهة. وبناء القصيدة المختصرة من جهة ثانية. ويبقى أنّ الشاعر قادر على التجديد والتجدد باستمرار ليكون صوته من الأصوات المتميزة في الوطن المحتل.
*
*
*
*
يُتبع
حواء سعيد 14-05-2004, 02:00 PM (( القمر السادس ))
هايل عساقلة
ومفردات الوطن
من رحم الوطن تخرج القصيدة، حين يأخذ الشاعر في معانقة المخاض، ولا تأتي الكلمة إلا معبأة بكل ما في القلب من شوق واشتياق إلى رصيف الشمس. يقولها الشعر الفلسطيني المقاوم كما يقولها الفعل الفلسطيني اليومي. فالشعر - كما هو معروف - انعكاس مباشر لكلّ الإحساسات والمشاعر حين تكون الكلمة مفعمة بالهم اليومي من جهة وبالتطلع إلى ما هو مستقبلي من جهة أخرى. ولا تخرج اتجاهات الشعر الفلسطيني المقاوم عن كونها دخولاً مباشراً في الوطن، وتعاملاً حاراً مع كل الجزئيات والكليات في تشكيل قصيدة الفعل الفلسطيني. وهذا ما يمكن أن نقرأه في شعر هايل عساقلة، كما في شعر سواه من شعراء الوطن المحتل.
بداية، وقبل أن نمضي في قراءة بعض نتاجات هايل عساقلة، نشير إلى غزارة الإنتاج في الشعر الفلسطيني الشاب، وإلى تركيز هذا الشعر في كليته على جميع المحاور النضالية السابقة، والتي تواجدت عند الشعراء الفلسطينيين في جيلهم الأول. وما يمكن أن يلاحظ هنا، هو استفادة الشعر الفلسطيني الشاب، من عمق التجربة الشعرية السابقة. بما يؤكد على المقاومة وتحدي الاحتلال، ليطور الشاعر في أداته الفنية، وفي صورته… وهذا ما يمكن أن يتبدى بوضوح عند هايل عساقلة، كنموذج يمكن أن يمثل الشعر الفلسطيني الشاب.. فماذا نقرأ عند هذا الشاعر وماذا نجد؟؟..
ينطلق الشاعر هايل عساقلة في بناء صياغة تعامله مع الوطن، من خلال أرضية ثابتة، وهي أرضية عميقة متماسكة، ليرى في البداية، وقبل الالتفات إلى أي شيء آخر، أنه مجبول بكل ما فيه من تراب وطنه. وفي هذه الصيغ يؤكد الشاعر على مسألة الجذور حين يقول:
"أنا من بلاد العشق من هذا الثرى / جبلت ضلوع الصدر والجفن اكتحل".. فهو يعود إلى تركيبته الجسدية والروحية كلها، في وصول إلى بنية شخصيته، حين يركز على ضلوع الصدر المجبول من تراب الوطن وحين يرسم لنا روعة هذا الكحل لجفنه، ما دام أيضاً من تراب الوطن. فكيف لا تتكامل الشخصية، وكيف لا تكون قوية صلبة متماسكة، ما دامت تستند كل هذا الاستناد إلى أرض فلسطين وجذورها وهذا ما يمكن أن نجد شبيهاً لها في قوله:
إنِّي درجت على أنامله طفلاً وحول جبينه الأسمرْ
يا موطني والعشق لوّعني وأذابني شعراً على دفترْ.
حيث يبدو الشاعر في قمة العشق، وفي قمة الميل إلى وطنه، إذ يلتفت إلى الوراء فيرى ذاته منذ الخطوات الأولى على أنامل هذا الوطن وحول جبينه الأسمر، ولا يقف الشاعر عند هذه الذات في رحلتها الطفولية تلك، بل يندفع معها في خطواتها اللاحقة، ليكون الشاعر الذي يذوب عشقاً على دفتر. وكأنه يقول بوصوله إلى قمة الوعي بالوطن وقمة الدخول فيه حباً.. وهذا ما يدفع الشاعر إلى النظر بصورة تبدو فجائية لما هو فجائعي. ولكنها تبدو صحيحة وصحية حين نفكر بخلفية الصورة مستقبلاً فكيف كان ذلك..؟؟ .. يقف هايل عساقلة أمام الخراب ليقول بالشمس ويقف أمام الدم المهجور ليقول برصيف الفرح، ولا يلتفُّ الشاعر على نفسه حزيناً مكسوراً محققاً ما يريده الاحتلال. بل يبني بشكل متسارع خطوته المتحدية للاحتلال حيث يشرئب بعنقه إلى الغد، وحين يتطلع بانفتاح مطلق إلى النهار فهو يقول مثلاً: "نصنع من قذيفة أيقونة / ومن خراب الدار / مدرسة ومعهداً / وساحة لسحجة وكيف / لا تسألوني كيف" ليدفع حتى مكانية السؤال لأن الجواب لا يؤخذ إلا من الواقع المعاش، حيث على الشعب الفلسطيني أن يستمر في الحياة وفي المقاومة وفي الأمل. وعليه أن يبني المستقبل بشكل مستمر، وأن يستفيد من التجربة، لا أن يتقوقع يائساً.. ويرى الشاعر في مكان آخر أنّ الشمس تنزف من الأطفال المقتولين والمذبوحين، وفي هذا انتقال مباشر إلى إلغاء واحد من طرفي التشبيه ليصل إلى المشبه به بشكل سريع، الدم شمس، ولكننا لا نرى هنا الدم، بقدر ما نرى الشمس يقول الشاعر: "رأيت الشمس نازفة من الأطفال / فوق المقعد المهجور في الصف / وأشلاء من الدفتر".. فالخراب والموت لا يقفزان إلى مقدمة الصورة كما هو متوقع بل تكون الأولوية للشمس، إيماناً من الشاعر وتشبثاً منه بعطاءات النهار القادم…
وينتقل هايل عساقلة لتدعيم صورته تلك حين يقول: "أنا والموت التقينا / بين أطلال الديار / ها هو الزيتون يشهد / جذره لفّ وريدي / وبلادي تتجدد / خلف شباك النهار" ليضعنا أمام انتقال في غاية السرعة، من الموت إلى الضوء ومن الظلمة إلى النهار فهو لا يلاحق أبداً صورته الأولى بشكلها الكئيب القاتم بل ينتقل إلى الوجه الآخر بكلّ امتداداته حين يركز على الجذر أولاً، في علاقته التراثية والتاريخية مع الإنسان الفلسطيني، وحين ينطلق إلى تجدد البلاد خلف شباك النهار ثانياً.
من خلال هذه العلاقة الجذورية أيضاً، نسأل: لماذا يصر هايل عساقلة على هذه الانتقالات المفاجئة.. لماذا لا يلاحق الصورة الفجائعية كما يفعل سواه من الشعراء..
ملاحقة الصورة لا تعني بطبيعة الحال تركيزاً على حالة الحزن. فكثير من شعراء فلسطين رسموا لوحة الحزن الفجائعية بشكلها ليخرجوا بعد ذلك إلى رسم صورة الأمل المستقبلية ولكن هايل عساقلة يخالف كلّ هؤلاء في تخطّي قتامة الصورة فهو لا يرى فائدة في التوقف مع أن سواه من الشعراء يفصِّل كل التفصيل في رسم لوحة من هذه اللوحات.. فما هو سبب عزوف هايل عساقلة عن مثل هذا التفصيل؟؟.. نجد الإجابة عن كلّ ذلك في دراسة بنية القصيدة عند الشاعر، وعلاقتها مع نفسيته. فالتفات الشاعر إلى الغد، أقوى من أي التفات آخر، والقصيدة سريعة الوقع، تلجأ بشكل سريع إلى تحقيق رؤية الشعر المستقبلية وبكل الوجوه، فالمجازر الكثيرة والتي تدل على وحشية العدو الصهيوني وعلى بربريته لا تؤدي عند الشاعر إلى ما يريده العدو بل إلى العكس تماماً فهي تؤدي إلى اقتراب النهار، والخلاص من الاحتلال. وهايل عساقلة لا يريد توقف النفس لحظة واحدة عند لون الموت بقدر ما يطمح إلى رؤية الغد لذلك كان قفزه السريع إلى بذرة الضوء المستقبلية دائماً. فهو يستبق الوقت ويضغطه، ليستحضر ما يريد لوطنه أن يكون في إطار الحرية والنور والخلاص من الاحتلال.
في ملاحظة ذلك يمكن أن نرى العديد من صور الشاعر في تعامله مع الوطن حين يطلق دائماً نظرته التفاؤلية إلى المستقبل يقول مثلاً: "يا رفاقي الشهداء / علمتني المذبحهْ / تحت حبل المقصلهْ / وجنازير الحديد / كيف من لحمي أطول النجم والبدر البعيد / وألاقي الأنبياء".. لننظر إلى هذا الاندفاع الدائم نحو كلّ ما هو تفاؤلي وحتى في حالة هذا اللحم المذبوح فإننا لا نرى أي شيء من القتامة، بل يمكن أن نتلمس فوراً جوانب الفرح والابتسامة الواسعة، حين تتبدى صورة النجم والبدر، وملاقاة الأنبياء. ويمكن أن نلاحظ هنا جمالية الفعل "أطول" فالشاعر يرى في الشهادة امتداداً واسعاً للقامة الفلسطينية، بحيث يمكن لها أن تطول النجم من السماء، وصولاً إلى التلاقي مع الحرية بطبيعة الحال… مما يعطي قناعة راسخة بأن هذا "الطول" يزداد نماء كلما أخصبت الشهادة وازدادت.
وهايل عساقلة في ذلك يتحول إلى صورة الفعل في مقاومة الاحتلال حيث يرى وصوله إلى الصباح من خلال دم الشهادة. والفعل عنده يأتي بصياغة أخرى حين يقول: "قم واقذف الأحجار من طلل / لصدورهم سدّد وتنتصر" فهو يركز على فاعلية الحجر وتحوله إلى قذيفة، ما دام ينطلق من اليد الفلسطينية ونلاحظ ورود كلمة "طلل" بهذه السرعة التي رأيناها عند هايل عساقلة من قبل فهي تشير إلى الكثير ولكنها لا تفصِّل أبداً، بل تكتفي بهذا الشكل الذي نرى، وكان يمكن للشاعر أن يقول بما تقوم به قوات الاحتلال من تخريب وتدمير، وكان يمكن له أن يصف حالة البيت أو المكان الذي دمرته قوات الاحتلال ولكنه أراد أن يصل إلى صورة الفعل بالاستفادة من هذا الطلل فوظف الحجر لمقاومة الاحتلال وكأن هذا الحجر يأتي إجابة على ما كان فإن عمل الاحتلال على التدمير والتخريب فإن الحجر الفلسطيني سيدمي هذا الاحتلال وسيعمل على استقدام النهار، من خلال اليد الفلسطينية التي تشد عليه، لتطلقه ولتقذف به صدور الاحتلال ألا نرى إلى دقة إصابة الشعر لما يريد من معنى وفعل..
يمكن أن نتابع الكثير من مثل هذه الخطوط ذات الألوان المشرقة عند الشاعر في تعامله مع الوطن. ويمكن أن نقرأ في ثنايا شعره، الكثير من خطوط استقدام الفرح فهايل عساقلة، من الشعراء المصرّين على رؤية الغد بعين مفتوحة على النور دائماً.
