نايف القاضي
06-05-2003, 12:08 AM
جاءت الجارية بطست الماء ليغسل الموجودون أياديهم ، كان الوقت أصيلا.. ولكن العادة جرت منذ زمن طويل أن يأكل أهل البيت وجبتين في النهار.. على أن تكون وجبة الأصيل خفيفة لا تحول دون تناول وجبة العشاء ..
الجارية ( آس ) وضعت الطست ، لم تفتها النظرة الوخازة التي تشتعل في عيني ناصر الدين ـ جار مولاها ـ . كان مولاها يقول : ــ وأخيرا سكتت الحرب التي وقعت بين أهل السنة والشيعة ببغداد .
بان في وجه ناصر الدين بعض الامتعاض لكنه رد :
ــ لم يحن الفرح بعد ، التتار على أبواب العراق كما ترى ، وقد سمعت بأذني هاتين اللتين سيملؤهما التراب أن الوزير العلقمي يكاتبهم .
فرغوا من غسل أيديهم ، وعادوا إلى السعفة المفروشة على ظل الجدار . وصاح مغيث بجاريته " علينا بالنبيذ " ثم التفت إلى جاره :
ــ لو كنت أحزن لشيء لحزنت لمصادرة بساتين النخل بالكرك .
ــ لا عليك ما دام ربك قد وسع عليك .
جيء بالنبيذ ، وجلسا حتى رفع المؤذن أذان المغرب فانصرف ناصر الدين ودخل مغيث إلى كنيف داره .
****************
في أصيل يوم ما من العام التالي ( 656 هــ) كانت الدار خاوية . وكان اثنان من صعاليك بغداد يجلسان على دكة الدار تحت ظل الجدار،اليوم يقطنان الدار بوضع اليد ، لم يبق في بغداد من الأسر من يمكن أن يكون لهم شأن ، وطأتهم الخيول بحوافرها ،ولأول مرة ميازيب البيوت سالت دون أن يكون ثمة سحاب ، لكن المطر كان دما ..
قال الأول " سمعت أن جارية صاحب هذا البيت هربت مع جاره قبل الاقتحام " .
رد الثاني :
ــ وتردد أن صاحب الدار لم يمت بأيدي التتر ، بل أصبح مقعدا مشلولا بمفاجأة هروب جاريته، واغتاله ابنه الأكبر وهرب بماله إلى الشام قبل الاقتحام أيضا .
ــ الأسوأ من ذلك أن الوزير ومن تبقى ممن معه من الجنود نزعوا سلاح الحي في الفترة السابقة للاقتحام زعما منهم أنهم في أشد حاجة إليه ، لأن المتطوعين كالرمل عددا ، لا ينقصهم سوى السلاح .
ـــ لم يكن أحد في حاجة إلى حديدة واحدة ، ولا حتى إلى هراوة ، فالكل هربوا غربا إلى الشام ، أنا لو هربت لما أخذت إلا المال الأحمر أو الطعام، والآبار والمشارب غربا لا حصر لها، فقد عمرت منذ عهد لا أذكره وربما كان ابن الأثير نفسه لا يذكره.
قال الأول :
ـــ كيف تهرب وقد سكرت في ليلة الاقتحام وضاجعت ثلاث نساء ؟
ـــ ما كنت وحدي ، ولم أكن أخشى سطوة الحسبة في ليلة كتلك ، وقد كان سكرنا في تلك الليالي مهربا لنا من القتل كما رأيت ، لم يكونوا يقتلون السكارى رغم قتلهم للأطفال والنساء ، ولولا سقوطي على وجهي سكران لما سقطت أسناني الأمامية كما ترى ، لن يدخل أحد من التتار جهنم بسببي.
قال الأول :
ــ أفضل أن أقتل بيد التتار على أن تسقط أسناني وترفض حتى العجائز تقبيلي .
غابت الشمس .. نهض الثاني ليؤذن أذانا مكسرا لا تظهر من خلاله مخارج الحروف من بين أسنانه المحطمة ؛ في حين أدار الأول وجهه إلى الجدار وقضى حاجته في نفس المكان الذي بسطت فيه السعفة قبل ما يقدر بعام واحد من هذا اليوم .