ولا نستغرب أبداً أن يكون عند هايل عساقلة كل هذا الفيض من التفاؤل لأن طبيعة شعره كما رأينا تميل ميلاً كلياً إلى ملامسة الشمس بأصابع قوية صلبة، وحتى في حالة الموت والجراح والدم، ينطلق الشعر دائماً إلى الأفق المستقبلي الرحب، ومن هنا تأتي قيمة شعره النضالية، حيث يعي وعياً كاملاً أنّ النضال مرتبط بالتفاؤل وأن مقاومة الاحتلال لا تكون مستمرة ودائمة، إلا في التطلع إلى الغد المشرق.
ونعود إلى التساؤل مرة أخرى: هل اكتفى الشاعر بمثل هذه اللوحات التي رسمها في تحريضه على المقاومة وفي تطلعه للغد؟؟.. نقرأ عند الشاعر هايل عساقلة قوله: "يا حبيبي فانتظرني / علّني أنسج للآتين من بعدي / شبابيك القرى / ومناديل أحبائي الصغار" وقوله أيضاً: "يا حبيبي / جبهتي ظلت على الشمس وكفي / لامست معصم مقتول / على شباك دار".. لنر ثنائية الطرح في ديمومتها عند هذا الشاعر، فالصورة الدامية تفتق وتستدعي الصورة الممزقة ونجد الجديد في هذا النسيج الذي ينسجه الشاعر من الشرايين للآتين بعده، وإن كنا نتذكر هنا صورة "كيف من لحمي أطول النجم والبدر البعيد" حيث تتلاقى الصورتان في إطلالة الفرح وشروق الشمس، من خلال الدم ومن خلال مفردة تصطبغ إلى حد بعيد بالألم.. ولكن الشعر في صورته الجديدة هذه يركز على نوع من الهدوء حين يلجأ إلى عملية النسج من الشريان فهو يقول بالصبر والتأني في انتظار النهار، ولكنه يصرّ على إيمانه المطلق بقدوم النهار والشمس والحرية..
ويعود الشاعر إلى صياغة الثنائية بشكل جديد أيضاً حين يضع الجبهة على الشمس، بينما الكف تلامس معصم مقتول على شباك دار. فهايل عساقلة يضع الوجهين في مستوى واحد، ولا يلجأ إلى استقدام هذا من ذاك حيث الصورة متقاربة ومتلاقية في إطاريها والشاعر يكون صلة الوصل بين الثنائية في وقت واحد. فنحن مع جبهته وكفه وكلاهما يشكلان الشاعر. ونحن أمام الشمس ومعصم المقتول وكلاهما يشكلان الثنائية التي ما كانت على هذه الشاكلة عند الشاعر. ولكن يمكن أن ننتبه هنا إلى علاقة الجبهة بالشمس وإلى علاقة الكف بالمعصم، إذ تأخذ الجبهة معنى لا تأخذه الكف، ليبدو المستقبل أكثر أهمية عند الشاعر وليبدو أكثر قرباً من ذي قبل، وهنا تتساوى معادلة الثنائية في زمنها، حين تلتقي فواصل الوقت وحين تغيب أفعال المضارع. فهايل عساقلة يركز على الأفعال الحاضرة في كلتا الحالتين وكأنه يرى هذا في ذاك، دون متسع من الوقت، ودون وقت على الإطلاق وكأنه يقول بشكل مباشر: ليكن ما يكون، فمع الحزن والألم والحرقة نحتفظ دائماً بكلّ تفاصيل الأمل والفرح والتطلع إلى المستقبل ولا نتراجع عن ذلك أبداً، من خلال الموت نطلق النشيد، ومن خلال الألم نرسم صورة الفرح، ونؤمن بها.. ولا ننتظر أبداً أن يمر الوقت وأن تمضي الأيام لأننا مسكونون بالأمل ومسكونون بالمستقبل الذي لا بد أن يأتي مع إشراقة الشمس.
أخيراً لا بد من القول إنّ هايل عساقلة من الشعراء الذين استطاعوا أن يتعاملوا مع الوطن بحب وعمق ووعي، لذلك أتت هذه الإصرارية على الأمل، ولذلك كان كلّ هذا الزخم المصرّ على الفعل الإيجابي في مقاومة الاحتلال فالشاعر يفهم وطنه كلّ الفهم، ويعشق وطنه كلّ العشق ليندفع مباشرة إلى النهار دون فاصل من زمن ودون انتظار ونختم بقول الشاعر: " رأيت الشمس باب القدس / ترسم من ضفائرها / صباحاً يحمل الحلوى"..
*
*
*
*
يُتبع
حواء سعيد 14-05-2004, 10:58 PM (( القمر السابع ))
عدوان علي صالح
ورباعيات الحجر
في كل الأحوال تبقى القصيدة سفير الشعر إلى الناس، من خلالها ومعها نتعرف على هذا الجزء أو ذاك من عالم الشاعر، وقد كانت قصيدة "بابا نويل فلسطيني" المنشورة في جريدة الاتحاد الصادرة في حيفا بتاريخ 31/12/1982 أول قصيدة تواصلت فيها مع الشاعر الفلسطيني، عدوان علي الصالح. وقد استوقفني فيها وقع جميل وقريب إلى النفس من جهة، وغريب إلى هذا الحدّ أو ذاك من جهة ثانية. فالشاعر عدوان علي الصالح توقف عند فاصلة حادة في عمر كلّ إنسان حيث نهاية عام وبداية عام آخر والعادة جرت أن يتناسى البشر سقوط ورقة من العمر، ليفرحوا ببداية عام جديد.. فماذا قال الشاعر؟؟..
هنا يحضر الشاعر الموجود في الوطن المحتل ليقول كلمة صارخة تعبر عن معاناته وخصوصية تجربته، حيث: "أنا بابا نويل / غير أنّ هديتي ليست / بحلوى لا.. ولا لعب.. وليست بعض ليرات / ولكني سأهديكم جراحاتي / سأهديكم نضالاً من نضالاتي / وديكاً في ضمائركم يصيح فربما / تصحو للحظات".. لتكون الهدية المرتبطة بالجراح والنضال. وهذا الديك الذي يريد أن يهزّ الضمائر لعلها تصحو، مدخل لفهم هوية الشاعر وآلية إصراره على تأكيد الذات الفلسطينية في مثل هذه المناسبة وسواها. والصرخة التي يطلقها الشاعر تبقى ذات مدلول واضح، فالفلسطيني هو الفلسطيني، ومن الصعب أن يأخذ صفة العمومية في الفرح والسرور وما إلى ذلك، ما دام يعيش حالة الاحتلال، وهي حالة خاصة لا يمكن أن تشابه أي حالة أخرى.
من هنا كان الانفتاح على العام الجديد، دعوة للتذكير وتأكيد البصمات، مما أظهر هذا الحس الدائم بمرارة الجراح وامتداد الألم، فكان الشاعر عدوان علي الصالح شاعراً واعياً لكل تفاصيل الحالة الوجدانية وامتداداتها. والمغزى لا يقول بإصرارية على الفجائعية كما يظن بل بفتح العين على حالة الإنسان الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال الصهيوني. ومناسبة الدخول في عام جديد، مناسبة لاستدعاء الكثير من جوانب الصورة المرسومة للواقع الفلسطيني المعاش. وهذا ما دعا الشاعر إلى القول: لمعلوماتكم جدّي / يعيش الآن في خيمه / لمعلوماتكم لم يفقد الهمه / وحالياً يناجي ربه الأعلى / لأوطاني أعدني بعدها في النار فلأصلى / فمهما تملأ الجنات بالأعناب والأنهار / فالأوطان لن أسلى / وأوطاني بعيني دائماً تبقى هي الأحلى" لنصل، ومع انفتاح الشاعر على العام الجديد إلى صور متعددة تقول:
- الإنسان الفلسطيني الذي يعيش في الوطن المحتل يشعر بشكل دائم بطعم المرارة جراء وجود الاحتلال البغيض، وجراء ابتعاد بقية الأهل عن الوطن وعنه. وهذا الإنسان يبحث بشكل مستمر عن حياته الطبيعية التي تعني حرية الوطن وبما يفتح الباب عريضاً أمام عودة الأهل اللاجئين إلى ديارهم.
- الإنسان الفلسطيني الذي يعيش في المنفى يبقى أسير الحزن والألم والمرارة جراء ابتعاده عن أرضه ووطنه وداره وأهله وطبيعي أن تكون أمنيته ذات وجه يتمثل في العودة إلى الوطن، ومثل هذه العودة لا يمكن أن تستبدل بأي شيء آخر، لأن الوطن هو الأغلى والأحلى والأروع.
الصورة في القصيدة السابقة عريضة وواسعة المرامي والأبعاد. فماذا نقرأ عند هذا الشاعر أيضاً.
في تتبع ومضات من بعض قصائده، يمكن التعرف على أجزاء أخرى من عالم الشاعر، حيث نقرأ في "أغنية فلسطينية" هذا الحنين الدافئ إلى الأهل اللاجئين وتمني عودتهم إلى الديار: "متى يا أيها العصفور تأتيني / ببشرى عودة الشعب الفلسطيني" وفي قصيدة "أحلم" نقرأ هذا التواصل مع المستقبل النابض حيث: "أحلم بسماء لا تغرب عنها الشمس / أحلم بليال تفرح فيها القدس / أحلم ببلاد خضراء / يحيا فيها الحب وتنتحر البغضاء..".. ثم نقرأ في قصيدة "هل تسمعين" هذا التداخل مع الأرض وهذا الشموخ المستمر والإصرار على المقاومة: "تكونين شمساً أكون شعاع / تكونين بحراً أكون شراع / فأنت اشتياقي / يوم الفراق / وأنت احتراقي / قرب السواقي / فهل تسمعين / صراخ السنين / وهل تشهدين / بأني أحب جميع الشعوب التي لا تلين"..
في مثل هذه الومضات تأخذ الصورة الشعرية شيئاً من الامتداد في الحاضر والمستقبل إلى جانب الامتداد في كل اتجاهات واشتعالات التفاؤل. الشاعر يأخذ الطبيعة بالشكل الذي يأمل فيه، لتكون طبيعة مبشرة بالمستقبل الواعد. والشاعر يأخذ تداخله مع الوطن ليكون في صورة هذا الوطن القادم أملاً وحرية. وفي كل الأحوال فالمساحة تنفتح على الصباح المشرق باستمرار.
بعد هذه الومضات يمكن أن نقرأ امتدادات الشاعر في حالتي الوطن والإنسان من خلال التركيز على ردّ الفعل الدائم في وجه الاحتلال. هنا تقف الصورة على تعدد في وتيرة المقاومة والتحدي والصمود، مثال على ذلك ما جاء في قصيدة "السجن وأنا الطغيان" حيث نقرأ: "أعرف كل سجونك / وأراها دوماً جوف عيونك / حين تحملق في عيني / حين تلامس سيجارتك المشتعلة / بشرة كفي / سجن الرملة أعرفه / وكذلك شطَّه / أعرف ضربات سياط السجانين وأعرف / ضربات هراوات الشرطهْ..".. لنكون في هذا المقطع أمام حالة وصفية تخاطب الاحتلال وتقول إن الشاعر يعرف كل السجون وقد خبر كل أنواع العذاب… وهذا ما يستدعي سؤالاً يقول: لماذا جاءت الكلمات في هذا المقطع على مثل هذه الوتيرة من الوصفية المحايدة..
الصورة وأبعادها تحتاج إلى شيء من التركيز للتعرف على حقيقتها. فالشاعر لجأ إلى تحميل الكلمات كل هذا الحياد والجمود لتؤدي رسالتها كاملة وباختصار شديد يمكن أن نقف على مغزى يقول: وماذا بعد؟؟.. وفي خطاب الاحتلال: ماذا عندك أكثر من ذلك ماذا ستفعل وإلى أي حد ستمضي. تريد أن تعذبني أعرف، ولا يهم فقد عرفت وخبرت كل أنواع العذاب.. تريد أن تضعني في السجن؟؟ أن تنقلني من سجن إلى آخر؟؟ ليكن ولن تصل معي إلى شيء.. كل الاحتمالات باتت واضحة أمامي، ومجهولة تماماً أمامك فأنا أعرف كل خطوة قادمة، وأنت لا تعرف أي شيء… من منا يعذب الآخر.. من منا يضع الآخر في السجن؟؟.. تظن أنك ستقهرني وتكسرني ولكنني أقوى بكثير مما تظن.. هذا المقطع يمهد لمقطع آخر تنفتح فيه الصورة على بقعة الضوء.. الحياد الظاهر في المقطع الأول يدخل مباشرة في صلب التحدي والمقاومة والإصرار على نيل الحرية. لذلك كان القول في المقطع الثاني مصراً على تأطير وإبراز التحدي، حيث: ضعني في سجنك يا سجان / يا حامل رايات الظلم ورايات الطغيان / أحرمك أنا في الليل النوم ولو بضع ثوان / أخرجني إلى خارج قضبان السجن / أفضحك أنا عند ضمائر هذا الكون / ضعني حيث تشاء / في الزنزانة أو في أرض رمضاء / تلقاني مرفوع الهامه / ودمي للشعب المظلوم فداء.."..
إنها الصورة المشتعلة بالعنفوان دائماً، وهذا ما نجده في الكثير من قصائد الشاعر.. يقول مثلاً في قصيدته "ريم في الصحراء"... "إنني قنديل زيت / ليس ينضب / وإذا طال طريقي لست أتعب / صار حلمي / مثل عنقود مذهَّبْ / يتلظى في فؤادي / يتمرد / ليس يبغي غير أن يرجع / شعبي لثرى عنه تشرّد".. ويقول في قصيدة "حديث مع بلادي" "اعتبريني في البيدر بذره / أو في حبة ليمون قشره / فسواء عندي أن أحيا / في أرضك بذراً أو قشراً / لكن القصد بأن أحيا / في أرضك حراً..".. ويقول في "سفير الأحزان".. "أحضروا لي قبساً من نار أرضي الطاهره / من ثرى القدس ويافا وتراب الناصره / لأنير الدرب قدّام عيون ثائره / أقسمت ألا تعود / دون تحطيم القيود / دون أن تغدو خطاها ظافرهْ.."..
إن هذا الإصرار على صورة الفجر إنما ينبع من إيمان الشاعر بقدرة شعبه على الصمود والتحدي ونيل النصر. وطبيعي أنّ مثل هذا الإصرار لا يأتي غريباً أو بعيداً عن الشعر الفلسطيني المقاوم، فقد كان هذا لشعر مسكوناً بالتفاؤل والأمل والتطلع إلى المستقبل المرتبط دائماً بالشمس. وعدوان علي الصالح في كل هذا يبني القصيدة المقاومة ويصرّ على ثبات محاورها التي ترسخت على مدار السنين لتكون نبض الشعب.
يمكن هنا أن نقرأ شيئاً من قصيدة "الصبر يا صبرا" حيث مساحة الدم تسجل حضورها في كل كلمة. فالشاعر يقف أمام المذبحة في صبرا وشاتيلا ليحدق طويلاً في مسافة الجرح وكأنه يضغط القلب بأصابع من لهب.. ولكن هل كانت مثل هذه الصورة موشحة بالسواد على مدار الطريق وامتداده؟؟.. تقول الإجابة: لا، فالشاعر يصرّ على التفاؤل رغم كل شيء. فماذا تقول القصيدة.. "لست أدري كيف يا صبرا أناجيك / وأنت اليوم يا صبرا تشوهك المجازر / فالذي فيك جرى يعجز عنه وصف شاعر..".. " كيف أبكي.. / كيف يا صبرا وهل يبكي القتيل / آه كم صبرك يا شعبي طويل.."..
"صابر أنت وما زلت تقاوم / وعلى شبر تراب أنت يوماً لن تساوم..".. "ودِّعي كل الضحايا يا فلسطين / بقلب في ثناياه الأمل / ودِّعيهم واحضني الشعب البطل / وازرعي الآمال في السهل وفي رأس الجبل / فالذي صارت خطاه من فداء / يا فلسطين إلى الفجر وصلْ.."..
هكذا تبزغ الشمس من مساحة الدم. وهكذا يطلق الشاعر عصافير الأمل رغم الجرح والوجع والدمع… وطبيعي أن اليأس مرفوض بشكل قطعي في نظر الشاعر. وهو ما جعله مصراً على النهوض والوقوف بثبات بعد أن حاصر الدم كل شيء وكان على القصيدة أن تمتدّ في رحم الزمن لتلتقي الانتفاضة فكانت قصيدة "رباعيات الحجر" وكانت الصور النابضة بالعطاء: حجر أخضر / يقذفه طفل / في وجه العسكر / حجر أخضر / لونه يشبه / لون الزعتر"... ويبقى عدوان علي الصالح شاعر الكلمة التي لا تبتعد أبداً عن فلسطين وشعب فلسطين.
*
*
*
*
يُتبع
حواء سعيد 14-05-2004, 11:03 PM (( القمر الثامن ))
شكيب جهشان
وصورة الوطن
في اعتقادي يأتي صوت الشاعر شكيب جهشان ليكون ذا وقع خاص ومتميز في مجال الشعر الفلسطيني المقاوم ذلك أنه يتعامل مع المفردة والصورة والتركيبة العامة للقصيدة بطريقة تفرد عالمه وملامحه. وربما كانت السخرية المدروسة بعناية، واحدة من معالم شعر شكيب جهشان، كما أنّ صورة علاقته مع الأرض الفلسطينية، بكلّ ما تحمل من دفء وخصوصية في التلاحم، ومن ثبات وإصرار على المقاومة، تعتبر واحدة من هذه المعالم. فمن أين نبدأ؟؟..
بصورة مختصرة وموجزة، يضع الشاعر في قصيدتي "اعتذار" و "مسمار جحا" بصمة في عالم الشعر الذي يقول كلّ شيء، بأقل مفردات ممكنة. في الأولى نقرأ:
فاجأني السارق في منتصف الليل
شلّحني كل ثيابي
ويقرر مختار القرية، باسم القانون،
وباسم الله، وباسم الويل
"أن أحني رأسي معتذراً"
فالسارق مذ فاجأني
يتقلب في النارين
فالعورة تؤذي العين.."..
لنقف في هذه القصيدة التي أوردتها كاملة، على عدة مستويات وأبعاد ومقولات... في الاختصار: إنّ الاحتلال أخذ كل شيء، ويريد من صاحب الحق أن ينحني له معتذراً.. في الحكاية الساخرة: أنّ هذا السارق، وبعد أن سلب صاحب الحق ثيابه، يتقلب في النارين، لأنه شاهد عورة هذا الإنسان الذي سُرق.. وعلى رأي الشاعر " فالعورة تؤذي العين"..
في المستوى المفتوح تتبدى قصة الاحتلال في فصولها وسنواتها، وتتبدى الصورة القبيحة لهؤلاء المتعاملين مع الاحتلال، والذين يخضعون ويطيعون بشكل مثير للاشمئزاز. والسؤال الكبير الذي يثيره الشاعر: كيف لمثل هذه المهزلة أن تأخذ طابع الاستمرارية وأن تتحول إلى واقع؟؟!!
في المهزلة يسود السارق، ويتحول صاحب الحق إلى مذنب.. وفي المهزلة، على صاحب الحق أن يعتذر، وعلى السارق أن يحول الأمور كلها إلى مجرى غريب مصطنع. هنا السارق يشعر بالذنب وتأنيب الضمير، لأنه شاهد عورة صاحب الحق، بعد أن سرق ثيابه كلها.. والصورة: أنّ الاحتلال يريد أن يقلب الأمور على هواه، وأن يغير ويبدل كما يريد..
في مثل ذلك، وعلى هذا المنوال، تسير قصيدة "مسمار جحا" التي تقول في مجموعها:
من أيام
حلّ بداري ضيفْ
قدّمت له حلوى
وارتاح الضيفْ
وثبَّت في صدر الحائط مسماراً
علق فوقه
بعض الأثواب..
مرت أيام
وإذا بالضيف يطوِّب كل البيت
ويغلق في وجهي الأبواب"..
ولا يبتعد الشاعر شكيب جهشان عن مثل هذه السخرية في بائيته الطويلة التي حملت عنوان "يا بلادي" حيث البداية:
صاحب البيت في بلادي غريب والوجوه السمراء شيء مريبُ
والزنود التي أفاضت نماء في عروق الجبال وهم كذوبُ
وعيون رعت تراب بلادي ألف عام تطاول مسبوب
وحكايات جدتي عن صباها غصة مرة وعود كئيب
وخطا جدي الثقال على قارعة التاريخ اعتداء رهيب
وابتسام الحقول ليل مرير والوليد الجديد يوم عصيب
والغريب الغريب من آخر الدنيا حبيب إلى الديار يؤوب.
طبيعي أنّ السخرية هنا تأخذ شكل البكاء، و"غصّة" في الحلق تتبدى في كلّ كلمة وحرف. الشاعر يقول بكل ما في الصدر من مرارة: أيمكن لمثل هذا أن يحدث أو أن يكون وعلى أي أساس..؟؟..
هل من المنطق في شيء أن يكون الغريب القادم من آخر الدنيا حبيباً إلى الديار يعود إليها، بينما يلاحق صاحب البيت ويُتَّهم، ويصبح كلّ ما صدر أو يصدر عنه مجرد كذب وادعاء وتطاول.. ألا تقول الكلمة بكلّ وضوح: إنّ هذا بعيد عن المنطق والحقيقة؟؟..
لا ننسى هنا أنّ الشاعر يخاطب بلاده، وهو الخطاب الذي ترتكز عليه القصيدة والذي يثير سؤالاً يقول: لماذا يقول الشاعر كلّ هذا لبلاده التي تعرف كل شيء، ولا تنتظر أن يشرح لها الآخرون هذه الصورة..
هنا تتبدى العلاقة الحارة والرائعة بين الشاعر وبلاده. الشاعر يلقي رأسه على صدر الأم، ويأخذ في هذا البكاء الحزين الطويل. تلتغي المسافة، ليفيض الشاعر بكل متاعب وهموم قلبه. وهل هناك أقرب من هذه البلاد / الأم/ إلى نفسه ومشاعره ووجدانه.. فلماذا لا يدخل في هذه الصورة الرائعة من التوحّد مع الأرض والبيوت والشوارع والشجر. لماذا لا يبدأ في تلاوة نشيد عشقه وحزنه.. لماذا لا يأخذ في النبض مع نبض الأرض والبلاد.. لماذا لا يكون الوردة والدمعة والناي وأشعة الشمس..