ــ تمت ــ
منقولة
الجارية ( آس ) وضعت الطست ، لم تفتها النظرة الوخازة التي تشتعل في عيني ناصر الدين ـ جار مولاها ـ . كان مولاها يقول : ــ وأخيرا سكتت الحرب التي وقعت بين أهل السنة والشيعة ببغداد .
بان في وجه ناصر الدين بعض الامتعاض لكنه رد :
ــ لم يحن الفرح بعد ، التتار على أبواب العراق كما ترى ، وقد سمعت بأذني هاتين اللتين سيملؤهما التراب أن الوزير العلقمي يكاتبهم .
فرغوا من غسل أيديهم ، وعادوا إلى السعفة المفروشة على ظل الجدار . وصاح مغيث بجاريته " علينا بالنبيذ " ثم التفت إلى جاره :
ــ لو كنت أحزن لشيء لحزنت لمصادرة بساتين النخل بالكرك .
ــ لا عليك ما دام ربك قد وسع عليك .
جيء بالنبيذ ، وجلسا حتى رفع المؤذن أذان المغرب فانصرف ناصر الدين ودخل مغيث إلى كنيف داره .
****************
في أصيل يوم ما من العام التالي ( 656 هــ) كانت الدار خاوية . وكان اثنان من صعاليك بغداد يجلسان على دكة الدار تحت ظل الجدار،اليوم يقطنان الدار بوضع اليد ، لم يبق في بغداد من الأسر من يمكن أن يكون لهم شأن ، وطأتهم الخيول بحوافرها ،ولأول مرة ميازيب البيوت سالت دون أن يكون ثمة سحاب ، لكن المطر كان دما ..
قال الأول " سمعت أن جارية صاحب هذا البيت هربت مع جاره قبل الاقتحام " .
رد الثاني :
ــ وتردد أن صاحب الدار لم يمت بأيدي التتر ، بل أصبح مقعدا مشلولا بمفاجأة هروب جاريته، واغتاله ابنه الأكبر وهرب بماله إلى الشام قبل الاقتحام أيضا .
ــ الأسوأ من ذلك أن الوزير ومن تبقى ممن معه من الجنود نزعوا سلاح الحي في الفترة السابقة للاقتحام زعما منهم أنهم في أشد حاجة إليه ، لأن المتطوعين كالرمل عددا ، لا ينقصهم سوى السلاح .
ـــ لم يكن أحد في حاجة إلى حديدة واحدة ، ولا حتى إلى هراوة ، فالكل هربوا غربا إلى الشام ، أنا لو هربت لما أخذت إلا المال الأحمر أو الطعام، والآبار والمشارب غربا لا حصر لها، فقد عمرت منذ عهد لا أذكره وربما كان ابن الأثير نفسه لا يذكره.
قال الأول :
ـــ كيف تهرب وقد سكرت في ليلة الاقتحام وضاجعت ثلاث نساء ؟
ـــ ما كنت وحدي ، ولم أكن أخشى سطوة الحسبة في ليلة كتلك ، وقد كان سكرنا في تلك الليالي مهربا لنا من القتل كما رأيت ، لم يكونوا يقتلون السكارى رغم قتلهم للأطفال والنساء ، ولولا سقوطي على وجهي سكران لما سقطت أسناني الأمامية كما ترى ، لن يدخل أحد من التتار جهنم بسببي.
قال الأول :
ــ أفضل أن أقتل بيد التتار على أن تسقط أسناني وترفض حتى العجائز تقبيلي .
غابت الشمس .. نهض الثاني ليؤذن أذانا مكسرا لا تظهر من خلاله مخارج الحروف من بين أسنانه المحطمة ؛ في حين أدار الأول وجهه إلى الجدار وقضى حاجته في نفس المكان الذي بسطت فيه السعفة قبل ما يقدر بعام واحد من هذا اليوم .
ــ تمت ــ
منقولة