في مثل هذا التداخل والتوحد، وحين يشتدّ خفق القلب، يحرق الشاعر كلّ أوراق "المهزلة" ويأخذ في حكاية العشق الكبير:
يا بلادي أنا هنا منذ بد الـ بدء أغنية ووعد خصيبُ
جذع زعرورة أنا في شعابي وغمام على الجبال سكوب
والتحام العنقود حضن الدوالي وعذارى تاهت بهن الدروب
أنا قمح وزعتر وخواب وعتابا وموقد مشبوب
ويصرّ الباغون أني عدوّ ويصرّ التراب أني الحبيب.
وطبيعي أن يطلق الشاعر في مقطع لاحق، صورة أمله وتفاؤله، وأن تكون الدعوة واضحة إلى السير على درب الخلاص من الاحتلال:
أيها الصبية المغيرون شوقا يشتهي الليل خطوكم والدروب
أيها الصبية المطلّون فجرا تفرش الأرض حضنها فاستجيبوا.
عند هذه النقطة، يمكن التوقف عند قصيدة الشاعر شكيب جهشان عن الانتفاضة الباسلة في الوطن المحتل، حيث تتبدى أيضاً معالم كثيرة من معالم شعره.. فماذا يقول؟؟ في قصيدة "يا أجمل الشهداء" ينقل الشاعر صورة الشهيد على شكل لا نراه عند شاعر آخر. شهيد الانتفاضة هنا يترسّخ ليكون صورة كل الشهداء. وفي الخطاب إلى والد هذا الشهيد:
أغمض له جفنيه
آه
أغمض له جفنيه
وأطبع
فوق هامته الأبية قبلتينْ
يا أكرم الآباء
وأزرع
في الثرى المخضوب من دمه
لمجد عطائه القدسيِّ
أزرع بيرقين.."..
فالواقعية تقترب لتكون في صلب الكلمة، من خلال واقعية الصورة وقربها الشديد إلى عين الشاعر.. ومن بعد، يأخذ الشاعر في التحليق شيئاً فشيئاً، ليتوافق مع الرمز والبعد والمعطيات. وعودة إلى الصورة:
أغمض له جفنيه
كانت صورة الوطن الحبيب
وديعة في بؤبؤيه
أغمض له جفنيه كانت شارة النصر المؤزّر
تملأ الدنيا عليه"..
ويمكن أن نلحظ توقد التحليق في متابعة الخطاب:
يا أكرم الآباء
ينتفض الثرى المخضوب من دمه
على فرح السنابل
يا أكرم الآباء
ينتصر الثرى المخضوب من دمه
على أعتى الجحافل"..
وتتردد في النهاية لازمة لا يكاد لا ينتهي صداها "يا أجمل الشهداء حي أنت.. حي أنت.. حيّ..".. وكأن الشاعر وصل إلى قمة التحليق في النظر إلى الشهيد، وطبيعي أن يرى امتداد صورته في كلّ شيء، بعد أن سقى الأرض من دمه هذا النور القادر على الثبات والمقاومة والانتصار.
كما نلحظ، الشاعر شديد الاختصار والإيجاز في العبارة والصورة وما إلى ذلك، كأنه يقول إنّ الوقوف أمام الشهيد يحول الكلمات إلى برق ورعد ومطر. الشهادة تفرض قانونها الخاص على الكلمة، والكلمة تلتزم كل الالتزام بمثل هذا القانون الرائع. هل هي صورة الشهيد في اختصار الكلام، والتحول إلى الفعل.. هل هي صورته في تكثيف المعاني بمعنى العطاء والخصب والامتداد..؟؟... ربما..
قد تبدو مثل هذه الفرضية أكثر وضوحاً في قصيدة "عندما تولدين" التي يتوحد فيها شكيب جهشان مع شهيد الانتفاضة، ليوجه الخطاب إلى الوليدة القادمة، وطبيعي أن يفهم المعنى الحقيقي لهذه "الوليدة" التي تعني الحرية والخلاص من الاحتلال، حيث:
عندما تولدينْ
سلمي لي على
إخوتي العائدين"..
المقطع هنا في غاية الاختصار والإيجاز، وهو ما تسير على نهجه بقية مقاطع القصيدة، حيث المقطع اللاحق:
طالع من حجر / غدنا المرتجى / والأغاني الأخر..".. ومقطع آخر في صورة الشهيد: "كان مثل الجواد / يستبيح المدى / والرزايا الشداد..".. فالشاعر كما أسلفت، يضع الكلمة أمام الشهادة في اختصار الكلام. ومن جهة ثانية، وفي هذه القصيدة خاصة، يلجأ إلى طلب السرعة عن قصد.. فلماذا؟؟..
قد يبدو شكيب جهشان في هذه القصيدة على شكل غريب من الركض والسرعة والقفز. وأحياناً نظن أنه يتجاوز بقية الكلمات. ذلك أنّ الشاعر يريد الحرية ويطلبها ويستعجل حضورها، وهو يرى إلى الانتفاضة الباسلة وهي تسير بخطوات واسعة على طريق الحرية.
هنا يمكن أن نقف عند المقطع الأخير في القصيدة والقائل: أيها العائدون / سلموا لي على / أهلي الصامدين..".. لنرى كيف يختصر الشاعر الوقت والزمن في استحضار هذه الحرية، وهو يتطابق ويتوحد مع هذه الحرية، لتكون واقعاً ملموساً، يمكن أن ترى العين أشعة شمسه بكل وضوح.
تجدر الإشارة إلى أنّ الشاعر دائم التفاؤل والأمل في الحديث عن موضوعات الانتفاضة ككل. وإذا كانت صورة الشهيد، لا تعني إلا التفاؤل والأمل كما مرّ معنا، فإنّ بقية الصور لا تبتعد أبداً عن هذا المعنى.. نسمع في هذا السياق:
أيها الإخوة الصامدون
أيها الزارعون على جبهة الشمس نبض الآباء
يداً بيد..
سوف نبني الوطن
ويداً بيد سوف نلوي ذراع الزمن
أيها الإخوة الصامدون
يداً بيد يستفيق الربيع
وينتفض الكون حراً، فيعتنق الكبرياء
أيها الإخوة الزارعون على جبهة الشمس نبض الآباء
ويداً بيد سندق مع الفجر باب السماء.."..
فالشاعر يبقي الصورة مفتوحة على فضاء واسع من الأمل والتفاؤل، إلى جانب التأكيد والإصرارية على أنّ الحرية قادمة لا ريب. وطبيعي أن تكون الأفعال مليئة بالثقة والامتداد والخصب. فالشاعر لا يقدم صورة مجانية، أو فعلاً بعيداً عن معناه المليء بالامتداد.
أخيراً، أشير إلى أنّ ما تناولته بالدراسة، وما اخترته من مقاطع وقصائد، لا يشكل إلاّ القليل من العالم الشعري الواسع والغزير للشاعر الفلسطيني شكيب جهشان الذي قدّم الكثير من الشعر الفلسطيني المقاوم على مدار السنوات الطويلة الماضية. ولكنني لا أنسى الإشارة أيضاُ، إلى أنّ قراءتي هذه مساهمة لا بدّ منها لتقديم واحد من رواد الشعر الفلسطيني المقاوم، لم تعرفه صورة هذا الشعر في وطننا العربي، رغم أنه علم بارز بين الشعراء في الوطن المحتل، وطبيعي أنه معروف منذ مدة طويلة لدى جمهور القراء هناك.
*
*
*
*
يُتبع
حواء سعيد 15-05-2004, 03:57 AM (( القمر التاسع ))
مصطفى مراد
والطوفان المقبل
تبقى الأرض في كل قواميس اللغة أقرب ما تكون إلى نبض القلب والشريان، وحين يكتب الشاعر صفحة الأرض في مساحة القصيدة، تأخذ الكلمات في التوهج والارتفاع والامتداد. فهل حقق شاعرنا مصطفى مراد مثل هذه المعادلة في تعامله مع الأرض؟؟... تقول قصيدته "الأرض": تكونين ملء الفضاء.. وملء السماء.. وأكبر من كبريات الأماني / تكونين حين ترابك يفلت منكِ / فتدخل ذراته في عيوني / وأغلى وأغلى / تكونين أيتها الأم - يا جرحنا النازفا - / ضماد الجروح / تكونين كيف تكونين صاخبة ثائره / وهادئة صابره / تكونين بلسم روحي / فما شئت كوني.."..
في مثل هذه المساحة، تبقى الأرض في مسافة حجمها الطبيعي من جهة، وفي مسافة مغايرة من جهة ثانية. فالشاعر يرى فلسطين كما هي في واقع الحال، لتكون بالطبيعة الموافقة والشكل الموافق دون أي زيادة أو نقصان، ثم يراها في غير حجمها الطبيعي حين تنفتح المساحة لتكون الأرض الفلسطينية في كل مساحة ممكنة ومنظورة.. فماذا يعني ذلك؟؟..
تلتقي المسافتان في مسافة واحدة يمكن أن نسميها "حب الشاعر" فالشاعر ينظر إلى فلسطين بعين حبه وعشقه وقلبه، لتكون فلسطين على ما هي عليه من جهة، ومتجاوزة لكل ممكن من جهة ثانية، لأنها الحبيبة التي تشكل حجم الحب وصورته ونبضه، وهو ما جعلها ملء الفضاء والسماء، وأكبر من كبريات الأماني.. وهكذا تحولت الأرض لتكون إطار ومعنى الحلم والتطلع والحياة، ولتكون كل ما يريده الشاعر ويطمح إلى التداخل معه، ولكن هل كان ذلك نهاية الصورة، أم أنّ القصيدة يمكن أن ترسم أبعادها الأخرى في قصيدة ثانية ...؟؟..
يقول مصطفى مراد في قصيدته " وطني" : عصفور يبني عشاً / وفراخ تنتظر المستقبل / وطني / ووعود تنتظر الأجنحة / وحلم بالأمل الأخضر مثقل / وسنابل تنتظر المنجل / وطني / وفراشات / الليلة أرقني الحلم / وداعبني الحلم الجارح / فحزنت / الليلة أيقظني صوتك / فبكيت / وحلمت بطوفان مقبل / وحلمت بحقل أخضر..".. يتابع:
" يا وطني / يا عصفوراً إن هدموا عشّه / يبني عشاً أجمل / يا أغنية الميلاد ويا زنبقة المنفى / يا سما أسقاه فأشفى / أجراس العودة دقت يا وطني / والحبّ الجارح أرقني../ حبك يا وطني / فرأيت الطوفان المقبل / وسمعت سنابلك الخضراء تنادي / ورأيت الفجر الآتي / والحقل الأخضر / فحملتُ المنجل..".. فأين تقف الصورة وإلى أين تنطلق؟؟..
تأخذ قصيدة "وطني" حالتين من حالات التوحد مع الأرض والدخول في كل جزء من جزئياتها حيث ارتسام كل ملامح التلاقي دون أي فاصل.. كيف..؟؟..
في الحالة الأولى: نقف على صورة كبيرة نسميها صورة "الانتظار" فالأشياء تتحول دفعة واحدة إلى هذا الشكل البارز من أشكال الانتظار، كأننا في محطة تتنفس معنى ومفهوم وشكل ما هو قادم. هنا لا يمكن أن تكتمل أي صورة بعيداً عن هذا القادم، لأن الصورة قد لونت بألوان لا تجد وضوحها وجمالها وبهاءها إلا مع هذا اللون الذي سيأتي لاحقاً.. فهل كانت صورة الوطن هكذا؟؟..
في هذه الحالة التي ترسمها القصيدة في الجزء الأول، لا يخرج الوطن إلى حالة الكمال، وإلى حالة التوافق مع كل الألوان، إلاّ في التلاقي مع الحرية والخلاص من الاحتلال. لذلك كان الوطن مرتبطاً بحالة الانتظار التي تنتظر المنجل، وهذه الفراشات التي تنتظر "الزهر"..
لذلك كان هذا الحلم الجارح، وهذا النداء الصارخ، وهذا الانفتاح التأكيدي على الطوفان المرتبط بالحقل الأخضر في النتيجة. ولكن من أين أتى هذا الحلم الجارح، فالحلم الواعد..
نلاحظ أن الشاعر يدخلنا في حالتي حلم يستدعي الأول منهما دخول الثاني، فالانتظار الضاغط بطبيعة الحال، قاد إلى حلم جارح مثقل بالهم، وكأنه انتقال إلى حالة الكابوس جراء معايشة واقع مليء بضغوطات الاحتلال، ثم كان الحلم الآخر القادم من خلال "صوت الوطن" ليكون مرتبطاً بالصحو، حيث الوعد بهذا الطوفان المقبل الحامل للحرية. فماذا تقول الحالة الثانية..؟؟..
في الحالة الثانية: تبرز صورة "أجراس العودة دقت يا وطني" لتكون مفصل المعنى السابق واللاحق، فالوطن "العصفور" الذي هدموا عشه يبني عشاً أجمل ليكون في كل حالاته، وفي كل فصوله وصوره وأشكاله، الوطن الأروع والأجمل والأحلى، فهو أغنية الميلاد، وزنبقة المنفى والألم الذي يشفي.. وهكذا.. وصولاً إلى التوافق مع الصحو الذي ينفي أي التصاق بالحلم، وعلينا أن نرى بوضوح كيف يبعد الشاعر في هذا المقطع "الثاني" مفردة الحلم أو اللجوء إليه، ليكون مع صورة الطوفان في حالة الصحو، كذلك مع صورة السنابل الخضراء التي تنادي، وصورة الفجر القادم، وصورة الحقل الأخضر، وهو ما جعله يحمل المنجل مؤكداً أن الحالة لم تعد حالة حلم بل حالة صحو ومعايشة وواقع.
من هنا التأكيد على التطور الحاصل في الحالة الثانية، حيث الوصول إلى الواقع بعد الحلم. ننتقل إلى حالة أخرى حيث يقول في قصيدة "معذرة": معذرة قال دمي / لم يبق لديَّ سوى حلمي / والورق الأبيض / يا امرأة جاعت.. لكن / لم تأكل من ثدييها / معذرة لم يبق سوى حلمي / فامتشقي حلمي يا حرة..".. حيث الاتكاء على الذات في مواجهة العدو حيث ما عادت العين ترى من يمدّ يد المساعدة، أو من يمتشق السيف في وجه العتمة التي تحاصر الشعب الفلسطيني في الوطن المحتل. هنا يكون على الشعب أن يشكل ثورته ووقفته ومحاولته في شق الظلمة وإزاحتها.. ولكن ماذا في اليد غير هذا الصمود، وهذا التماسك، وهذا الحلم، وهل يكفي هذا لمجابهة آلات البطش والدمار والفتك.. يبدو أنه لا مفر من التواصل مع ما هو موجود وما هو متوفر للإنسان الفلسطيني، لتكون الانتفاضة الباسلة فيما بعد نتاج هذه الأقانيم الثلاثة، وما كان الشاعر قادراً على رؤية مثل هذا المد الرائع في قصيدته، وإن كان يمهد له / نشرت القصيدة بتاريخ 31/5/1985/.
مصطفى مراد في هذه القصيدة يقع كثيراً على مساحات السواد، لنسمع في صوته بحة حزن غريبة تكاد تغلف كل شيء " حين يجوع الوعد ولا يبقى منا غير شظايا / تتوزع كالورق اليابس".. وكأن الشاعر قد سلم كل المراكب وانتهى الأمر بالنسبة له حين آثر السكينة والهدوء السلبيين، ولكن أيمكن أن تقع القصيدة المقاومة في مثل هذه الظلمة رغم كل الضغوط التي تتعرض لها..
طبيعي أن يكون الجواب إصراراً وتأكيداً على الضوء حيث: "أقسمت بحلمي يا وطني / ببقايانا / بالورق اليابس والأخضر / من أول حبة رمل حتى آخر حبة رمل / من أول مذبحة حتى آخر مذبحة / من أول غدر حتى آخر غدر / من أول طفل يولد بالصدفة عربياً / وفلسطينياً / حتى آخر طفل / أقسمت بحلمي يا وطني / ببقايانا / أن لا أحني الهامهْ" و "أقسمت بحلمي يا وطني / ببقايانا / أن لا أعشق إلا امرأة حرهْ / لا تأكل من ثدييها مهما جاعت / لا تحني هامتها / تفهم معنى الدرب الواحد / تفهم معنى الفرح الواحد / تفهم حقاً معنى الثوره.."..
كما نرى هناك لجوء كامل إلى الحلم لتحقيق الثبات والصمود والتماسك، وطبيعي أن الحلم يؤكد على الحرية والخلاص والسير نحو حالة مغايرة للواقع المعاش من خلال نسف هذه الحالة. ولكن ألا نلحظ نوعاً من المحافظة على وتيرة الحزن "بالورق اليابس.. ببقايانا.. مذبحة.. غدر..".. وكأن الشاعر لا يريد الخروج إلى هذا الضوء الذي أشرنا إليه؟؟!!..
أظن أن هناك إصراراً متزايداً على الضوء رغم ما يتبدى من حزن، لأنّ الشاعر لا يأخذ هذه الأشياء المليئة بالدمع إلا لينطلق من خلالها نحو الصمود والتماسك والثبات، فهي قسم وعهد وذاكرة دافعة ومحركة للأمام، لذلك كان القول فيما بعد "يا درب الأحرار المشتاقين / طويل أنت / لكن لا بأس / ما زالت عكا في عكا / والقدس في القدس / يا أحباب الدرب الشائك / مرحلةً / خطوة..".. حيث الظلمة الشديدة، والعذابات الضاغطة لا تعني الانكفاء والتوقف، بل تدفع إلى السير ومتابعة طريق العطاء.
لا نبتعد كثيراً عن معاني الصمود والثبات والتماسك حين نقرأ قصيدة "بيروت" التي تتحرك على محور تمجيد البطولة والفداء والتضحية، ورسم معالم الوقوف في وجه الغزو الإسرائيلي صيف 1982 للبنان حيث: "بيروت / كل يد قنبله / كل فم أغنيه / كل مقاتل / علم يتحدى الموت الشامل / ويبيد الموت الشامل / بيروت الشجر فدائي / والحجر فدائي / والغضب فدائي يتمركز خلف المتراس / والرمل يقاتل / والموج يقاتل / كل شوارع بيروت فدائيون / الصحف فدائيون / أعمدة النور فدائيون / وجديلة بنت الصف السادس / حبل يقطع عنق المحتلين / وأقلام الحبر بأيدي الطلاب سكاكين / تفقأ عين المحتلين / وجنازات الشهداء الأخوة أعراس.."..
في المسافة التي تسير القصيدة في مداها، لا تختلف الصورة ولا تتغير، وإن تغير المكان من فلسطين المحتلة إلى بيروت. الاحتلال الإسرائيلي هو الاحتلال الإسرائيلي، بكل أساليب تنكيله وبطشه. والمقاتل الفلسطيني هو المقاتل الفلسطيني، وإن تغير الأسلوب حين توفرت للفلسطيني المنفي أسلحة لم تتوفر للفلسطيني الواقع تحت نير الاحتلال في فلسطين المحتلة، وطبيعي أن يرى الشاعر روعة صور البطولة والفداء والتضحية التي يسجلها المقاتل العربي في مواجهة الجيش الغازي، لتتحول كل الأشياء والأزمنة إلى فدائيين، وكأن الطبيعة قد لبست ثياب الحرب ووقفت إلى جانب أهلها وساكنيها تقاتل معهم وتحارب ضد الاحتلال الباغي..
طبيعي أن يكون هناك هذا الاختلاف في نوع الأسلحة وقدرتها ومفعولها، حيث تسلّح الجيش الغازي لبيروت بأسلحة تتفوق مئات المرات على الأسلحة التي توفرت للمقاتلين والفدائيين العرب، ولكن هناك الإصرار والصمود والبطولة "بيروت / الأيدي المقطوعة / أعلام مزروعة..".. "تتحدى دبابته / تتحدى طيارته / تتحدى الموت الفوسفوري / تتحدى الموت العنقودي / والعملاق المتمركز خلف المتراس البيروتي / يتحدى "البطل" الزائف والهمجي / بيروت / أحياناً يتنمَّر قاتل / لكنك تبقين / ويبقى كل مكان / يسكنه المارد ابن العشرة أعوام / للمأجور القاتل تابوت / تابوت.. تابوت.. تابوت / لجميع المحتلين..".. أخيراً لا بد من القول إن الشاعر مصطفى مراد شاعر كلمة تعرف كيف تتواصل مع الأرض وكيف تقرأ في دفتر الوطن قراءة عميقة واعية، وإذا كانت بعض وقفاته تعبر عن الحزن والألم والاحتراق والشعور بالضيق إلى حد كبير، فإنّ إصراره على التمسك بالضوء من جديد يحيل حزنه إلى دافع ومحرك نحو السير إلى الأمام
*
*
*
*
يُتبع
حواء سعيد 16-05-2004, 01:54 PM (( القمر العاشر ))
عبد الناصر صالح
وراية المجد
لا أدري كم من السنوات مرت على معرفتي بالشاعر عبد الناصر صالح، من خلال قراءة قصائده في صحف الوطن المحتل، وسواها. وكنت دائماً شديد الإعجاب بهذا الشاعر الذي يفصّل القصيدة لتكون كما الوطن، أو كما القلب الخافق بعشق الوطن. والغريب أن يدفعني ذلك إلى تأجيل الكتابة عنه، وكأني أنتظر شيئاً ما لا أعرف ما هو لأبدأ وضع النقطة الأولى في صفحة الكتابة حوله. وها أنا أعود إلى عبد الناصر صالح من جديد، لأدخل عالمه الشعري الزاخر.
في قراءة قصيدة الشاعر عبد الناصر صالح، خلال تطورها الزمني، يمكن أن نقف بداية عند قصيدة "نبضات لا تموت" المنشورة عام 1978 حيث: "مشيت إليك يا وطني / وكلّي ثورة كبرى / يقاتل فجرها الأنذال / مشيت إليك لم أتعب / من الليل الذي قد طال / مشيت إليك روحي في سماء الوجد والآمال / وكنت عرفت يا وطني / بأنك لا يزال الحب فيك يصارع الأغلال.."..
وحيث: "فهذا الشعب لن يرضى / وهذا السيف لن يرضى / بأن تبقى وحوش الغاب / وقال الطائر الدوري / إن الشعب يمحقُ.. يمحقُ الأذناب / ولا يبقي / جذور البغي والأوصاب" .. "وحين يثور تأتي الشمس هادرة / من الجدران والأبواب.."..
الصوت يمكن أن يعبر عن حركة دائمة نحو الفعل، أو في مسار الفعل، وطبيعي أن يكون الشاعر في هذه القصيدة ملتزماً بالتأكيد على مساحة الضوء، وهو ما يضعنا بشكل دائم مع قصيدة المقاومة التي تبني محاورها وتدفعها باستمرارية إلى الأمام لتكون محاور صمود وتحد وثبات. وقد نلحظ في قصيدة نشرت في هذا العام 1978 تحت عنوان "قراءات في عيون حبيبتي" الكثير من هذه المحاور حيث: "فلسطين / إني أحبك رغم عذابي بسجني اللعين / ورغم قتالي مع القهر / ورغم جفاء السنين..." .. "أراك فأصبح حياً" لتكون فلسطين في القلب والشريان والروح، وعندها لا تكون كل العذابات إلا الدافع لتأكيد الصمود والمواجهة.
في مثل هذه العلاقة مع الوطن والأرض والبيت، تتبدى ملامح الوقوف بصورة قد لا تشبه أي صورة أخرى. والشاعر عبد الناصر صالح شديد الالتصاق بمفردات الوطن، ودفء الجملة التي تعبر عن حبه لهذا الوطن، وحين تكون كل المسافات شديدة الظلمة والقساوة والضغط، تأتي صورة الوطن لتشحن الشاعر بكل معاني الصمود والثبات. من هنا بروز الوطن كصورة أولية ليكون محور الأمل والدفء.
الوطن في هذه الحالة يعطي صدره ليضم كل الوجع وليمسح كل الآلام، وليبعد كل حالات اليأس.. ماذا يعني كل ذلك؟؟..
في "الرحيل إلى الجزر النائية" المنشورة بتاريخ 8/1/1982 يقول عبد الناصر صالح "أصرخ في ملكوت الله / أبكي في ملكوت الله / وأنسى عالمي المتحجر / لكن لا أنسى وطني في ملكوت الله" و "قلدني النفي وشاح الموت / …. ترميني عاصفة التهيام إلى جزر لا أعرفها / لا أعرف مرساها...".. وتأتي الصورة الكبيرة لتقول: "يا وطني أنت دليلي / أنت نبي الأزمان السائبه الهرمه / يا وطني أنت الحرف وأنت الكلمه" حيث الوطن في النهاية هو الملجأ والصدر الحنون والسياج والأمان.. فماذا تقول صورة هذا الوطن أيضاً في المسار الذي أشرنا إليه؟؟..
نسمع في قصيدة "البديل" المنشورة بتاريخ 28/1/1983 أربعة أصوات أولها "صورة يفترض ألا تتغير" حيث "أنت المناخ الذي أرتديه / غطاء من الرمل والياسمين" وثانيها "الجسد، الأرض، البحار" حيث "ربما أجعل منك البديل عن الرؤية السائده / يا صراطاً جديداً يقاوم / يا جموحاً يقاوم / يا جسداً تورق فيه العناقيد..".. وثالثها "العاشق" حيث: "سأمنحك الوقت والنظرة الشامله / سأمنحك الصحوه الرافله / وأجثو على صدرك الرحب".. ورابعها "الانتفاضة" وهو الصوت الذي يأتي مختزناً كل الأصوات السابقة ومبشراً بميلاد الانتفاضة بعد حين، إلى جانب هذا التحريض الذي يدفع إلى إشعال كل شيء وتأجيج كل شيء، يقول: "يا بلاداً تغني على حافة الجرح / تلهو على حافة الجرح / كالطفلة الواعدة / هذا أوانك فانتفضي / موجة، شعلة، نجمة عائده / هذا أوانك / موعدك الأخضر الثر / أيتها المقلة الشاهده".. أفلا نسمع صوت الانتفاضة القادمة بعد حين؟؟..
أفترض أن قصيدة المقاومة عند كل شاعر من شعراء الوطن المحتل كانت تختزن معنى الانتفاضة وتدعو إلى فعلها وحضورها بهذا الشكل أو ذاك، ولا داعي لتحميل قصيدة عبد الناصر صالح أو سواها من القصائد أكثر مما تحتمل، ذلك أن القصيدة تقول حياة معاشة في الوطن المحتل وتدعو بصورة ما إلى تغيير الواقع القائم وصولاً إلى الحرية التي يطلبها الشعب العربي الفلسطيني.
وكما نلحظ في أصوات "البديل" فإن الشاعر يلح على صورة واقع ثقيل ضاغط، ليبحث بشكل دائم عن الواقع الذي يريد من خلاله التمسك بالفعل والمقاومة، وهو ما يعني اللجوء إلى الوطن للنهوض من خلال الذوبان فيه.
يأتي شاهد الأرض أحياناً، وشاهد الوطن، وشاهد التداخل مع المستقبل، لتكون الخطوة أكثر إصراراً على التقدم والتوافق مع ما هو آت بعد حين. لا نقول إن قصيدة الانتفاضة قادرة على فتح بوابة المستقبل لتطَّلع على ما سيكون، كما لا نسجل هنا القول بقدرة القصيدة على معرفة الغيب. ولكن نقول بكل وضوح إن قصيدة الانتفاضة، استطاعت أن تفهم حاضرها بشكل واع وخبير، مما أهلها لفهم المستقبل وفهم آلية كل خطوة قادمة، وهو أمر طبيعي. في هذا المسار، لا تقدم القصيدة قفزة في فراغ، ولا تسعى لتكوين عالم مغاير غريب، إنها تقول ببساطة إن الحاضر يدل على المستقبل، وإذا كان الحاضر على هذا الشكل الذي نراه، فالمستقبل سيكون ولادة طبيعية لما هو موجود.. كيف؟؟..
تقول قصيدة "كتابة على جدران أم الفحم" المنشورة بتاريخ 2/11/1984 "تأخرت يا ركب أمي المسافر في الليل / تاقت عيوني / وتاق يراعي المكسّر فوق سطور الدفاتر" ومرة أخرى نسمع: "أنادي عليك / تأخرت يا ركب أمي..".. ثم "أنادي عليك.. وأشلاء بيتي تنادي عليك..".. أفلا يفتح الشاعر صورة دائمة من النداء الملحاح الذي يدعو إلى هذا الفجر القادم، من خلال قراءة الحاضر المعاش في الوطن المحتل، ولكن ماذا يقول هذا الحاضر، أو ما هي ملامحه.
تقول القصيدة "إن التراب يريد دماء / تغذي جذور الربيع / وتفرش درب النضال المثابر" و "لا أستطيع الوقوف على الوقت / إن الزمان اللعين يريد اغتيالي" وأصرخ إني "أعاني على القيد بؤسي / وهذي الأيادي الحقيرة / تسلخ جلدي عن الجسم / تطفئ نور عيوني..".. لتكون الصورة صورة عذابات متواصلة لا يتوقف ضغطها بأي شكل من الأشكال، وطبيعي أن الخلاص من الاحتلال، حيث يتأجج الغضب ثورة عارمة "هو الحب سيل من الانتفاضة / يملأ خارطة الوطن المتعطش / يزرع في القلب أيقونة الغضب المستفيض / تؤوب التقاطيع / تأتي الطيور / إذا الفجر أمطر ناراً على الليل / أمطر موتاً / وأشعل كل المنابر..".. هكذا تأتي الصورة بالصورة، وتكون الولادة، ولادة طبيعية. فماذا قالت قصيدة الانتفاضة عند الشاعر عبد الناصر صالح فيما بعد...؟؟..
في "الصهيل" المنشورة بتاريخ 3/1/1988 يأخذ الجواد معناه المتجدد من خلال تعبيره عن الانتفاضة / الثورة، فهو يصهل فوق الريح، ويعانق الدماء والجراح "دمي سال على وجه التراب / ولم يزل هناك ترتوي الأشجار منه / تحتمي به الطيور من مخاوف الدمار والحريق / من أين تأتين / تصلب جسدي / وماتت النجوم فوق صخرة العناد / غاب وجه الشمس في الأفول..".. ولكن لا داعي لكل هذه الأسئلة، إذ كفاك يا جراحنا جراح كفاك وانظري: "هنا الأطفال يحملون حبهم على الأكتاف / يحملون القدس والجليل / يطاردون الجند / والرصاص فوقهم كندف الثلج..".. و "إني الأسير حطمت يداي / حزني العميق" ويصهل الجواد "يصهل الجواد / تبرق العيون في الجبال والوهاد" وتكون خاتمة هذه القصيدة تأكيداً على قدوم النهار حيث: وبيارات أهلي تغصّ بالثمار..
في هذا المسار لا يقفز الشاعر ليحتفل بالانتفاضة متناسياً أو متجاوزاً لكل ما كان في ذاكرة الزمن السابق عليها، بل يصر من خلال جواده على التلاقي مع كل المسافات لتكون الانتفاضة حلم المضي المسكون بالمعاناة، وضوء الحاضر المسكون بالمواجهة والنضال والثورة، والتفاؤل بالمستقبل المسكون بالفرح والنصر والخلاص من الاحتلال، لذلك كان "الصهيل" متدرج الوتيرة بحيث لا يسمح بالفجائية التي تعلق الأشياء في الفراغ، مما جعل الصورة واضحة في تداخل ألوانها وخطوطها، وبما يؤدي إلى جمالية خاصة.
في قصيدة "هل غادر الشهداء" المنشورة بتاريخ 18/1/1988 تأتي الكلمات إلى موسم الفرح لتقول صورتها بشكل رائع أخّاذ. في هذه المساحة تشتعل الأنفاس مع الحروف لتعلو دفعة واحدة في هذا الدفق المتواصل الجميل.. لا أدري لماذا اختصرت هذه القصيدة مسافات كثيرة من الشعر، لتقول الكلمة بهذا الصفاء:
يتسابق الشهداء في سجن النقب
ليشكلوا بدمائهم جدلية الموت الحياة
ويعمدوا أجسادهم بالرمل
يلتحقون بالركب الطويل إلى احتفال الروح
ينزرعون أشجاراً على درب الشهادة
كم على أيديهم دكت عروش القمع
كم منع الغزاة من اقتحام القلب
كم فشل الغزاة
يتسابق الشهداء
يلتحمون بالرمل القديم يسافرون لعرسهم
يتعانقون بمهرجان المسك والحناء.."
وفي ارتفاع النشيد، يأتي القول:
"للعرس الفلسطيني طعم المسك..
للشهداء لون الزعتر البري والحناء
أقمار تحلق في السماء
وراية للمجد
تخفق في فضاء القلب
تعطي الانتفاضة بعدها الشعبي
تحفر فوق سطح الرمل تاريخ الغضب
يبقى أنّ الشاعر عبد الناصر صالح ذو بصمة متميزة في الشعر الفلسطيني المقاوم، وقد استطاع أن يصل إلى هذه الدرجة من التميز في سنوات قليلة ومن خلال إصراره على تطوير قصيدته ورفدها بكل جديد، ولا نبالغ حين نرى أن صوت الشاعر عبد الناصر صالح من الأصوات القليلة التي يمكن لها أن تطور في مسار قصيدة المقاومة وأن تصل بها إلى الأفضل، ذلك أنه يملك مقومات الشاعر المبدع الأصيل.
*
*
*
*
يُتبع
حواء سعيد 09-06-2004, 08:02 PM (( القمر الحادي عشر ))
فتحي القاسم
والركب الهادر
في العام 1982 نشر فتحي القاسم قصيدة حملت عنوان "الانتفاضة" لتكون إلى حدّ ما قريبة من الحدث البطولي الشامخ الذي حمل اسم "الانتفاضة" فيما بعد وامتدّ على مدار السنوات اللاحقة. طبيعي أن تكون القصيدة - وكما هو متوقع - ذات موضوع مقاوم يسعى لنيل الحرية، ويحرّض على تأجيج الفعل، ولكن إذا جاز لنا أن نتناسى تاريخ نشر القصيدة قليلاً، لوجدنا أنفسنا أمام قصيدة مكتوبة في زمن الانتفاضة ومن خلال معايشة حدثها. إذ يقول فتحي القاسم:
ينتفض الركب الهادر كالبركان
ويقتلع الطغيان ويمشي رغم البؤس الغامر
والأحزان..
ويمشي مهما كان.
وربما كانت الانتفاضة التي اشتعلت في نهاية العام 1987، جواباً على سؤال حملته قصيدة الشاعر حين قال "من يمسح دمعي، من يبرئ جرحي / من يشفيني من داء الأحزان".. وهو ما يمكن أن نلحظه في قصيدة أخرى نشرت للشاعر في العام 1988تحت عنوان "الفعل المضاد" حيث الكلمة التي تسعى إلى معانقة الفرح وتصوير الشموخ وملاحقة الحدث في كل خطوة منه.. كيف؟؟..
في هذه القصيدة "الفعل المضاد" والتي تنقسم إلى قسمين "على أبواب غزة" و "ردّ فعل" نقرأ صورة تأخذ شكل القصيدة العمودية، وأخرى شكل قصيدة التفعيلة، في الأولى "على أبواب غزة" نقرأ:
على أبواب غزة دام خطب وصار الدرب أحجاراً تهبُّ
تشبّ النار تحرق كل دار وفي الأسماع حزن يشرئب
يموت الطفل والشارات تعلو لرسم النصر أفواجاً تصبّ
على قدس الشهادة داس وغد وفي نابلس مأفون يسبّ
غلت شطآننا واهتاج بحر وصار الرمل متراساً يشبّ
على أشلائنا خطروا وعاثوا وليل الظلم أشباح تدبّ
وفي الوديان زمجرة تنادي ألا هبّوا شباب الدار هبّوا
فلسطين استعدي لاح فجري فما كلّت لنا همم وعصب.
نلاحظ أنّ هذه الأبيات، وقد جاءت تقليدية الشكل، أرادت القول أن كل ما يحدث إنّما يشكل مخاضاً وبداية وخطوة على الطريق. قد يكون الظاهر أقرب إلى إعطاء صورة ترسم مستوى واحداً لا تتبدل خطوطه ولا تتغير، ولكن الحقيقة تقول إنّ هناك حركة متلاحقة في كل لون وخط من ألوان وخطوط هذه الصورة. إن الاقتراب إلى حدّ الملاصقة والمعايشة من الأحداث السابقة على الانتفاضة في الوطن المحتل، كان يعني للقارئ أنّ هناك مخاضاً يبشر بميلاد ثورة عارمة شامخة. ولنا أن نرى في هذا الصدد إلى عدة أفعال في القصيدة مثل "تصبّ", "غلت". "اهتاج". "هبوا". "استعدّي". و"لاح"..
لنجد أن الصورة مفتوحة على حركة الفعل القادم والذي تشكله الانتفاضة، فالأفعال أفعال وعد وانتظار وتحريض، وهو ما يعني أن الانتفاضة قادمة لا ريب..
في مستوى آخر، تعمل الأبيات على تصوير حالة البؤس والعذاب والقهر لتقول إنّ الاحتلال لا يمكن له أن يوجد غير السواد. النار تحرق كل بيت، وفي الأسماع حزن، وهناك أطفال يموتون، وهناك وغد يدوس على قدس الشهادة، وقد خطروا وعاثوا على أشلائنا، وليل الظلم أشباح تدب.. وهكذا.. لتكون الصورة قاتمة مليئة بالحزن والدمع وانفتاح الجرح.. ولكن هل أغلق الشاعر هذه الصورة دون رفدها بصورة أخرى..
كان طبيعياً أن يولّد الحزن انفجاراً، وأن تولد الآلام والجراح بركاناً لا يهدأ. هكذا أرادت الصورة أن تقول، فالاحتلال احتلال، وعلى الفلسطيني أن ينهض إلى انتفاضته ليكتب سطور العطاء على طريق الخلاص.
وإن لم يفعل ذلك، لبقي الاحتلال بما يحمل من حريق وحزن وموت وفساد وظلم.. وكيف لإنسان أن يرضى بذلك؟؟..
في "ردّ فعل" تأتي المفردات لتشكل وقوف الشاعر في وجه الجلاد، حيث:
أيامي في صدّك مشهوده
أيامك يا هذا معدوده
لا ترقص فوق الأشلاء المعبوده
فالساعة لن تتوقف
لن تحرق فوق المدن الموصوده
تحترف القتل لقتلي
وتسدّ الأبواب لخنقي
أتعيش لأفنى
يا ويلك من صلبي
فأنا مهما أبذل في صدّك
لن تضعفني.
وكأننا أمام صياغة تقول بإصرار الشاعر على الاستمرار في المقاومة مهما كانت العذابات التي يتعرض لها. وطبيعي أنّ الجهد المبذول في الوقوف لا يعني أي نوع من أنواع الضعف أو الميل إلى التراجع. شعب فلسطين يقدّم التضحيات والفداء والدم ليزداد إصراراً على مواصلة مشوار الصمود والمقاومة والتحدي، وهو في هذا يعرف أنّ النصر قريب، وأنّ دم الشهادة شمس تشرق على صباحات الأيام القادمة. والشاعر في رسم هذه الصورة، يتشبث أكثر فأكثر بالفجر والتفاؤل.. فهل قالت القصيدة عند الشاعر فتحي القاسم كل شيء؟؟...
في قصيدة "عكا تنشر للشمس بهاها" المنشورة عام 1989، يلجأ الشاعر إلى عكا الأسطورة والتاريخ والحاضر والمستقبل، ليغني الانتفاضة بكل ما تحمل من شموخ وروعة وامتداد، مع أنه لا يذكر الانتفاضة بمفردة واحدة، حيث 00 "عكا واقفة كالطود / تلوّح للتاريخ بيمناها / لا تبسم في وجه المحتل / ولا تقفل فاها..".. وحيث "يحميها البحر / فتنفض عنها أثواب التيه / وتنشر للشمس بهاها..".. وعكا "تمتدّ شوارع وحكايا / وتلالا تتحدى / وقلاعا تتصدى / وفنارا يتعالى" و "مات الجزار وعكا باقية / في القلب سناها / عكا الأسطورة ترقب خطوي / تشرب دمعي / تحترق بجرحي فيثور لظاها..".. و "عكا تنتظر العودة / رغم الريح الصرصر واقفة / تنشر للشمس بهاها / وتعانقني وتظلّل روحي يسراها.."..
هي عكا إذن، والصورة أوضح من أن تستباح لتلمس جوانب الشراع والتدقيق في خط سيره ووجهته.. عكا هنا تفتح القلب جرحاً وتواصلاً وكثيراً من انتظار. فإلى جانب غناء الانتفاضة، والتغني ببطولاتها، هناك هذا التواصل مع كل ما تحمل من صور المجد والشموخ والتاريخ، وهناك انفتاح الجرح على السؤال: إلام تبقى الطرقات حبيسة هذا القيد الثقيل، وإلام تبقى الخطوة الجارحة على مثل هذه الدروب.. وعكا لا يقولها الشاعر هنا بقدر ما تتلوه، ولا يقولها الشعر هنا بقدر ما تبث فيه من معان وأغنيات. لذلك كانت عكا في مثل هذا التواصل مع الانتفاضة.
أخيراً نقف عند قصيدة "مشاهد أزلية" المنشورة عام 1990 حيث التقديم "في الأمس عاداني الكرى / وقضيت ليلي ساهراً ومفكراً / نجم علا / نجم هوى / والقلب يعصره الجوى / ماذا جرى / حزني مع الكلمات يستبق المعاني والرؤى" والختام: "أم الشهيد تهزني / وتصيح بي / ما زال يمرح بيننا / دمه سراج في الليالي المظلمه / نهر جرى / يمحو الأسى / ويفكّ أسر العاشقين بفيضه / ويروّي أقداس الثرى / نجم علا / نجم سرى / والقانعون بعريهم / وبزيفهم / حصدوا النوى..".. وطبيعي أن الصورة تختلف بين التقديم والختام، ليكون دم الشهيد صرخة تحارب الحزن والبؤس وتسعى إلى تأكيد التفاؤل بالغد، لذلك كان السراج في الليالي المظلمة، وكان النهر الذي يمحو الأسى، ويفكّ أسر العاشقين بفيضه.. ونعود إلى القول إنّ الشاعر لا يذكر الانتفاضة ومفرداتها التي تكررت في قصائد شعراء كثيرين، بل هي عنده ذات وقع مغاير في امتداد صورتها. فالانتفاضة عند فتحي القاسم ممتدة في الحياة وملتصقة بجزئياتها ومتفاعلة كل التفاعل مع ألوانها. والأغلب أنّ الحياة في الوطن المحتل تقول الانتفاضة بكلِّ صيغة وكل لون، وهو أمر واقعي إلى أبعد حد.
لا داعي هنا لفصل الانتفاضة عن الحياة اليومية، لأن الحياة اليومية انتفاضة. وكلّما أوغلنا في رسم تفاصيل هذه الحياة ازددنا قرباً من رسم معالم الانتفاضة.. ويبقى أنّ الشاعر فتحي القاسم صاحب صوت متميز في عالم القصيدة المقاومة، وله بصمته التي تتبدى في هذه القصيدة أو تلك لتقول بشاعريةٍ عرفنا بعض جوانبها من خلال النماذج السابقة.
* * * * *
يُتبَع
حواء سعيد 09-06-2004, 08:05 PM (( القمر الثاني عشر ))
حنان عواد
وصورة الحب
في تسجيل صورة الحرية، أو محاولة الدخول إليها تعريفاً وكتابة، ترى الشاعرة الفلسطينية حنان عواد، أنّ الحرية يجب أن تكون أكثر من كلام، أكثر من عبارة تقال. من هنا جاءت العلاقة بين الرجل والمرأة فلسطينياً واضحة المعالم.. في مقال لها تقول الشاعرة: "إذا اعتقد البعض أن الحرية هي الخروج من دائرة وهم إلى دائرة أخرى والتعلّق بمفاهيم سطحية، فإنني أقول، تظل الحرية قيمة نضالية راقية جداً، وعميقة بلا حدود. والوصول إليها يستدعي التضحيات من أجلها.. إنها حرية الفكر، حرية الإرادة والتوجه نحو الفعل الجاد البناء.. هي الأيدي الفلسطينية المتوجهة نحو النور والانتصار.. لا نستغرب إذا وجدنا امرأة رائعة تقوم بدورها الإنساني والنضالي بشكل متميز. كما لا نستغرب إذا رأينا رجلاً عظيماً في دائرة الضوء، فكما يقال وراء كل رجل عظيم امرأة نقول أيضاً: إن وراء كل امرأة فلسطينية عظيمة، رجلاً فلسطينياً عظيماً.. يؤكد هذا الدور ويسانده"...
ومن فاصلة الحرية، ننتقل إلى التداخل مع فعل وعطاء الانتفاضة، حيث تقول الشاعرة في حوار معها - مجلة بلسم عدد 180 حزيران 1990 - واصفة الذات التي كانت وتأثير الانتفاضة عليها: "كثيراً ما أبحث عن نفسي فأجد نفسي في أبعاد كثيرة وأشياء كثيرة مع الكثير من الناس في لحظات عندما أخلو إلى نفسي أحاول أن ألملم شتات الذات التي أبحرت في قلب فلان، وانطلقت في ذاكرة فلان، وتماوجت على ملامح قلم فلان، أو عبرت إلى عوالم كثيرة، فألملمها بتلقائية في لحظات صغيرة ولكن ما أكاد أراها إلا وتنطلق ثانية مع سبق الإصرار والترصد لتذهب إلى الآخر، وتسبقني دائماً إلى حيث يكون هو، الإنسان، الوطن الفكرة الراقية والسامية.. لقد أخذتني الانتفاضة مني، وأعادت لي ذاتي من جديد وأعطتني الانتفاضة حنان، أعادت إليّ الروح المتأججة في زمن النصر، أعطتني حنان في زمنها الصاعد.."..
وحين تقترب حنان عواد من مسافة الحلم وانعكاس الصورة على الواقع، تبدأ من فاصلة الكتابة، فترى أن الكتابة هي المطلق: "الاستشراف، النبوءة للمستقبل المضيء. حتى تعكس الليل لا بد أن تصور النهار. بالنسبة لواقعنا الفلسطيني أنا أؤمن بالإنسان أؤمن بالثورة، أؤمن بالوعي، وأؤمن بأن الحلم هو الطريق لتحقيق هذه الأمور، فحين نفقد حلمنا وانتماءنا للأشياء، نفقد بالتالي طريقنا إلى الثورة وإلى الحب والعشق، ولذلك في موقعنا الفلسطيني، الحلم هو حقيقة" أنا "صورتُ في أكثر من موقع رحلة الزفاف الفلسطيني، العروس فلسطين، العريس هو البطل أو الفدائي، والفدائي لا يشكل الشخصية الفلسطينية كلها، فهناك الطفل الفلسطيني الذي يرفع شارة النصر، والشيخ الذي يمشي على عصاه ويلبس الكوفية الفلسطينية، التي تعطي ملامح التراث، ملامح الحياة الفلسطينية، والمرأة الفلسطينية التي تحكي اللغة الفلسطينية المنطوقة البسيطة، دعواتها، ملامح المسجد، ملامح الكنيسة.. طرقات الشباب على شوارع المدينة المقدسة، قواتنا الضاربة.. حلم واقع كل هذه التشكيلات في زمن الانتفاضة، في زمن الوعي، في زمن الثورة. حلم ممزوج بواقع وواقع الحلم الذي أؤمن به أحاول أن أحوله إلى واقع.."..
في الانتقال إلى الذات الشاعرة، نتعرف في "أشواق" حنان عواد على شاعرة تكتب الوطن بلغة الحب، ترسم الانتفاضة بألق لا ينطفئ تسافر طويلاً مع الكلمة المعبأة بكل تفاصيل الانتفاضة، وهي لذلك بنت السلاح: "أقاتل الإعصار من أجلك / أنا بنت الجراح الخضر / جئت الكون في ظلك / أعود عليك / في رايات ثورتنا"..
حنان لا ترسم الظل، لا تريد أن تعايش الظلال.. ولأن النهوض فعل انتفاضة، فعل ثورة وحجارة وأطفال يولدون أكبر من أعمارهم في فلسطين.. فقد كانت العودة إلى الذات والتصالح معها، عودة إلى تفاصيل الحلم الفلسطيني المرتبط ارتباطاً وثيقاً بتأسيس الواقع. هنا محاولة للتواصل مع كلّ أقانيم الذات. فالاشتعال الذي ترسمه الانتفاضة ألقاً رائعاً، لا يكون دون اشتعال وتوهج الذات الفلسطينية.. ألا تدعو شاعرتنا إذن إلى ضرورة التوحد مع الأمل والتفاؤل...؟؟..
تقول الشاعرة حنان عواد: "سأبني قارباً في الشمس / سأبحر نحو هذا العرس / سأنهي قصة في الأمس / أحلى ما يكون الأمس / وأحلم يوم عودتنا..".. إذ الشمس أكثر اقتراباً، أكثر اشتعالاً، أكثر جمالاً وفاعلية أيضاً. هنا فعل البناء المرتبط بالإبحار، يشكل حركة مقصودة في ألوانها وأبعادها.. الشاعرة لا تنظر إلى الشمس، ولا تقول بإشراقتها المستقبلية كما جرت العادة، بل انتقلت لتبحر في خضم الشمس إن صح التعبير.. الشاعرة تبني قاربها، تدفعه، ثم تذهب في أروع إبحار. الانتفاضة في هذه الحالة دخول في الشمس، وارتباط وثيق بها. ما عاد يكفي أن يقال: "ستشرق الشمس" أو "ستكون" بل لا بد من القبض على شعلة التفاؤل ليكون الإنسان الفلسطيني جزءاً منه.. وطبيعي أن تأتي صورة العرس على هذا الشكل الذي أوردته الشاعرة ثم يكون الحلم المتصل بالعودة..
حنان عواد تدفع القصيدة أكثر من مرة لترسم علاقة حب جديدة بين رجل وامرأة.. هنا لا نستطيع أن نأخذ الحالة برتابتها المعروفة. الحب يتشكل ليكون حباً فلسطينياً، حباً في زمن الانتفاضة، زمن الثورة والاشتعال. هناك خصوصية.. ملامح أنثى لا نراها في الوجه اللامع لمرآة.. زمن الأنثى المتداخل مع زمن الوطن.. زمن النهوض.. والذاكرة حين تستحضر صورها، لا تذهب بعيداً في رتابة الأشياء: "يعذبني دمي المغدور / يطاردني عذاب السجن / تطحنني عظام القبر / أنزف من شراييني / فلسطيني.. فلسطيني..".. وحين يأخذ مثل هذا الاستذكار أو التذكر حيّز التلافيف في الدماغ، يكون حب الأنثى حباً للرجل الوطن، أو الوطن الرجل.. من هنا، وعلى مسار هذه الصورة، هل نستطيع الدخول أكثر في تفاصيل هذا الحب.. تفاصيل الألوان الداخلة في تشكيل لوحة خصبة تقول بحب استثنائي عند الشاعرة..؟؟..
قد يكون تعبير الرجل الوطن، أو الوطن الرجل، هو التعبير الأقرب إلى طرح المعادلة بالشكل الصحيح، فالحب حالة إنسانية، حالة تقارب طبيعي بين اثنين، امرأة ورجل.. هنا وفي الالتفات إلى الخصوصية الفلسطينية، لا نلغي أي صورة من صور الحالة في توقدها وروعتها الإنسانية.. لكننا نضيف إليها حالة الارتباط بالخصوصية الفلسطينية، بالزمن الفلسطيني المعاش بكل أبعاده وفصوله.. الأنثى تحب رجلاً يشتعل عطاء للوطن، والرجل يحب أنثى تشتعل عطاء للوطن.. الحب في مثل هذه الحالة، وعلى هذا الشكل، يصبح حباً خاصاً ذا ملامح متميزة: "وليس سواك ملء العين / ملء اللون يعنيني / أحبك أيها الجسد الفدائي / الذي يمضي بلا كفن / أحبك راية تعلو / وترفع في ذرى وطني.."..
مثل هذا الإطار للحب، أو مثل هذا الخصب في اللون، يؤدي إلى نبض مشتعل دائماً بحب الوطن.. لا نستطيع أن نفصل بين وطن وإنسان، بين صورة أرض وصورة رجل وأنثى.. التداخل واضح.. الرجل الحبيب ينتمي إلى فلسطينيته، والمرأة الحبيبة تنتمي إلى فلسطينيتها، ليس في ذلك أي نوع من التضييق أو سواه.. فالحالة خاصة، واستتبعت بالضرورة وجود حب خاص "أحبك أيها الرجل الفلسطيني / تحمل راية تعلو على الرايات / أحبك أيها الأمل الفلسطيني / عمراً رائع اللحظات / أحبك آية من أعظم الآيات"..
في التأكيد على جوانب مثل هذه الصورة، وفي الارتداد إلى تفاصيلها، تجيب حنان عواد حين يأتي السؤال: "الرجل المنتقى هو الفارس، ولكنه ليس كل رجل.. الرجل بشكل عام أرى فيه صورة جميلة، استقيناها من حضارتنا، وعراقتنا العربية، الرجل الشهم، المفكر، المبدع، الذي لا يقبل الضيم، الذي يحمي المرأة يحترمها ويخترق معها جميع الحواجز والصعوبات إليها، ويعبر معها رحلة الإشراق". أما الرجل الفارس فهو "الذي يرفض الاحتلال، ويعشق الأرض، ويسير إليها متحدياً تفاصيل الأشياء.. لذلك أحترم بشدة ذلك الرجل الذي يمتد من عمق الفكر إلى عمق القلب إلى المركز الفاعل والمنفعل ذلك الذي ترتسم في ملامحه كل جماليات الوطن والأشياء. ليست الوسامة مقياس الرجولة فالرجولة موقف" / بلسم 180 /.
ترسم حنان عواد أفقاً رحباً لمعادلة جميلة يكون فيها الوطن هو الإنسان، والإنسان هو الوطن، ولا تلجأ في أي ملمح إلى إلغاء هذا اللون أو ذاك.. وحين تنظر إلى علاقة الرجل بالمرأة، فإنها تسجل حضور وعيها المتميز للعلاقة وخصوصيتها فلسطينياً… ولأن شاعرتنا مصرّة على الحلم، الحلم الذي يصب في بناء الواقع، كانت القصيدة مفتاح تواصل مع طرفي المعادلة.. تقول في "إلى فارس لم يتوقف حلمه": وتغازل ذاك القلب / الخافق في الأعماق / خيوط خاكية، تتماوج فوق الجسر المشرع للموت / يعانقها ويفجرها / عشقاً ولهبْ / يا زهرة وطن الأحزان سيشرق هذا الجرح الذاهب في مملكة النفي / ويعود إليك أمان / يغزله من رمش الفجر المرسوم على أروقة الروح وعرس الأرض حنان"..
وبعد.. هي صورة شاعرة.. وصورة وطن.. صورة حب سجل حضور الشجر والماء وأرصفة الشوارع الواقفة في وجه ظلمة الليل..
* * * * *
مجهود رائع أستاذتي ... الثالث عشر ننتظره
محبتي
حواء سعيد 05-07-2004, 11:55 PM مجهود رائع أستاذتي ... الثالث عشر ننتظره
محبتي
شكراً لك نضال
الثالث عشر في الطريق
|